← Джавами‘

Джавами‘ · id 37422

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

عبد الحي يوسف

Полный текст (933 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

أحكام الصبر قال أهل العلم: الصبر تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة: فتارة يكون واجباً وتارة مندوباً وتارة مكروهاً وتارة حراماً وتارة مباحاً، فيكون واجباً في ثلاث حالات. الأولى: الصبر على فعل الواجبات، وفي اليوم الأول من أيام رمضاًن الغالب على الناس أنهم يعانون فيه ما يعانون لكنهم يصبرون، وهذا صبر واجب، لا مفر منه؛ لأن الصيام يحتاج إلى صبر، والحج يحتاج إلى صبر، وإخراج الزكاة الواجبة يحتاج إلى صبر، فتحمل النفس على ما تكره، صبر على فعل الواجبات. الحالة الثانية: الصبر على ترك المحرمات، ولو تأملنا حال نبي الله يوسف ﵇، لوجدنا أنه نموذج عال للصبر، فإنه لما دعته امرأة العزيز ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] صبر ﵊، وقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣]، فصبر عن فعل المعاصي. الحالة الثالثة: الصبر على أقدار الله المؤلمة، مثل المصائب التي تنزل بالإنسان مما لا اختيار له فيها كالمرض الذي يصيب الإنسان وكفقد الولد، ففي مثل هذا يلزمه الصبر. النوع الثاني: الصبر المندوب أو المستحب، وهو أيضاً على ثلاثة أنواع. أولاً: الصبر على فعل المستحبات، كالصبر على صلاة التراويح فهي ليست واجبة وإنما هي مستحبة، والصبر عليها مستحب. ثانياً: الصبر عن فعل المكروهات، فالشيء الذي ليس بحرام ولكنه مكروه يندب لك أن تصبر عنه. ثالثاً: الصبر عن مقابلة الجاني بمثل فعله، فلو أن إنساناً شتمك فإنه يستحب لك أن تصبر عليه، وكذلك إذا ضربك، أو أساء إليك، وهذا هو الذي كان يفعله رسول الله ﷺ ، فإنه أوذي ومع ذلك كان صابراً؛ لأن الله أوصاه بذلك فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤]. النوع الثالث: الصبر المحرم: ومن أمثلته أن يصبر الإنسان عن الطعام وعن الشراب حتى يموت، وهو ما يسمى الآن بالإضراب، أو يمسك عن لحم الخنزير أو عن الميتة في المخمصة والمجاعة حتى يموت، قال بعض أهل العلم: لو أنه في مجاعة فلم يأكل ما أباح الله له من ميتة أو خنزير فمات دخل النار؛ لأن هذا صبر محرم، ومثله أيضاً أن يصبر المؤمن على اعتداء الكافر حتى يقتله أو ينتهك عرضه، فهذا صبر محرم، بخلاف الصبر في الفتنة بين المسلمين، فإن السنة في ذلك الصبر، فلا تحمل سلاحاً، ولا ترفع سيفاً كما قال رسول الله ﷺ : (كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)، دعه يبوء بإثمه وإثمك، والله أثنى على خير ابني آدم الذي قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨].

стр. 807

صبر النبي ﵊ رسول الله ﷺ قد أمر بالصبر وصبر صلوات الله وسلامه عليه، فقد نشأ يتيماً، لم ير أباه فصبر، وفقد أمه لما بلغ السادسة فصبر، وفقد جده لما بلغ الثامنة فصبر، وصبر على العيلة، وهي الفقر، كما قال الله : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى:٦ - ٨] أي: فقيراً ﴿فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨]، فقد كان يمر عليه الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار، وما له من طعام إلا الأسودان ﵊. وصبر على أعباء النبوة، ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، بالليل والنهار، ثم صبر على أذى المشركين بألسنتهم وأيديهم، فربما طرحوا على رأسه الأوساخ وهو ساجد ﵊. ثم صبر بعد ذلك على الأعراب وجفائهم وغلظتهم، فقد قال له أعرابي: (يا محمد! اتق الله، إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال رسول الله يرحم الله موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر). وصبر ﷺ على المنافقين، فقد تكلم عبد الله بن أبي عنه بكلام السوء، فمرة يقول له: يا محمد لقد آذاني نتن حمارك، ومرة يطعنه في عرضه ﷺ فيتكلم في عائشة بقالة السوء، ومرة يطعن في ذمته المالية ويتهمه بالغلول، فينزل الله قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران:١٦١] ومرة يصف النبي ﷺ بوصف مذموم فيقول عبد الله بن أبي لعنه الله: ما نحن ومحمد إلا كما قالت العرب: سمن كلبك يأكلك، ومع ذلك لما جاء بعض الصحابة يستأذن في قتل ذلك الكافر الأثيم قال ﵊: (بل نحسن صحبته ما استطعنا؛ لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). ثم مات أولاده كلهم، القاسم وعبد الله وإبراهيم ورقية وزينب وأم كلثوم، ولم يبق له إلا فاطمة ﵂ فصبر ﵊، لقد مات عدد من أحفاده، وأعمامه، وأزواجه فصبر؛ لأنه ﷺ يعلم بأن الصبر هو شطر الإيمان، والصوم نصف الصبر، فالصوم ربع الإيمان، ولذلك مطلوب من المؤمنين أن يصبروا على هذه العبادة المبارك الطيبة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].

стр. 808

صبر أيوب ﵇ ومن النماذج العظيمة في القرآن نبي الله أيوب ﵇ الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، قيل: إنه مكث في البلاء ثمانية عشر عاماً حتى تقرح جلده صلوات الله وسلامه عليه، وما شكا لأحد من الناس.

стр. 809

صبر يوسف ﵇ ونبي الله يوسف ﵇ ألقي في الجب بتآمر إخوانه فصبر، وأخرج من الجب وبيع عبداً رقيقاً فصبر، ثم أصبح خادماً في بيت عزيز مصر فصبر، ثم ابتلاه الله بالمرأة الفاجرة فصبر، ثم ابتلاه الله بالنسوة الفاجرات اللائي يحرضنه على الفاحشة يقولهن: أطع مولاتك فصبر، وقال لما هددوه بالسجن ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]، فلبث في السجن بضع سنين صابراً ﵊، ما تضجر ولا شكا. أما أبوه فقد كان يعاني من فقده ويقول: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]، وما شكا لأحد من الناس، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦]، فلما أخرج من السجن مكنه الله من إخوانه فصبر ولم يبطش بهم، وقد صار وزيراً على الخزائن والأموال فصبر ﵊، وكانت عاقبته كما قال الله عنه حين قال له إخوانه: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]. والصبر محمود في مواضع القتال قال الله : ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٥].

стр. 810

تأكد الصبر عند مصيبة الموت الصبر يتأكد عند نزول مصيبة الموت؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد يصاب بمصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها). وأم سلمة ﵁ لما مات زوجها قالت في نفسها: من يكون خيراً من أبي سلمة؟ لكنها عادت فقالت ما أمر به رسول الله ﷺ : إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خراً منها، فأبدلها الله بعد أبي سلمة خير البشر، حيث تزوجها رسول الله ﷺ .

стр. 811

جوائز الصابرين قال أهل العلم: ويكفي الصابرين أن الله وعدهم بثلاث جوائز، قال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧]، فالصبر عند نزول المصيبة مطلوب. قال أهل العلم: يفعل الأحمق بعد ثلاث ما يفعله العاقل بعد المصيبة مباشرة، يعني: أن العاقل بمجرد أن يحصل الموت يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما الأحمق فإنه يسخط ويتضجر ويصرخ ويتأوه ثم بعد ذلك بزمان يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون حيث لا تنفعه تلك الكلمة، قال رسول الله ﷺ : (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

стр. 812

من فوائد الآية يستفاد من هذه الآية فوائد: الفائدة الأولى: وجوب الاستعانة بالصبر في كل ما ينزل بالعبد من أمر تكليفي بالفعل أو الترك أو بمصيبة هي من قضاء الله وقدره. الفائدة الثانية: وجوب الاستعانة بالصلاة والاقتداء برسول الله ﷺ الذي كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. الفائدة الثالثة: إثبات معية الله للصابرين، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

стр. 813

نداءات الرحمن لأهل الإيمان [٢] أمر الله عباده المؤمنين بالأكل من الحلال، وشكر الله على نعمه الدينية والدنيوية، ومن نعمه الدينية أن شرع لنا صيام شهر رمضان، ومن نعمه الدنيوية أن شرع القصاص في القتلى.

