← Джавами‘

Джавами‘ · id 37422

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

عبد الحي يوسف

Полный текст (933 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

حكم إمامة الصبي في الصلاة رابعاً: وهو عند المالكية: البلوغ، بناء على أن الصبي الذي لم يبلغ الحلم فإن الصلاة في حقه ليست فريضة إنما هي نافلة، ولا يصح عندهم أن يؤم المتنفل المفترض.

стр. 772

أدلة المجوزين لإمامة الصبي استدل المجوزون لإمامة الصبي بحديث عمرو بن سلمة ﵁ أن أباه لما أسلم جاء إلى قومه وقال: جئتكم من عند رسول الله حقاً ﵊، وأنه ﵊ قد أوصاه بأن يصلي صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا، وأنه قال: (وليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً) قال: فنظروا فوجدوه أكثرهم قرآناً فقدموه بين أيديهم وهو ابن ست سنين أو سبع سنين. فهذا دليل على أن الصبي يصلي بالناس صلاة الفريضة، لأن قول الرجل عن النبي ﷺ صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا يدل على الفرائض الموقوتة بأوقات معلومة، ثم قوله ﷺ : (ليؤذن لكم أحدكم) أي: الأذان يكون للفريضة، فمعنى ذلك أن هذه الصلوات التي أم فيها عمرو بن سلمة قومه كانت صلوات مفروضة.

стр. 773

أدلة المانعين لإمامة الصبي والرد عليها المانعون لإمامة الصبي ردوا على هذا الحديث بأجوبة، منها: قوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم). والعدالة شرط في الإمامة، والصبي ليس عدلاً. وبأن صلاة الصبي غير صحيحة؛ لأن الصحة معناها موافقة الأمر والصبي غير مأمور. أما قولهم أن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاث) فالنبي ﷺ يخبر في هذا الحديث بأن هؤلاء الثلاثة: النائم والصبي والمجنون، لا تكتب عليهم سيئاتهم، فلو أن أحدهم أتى منكراً فإن الله برحمته لا يؤاخذه ولا يحاسبه، فلا علاقة بين النص وبين إمامة الصبي. أما قولهم: العدالة شرط في الإمام والصبي ليس عدلاً، فهذا القول ليس صحيحاً في طرفيه، فالعدالة ليست شرطاً في صحة الإمامة؛ لأنه تصح إمامة الفاسق. وأما أن الصبي ليس عدلاً فمن أين لهم ذلك؟ فليس بالضرورة أن الصبي ليس عدلاً. وكذلك قولهم بأن صلاة الصبي غير صحيحة؛ لأن الصحة معناها موافقة الأمر والصبي غير مأمور، فالجواب أن الصحة معناها استيفاء الأركان والشروط، والصبي يمكن أن يستوفيهما، فيمكن أن يتوضأ وضوءاً صحيحاً ثم يأتي بشروط الصلاة وبأركانها كاملةً، فتصح صلاته.

стр. 774

القول الراجح في إمامة الصبي القول الصحيح -والعلم عند الله تعالى- أن إمامة الصبي جائزة في الفريضة والنافلة؛ لأن النبي ﷺ قيد الأمر فقال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم سناً أو قال: إسلاماً) لذلك نجد الناس في كثير من المساجد إذا غاب منهم الإمام انتظروا حتى يأتي رجل بالغ أو مسن وفي القوم حفظة لكنهم صغار، فيقرأ المسن قراءة ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأنه استقر في عرف الناس أن الإمام لازم أن يكون رجلاً كبيراً في السن، أما الذي ما طر شاربه وما غلظت لحيته فلا يؤم الناس في الصلاة أبداً. والنبي ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم) وقال لوالد عمرو بن سلمة ﵄: (وليؤمكم أكثركم قرآناً) ولم يقل: وليؤمكم أكبركم سناً. نعم لو كان الحفظة كثيرين فإننا نقدم من كان أعلم بالسنة، ولو كانوا بالسنة سواء فإننا نقدم أقدمهم سناً، أما أن يتقدم أكبرهم سناً وفي القوم أحفظ منه للقرآن وأعلم بالسنة فلا ينبغي.

стр. 775

بقية شروط الإمام في الصلاة خامساً: أن يكون عالماً بشروط الصلاة وأركانها وبما يفسدها وبكيفية إصلاح الخلل الطارئ عليها. والنبي ﵊ بيّن أن من أشراط الساعة: (غلماناً يتخذون القرآن مزامير يقدمونه يغنيهم)، فلا يصير همنا أننا نقدم الذي صوته جميل، نعم الصوت الجميل مطلوب؛ لأنه يرغب في الصلاة، والتجويد مطلوب، لكن أهم من هذا أن يكون فقيهاً، فيعرف شروط الصلاة وأركانها ومبطلاتها، ويعرف كيف يصلح الخلل. لذلك نجد في كثير من المساجد الإمام يخطئ ثم بعد ذلك يقع في حيص بيص، فلا يسعفه فقهه ولا معلوماته، حتى بلغ الحال ببعض الأئمة- لما أكثر الناس من جداله- قال لهم: يا إخواننا امشوا وصلاتكم صحيحة على مسئوليتي، فما وجد حجة يقنعهم بها إلا أن يصرفهم بالأوامر العسكرية، فما يصلح هذا الكلام! فلابد للإمام أن يكون عالماً بالشروط والأركان.

стр. 776

أنواع البدعة سادساً: أن يكون سالماً من البدعة، والبدعة إما أن تكون مكفرة أو غير مكفرة.

