Полный текст (933 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
من فوائد الآية
هذه الآية فيها فوائد كثيرة منها: الفائدة الأولى: الحث على النفقة في جميع طرق الخير، إذ قال: أنفقوا، ولم يعين باباً، فالأبواب كلها أبواب خير، فلك أن تنفق في علاج مريض، أو كفالة يتيم، أو إطعام جائع، أو التصدق على مسكين، أو كسوة عار، أو تفطير صائم، أو في بناء مسجد، إلى غير ذلك من أبواب الخير.
الثانية: التذكر بنعمة الله على الناس؛ لأنه ﷻ هو الذي رزقهم، وأنعم عليهم بالنعم.
الثالثة: أن الله أمرنا بإنفاق بعض المال لا كله، إذ لم يقل: أنفقوا ما رزقناكم، وإنما قال: (مما رزقناكم)؛ لأن الله يعلم أن النفس مجبولة على الشح؛ ولذلك الله قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُوْن﴾ [البقرة:٢ - ٣]، فقال مما رزقناهم هو يمثل الجزء، فلذلك لو احتسبت الزكاة في المليون فستكون خمسة وعشرين ألفاً، وهي لا تمثل شيئاًً، وفي أربعين شاة شاة، وفي ثلاثين بقرة تبيع، وفي خمس من النوق شاة، فدائماً الصدقة القليلة متقبلة عند الله .
الرابعة: دلت الآية على أن هذه النفقات مدخرة عند الله ليوم لا تفيد فيه المعاوضات بالبيع ونحوه، ولا التبرعات ولا الشفاعات، ولذلك الممسك يوم القيامة يندم، ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١]، فهذا تحذير من الغفلة وتنبيه لوجوب الأخذ بأسباب النجاة التي تعين في نجاة العبد يوم القيامة، ثم حصر الظلم في الكفار؛ لأنهم خرجوا على ما خلقهم الله له، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً.
стр. 842
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)
النداء الثامن في الآية الرابعة والستين بعد المائتين: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٦٤] الله ﷻ خالق النفس وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير، يعلم أن النفس الإنسانية مجبولة على الشح، وأنها تحب ذاتها وتكره إخراج المال، إلا إذا ترقت هذه النفس، وتطبعت بالخصال الحميدة والصفات الجميلة لالتزامها بشرع الله ، إذ شرع الله يأمرنا بالنفقة، ويخبرنا بأن الله يخلف علينا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]، وفي الحديث أن الملك يقول: (اللهم أعط منفقاً خلفاً)، وفي الحديث الآخر: (ثلاثة أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة)، ولذلك الشريعة تؤدبنا في هذه الصدقة، وتقول لنا: يا مؤمنون! لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، فالمن هو ذكر النعمة على وجه التعديد لها، بأن يقول المتصدق لمن تصدق عليه: ألم أعطك؟ ألم أتفضل عليك؟ ألم أكرمك؟ ألم أفعل لك كذا وكذا؟ وهذه هي سنة فرعون الذي قال لموسى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٨ - ١٩]، ففرعون هو المنان الأول، ولذلك المن من أراذل الأخلاق، وقد نهى عنه رب العالمين ﷻ ، وأكد النهي رسوله ﷺ .
стр. 843
نداءات الرحمن لأهل الإيمان [٤]
الربا من أعظم الكبائر الموبقات، وقد حرمه الله لما فيه من المفاسد العظيمة والأضرار الكبيرة، فيجب على كل مسلم أن يحذر من الربا بجميع أنواعه وصوره، ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم ما يحفظون به أموالهم من الضياع، ومن ذلك أن أطول آية في القرآن هي من أحكام المداينة.
стр. 844
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين)
النداء العاشر في الآية الثامنة والسبعين بعد المائتين في سورة البقرة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨].
سبب النزول: ذكر زيد بن أسلم وابن جريج ومقاتل والسدي أن الآية نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف وبني المغيرة من بني المخزوم، وكان بينهم رباً في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه منهم فتشاوروا وقالت بنو المغيرة: لا نؤد الربا في الإسلام لكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد ﵁ وهو نائب مكة إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية فكتب بها رسول الله ﷺ إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]، فقالوا: نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا، فتركوه كله.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب ثم قرأ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩].
стр. 845
معنى قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين)
معاني المفردات: يقول الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ)) أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون، قال ابن عاشور رحمه الله تعالى: أمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا؛ لأن تقوى الله هي أصل الامتثال والاجتناب؛ ولأن ترك الربا من جملتها.
قال سبحانه: ((اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)) أي أتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإنذار، ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) أي: إن كنتم مؤمنين بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك.
قال الرازي رحمه الله تعالى: فإن قيل: كيف قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) -ثم قال في آخره- ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ))، فالجواب من وجوه: الوجه الأول: أن هذا مثل ما يقال: إن كنت أخاً فأكرمني، معناه: أن من كان أخاً أكرم أخاه.
الوجه الثاني: قيل: معناه إن كنتم مؤمنين قبله.
الوجه الثالث: إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان.
الوجه الرابع: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) بلسانهم ((َذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) بقلوبكم.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]، بأخذ الزيادة ((وَلا تُظْلَمُونَ)) أي: بوضع رءوس الأموال أيضاً، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه.
وقيل في تعريف الربا: هو عقد في الشرع فاسد وإن لم تكن فيه زيادة؛ لأن بيع الدراهم بالدراهم نسيئة ربا، وإن لم تتحقق فيه زيادة.
стр. 846
ذم الربا في القرآن
الآيات في ذم الربا كثيرة، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وقال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]، وقال سبحانه في ذم اليهود ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء:١٦١]، وقال تبارك اسمه: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩].
стр. 847
ذم الربا في السنة
الأحاديث في ذم الربا قد تواترت تواتراً معنوياً، منها: ما ثبت عن أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
ومنها حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلاً يجر شقيه، ثم قرأ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥])، قال المنذري ﵀ في الترغيب والترهيب: رواه الطبراني والأصفهاني من حديث أنس ونحوه عند ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس ﵄.
ومنها ما جاء عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ خطب الناس يوم حجة الوداع فقال: (وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله) رواه مسلم.
وعن عبد الله بن حنظلة -غسيل الملائكة- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (درهم رباً يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية)، قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح.
وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم) رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وعن سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق فانطلقنا، فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، فإذا في النهر سابح يسبح، وإذا على شاطئ النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي الجالس الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً، فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً، قلت: ما هذان؟ قالا: إنه آكل الربا).
وعن جابر ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء).
وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله)، قال المنذري في الترغيب: رواه أبو يعلى بإسناد جيد، وأخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
стр. 848
ما يستفاد من هذه الآية
في هذه الآية الكريمة فوائد: أولها: وجوب تقوى الله في الأمر كله.
ثانيها: حرمة الربا وأنه من كبائر الذنوب، قال ابن عباس ﵄: من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه.
ثالثها: وجوب التوبة من الربا ومن كل المعاصي.
رابعها: اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان.
خامسها: قال الرازي ﵀: اعلم بأن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا؛ وذلك لأن ما مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقض ولا يفسخ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب، فإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى، -أي: ذلك الصداق- وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى.
стр. 849
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢].
هذا هو النداء الأخير من نداءات الرحمن لأهل الإيمان في سورة البقرة، وهو النداء الحادي عشر، ففي سورة البقرة أحد عشر نداءً، وآخر نداء في الآية الثانية بعد المائتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وهي أطول آي القرآن على الإطلاق، وقد تناولت شأن هذه المعاملة المالية، من أجل قطع التنازع والاختلاف بين بني الإنسان؛ لأن الإنسان مجبول على النسيان كما في حديث ابن عباس الذي أخرجه الترمذي عن رسول الله ﷺ قال: (إن أول من جحد آدم ﵇، إن الله تعالى أراه ذريته فرأى رجلاً أزهر ساطع اللون فقال: يا رب! من هذا؟ قال: ابنك داود، قال: يا رب! فما عمره، قال: ستون سنة، قال: يا رب! زد في عمره، قال: لا إلا أن تزيده من عمرك، قال: يا رب! وما عمري؟ قال: ألف سنة، قال آدم: قد وهبت له أربعين سنة، -من أجل أن يكمل له المائة- قال: فكتب الله عليه كتاباً وأشهد عليه ملائكته، فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة فقال آدم: إنه قد بقي من عمري أربعون سنة، قالوا: قد وهبتها لابنك داود، قال: ما وهبت لأحد شيئاً، قال: فأخرج الله تعالى الكتاب، وشهد عليه ملائكته، وأتم الله لداود مائة سنة، ولآدم ألف سنة) أي: أن الله رد لآدم الأربعين، وزاد داود أربعين، ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، أي: في أم الكتاب عند الله أن عمر داود مائة، وعمر آدم ألف، لكن هذا التغير في علم البشر، وفي علم آدم، أما علم الله فهو ثابت، وعنده أم الكتاب.