стр. 814

وجوب الأكل من الطعام الحلال ووجوب شكر الله على نعمه الآية الثانية والسبعون بعد المائة من سورة البقرة، وهي النداء الثالث من الرحمن ﷻ لعباده المؤمنين، قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]. فالله ينادي المؤمنين في هذه الآية ويأمرهم بأمرين اثنين: الأمر الأول: (كلوا)، والأمر الثاني: (اشكروا). قال أهل التفسير: الأكل يعم جميع أنواع الانتفاع، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، وكما قال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣]. وفي هذا تبكيت للمشركين الذين حرموا ما أحل الله ، فقد حرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام:١٣٨ - ١٣٩]، فهذا تحليل وتحريم بغير إذن من الله ، فالله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا﴾ [البقرة:١٧٢]، كما قال في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة:٨٧ - ٨٨]، الطيبات قيل: هي الحلال، وقيل: المستلذ، ولا تعارض، فإن الأكل مطلوب من الحلال ومن المستلذ. يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: أسند الرزق إلى ضمير المتكلم بنون العظمة؛ لأنه في معرض الامتنان والإحسان، ((كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ))، وفيه إشارة إلى أن المستحق للشكر هو الله وحده، وليست الأصنام؛ لأنها باعتراف المشركين ما رزقت أحداً، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣]. فنحن مأمورون بالأكل من الحلال، وقوله: ((كلوا)) قال أهل التفسير: هذا الأكل قد يكون واجباً لدفع الضر، كما لو كان إنسان على شفا هلكة إن لم يأكل هلك، فواجب عليه أن يأكل، ويكون مندوباً إذا أريد به مؤانسة الضيف، أي: لو أن عندك ضيفاً وأنت لا تريد الطعام فإنه يندب لك أن تأكل من أجل أن تؤنسه، وقد يكون الأكل مباحاً عند انتفاء الدواعي والموانع، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)). والأكل من الحلال هو سمة عباد الله الصالحين، والأكل من الحرام والعياذ بالله سواء كان محرماً لذاته كالخنزير والميتة أو كان محرماً من جهة كسبه؛ لأنه من ربا أو غش أو اتجار في حرام أو أكل لأموال الناس بالباطل هو سمة الفجار؛ ولذلك أخبرنا رسول الله ﷺ (أن كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به). وأخبرنا ﷺ أنه: (ما من عبد يكتسب من مأثم فيتصدق به أو ينفقه على أهله أو ينفقه في سبيل الله إلا جمع الله ذلك كله ثم طرحه في النار)، فالنفقة من الحرام لا تتقبل عند الله . وقال رسول الله ﷺ : (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)) [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟). وقد كان النبي ﷺ يتحرى في مطعمه، (فقد وجد تمرة ﵊ فقال: لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها). وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ لما أكل طعاماً وهو لا يعرف من أين اكتسب، ثم تبين له أنه ناتج عن كهانة؛ أدخل يده ﵁ في فمه وما زال يتقيأ حتى أخرج ذلك الطعام، فلما قيل له: إنها لقمة يسيرة، قال: والله لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها! وقد قال بعض السلف: من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنة بدوام المراقبة، وتغذى بالحلال؛ أورثه الله فراسة لا تخطئ. فلو أن إنساناً في ظاهره اتبع السنة، وفي باطنة راقب الله ، وكانت طعمته حلالاًً، فإن الله يرزقه فراسة الصالحين، بحيث يستدل بالمحسوس على المغيب، قال الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ)). فقد أتي بالاسم الظاهر مكان الضمير، وكان يمكن في غير القرآن أن يقال: كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لنا، أو واشكروا لرازقكم، لكنه أتى بالاسم الظاهر ((وَاشْكُرُوا لِلَّهِ))؛ لأن في الإتيان بالاسم الظاهر إشعاراً بألوهيته ﷻ ، وأنه المستحق للشكر وحده ((وَاشْكُرُوا لِلَّهِ)). والشكر في اللغة الظهور، ومنه يقال: دابة شكور، إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف، فإذا كانت كذلك فإنها تسمى دابة شكورة، ولذلك لما ذكر رسول الله ﷺ أن الله سيهلك يأجوج ومأجوج قال ﵊: (حتى إن الدواب لتشكر من لحومهم)، لتشكر يعني: تسمن.

стр. 815

حقيقة شكر الله شكر الله ما حقيقته؟ للعلماء في ذلك كلام، ولعل من أجمعه -والله أعلم- ما قاله الإمام الشبلي ﵀، قال: الشكر التواضع، والمحافظة على الحسنات، وبذل الطاعات، ومراقبة جبار الأرض والسماوات، فتتواضع لله وتواظب على الحسنات وتديمها. وقال السري السقطي ﵀: الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولمن كان مثلك بالثناء، ولمن كان دونك بالإحسان والإفضال. والفرق بينه وبين الحمد أن الحمد: هو الثناء على الله باللسان، أما الشكر فإنه يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، بالقلب بالتفكر في آلائه ونعمه ﷻ ، وباللسان أن تشكره ، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، وبالجوارح استعمالها في طاعة الله، قال أهل التفسير: شكر العينين البكاء، وشكر الأذنين الإصغاء، وشكر اليدين العطاء، وشكر القلب الرضا بالقضاء، وشكر الله أن تستعمل هذه الجوارح كلها في طاعته . فالله في هذه الآية أمرنا بالشكر، وأخبر في آية أخرى أن قليلاً من عباد الله من يلتزم هذا الأمر، قال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، وأكثر الناس كافر بنعمة الله، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤].

стр. 816

ثناء الله على الشاكرين أثنى ربنا ﷻ على من اتصف بهذه الصفة الطيبة، فقال في وصف نبي الله نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]، وقال في وصف إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١]، ونبي الله موسى ﵇ روي أنه قال: (يا رب كيف أشكرك؟ قال الله : يا موسى اذكرني فإن ذكرتني شكرتني، وإن نسيتني كفرتني)، فالذي يذكر الله هو الشاكر، الذي يستحق الثناء، وقد سمى الله نفسه الشكور، ففي الحديث يقول سبحانه: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري! وأرزق ويشكر سواي! خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد!)، هذا هو حال أكثر الناس مع الله إلا أنبياء الله ورسله، صلوات الله وسلامه عليهم وهم سادة الشاكرين فقد كانوا بعكس ذلك، انظروا في حال نبي الله سليمان سخر الله له الجن والإنس والطير، لما أتي بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه قال: ﴿هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ -أي لنفع نفسه- وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]، ودعا الله فقال: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]، وكذلك النبي ﷺ سيد الشاكرين، فقد قام من الليل حتى تفطرت قدماه، وقالت له عائشة: (يا رسول الله! لم تصنع ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: يا عائشة! أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟). (وعرض عليه ربه أن يحول له بطحاء مكة ذهباً، فقال: لا يا رب، بل أجوع يوماً فأصبر، وأشبع يوماً فأشكر) يعني: الله هو الذي خلق، وهو الذي رزق، وهو الذي هدى، وهو الذي علم، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]، ومع ذلك لا يريد منا سوى كلمة: الحمد لله، فلو أن إنساناً طعم طعاماً فقال: (الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر)، (وإن الله تعالى ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها) فالله لا يريد منا سوى هذه الكلمة، الحمد لله، ولذلك كان رسول الله ﷺ (إذا أصابته نعمة قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أصابه بلاء قال: الحمد لله على كل حال). ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢] أي: إن كنتم يا أيها المؤمنون معترفين بأن الله هو صاحب النعم، وهو الذي رزقكم هذه الطيبات التي تأكلونها فواجب عليكم أن تشكروه.

стр. 817

ما يستفاد من الآية يستفاد من الآية فوائد: الفائدة الأولى: عظم نعمة الله على العباد في إباحة الطيبات، كما قال في آية أخرى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]. الفائدة الثانية: أن جميع الطيبات مباحة، وأن الله ما أباح شيئاً إلا وهو طيب، فلا يوجد شيء مباح وهو خبيث، قال الله : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فكل خبيث حرام، وكل طيب حلال. الفائدة الثالثة: أن الرازق هو الله ﷻ ، وهو يتحدث عن نفسه بنون العظمة، فواجب علينا تعظيمه. الفائدة الرابعة: وجوب شكر نعمة الله . الفائدة الخامسة: من شكر نعمة الله فقد اعترف بها، ومن لم يشكرها فقد كفرها. الفائدة السادسة: شكر الله يجلب النعم المفقودة، كما أن الكفر يفقد النعم الموجودة، فإذا شكر نعمة الله أتاه الله من النعم ما لم يكن موجوداً عنده كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، كما أن الكفر بنعمة الله ينفر النعم الموجودة، قال الله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢]، فقد كانوا في نعمة الأمن وفي نعمة الرزق، فلما كفروا أبدلهم الله بالأمن خوفاً وبالرزق جوعاً.