стр. 777

صور البدعة المكفرة وحكم الاقتداء بصاحبها إذا كانت البدعة مكفرة فلا يصح الاقتداء بكافر، كمن يعتقد كفر الشيخين أبي بكر وعمر فهو ليس بمسلم؛ لأنه مكذب للقرآن. أو من يعتقد أن الصحابة قد ارتدوا بعد رسول الله ﷺ أو من يعتقد في قلبه أن الإسلام لا يصلح لزماننا هذا، وأن تشريعات الإسلام في قضايا المرأة كالحجاب والميراث، وفي قضايا الحدود وما أشبه ذلك، كانت صالحة للزمان السابق أما في القرن العشرين فلا. أو: من يعتقد أن الأولياء يتحكمون في الكون وأن ملك الموت لا يقبض روح أحد من العباد إلا بعدما يستأذن الأقطاب الأربعة أو الثمانية أو الستة عشر، فمن اعتقد أن لأحد في الكون تصرفاً سوى الله رب العالمين، أو أن الولي الفلاني يعلم الغيب، فليس من أهل الإسلام. لكن هناك بدع كثيرة ليست مكفرة، وتوجد في ممارسات الناس وأفعالهم ولا أطيل بذكر أمثلتها.

стр. 778

البدع التي ظهرت في عهد الصحابة وقد نجمت البدع في عهد الصحابة، كبدعة الخوارج نسأل الله العافية، وكذلك الشيعة وإن لم يظهروا بتكفير الصحابة، وإنما ظهروا بالتشيع لـ علي وتقديمه على الشيخين أبي بكر وعمر. ولذلك عندما تقرأ في تراجم بعض رواة الصحيحين وأن فيهم تشيعاً، فلا يخطر على بالك التشيع الموجود الآن، كما قيل في عبد الملك بن هشام صاحب السيرة ﵀. فالبدعة إذا لم تكن مكفرة، فلا حرج أن يصلي المسلم خلف المبتدع.

стр. 779

حكم إمامة الفاسق

стр. 780

الرد على من لا يجيز إمامة الفاسق سابعاً: أن يكون سالماً من الفسق، وهذا عند المالكية رحمهم الله تعالى، ويرد عليهم بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) رواه أبو داود وقال الحافظ: رواته ثقات. وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج. وأخرج مسلم أن أبا سعيد صلى خلف مروان بن الحكم. وقد ثبت تواتراً أن رسول الله ﷺ أخبر أنه (سيكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يا رسول الله بم تأمرنا؟ قال: صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة).

стр. 781

تعريف العدالة ليس من شرط الإمام أن يكون عدلاً. والعدالة هي: ملكة في النفس تحمل على فعل الجميل وترك القبيح، وأعلاها: ليس لها حد، وإنما المثل الأعلى رسول الله ﷺ ، وأدناها: السلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة. فالسلامة من أسباب الفسق ألا يكون الإمام سارقاً ولا زانياً ولا خماراً ولا مرابياً ولا فحاشاً ولا سباباً ولا لعاناً ولا بذيئاً ولا طعاناً. والسلامة من خوارم المروءة، بأن لا يأكل أمام الناس ما يسمى تسالي مثلاً أو لبانة أو يلبس الملابس التي لا تليق به.

стр. 782

صلاة بعض السلف خلف الحجاج بن يوسف ليس من شرط الإمام أن يكون عدلاً، فلقد تواتر عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يصلون خلف أئمة بني أمية وحالهم كما تعلمون. ومن ذلك: أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الذي كان يقول للناس: والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرج خارج من الباب الآخر ضربت عنقه. وخرج إلى صلاة الجمعة فسمع ضجة فقال: ما هذا؟ قالوا له: أهل السجن يشتكون من الحر. فقال: قولوا لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون. أي: جعل نفسه كرب العالمين! فهذا الرجل أخباره معروفة. والحسن البصري ﵀ -على ورعه- لما سمع بموت الحجاج، خرَّ لله ساجداً وخطب في الناس فقال: اللهم إنك أمت الحجاج فاقطع عنا سنته، فإنه جاءنا أخيفشاً أعيشاً يمد بيد قصيرة البنان، والله ما غبرها في سبيل الله، يصعد على المنبر فيخطب حتى تفوته الصلاة وتحته مائة ألف أو يزيدون، وما يقدر رجل منهم أن يقول له: الصلاة أيها الأمير، فاحمدوا الله على العافية. هيهات هيهات حال دون ذلك السيف والسوط. وكان من هؤلاء الذين يحضرون خطبة الحجاج أنس بن مالك، فكان يصلي ﵁ الفريضة جالساً، ويومئ في صلاته، خوفاً على خروج وقت الصلاة، فإذا نزل الحجاج ليصلي بالناس كان يصلي معه، ويعتبرها نافلة، أما الفريضة فقد أوقعها في وقتها؛ لأن النبي ﷺ قال: (سيكون أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان ويصلونها لغير وقتها -كـ الحجاج بن يوسف - قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة) فهذا دليل على جواز الصلاة خلف الفاسق؛ لأن الذي يميت الصلاة ويصليها لغير وقتها فاسقاً، وأجاز النبي ﷺ أن نصلي خلفه نافلة، ولا فرق بين النافلة والفريضة. وكذلك أبو سعيد الخدري كان يصلي خلف مروان بن الحكم والحديث معروف في صحيح مسلم، كان مروان أميراً على المدينة وأمر بمنبر الرسول ﷺ فأخرج يوم العيد، فطلع مروان المنبر، فأمسكه أبو سعيد بيده وقال له: الصلاة الصلاة، يعني: صلاة العيد أولاً ثم الخطبة، قال له: لو صلينا ما جلس لنا أحد، أي أنهم سينصرفون عنه لأنهم كارهين له، فقال له أبو سعيد: السنة، فقال له: يا أبا سعيد قد مضى ما تعرف، فقال أبو سعيد: والله للذي أعرف خير من الذي لا أعرف. وأبو سعيد قام يصلي خلف هذا الرجل، والعمدة في ذلك أن الرسول ﷺ أوجب الجهاد مع كل أمير براً كان أو فاجراً، وأوجب الصلاة خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر. الخلاصة: لا خلاف بين أهل العلم أن الصلاة خلف الفاسق مكروهة، إنما النزاع في الصحة، والأصل أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، والإجماع أن الصلاة خلف الفاسق مكروهة، والصحيح إن شاء الله أنها صحيحة؛ لأن هذا الفاسق استوفى الشروط والأركان، فصلاته لنفسه صحيحة فكذلك صلاته لغيره صحيحة. أما إذا كان الإمام يدخن أو يحلق لحيته أو يخففها، فلو أمكن أن يزاح من غير فتنة فهو المطلوب، أما إذا لم تكن إزاحته إلا بفتنة، فيختلف الناس في المسجد وتأتي الشرطة كما حصل في بعض المساجد فلا يزاح، فيصلى خلف الفاسق وحسابه على الله.

