Полный текст (1 195 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
حكم الربا
قال المصنف ﵀: [وقال ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
وقال ﷺ : (لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه).
متفق عليه].
فهم فيه سواء آكل الربا، وكاتب عقده، وشاهديه، وموكله.
قال المصنف ﵀: [وأجمعت الأمة على أن الربا محرم].
فالربا محرم بالقرآن والسنة والإجماع.
стр. 877
ما يجري فيه الربا
قال المصنف ﵀: [والأعيان المنصوص على الربا فيها ستة، وهي في حديث عبادة بن الصامت قال ﷺ : (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى)].
فالنبي ﵊ يبين في هذا الحديث نوعاً من الربا، وهو ربا الفضل، وقد قسم العلماء الربا إلى قسمين: ربا الفضل وربا النسيئة، وكان ربا الجاهلية في النسيئة، فقد كانوا يقرضون المال ويقولون للمقترض: موعد السداد في يوم كذا، فإن تأخرت عن الموعد المحدد فكل يوم تتأخر فيه عليك زيادة، أي: أنه ينظرك مقابل الزيادة، وكلما مر يوم تحمل فيه زيادة.
هذا هو ربا النسيئة، وهو ربا واضح بيّن.
стр. 878
علة الربا
الظاهرية كـ ابن حزم ومن معه، وبعض علماء السلف تمسكوا بهذا النص، فقالوا: إن الربا في الأنواع المذكورة في الحديث فقط.
وهذا القول رده جمهور العلماء، وهو يخالف روح الشريعة؛ لأن الشريعة لا تغاير بين متماثلين ولا تجمع بين متناقضين، وهذه قاعدة مهمة جداً، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام:٥٠].
فالأعمى والبصير متناقضان، ولا تفرق بين متماثلين، فإذا كان هذا مثل هذا فلا بد أن يكون له حكمه؛ لأنهما سواء.
وعلى هذا فالذهب والفضة لهما علة في التحريم، والأربعة الباقية لها علة.
فأما علة تحريم الذهب والفضة فقال الأحناف والحنابلة: الوزن، وقال غيرهم: الثمنية، وأما العلة في الأصناف الأخرى فقال بعضهم: إنها مكيلة، وقال بعضهم: إنها مطعومة.
ولو حققنا موضع العلة لعرفنا الخلاف.
فلو أن رجلاً باع طناً من الحديد بطنين من الحديد فإنا قلنا: الحديد موزون، فلو أن العلة في تحريم الذهب والفضة هي الوزن، لقلنا: هذا التعامل ربوي، لأن العلة هي الوزن.
ولو أن رجلاً باع كتاباً بكتابين لكان جائزاً؛ لأن هذا التعامل ليس مطعوماً ولا مأكولاً ولا موزوناً.
والراجح: أن العلة في الذهب والفضة الثمنية، وقول الأحناف والحنابلة بأن العلة هي الوزن قول ضعيف ومرجوح، وعلى هذا فلو أنني استبدلت طناً من النحاس بطنين منه فهذا عند الحنابلة والأحناف ربا، والراجح أنه ليس بربا؛ لأن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية، وقيمتها في كونها لها قيمة ثمنية، ومعنى ذلك أن هذه النقود فيها ربا؛ لأن لها قيمة، فلو أننا اليوم تعارفنا على شراء السلع بالحديد لدخله الربا؛ لأن العلة في الذهب والفضة الثمنية، فأي سلعة لها ثمنية التعامل جرى فيها الربا، ولذلك يجري الربا في الأوراق النقدية والعملة الفضية؛ لأن الثمنية هي علة التحريم في الذهب والفضة.
وأما علة التحريم في الأصناف الأربعة الأخرى فقال بعضهم: الكيل، وقال بعضهم: الطعم، والراجح ما حققه ابن تيمية من كونها مطعومة ومكيلة، فلو أني أعطيتك برتقالة فأعطيتني برتقالتين فهذا ليس بربا؛ لأن البرتقال مطعوم ولكنه غير مكيل، ونحن نشترط في التعامل الربوي أن يكون مطعوماً ومكيلاً.
فلو أعطيتك إردباً من القمح، وأخذت منك إردبين فهذا ربا؛ لأنه مكيل ومطعوم.
ولو أعطيتك كيلوين من التمر وأخذت منك كيلو واحد رطباً فهذا ربا؛ لأنه مكيل ومطعوم.
وكذلك لو أعطيتك كيلوين ذرة وأخذت منك كيلو واحد.
وأما لو أعطيتك بطيخة ببطيختين فهذا مطعوم وليس مكيلاً، فليس فيه ربا.
ولو كان معك كيلو أرز من الدرجة الأولى وأردت استبداله بكيلوين من الدرجة الثانية فهذا عين الربا؛ لقول النبي ﷺ : (البر بالبر، والقمح بالقمح، والشعير بالشعير).
والأرز من هذا الجنس، فهو مطعوم ومكيل، وقد أتى بلال بتمر من خيبر فقال النبي ﷺ : (يا بلال! أوكل تمر خيبر هكذا؟ قال: يا رسول الله! هذا تمر طيب نستبدله بتمر رديء قال: هو عين الربا يا بلال!).
واليوم إذا أرادت المرأة أن تستبدل الذهب القديم بذهب جديد فإنها تدفع الفارق بينهما وهذا ربا، فلا بد أن تبيع القديم أولاً وتحصل على ثمنه، ثم تشتري منه أو من غيره؛ لأنه لا يجوز في الذهب والفضة إلا بالمثل.
стр. 879
بعض قواعد الربا
ومن قواعد الربا: القاعدة الأولى: إن اتحدت الأجناس وكانت ربوية فلا بد فيها من شرطين: ١ - التقابض في مجلس العقد.
٢ - المماثلة.
القاعدة الثانية: إذا اتحدت الأجناس وكانت غير ربوية، فلا يشترط التقابض ولا المماثلة.
القاعدة الثالثة: إذا بيع جنس ربوي بجنس آخر غير ربوي، فلا يشترط التقابض في مجلس العقد، ولا تشترط المماثلة، فالمماثلة لا تشترط إلا إذا كانت الأجناس متحدة.
стр. 880
حكم التفاضل في الجنس الواحد
قال المصنف ﵀: [ولا يجوز بيع مطعوم مكيل أو موزون بجنسه إلا مثلاً بمثل؛ لأن النبي ﷺ : (نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل).
رواه مسلم من حديث معمر بن عبد الله، والمماثلة المعتبرة في الشرع هي المماثلة في الكيل والوزن، فدل على أنه لا يحرم إلا في مطعوم يكال أو يوزن، ولا يحرم فيما لا يُطعم كالأشنان والحديد، ولا فيما لا يكال كالبطيخ والرمان، وهي إحدى الروايات].
ومن ثراء مذهب الإمام أحمد ﵀ تعدد الروايات، فله أكثر من رواية في تحديد العلة، والرواية الثالثة هي: أن العلة في تحريم الذهب والفضة هي الثمنية، وفي تحريم الأصناف الأربعة الكيل وكونها مطعومة.
стр. 881
حكم بيع المكيل بجنسه موزوناً أو العكس
قال المصنف ﵀: [ولا يجوز بيع مكيل من ذلك بجنسه وزناً، ولا موزون كيلاً].
ومعنى ذلك: أن المكيل لا بد أن يقابله مكيلاً، والموزون لا بد أن يقابله موزوناً فلا آخذ مثلاً مقابل الصبرة من البر ٢٠ كيلو جراماً من بر؛ لأن هذه مكيلة وهذا موزون، ولا بد من معادلة الكيل بالكيل.
ولو أعطيتك كيلة من التمر فلا يجوز أن تعطيني بدلاً منها ٢٠ كيلو جراماً من التمر؛ لأن هذا موزون مقابل مكيل، وهذا لا يجوز في الأوصاف الربوية، فلا بد أن يقابل المكيل مكيلاً، والموزون موزوناً، وأما المكيل بالموزون فلا يجوز.
قال المصنف ﵀: [وقد سبق أن قضية البيع المساواة، والمساواة المرعية في الشرع هي المساواة في المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً، فإذا تحققت المساواة في ذلك لم يضر اختلافها فيما سواه].
فلو أعطيتني ٢٠ كيلو جراماً تمراً مقابل ٢٠ كيلو تمراً جيداً فلا يضر، فالمهم التماثل في الميزان، وألا يكون هذا مكيلاً وهذا موزوناً.
قال المصنف ﵀: [وإن لم توجد المساواة في ذلك لم يصح البيع؛ لقول النبي ﷺ : (الذهب بالذهب وزناً بوزن، والبر بالبر كيلاً بكيل).
(البر بالبر مداً بمد، والشعير بالشعير مداً بمد)]، أي: اتحاد وحدة القياس، ولو أعطيتني بالوزن وأعطيتك بالكيل لاختلفت الأوزان، فلا بد من المساواة في الوزن.
قال المصنف ﵀: [(فمن زاد أو اسزاد فقد أربى).
فأمر بالمساواة في الموزونات المذكورة في الوزن، وأمر بالمساواة في المكيلات في الكيل، ولأن حقيقة الفضل مبطلة للبيع، والمساواة مشترطة، فيجب العلم بوجود الشرط، فلا يجوز بيع المكيل بالمكيل وزناً؛ لأن تماثلهما في الكيل شرط].
стр. 882
عدم اشتراط التماثل عند اختلاف الجنسين
قال المصنف ﵀: [وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يداً بيد]، أي: أنه إذا اختلف الجنسان كقمح بتمر، أو قمح بملح.
فلا بد هنا من شرط واحد وهو التقابض في مجلس العقد، ولا تشترط المماثلة إذا اختلفت الأجناس.
قال المصنف ﵀: [ولم يجز النسأ فيه لذلك] أي: التأخير، فالمقابضة ليست شرطاً؛ لأنها اختلفت الأجناس.
قال المصنف ﵀: [وفي لفظ أبي داود: (لا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يداً بيد، وأما نسيئة فلا)].
فلو أن معي ٢٠ جراماً من الذهب لجاز أن أشتري بها ١٠٠ جرام من الفضة بشرط التقابض في مجلس العقد، ولا يشترط التماثل؛ لأن كلا الصنفين ربوي -الذهب والفضة-.
قال المصنف ﵀: [ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يداً بيد، وأما نسيئة فلا].