стр. 818

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) النداء الرابع في سورة البقرة في الآية الثامنة والسبعين بعد المائة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٨]. هذه الآية نزلت لرفع ظلم كان أهل الجاهلية واقعين فيه، يستوي في ذلك الكفار المشركون عبدة الأصنام وأهل الكتاب الذين كان من المفترض في حقهم أن يكون العدل شريعة سائدة بينهم. قيل: غزت بنو النضير بني قريظة، فقهروهم وغلبوهم، فكان بعد ذلك إذا قتل القرظي نضرياً قتل به، وإذا قتل النضري قرظياً لا يقتل به، وإنما يفادى بمائة وسق، أي: بني النضير أعلى من بني قريظة، وكذلك أهل الجاهلية، فقد اقتتل حيان من أحياء العرب فكان فيهم ثارات وجروح ودماء ثم بعد ذلك أسلموا دون أن تنتهي بينهم تلك الثارات، وكان أحد الحيين أعلى من الآخر وأجل، فحلفوا بالله بعدما أسلموا أن يقتلوا بالمرأة منهم الرجل من أولئك، وبالعبد من منهم حراً من أولئك، فأنزل الله هذه الآية، يبطل فيها شريعة الجاهلية، ويثبت القصاص، وأنه لا يقتل إلا القاتل، وأنه لا يجوز أن يقتل غير القاتل، وقد قال رسول الله ﷺ : (إن من أعتا الناس على الله ثلاثة -ثلاثة أصناف-: رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير القاتل، ورجل أخذ بذحل الجاهلية)، بذحل الجاهلية أي: بعداوة الجاهلية وحقدها. وقد أنزل الله هذه الآية يشرع فيها القصاص، وكلمة القصاص: معناها المماثلة، وهي مأخوذة في الأصل من قص الأثر، قال الله : ﴿فارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤]، وقال: على لسان أم موسى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص:١١] أي: تتبعي أثره، ومنه سميت القصة قصة؛ لأن الحكاية تساوي المحكي، ومنه سمي المقص مقصاً لتعادل جنبيه، وأصل القصاص أن يفعل بالجاني مثلما فعل، فلو أنه قتل بالسيف فإنه يقتل بالسيف، ولو أنه قتل بمثقل فإنه يقتل بمثقل، ولو أنه قتل بمحدد فإنه يقتل بمحدد، ولو قتل بالسم فإنه يقتل بالسم، فيفعل به مثلما فعل تماماً، وفي الحديث الصحيح: (أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين من أجل أوضاح -يعني: حلي من الفضة- فقتل تلك الجارية، فأتي بها إلى رسول الله ﷺ فسألها: أقتلك فلان؟ فرفعت رأسها- يعني: لا- أقتلك فلان؟ فخفضت رأسها فأتي به رسول الله ﷺ فاعترف وأمر برض رأسه بين حجرين). وهذا التشريع داخل تحت قول الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩].

стр. 819

الحكمة من شرعية القصاص من هداية القرآن للتي هي أقوم -كما يقول العلامة الشيخ الشنقيطي ﵀ تشريع القصاص؛ لأن الإنسان الذي ينوي القتل إذا علم أنه سيفعل به مثلما فعل بالآخر فإنه سيتردد مرة ومرة وألف مرة قبل أن يقدم على القتل، فلذلك قال الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]، وليس كما يقول أعداء الله: القصاص شريعة قاسية بدائية تفضي إلى نقص المجتمعات؛ فالقاتل لا ينبغي أن يقتل، وإنما يوضع في السجن ليعيش ويولد له من أجل أن يكثر المجتمع، وهذا هراء؛ فإن الإنسان إذا علم بأنه إذا قتل سيلقى به في السجن اندفع إلى القتل، ولذلك كان القصاص حكمة الله كما قال أهل العلم.

стр. 820

تفسير آية القصاص يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ [البقرة:١٧٨] (كتب) بمعنى فرض، ومنه قول الله : ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ))، والمراد الكتابة في اللوح المحفوظ أو الكتابة الشرعية ولا تعارض، فالكل سابق في علم الله، وأصل الكتب النقش في حجر أو ورق أو رق أو غير ذلك. ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ)) القصاص هو أن يفعل بالجاني مثل ما فعل، ((فِي الْقَتْلَى)) أي: بسبب القتلى، كما في قول النبي ﷺ : (دخلت امرأة النار في هرة) أي: بسبب هرة، والقتلى جمع قتيل كالجرحى جمع جريح. ((الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى))، أجمع أهل العلم على أن الذكر يقتل بالأنثى، فلو أن رجلاً قتل امرأة فإنه يقتل بها لو طلب أولياء الدم القصاص، فليست الآية على ظاهرها، ولا يفهم من الآية أبداً أن الذكر لا يقتل بالأنثى، وقد قال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بقول الله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، لكن لا حاجة إلى القول بالنسخ إذا عرفنا سبب النزول، وأن الآية نزلت لأن ذلك الحي من العرب قالوا: إذا قتلت منا امرأة سنقتل بها رجلاً ولعل هذه المرأة قد قتلتها امرأة مثلها، فلم يقتل الرجل الذي لم يقتل وتترك المرأة التي قتلت؟! فمعنى الآية أنه لا يقتل إلا القاتل، ولذلك نقل الإمام ابن عطية في المحرر الوجيز وابن جزي في التسهيل وغيرهما أجماع أهل العلم على أن الرجل يقتل بالمرأة. قال الله : ((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ))، (فمن عفي له) أي: ترك ولي الدم الذي هو ولي القتيل، قال الله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣] أي: لا يمثل بالقتيل، ولا يقتل غير القاتل، فإن عفا عنه ولي الدم وترك القصاص، بأن قال له: عفوت عنك ولكن أريد الدية، فهذا يسمى عفو على دية، أو قال له: عفوت عن القصاص وأريد نصف الدية فيكون قد عفا على بعض الدية. قال الله : ﴿فمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨]، استدل بهذه الآية على أن القاتل لا يكفر، وإن كان قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب، قال الرسول ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور)، أو قال: (وشهادة الزور). وقال: (من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوباً على وجهه: آيس من رحمة الله) رواه الإمام ابن ماجة، قال الهيثمي: وفي سنده ضعف. فالقاتل ارتكب كبيرة ولكنه لم يخرج عن اسم الإيمان، ولذلك فإن الله جعل ولي الدم أخاً للقاتل. قال أهل التفسير: في الآية ترقيق للقلوب وإشعار لولي القتيل بأن يتذكر أن القاتل يجمعه معه الإسلام والإيمان، فهو قد أخطأ واعتدى وأسرف على نفسه لكن اعف، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، ﴿فمن عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فيجب على ولي القتيل أن يطالب بالمعروف من غير رهق ولا تضييق ويجب على القاتل أداء إليه بإحسان من غير مماطلة ولا تسويف. قال الله ((فمن عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)) يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: وهذا فيه قضاء على مفهوم الجاهلية، فإن الجاهلية كانت تستبشع العفو، ويرون أنهم بذلك قد باعوا دم قتيلهم، ولذلك قال قائلهم: فلا تأخذوا عقلاًِ من القوم إنني أرى العار يبقى والمعاقل تذهب والعقل: هو الدية: يقول لهم: إن الدية ستنتهي وسيبقى علينا العار فلا ترضوا إلا بالقصاص. قال الله : ((ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)) أي: ذلك تسهيل من ربكم جل جلالة، وتيسير ورحمة بكم، خلافاً لما كان عند اليهود، فإن اليهود في شريعتهم أنه إذا قتل القاتل فلا بد من القصاص، وليس هناك مجال لدية ولا عفو، والنصارى ليس في شريعتهم قصاص، وإنما لا بد من العفو، فالله خيرنا أمة محمد ﷺ ، قال ﵊: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إن شاء قتل وإن شاء ودع) أي: إذا أراد أن يقتل القاتل فمن حقه، وإذا أراد أن يقبل الدية فمن حقه، وأفضل من هذا كله أن يعفو. قال الله : ((ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ)) أي: فمن اعتدى بعد أخذ الدية فله عذاب أليم. فلو أن إنساناً قتل إنساناً فرضي ولي القتيل بالدية وبعد أن أخذها قتله، قال بعض العلماء يقتل القاتل ألبتة، وليس هناك مجال للتخيير، وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: أمره إلى ولي الأمر، فإن رأى أن يقتله تعزيراً من أجل أن يردع الناس عن مثل هذا فله ذلك، ((فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)).