فالآدمي مطبوع على النسيان والجحود، وخاصة فيما يتعلق بالأموال؛ ولذا شرع الله للمؤمنين هذا التشريع المحكم؛ من أجل أن تدوم الأخوة بينهم.
стр. 850
تفسير آية المداينة
قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة:٢٨٢] أي: إذا تعاملتم بالدين، سواء كان هذا الدين قرضاً أو بيعاً أو سلماً، ((إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ))، أي: إلى وقت معروف، وإلى شهر معلوم، أو يوم محدود فاكتبوه.
وقوله: ((وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)) أي: بالحق، فلا يكتب الدائن ولا المدين، وإنما يكتب بينهما طرف ثالث.
وقوله تعالى: ((وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ)) أي: يا أيها الكاتب! يا من علمك الله الكتابة! إذا دعيت لتكتب بين الناس كما علمك الله فعليك أن تخدم الناس، كما قال سبحانه: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧].
وقوله تعالى: ((وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ)) تأكيد.
((وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ)) الذي عليه الحق هو المديون، وهو الذي يملي؛ لأنه بعيد من أن يفرض أو يزيد على نفسه ما ليس واجباً عليها، وليملل بمعنى: وليملي، ويملي ويملل: لغتان.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقص من هذا الدين الذي وجب عليه شيئاً.
وقوله تعالى: ((فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ)) أي المدين ((سَفِيهًا))، والسفه هو: عدم إحسان النظر في المال، إما لصغر أو جنون، فإن كان هذا المدين سفيهاً، ((أَوْ ضَعِيفًا))، الضعيف كالصغير وشبهه، ﴿أو لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ﴾ [البقرة:٢٨٢] أي: لا يستطيع أن يملي؛ لأن فيه بكماً أو صمماً أو عمى، أو غير ذلك من الأعذار، فإذا كان المدين سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو، فلا بد أن يولي عليه ولياً، قال تعالى: ((فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)) أي: من له ولاية على السفيه والصغير، كالأب والوصي وعرفاء القبيلة.
((وَاسْتَشْهِدُوا)) أي: اطلبوا الشهادة، ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ))، هذا نص في أن شهادة الصبي لا تقبل، وأن شهادة الكافر لا تقبل؛ لأن الله قال: (شهيدين من رجالكم) أي: المسلمين.
قال العلامة ابن عاشور ﵀: أما الكافر فلأن اختلاف الدين يوجب التباعد في الأحوال والمعاشرات والآداب، أي: إذا كان الدين مختلفاً لن يكون بيننا خلطة ومعاشرة كالتي تكون بين المسلم والمسلم، أو بين الكافر والكافر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، وكذلك المسلمون بعضهم أولياء بعض، ولما كان اختلاف الدين موجباً للتباعد وعدم المعاشرة والاختلاط بصورة كافية، ترتب على ذلك أنه لا يمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين، ولأنه قد عرف من حال غالب أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفيه، هذا في الغالب؛ ولأجل هذا اتفق علماء الإسلام على عدم قبول شهادة أهل الكتاب بين المسلمين في غير الوصية في السفر، يعني: لو أن مسلمين اختلفا لا يصلح أن يدخل بينهما شاهد كتابي، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، ومن باب أولى من ليس كتابياً، فمن كان مجوسياً أو وثنياً فهو أبعد من أن يشهد على المسلمين.
قال الله : ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ)) أي: إن لم يوجد رجلان، قال الله : ((فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)) أي: فالشاهد رجل وامرأتان، أو فليشهد رجل وامرأتان، أو فليكن رجل وامرأتان.
وهنا اتهم كثير من الناس الإسلام أنه يحقر المرأة؛ لأنه يجعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل، والحق أن الإسلام لم يحقر المرأة فالله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣]، وقال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]، ولكن القضية أن المرأة أيها الإخوة أضعف من الرجل بأصل الجبلة وبحسب الغالب، فالغالب عليها النسيان، وليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، ولذلك غالباً ما تكون ذاكرتها في هذه الأمور ضعيفة، بخلاف الأمور المنزلية التي هي شغلها الشاغل، فإن ذاكرتها في تلك الأمور تكون قوية، فإن قيل: يوجد من النساء من تدير مكتب عقارات، ومنهن من تكون سمسارة، وغير ذلك من الأمور التي قد تتولاها النساء.
ف
الجواب
أن هذا على سبيل الشذوذ، والشاذ لا حكم له، والغالب على النساء ليس لهن اهتمام بالأمور المالية، ولذلك قال الله : ((فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)).
أما الشيء الخاص بالنساء والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات، فالأمور التي تتعلق بالعيوب النسوية، أو التي تتعلق بالولادة، فإذا أردنا أن نحكم على امرأة بأنها بكر أو ليست بكراً، فهذا القضية تقبل فيها شهادة النساء، كما تقبل شهادتهن في الاستهلال، فإذا ولد مولود وأردنا أن نحكم عليه هل استهل أو لم يستهل، فالغالب أنه لم يحضر ذلك الموضع إلا النساء، ولذلك تقبل شهادتهن.
قال الله : ((فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ))، وعلل ذلك فقال: ((أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى))، وقرأ حمزة: ((إنْ تَضِلَّ)) على أنها شرطية، ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ إنْ تَضِلَّ﴾ أي: لو ضلت ونسيت إحداهما فالأخرى تذكرها، من أجل أن تتعاضد شهادتهما في إحقاق الحق.
قال الله : ((وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا)) أي: لو دعوا إلى شهادة فليتقوا الله ولا يكتموها؛ لأن هذه الشهادة يتم بها إثبات الحقوق، قال النبي ﷺ : (ألا أنبئكم بخير الشهداء: من يؤد الشهادة قبل أن يسألها) أي: أنه قبل أن يطلب منه الشهادة يؤديها حسبة لوجه الله .
قال سبحانه: ((وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ)) معنى (لا تسأموا): لا تملوا، والسأم: الملل، ومنه قول القائل: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا له يسأم قوله: ((وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ))، أي: أن تكتبوا الدين، وهذا الحكم الذي مضى من أجل ثلاث علل هي: ((ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا))، أي: هذا الذي شرعته لكم ليس من أجل إعناتكم وإرهاقكم، ولكن لأن ذلك ((أَقْسَطُ)) أي: أحفظ للحق، ((وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ)) أي: أعون على إقامتها، ((وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا)) أي: أقرب إلى نفي الريبة والشك، بدلاً من أن يدخل أنا الدائن وأنت المدين في جدال، يقول الدائن: أعطيتك عشرة ملايين، ويقول المدين: لا بل كانت تسعة أو ثمانية، وبعد ذلك لا بد من أيمان بالله أو بالطلاق وما أشبه ذلك، فالكتابة تحفظ لكل ذي حق حقه.
قال الله : ((إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ)) أي: إلا إذا كان بيعاً فيه أخذ وعطاء فلا داعي للكتابة؛ لأن هذا فيه نوع من التعكير والتضييق، فإذا ذهب الإنسان إلى التاجر؛ ليشتري سلعة وكان لا بد من كتابة البيع والشراء ففيه تضييق على حياة الناس، فإذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها.
قال الله : ((وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ))، هذا الأمر أمر إرشاد، لا أمر إيجاب، ((وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ)) أي: لا يحل للدائن والمدين أن يوقعا الضرر مع الكاتب فتوقعوه في الحرج والمشقة.
وكذلك الشهيد فلا يجوز للدائن أو المدين ترغيبه أو ترهيبه؛ من أجل أن يلوي لسانه بالشهادة، فيؤدي غير ما عرف، ولا يجوز الإضرار به كذلك بأن ترفع القضايا إلى الحكام، وفي كل يوم يستدعى هذا الشاهد الذي ليس إلا متطوعاً.
قال الله : ((وَإِنْ تَفْعَلُوا)) أي: هذه المضارة ((فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)) أي: أن الذي يتعمد الإضرار بالمسلم فهو فاسق.