стр. 783

الأسئلة

стр. 784

الرد على من قال إن الخضر لا يزال حياً السؤال ما حكم من قال: إنه رأى الخضر؟ الجواب كثير من الناس يذكرون أنهم رأوا الخضر، فقد يكونون لقوا جنياً- مثلاً- وقال لهم: هو الخضر. خاصة أن بعض الأئمة الكبار مثل الإمام النووي يرى بأن الخضر حي، والإمام ابن القيم ﵀ ساق في المنار المنيف عشرة أدلة على أن الخضر قد مات، أوضحها قوله ﷺ لما كان قاعداً مع الصحابة: (أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يأتي على الناس مائة عام وعلى وجه الأرض نفس منفوسة ممن هو عليها اليوم) فلو كان الخضر حياً في تلك الليلة، فإذا تمت مائة سنة فالمفروض أن يكون قد مات. واستدل بقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وكذلك لو كان الخضر حياً لكان المفروض أن يأتي للرسول ﷺ ويبايعه ويصلي معه ويشهد معه الغزوات والمعارك. فحقيقة هذه المسألة التي حصل فيها ضلال كبير من بعض الناس الذين يقولون بأنهم رأوا الخضر، بلغ السخط ببعضهم أن قال: ذهبت لأحد الصالحين، وقلت له أريد أرى نبي الله الخضر، فقال: تأتي وتصلي معنا صلاة الجمعة. قال: فلما صليت أقبل رجل ثيابه وسخانه، فقلت للإمام: رأيت نبي الله الخضر؟ فقال لي: أنت لما كنت تصلي ورأيت ذلك الرجل الوسخان، فإنه نبي الله الخضر! فإلى الله المشتكى.

стр. 785

تابع شروط الإمام في الصلاة ثامناً: ألا يكون مأموماً بأن أدرك ركعة فأكثر، أما إن أدرك أقل من ركعة فتصح إمامته، وهذا عند المالكية وتقدم معنا أن الجماعة تدرك بركعة. فلو أنني جئت في التشهد الأخير، فسلم الإمام فقمت لأتم الصلاة، فيأتي بعض الناس المتأخرين فقدمونني ويصلون خلفي لأنني لست مأموماً، وتقدم معنا في المبطلات أن هذا الصنف من الناس لو سجد مع الإمام سجود السهو فإنَّ صلاته باطلة، أما إذا أدرك ركعة مع الإمام فهو مأموم فلا يصح أن يتحول المأموم إماماً. ويمكن أن يرد عليهم هذا الشرط بصلاة أبي بكر بالناس، وذلك (لما ذهب رسول الله ﷺ يصلح بين بني عمرو بن عوف حين تشاجروا حتى رمى بعضهم بعضاً بالحجارة، فتأخر الرسول ﷺ فقال سيدنا بلال لـ أبي بكر ﵁: حضرت الصلاة وقد تأخر رسول الله ﷺ ، فأقام بلال الصلاة وتقدم أبو بكر، فأقبل رسول الله ﷺ فبدأ الناس يتنحنحون وكان أبو بكر رجلاً إذا صلى لا يلتفت، فلما أكثر الناس من التنحنح التفت أبو بكر فرأى رسول الله ﷺ فأشار إليه أن مكانك، فحمد أبو بكر ربه ثم رجع القهقرى حتى قام في الصف وتقدم رسول الله ﷺ فصلى بالناس، وبعد الصلاة سأل رسول الله ﷺ أبا بكر: ما منعك أن تمكث إذ أمرتك، قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله) فالرسول ﷺ كان مأموماً فتحول إماماً، ولم يكن الرسول ﷺ مسبوقاً. فمن صلى الفريضة منفرداً فأراد أن يعيد مع الجماعة لتحصيل فضيلتها، فصلى بهم إماماً، فعند المالكية لا تصح إمامته؛ لأن صلاته الثانية نافلة. ويرد عليهم بحديث معاذ ﵁ أنه (كان يصلي مع رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم يذهب فيصلي بقومه)، حتى جاءوا فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله يأتينا معاذ بعدما كلت أبداننا في العمل بالنهار فيطول علينا، أي: يصلي بنا صلاة طويلة؛ لأنه فقيه ﵁، فالنبي ﷺ غضب وقال: (أفتان أنت يا معاذ! أين أنت من إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت) أي: أرشده ﷺ أنه يقرأ بسور المفصل القصيرة. ورواية ثانية أيضاً أن معاذاً صلى بهم فقرأ سورة طويلة، فانصرف أحد المصلين من الصلاة ثم ذهب إلى رسول الله ﷺ يشكو معاذاً، فقال معاذ: يا رسول الله إنه منافق، لأنه قطع الصلاة، فالنبي ﷺ تغيظ على معاذ وغضب وكرر له الكلام نفسه. لذلك الأصل في الإمام أن يخفف بالناس، وليس معناها أن ينقر صلاته، لأن الإمام ابن القيم قال: تعلق النقارون بحديث (من صلى بالناس فليخفف) أي: كأنهم جعلوا الحديث إذا صلى أحدكم بالناس فليستعجل. فالخلاصة في الشروط التي يجب أن تتوافر في الإمام: أن يكون مسلماً عاقلاً، ذكراً، عالماً بشروط الصلاة وأركانها وبما يفسدها وبإصلاح الخلل فيها، وأن يكون سالماً من البدعة المكفرة. ولا يشترط في الإمام أن يكون بالغاً، ولا أن يكون سالماً من البدعة غير المكفرة، ولا أن يكون سالماً من الفسق، ولا يشترط في الإمام ألا يكون مأموماً، وألا يكون معيداً ندباً. والكفر قد يكون كفراً ظاهراً، نحو: إنسان لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وقد يكون كفراً خفياً كمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلي مع الناس الخمس الصلوات لكنه والعياذ بالله متلبس ببدعة مكفرة قد تخفى على كثير من الناس. مثلاً يقال لك: إن فلاناً هذا شيوعي، فتقول: والله الشيوعي كافر. فيقال لك: لكنه يصلي. أو تجد مثلاً إنساناً كافراً اسمه محمود مثل عبد الله بن أبي بن سلول وهو كافر أخس من أبي جهل.