فلو أني أعطيتك كيلة من الشعير مقابل كيلتين من البر شريطة أن تعطيني إياهما بعد أسبوع فهذا ربا؛ لأنه لا بد من التقابض في مجلس العقد، وإن اختلف الجنسان فيجوز لانتفاء المماثلة ولكن لا بد من التقابض في مجلس العقد، فالنسيئة تعني التأخير، وهذا هو الذي أراده المصنف.
قال المصنف ﵀: [فما اتحدت علة ربا الفضل فيهما كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون عند من يعلل بهما، والمطعوم عند من يعلل به فهذا لا خلاف بين أهل العلم في تحريم النسأ فيه]، أي: لا اختلاف بين أهل العلم في أن الأجناس إذا اختلفت تجوز الزيادة، ولكن بشرط التقابض في مجلس العقد.
قال المصنف ﵀: [وما اختلفت علتاهما كالمكيل بالموزون ففيه روايتان عن أحمد.
إحداهما: لا يجوز النسأ فيه بالقياس على ما اتفقت علتهما].
أي: لأن هذا صنف ربوي مكيل وهذا موزون، كالبرتقال بالقمح، فالبرتقال موزون والقمح مكيل، والقمح ربوي والبرتقال ليس ربوياً عند من قال: إن العلة هي المطعوم والمكيل، وأما من قال: العلة الطعم صار فيه الربا.
قال المصنف ﵀: [ولا يجوز النسأ فيه ولا التفرق قبل القبض؛ لقوله ﷺ : (يداً بيد).
فيحتمل أنه أراد به القبض، وعبّر باليد عن القبض].
والقبض بمعنى: التقابض في مجلس العقد، وهذا هو الشرط، والقبض يغني عن الحلول كما قال بعض العلماء.
стр. 883
تلخيص باب الربا
وهذا الباب مهم جداً، فأعيد ما قلت في اختصار شديد.
الربا: لغة: هو الزيادة، واصطلاحاً: هو الزيادة في أشياء مخصوصة.
وهو من الكبائر بالكتاب والسنة والإجماع، وينقسم إلى قسمين: ربا الفضل وربا النسيئة.
أما ربا الفضل فقد جاء في حديث عبادة بن الصامت قال ﷺ : (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، والتمر بالتمر، فمن زاد أو استزاد فقد أربى).
وفي الحديث الآخر: (يداً بيد ومثلاً بمثل).
وهذا الحديث هو العمدة في كتاب الربا.
والعلة في تحريم الذهب والفضة الثمنية، والعلة في تحريم الأصناف الأربعة أنها مكيلة ومطعومة، فكل مطعوم متى تحقق فيه هذا الشرط فهو ربا.
وعلى هذا اشترط العلماء للسلع الربوية شرطان، وهما: التقابض والمماثلة.
التقابض: بمعنى يداً بيد، والمماثلة: مثلاً بمثل، وحتى الرديء بالجيد لا بد من المماثلة فيهما.
نكتفي بهذا القدر، وجزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 884
العدة شرح العمدة [٥٧]
الربا نوعان: ربا نسيئة وربا فضل، وربا النسيئة هو الذي كان رائجاً ومعروفاً عند مشركي العرب، وهو محرم لذاته، أما ربا الفضل فتحريمه جاء من باب تحريم الوسائل، وهو يقع في ستة أصناف ويقاس عليها غيرها، ولاجتناب الوقوع فيه يجب أن يتحقق في هذا البيع شرطان: التماثل والتقابض.
стр. 885
تابع باب الربا
стр. 886
تعريف الربا لغة وشرعاً
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: الربا لغة: الزيادة، يقول ربنا : ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥]، ويقول : ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل:٩٢].
وشرعاً: الزيادة في أشياء مخصوصة، أو الزيادة في جنسين نص عليهما الشرع.
стр. 887
أنواع الربا وحكمه
وقسم العلماء الربا إلى قسمين، وكان بعض السلف يرى أن الربا قسم واحد، وهو ربا النسيئة.
والنسيئة هي: التأخير، فلو أعطيتك ألفاً من الجنيهات على أن تردها لي في (١ محرم ١٤٠٥) هذا الأجل وهذا القرض، فإن جاء شهر المحرم وعجزت أنت عن السداد، أقول لك: اقضني.
فتقول: ليس معي أنا معسر، فأقول: إن تأخرت بعد ذلك فكل يوم يمر ففيه زيادة مقابل التأخير، هذا هو ربا النسيئة.
يقول ربنا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، يعني: المعسر أمهله وأعطيه أجلاً للسداد، وصورة ربا الجاهلية أن الواحد منهم كان يقرض أخاه مبلغاً من المال فإن تأخر عن السداد زاد، وهذا فعل البنوك الربوية اليوم، تعطيك (٢٠٠٠) من الجنيهات وتأخذها (٢٢٠٠) مثلاً، تعطيك (١٠٠٠) وتأخذها (١٢٠٠) هذا يسمى ربا النسيئة.
وله صورة أخرى: أعطيك أيضاً مبلغاً من الجنيهات لا لأجل، وإنما على أن تقضيني إياه بمبلغ أعلى، يعني: أنت محتاج ١٠٠٠، خذ ١٠٠٠ وردها لي ١٥٠٠، وهذا هو عين الربا.
ولذلك الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع، يقول ربنا : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وتعاملاتنا الآن -إلا القليل منها- يشوبها الربا، صندوق التكافل الاجتماعي الذي تدفع فيه مبلغاً من المال ثم يوضع في البنك بسعر فائدة، وهذا عين الربا.
وهناك ما يسمى بالتأمين التعاوني وهو جائز عند العلماء، لكن التأمين التعاوني معناه: أنا وأنت وهذا وهذا أصحاب حرفة واحدة نشترك في صندوق، نضع فيه اشتراكاً شهرياً بشرط أنه إذا حل بأحدنا ملمة أخذ من الصندوق المبلغ بشروط: أولاً: ألا نوسط البنك.
ثانياً: أن الصندوق يدار بمعرفة أصحابه.
ثالثاً: أن المبلغ الذي أريده أنا إذا كان أكبر من القسط نزيده، وإذا كان أقل نأخذ الزيادة، هذا التأمين التعاوني الذي تحدث عنه العلماء، أما توسيط البنك بسعر فائدة في أي تعامل فهو ربا.
يعني: أنا مثلاً حدثت لي مشكلة تستحق مبلغ (٢٠٠٠٠)، وفي الصندوق ١٥٠٠٠، إذاً: كل واحد منا يدفع (٥٠٠٠) حتى نستكمل (٢٠٠٠٠)، إن كان المبلغ الذي أستحق (١٠٠٠٠) إذاً: ٥٠٠٠ ترد إلى أصحابها، هذا هو التأمين التعاوني الذي تحدث عنه الدكتور بكر أبو زيد وتحدث العلماء في مشروعيته.
أما ربا الفضل فهو من التفاضل، والتفاضل: أن سلعة تفضل سلعة، ومعنى تفضلها: تزيد عنها، وهذا يجوز إلا في أصناف عينها الشارع سداً للذريعة، فتحريم ربا الفضل من تحريم الوسائل وليس من تحريم الذوات، بعكس ربا النسيئة فهو محرم لذاته، وربا الفضل محرم لوصفه.
مثال: الخمر محرمة لذاتها، البيع عند نداء الجمعة محرم لوصفه؛ لأن الله تعالى يقول في هذا الوقت: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، أصل البيع حلال، لكن البيع في هذه الساعة حرام، وبيع العنب حرام، وإن كان البيع لأجل أن يصنع منه خمر حرام، فهو حرام لوصفه.
فالحرام قسمان: حرام لذاته وحرام لوصفه، رجل يبني برجاً سكنياً، وأتاه رجل وقال: أجرني هذا المحل لأقيم فيه سينما، فهل الإيجار حلال أم حرام؟ أصل الإيجار حلال، ولكن أتت صفة وقلبته إلى حرام، وهي أنه يريد أن يستغله في سينما والسينما حرام، فهذا حرام لوصفه، فالحرام قسمان: حرام لذاته، وهو ما حرمه الشارع سواء بالكتاب أو بالسنة، فالخمر محرم لذاته، والربا محرم لذاته، والسرقة محرمة لذاتها، القتل محرم لذاته وهكذا كل ما جاء في الكتاب والسنة أنه حرام فهو حرام لذاته، وأما الحرام لوصفه فهو في الأصل حلال، ثم جاءت صفة فجعلته حراماً فهو حرام، وربا الفضل من هذا القسم، وقد علمتم ربا النسيئة بأنه ربا الزيادة، وربا الفضل هو التفاضل بين أنواع معينة حددها الشارع بعينها، وهي ستة أصناف.
يقول: [قال النبي ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: (لعن الله آكل الربا وكاتبه وموكله وشاهديه)].
يعني: الذي يشارك في عملية الربا ويوافق عليها أيضاً تصيبه اللعنة، ومن هنا كاتب العقد ملعون، والذي يعطي المال ملعون، والذي يشهد على هذا التعامل ملعون.
стр. 888
الأصناف الربوية وشروط التبايع بها
ربا الفضل يوجد في ستة أصناف، ولتجنبه لابد من شرطين: التماثل والتقابض.
وحديث عبادة بن الصامت حدد ستة أنواع يكون فيها الربا: الذهب بالذهب والفضة بالفضة، يعني: حينما أبيع الذهب لابد من شرطين هما: التقابض والتماثل، يعني: أعطيت صاحب الذهب ٢٠ جراماً من الذهب، لابد أن آخذ منه ٢٠ جراماً في مجلس واحد يداً بيد مثلاً بمثل.
وهذه الأنواع الستة حددها الشارع سداً لذريعة الربا، لذلك إن أردت أن أبيع الذهب القديم بذهب جديد، التعامل الصحيح هو أن أبيع القديم أولاً، وأحصل على ثمنه، ثم أشتري الجديد منه أو من غيره، هذه بيعة وهذه بيعة.
ومعنى التقابض: يداً بيد في مجلس واحد.
هذين الشرطين في: الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والشعير بالشعير، والبر بالبر، والتمر بالتمر والملح بالملح، وهذه الأصناف تسمى عندنا الأصناف الربوية، إذا بادلت جنساً ربوياً بجنس آخر ربوي إما أن أبدله بجنسه أو بغير جنسه، لو أني أبدلت شعيراً بشعير اتفق الجنسان، فلابد من شرطين التقابض والمماثلة، ومعنى المماثلة بأني أعطيتك كيلو شعير فلابد أن تعطيني كيلو في مجلس واحد، يداً بيد، فلو أعطيتك كيلو من التمر مقابل اثنين كيلو من الأرز يجوز لاختلاف الجنسين، في هذه الحالة لابد من شرط واحد، وهو التقابض في مجلس واحد، أيضاً: أنا معي ٣٠٠ جرام فضة، استبدلتها بـ: ٢٠ جراماً من الذهب في مجلس واحد، فهذا حلال؛ لأن التماثل ليس شرطاً لاختلاف الجنسين، وإنما الشرط هو التقابض.