قال الله : ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) كلمة: (الله) هنا تكررت ثلاث مرات، ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ))، وفي هذه الآية إظهار في مقام الإضمار، قال البيضاوي ﵀: كرر لفظة الله في الجمل الثلاث؛ لاستقلالها، فالأولى حث على التقوى، والثانية وعد بالنعمة، والثالثة تعظيم لشأنه ﷻ .
والعلامة الطاهر بن عاشور ﵀ قال: الإظهار في مقام الإضمار أدخل في التعظيم، ومنه قول القائل: اللؤم أكرم من وبر بوالده واللؤم أكرم من وبر وما ولدا واللؤم داء لوبر يقتلون به لا يقتلون بداء غيره أبداً ومنه قول الشاعر وكان متضايقاً من الشيب لكنه يظهر خلاف ما يبطن يقول: لما رأيت الشيب لاح بياضه بمفرق رأسي قلت للشيب مرحباً فكرر الشيب مرتين.
وقد ظهر بين المسلمين من الدجالين الذين لم يقرءوا القرآن، ولم يشتغلوا بالعلم من يشرع للناس ويقول: إنه قد جاءه فيض من الله، وأن الله يقول: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ))، وقال بعضهم: أنتم تحدثون عن فلان وفلان من الأموات، ونحن نحدث عن الحي الذي لا يموت، وقال آخر: حدثني قلبي عن ربي، فلا يحتاج إلى علماء ولا إلى شيوخ.
قال محمد عبده كما في تفسير المنار: اشتهر على ألسنة المدعين في معنى هاتين الجملتين: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)) أن التقوى تكون سبباً للعلم، وبنوا على ذلك أن سلوك طريقتهم وما يأتونه فيها من الرياضة وتلاوة الأوراد والأحزاب تنشر لهم الع
стр. 851
ما يستفاد من آية الدين
هذه الآية اشتملت على فوائد، منها قول الله : ((فَاكْتُبُوهُ)) ففيه أن الأمر ليس أمر إيجاب، بدليل قول الله : ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]، والرهن ليس واجباً، فإذا استدان أحدهم من آخر مالاً، فليس واجباً أن يعطيه المدين رهناً، فإذا كان البدل من الكتابة وهو الرهن ليس بواجب، فالمبدل عنه وهو الكتابة ليس بواجب كذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] أي: إذا كان بينكم أمانة، ونوع من الثقة، ولا تريدون الكتابة فلا حرج في ذلك إن شاء الله.
стр. 852
الأسئلة
стр. 853
حكم لبس المرأة القفازين في الصلاة
السؤال
ما حكم لبس المرأة القفازين في الصلاة؟
الجواب
لو أن امرأة صلت وهي لابسة للقفازين فلا حرج في ذلك، وصلاتها صحيحة، والممنوع أن تلبس القفازات وهي محرمة، كما لو كانت في العمرة أو في الحج.
стр. 854
نداءات الرحمن لأهل الإيمان [٥]
حذر الله المؤمنين في كتابه من طاعة اليهود أو النصارى، ومن أطاعهم فإنهم سيردونه كافراً بعد إيمانه والعياذ بالله، وخير لهم أن يطيعوا الله ورسوله ويتقوا الله، ويتولوا الله ورسوله والمؤمنين، ويعادوا الكافرين.
стр. 855
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠].
هذا هو النداء الثاني عشر من نداءات الرحمن لأهل لإيمان، في الآية مائة من سورة آل عمران، وهو قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠].
سبب نزول هذه الآية كما ذكر أئمة التفسير: أن شأس بن قيس كان شيخاً من شيوخ يهود، وكان شديد الضغن على الإسلام وأهله، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم.
مر هذا الرجل على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاضه ذلك فقال: والله ما لنا بهذه الأرض من قرار -أي: إذا اتفق الأوس والخزرج واتحدت كلمتهم-، فأمر شاباً من شباب اليهود أن يذهب إلى ذلك المجلس، ويذكرهم بيوم بعاث، وكان يوماً قد وقعت فيه حرب بين الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس، فذهب ذلك الشاب، وبدأ يستنشد القوم ما قالوا من أشعار في ذلك اليوم حتى غلت الدماء في العروق، وتذكر القوم ما كان بينهم من ثارات وإحن، وتنادوا إلى حمل السلاح، وقال قائلهم: إن شئتم رددناها جذعة، وتواعدوا ظهر الحرة، فعلم بذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم وقال لهم: (يا معشر الأوس والخزرج! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة) أي: اتركوا الدعوى للجنس وللقبيلة وللعصبية، فإنها دعوة منتنة وقبيحة لا تؤدي إلى خير، وبدأ ﷺ يذكر الأوس والخزرج بأن الله أكرمهم بالإسلام، وقطع عنهم أمر الجاهلية، حتى رقت قلوبهم، فألقوا أسلحتهم وعانق بعضهم بعضاً وهم يبكون، يقول الصحابي: فما رأيت يوماً أقبح أولاً ولا أحسن آخراً من ذلك اليوم، وأنزل الله هذه الآية وما بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠].
يقول الألوسي ﵀: هذا النداء تشريف للأوس والخزرج؛ لأن قبله نداءات لأهل الكتاب وتبدأ بقل، كقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:٦٥]، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران:٩٨ - ٩٩]، وهنا لم يقل: قل يا أيها الذين آمنوا، وإنما خاطبهم مباشرة من غير واسطة فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا)).
стр. 856
معاني المفردات
قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا)) الفريق: الطائفة من الناس، والمعنى: إن تطيعوا هذه الطائفة الحاقدة الحاسدة الظالمة الباغية من الذين كفروا بمحمد ﷺ وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ((إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ))، والذين آتوا الكتاب هم اليهود والنصارى، ولكن المراد بأهل الكتاب هنا هم اليهود؛ لأنهم هم الذين كانوا يساكنون المسلمين في المدينة.
((إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ)) أصل الرد: الصرف والإرجاع، والمراد به هنا التصيير، أي يصيرونكم ويحولونكم بعد إيمانكم كافرين، بمعنى التصيير والتحويل، ومنه قول القائل: فرد شعورهن السود بيضاً ورد وجوههن البيض سوداً أي صيرها وحولها.
فإذا أطعتم أهل الكتاب في إحياء النعرات الجاهلية والعصبيات القومية سيصيرونكم -بعد إذ كنتم مؤمنين طيبين تعرفون الله ورسوله- إلى جاهليتكم كفاراً لا تعرفون الله.
وهذه الآية قد ورد في معناها آيات، كقول الله : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، وقول الله : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقول الله وجل: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران:٦٩]، وغير ذلك من الآيات.
стр. 857
خطر طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم
يقول الأستاذ سيد قطب رحمة الله عليه في الظلال: إن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم تحمل ابتداءً معنى الهزيمة الداخلية، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشأت الأمة المسلمة، كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعداً في طريق النماء والارتقاء، وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس وهي لا تشعر به، ولا ترى خطره القريب.
ويجب أن نفرق بين قضيتين: قضية اقتباس مناهج من أهل الكتاب وفق روح الإسلام، وتوجيهه؛ من أجل أن ننتفع بجهود البشر في الارتقاء بحياتنا وخدمة ديننا، فهذا لا بأس به، وقد فعله المسلمون الأولون، وعمر بن الخطاب ﵁ لما مصر الأمصار ودون الدواوين وجعل للجند عطاء وغير ذلك من التراتيب الإدارية والنظم إنما اقتبسها من غير المسلمين، لكنها لا تعارض دين الله ، هذه قضية.
والقضية الثانية: اقتباس مناهج أهل الكتاب في التفسير، والاعتقاد، والنظر إلى الكون والحياة، والنظر إلى الخالق ﷻ ، فهذا هو الممنوع المحذور، وقد وقع في ذلك دعاة القومية العربية، وقامت حربان كونيتان عظيمتان هلك فيهما ملايين من البشر، وهاتان الحربان سببهما: اعتقاد تفوق جنس على جنس، فأصحاب الجنس الآرمي، أو أصحاب الجنس الأنجلو سكسوني، كل منهم يعتقد أنه الأفضل والأرقى والأحسن، وأنه ينبغي أن يقضي على الجنس الآخر، فكانت النتيجة قيام الحروب الطاحنة التي هلك فيها من البشر ما لا يعلمه إلا الله، هذه الفكرة الخاطئة الكاذبة انتقلت إلى بلاد العرب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عبر دعاة القومية العربية، وهي حركة سياسية فكرية متعصبة، تقوم على ربط الناس برابطة الدم والجنس واللغة والتاريخ والآمال والآلام كما زعموا، وتنحية رابطة الدين.