стр. 821

فوائد ومصالح القصاص لقد شرع الله القصاص لأمن المجتمعات، ومن أجل أن يطمئن أولياء الدم إلى أن حقهم محفوظ، وأن لهم أن يفعلوا بالجاني مثلما فعل بقتيلهم، وإذا لم يكن القصاص شريعة سائدة في المجتمع فإن ذلك سيؤدي إلى أن أولياء الدم يضطرون إلى أن يأخذوا ثأرهم بأنفسهم، فتسود الفوضى، وهذا هو الحاصل الآن، فكثير من المشكلات كان يمكن القضاء عليها لو طبق شرع الله كما ينبغي، لكن التسويف والتأجيل والمماطلة توغر الصدور، وتدفع بعض الناس إلى أن يأخذ الحق بيده، مع أن إجماع العلماء منعقد على أن تطبيق الحدود ليس للأفراد، وإنما المخاطب بذلك هم ولاة الأمر، حتى في حد السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فلو أنك وجدت لصاً في بيتك فقطعت يده لأصبح الأمر فوضى، فيكون الأمر هنا موجه للحاكم، وكذلك حد الزنا ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور:٢]، الأمر للحاكم، وكذا قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة:٣٣] الأمر للحاكم، فتقصير الحاكم في تطبيق الشريعة الإلهية يؤدي بالناس إلى أن يأخذوا حقوقهم بأيديهم ويحدثوا في الأرض الفساد. وقد ختم اللهُ هذه الآية المباركة بالتوعد بالعذاب الأليم للمعتدي ثم قال بعدها: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ))، قال أهل العلم: هذه الآية من فصيحات القرآن، وقد عجزت العرب عن الإتيان بمثلها، فقد عبروا عن القصاص بقولهم: القتل أنفى للقتل، وبقولهم: القتل أبعد للقتل، لكن هذا الكلام لا يعد شيئاً أمام فصاحة هذه الآية.

стр. 822

ما يستفاد من آية القصاص هذه الآية يستفاد منها فوائد: الفائدة الأولى: يجب على أولياء القاتل بل على القاتل نفسه أن يمكن أولياء القتيل من القصاص، فيحرم علينا أن نعرف عن إنسان أنه قاتل ومعتدي ثم نأويه ونحميه، فإن الرسول ﷺ نهى عن ذلك، وهذا من إيواء المحدث المحرم في دين الله ، بل يجب علينا أن نسلمه من أجل أن يطبق حكم الله فيه. ثانياً: لا يجوز لأولياء القاتل أن يحولوا بين إقامة الحد وبين أولياء الدم. ثالثاً: قال الله : ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى))، هذا العموم يخرج منه الوالد، فلو أن الوالد قتل ابنه فإنه لا يقتل به. يقول الشيخ محمد عبده ﵀ في تفسير المنار: إن الله جبل الأصول -أي: الآباء- على الشفقة والرحمة، فقد يقسو الولد على الوالد وقلما يقسو الوالد على الولد، وإن والداً يقتل ولده عامداً هذا ما يحدث إلا نادراً، وهو إما بسبب أن الولد قد خرج عن الأدب تماماً وأوغر صدر الأب، أو لأن الأب قد أحاط به عذر من طيش أو جنون أو غير ذلك، لكن في طبيعة البشر أن الوالد يتحمل الجوع، ويتحمل الآلام، ويتحمل السهر في مقابل أن يريح ولده، ولذلك قال رسول الله ﷺ : (لا يقتل الوالد بالولد). وقد أجمع جمهور العلماء على أن الجماعة تقتل بالواحد، فلو أن مجموعة من الناس تعاونوا على قتل واحد فإن جمهور العلماء يرون أن هؤلاء الجماعة يقتلون بالواحد، وقد حدث في زمان عمر ﵁ أن اجتمعت امرأة وخادمها وخليلها على قتل غلام زوجها من امرأة أخرى، فعرضت القضية على عمر ﵁ فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وهؤلاء جماعة، فـ علي ﵁ هو العالم الكامل، فقال له: يا أمير المؤمنين! أرأيت لو أن جماعة من الناس اشتركوا في سرقة بعير، -يعني واحد أخذ الكراع، والثاني أخذ السنام، والثالث أخذ الكبد وهكذا- أكنت قاطعهم؟ قال: اللهم نعم، قال له: هكذا فافعل، اقتلهم جميعاً، فانشرح صدر عمر لهذا الحكم وقال: والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، قالوا: ومن ناحية النظر لو لم يقتل الجماعة بالواحد لأفضى ذلك إلى القتل وإلى الفساد والنظر صحيح. وقد دلت الآية على أن الأصل وجوب القود، وأن الدية بدل منه، كما دلت على أنه يجب على القاتل أداء بإحسان من غير مطل ولا إساءة فعلية ولا قولية.

стр. 823

وجوب صوم شهر رمضان النداء الخامس في الآية الثانية والثمانين بعد المائة: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، ينادينا الله ﷻ ويخبرنا بأن الصيام عبادة مفروضة، وحق واجب يجب أن يؤدى خالصاً لله ، وكتب بمعنى فرض، ويقصد به الكتابة الأزلية في اللوح المحفوظ أو الكتابة الشرعية التي أنزلها الله في كتابه الكريم. والصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ((كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ))، الكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف، كتب عليكم الصيام صياماً كالذي كتب على الذين من قبلكم. قال بعض أهل التفسير: وجه الشبه في أصل الصوم، أي: أن الصوم مفروض عليكم كما فرض على من كان قبلكم، وقال بعضهم: بل الشبه في القدر والصفة، في القدر شهر، وفي الصفة إمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقال بعضهم: بل التشبيه في الوقت، أي: أن الله فرض علينا صيام رمضان كما فرضه على من كان قبلنا، قال أهل التفسير: وقد قال الله ((كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) ترغيباً لعباده. قال الألوسي ﵀: لأن في الصوم مشقة، والمشقة إذا عمت طابت، وهذا الكلام نجد مصداقه في الواقع، فالإنسان إذا صام رمضان لا يشعر بذلك التعب والإرهاق الذي يشعر به لو صام الإثنين والخميس، فحين يكون الناس كلهم صائمين يخفف ذلك المشقة عن النفس، ولذلك يقول الله من أجل أن يرغبنا: يا عبادي؛ يا أمة محمد ﷺ ، هذا الصيام لستم فيه بدعاً من الناس، فقد فرضته عليكم كما فرضته على من كان قبلكم من الأنبياء والأمم، ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)).

стр. 824

أحوال تشريع الصيام وهذه الكتابة مرت بأطوار، كما هو الحال في أغلب التشريعات، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال وأحيل الصيام ثلاثة أحوال) أي: تشريع الصلاة مر بثلاثة أطوار وتشريع الصيام مر بثلاثة أطوار. أما الصلاة فإن رسول الله ﷺ مكث بعد أن هاجر إلى المدينة سبعة عشر شهراً يستقبل بيت المقدس حتى أنزل الله عليه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤] فوجهه إلى الكعبة. ثم إنه كان إذا حان وقت الصلاة يؤذن الصحابة بعضهم بعضاً، أي: كان يخبر بعضهم بعضاً، الصلاة الصلاة الصلاة، (حتى نقسوا أو كادوا ينقسون) أي: حتى كادوا يستعملون الناقوس، ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد بن عبد ربه (جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني رأيت فيما يرى النائم ولو شئت لقلت: ما كنت نائماً، بين أنا بين النائم واليقظان إذ أتاني رجل عليه ثوبان أخضران فقال لي: يا عبد الله قل: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله مثنى، حتى فرغ من الأذان، ثم مكث ساعة فعاد فقال مثل ما قال أولاً غير أنه زاد قد قامت الصلاة مرتين، فقال النبي ﷺ : علمها بلالاً فإنه أندى منك صوتاً)، وكان الرجل يأتي إلى الصلاة وقد سبقه رسول الله ﷺ ببعضها، فكان يشير إلى من بجواره: كم صليتم؟ فيخبره فيأتي بما فاته ثم يدرك رسول الله ﷺ أي أن: الصحابي كان إذا جاء وقد فاتته ركعة فإنه يأتي بها أولاً ثم يدخل في الركعة الثانية مع الرسول ﵊، ثم إن معاذاً جاء يوماً وقد سبق ببعض الصلاة فقال: (والله لا أجد رسول الله ﷺ على حال إلا كنت عليه فيها، فدخل على الحال التي عليها النبي ﷺ في الصلاة، وبعدما سلم قام معاذ فأتم، فقال ﵊: (قد سن لكم معاذ سنة فاتبعوه) ومن ذلك اليوم وإلى يومنا هذا إذا جاء الإنسان مسبوقاً فإنه يدخل مع الإمام وبعد سلام الإمام يقوم فيتم الصلاة. وكذلك الصيام أحيل ثلاثة أحوال، فإن الرسول ﷺ أول ما هاجر إلى المدينة كان يصوم يوم عاشورا وثلاثة أيام من كل شهر، حتى أنزل الله عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، إلى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، فكان من شاء صام ومن شاء أطعم؛ لأن الصيام على التخيير، فالذي يريد يصوم، والذي لا يريد لا يصوم، وله الحق في ذلك، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، حتى أنزل الله قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، فصار الصوم واجباً على الغني والفقير، فهذان حالان. ثم إن الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ كان يأكل ويشرب ويأتي النساء ما لم ينم، أي: إذا غربت الشمس فله الحق في أن يأكل ويشرب ويأتي النساء، فإذا نام منع من هذا كله إلى غروب الشمس من اليوم الذي يليه. ثم إن رجلاً من الأنصار -والرواية في صحيح البخاري - يقال له: قيس بن صرمة كان يعمل صائماً حتى أمسى، فجاء إلى أهله، فصلى ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح. وفي بعض الروايات (أنه ﵁ جاء وبينما زوجه تهيئ له طعاماً إذ غلبته عيناه فنام، فجاءت زوجته فقالت: يا هنتاه أنمت؟ فأصبح ﵁ صائماً، فرآه رسول ﷺ وقد جهد جهداً شديداً فقال: مالي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟ قال: يا رسول الله! إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائما) أي: أن هذا الرجل صام يومين متتابعين، فجاء الفرج من الله بقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فلو أن أحداً منا الآن رجع بعد صلاة التراويح فنام، فإنه يمكنه أن يقوم قبل الفجر فيأكل ويشرب ولا حرج عليه في ذلك، ((ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ))، والحمد لله رب العالمين.