إذاً: نستطيع أن نضع قاعدة أولى: إن اتفق الجنسان وكانا ربويين فلابد من شرطين وهما التماثل والتقابض، إن اختلفت الأجناس وكانت ربوية، لابد من شرط واحد هو التقابض، ولا تشترط المماثلة.
فلو أن معي ٢ كيلو قمح -بر- واستبدلتها بـ٣ كيلو من التمر في مجلس واحد، فما حكم التعامل؟ جائز.
ولو أن رجلاً أعطاني ٣ تمر وأخذ ٢ قمح فاختلفت الكميات، لكن الجنسين مختلفين، كل ما نشترطه هنا التقابض فقط لاختلاف الجنسين، إن اتحدت الأجناس لابد من شرطين: المماثلة والتقابض.
ولو ذهبت امرأة إلى تاجر المجوهرات ومعها ذهب عيار ٢٤ فأعطته إياه لتبيعه، فوزن الذهب فوجده ١٠٠ جرام، قالت: أعطني بذهبي ذهباً، لابد أن يعطيها ١٠٠ جرام ولا يأخذ منها الفرق، والمصنعية هذه ربا، لابد أن تبيع القديم وتحصل على ثمنه وتشتري الجديد؛ لأن المقايضة يشترط فيها مثلاً بمثل، يداً بيد، طالما الجنس واحد.
стр. 889
ما يقاس على الأصناف الربوية
قال العلماء: هل الربا قاصر على الأصناف الستة، أم يقاس عليها غيرها؟ قالت الظاهرية: كـ ابن حزم وغيره: ربا الفضل قاصر على الستة، وغيرهم قالوا: إن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين متماثلين، ولا تجمع بين متناقضين: لا يستوي الأعمى والبصير ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢١] هذه أمور متناقضة يستحيل أن تتوافق، ولذلك يقول الله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، الذي يريد أن يساوي بين الموحد والمشرك رجل عنده خبل في ذهنه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢]، هل يمكن أن نسوي بين المنتقبة الملتزمة التي تلبس ملابس فضفاضة لا تصف وبين امرأة عارية؟ كيف نوفق بين هؤلاء؟ لا يمكن أن يجتمعا، ولذلك الشريعة تسوي بين المتماثلين، وعلى هذا: لماذا حرم الشرع هذه الأصناف الستة؟ ما هي العلة، قالت الأحناف والحنابلة: العلة في الذهب والفضة الوزن، وقالت المالكية: العلة في الذهب والفضة الثمن، وقال ابن تيمية: العلة في الذهب والفضة؛ لأنها ذهب وفضة، أي: الثمنية، والعلة في الأنواع الأربعة قال بعضهم: الكيل، وقال بعضهم: الوزن، وقال بعضهم: لأنها مطعومة.
لو كانت العلة في الذهب والفضة هي الوزن إذاً: فالعلة في الذهب والفضة تختلف عن العلة في الأنواع الأربعة، ولو كانت الوزن لكان كل ما يوزن فيه ربا، فالحديد يوزن، ومعنى ذلك أني لو أعطيتك طناً من الحديد وأخذت منك طنين فهذا ربا.
وهذا كلام ضعيف جداً؛ لأن العلة الراجحة هي الثمنية، وما ينطبق عليه الثمنية لابد فيه من التماثل.
مثلاً: في مجتمع كمصر جعلنا الحديد للبيع والشراء، تشتري كيلو لحمة بسيخ حديد، تشحن بترول بربع سيخ حديد، تركب ميترو الأنفاق بربع سيخ حديد، تشتري سلعاً بسيخ حديد، إذاً: الحديد هنا أصبح ثمناً للأشياء، إذاً: الربا يسري فيه، الأوراق النقدية -مثلاً- لو أعطيتك ٢٠ جنيهاً وأخذت منك ٣٠ في الحال، فهذا ربا في الورقة لأن لها ثمناً، فعلة تحريم الذهب والفضة هي الثمن، فكل ما يصبح قيمة للأشياء يصبح فيه ربا، وفي حال التعامل به لابد من التقابض والمماثلة.
بالنسبة للأصناف الأربعة العلة فيها ما قاله ابن تيمية وهو الراجح: العلة فيها أنها مطعومة -ومعنى مطعومة: أنها تؤكل ولها طعم- ومكيلة أو موزونة، وطالما أنها مطعومة تكال أو توزن يجرى فيها الربا.
стр. 890
أمثلة للأصناف الربوية وما يقاس عليها
مثال: البرتقال، معي ٣ كيلو من البرتقال أعطيتك إياها بـ٤ كيلو، فهذا التعامل ربوي؛ لأن البرتقال مطعوم -أي له طعم يعني: يؤكل- وموزون، إذاً: مطعوم موزون، وكذلك كل مطعوم يكال، الذرة لم تذكر في الستة التي وردت في الحديث، فلو أعطيتك ٢ كيلو ذرة وأخذت منك ٣ فهو ربا؛ لأن الذرة مكيلة ومطعومة، إذاً: أنظر إلى جنس السلعة، إن كانت ثمنية ففيها ربا عند التعامل مع جنسها، وإن كانت مطعومة ومكيلة فيشترط فيها التماثل والتقابض إذا تعاملت فيها بجنسها.
مثال: أعطيتك ٣ كيلو من اللحم وأخذت منك ٢ كيلو، فهذا لحم بلحم وهو ربا؛ لأن اللحم مطعوم وموزون، فلابد فيه من التماثل والتقابض.
مثال آخر: (جاء بلال بتمر رديء واستبدله بتمر جيد من تمر المدينة وجاء به إلى النبي، فقال له: يا بلال! أوكل تمر خيبر هكذا؟ -يعني: تمر خيبر في جودته- فقال: يا رسول الله! إنما هو تمر رديء نستبدله بتمر جيد، قال: أوه عين الربا يا بلال)؛ لأن التمر لابد فيه من التماثل والتقابض في مجلس العقد، القاعدة الثانية: إن كان من جنس ربوي بجنس آخر غير ربوي لا يشترط التماثل ولا التقابض، مثال ذلك: الأرز، أعطيتك كيلو من الأرز وأخذت منك تسجيلاً أو تسجيلين أو ثلاثة، هذا جنس غير ربوي، دخل في التعامل مع جنس ربوي، إذاً: لا يشترط التقابض ولا التماثل.
هذه هي القاعدة الثالثة.
القاعدة الأولى: جنس ربوي بمثله لابد فيه من التماثل والتقابض، يعني: الوزن يداً بيد في مجلس العقد، جنس ربوي بآخر ربوي، لكنه ليس من جنسه فيه شرط واحد، وهو البر مع التمر، البر ربوي والتمر ربوي، لكن الجنسين مختلفين هنا المماثلة غائبة، فيلزم التقابض فقط، وهذا يجوز طالما الجنس مختلف.
مثال: أنت معك ٢ كيلو أرز، وأنا معي ٣ كيلو شعير، فهل الأرز ربوي أم غير ربوي؟ الأرز بالقياس ربوي، مطعوم وموزون وهو مكيل، فهو مطعوم والقمح الذي هو البر أيضاً ربوي، إذاً: ربوي دخل مع ربوي، لكن الأجناس مختلفة، فهنا اختلفت المماثلة ولزم التقابض.
مثال آخر: معك ملح ومعي تمر، الملح والتمر ذكرا في الحديث، معك ٣ كيلو من الملح وأنا معي ٢٠ كيلو من التمر، واستبدلت التمر بالملح ٣ بـ٢٠، يجوز؛ لأن الأجناس مختلفة، فلا يشترط التماثل، لكن يشترط التقابض في مجلس.
إذاً: إذا كانت الأجناس ربوية -بالقياس أو بالحديث- لابد من التقابض، والربوي: كل مطعوم مكيل أو موزون.
مثال: سمك بلحم، اللحم مطعوم وموزون، والسمك مطعوم وموزون، السمك واللحم ليسا في الحديث، لكن بالقياس هما أجناس مختلفة.
إذاًً: بقي شرط واحد وهو التقابض في مجلس واحد يداً بيد.
قال: [ولا يجوز بيع مطعوم -مكيل أو موزون- بجنسه إلا مثلاً بمثل].
مطعوم مكيل أو موزون، إلا مثلاً بمثل بجنسه: يعني: بنوعه، خذ هذا المثال الصعب: أعطيتك تسجيلين وأخذت منك ساعة، فما حكم هذا التعامل؟ جائز؛ لأن هذا جنس غير ربوي، وهذا جنس غير ربوي لا مطعوم ولا موزون، لا التسجيل ولا الساعة، إذاً: لا يشترط التماثل ولا التقابض.
أولاً: أنظر إلى السلعة التي أقايضها، هل هي من أجناس الربا أم ليست من أجناس الربا؟ أعطيتك ٢ كيلو من الملح مقابل سيارة، ليس بربا؛ لأنه جنس ربوي دخل مع جنس غير ربوي، وطالما الجنس الربوي دخل مع جنس غير ربوي لا يشترط شيئاً.
اكتب هذه القاعدة: الجنس الأول ربوي وهو الملح، دخل مع السيارة وهي غير ربوية؛ لأنها لا مطعومة ولا مأكولة، إذاً: لا يشترط لا التماثل ولا التقابض.
مثال: الذهب قيمة ثمنية لابد معها من التقابض في مجلس العقد، لكن لا تشترط المماثلة، مثال ذلك: ذهبت أشتري ٤٠ جراماً من الذهب، ومعي لأجل هذا الشراء ٥٠ كيلو من الأرز، دخلت إلى صاحب الذهب، قلت له: أعطني ٢٠ جراماً ذهب بـ ٥٠ كيلو أرز، يجوز، لكن لابد من التقابض، الذهب جنس ربوي، والأرز جنس ربوي، إذاً: اختلف الجنسان، فلابد من شرط واحد وهو التقابض في مجلس العقد.