إن هذه الدعوة القومية أتى بها مجموعة من النصارى في سوريا ولبنان ومصر، وهم بطرس البستاني وسليم البستاني ومنيف خوري ونصيف اليازجي وخير الله خير الله، وغيرهم، وكلهم من النصارى، إلى أن وصل الأمر إلى ميشل عفلق، الذي أسس حزب البعث الذي قضى على الأخضر واليابس، هذه الدعوة تقوم على جملة من الأفكار الكفرية، وهي أن الدين لله والوطن للجميع، وأن رابطة الجنس هي التي توحد، وأن الدين لا يوحد، ثم تناولوا شخصية رسول الله ﷺ بوصفه عبقرياً عربياً، لا بوصفه رسولاً نبياً، وقالوا: إن العبقرية العربية تتجلى في عدة صور فتارة في صورة شريعة حامورابي وتارة في صورة الشعر الجاهلي، وتارة في صورة الإسلام، أي: أن الإسلام مرحلة من مراحل القومية العربية، وقالوا بأن محمداً كان كل العرب فليكن كل العرب محمداً، إلى غير ذلك من الكلمات الفارغة، وبلغ الكفر ببعضهم أن يقول: هبوني عيداً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم أي: أنه يريد أن يعلي رابطة الجنس، والدم، ويلغي رابطة الدين.
ولقد كانت النتيجة أن قامت الجامعة العربية، وهي فكرة إنجليزية؛ من أجل القضاء على فكرة الجامعة الإسلامية التي كان ينادي بها بعض العلماء بعد سقوط الخلافة الإسلامية سنة ١٩٢٤م، حيث دعوا إلى قيام جامعة إسلامية تجمع شتات المسلمين عرباً وعجماً، فقامت فكرة الجامعة العربية وحصرتها في الجنس العربي، بصرف النظر عن الدين، سواء كان الإسلام أو غيره، ومنذ أن قامت هذه الجامعة لم ير الناس منها خيراً، ولم تنتصر لقضية واحدة من قضايا المسلمين، وقلصت القضايا وضيقتها، فقضية فلسطين التي هي قضية إسلامية أممية، جعلوها قضية عربية، ثم لم يمض زمان حتى صارت قضية قطرية تخص شعباً معيناً، ثم لم يمض زمان حتى صارت قضية داخلية تخص الشعب الفلسطيني الذي يقيم في داخل فلسطين.
وهذه الدعوة تعارض أصول الإسلام؛ لأن الإسلام لا يعتد برابطة الجنس أو غيرها، إنما يعتد برابطة الدين، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون:٥٢]، إلى غير ذلك من النصوص التي يعلمها كل مسلم.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠]، هذه الآية ينبغي أن تكون أمام المسلمين في كل موقف.
стр. 858
ما ورد في السنة مما يؤيد معنى الآية
في معنى هذه الآية أحاديث ثبتت عن رسول الله ﷺ ، منها ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن ثابت ﵁ قال: (جاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني مررت بيهودي من بني قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة.
-أي: أن اليهودي كتب لـ عمر بعض الصفحات من التوراة- ألا أعرضها عليك؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ ، فقال عبد الله بن ثابت: يا عمر! ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ -أي: انتبه، أما ترى ما في وجه رسول الله من الغضب- فقال عمر ﵁: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً، قال: فسري عن رسول الله ﷺ -أي: عادت إليه بشاشته- وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين)، وكأنه ﷺ يقول لـ عمر ﵁ الله عنه: ليس لو كتب لك صحائف من التوراة، بل لو جاء موسى ﵇ حياً بين أظهركم فتبعتموه لظللتم؛ لأن موسى ﵇ تابع لمحمد ﷺ .
وفي حديث آخر عن جابر قال: قال ﷺ : (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء؛ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حياً بين أن أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني).
стр. 859
ما يستفاد من هذه الآية
هذه الآية يستفاد منها فائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: طاعة اليهود والنصارى في الأخذ بنصائحهم، والتسمي بأسمائهم واتباع توجيهاتهم وما يشيرون به على المسلم تؤدي بالمسلم إلى الكفر رضي ذلك أو لم يرض.
الفائدة الثانية: الحذر من تقلب القلوب، والرجوع إلى الكفر بعد الإيمان، فلا يضمن أحد لنفسه الإسلام؛ لأنه مسلم بين أبوين مسلمين، وقد نشأ على الإسلام، ويظن أنه لا خوف عليه، فإن الله يقول للصحابة: ((يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ))، وغيرهم من باب أولى.
نسأل الله أن يثبتنا على الإسلام.
стр. 860
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته)
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] النداء الثالث عشر في الآية الثانية بعد المائة من سورة آل عمران قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، هذه الآية جاءت عقب الآية التي نهت عن طاعة أهل الكتاب، وبينت أن في طاعتهم الهلاك والضلال والفسق.
يأمر ربنا ﵎ في هذه الآية المباركة عباده المؤمنين بتقواه، والتقوى فعل المأمور واجتناب المحذور، فقد أكد ربنا هذا المعنى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٧٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨]، وبين سبحانه بأن هذه هي وصيته للأولين والآخرين، فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، بمعنى أن تجتنبوا عذاب الله وجعلوا بينكم وبينه وقاية، وهذه هي التقوى.
стр. 861
ثمار التقوى وفوائدها
بين ربنا جل جلالة ثمار التقوى وفوائدها في الدنيا والآخرة.
ومن هذه الثمار النجاة من العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١].
ومنها أن الله ضمن لمن اتقاه أن لا يخاف مما يستقبل، ولا يحزن على ما مضى، فقال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٣٥].
ومن فوائد التقوى كذلك: التيسير لليسرى، فالله ييسر العبد لعمل الخير، وللانبعاث في طاعته بأنواع العمل الصالح، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧].
ومن أعظم ثمرات التقوى كذلك: الوصول إلى الجنة، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:٦٣]، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣].
ومن ثمرات التقوى: تكفير السيئات، يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة:٦٥]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق:٥].
ومن ثمرات التقوى كذلك: كثرة البركات التي تفتح من الأرض والسماوات، قال : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦].
ومن ثمرات التقوى: الحصول على معية الله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
ومنها: حصول الكرامة عنده ﷻ ، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
ومن ثمرات التقوى أيضاً: حصول العلم النافع، قال : ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩] أي: تفرقون به بين الحق والباطل، ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩].
ومن ثمارها كذلك: الرزق الواسع، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
ومنها: الأمان من كيد الذين يريدون أن يضروا المؤمن في هذه الدنيا، والذين يريدون ضره ليسوا قلة، وإنما هم كثرة من شياطين الإنس والجن، فمن أراد أن يتقي مكرهم وكيدهم وبطشهم فليمتثل بقول الله : ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٥]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠].
ومن فوائد التقوى: تيسير الأمر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤].
ومنها حصول رحمة الله، والفلاح والولاية: قال تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٣٤]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
стр. 862
ما جاء من الآثار في معنى التقوى
يقول الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ))، قال ابن مسعود: هو أن يذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، هذه هي حق تقاته، أن تذكر الله ولا تنساه، وتطيعه ولا تعصيه، وأن تشكره ﷻ ولا تكفره.
وقال أنس ﵁: لا يتقي العبد ربه حتى يخزن لسانه.
وفي الحديث: (لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس).
بمعنى: أن يتقي الشبهات خوف الوقوع في المحرمات.
وقال ابن عباس: أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.
стр. 863
اختلاف أهل العلم في نسخ هذه الآية
أكثر العلماء على أن هذه الآية منسوخة بقول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، لكن المحققين من أهل العلم في القديم والحديث يقولون: لا نسخ، ولا حاجة إلى القول بالنسخ، بل معنى الآية: اتقوا الله حق تقاته بقدر الطاقة، لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
قال ابن جزي ﵀: لا نسخ إذ لا تعارض، فإن العباد أمروا بالتقوى على الكمال فيما استطاعوا، تحرزاً من الإكراه وشبهه.
وقال ابن عاشور ﵀: والحق أن هذا بيان لا نسخ.
стр. 864
الثبات على الإسلام
قال الله : ((اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))، ظاهر الآية النهي عن الموت، ولكن معناها النهي عن ترك الإسلام حتى يتوفى العبد عليه، ومثله قول يعقوب ﵇: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] معنى الآية: حافظوا على الإسلام حال صحتكم، من أجل أن يتوفاكم الله عليه؛ لأن عادة الكريم قد جرت أن الإنسان يموت على ما عاش عليه، فمن عاش مسلماً مؤمناً موحداً فإن الله يقبضه مسلماً مؤمناً موحداً.