стр. 825

الحكمة من الصيام قال الله : ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))، هذه هي الحكمة من فرضية الصيام، وهي أن تحصل تقوى الله في القلب، والتقوى ظاهرة في فعل المسلم الذي يصوم لله، فيعاني من الحر الشديد، والجوع الشديد، وهو في بيته وحده، وليس معه أحد من البشر، وعنده ألوان الطعام والشراب، ونفسه تتوق إلى تناول هذه المطعومات والمشروبات، لكن الذي يمنعه هو تقوى الله ، فتقوى الله تجعله لا يأكل ولا يشرب، لم؟ لأنه يؤمن حقاً بأن الله يراه، كما قال النبي ﷺ : (اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) . يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: والغالب على أحوال الأمم في جاهليتها وبخاصة العرب هو الاستكثار من تناول الملذات، من المآكل والخمور ولهو النساء والدعة، وكل ذلك يوفر القوى الجسمانية والدموية في الأجساد، فتقوى الطبائع الحيوانية التي في الإنسان من القوة الشهوية والقوة الغضبية، وتطغيان على القوة العاقلة، أي: أن الإنسان مركب من روح وجسد، والجسد طبعه كالطبيعة الحيوانية يتوق إلى الطعام والشراب والنكاح، وفيه قوة غضبية تميل إلى التسور على الناس والاعتداء عليهم، وفيه القوة الشهوية، لكن هناك القوة العاقلة، والصيام ينمي هذه القوة العاقلة ويزيدها، ويضعف القوة الشهوية والقوة البهيمية؛ ولذلك الرسول ﷺ أرشد الشباب الذين لا يستطيعون الزواج إلى الصيام فإنه وجاء، فجاءت الشرائع بشرع الصيام. يقول صاحب المنار ﵀: في كل الأديان الصوم مشروع، بل حتى في غير الديانات التي أصلها سماوي، أي: في غير اليهودية والنصرانية، حتى الرومانيون عرفوا الصيام، والفراعنة، والوثنيون ممن يعبدون البقر أو يعبدون بوذا أو غير ذلك عندهم لون من ألوان الصيام، فكأن العقلاء جميعاً متفقون على أن الصيام يهدئ النفس، ويرقق الطبع، وهذا الصيام لا يؤتي أكله إلا إذا التزم فيه الإنسان بسنة الرسول ﵊، ففي الحديث: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، وقال: (الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم).

стр. 826

ما يستفاد من آية الصوم في آية الصوم فوائد، منها: أولاً: فرضية الصيام، وأنه واجب بإيجاب الله . ثانياً: أن الصيام كان مفروضاً على الأمم التي كانت قبلنا. ثالثاً: في الآية تنشيط لهذه الأمة، فكأن الله يقول: يا أمة محمد ﷺ ينبغي لكم أن تنشطوا في العبادات من أجل أن تتفوقوا على من كان قبلكم من الأمم، وهذا تنافس مشروع كما قال الله : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. رابعاً: الصيام ليس من الأمور الثقيلة التي اختصت بها هذه الأمة. خامساً: الحكمة من فرضية الصيام تحصيل تقوى الله ، فإن الصيام من أقوى الأسباب في تحصيل التقوى. سادساً: تنبيه أهل التربية والعاملين في الخير أن يرغبوا الناس في الخير بكل أنواع المرغبات، فإن الله رغبنا بالنداء: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، ثم رغبنا بأن الصيام كان مفروضاً على الأمم قبلنا، ثم رغبنا بذكر العلة ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))، ثم رغبنا رابعاً فقال: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، فإذا أراد أحد أن يلقي على الناس موعظة فليقل لهم: عندي كلمتان فاسمعوهما، ثم يتكلم؛ لأن مجالس العلم للشيطان فيها نصيب وحضور، ولذلك تجد أن عندنا استعداد للجلوس على المدرجات لمشاهدة مباراة كرة القدم أكثر من ساعتين وثلاث دون أن نشعر بملل، لكن في مجلس العلم نشعر بالحر، وبالبرد، وبالجوع، وبالعطش، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلذلك إذا أراد الإنسان أن يرغب الناس في الخير، مثل أن يرغب الأطفال في الصيام، أو في الصلاة، أو في قراءة القرآن، أو في أي لون من ألوان البر؛ فليستعمل المرغبات، بأن يبين لهم الفوائد ولا بأس أن يعطيهم الجوائز والعطايا السخية، فالنفس البشرية جبلت على حب العاجلة، فلا نعد الناس فقط بأجر الآخرة، وإنما كما قال الله : ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة:٢٠]، فالناس يحبون الجزاء العاجل.

стр. 827

نداءات الرحمن لأهل الإيمان [٣] لقد حثت الشريعة الإسلامية المؤمنين على الخير وأمرتهم به، وحذرت من الشر ونهت عنه، وإن مما أمرت به الشريعة الغراء الدخول في دين الله كاملاً، والتمسك به جملة وتفصيلاً، ونهت عن اتباع خطوات الشيطان؛ إذ إنه العدو الأكبر للمؤمن، وخطره أعظم الأخطار، وشباكه أشد الشباك. ولقد حث الله تعالى عباده المؤمنين بالإكثار من النفقة في وجوه الخير، وإخراج أطيب الأموال في الحياة الدنيا، قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة.

стр. 828

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) النداء السادس في الآية الثامنة بعد المائتين من سورة البقرة: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨]. سبب نزول هذه الآية كما قال بعض أهل التفسير: إن جماعة من اليهود الذين أسلموا، وفيهم عبد الله بن سلام، وأسد بن كعب، وثعلبة، (سألوا رسول الله ﷺ في أن يأذن لهم أن يسبتوا)، يعني: يعظموا يوم السبت، وأن يقوموا الليل بالتوراة، فأنزل الله هذه الآية، يأمرهم فيها بشعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها، يعني: يا يهودي! يا من أسلمت! اعلم بأن ديانتك منسوخة، وأن شريعتك قد بطل العمل بها، فوجب عليك أن تجعلها وراء ظهرك، وأن تشتغل بشريعة الإسلام دون سواها. قال الحافظ ابن كثير ﵀: وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه بتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام، فـ ابن كثير ﵀ يقول: عبد الله بن سلام رجل راسخ الإيمان، زكاه الله في القرآن، فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمَْ﴾ [الأحقاف:١٠]، وقال الله : ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٤٣]، قالوا: هو عبد الله بن سلام، ﵁. وعلى كل حال فإن الله يأمرنا -نحن المسلمين- بأن ندخل في هذا الدين كله، أصولاً وفروعاً، عقيدة وشريعة، آداباً وأحكاماً، أخلاقاً وسلوكاً، لا نأخذ منه ما يوافق أهواءنا وندع ما يخالفه. وقال بعض أهل التفسير: بل الآية نازلة في أهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى! آمنوا بمحمد ﷺ ، وادخلوا في دينه، ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار)، فاليهودي لن تنفعه يهوديته، والنصراني لن تغني عنه نصرانيته، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].