قال المصنف ﵀: [لأن النبي ﷺ : (نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل) في الأجناس المتفقة من حديث معمر بن عبد الله، والمماثلة المعتبرة في الشرع: هي المماثلة في الكيل والوزن، فدل على أنه لا يحرم إلا في مطعوم يكال أو يوزن، ولا يحرم فيما لا يطعم كالأشنان والحديد، ولا فيما لا يكال كالبطيخ والرمان، وهي إحدى الروايات في علة الربا].
стр. 891
بيع العرايا
هناك مسألة ذكرها المصنف وهي العرايا، فما هي العرايا؟ أنا رجل فقير من الفلاحين عندي تمر من العام الماضي -بلح ناشف- اشتاقت نفسي في هذا العام لأكل الرطب، التمر بالرطب لابد فيه من التماثل؛ لأن هذا تمر وهذا تمر، الرطب عندما يجف يتحول إلى بلح، استثنينا من هذه القاعدة شيئاً اسمه العرايا، بيع التمر على الأرض بالرطب في النخل، شريطة الخرص: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات:١٠]، الخراصون هم الكذابون، والخراص يقول: ما على النخلة من رطب عندما ينشف سيساوي ١٠ كيلو من التمر على الأرض، وأنت عندك ١٠ كيلو تعطيها لصاحب النخلة مقابل أخذ الرطب التي على النخلة ليتفكه بها، وهذا ليس فيه مماثلة؛ لأنه ربما يكون الرطب قبل أن يجف أكثر من التمر، فهذه تسمى العرايا.
стр. 892
حكم بيع المكيل بالموزون والعكس
قال: [ولا يجوز بيع مكيل من ذلك بجنسه وزناً، ولا موزون كيلاً].
والمعنى: البر مكيل، أعطيتك صاع بر، وأعطيتني كيلو من البر، أنت أعطيتني الآن مكيلاً وأنا أعطيتك إياه موزوناً، إذاً: هنا أنا استبدلت المكيل بالموزون وهذا لا يجوز، لابد من كيل بكيل أو وزن بوزن، مثال ذلك: أعطيتك ٢ كيلو من التمر مقابل ٥٠ مد من التمر، أنا قومت التمر بالوزن وأنت قومت التمر بالكيل، يجوز أم لا يجوز؟ لا يجوز، فلابد من المكيل أن يدخل في المكيل، والموزون يدخل في الموزون، إلا أن ابن تيمية قال: إذا كان لا يختلف الكيل عن الوزن فيجوز، يعني: إذا كان بالكيل هو نفسه بالوزن، وهذا من اختيارات شيخ الإسلام أنه يجوز التوازن بين المكيل والموزون إذا تماثلا.
قال: [وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يداً بيد]، الجنس هذا ربوي والجنس هذا ربوي، لكنهما مختلفان، هذه سلعة وهذه سلعة أخرى، يشترط فيها التقابض فقط ولا يشترط التماثل، يعني: يجوز بيعه كيلاً ووزناً وجزافاً، مثاله: أعطيتك ٢ كيلو من التمر مقابل كيلو من البر جاز؛ لأن هذا بر وهذا تمر اختلفت الأجناس، ويجوز أن أعطيك ٢ كيلو من البر مقابل ٣٠ صاعاً من التمر، هذا موزون وهذا مكيل يجوز؛ لأن الأجناس قد اختلفت، إن اختلفت الأجناس فبيعوا كيفما شئتم يداً بيد، الشرط الوحيد التقابض، لكن بيعوا كيفما شئتم، يعني: كيلاً أو وزناً أو جزافاً.
[ولم يجز النسأ فيه لذلك] النسأ: يعني: التأخير، فكل ما ثبت فيه ربا الفضل ثبت فيه ربا النسيئة وهو التأخير.
قال: [إلا في الثمن بالمثمن]، يعني: البيع بالتقسيط، مثاله: عندي قمح تشتريه مني بالأجل فهذا يجوز، هذا ثمن وهذا مثمن، لما توسط الثمن تلاشى الربا.
стр. 893
جريان الربا فيما له أصل واحد
قال: [وكل شيئين جمعهما اسم خاص من أصل الخلقة فهما جنس واحد يشمل أنواعاً كالذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والملح، فإذا اتفق شيئان في الاسم الخاص من أصل الخلقة فهما جنس واحد كأنواع التمر والبر].
هذا جاء بنوع تمر، ثم جاء بنوع آخر من التمر، كلها من جنس واحد ففيها الربا؛ لأن الأجناس هنا متفقة.
[إلا أن يكونا من أصلين مختلفين، فإن فروع الأجناس أجناس إلا أن يكونا من أصلين مختلفين لحم ضأن بلحم بقر، هذا جنس وهذا جنس، أعطيتك كيلو من لحم الضأن، وأخذت منك ٣ كيلو من لحم البقر، يجوز أم لا يجوز؟ يجوز لأن الجنس هنا مختلف، هذا لحم ضأن وهذا لحم بقر، ولذلك يقول هنا: [إلا أن يكونا من أصلين مختلفين؛ فإن فروع الأجناس أجناس كالأدقة].
والأدقة هو الدقيق، هذا دقيق البر وهذا دقيق الأرز، اختلفت الأجناس، يعني: هذا دقيق من نوع، وهذا دقيق من نوع آخر، اختلفت الأجناس لكنها تتبع أصلاً واحداً، هنا لابد فيها من التماثل والتقابض في مجلس العقد.
قال: [ولا يجوز بيع الرطب منها بيابس من جنسه].
يتحدث عن الأصناف الربوية، مثال ذلك: الرطب تزن أكثر من اليابس فلا يجوز أن يباع الرطب باليابس في الأصناف الربوية، يعني: أعطيتك رطباً وأخذت منك نفس الكيلو يابساً لا يجوز؛ لأن الأجناس الربوية لابد فيها من التماثل، والتماثل لم يتحقق؛ لأن الجنس الأول يزن أكثر من الجنس الثاني.
قال: [ولا يجوز بيع خالصه بمشوبه].
الخالص يعني: ذهب خالص بذهب مشوب، لا يجوز أن يباع هذا بهذا ولو تماثلا؛ لأنهما يستحيل أن يتفقا.
يعني: هذا ذهب خالص وهذا ذهب مطعم، في الشكل لا يمكن أن يتماثلا في الوزن، وحتى إن تماثلا في الوزن فلا يمكن أن يكونا متماثلين، فلو أن وزنها عشرون جراماً، وهذه وزنها عشرون جراماً، لكن هذه خالصة وهذه مشوبة، فهذا لا يجوز.
يقول: [ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه].
أعطيتك كيلو من اللحم نيئاً، وأخذت منك كيلو مطبوخاً، هذا لا يجوز؛ لأن المطبوخ يزن أقل، هذا معناه أن النيء يزيد في الوزن، كيف أعادل، لا يجوز أن يباع النيء بالمطبوخ، ولا المشوب بغير المشوب، ولا الرطب باليابس من الأجناس الربوية.
стр. 894
بيع المزابنة والمحاقلة
يقول: [ونهى النبي ﷺ عن المزابنة: وهو اشتراء التمر بالتمر في رءوس النخل].
هذه تسمى المزابنة: اشتراء التمر بالتمر في رءوس النخل، يعني: أشتري منك تمراً على الأرض بتمر على النخل، لكن هذا يستثنى منه العرايا، مثلاً: على النخل حوالي ٥ كيلو من التمر، وعلى الأرض ٥ كيلو أيضاً، هل أشتري ما على الأرض بما على النخل؟ لا يجوز؛ لأن ما على النخل لا أضمنه، ربما يفسد وربما يصيبه العطب إلى غير ذلك.
[ونهى النبي ﷺ عن المزابنة، وهو اشتراء التمر بالتمر في رءوس النخل، فروى جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة وعن المزابنة)، والمحاقلة: بيع الحب في سنبله بجنسه].
يعني: معي أرز أبيض الآن في بيتي أبيعه لك مقابل أرز آخر مازال في السنبل لم ينضج بعد هذا لا يجوز، وهذه تسمى المحاقلة، ولا تجوز المحاقلة ولا المزابنة.
قال: [وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخابرة، وهو بيع الزرع الأخضر والثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع)].
مثال ذلك: عندي في البيت ثمرة ناضجة مكتملة أبيعك إياها مقابل ما هي في الأرض، هل يجوز هذا؟ يجوز بشرط واحد، وهو القطع، أن تقطعها الآن، يعني: مثلاً بعتك ثمرة قبل النضج على أن تقطعها الآن كعلف للحيوان يجوز؛ لأن هذا شرط القطع، أما باعتبار ما سيكون كمن يبيع الجاموسة في بطنها الجنين، يقول: هي بثلاثة آلاف وما في بطنها بألف، هل هذا يجوز؟ لا يجوز؛ لأن ما في بطنها لا أضمنه، وهذا بيع الغرر وبيع المجهول.
стр. 895
شروط بيع العرايا
يقول: [ورخص النبي ﷺ في بيع العرايا].
بدأ يشرح شروط بيع العرايا، فلابد أن تكون العرايا فيما دون خمسة أوسق، فإن زادت عن خمسة أوسق لا تجوز، والوسق ٦٠ صاعاً، والصاع ٤ أمداد، ٥ أوسق في ٦٠ يساوي٣٠٠ صاع، يعني: أول شرط العرايا ألا تزيد عن ٣٠٠ صاع.
قال: [أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً، فروى أبو هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ رخص في العرايا في خمسة أوسق أو دون)، وإنما يجوز بشروط خمسة].
إذاً: العرايا تجوز بخمسة شروط.
[الشرط الأول: أن يكون دون خمسة أوسق].
يعني: إن زادت عن هذا فلا تجوز.
[لأن الأصل تحريم بيع الرطب بالتمر خولف فيما دون الخمسة بالخبر.
الثاني: أن يكون مشتريها محتاجاً إلى أكلها رطباً].
يعني: يكون فقيراً ويشتهي الرطب لا يشتريها ليخزنها، وإنما ليأكلها، الشرط الثاني الأكل.
[الثالث: ألا يكون له نقد يشتري به].
فإن كان معه نقود أو أثواب أو لحم ووافق البائع، على هذا لا يكون معه ما يشتري به إلا التمر.
[الرابع: أن يشتريها بخرصها للخبر].
ما معنى الخرص: أن يقدرها الحاذق لما تجف تساوي كذا من الآصع.
[الخامس: أن يتقابضا قبل تفرقهما؛ لأنه بيع تمر بتمر فاعتبرت أحكامه].