قال الألوسي ﵀: وقال بعضهم: المراد بالإسلام هاهنا: الإيمان أي: ولا تموتن إلا وأنتم مؤمنون؛ لأن الإسلام إذا كان مراداً به الأعمال فالأعمال ليست ممكنة عند الموت، وإنما الممكن عند الموت هو الإيمان القلبي، ولذلك في دعاء صلاة الجنازة نقول: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان)، حال الحياة نريد الحياة على الإسلام، وهو أعمال الجوارح، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فهذه كلها من الخمس التي بني الإسلام عليها، أما الإيمان فهو الأعمال القلبية، وهذا على مذهب من يفرق بين الإسلام والإيمان.
وقول الله : ((وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) قال الإمام السيوطي في التحبير: ومن عجيب ما اشتهر في تفسير: (مسلمون) قول العوام: ((وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) أي: متزوجون، قال: وهو قول لا يعرف له أصل، ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله تعالى بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عهدة عليه، أي: أن المسلم لا يسمع لأي كلام يقال، ثم ينشره بين الناس، وكلام الله لا يجوز الإقدام على تفسيره بمجرد الرأي، ومن قال برأيه في كتاب الله فأصاب فقد أخطأ.
ومثله أيضاً ما ينسب إلى رسول الله ﷺ أنه قال: (شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم) فهذا الكلام ما قاله الرسول ﵊، وإنما هو من وضع الناس الذين يحبون الزواج الكثير، بل قد يكون الأعزب من الأخيار المتقين، وكذلك ما نسب إليه ﷺ أنه قال: (لو خشيت من شيء لخشيت أن ألقى الله عزباً).
فهذا ليس حديثاً عن الرسول ﷺ ، ولا يعني هذا أن المسلم ليس مأموراً بالزواج، بل مأمور به ويحض عليه.
إن السعيد من مات مسلماً، والشقي من مات على غير الإسلام، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام)) [آل عمران:١٩]، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن:١٤]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
стр. 865
ما يستفاد من هذه الآية
في هذه الآية فوائد: منها: أن على المسلم أن يراقب الله في ليل أو في نهار، في الخلوة أو في الجلوة، حيثما كان يتقي الله ، ومن أراد أن يكون تقياً فلا يكتف بالفرائض، وإنما يضم إليها السنن والمستحبات والنوافل والمندوبات، ويجتنب المكروهات والشبهات، يترقى، حتى يرتقي إلى أعلى الدرجات، ولذلك كان من دعاء رسول الله ﷺ : (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال)، ولم يقل: لحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، بل لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال.
ومنها وجوب التمسك بالإسلام حتى الموت.
نسأل الله أن يتوفانا مسلمين.
стр. 866
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم)
النداء الرابع عشر في الآية الثانية عشر بعد المائة من سورة آل عمران قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨] سبب نزول هذه الآية كما قال ابن عباس ﵄: إن رجالاً من المسلمين كانوا يواصلون رجالاً من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة، والمعنى: أنه كان بعض المسلمين له علاقات قديمة مع اليهود، فلما جاء الله بالإسلام لم تنقطع تلك العلاقات، بل كان المسلمون يصلون أولئك اليهود ويوادونهم، ولربما يطلعونهم على بعض أسرار الدولة المسلمة، فأنزل الله هذه الآية، ويمكن أن يراد بالآية المنافقون؛ لأن السياق يدل على ذلك، فبعدها قول الله : ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران:١١٩]، وهذه صفة المنافقين، كما قال ربنا في سورة البقرة، ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤]، فيمكن أن يراد بالآية أهل الكتاب، ويمكن أن يراد بالآية المنافقون.
стр. 867
معاني المفردات
قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً)) بطانة الرجل: خاصته وصفيه وخليله، وجمعها: بطائن، وأصل البطائن: داخلة الثوب، فشبه الخليل والصفي ببطانة الثوب؛ دلالة على شدة ملازمته لصاحبه، كما يقال: فلان شعاري، وقال النبي ﷺ عن الأنصار: (الأنصار شعار، والناس دثار).
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ)) (من دونكم) أي: من غيركم، كما قال سبحانه: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٢٨] أي من غير المؤمنين.
وقوله: ((لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا)) لا يألونكم: من الألو وهو التقصير، يقال: ألا فلان في الأمر يألوا إذا قصر فيه.
والخبال هو الفساد، ومنه يقال: رجل مخبول إذا كان فاسد العقل ناقصه، ومعنى الآية: لا تتخذوا بطانة آليكم خبالاً بادية بغضاؤهم.
((وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ)) أي: ودوا عنتكم، والمعنى: ودوا ما فيه إرهاقكم، والمشقة والضرر عليكم، وودوا ما عنتم في دينكم ودنياكم.
((قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)) أي: أن البغض قد لاح على صفحات وجوههم من العداوة؛ لأنهم لا يتمالكون أنفسهم من شدة البغض لكم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠].
((وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)) أي: ما تخفي صدورهم من العداوة للإسلام والبغضاء لأهله أكبر مما ظهر على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم.
وهناك وظائف أجمع أهل العلم أنه لا يجوز أن يتولاها غير المسلم، أولها الإمامة الكبرى أو الحكم، فلا يجوز أن يتولاها غير المسلم؛ لأنها خلافة موضوعة لحراسة الدين وسياسة الدنيا به، ولا يمكن أن يتولى الولايات الدينية غير المسلم، وكذلك المناصب التي إن تولاها غير المسلم اطلع على أسرار الدولة الإسلامية لا يجوز أن يتولاها المنافقون وأهل الأهواء.
стр. 868
ما جاء من الآيات في معنى هذه الآية
هذه الآية أصل في تحريم موالاة الكفار، وفي معناها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥٧]، وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، وقوله سبحانه: ((لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ))، وقال ربنا سبحانه ذاماً اليهود: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة:٨٠] فقوله: (كثيراً منهم) أي: من اليهود، ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٨١].
стр. 869
معنى موالاة الكفار وصور من هذه الموالاة
موالاة الكفار هي التقرب إليهم، وإظهار الود لهم، بالأقوال والأفعال والنوايا.
ومن صور موالاة الكفار في هذا الزمان: أن يرضى بعض أهل الإسلام أن يستبدل بدار الإسلام دار الكفر، ويترك البلاد المسلمة الطيبة، التي أهلها مسلمون في الجملة، فيستبدل بالبلدة المسلمة بلدة كافرة، حيث لا يسمع فيها أذاناً ولا قرآناً، ويصبح ويمسي على المنكرات بالليل والنهار، وينشأ أولاده في الروضة وفي المدرسة والشارع بين قوم كفار، يتطبعون بطبائعهم ويتخلقون بأخلاقهم، وقد قال رسول الله ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) رواه أبو داود والترمذي.
ومن مظاهر موالاة الكفار في هذا الزمان: أن بعض المسلمين يخجل من بعض شعائر الإسلام، سواء كانت متعلقة بالجهاد أو بنظام الأسرة أو بقضايا المرأة أو بحقوق غير المسلمين أو غير ذلك، فيحاول أن يتهرب ويتبرأ منها أو لربما يتقول على الله بغير علم فيقول: هذا التشريع ليس من الإسلام! ومن مظاهر موالاة الكفار في هذا الزمان: التشبه بهم، جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : (بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).
قال عبد الله بن عتبة ﵁: ليتق أحدكم ربه أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر.
قال محمد بن سيرين ﵀: فظنناه يريد هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، وفي سورة النساء قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:١٤٤]، وهناك سنتعرض هذه الصور بالتفصيل إن شاء الله.
стр. 870
ما يستفاد من الآية
في هذه الآية فائدة: وهي حرمة اتخاذ الكافرين أولياء وخواصاً من دون المؤمنين، إذا كانوا على الأوصاف الأربعة التي ذكرت في الآية، وهي: الوصف الأول: ((لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا)) أي: لا يقصرون فيما فيه ضرركم وفسادكم وإفساد الأمن عليكم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
الوصف الثاني: ((وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ)) أي: يتمنون ضرركم حالاً ومآلاًَ، في دينكم ودنياكم.
الوصف الثالث: ((قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)) أي: يظهرون تكذيب نبيكم ﷺ ، وكتابكم، وينسبونكم إلى الحمق والجهل، ولا شك أن من اعتقد حمقك وجهلك فإنه لا يحبك.
الوصف الرابع: ما يظهرونه على ألسنتهم من علامات الحقد أقل مما في قلوبهم منه.