стр. 786

شروط الاقتداء

стр. 787

حكم نية الاقتداء بالإمام المسألة الرابعة: شروط الاقتداء، وهي كما يلي: أولاً: أن ينوي المأموم الاقتداء بالإمام أولاً، فلا ينتقل منفرد إلى جماعة إلا بنية، فمن صلى صلاة الظهر منفرداً -مثلاً-، ثم بعد ذلك وجد جماعة فلا يصح أن يدخل معهم في الجماعة إلا بعد أن يستأنف نية القدوة من جديد لعموم قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات).

стр. 788

حكم اختلاف نية الإمام عن المأموم في الصلاة ثانياً: أن يتساوي المأموم والإمام في عين الصلاة وصفتها، فلا تصح صلاة من يصلي الظهر خلف من يصلي العصر، ولا تصح صلاة من يصلي أداءً خلف من يصلي قضاءً، ولا تصح صلاة المفترض خلف المتنفل ولا العكس لعموم قوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه). لكن أيها الإخوان هذه المسألة تحتاج إلى نقاش، فقد ثبت من حديث عمران بن حصين ﵁ (أن رسول الله ﷺ ما سافر سفراً إلا صلى ركعتين فلما كان في غزوة الفتح مكث ثمانية عشر يوماً يصلي بالناس ركعتين إلا المغرب، وكان إذا قضى صلاته قال: يا أهل مكة! أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، أي: جمع مسافر) رواه أحمد، وكذلك كان يفعل عمر حين يقدم مكة رواه مالك في الموطأ. وثبت أن معاذاً كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة متفق عليه. وثبت أنه ﷺ كان في صلاة الخوف يصلي بكل طائفة ركعتين. وروت عائشة أنه ﷺ كان يعود من المسجد فيؤم أهله، فلو طبقت هذه السنة، بأن يصلي المسلم صلاة العشاء في المسجد ثم يرجع إلى أهله فيصلي بهم كما كان يفعل النبي ﷺ . وكذلك الحديث السابق الذي ذكرناه عن إمامة الفاسق، قال النبي ﷺ : (إنه سيكون أئمة يميتون الصلاة ميتة الأبدان، ويؤخرونها عن وقتها، قالوا: فما تأمرنا يارسول الله؟ قال: صلوا الصلاة لوقتها ثم صلوا مع القوم فإنها لكم نافلة) فأباح النبي ﷺ أن يصلي المصلي بنية النافلة خلف من يصلي مفترضاً، فهذا دليل على اختلاف عين الصلاة. كذلك النبي ﷺ أباح صلاة المسافر خلف المقيم والمقيم خلف المسافر، فقد اختلفت صفة الصلاة، ويأمر أهل مكة من ورائه أن يصلوها أربعاً. وثبت أن معاذاً ﵁ كان يصلي بالناس نافلة وهم يصلون فريضة، وثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي الفريضة ثم يرجع فيصلي بأهله، أي: بنسائه ﵊، فدل ذلك على أنه لا يشترط أن تتحد صلاة المأموم والإمام في عين الصلاة أو صفتها. أما قوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) يفسرها قوله ﷺ : (فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) يعني: لا تسابقوه ولا تماثلوه.

стр. 789

حكم من صلى قائماً خلف إمام قاعد ثالثاً: عدم نقص الإمام في القدرة على الأركان عن المأموم، فلا يصلي قادر على القيام خلف عاجز عنه. ويرد عليه بأن رسول الله ﷺ ثبت عنه بأنه (صلى قاعداً والصحابة من خلفه قيام). واختلف العلماء في قوله ﷺ : (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون) هل هو منسوخ أم أنه يفرق بين من ابتدأ الصلاة قائماً ثم جلس، ومن ابتدأها قاعداً من البداية، فتصوروا لو أننا نصلي جماعة وليس فينا قارئ إلا مقعد، أو أننا لا نعرف شروط الصلاة ولا أركانها، وما فينا إلا فقيه لا يقدر على القيام إما لعذر دائم أو لعذر طارئ، فهل يصلي بنا جاهل لا يعرف عن شروط الصلاة ولا عن أركانها شيئاً أم الفقيه؟

стр. 790

حكم من سابق الإمام في ركن من أركان الصلاة رابعاً: عدم مساواة المأموم للإمام في الإحرام والسلام، فإن تقدمه أو ساواه فيهما بطلت صلاته، والله أعلم. فبعض الناس يسبق الإمام في تكبيرة الإحرام والسلام، فمجرد ما يقول الإمام: أس، إذا به يقول: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم، فإذا سلم الإمام الثانية، إذا بالرجل في السيارة، فهذا صلاته باطلة، قال النبي ﷺ : (أما يخشى أحدكم إذا سابق إمامه أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار) نسأل الله العافية والسلامة. ومما يستدل به على جهل الإمام أن يطول في تكبيرة الإحرام أو في السلام، فمن صلى بالناس فليكبر تكبيرة الإحرام سريعاً وكذلك عندما يسلم، فقد يكون الإمام هو السبب في بطلان صلاة بعض المؤتمين، وما يصنعه كثير من الأئمة في السودان من التمهل في السلام، لا ينبغي ذلك. إذاً شروط الاقتداء ما يلي: الشرط الأول: أن ينوي المأموم الاقتداء بالإمام أولاً، فلا ينتقل منفرد إلى جماعة إلا بها. الشرط الرابع: عدم مساواة المأموم للإمام في الإحرام والسلام. أما الشرط الثاني والثالث فليس للمالكية دليل فيما ذكروا.