هذه الخمسة شروط الخاصة ببيع العرايا.
إلى هنا انتهى باب الربا، حتى ننتقل إلى ما سواه في باب بيع الأصول والثمار في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.
نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم.
стр. 896
العدة شرح العمدة [٥٨]
للثمار علامات لبدو الصلاح، ويمنع بيعها حتى تبدو عليها علامات الصلاح، ومما يفض النزاع بين المتبايعين في الأصول قاعدة: أن النخل المؤبر ثمرته للبائع إلا أن يشترط المشتري، وقد قسم الفقهاء الشجر إلى ستة أنواع لكل نوع حكم ثمرته قبل وبعد البيع.
стр. 897
مسائل في القرض
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد.
هناك ثلاث مسائل أريد أن أنبه عليها لحدوث الالتباس فيها عند البعض، سواء بوهم مني أو بسبق لسان أو بفهم خاطئ من بعض طلبة العلم، فأريد أن أوضحها توضيحاً شافياً سريعاً.
المسألة الأولى: سألني سائل عن مسألة في القرض، وأجبت بأنه لا يجوز أن تقترض بالدولار وترده بالجنيه المصري؛ لأن الدولار جنس والجنيه المصري جنس آخر، فينبغي إن اتفقتم على الرد بالجنيه المصري أن يكون التقابض في مجلس العقد، أما أن يكون الدولار بدولار فيجوز أن تقرض لأجل.
وعلى هذا أرسل أحد الإخوة يقول: أنا اقترضت ألفاً من الدولارات، وجاء موعد السداد، فهل يجوز أن أسددها بالجنيه المصري؟ أقول: لا يجوز؛ لأن هذا جنس وهذا جنس، ولا بد من التقابض في مجلس العقد.
المسألة الثانية: سأل أحد الإخوة: هل يجوز أن أشتري الذهب بالقمح مؤجلاً؟ قلت: نعم يجوز؛ لأن اختلاف العلة مدعاة للجواز، فإن الذهب العلة في تحريمه الثمنية، والقمح العلة في تحريمه أنه مطعوم ومكيل، فاختلفت العلة ومن هنا جاز أن أشتري الذهب مؤجلاً بقمح وليس بنقد، فالنقد يحرم أما القمح فيجوز.
المسألة الثالثة: أن البعض حدث له التباس في حالة شراء أو بيع أو مقايضة جنس ربوي بغير ربوي كساعة بقمح، هل يشترط التقابض؟ قلنا: لا يشترط التقابض، والله تعالى أعلم.
стр. 898
باب بيع الأصول والثمار
قال المصنف ﵀: [باب بيع الأصول والثمار] الأصول جمع أصل، والأصل إما أن يكون ثابتاً أو متداولاً -في لغة المحاسبين- والأصل الثابت كنخلة أو دار أو عقار.
هناك فرق بين الثمرة وبين الأصل، فأن أبيعك النخل هذا بيع أصل، وأن أبيعك ثمرة النخل هذا بيع ثمرة، وهناك فرق بين بيع الأصل وبين بيع الثمرة، فإن بعتك الأصل فالثمرة تابعة له، وإن بعتك الثمرة فالأصل لا يتبعها، فالفرع تابع للأصل، وليس الأصل تابعاً للفرع، فإن اشتريت منك داراً فكل ما فيها تبع لها سواء من شبابيك وأبواب وسلالم إلى غير ذلك ولا تقل: أنا بعتك الدار ولم أبعك الباب، أقول لك: الباب تبع للدار، والسلم تبع للدار، وكل ما في الدار تبع له إلا ما في بطن الأرض من كنوز، فهذه مسألة أخرى سنأتي على ذكرها.
قال: [من باع نخلاً مؤبراً فالثمر للبائع].
لو افترضنا أني بعتك ثمرة في نخلة، لكني بعد أن أبرتها أي لقحتها، والتلقيح هو نقل اللقاح من طلع النخل الذكر إلى الأنثى، فأنا لقّحت ثم بعت، فالثمرة التي في طلع النخل لي أنا البائع؛ فمن باع نخلاً مؤبراً فالثمر للبائع.
قال: [فالثمرة للبائع متروكاً في النخل إلى الجذاذ].
الحصاد للزرع، والجذاذ للنخل، واللقاط للقثاء وما على شاكلتها، والجز للباذنجان وما على شاكلته، أي هذه مصطلحات قطع الثمرة.
قال: [متروكاً في النخل إلى الجذاذ إلا أن يشترطه المبتاع].
أي: المشتري.
جئت أشتري منك نخلاً مؤبراً ثمرها، فقلت لك: أشتريها بثمرها؛ فالمؤمنون عند شروطهم، فإن وافقت فلا بأس، وطالما أبرت النخلة قبل بيعها فثمرتها للبائع.
قال: [قال ابن عبد البر: الإبار عند أهل العلم التلقيح، وقيل: التأبير ظهور الثمرة من جف الطلع.
] ولكن الأول هو الأرجح؛ لأن النبي ﷺ حينما نزل المدينة وجدهم يؤبرون النخل، فلما نهاهم عن التأبير فسد النخل، فقالوا: (يا رسول الله نهيتنا عن التأبير ففسد النخل، وقال: أنتم أعلم بشئون دنياكم)، وتأبير النخل من شئون الدنيا والصناعة.
قال: [لأن الحكم متعلق بنفس الظهور دون نفس التلقيح بغير اختلاف بين العلماء، فمتى ظهرت الثمرة فهي للبائع، وإن لم تظهر فهي للمشتري] أي: لو أني اشتريت منك نخلة قبل ظهور الثمرة، ثم بدت الثمرة بعد شرائها فالثمرة للمشتري، وإن بدت الثمرة بعد تلقيحها فهي للبائع.
قال: [لقول النبي ﷺ : (من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطها المبتاع) رواه البخاري.
وكذلك بيع الشجر إذا كان ثمره بادياً].
أي: أن الثمرة بدت على الشجرة، أيضاً ثمرة الشجرة للبائع إن باعها طالما أن الثمرة قد بدت.
стр. 899
أنواع الثمر والشجر
[والشجر على ستة أضرب: الأول: ما تكون ثمرته في أكمامها، ثم يفتح الكمام فتظهر كالنخل، وقد سبق بيان حكمه، وهو الأصل الذي وردت السنة ببيان حكمه، وما عداه يقاس عليه، ومن هذا الضرب القطن].
اشتريت منك قطناً وقد فتحت اللوزة فالثمرة للبائع.
قال: [ومن هذا الضرب القطن، وما يقصد نوره كالورد والياسمين والنرجس والبنفسج، فإنه يظهر في أكمامه ثم يفتح كمامه فيظهر، فهو كالطلع إن يفتح جنبذه فيظهر نوره فهو للبائع، وإن لم يظهر فهو للمشتري قياساً على النخل].
قاسوا على النخل الورد والقطن والبنفسج والياسمين، وكل ما كان في أكمامه، ثم ظهر وبدا، فإن ظهر وبدا فهو للبائع وليس للمشتري، وهذا يسد باب إشكالات كثيرة.
قال: [الضرب الثاني: ما له ثمرة بارزة -كالجميز والتوت والتين- فما كان منه ظاهراً فهو للبائع؛ لأنها ثمرة ظاهرة فهي كالطلع المؤبر، وما ظهر بعد العقد فهو للمشتري؛ لأنه حدث في ملكه].
هذا النوع ثمرته تبرز، فإن برزت الثمرة فهي للبائع، وإن لم تبرز فهي للمشتري.
قال: [الضرب الثالث: ما له قشر لا يزول إلا عند الأكل كالرمان والموز، فهو للبائع إن كان ظهر؛ لأن قشره في مصلحته فهو كأجزاء الثمرة].
فإن بدا القشر فهذا دليل على أن الثمرة للبائع.
قال: [الضرب الرابع: ما له قشران -كاللوز والجوز- فهذا للبائع بنفس الظهور؛ لأن قشره لا يزال في الغالب إلا بعد جذاذه فهو كالرمان].
وهذا هو الرأي الراجح.
قال: [الضرب الخامس: ما تظهر ثمرته في نوره ثم يتناثر نوره -كالعنب والمشمش والتفاح- فكان كتأبير النخل.
الضرب السادس: ما يقصد ورقه كالتوت فيحتمل أنه للمشتري بكل حال قياساً على سائر الورق، ويحتمل أنه إن تفتح فهو للبائع وإلا فهو للمشتري لأنه هاهنا كالثمر].
إذاً: هنا الآن يفرق بين أنواع ستة من أنواع الأشجار، خلاصتها أن الثمرة إذا بدت فهي للبائع، وبدو الثمرة يختلف من شجرة إلى أخرى، ففي النخل له طريقة، وفي التوت والتين له طريقة، وفي الموز والجوز له طريقة، إما بالقشر وإما بأن يتفتح.
ومتى تظهر ثمرة العنب؟ حينما يحمرّ أو يصفرّ، فإن احمرّ أو اصفرّ فقد بدا، وهذا من حق البائع.
قال: [فإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة كالبر والشعير فهو للبائع].
فهناك ما يحصد مرة، وهناك ما يحصد مرتين أو أكثر.
فإذا باع البرسيم في الأرض والبرسيم قد بدا فوق الأرض، فهو للبائع، قطع البائع البطن الأول، وإذا جاء البطن الثاني فهو من حق المشتري؛ لأن أصول الثمرة للمشتري أي الجذور، أي أن البائع لا يأتي يجز فيقطع من جذرها، ويقضي على أمل المشتري في البطن الثاني والثالث، فهناك أشجار تعطي أكثر من مرة، وهناك أشجار تعطي مرة واحدة.
قال: [فإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة كالبر والشعير فهو للبائع ما لم يشترطه المشتري؛ لأنه ظاهر، فكان للبائع أشبه الثمرة المؤبرة.
وإن كان يجز مرة بعد أخرى، كالرطبة -البرسيم- والبقول، فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع لذلك].
فإذا اشترط المشتري فهنا نقول المؤمنون عند شروطهم.
رجل اشترى من آخر قيراطاً من الأرض الزراعية، وفيها برسيم وقد ظهر وعلا، فهي من حق البائع، وبعد ذلك للمشتري إذا لم يشترط.
стр. 900
أحكام بدو صلاح الثمار
ثم قال: [ونهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، فلو باعها قبل بدو صلاحها لم يجز إلا بشرط القطع].