стр. 871
نداءات الرحمن لأهل الإيمان [٦]
حذر الله المؤمنين من الربا وبين لهم خطره، ونهاهم عن طاعة الكافرين حتى لا يبطلوا عليهم دينهم، ونهاهم عن التشبه بهم حتى لا يصيبهم ما أصاب الكافرين من الحسرة والندامة.
стр. 872
ذم الربا وتحريم التعامل به أو أكله
النداء الخامس عشر: قول ربنا ﵎ في الآية الثلاثين بعد المائة من سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٣٠]، هذه هي المرحلة الثانية من مراحل تحريم الربا، وكان في المرحلة الأولى قول الله : ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩]، وفي هذه الآية حرم الله تضعيف الربا إلى أن جاءت آيات سورة البقرة وهي آخر ما نزل من الأحكام فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].
وهذه الآية جاءت في ثنايا الحديث عن غزوة أحد، فقبلها قول الله : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمران:١٢١ - ١٢٢]، ثم بعدها أيضاً حديث عن غزوة أحد في آيات طويلة، ولذلك تحير المفسرون ﵏ في علة ذكر الربا في أثناء الحديث عن غزوة أحد، حتى قال الفخر الرازي ﵀: لا أحفظ في ذلك سبباً مروياً، هذا كلام ابن عطية الغرناطي.
وبعض المفسرين أراد أن يجد علة فقال: لما أنفق المشركون على جيوشهم أموالاً جمعوها من الربا عقبه ببيان أن الوعيد لا يخصهم، بل يتناول العصاة، فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى التي يحصل بها النصر والفلاح والسعادة، فذكر ربنا في هذه الآيات أهم خصال التقوى التي إذا قام العبد بها فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى، وهذا كلام مقبول، فإنه نهى عن أكل الربا، وفي الآية التي بعدها ذكر الحث على التقوى، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ثم ذكر من هم المتقون فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٤ - ١٣٥]، فذكر أهم خصال المتقين التي يجب أن يتحلوا بها.
والآية تنهى عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة، وهذه عادة أهل الجاهلية، فقد كان إذا حل الدين على المعسر ولم يحصل منه شيء قالوا له: إما أن تقضي ما عليك من الدين، وإما أن نزيد في المدة وتزيد ما في ذمتك بمعنى: أمهلني أزدك، فيترتب على ذلك أن المدين يستبشع غريمه اضطراراً ويلتزم في ذمته مالاً زائداً اغتناماً لراحته الحاضرة، فإما أن يقضي أو يرتب في ذمته هذا الدين أضعافاً مضاعفة فنهاهم الله عن ذلك قال سبحانه: ((لا تَأْكُلُوا الرِّبَا))، فقدم الأكل دلالة في أن الأكل يعم جميع أنواع الانتفاع، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٧].
وقوله: ((لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً))، ضعف الشيء مثله، فتصير أربعة، وليس معنى هذا أن الربا لا يكون حراماً إلا إذا كان أضعافاً مضاعفة، أما إذا كان دون ذلك فيجوز، فالأربعة في المائة والخمسة والسبعة والتسعة ليست أضعافاً مضاعفة، وليست داخلة في نطاق التحريم، لا، فالأضعاف المضاعفة وصف لواقع وليست شرطاً يتعلق به الحكم، مثاله قول الله : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] يعني: حرام عليك أن تكره فتاتك على الزنا إن أرادت التحصن، فنقول: إن لم ترد التحصن أيصح لك إكراهها أو أن تسمح لها بالزنا؟
الجواب
لا يصح، لكن الله يصف واقعاً معيناً، وذلك أن رجلاً من المنافقين هو ابن سلول كان عنده فتيات يكرههن ويدير بهن بيوتاً للبغاء.
مثال آخر: قول الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ- إلى أن قال- وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، لو كانت بنت زوجتك ليست في حجرك وإنما تربت عند جدتها أو في بلدة أخرى، أيحل لك نكاحها؟
الجواب
لا يحل، فقول الله ((فِي حُجُورِكُمْ)) وصف لواقع، كما يقول أهل الأصول: وصف كاشف وليس قيداً للاحتراز، وهنا أيضاً وصف لواقع أن العرب كانوا يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا بلا تحديد ولا تقييد ((وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)) أياً كان.
стр. 873
وعيد من تعامل بالربا
وردت الأحاديث الكثيرة في ذم الربا والتي تواترت تواتراً معنوياً، منها حديث أبي هريرة في الصحيحين: (اجتنبوا السبع الموبقات) وذكر من بينهن (أكل الربا).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلاً -أي: مجنوناً- يجر شقيه، ثم قرأ: ﴿لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]).
وفي حجة الوداع قال النبي ﷺ : (وربا الجاهلية موضوع وأول رباً أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله).
وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (درهم رباً يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية) رواه أحمد والطبراني، وقال المنذري: ورجال أحمد رجال الصحيح.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ﵀.
وفي حديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري في رؤيا رآها رسول الله ﷺ قال: (أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على نهر أحمر مثل الدم وإذا في النهر سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر فاه فألقمه حجراً، قلت: ما هذان قالا: إنه آكل الربا)، يعني: آكل الربا والعياذ بالله يسبح في نهر أحمر كالدم كلما أراد أن يخرج ألقمه رجل حجراً يجعله يرجع من حيث أتى.
وعن جابر ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) فكلهم ملعونون، الآكل والموكل والكاتب والشاهد.
وقال ﵊: (ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله .
стр. 874
تعريف الربا وصوره
الربا: هو عقد في الشرع فاسد وإن لم تكن فيه زيادة، وهذا تعريف المالكية، قالوا: لأن بيع الدراهم بالدنانير نسيئة يعد رباً وإن لم تكن فيه زيادة، والآن دراهم بدنانير لا تكاد توجد، لكن يوجد نظيرها من العملات التي يتعامل بها الناس كالدولار والريال واليورو والاسترليني وما أشبه ذلك، ولابد فيها من التقابض؛ لأنها تقوم مقام الذهب والفضة، وقد قال النبي ﷺ : (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي سواء).
بمعنى: أن الإنسان إذا أراد أن يستبدل مالاً بمالٍ من جنسه كدولار بدولار، أو ريال بريال، أو دينار بدينار، فلا بد من أمرين اثنين: تقابض وتماثل، أما إذا اختلف الصنفان كدينار بدولار فلا بأس من التفاضل بأن يكون الدولار بألفين وستمائة دينار مثلاً، لكن بشرط أن يكون هناك تقابض في الحال، فمثلاً هناك رجل يعمل في التجارة فيأخذ دولارات من رجل مقابل دنانير سودانية، فيأخذ الدولارات ثم هذا يؤخر المال أياماً إلى أن يسلم أهله الدنانير السودانية، فهاهنا نقول: لا بد من التقابض، فلا بد أن يكون عنده هنا إنسان يتعامل معه ويتصل به للتو فيقول: سلم آل فلان كذا من المال، من أجل أن يتحقق شرط التقابض.
كذلك ما يصنعه النساء حين تذهب إحداهن إلى صاحب الذهب فتعطيه ذهباً قديماً فيزنه فيبلغ مثلاً خمسين جرام أو مائة جراماً ثم بعد ذلك تريد ذهباً جديداً، فيزن لها ذهباً جديداً مما تختاره، فمثلاً إذا كان ذهبها مائة جرام يكون هذا ثمانين جراماً فيعطيها ذلك، فهذا هو الربا؛ لأن الذهب بالذهب ربا، دون اعتبار لاختلاف العيار أو الصنعة أو النقشة كما يقولون، والحل كما قال النبي ﷺ لـ بلال، فقد أتى للنبي ﷺ بتمر جيد فقال له النبي ﵊: (أكل تمر خيبر مثل هذا؟ فقال: لا يا رسول الله! إنا نبيع الصاع من هذا بصاعين من ذاك) يعني: الصاع من التمر الجيد بصاعين من التمر الرديء، فقال النبي ﷺ : (أوه! عين الربا عين الربا) يعني: هذا الذي وقعت فيه هو الربا، فكونك تستبدل تمراً بتمر متفاضلاً، هذا هو عين الربا، ثم قال له: (بع ما عندك ثم ابتع جنيباً) يعني: بع التمر الرديء وخذ الدراهم وابتع بالدراهم جنيباً.
كذلك نفس الشيء بالنسبة للتي تملك ذهباً، فتذهب إلى الصائغ فتبيع ما عندها من ذهب ثم تأخذ المال، فإن شاءت تشتري من عنده عقداً جديداً أو تشتري من غيره، وتكون المعاملة بذلك صححه إن شاء الله.