стр. 791

من تكره إمامتهم ؟

стр. 792

حكم إمامة الأعرابي للحضري المسألة الخامسة: من تكره إمامتهم؟ وهم ما يلي: أولاً: تكره إمامة الأعرابي -ساكن البادية سواء كان عربياً أو أعجمياً- بالحضري، لأن الرسول ﵊ قال: (لا تؤمن امرأة رجلاً، ولا أعرابي مهاجراً، ولا يؤمن فاجر مؤمناً) رواه ابن ماجة وفي إسناده عبد الله بن محمد التميمي وهو تالف من التلف، قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال غيره: كان يسرق الأحاديث ويخلط المتون، فهذا حديثه لا يصلح للاحتجاج. فلو أن أعرابياً تفقه في البادية وجاء ليصلي بنا، فهل نقول له: لا تصل بنا لأنك من البادية؟ لا يصح ذلك. لكن المالكية قالوا: الأغلب أن الأعراب في البادية يخلون بالسنن، حتى الذي يصلي منهم، ولو تأملتم الذين يبيعون الخراف، فإن أغلبهم جاءوا من البادية، وصلاتهم مخالفة للسنة، فالمالكية عندهم وجهة نظر في هذه المسألة، وهي أنه لا يؤم أعرابي -بدوي- حضرياً.

стр. 793

حكم إمامة من كان به سلس بول أو قروح ثانياً: ذو السلس أو القروح إلا لمثله، فذو السلس هو الذي لا يتحكم في البول عافانا الله جميعاً، كذلك الإنسان الذي عنده قروح، فقد تتفجر بدون اختياره، وقد تظهر بقع الدم وغيرها. فالمالكية يريدون أن تطمئن قلوب الناس تجاه الإمام فلا يداخلهم شك ولا ريب، ولذلك من كان به سلس أو قروح، فلا يستحب له أن يصلي بالناس.

стр. 794

حكم إمامة مجهول العدالة ثالثاً: مجهول الحال وهو الذي لا تعرف عدالته من عدمها، فلا نعرف عنه لا بدعة ولا سنة، فإمامته مكروهة، فإذا كان الإنسان لا يُعرف فلا يُقدم ليؤم بالناس، فإذا كنا في مرض الأبدان لا نذهب إلا إلى الطبيب المشهور، وإذا خربت السيارة فإننا نفتش عن الميكانيكي الممتاز، فلماذا فقط في الصلاة أي واحد يصلي بنا؟

стр. 795

حكم إمامة من لا يعرف أبوه رابعاً: مجهول النسب، وهو الذي لا يعرف من أبوه. روى الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن رجلاً كان يؤم الناس بالعقيق فأرسل إليه عمر بن عبد العزيز فنهاه، قال مالك: وإنما نهاه؛ لأنه كان لا يعرف أباه. وقال الإمام الباجي ﵀: لأن الإمامة موضع رفعة وشرف، وكل ما من شأنه أن يؤثر في ذلك فالأحسن تجنبه، كما أن ذلك قد يعرض الإمام لكلام الناس فيأثمون بسببه. فإذا كان هذا الرجل قد تفقه وتعلم فهو جدير بأن يصلي بالناس، وإن طعنوا فيه بسبب جهالة النسب.

стр. 796

حكم إمامة العبد خامساً: العبد لا يؤم الناس، وهذا عند المالكية. وفي زماننا هذا لا يوجد عبيد، لكن لو فرض بأن وجد سبيل شرعي للرق فقدر الله أن عبداً فقيهاً تقدم ليصلي بالناس، فعلى العين والرأس. والذي يدل على إمامة العبد، حديث ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون فنزلوا العصبة - موضع بقباء- قبل مقدم النبي ﷺ فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً، وكان فيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي رواه البخاري. فـ عمر بن الخطاب العدوي شريف وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي كريم وكلاهما قرشيان، وتقدم عليهما للصلاة سالم مولى أبي حذيفة ﵄؛ لأنه كان أكثرهم قرآناً، والرسول ﷺ قال: (خذوا القرآن من أربعة) وعد من بينهم سالماً ﵁. فالعبد يصلي بالناس؛ لأنه ثبت على عهد رسول الله ﷺ أن سالماً كان يصلي بالناس، فلذلك سيدنا عمر قال: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته -أي كنت سأجعله خليفة- فإذا سألني ربي قلت له: سمعت نبيك ﷺ يقول: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) وسالم هذا ممن رفعهم الله بالقرآن.

стр. 797

حكم إمامة الخصي سادساً: الخصي. وعلى هذا فإن الذين تكره إمامتهم ستة أصناف: إمامة الأعرابي للحضري، وإمامة ذي السلس وذي القروح إلا لمثله، وإمامة مجهول العدالة والنسب، وإمامة العبد، وإمامة الخصي.