جئت أشتري منك عنباً فوجدت العنب لم يبد صلاحه، فقلت: بعتك مقدار كذا عنباً بسعر كذا، فهذا البيع حرام؛ لأن الثمرة لم يبد صلاحها، فلا يجوز إلا بشرط واحد، وهو: أن أقطع العنب الآن لأستخدمه علفاً للحيوان أو غير ذلك، أما أن أبيع الثمرة قبل أن تنضج فلا يجوز؛ فإن نضجت منها واحدة فهذه إشارة إلى نضجها جميعاً.
قال: [لما روى ابن عمر: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة)، ولأن في بيعه غرراً من غير حاجة، فلم يجز كما لو اشترط التبقية، وإن باعها بشرط القطع جاز بالإجماع].
والمعنى: أنه لا يجوز لك أن تشتري الثمرة قبل صلاحها، وإن اشتريت بشرط القطع، أو بشرط التبقية جاز.
ومعنى التبقية: بقاء الثمرة في الأرض حتى تنضج، فإن جاءت آفة وأصابتها قبل أن تنضج فلا حق له في ثمن هذه الثمرة؛ لأن الأصل أن أحصل على الثمرة بعد نضجها.
[ولو باع الثمرة بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز.
قال أبو حنيفة: لا يجوز بشرط التبقية؛ لأنه شرط الانتفاع بملك البائع على وجه لا يقتضيه العقد، فلم يجز كما لو شرط تبقية الطعام في بيته].
أي أن المذهب على أن له أن يشتري بشرط التبقية، وأبو حنيفة على المنع.
[ولنا أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، فمفهومه أنه أجاز بيعها بعد بدو صلاحها، وثبت أنه إنما نهى عن بيع يتضمن التبقية؛ لأنه يجوز بشرط القطع، وعنده مطلقاً ثبت أن الذي نهى عنه هو الذي أجازه، ولأن النقل والتحويل يجب في المبيع بحكم العرف، فإذا اشترطه جاز كما لو اشترط نقل الطعام من ملك البائع حسب الإمكان، وفي هذا انفصال عما قال].
والمعنى: أن الحنابلة يرون جواز الشراء بشرط التبقية.
قال: [فإن أصابتها جائحة رجع بها على البائع].
معنى ذلك: أنني اشتريت منك الثمرة قبل بدو الصلاح، لكن بشرط التبقية إلى الصلاح، فإن أصابتها عاهة قبل بدو الصلاح أعود بثمنها البائع عليك.
قال: [لما روى جابر أن رسول الله ﷺ قال: (إن بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من ثمنه شيئاً، لم تأخذ مال أخيك بغير حق) رواه مسلم.
وصلاح ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، وصلاح العنب أن يتموه].
أي: عندما تمسك الحبة تتموه طرية في يدك، أما إن كانت جافة أو صلبة فلم تتموه بعده.
قال: [وسائر الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله، لما روي عن النبي ﷺ أنه: (نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب) متفق عليه، و (نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، قيل: وما تزهو؟ قال: تحمار أو تصفار، ونهى عن بيع الحب حتى يشتد، ونهى عن بيع العنب حتى يسود) رواه الترمذي].
إلى هنا نكون قد انتهينا من باب بيع الأصول والثمار.
стр. 901
خلاصة باب بيع الأصول والثمار
خلاصة القول في بيع الأصول والثمار: أن النبي ﷺ بيّن لنا أن من اشترى ثمراً بعد بدو صلاحه فالثمرة للبائع إلا أن يشترط، والمؤمنون عند شروطهم، والأولى أن أشترط، فإذا بعت النخلة للمشتري والمشتري أخذها مني وعليها الثمرة فسيأتيني المشتري ويسألني عن الثمرة، ثم يدخل في نفس المشتري أنه ليس مالكاً، فالأفضل أن تشترط أن الثمرة التي أبرت لك، فهذا لا شيء فيه على الإطلاق، فإن لم يشترط فالقاعدة: أن من باع نخلاً مؤبراً فهو له، وهناك فرق بين باع وابتاع، وشرى واشترى، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧] فهنا يشري بمعنى يبيع ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].
قال: (من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطها المبتاع) وبعض الأمور هنا لم يذكرها المصنف في بيع الأصول اختصاراً.
فإن اشتريت داراً بما فيها، وكنت أحفر في الدار فوجدت كنزاً، ما حكم هذا الكنز هل هو للبائع أم للمشتري؟ فنقول: إن أقام البائع البيّنة على أن الكنز ملك له فهو له، أما إن لم يقم فهي للمشتري؛ لأن الأرض لمالكها وما فيها حتى الأرض السابعة، وحتى السماء السابعة للذي اشترى، والظاهر أنه اشترى الدار بأبوابها وبسلمها وبما فيها من أشياء ثابتة، وشاء الله أن يرزقه بكنز تحت الدار.
стр. 902
الأسئلة
стр. 903
الفرق بين بيع العرايا والمزابنة
السؤال
ما الفرق بين بيع العرايا والمزابنة؟
الجواب
العرايا لها شروط خمسة، فإن تحققت هذه الشروط جازت، أما المزابنة فليس لها شروط، فالمزابنة أعم والعرايا أخص، فإن توافرت الشروط يسمى عرايا، وإن لم تتوافر يسمى مزابنة.
стр. 904
حكم شراء الثمرة لعشر سنوات قادمة
السؤال
رجل عنده ثمار من العنب فجاء رجل يشتري منه الثمر لهذا العام، وقال: أشتري ثمار البستان لمدة ١٠ سنوات قياساً على ما رأى هذا العام من الثمر الجيد، فما حكم البيع، هل يدخل تحت بيع المعدوم كالذي يبيع ما تحمل دابته أو شجرته لجهالته أم غير ذلك؟
الجواب
المشتري هنا اشترى المعدوم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، وما أدراك أن تكون الثمرة في العام القادم نفس هذا العام، فأنت تنجم الغيب، لعله تأتي عاهة أو آفة وتحرق الشجرة، لا تشتر الثمرة قبل بدو صلاحها.
стр. 905
حكم الشراء بالدين
السؤال
هل شراء السلع الغذائية كالأرز والحلوى من البقال بالدين يكون ربا؟
الجواب
هذا ثمن ولا يشترط تقابض طالما دخل المثمن كوسط في العملية، إنما هذا في المقايضة، أما إذا دخل المثمن في الوسط فيجوز التأجيل.
стр. 906
حكم منع الخاطب لمخطوبته من الخروج من البيت
السؤال
خطيبي يمنعني من النزول من البيت تماماً لأي سبب، وهو لم يعقد عليّ فهل له الحق في هذا؟
الجواب
الخطيب أجنبي عن مخطوبته، وليس له أي حق عليها بحال، والله تعالى أعلم.
стр. 907
حكم الخل الموجود في الأسواق
السؤال
ما حكم الخل الموجود في الأسواق؟
الجواب
الأصل في الأطعمة الحل، إن أردت أن تحرم فيلزمك الدليل، ولا أعرف عن الخل شيئاً مشبوهاً.
جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم.
стр. 908
العدة شرح العمدة [٥٩]
المقصود بالخيار أن لكل من المتبايعين حق الرجوع في البيع إذا رأيا ذلك أو أحدهما، والخيار يكون قائماً ما لم يتفرق البيعان، فإن تفرقا فلا خيار؛ إلا أن يكون الخيار خيار عيب لم يكن قد علمه المشتري، فله حق الرد عند اكتشاف العيب.
стр. 909
باب الخيار
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فما زلنا مع كتاب البيوع في فقه المعاملات، وهو من أنواع الفقه الغائبة عن حياتنا؛ لانشغالنا بفقه العبادات عن فقه المعاملات، رغم أن المعاملات لا يخلو منها إنسان.
المقصود بالخيار: أن لكل طرف حقاً في الخيار؛ إما إمضاء العقد، وإما الفسخ، وبالمعنى البلدي: رد البضاعة.
مثال ذلك: اشتريت سلعة من تاجر، ثم جئت لترد إليه السلعة التي اشتريتها، هل لك حق في ردها، أم ليس لك ذلك؟ إذاً: باب الخيار من أهم الأبواب في فقه البيوع؛ لأنه لا يخلو منه التعامل اليومي.
يقسم العلماء الخيار إلى ثمانية أقسام، وكلامنا لا ينسحب إلا إذا كان هناك خيار.
مثال ذلك: ذهبت لشراء كتاب، فقلت للبائع: أنا بالخيار لمدة أسبوع، وأنت أيضاً بالخيار، ومعنى الخيار: أن للبائع حقاً وللمشتري حقاً في فسخ العقد أو إمضائه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [البيعان بالخيار] يعني: البائع والمشتري، سميا بالبيعين تغليباً كما نقول عن الشمس والقمر: القمرين، ونقول عن التمر والماء: الأسودين، ونقول عن عمر وأبي بكر: العمرين، ونقول عن عائشة: أم المؤمنين تغليباً فهذا يسميه العلماء: التغليب.
فالبيعان هما: البائع والمشتري، يقول الله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف:٨٠]، (أبواه): أبوه وأمه، أطلق عليهما الأب تغليباً؛ لأن الأب يقدم على الأم، كذلك يغلب العاقل على غير العاقل، والجمع على المفرد.
стр. 910
الفراق بين البائع والمشتري يحدث بالأبدان وجوب البيع يكون بالتفرق
قال المؤلف ﵀: [البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما]، يبين المصنف أن الفراق بين البائع والمشتري يحدث بالأبدان وليس بالأقوال.
مثال ذلك: اشتريت من مكتبة سلعة، وظللت فيها ساعة بعد الشراء وإعطاء البائع المال، فهل تفرقت الأبدان في هذه الحالة أم لم تتفرق بعد؟
الجواب
لم تتفرق بعد، فلي أن أرجع الكتاب طالما لم نتفرق، وإن تفرقنا ولم نتفق على الخيار؛ فليس لي حق الإرجاع إلا أن يقبل هو.
مثال آخر: رجل اشترى سلعة وأخذها إلى البيت، ثم عاد إلى البائع يريد أن يردها لا لعيب فيها، فإما أنه اشترى بالخيار أو اشترى بغير خيار، فإن كان بغير الخيار فليس له حق، وإن كان بالخيار فله حق.
قال: [البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما؛ لما روى ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعاً أو يخير أحدهما الآخر؛ فيتبايعا على ذلك فقد وجب البيع)، متفق عليه].