ومن صور الربا: بيع العينة، وبيع الدين بالدين، وبعض صور السلم التي يمارسها الناس، وكثير من المرابحة التي تقع في البنوك في هذه الأيام، وفي تجارة العملة صور كثيرة ولعل أشهرها الآن أن إنساناً يأخذ الدولار بشيك آجل لكن بسعر أعلى فيكون قد اجتمع فيه نوعا الربا: ربا الفضل وربا النسيئة.
فلذلك أقول: أي إنسان يريد أن يتعامل بمعاملة ما فعليه أن يسأل ويحتاط لئلا يقع في الربا، ونسأل الله أن يطيب مطاعمنا.
стр. 875
قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين)
النداء السادس عشر في الآية التاسعة والأربعين بعد المائة: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩]]، هذه الآية شبيهة بآية أخرى من سورة آل عمران هي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠]، فهذه الآية نزلت عقيب غزوة أحد، ونعلم من سيرة النبي ﷺ أن غزوة أحد مثلت زلزالاً للمؤمنين، فقد زلزلوا زلزالاً شديداً، حيث قتل سبعون من خيارهم وجرح آخرون، وجرح رسول الله ﷺ ، وبعض المسلمين ألقوا بأيديهم، وبعضهم ولى مدبراً لما سمع بأن النبي ﷺ قد قتل، وبعضهم تساءل: أنى هذا؟ يعني: كيف نهزم ونحن المؤمنون الموحدون؟ والمنافقون واليهود انتهزوها فرصة من أجل أن يشككوا المسلمين في دينهم، فقال اليهود: لو كان محمد نبياً ما غُلب، ولكنه ملك كسائر الملوك تارة يغلب وتارة يُغلب، فصوروا النبي ﷺ على أنه طالب ملك، وطالب رئاسة يسري عليه ما يسري على غيره.
وأما المنافقون فقد قالوا للمسلمين: ارجعوا إلى إخوانكم، وادخلوا في دينهم، واطلبوا الأمان منهم، فاذهبوا إلى أبي سفيان واطلبوا منه الأمان؛ لأنهم سيغزون المدينة ثانية، فأنزل الله هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، والمراد بذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، الذين أطلقت هذه الشائعات من حولهم، والعبرة بعموم اللفظ.
وقوله: ((إِنْ تُطِيعُوا)) الطاعة تطلق على مطلق امتثال أمر من آمر، وقوله تعالى: ((الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) الرد: التصيير، كما مر معنا في قوله تعالى: ((يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ))، وقوله تعالى: ((يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ))، فالرد على الأعقاب أي الارتداد والرجوع إلى الشرك، فقوله تعالى: ((يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ)) أي: فترجعوا خاسرين في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فالذل بعد العز، والخوف بعد الأمن، وحرمان الوعود التي وعدها الله لعباده المؤمنين بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
وقال الحسن البصري ﵀: معنى الآية: إن تستنصحوا اليهود والنصارى؛ وتقبلوا منهم؛ لأنهم كانوا يستغوونهم ويرمون لهم الشبه، فإن تطيعوا هؤلاء وتستنصحوهم وتقبلوا منهم، يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين.
وهذه الآية في معناها آيات كقول الله في المنافقين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقول الله في أهل الكتاب ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران:٦٩].
وما زال الكفار في القديم والحديث مثابرين على أن يردوا المسلمين عن دينهم ويزلزلوا عقائدهم، فتارة ببعثات تبشيرية وحملات تنصيرية، وتارة بفعل أهل الاستشراق الذين استغووا كثيراً من أبناء المسلمين ممن ذهبوا إلى بلاد الغرب طلباً للعلم بزعمهم أو عن طريق الحملات العسكرية كما هو حاصل الآن، وهي حملات عسكرية سافرة، أطلقوا عليها الحرب المقدسة، وهذا كله من أجل أن يردوا المسلمين على أعقابهم فينقلبوا خاسرين.
стр. 876
كلام سيد قطب في تفسير الآية
يقول سيد قطب ﵀: يحذر الله الذين آمنوا أن يطيعوا الذين كفروا، فطاعة الذين كفروا عاقبتها الخسارة المؤكدة وليس فيها ربح ولا منفعة، فبها الانقلاب على الأعقاب إلى الكفر، فالمؤمن إما أن يمضي في طريقه يجاهد الكفر والكفار ويكافح الباطل والمبطلين، وإما أن يرتد على عقبيه -والعياذ بالله- كافراً، ومحال أن يقف سلبياً بين بين، محافظاً على موقفه ومحتفظاً بدينه، فإنه قد يخيل إليه هذا، فيخيل إليه في أعقاب الهزيمة، وتحت وطأة الجرح والقرح أنه يستطيع أن ينسحب من المعركة مع الأقوياء الغالبين وأن يسالمهم ويطيعهم وهو مع ذلك محتفظ بدينه وعقيدته وإيمانه وكيانه، وهذا وهم كبير.
فالذي لا يتحرك إلى الأمام في هذا المجال لا بد أن يرتد إلى الوراء، والذي لا يكافح الشر والباطل والضلال والطغيان والذي لا تعصمه عقيدته ولا يعصمه إيمانه من طاعة الكافرين والاستماع إليهم والثقة بهم؛ يتنازل في الحقيقة عن عقيدته وإيمانه منذ اللحظة الأولى، فليست العبرة بهزيمة في معركة، فالرسول ﷺ وأصحابه يوم أحد هزموا بنص القرآن الكريم، فالله بين بأنهم نصروا أولاً ثم انكسروا في الأخير، لكن هل شك رسول الله ﷺ لحظة؟ لا، والله! فهو ﷺ قال لأصحابه ودمه ينزف: (اصطفوا لأثني على ربي)، وأثنى على ربه ﷻ بكلمات وكأنه المنتصر ﵊، وهو في حقيقة الأمر منتصر؛ لأن المبدأ والعقيدة ما تغيرت ولا تزلزلت، والأنبياء هكذا سنتهم يدال عليهم مرة ويدالون مرة، وهذه سنة الله كما قال جل في علاه: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
стр. 877
صور من الثبات على المنهج
وكاتب هذه الكلمات سيد قطب ﵀ تمكن منه أهل الطغيان، وسجن وعذب وأوذي، ثم في ختام الأمر قتل رحمة الله عليه، لكن هل ذهب فكره؟ وهل نسي أمره؟ وهل ذابت عقيدته؟ لا، والله! بقيت كلماته كما قال: إن كلماتنا تبقى عرائس من الشمع حتى إذا رويناها بدمائنا دبت فيها الحياة، فما زال إلى يومنا هذا كثير من أبناء حركة الإسلام والصحوة الإسلامية موجههم الأول هو فكر سيد قطب، وما بثه وما نثره في كتبه.
بل أبلغ من ذلك أبو العباس ابن تيمية شيخ الإسلام رحمة الله عليه، هذا الرجل الذي قاتل التتار، وقاتل الصليبيين، وأحيا السنة، وأمات البدعة، وجاهد في الله حق جهاده، بعض العلماء هددوه وما اتقوا الله فيه، ووشوا به عند السلطان، فألقي في السجن ومات فيه، رحمة الله عليه، فمات في سجن القلعة، لكنه ما هزم، بل ما زال فكره ﵀ هو المغذي وهو المحرك، وما زال علماء الإسلام يرجعون إلى فتاويه وإلى كتبه وإلى أقواله التي طبقت المشارق والمغارب.
وأبلغ من هذا وأوضح الإمام أحمد رحمة الله عليه الذي جلد بالسياط في فتنة خلق القرآن، لكنه ﵁ ما تنازل ولا تغير؛ فجعل الله العاقبة له وأظهر أمره، وصار إمام أهل السنة.
ومن قبله مالك رحمة الله عليه وأبو حنيفة وسفيان الثوري وغير هؤلاء كثيرون ممن لم يطيعوا الذين كفروا، ولم يداهنوا الذين نافقوا، ولم يتنازلوا عن شيء من الدين، فما ردوا على أعقابهم خاسرين، بل جعل الله لهم رفعة الذكر في الدنيا وإن شاء الله جنة عرضها السموات والأرض في الآخرة.