стр. 798

من تجوز إمامتهم ؟ الذين تجوز إمامتهم هم: الأول: الأعمى، فيصح أن يصلي بالناس، والدليل على ذلك أن الرسول ﷺ استخلف عبد الله بن أم مكتوم مراراً، قيل: ثلاث عشرة مرة ليصلي بالناس لما كان يخرج إلى الغزوات، وأحياناً كان يستخلفه ﵊ إماماً ووالياً. الثاني: المخالف في الفروع، فمثلاً مالكي يصلي خلف شافعي أو حنفي يصلي خلف حنبلي والعكس؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا مختلفين في اجتهادهم، وكان بعضهم يصلي خلف بعض ولم يزل الناس كذلك. الثالث: الصبي، فيجوز أن يصلي بمثله. كذلك يجوز فصل الإمام عن المأموم بنهر صغير أو طريق بما يسمع معه قول الإمام أو مأمومه أو يراه، فمثلاً في الحرمين أو في غيرهما أحياناً قد يكونون في زحام، بحيث إن الناس يصلون وبينهم وبين الحرم شارع. وأحياناً هنا أيضاً في مساجدنا فإن الناس يضطرون للصلاة خارج جدار أو خارج صحن المسجد، فلا حرج أن يكون الإمام مفصولاً عن المأمومين، بحيث إن المأموم يسمع صوت الإمام، أو يرى الإمام، أو يرى من يرى الإمام، لحديث عائشة قالت: (كان لنا حصيرة نبسطها بالنهار ونحتجر بها بالليل، -أي نعملها حجرة-، فصلى فيها رسول الله ذات ليلة فسمع المسلمون قراءته فصلوا بصلاته التراويح، فلما كانت الليلة الثانية كثروا فاطلع عليهم فقال: اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا). قال الشوكاني رحمة الله عليه: الحديث يدل على أن الحائل بين الإمام والمؤتمين غير مانع من صحة الصلاة، والعلم عند الله.

стр. 799

نداءات الرحمن لأهل الإيمان [١] لقد نادى الله عباده المؤمنين بعدة نداءات بما يدل على تشريفه لهم، كما حثهم في غير ما موطن على مخالفة المشركين وأهل الكتاب، وبين لهم أنه إنما شرع الأحكام رحمة بهم وشفقة عليهم.

стр. 800

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا هو النداء الأول من نداءات الإيمان في كتاب الله وهو في الآية الرابعة بعد المائة من سورة البقرة، وهو قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤]. قال أبو حيان، رحمه الله تعالى: هذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة بالنداء الدال على الإقبال عليه، وذلك أن أول نداء أتى عاماً ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ [البقرة:٢١]، وثاني نداء أتى خاصاً: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٤٠]، وهي الطائفة العظيمة التي اشتملت على الملتين اليهودية والنصرانية. وثالث نداء لأمة محمد ﷺ المؤمنين، فكان أول نداء عاماً أمروا فيه بأصل الإسلام وهو عبادة الله، وثاني نداء ذكروا فيه بالنعم الجزيلة، وتعبدوا بالتكاليف الجليلة، وخوفوا من حلول النقم الوبيلة، وثالث نداء علموا فيه أدباً من آداب الشريعة مع نبيهم ﷺ ، إذ قد حصلت لهم عبادة الله والتذكير بالنعم والتخويف من النقم، والاتعاظ بمن سبق من الأمم، ولم يبق إلا ما أمروا به على سبيل التكميل من تعظيم من كانت هدايتهم على يديه.

стр. 801

مفردات الآية (يا أيها) يا: حرف نداء، وأي منادى، وها: حرف تنبيه. (لا تقولوا) أي: للنبي ﷺ ، راعنا: أمر من المراعاة، وكان المسلمون يقولون له ذلك وهي بلغة اليهود سب من الرعونة، فسروا بذلك وخاطبوا بها النبي ﷺ يعنون بها الرعن وهو الحمق والهوج. روي أن سعد بن معاذ ﵁ (سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه، قالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهي المؤمنون عنها). إن استخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود لعنهم الله يدل على مدى غيظهم وحقدهم كما يدل على سوء أدبهم وخفة وسيلتهم وانحطاط سلوكهم، ولا غرابة، فقد فعلوا ذلك مع الأنبياء قبل رسول الله ﷺ قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف:٦]، فهذه هي طبيعة اليهود مع سائر الأنبياء. ((وَقُولُوا -أي: بدلاً منها- انظُرْنَا)) أي: انظر إلينا وأقبل علينا وتأن معنا، من النظر والانتظار، (واسمعوا) أي: ما تؤمرون به سماع قبول وانقياد، لا سماع رد وعصيان، كما قالت اليهود: سمعنا وعصينا. قال أهل التفسير: حذف المسموع ليعم ما أمر باستماعه، فيدخل فيه سماع القرآن وسماع السنة التي هي الحكمة لفظاً ومعنىً واستجابة، ففيه الأدب والطاعة، وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله ﷺ ويلقي عليكم من المسائل، بآذان واعية، وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، (وللكافرين) أي: لليهود الذين سبوا رسول الله ﷺ عذاب أليم.

стр. 802

وجوب التأدب مع النبي ﵊ لقد جاءت الكلمة آمرة لعباد الله المؤمنين باستعمال الأدب الشرعي الواجب في مخاطبة النبي الأكرم ﷺ ، وترك الألفاظ التي فيها احتمال أمر لا يليق بجناب رسول الله، وفي تحقيق هذا المقصد جاءت آيات أخرى في القرآن كقول الله سبحانه: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، وقوله سبحانه: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢]، وقوله سبحانه: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٩]. وتوعد في هذه الآية الكفار الفجار ممن تعمدوا إساءة الأدب مع النبي الأكرم ﷺ بعذاب مؤلم جزاءً على كفرهم، وسوء أدبهم، كما توعدهم في آية أخرى بقوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة:٨].

стр. 803

من فوائد الآية في هذه الآية العظيمة فوائد كثيرة منها: أولاً: النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم. ثانياً: وجوب الأدب واستعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن. ثالثاً: ترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها احتمال لأمر غير حميد، ومن هنا أخذ المالكية ﵏ وجوب حد القذف بالتعريض. رابعاً: وجوب التأدب مع الرسول ﷺ في مخاطبته وترك استعمال أي لفظة قد يفهم منها غير الإجلال والإكبار له ﷺ . خامساً: وجوب السماع لرسول الله ﷺ والتقيد بأمره صلوات الله وسلامه عليه واجتناب نهيه، وعند مخاطبته لمن أكرمهم الله بمعايشته والجلوس إليه ﵊. سادساً: تحريف الكلم ليس أمراً غريباً على اليهود، قال الله في شأنهم ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٤٦]. سابعاً: النهي عن التشبه بالكافرين، قال ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم). ثامناً: وجوب التأدب عند سماع القرآن، قال تعالى: ((وَاسْمَعُوا))، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]. تاسعاً: أن العذاب الأليم جزاء لمن كفر وأعرض. عاشراً: التمسك بسد الذرائع، وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وأدلة سد الذرائع كثيرة، وقد دل على ذلك الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣] الآيات. وفي السنة حديث عائشة ﵂ في ذكر أم سلمة وأم حبيبة كنيسة رأتاها في أرض الحبشة وما فيها من التصاوير (فقال رسول الله ﷺ : أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله). وقال ﵊: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)، وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد). وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه). وقال ﵊: (إن من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)، فجعل التعرض لسب الآباء كسب الآباء. وقال ﵊: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم).