ومثال على ذلك: لو أني كنت أنا في طائرة متوجهة من مصر إلى ألمانيا تأخذ ست ساعات أو سبع ساعات في الطريق، واشتريت من تاجر في الطائرة سلعة، وأعطيته الثمن، فتم البيع واتفقنا، فهل تفرقت الأبدان أم لم تتفرق؟ لم تتفرق؛ فلي حق الرد إلى أن أصل إلى ألمانيا.
فعند ذلك يقول البائع: أنت لست بالخيار؛ لكي يقطع في البيعة، لأنه ما لم تتفرق الأبدان فلا زال للمشتري حق الرد، وقد يكون الخيار لأحدهما، كأن يقول البائع للمشتري: لك الخيار، أما أنا فلا، اتفقنا، أو يقول: لي الخيار وليس لك، اتفقنا، والمؤمنون عند شروطهم، فإن كان الخيار لأحدهما فلا بأس.
والخيار يكون في عقد البيع، ولا يكون في الرهن، ولا في القرض، ولا في المساقاة، ومعنى المساقاة: رجل أعطى رجلاً زرعه ليسقيه له مقابل جزء من الزرع؛ هذه هي المساقاة، ولا خيار فيها، كذلك لا خيار في القرض.
مثال ذلك: أعطيتك مبلغاً من المال قرضاً على أن تعطيني رهناً مقابل هذا القرض، فأحدهما يلزمه أن يقدم الرهن، والآخر الذي أقرض الرهن عنده، فهنا يمكن أن يتنازل بمحض إرادته عن الرهن، فالخيار لا يكون إلا في عقد البيع.
قال: (فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع؛ فقد وجب البيع).
مثال ذلك: ذهبت لشراء مسجل، واشتريته بخمسين جنيهاً، ودفعت المبلغ، واتفقنا على الثمن، وعاينت السلعة معاينة نافية للجهالة، وقلبتها يميناً ويساراً، وضعت فيه شريطاً، وجربت الشريط تقديماًً وتأخيراً، فاتفقنا وأخذت المسجل وتفرقنا؛ فأصبح البيع ملزماً لي وله، وبعد ساعتين لم يعجبني المسجل، فأردت أن أرده، فهل لي حق في هذه الحالة؟
الجواب
لا، إلا إذا اشترطت.
كذلك السمن وأمثاله مما قد يكون مغشوشاً، فلو قلت أثناء الشراء: أنا بالخيار، فإن كان السمن جيداً لا فساد فيه لن أرجعه، وإن كان فيه فساد أرجعته لك، فالأصل في السلع المغلقة الخيار أثناء الشراء.
كذلك البطيخ بالخيار، فعندما تشتري بطيخة قل له: أنا بالخيار بعد أربع ساعات، إن وجدتها بيضاء فهي لك وتعطيني مالي، وإن كانت حمراء فهي لي.
وعلى ذلك إذا فتحتها فوجدتها بيضاء يحق لك أن تعيدها إلى البائع وتأخذ نقودك؛ لأنك قد اشترطت عليه بالخيار.
إذاً: الخيار يحل مشاكل عديدة، وإن لم تشترط الخيار فقد نفذ البيع وتم، ولا حق لك في أن ترد السلعة إلا إذا أقالك، والإقالة: أن يقبل البائع أن يرد السلعة.
قال: [والتفرق يكون بالأبدان، فإن ابن عمر كان يمشي خطوات حتى يلزمه البيع إذا أراد لزومه، ولا خلاف في لزومه بعد التفرق، والمرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم].
طالما أن الشرع لم يضع حداً للتفرق فالعرف يحكم، مثال ذلك: كنت في هذه المكتبة، فأخذت كتاباً ثم انطلقت به بعد أن عاينت ودفعت السعر إلى البائع، فهنا تفرقنا، فإن كنت ما زلت أتنقل بين المكتبات القريبة من المكتبة التي اشتريت منها الكتاب ففي هذه الحالة لم نتفرق بعد، والعرف هو الذي يحكم، كما أن التفرق في الطائرة يختلف عن التفرق في الأسواق؛ لأن العرف هو الذي يحكم.
ولذلك يقول: [ولا خلاف في لزومه بعد التفرق]، يعني: بعد التفرق يلزم البيع البائع والمشتري، إلا أن يكون البائع قد تفرق لحيلة، كأن يكون باعك السلعة وقبض الثمن، وقبل أن تشترط عليه قال: أستأذنك لحظات سأذهب ثم آتي، وتفرق عنك وأنت ما زلت في المحل؛ لينفي شرط الخيار، ففي هذه الحالة يعامله الشرع بضد مقصوده؛ لأنه أراد أن يحرم المشتري من شرط الخيار بسرعة التفرق، وهذه حيلة غير مشروعة، وهنا يعامل بضد مقصوده.
قال: [لأن الشارع علق عليه حكماً ولم يبينه؛ فدل على أنه أبقاه على ما يعرفه الناس كالقبض والإحراز، فالتفرق العرفي هو التفرق بالأبدان، كذلك فسره ابن عمر، وتفسيره أولى؛ لأنه راوي الحديث]، إذاً: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما.
стр. 911
أحكام خيار الشرط
قال المؤلف ﵀: [إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة؛ فيكونان على شرطهما وإن طالت المدة إلا أن يقطعاه].
من أنواع الخيار: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب -الغبن- وخيار التدليس، وخيار في بيع بتخيير الثمن، وخيار لاختلاف المتبايعين.
قال: [إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة؛ فيكونان على شرطهما وإن طالت المدة، إلا أن يقطعاه؛ لأنه حق].
ما معنى: إلا أن يقطعاه؟ اشتريت منك سلعة بالخيار لمدة شهر، وفي يوم عشرين جئت وقلت لك: أنا لا أريد السلعة، فما زالت في مدة الخيار، ولي الحق في قطع هذا البيع، كذلك قبل أن ينقضي الشهر قلت لك: أعطني شهراً آخر، هل يجوز ذلك أم لا؟ يجوز ذلك مادام في مدة الخيار عند جمهور العلماء.
أما لو جئت بعد مضي الشهر بيوم وقلت لك: لا أريد السلعة فهذا لا يجوز؛ لأن مدة الخيار نفذت وانتهت، والمؤمنون عند شروطهم، هذا هو معناه؛ لذلك قال: [إلا أن يقطعاه]، ومدة الخيار لا بد أن تكون مدة معلومة، مثال ذلك: بعتك مسجلاً وقلت لك: لي بالخيار إلى أن يعود ابني من السعودية، متى سيعود؟ ربما يعود هذا العام، أو العام القادم، وربما بعد عشر سنوات، فهذه مدة غير معلومة، فالخيار فيها لا يتم؛ لأنه لا بد أن تكون المدة معلومة؛ ولذلك اختلف العلماء.
مثال آخر: بعتك هذه السلعة إلى حصاد زرعي.
قال بعض العلماء: المدة معلومة، وقال بعضهم: مجهولة؛ لأن حصاد الزرع إما أن يتم في زمن معين لا يؤخر عنه، وإما أن تأتيه ريح فتعصف به فلا يكون معلوماً.
قال المؤلف ﵀: [لأنه حق يعتمد الشرط؛ فجاز ذلك فيه كالأجل، ولا يجوز مجهولاً؛ لأنها مدة ملحقة بالعقد، فلم يصح مجهولاً كالتأجيل، وهل يفسد به العقد؟].
يعني: باع بالخيار لمدة مجهولة، هل يفسد العقد أو لا يفسد؟ قال: [على روايتين: إحداهما: لا يفسد؛ لحديث بريدة.
والثانية: يفسد؛ لأنه عقد قارنه شرط فأفسده أشبه نكاح الشغار، وعنه يصح مجهولاً؛ لقوله ﵇: (المؤمنون على شروطهم)، رواه الترمذي وقال: حديث صحيح، فعلى هذا إذا كان الخيار مطلقاً مثل أن يقول: لك الخيار متى شئت، أو إلى الأبد؛ فهما على خيارهما أبداً أو يقطعاه، وإن قال: إلى أن يقوم زيد، أو ينزل المطر؛ ثبت الخيار إلى زمن اشتراطه، أو يقطعاه قبله]، والراجح: عند عدم تحديد المدة في الخيار البيع صحيح، لكن لا بد من تحديد المدة وعليه إثم عدم التحديد.
مثال ذلك: تقول: بعتك هذه السلعة ولك الخيار إلى أن ينزل المطر، متى ينزل المطر؟ الله أعلم، فإن قبل البائع هذا الشرط وقبل المشتري؛ فالمؤمنون عند شروطهم، فهذا شرط لكنه مجهول، وهذا محرم لأنه مجهول، والبيع بالخيار مشروع، لكن لابد أن يحدد أجلاً، فالقول الراجح: أن البيع صحيح لا شك في ذلك، لكن عليه إثم عدم تحديد المدة.
стр. 912
أحكام خيار العيب
قال المؤلف ﵀: [وإن وجد أحدهما بما اشترى عيباً لم يكن علمه؛ فله رده أو أخذ أرش العيب].
وأرش العيب هو الفرق.
مثال: اشتريت مسجلاً بخمسين جنيهاً، ولا خيار لي في الرد، فوجدت فيه عيباً بعد أن اشتريت، فعدت إلى البائع وقلت له: المسجل معيب، حتى لو لم يكن هناك خيار.
فقال البائع: لك أحد أمرين: الرد وتأخذ الثمن، أو تأخذ الفرق بين السليم والمعيب أو المضروب، وهو أرش العيب.
قال: [والعيب كالمرض أو ذهاب جارحة أو سن، وفي الرقيق: من فعله كالزنا والسرقة والإباق].
والآبق هو: غير المطيع لسيده، وهذا يعد عيباً.
روى الذهبي في الكبائر: أن رجلاً خرج بعبده إلى السوق يقول: من يشتري هذا العبد إلا أنه نمام، فقال أحمق: النميمة ليست بعيب، أنا آخذه، فأخذه على عيبه، فجاء العبد إلى زوجة سيده وقال لها: سيدي يريد أن يتزوج عليكِ، فإن أردت ألا يفعل فائتيني بشعرة من لحيته، وسأفعل له أمراً لا أجعله يتزوج، وجاء لسيده وقال: سيدتي تريد أن تقتلك وأنت نائم، وإن أردت أن تعرف صدقي من كذبي فلا تنم الليلة وتبين من صدق كلامي، فدخل سيده إلى فراشه وهو يتناوم، فجاءت الزوجة وانكبت عليه تريد أخذ شعرة من شعرات لحيته بموس، فنظر الرجل إليها، فوجدها تهوي عليه، فطعنها فقتلها، فاجتمعت قبيلتها عليه فقتلوه؛ فقامت الحرب بين القبيلتين بفعل هذا النمام.