стр. 829

وجوب الاستسلام والانقياد لله ظاهراً وباطناً قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة:٢٠٨]، قوله: ﴿فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة:٢٠٨]،قرأ نافع، والكسائي، وابن كثير، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان بمعنى: الاستسلام والطاعة، فكلمة الإسلام معناها: أن تستسلم لله في أمره ونهيه، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١]، فهذا هو دأبهم، وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]. وقوله تعالى: ((ادْخُلُوا)) الدخول حقيقته نفوذ جسم في جسم، واستعير ها هنا لمعنى، وهو ملازمة الاتباع والالتزام وشدة التلبس بالطاعة، فقوله تعالى: ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمٌِ)) أي: استسلموا لله جملة، وأطيعوه ظاهراً وباطناً، فاستسلموا لله بقلوبكم وجوارحكم، وارضوا بقضائه وحكمه، وشرعه ودينه.

стр. 830

تحريم مشابهة أهل الكتاب في الأخذ ببعض الكتاب وترك بعضه قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْم كافهٌِ﴾ [البقرة:٢٠٨]، قوله ((كَافَّةً)) قالوا: حال من السلم، وأصلها من كف يكف، بمعنى: منع، وعلاقة الجملة شدة الالتزام، كما يقول الألوسي ﵀: وأنها مانعه للأجزاء من التفرق. بمعنى أن الله يريد منا ألا نشابه أهل الكتاب، فالذين قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، قال الله عنهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، وقبلها قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة:٨٧]، فالذين جعلوا القرآن عضين، بعضوه وجزءوه، فأطلقوا عبارات يقولون فيها: الدين لله والوطن للجميع، أو يقولون فيها: المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، بمعنى: التسوية بين الكافر والمؤمن، بين الصالح والطالح، ونسمع دعوات إلى وحدة الأديان أو إلى ديانة إبراهيمية تجمع أتباع الملل الثلاثة، فهؤلاء جميعاً الدعاة إلى هذا الباطل يخاطبون بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ٌ﴾ [البقرة:٢٠٨]، ومثلهم أيضاً الذين يريدون أن يتملصوا من بعض شعائر الإسلام، فيريدون مثلاً أن يغيبوا الجهاد ويذموه، أو يريدون أن يغيروا تشريعات الإسلام فيما يتعلق بحقوق الطفل وحقوق المرأة، ويوافقوا تلك الاتفاقات الدولية والمعاهدات العالمية التي قامت على الزور والباطل وتشريع ما لم يأذن به الله، فهؤلاء جميعاً نقول لهم كما قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) أي: خذوا الدين كله، وكما قال الله : ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] وكما خاطب بني إسرائيل: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٦٣]، أما إن كان يريد أن يأخذ الدين في الجزء الذي يتعلق بالمساجد، وشهر رمضان وأيام الحج، ثم بعد ذلك يريد أن يسير على هواه في الأمور الأخرى، فهذا لم يدخل في السلم كافه، وإنما دخل في جزء من السلم، ودين الله لا يقوم به إلا من أحاط به كله، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)).

стр. 831

كلام سيد قطب في الآية يقول سيد قطب ﵀: الاعتقاد بالآخرة له دوره الأساسي في إفاضة السلام على روح عالمه، ونسيان القلق والسخط والقنوط. فإن الحساب الختامي ليس في هذه الأرض، والجزاء الأوفى ليس في هذه العاجلة، إنما الحساب الختامي في الآخرة، والعدالة المطلقة مضمونة في هذا الحساب. والاعتقاد بالآخرة كذلك حاجز دون الصراع المجنون المحموم الذي تداس فيه القيم، وتداس فيه الحرمات بلا تحرج ولا حياء، فالآخرة فيها عطاء وغناء، وفيها عوض عما يفوت، وشعور المؤمن بأنه يمضي مع قدر الله في طاعة الله، وتحقيق إرادة الله، وما يسكبه هذا الشعور في روحه من الطمأنينة والاستقرار والسلام والمضي في الطريق بلا حيرة ولا قلق، ولا سخط على العقبات والمشاق، وبلا قنوط من روح الله ومدده، وبلا خوف من ضلال القصد، أو ضياع الجزاء، ومن ثم يحس بالسلام في روحه، فقوله تعالى: ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً))، يدل على أن الإنسان لو أخذ الدين كله فإنه سيشعر بسلام واطمئنان وراحة وحبور وسرور؛ لأنه يعتقد أنه في طاعة الله، ويمشي مع قدر الله، وأن الله يفعل ما يشاء.

стр. 832

النهي عن تتبع خطوات الشيطان قال تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً))، هذا أمر، أعقبه نهي فقال سبحانه: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانٌِ﴾ [البقرة:٢٠٨]، قوله: ((خُطُوَاتِ الشَّيْطَانٌِ))، بضم الطاء قراءة الجمهور، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وحمزة، وخلف العاشر بإسكان الطاء، ومثلها أيضاً في سورة النور، ((وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ))، والخطوات: جمع خطوة، وهي المسافة ما بين القدمين إذا مشى الإنسان، بمعنى: أن الله يصور العاصي كأن الشيطان يمشي أمامه، وهو يمشي على خطا الشيطان، وهي صورة مقززة، وصورة تقبح حال العصاة. يقول أهل العلم: إن الشيطان يزين العمل بمعاصي الله، ويجمل القبيح في أعين الناس، وهو يتبع مع ابن آدم ست خطوات، لابد أن يوقعه في واحدة منها، لأنه قطع العهد على نفسه فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمَْ صَرَاطَكَ الْمُسْتَقِيْم﴾ [الأعراف:١٦] أي: على صراطك المستقيم، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، فهذا الشيطان يحرص على أن يوقع الإنسان في الشرك والكفر بالله ، سواء كان كفراً بالربوبية، أو بالألوهية، أو بالأسماء والصفات. فإن عجز أوقع الإنسان في البدعة، أن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله، والبدعة بريد الكفر، وفي الحديث قال رسول الله ﷺ : (إن الله قد احتجب التوبة عن كل صاحب بدعة، حتى يدع بدعت). ثم إذا عجز عن البدعة أوقع الإنسان في الكبائر، وهي المهلكات الموبقات. فإن عجز أوقعه في الصغائر، وهي تجتمع على الإنسان حتى تهلكه، فإن عجز انتقل إلى الدرجة الخامسة وهي أن يشغله بالعمل المباح عن العمل الواجب. فإن عجز شغله بالعمل المفضول عن العمل الفاضل. وللشيطان مع كل إنسان مدخل وأسلوب، ففي قول الله : ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرَ﴾ [الحشر:١٦]، ذكر المفسرون قصة العابد برصيصا من بني إسرائيل، قالوا: كان يتعبد في صومعته، وكان هناك إخوة أربعة أرادوا الخروج إلى الغزو، وعندهم أخت واحدة ليس هناك من يرعاها، فقالوا: لا نأمن عليها إلا هذا الراهب، فجاءوا بأختهم، وقالوا: إنا خارجون للغزو فاجعلها عندك، فاستعاذ بالله من ذلك، لكنهم ألحوا وأصروا، فقال لهم: اجعلوها في تلك الصومعة، يعني: بعيدة عنه، فكان كل يوم ينزل بالطعام ويضعه على بابها ثم يصعد إلى صومعته ويناديها من أجل أن تأخذ الطعام، فجاء الشيطان ووسوس له، وقال له: لو أنها خرجت لتأخذ الطعام لربما يراها بعض الفساق، فأدخل إليها الطعام، فالرجل أدخل الطعام، ثم بعد حين جاء الشيطان وقال له: هذه أنثى وحيدة مسكينة تجلس وحدها، فلو أنك خرجت من مكانك، وهى خرجت في مكانها، فآنستها، وذكرتها بالله، وعلمتها؛ فاستجاب، ثم بعد حين قال له: لو جلست فلربما يراها بعض الفساق، ادخل إلى حجرتها وعلمها، فدخل، وما زال الشيطان يزينها ويجملها ويراود هذا الراهب عن نفسه، حتى ضرب على فخذها ثم وقع عليها، فحملت منه ثم وضعت، فقال له: الآن يأتي إخوانها من الغزو فيفضحوك، اقتل الغلام، فقتل الطفل، ثم قال له: لا شك أنها ستخبر إخوانها، فاقتلها، فقتلها ودفنها، وصعد إلى صومعته كأنه ما فعل شيئاً؛ لأن ضميره قد مات، فبعد ذلك جاء إخوانها وسألوه فبكى وترحم عليها، وقال: الأخت كانت قد مرضت ثم ماتت، فقمت عليها فدفنتها، فصدقوه، فجاء الشيطان للأخ الأصغر في المنام وأخبره بما حصل لأخته من قصة الراهب كاملة، ثم جاء للأخ الأوسط، ثم جاء للذي بعده، ثم للذي بعده، فلما أصبحوا قال الأخ الأصغر: والله! لقد رأيت عجباً، رأيت فيما يرى النائم كأن قائلاً قال لي: وحكى القصة، وقال الآخر: وأنا رأيت مثل الذي رأى، وهكذا، حتى ذهبوا إلى الحاكم وأخبروه، فجاء بالراهب، وما زال به حتى اعترف بكل الذي كان، وبأنه زنى ثم قتل وكذب، فحكم عليه بالصلب، فجاءه الشيطان وقال له: أنا الذي زين لك ما مضى، وإني قادر على أن أنجيك الساعة، قال له: وكيف ذلك؟ قال: تسجد لي، فسجد له، فقال له الشيطان: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، قال الله : ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]. لذلك فإن الإنسان المؤمن إذا أصبح أو أمسى فإنه يقول: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)، وكثير من الناس آتاه الله علما، ولكن والعياذ بالله اتبع خطوات الشيطان، إما خطوات فكرية أو عملية، ولذلك بعضهم بعد أن عاش عمراً طويلاً يبحث في علم الكلام، وفي أدلة المتكلمين قال: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية أمرنا أذاً ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا قيل وقالوا فهذا العالم يقول: أفنيت عمري كله في قيل وقالوا، وما استفدت شيئاً والعياذ بالله، فقد أظلم القلب؛ لأنه لم يتبع أنوار الوحي؛ فلذلك حذر الله من اتباع خطوات الشيطان، وعلل الله هذا النهي بقوله: ((إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ))، فقوله: ((إِنَّهُ))، الضمير يعود إلى الشيطان، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ ٌ﴾ [البقرة:١٦] أي: ظاهر العداوة. قال مطرف بن عبد الله الشخير ﵀: أغش عباد الله لعباد الله الشيطان.