стр. 804

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة) النداء الثاني بوصف الإيمان في كتاب الله في الآية الثالثة والخمسين بعد المائة من سورة البقرة: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣]. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنها جاءت في ثنايا الحديث عن تحويل القبلة، وقد ذكر بعض المفسرين في نزولها سبباً الله أعلم به، قالوا: إن رسول الله ﷺ بعد أن مكث في المدينة يستقبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً أنزل الله عليه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤] فتهكم المشركون من أهل مكة وقالوا: مثل ما رجع محمد إلى قبلتنا سيرجع إلى ديننا. وهذا الكلام في واقع الأمر كذب؛ لأن الرسول ﷺ ما كان يوماً من الأيام على دين المشركين، وإنما فطره الله على دين إبراهيم حنيفاً مسلماً، فما تمسح بصنم، ولا طاف حول صنم، ولا ذبح عند نصب، ولا أكل مما كان يذبح على الأنصاب. وقد أمرنا الله في الآية التي قبلها بالشكر فقال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]، وفي هذه الآية أمرنا بالصبر، قال أهل العلم: والإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر؛ لأن الإنسان لا يخلو من حالتين، إما أن يكون في نعمة فيشكر الله عليها، وإما أن يكون في بلاء فيصبر، ويشهد لهذا قول رسول الله ﷺ : (عجباًِ لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن). فالله يخاطبنا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا))، والاستعانة: طلب المعونة، ((اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ))، الصبر حبس النفس على ما تكره، فالنفس قد تكره أحياناً نوعاً من أنواع العبادة كما قال الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، فتحبسها على هذا المكروه طالما أنه يرضي رب العالمين ﷻ ، والنفس أحياناً قد تشتهي المعصية وتكره تركها فتحملها على ما تكره. ((اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ))، فالله ذكر الصبر قبل الصلاة، قال الألوسي ﵀ في روح المعاني: لأن الصلاة نوع من أنواع الصبر، والصلاة تحتاج إلى صبر، فكون الإنسان يقوم لصلاة الفجر في الشتاء أو في الصيف مع قصر الليل، فهذا كله يحتاج إلى صبر، ولذلك قدم الله الصبر فكأنه خصوص بعد عموم. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)). (كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وقال: أرحنا بها يا بلال). وكذلك عبد الله بن عباس ﵁ فقد نعي إليه أخوه قثم بن العباس، وقيل: بل نعيت له بنت من بناته، فتنحى ﵁ وصلى لله ركعتين ثم قال: مصيبة جبرها الله، وعورة سترها الله، واستعينوا بالصبر والصلاة.

стр. 805

فضل الصبر قال الله : ((إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))، هذا تذييل في معنى التعليل، ((اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ))؛ لأن الله ﷻ مع الصابرين، معية تستلزم التوفيق والنصرة والتأييد وإجابة الدعوة وتحقيق الرغبة، وهذه مزية ليست لغيرهم، قال علي بن الحسين ﵁: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب؟ فيخرج عنق من الناس يتوجهون إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة يقولون لهم: إلى أين يا بني آدم؟ يقولون: إلى الجنة، يقولون: قبل الحساب؟ يقولون: نعم، يقولون لهم: فمن أنتم؟ يقولون: نحن الصابرون، يقولون لهم: وما كان صبركم؟ يقولون: صبرنا على طاعة الله وصبرنا عن معصية الله حتى توفانا الله، فتقول لهم الملائكة: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. قال الحافظ ابن كثير ﵀: ويشهد لهذا قول الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]. والصبر ذكر في القرآن كما قال الإمام أحمد ﵀ في تسعين موضعاً، أي: في تسعين آية من كتاب الله، تارة يأمر به، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٤٨]، وتارة ينهى عن ضده كالاستعجال، ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥]، والوهن والحزن ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران:١٣٩]، فهذا كله ضد الصبر، وتارة يبين الله عز جل عاقبة الصبر: ((إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ))، وتارة يبين ﷻ أنه مع الصابرين، وأن جزاءهم الجنة، وأنهم الناجون من الخسارة ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٢ - ٣]، وغير ذلك من المواضع.