قال: [وإن وجد أحدهما بما اشترى عيباً لم يكن علمه؛ فله رده أو أخذ أرش العيب، فمن اشترى معيباً لم يعلمه؛ فله الخيار]، طالما أنه معيب لم أعلمه، لي الخيار سواء اشترطت الخيار أو لم أشترط.
قال: [فله الخيار بين الرد وأخذ الثمن؛ لأنه بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم، ولم يسلم له؛ فثبت له الرجوع في الثمن: كما في المصراة]، والمصرَّاة: أن يحبس اللبن في ضرع البهيمة أياماً حتى تنتفخ، ويذهبون بها إلى السوق حتى تباع بمبلغ مرتفع، ففي هذه الحالة له أن يردها، وإن حلبها يردها ويعطي البائع صاعاً من تمر.
قال: [كما في المصراة، وبين الإمساك وأخذ الأرش؛ لأن الجزء الفائت بالعيب يقابله جزء من الثمن، فإذا لم يسلم له؛ كان له ما يقابله كما لو تلف في يده.
ومعنى الأرش: أن ينظر ما بين قيمته سليماً ومعيباً؛ فيأخذ قدره من الثمن، فإذا نقصه العيب عشر قيمته فأرشه عشر ثمنه؛ لأن ذلك هو المقابل للجزء الفائت.
مثاله: أن يكون قد اشترى منه سلعة بخمسة عشر، فيظهر فيها عيب، فتقوم صحيحة بعشرة ومعيبة بتسعة؛ فقد نقصها العيب عشر قيمتها، فيرجع المشتري على البائع بعشر الثمن دينار ونصف، وحكمة ذلك: أن المبيع مضمون على المشتري بالثمن، ففوات جزء من المبيع يسقط عنه ضمان ما قابله من الثمن أيضاً]، والمعنى: أن المشتري دفع الثمن مقابل الانتفاع بسلعة سليمة، والعيب يفوت عليه ذلك، فلا بد أن يعوض بقدر هذا العيب، هذا يسمى عند العلماء أرش العيب.
قال: [وما كسبه المبيع -يعني المشتري- أو حدث فيه نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له].
هب أنني اشتريت عبداً، وانتفعت به لمدة شهر، وبعد الشهر تبين لي أنه نمام، ولم يبين لي البائع هذا العيب، إذاً: إما أن أنتفع به وإما أن يحدث فيه نماء، كأن أشتري مثلاً شاة أنثى وهي حامل في شهرها الأول بألف جنيه، وبعد أن وضعت اكتشفت أنها جرباء، وكان قد دلس علي البائع وأوهمني أنها سليمة، فحدث نماء بوجود أم ابنها معها.
فما حكم هذا النماء في السلعة: هل هو من حق المشتري أم من حق البائع؟ قال: [وما كسبه المبيع أو حدث فيه نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له؛ لما روت عائشة: (أن رجلاً ابتاع -اشترى- غلاماً، فاستعمله ما شاء الله، ثم وجد به عيباً فرده، فقال: يا رسول الله! إنه استعمل غلامي، فقال رسول الله ﷺ : الخراج بالضمان)، رواه أبو داود]، والمعنى: أنك تضمن سلامة العبد من العيوب؛ لأنك لم توضح له العيب.
قال: [وعنه -يعني: رواية أخرى عن أحمد - ليس له رده دون نمائه؛ لأنه تبع له أشبه النماء المتصل كالسمن واللبن، والتعلم والحمل، والثمرة قبل الظهور؛ فإنه إذا أراد الرد رده بزيادته إجماعاً؛ لأنها لا تنفرد عن الأصل في الملك، فلم يجز رده دونها].
وهو الصحيح: أنه يرد مع النماء، وإذا أنفق عليها شيئاً يأخذ ما أنفقه.
стр. 913
حكم تلف السلعة المعيبة
قال المؤلف ﵀: [وإن تلفت السلعة، أو أعتق العبد، أو تعذر رده؛ فله أرش العيب، أما إذا أعتق العبد ثم ظهر على عيب قديم؛ فله الأرش بغير خلاف نعلمه، وإن تلف المبيع، أو تعذر الرد، وكذا إن باعه أو وهبه وهو غير عالم بعيبه نص عليه؛ لأن البائع لم يوفه ما أوجبه له العقد، فكان له الرجوع عليه كما لو أعتقه، وإن فعل ذلك مع علمه بالعيب فلا أرش له؛ لرضاه به معيباً، حيث تصرف فيه مع علمه بعيبه؛ ذكره القاضي].
стр. 914
النهي عن تصرية الإبل
قال المؤلف ﵀: [وقال النبي ﷺ : (لا تصروا الإبل) الحديث.
التصرية في اللغة: الجمع]، يعني: لا تصروا الإبل، وهذا نهي عن المصراة؛ ولذلك قال: (من غشنا فليس منا،) متفق عليه.
قال: [فمن اشترى مصراة وهو لا يعلم فهو بالخيار، إما أن يقبلها، وبين أن يردها وصاعاً من تمر] فهذا حكم فقهي مهم.
مثال ذلك: اشتريت مصرَّاة دون أن أعلم العيب، وبعد أن اشتريت تبين لي العيب، فما حكم هذا البيع؟
الجواب
أنا بالخيار: إما أن أردها إلى صاحبها مع صاع من تمر، وليس صاعاً من أرز، وقياس الأحناف على أن زكاة الفطر تجوز نقداً، وهذا قياس فاسد، قاسوه على المصرَّاة، أنه يرد المصرَّاة ومعها صاع من تمر؛ مقابل اللبن الذي أخذه منها عندما كانت السلعة عنده.
قال: [وهو قول جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن اشتراها فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر)؛ ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن باختلافه؛ فوجب منه الرد، كما لو كانت شمطاء فسود شعرها].
مثال ذلك ذهب رجل ليتزوج امرأة شمطاء -أي: لون شعرها أبيض- ولها من العمر ستون سنة، فصبغ شعرها بالسواد فذهب إلى البيت ليكشف عنها، فوجد أنها عجوز، ليست هي التي رأى، وهذا معنى قوله: شمطاء فسود شعرها، يعني: غير في ملامحها.
كذلك إذا كان عندها عيب في العين كأن تكون بلا عين، فصنعوا لها عيناً صناعية، فلما كشف العريس عنها في البيت وجد أنها بلا عين، فهنا له حق في الرد.
هذه أمور مهمة.
صحيح أن الرسول ﷺ قال: (تجنبوا السواد)، لكن نحن هنا نبين الأمر المشروع في البيع والشراء، فلو كان معي أمة أريد بيعها، وقد صبغت شعرها باللون الأصفر؛ فهنا لا بد أن أقول للمشتري: ليس هذا اللون لون شعرها الحقيقي، حتى لا يتفاجأ عندما يراها في البيت على حقيقته.
قال ﷺ : (فإن بينا بورك لهما في بيعهما)، وهذا هو الأصل: لا بد من التبيين عند التعامل، والله تعالى أعلم.
قال: [فإذا ردها رد بدل اللبن صاعاً من تمر كما جاء في الحديث، وفي لفظ: (ردها ورد صاعاً من تمر لا سمراء) يعني: لا يرد قمحاً] أي: لا بد أن يكون الصاع من تمر.
قال: [فإن علم بتصريتها قبل حلبها ردها ولا شيء معها].
يعني: قبل أن يحلب علم أنها مصراة ردها دون شيء فلا يستعيض بصاع التمر إلا إذا حلبها مقابل الانتفاع بالمصراة هذه المدة.
قال: [ولذلك قال ﷺ : (من اشترى غنماً مصرَّاة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر)، رواه البخاري، وهذا لم يأخذ بها لبناً؛ فلا يلزمه رد شيء.
قال ابن عبد البر: هذا ما لا اختلاف فيه].
قال المؤلف ﵀: [وكذلك كل مدلس لا يعلم بتدليسه له رده، كجارية حمر وجهها، أو سود شعرها، أو جعده، أو رحى ضم الماء وأرسله عليها عند عرضها على المشتري؛ لأنه تدليس بما يختلف به الثمن، فأثبت الخيار في الرد كالتصرية].
مثال ذلك: كأن تكون هناك سيارة منتهية أدخلها الفرن ولمَّعها، ومن الداخل مشوهة، فهذا فيه تدليس أم لا؟ فلا بد أن أبين العيب للمشتري.
قال: [وكذلك لو وصف المبيع بصفة يزيد بها في ثمنه، فلم يجدها فيه كصناعة في العبد أو كتابة، أو أن الدابة هملاجة -سريعة- أو الفهد صيود أو معلم، أو أن الطير مصوت ونحو هذا؛ فله الرد لذلك].
يعني: اشتريت منك عبداً على أنه يجيد الكتابة، وذهبت فوجدته أمياً لا يعرف الكتابة ولا القراءة، هذا عيب أم لا؟ أو اشتريت سيارة على أنها (٣) سلندر أو (٥) سلندر، واتفقت مع البائع على ذلك، فذهبت فوجدتها (٨) سلندر، فهل لي حق الرد أم لا؟
الجواب
نعم.
طالما أنه لم يظهر لي عيب السلعة.
قال المؤلف ﵀: [ولو أخبره بثمن المبيع فزاد عليه؛ رجع عليه بالزيادة، وحظها من الربح إن كان مرابحة، يثبت الخيار في بيع المرابحة].
إن المرابحة والمضاربة والمشاركة أنظمة إسلامية معمول بها في الفقه الإسلامي؛ ولذلك بنك فيصل الإسلامي بنى تعاملاته على المرابحة والمشاركة والمضاربة.
نكتفي بهذا القدر، والله تعالى نسأل أن يتقبل منا ومنكم، وجزاكم الله خيراً!
стр. 915
العدة شرح العمدة [٦٠]
من مسائل الخيار أن المتبايعين قد يختلفان، والاختلاف بينهما قد يكون في الثمن، وقد يكون في الصفة، وقد يكون في الشرط أو غير ذلك.
وفي الأحوال التي يقع فيها غرر أو تدليس أو كذب من البائع فللمشتري الرجوع عن البيع إن شاء.
следующие страницы →