стр. 833

من فوائد الآية من فوائد الآية: وجوب قبول شرائع الإسلام كافة، وحرمة التخير فيها، يعني: لا يجوز لك أن تختار وتنتقل، وإنما كما قال تعالى: ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ٌ)). ثانياً: ما من مستحل حراماً أو تارك واجباً إلا وهو متبع للشيطان في ذلك، فالذي يصوم ولا يصلي هو ممن اتبع خطوات الشيطان، لأن الذي أمر بالصيام هو الذي أمر بالصلاة، وهو الله ﷻ . ثالثاً: تحريم اتباع الشيطان فيما يدعو إليه من الكفر والضلال، وأن يستعيذ الإنسان منه بقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨].

стр. 834

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) النداء السابع في الآية الرابعة والخمسين بعد المائتين من سورة البقرة: يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، هذه الآية جاءت بعد الآية التي بين الله فيها أنه قد أرسل رسلاً، وأنه قد فضل بعضهم على بعض، فكأن الأمر بالإنفاق بعد ذكر الرسل ليبين ربنا ﷻ أن هذه الشعيرة المباركة وهذه الخصلة الفاضلة هي مما جاءت به الرسل، وأمرت به الأمم، وقبل ذلك بآيات أمر الله بالجهاد، فقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٤]، ثم بعدها أمر بالإنفاق فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةًَ﴾ [البقرة:٢٤٥]، يقول بعض أهل التفسير: النفقة ها هنا مقصود بها النفقة في الجهاد، كأنهم شبهوا هذه الآية على هذا النسق بقول الله ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهَِ﴾ [التوبة:٤١]. يقول الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ)) النفقة: هي إخراج المال الطيب في الطاعات والمباحات، والإنسان إذا أخرج مالاً في الطاعة كالزكاة الواجبة، أو صدقة التطوع، أو تفطير الصائمين، أو في المباحات كنفقته على نفسه، في طعامه وشرابه ولباسه وأثاثه وسكنه، وكان هذا المال من حلال طيب، فهذه هي النفقة التي أمر الله بها، وأخبر أنها متقبلة عنده. يقول ابن عطية ﵀: ظاهر هذه الآية أنها تعم جميع وجوه البر: من سبيل خير، وصلة رحم. يعني: سواء كانت هذه النفقة في سبيل من سبل الخير، أو في صلة رحم، فنحن مأمورون بها.

стр. 835

الحث على الإنفاق قبل الموت يذكرنا ربنا ﷻ أننا لا ننفق من أملاكنا وأموالنا، وإنما مما أفاء الله علينا، ومما أنعم به علينا، فيقول: ((أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ))، كما قال في آية أخرى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، فكأن الله يقول: أنفقوا مما رزقناكم في حياتكم الدنيا ولا تنتظروا الموت، حتى إذا أتى الموت قال الواحد منكم: هكذا وهكذا ولفلان كذا، ولفلان كذا، وإنما لينفق الواحد منكم وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى. قال تعالى: ((أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ))، وهو يوم القيامة، فهناك لا يستطيع إنسان أن يفدي نفسه ولو بذل ملء الأرض ذهباً، كما قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، فالكفار في ذلك اليوم يريدون أن يفدوا أنفسهم بكل شيء لكن لا يستطيعون، فإن ذلك اليوم لا بيع فيه؛ لأن الناس سيبعثون حفاة عراة غرلاً، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤].

стр. 836

نفرة الخلق عن بعضهم يوم القيامة قوله تعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] لا خلة: أي: لا صداقة، وسميت الصداقة خلة؛ لأنها مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين، فيوم القيامة لا تنفع الصداقة ولا المودة كما قال الله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] بل حتى الرحم لا تنفع في ذلك اليوم كما قال الله : ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١] ((وَصَاحِبَتِهِ)) أي: زوجته ﴿وأخيهِ * وَفَصِيلَتِهِ﴾ [المعارج:١٢ - ١٣] أي: قبيلته ﴿الَّتِي تُؤْويهِ﴾ [المعارج:١٣]، ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ [المعارج:١٤]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].

стр. 837

الشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة قوله تعالى: ((وَلا شَفَاعَةٌ)) الشفاعة مشتقة من الشفع الذي هو ضد الوتر، والشفاعة معناها الوساطة، بأن يضم الشافع جاهه إلى جاه المشفوع فيه عند مشفوع عنده من أجل أن يحق حقاً، أو يبطل باطلاً، أو من يجلب مصلحة، أو يدفع مفسدة، فهذه هي الشفاعة، والقرآن الكريم هاهنا ينفيها. يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: والشفاعة المنفية هاهنا هي الشفاعة التي لا يسع من بذلت عنده ردها. فمثلاً إذا أراد الأستاذ أن يعاقب الطالب، أو يفصله، أو يطرده، أو يحرمه من الامتحان وغير ذلك، فجاء أبو الطالب يشفع، فللأستاذ أن يقبل وأن يرد، لكن لو أن وزير التعليم قال لذلك الأستاذ: أنا أشفع في هذا الطالب، فهل يسعه ردها؟ في الغالب لا، فهذه هي الشفاعة المنفية، ولله المثل الأعلى، فلا يستطيع أحد أن يشفع عند الله شفاعة لا ترد، بل الله يقبل شفاعة من يحب أن يقبل شفاعته ويرد من لم يقبل شفاعته، وهذا هو معنى (لا شفاعة)، كما قال الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، ولذلك قال العلامة ابن جزي المالكي ﵀: حيثما كانت الشفاعة منفية في القرآن فهو عند الحديث عن أهوال القيامة، وحيثما كانت الشفاعة مقترنة بإذنه ﷻ فهو من أجل الشفاعة التي كان يعتقدها الكافرون، وفي آية أخرى قال الله : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]. لكن الشفاعة ثابتة في الأحاديث المتواترة أن الله يقول لنبيه محمد ﷺ : (سل تعط، واشفع تشفع)، فيشفع النبيون، ويشفع الصديقون، ويشفع الشهداء، ويشفع العلماء، ويشفع الأبناء في الآباء والآباء في الأبناء، وهناك شفاعات خاصة، وشفاعات عامة، وهذا كله مما يجمع به بين نصوص الشرع بحيث لا تتعارض.