وهناك أناس يطيعون الذين كفروا شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ بهم الأمر أن يتنازلوا عن الدين كله، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 878
كلام الجصاص في تفسير الآية
قال أبو بكر الرازي الجصاص ﵀ في أحكام القرآن: فيها دلالة على النهي عن طاعة الكفار مطلقاً، ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩]، لكن أجمع المسلمون على أنه لا يندرج تحته من وثقنا بنصحه منهم، كالجاسوس والخريت الذي يهدي على الطريق، فالرسول ﷺ لما هاجر هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة كان دليلهم عبد الله بن أريقط وكان كافراً، لكن الرسول ﷺ ائتمنه ومشى خلفه وهو يصف له الطريق إلى أن بلغ المدينة، فالرسول ﷺ وثق به، فقد يكون كافر من الكفار خريتاً خبيراً بالطريق، أو يصلح أن يكون جاسوساً للمسلمين، وأوضح من هذا صاحب الرأي ذي المصلحة الظاهرة، والزوجة تشير بصواب، يعني: لو فرض أن إنساناً متزوجاً من كافرة كأن تكون نصرانية أو يهودية فبينك وبينها ولد أو أولاد، فأنت تقول: نذهب بالأولاد إلى مدرسة كذا، وهي قالت: لا، بل نذهب بهم إلى مدرسة كذا والسبب كذا وكذا وكذا وكذا، ووجدت أن رأيها صواب، هنا في هذه الحالة لا نقول: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩] فإشارة الزوجة -مع كفرها- لو أشارت بالصواب فالقول قولها، كذلك الخبير والجاسوس، وصاحب الرأي ذي المصلحة الظاهرة.
стр. 879
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض)
النداء السابع عشر في الآية السادسة والخمسين بعد المائة من سورة آل عمران: قو ل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران:١٥٦].
هذه الآية أيضاً في سياق الحديث عن غزوة أحد، فإنه لما قتل من المسلمين سبعون عليهم من الله الرضوان، بدأ المنافقون يشككون المسلمين ويحاولون أن يلقوا الندم في قلوبهم ويقولون لهم: لو قعد هؤلاء الذين خرجوا للقتال كما حكى الله عنهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦].
هذه الفرية التي يروج لها المنافقون قال الله عنها في سورة النساء: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
وهنا في هذه الآية الله يقول: يا مؤمنون! لا تتشبهوا بهؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بقضاء الله وقدره، فأنتم مؤمنون، قد أنزل الله عليكم قرآناً، وفي هذا القرآن بيان أن الآجال محدودة، وأن الأنفاس معدودة، وأنه ﴿َإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، ولا يموت أحد إلا في الساعة التي عينها رب العالمين ﷻ لقبض روحه.
وقوله تعالى: ((لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا))، فلا تكونوا كالمنافقين، أمثال عبد الله بن أبي وأصحابه الذين قالوا كما قال الله تعالى: ((الَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ))، فاللام هنا بمعنى عن، أي: عن إخوانهم، والمقصود بالإخوة هنا أخوة النسب، أو اللام لام التعليل أي: لأجل إخوانهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]، أي: لأجل الذين كفروا، فقوله تعالى: ((وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ)) أي في النسب.
((إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ)) أي: خرجوا مسافرين للتجارة أو لغيرها ((أَوْ كَانُوا غُزًّى)) أي خرجوا للغزو والجهاد في سبيل الله، لو كانوا مقيمين أو باقين ((عِنْدَنَا)) أي: في الظلال وفي البيوت وحيث هم، ((لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا))، ما ماتوا في السفر، ولا قتلوا في الغزو، قال الله : ((لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ))، فجعل هذا الاعتقاد الفاسد مسيطراً عليهم ومستبداً بهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم قال تعالى: ((لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ))، واللام كما يقول أهل اللغة لام العاقبة، فعاقبتهم الحسرة كما في قوله سبحانه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] أي لتكون العاقبة الحزن والحسرة في قلوبهم والعداوة.
فهاهنا أيضاً: ((لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ))، والحسرة الندامة على فراق المحبوب، وهؤلاء المنافقون جلسوا يتحسرون، ويقولون: إخواننا هؤلاء ضيعوا الحزم وما أحسنوا الرأي، ولا أبرموا الأمر، خرجوا للغزو وما كان ينبغي لهم أن يخرجوا، وما زالوا متلهفين على ما فاتهم، وهذا صنيع من لا يؤمن بقضاء الله وقدره.
قال الله : ((وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ)) فالحياة بيده، والموت بيده، فقد يحيي من خرج للغزو مع تعرضه للحتوف، وقد يكون في سفينة مع قوم فيغرقون جميعاً ويسلمه الله ، وقد يكون الإنسان في مكان يشب فيه حريق أو يهدم بيت على من فيه والله ينجي من شاء، وقد يكون إنسان آمناً في سربه، وعلى فراشه، وفي ريعان شبابه، وميعة صباه، واكتمال قوته، ووفرة صحته ثم يختطفه الموت.
فـ خالد بن الوليد رضوان الله عليه البطل المجاهد الذي عقمت النساء أن يلدن مثله والذي قال فيه أبو بكر الصديق: إن أسدكم قد عدى على أسد الفرس فغلبه على خراذيله، أي: قطع اللحم التي بين يديه، ولما بدأ خالد يفتح الفتوح في بلاد فارس، -هذا البطل الأشم والأسد الضرغام ﵁ تعرض للشهادة مراراً حتى بلغ من حاله أنه في بعض بلاد الروم وجد كيساً فاستخرجه ثم سأل سيد الروم وقال له: ما هذا؟ قال له: إنه لم يكن شيء أبغض إلي من شر أدخله على قومي، وإني قلت: لو كان هؤلاء الناس أهل شر أحتسي هذا السم فأموت، يعني: هيأ هذا السم من أجل أن ينتحر، وهذا صنيع الكفار في كل زمان، فقال خالد ﵁: باسم الله خير الأسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، ثم أخذ السم ليتناوله، فأسرع إليه المسلمون ليمنعوه لكنه غلبهم ﵁ وابتلع السم، فقال ملك الروم: والله! إن قوماً فيهم هذا لن يغلبوا، وما حدث لـ خالد شيئاً ﵁، فهذه من كراماته، ثم مات هذا البطل على فراشه، وقال وهو على فراش الموت: ما في موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهاأنا أموت كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء! وهذه سنة الله ، فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد وإن كان تحت ظلال النعيم قال الله تعالى: ((وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) فبصره نافذ لا تخفى عليه خافية، قال أهل التفسير: وهذا تهديد للمؤمنين أن يماثلوا المنافقين في هذا الاعتقاد الفاسد.
ونظير هذه الآية قول الله : ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨]، وكذلك كان المنافقون يقولون للمؤمنين: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١]، قال الله : ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء:٧٢]، وقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨]، وهذا حال المنافقين، يثبطون المؤمنين عن القتال قبل أن يقع، ثم إذا وقع وقُتِلَ ناس جرياً على سنة الله ، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران:١٤٦]، فهذه سنة الله ، فهؤلاء يقولون: هؤلاء حمقى مغفلون، سفهاء، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
وهذه الآية تشير إلى عقيدة لا بد أن تنطوي عليها قلوبنا، وهي الإيمان بقضاء الله وقدره، أنه لا يقع في الكون شيء إلا وقد كتب عند الله، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، أي: من قبل أن نخلقها، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:١١]، وكما قال رسول الله ﵌: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).
فلذلك الإنسان المسلم إذا نزلت به مصيبة فإنه يستسلم لقضاء الله وقدره، فلو أصابه حادث، أو نزل به نقص في المال، أو هلك له ولد أو والد أو زوج فلا يقول: لو فعلت كذا لما حدث كذا، ولو أني ما أتيت من هذا الطريق لما وقع هذا الحادث ونحو ذلك، بل يجب على المسلم أن يرضى بقضاء الله وقدره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]، ولذلك ينسب للشافعي ﵀ أنه صور هذا المعنى فقال: تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر فكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكاً وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري وكم من عروس زينوها لزوجها وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر
стр. 880
من فوائد الآيات السابقة
هذه الآيات يستفاد منها فوائد: الفائدة الأولى: النهي عن التشبه بالكفار والمنافقين، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٥].
الفائدة الثانية: أن دأب المنافقين في كل زمان تثبيط المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله .
الفائدة الثالثة: أن الله يعاقب الإنسان بعمله ولا يظلم ربك أحداً، فلما قالوا هذه القولة الكاذبة الخاطئة قال الله : ((لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ)).
الفائدة الرابعة: أن الإحياء والإماتة بيد الله ، فهو المحيي وهو المميت.
الفائدة الخامسة: علم الله الذي أحاط بكل شيء.
следующие страницы →