стр. 806

أحكام الصبر قال أهل العلم: الصبر تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة: فتارة يكون واجباً وتارة مندوباً وتارة مكروهاً وتارة حراماً وتارة مباحاً، فيكون واجباً في ثلاث حالات. الأولى: الصبر على فعل الواجبات، وفي اليوم الأول من أيام رمضاًن الغالب على الناس أنهم يعانون فيه ما يعانون لكنهم يصبرون، وهذا صبر واجب، لا مفر منه؛ لأن الصيام يحتاج إلى صبر، والحج يحتاج إلى صبر، وإخراج الزكاة الواجبة يحتاج إلى صبر، فتحمل النفس على ما تكره، صبر على فعل الواجبات. الحالة الثانية: الصبر على ترك المحرمات، ولو تأملنا حال نبي الله يوسف ﵇، لوجدنا أنه نموذج عال للصبر، فإنه لما دعته امرأة العزيز ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] صبر ﵊، وقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣]، فصبر عن فعل المعاصي. الحالة الثالثة: الصبر على أقدار الله المؤلمة، مثل المصائب التي تنزل بالإنسان مما لا اختيار له فيها كالمرض الذي يصيب الإنسان وكفقد الولد، ففي مثل هذا يلزمه الصبر. النوع الثاني: الصبر المندوب أو المستحب، وهو أيضاً على ثلاثة أنواع. أولاً: الصبر على فعل المستحبات، كالصبر على صلاة التراويح فهي ليست واجبة وإنما هي مستحبة، والصبر عليها مستحب. ثانياً: الصبر عن فعل المكروهات، فالشيء الذي ليس بحرام ولكنه مكروه يندب لك أن تصبر عنه. ثالثاً: الصبر عن مقابلة الجاني بمثل فعله، فلو أن إنساناً شتمك فإنه يستحب لك أن تصبر عليه، وكذلك إذا ضربك، أو أساء إليك، وهذا هو الذي كان يفعله رسول الله ﷺ ، فإنه أوذي ومع ذلك كان صابراً؛ لأن الله أوصاه بذلك فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤]. النوع الثالث: الصبر المحرم: ومن أمثلته أن يصبر الإنسان عن الطعام وعن الشراب حتى يموت، وهو ما يسمى الآن بالإضراب، أو يمسك عن لحم الخنزير أو عن الميتة في المخمصة والمجاعة حتى يموت، قال بعض أهل العلم: لو أنه في مجاعة فلم يأكل ما أباح الله له من ميتة أو خنزير فمات دخل النار؛ لأن هذا صبر محرم، ومثله أيضاً أن يصبر المؤمن على اعتداء الكافر حتى يقتله أو ينتهك عرضه، فهذا صبر محرم، بخلاف الصبر في الفتنة بين المسلمين، فإن السنة في ذلك الصبر، فلا تحمل سلاحاً، ولا ترفع سيفاً كما قال رسول الله ﷺ : (كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)، دعه يبوء بإثمه وإثمك، والله أثنى على خير ابني آدم الذي قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨].

стр. 807

صبر النبي ﵊ رسول الله ﷺ قد أمر بالصبر وصبر صلوات الله وسلامه عليه، فقد نشأ يتيماً، لم ير أباه فصبر، وفقد أمه لما بلغ السادسة فصبر، وفقد جده لما بلغ الثامنة فصبر، وصبر على العيلة، وهي الفقر، كما قال الله : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى:٦ - ٨] أي: فقيراً ﴿فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨]، فقد كان يمر عليه الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار، وما له من طعام إلا الأسودان ﵊. وصبر على أعباء النبوة، ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، بالليل والنهار، ثم صبر على أذى المشركين بألسنتهم وأيديهم، فربما طرحوا على رأسه الأوساخ وهو ساجد ﵊. ثم صبر بعد ذلك على الأعراب وجفائهم وغلظتهم، فقد قال له أعرابي: (يا محمد! اتق الله، إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال رسول الله يرحم الله موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر). وصبر ﷺ على المنافقين، فقد تكلم عبد الله بن أبي عنه بكلام السوء، فمرة يقول له: يا محمد لقد آذاني نتن حمارك، ومرة يطعنه في عرضه ﷺ فيتكلم في عائشة بقالة السوء، ومرة يطعن في ذمته المالية ويتهمه بالغلول، فينزل الله قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران:١٦١] ومرة يصف النبي ﷺ بوصف مذموم فيقول عبد الله بن أبي لعنه الله: ما نحن ومحمد إلا كما قالت العرب: سمن كلبك يأكلك، ومع ذلك لما جاء بعض الصحابة يستأذن في قتل ذلك الكافر الأثيم قال ﵊: (بل نحسن صحبته ما استطعنا؛ لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). ثم مات أولاده كلهم، القاسم وعبد الله وإبراهيم ورقية وزينب وأم كلثوم، ولم يبق له إلا فاطمة ﵂ فصبر ﵊، لقد مات عدد من أحفاده، وأعمامه، وأزواجه فصبر؛ لأنه ﷺ يعلم بأن الصبر هو شطر الإيمان، والصوم نصف الصبر، فالصوم ربع الإيمان، ولذلك مطلوب من المؤمنين أن يصبروا على هذه العبادة المبارك الطيبة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].

стр. 808

صبر أيوب ﵇ ومن النماذج العظيمة في القرآن نبي الله أيوب ﵇ الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، قيل: إنه مكث في البلاء ثمانية عشر عاماً حتى تقرح جلده صلوات الله وسلامه عليه، وما شكا لأحد من الناس.

стр. 809

صبر يوسف ﵇ ونبي الله يوسف ﵇ ألقي في الجب بتآمر إخوانه فصبر، وأخرج من الجب وبيع عبداً رقيقاً فصبر، ثم أصبح خادماً في بيت عزيز مصر فصبر، ثم ابتلاه الله بالمرأة الفاجرة فصبر، ثم ابتلاه الله بالنسوة الفاجرات اللائي يحرضنه على الفاحشة يقولهن: أطع مولاتك فصبر، وقال لما هددوه بالسجن ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]، فلبث في السجن بضع سنين صابراً ﵊، ما تضجر ولا شكا. أما أبوه فقد كان يعاني من فقده ويقول: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]، وما شكا لأحد من الناس، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦]، فلما أخرج من السجن مكنه الله من إخوانه فصبر ولم يبطش بهم، وقد صار وزيراً على الخزائن والأموال فصبر ﵊، وكانت عاقبته كما قال الله عنه حين قال له إخوانه: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]. والصبر محمود في مواضع القتال قال الله : ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٥].

стр. 810

تأكد الصبر عند مصيبة الموت الصبر يتأكد عند نزول مصيبة الموت؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد يصاب بمصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها). وأم سلمة ﵁ لما مات زوجها قالت في نفسها: من يكون خيراً من أبي سلمة؟ لكنها عادت فقالت ما أمر به رسول الله ﷺ : إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خراً منها، فأبدلها الله بعد أبي سلمة خير البشر، حيث تزوجها رسول الله ﷺ .
следующие страницы →