стр. 838

خلاف أهل العلم في المقصود بالكافرين في قوله تعالى (والكافرون هم الظالمون) يقول الله : ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)). قال الزمخشري: الكافرون أي: مانعوا الزكاة، واستدل بقول الله : ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]، قال: وقد سماهم الله كافرين تغليظاً مثلما قال: ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، ((وَمَنْ كَفَرَ)) أي: ومن لم يحج فإن الله غني عن العالمين. والمراد بالكافرون هاهنا على قول الزمخشري: مانعوا الزكاة، لكن أهل التفسير قالوا: الكافرون هم الذين يلقون الله كفاراً، أي: لا أظلم ممن وافى الله يوم القيامة كافراً، فهؤلاء الذين ظلموا الحق فأنكروه، وظلموا أنفسهم فأوردوها موارد الهلاك، وظلموا الناس وصدوهم عن الهدى، وفتنوهم عن الإيمان، وموهوا عليهم الطريق، وحرموهم من الخير. قال عطاء بن دينار ﵀: الحمد لله الذي قال: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ))، ولم يقل: والظالمون هم الكافرون؛ لأنه لو قال كذلك لكان كل ظالم كافر، لكن الله أخبر في هذه الآية أن كل كافر ظالم، وهذا تشهد له نصوص كثيرة كقول الله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:١١٤]، وغير ذلك من الآيات.

стр. 839

فضل النفقة هذه الآية المباركة حثت على النفقة، وقد أمر بها رسول الله ﷺ ، وبين ما في النفقة من الأجر والثواب والخير والبركة، فثبت عنه ﷺ أنه قال: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها فيما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخادم مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً) يعني: أنك تكتسب وتجعل في البيت سكراً وقمحاً وزيتاً وخلاً وبصلاً وعسلاً، فلو أن الزوجة وجدت أن المصلحة والخير أن تنفق من هذا الشيء لجارة أو ذات رحم أو صديقة أو غير ذلك فلها أجرها بما أنفقت، ولا يضيع أجرك أنت؛ لأنك أنت الذي جئت بهذا الشيء، وللخادم في البيت الذي يتولى العطاء أجره. وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجراً الذي تنفقه على أهلك).

стр. 840

شروط النفقة المتقبلة النفقة المتقبلة لها شروط ثلاثة: الشرط الأول: أن تكون من الطيب، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٦٧] يعني: فلا تنظر الطعام الذي قاربت مدته على النهاية فتتخلص منه، بل لا بد أن يكون من طيبات ما كسبت. ثانياً: أن تخرجه طيبة به نفسك، فلا تخرجه ويدك ترتجف، وقلبك محترق، بل أخرجه طيبة بها نفسك. ثالثاً: لا تتبعها مناً ولا أذى، وفي الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، وذكر من بينهم: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه). وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص: (ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك). فالمعنى: أنفقوا مما رزقناكم، وليس المقصود فقط الزكاة، أو الصدقة فقط، وإنما حتى النفقة التي تنفقها في البيت، الخبز الذي تشتريه، الخضر، الفاكهة، السكر، اللحم، كله في ميزان حسناتك لو أنك ابتغيت به وجه الله. وفي الحديث: (حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالتبرع والدعاء)، وفي الحديث الآخر: (يا ابن آدم أنفق أنفق عليك)، وفي الحديث الثالث (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وينزل فيه ملكان يناديان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) أي: هذا الممسك أتلف اللهم ماله، وفي الحديث (صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار، وصلة الرحم تزيد في العمر) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.

стр. 841

من فوائد الآية هذه الآية فيها فوائد كثيرة منها: الفائدة الأولى: الحث على النفقة في جميع طرق الخير، إذ قال: أنفقوا، ولم يعين باباً، فالأبواب كلها أبواب خير، فلك أن تنفق في علاج مريض، أو كفالة يتيم، أو إطعام جائع، أو التصدق على مسكين، أو كسوة عار، أو تفطير صائم، أو في بناء مسجد، إلى غير ذلك من أبواب الخير. الثانية: التذكر بنعمة الله على الناس؛ لأنه ﷻ هو الذي رزقهم، وأنعم عليهم بالنعم. الثالثة: أن الله أمرنا بإنفاق بعض المال لا كله، إذ لم يقل: أنفقوا ما رزقناكم، وإنما قال: (مما رزقناكم)؛ لأن الله يعلم أن النفس مجبولة على الشح؛ ولذلك الله قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُوْن﴾ [البقرة:٢ - ٣]، فقال مما رزقناهم هو يمثل الجزء، فلذلك لو احتسبت الزكاة في المليون فستكون خمسة وعشرين ألفاً، وهي لا تمثل شيئاًً، وفي أربعين شاة شاة، وفي ثلاثين بقرة تبيع، وفي خمس من النوق شاة، فدائماً الصدقة القليلة متقبلة عند الله . الرابعة: دلت الآية على أن هذه النفقات مدخرة عند الله ليوم لا تفيد فيه المعاوضات بالبيع ونحوه، ولا التبرعات ولا الشفاعات، ولذلك الممسك يوم القيامة يندم، ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١]، فهذا تحذير من الغفلة وتنبيه لوجوب الأخذ بأسباب النجاة التي تعين في نجاة العبد يوم القيامة، ثم حصر الظلم في الكفار؛ لأنهم خرجوا على ما خلقهم الله له، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً.

стр. 842

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) النداء الثامن في الآية الرابعة والستين بعد المائتين: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٦٤] الله ﷻ خالق النفس وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير، يعلم أن النفس الإنسانية مجبولة على الشح، وأنها تحب ذاتها وتكره إخراج المال، إلا إذا ترقت هذه النفس، وتطبعت بالخصال الحميدة والصفات الجميلة لالتزامها بشرع الله ، إذ شرع الله يأمرنا بالنفقة، ويخبرنا بأن الله يخلف علينا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]، وفي الحديث أن الملك يقول: (اللهم أعط منفقاً خلفاً)، وفي الحديث الآخر: (ثلاثة أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة)، ولذلك الشريعة تؤدبنا في هذه الصدقة، وتقول لنا: يا مؤمنون! لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، فالمن هو ذكر النعمة على وجه التعديد لها، بأن يقول المتصدق لمن تصدق عليه: ألم أعطك؟ ألم أتفضل عليك؟ ألم أكرمك؟ ألم أفعل لك كذا وكذا؟ وهذه هي سنة فرعون الذي قال لموسى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٨ - ١٩]، ففرعون هو المنان الأول، ولذلك المن من أراذل الأخلاق، وقد نهى عنه رب العالمين ﷻ ، وأكد النهي رسوله ﷺ .

стр. 843

نداءات الرحمن لأهل الإيمان [٤] الربا من أعظم الكبائر الموبقات، وقد حرمه الله لما فيه من المفاسد العظيمة والأضرار الكبيرة، فيجب على كل مسلم أن يحذر من الربا بجميع أنواعه وصوره، ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم ما يحفظون به أموالهم من الضياع، ومن ذلك أن أطول آية في القرآن هي من أحكام المداينة.

стр. 844

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) النداء العاشر في الآية الثامنة والسبعين بعد المائتين في سورة البقرة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨]. سبب النزول: ذكر زيد بن أسلم وابن جريج ومقاتل والسدي أن الآية نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف وبني المغيرة من بني المخزوم، وكان بينهم رباً في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه منهم فتشاوروا وقالت بنو المغيرة: لا نؤد الربا في الإسلام لكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد ﵁ وهو نائب مكة إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية فكتب بها رسول الله ﷺ إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]، فقالوا: نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا، فتركوه كله. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب ثم قرأ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩].

стр. 845

معنى قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) معاني المفردات: يقول الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ)) أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون، قال ابن عاشور رحمه الله تعالى: أمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا؛ لأن تقوى الله هي أصل الامتثال والاجتناب؛ ولأن ترك الربا من جملتها. قال سبحانه: ((اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)) أي أتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإنذار، ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) أي: إن كنتم مؤمنين بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك. قال الرازي رحمه الله تعالى: فإن قيل: كيف قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) -ثم قال في آخره- ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ))، فالجواب من وجوه: الوجه الأول: أن هذا مثل ما يقال: إن كنت أخاً فأكرمني، معناه: أن من كان أخاً أكرم أخاه. الوجه الثاني: قيل: معناه إن كنتم مؤمنين قبله. الوجه الثالث: إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان. الوجه الرابع: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) بلسانهم ((َذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) بقلوبكم. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]، بأخذ الزيادة ((وَلا تُظْلَمُونَ)) أي: بوضع رءوس الأموال أيضاً، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه. وقيل في تعريف الربا: هو عقد في الشرع فاسد وإن لم تكن فيه زيادة؛ لأن بيع الدراهم بالدراهم نسيئة ربا، وإن لم تتحقق فيه زيادة.
следующие страницы →