← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

أبناؤنا والإجازة الصيفية الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، نحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونتوب إليه، إنه كان للتائبين الأوابين غفوراً، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً نصيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن بشيراً ونذيرا؛ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وأنيبوا إلى ربكم، وأسلموا له من قبل أن يأتيكم يوم تودعون فيه لحوداً وقبوراً، يقول ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ). معاشر المؤمنين: بعد أيام قليلة يستقبل أبناؤنا وشبابنا إجازة طويلة، بعد أشهر مضت في الدراسة والتعليم، ولا يخفاكم أيها الإخوة! أن الإجازة الدراسية في آخر العام تعني فراغاً كثيراً في أوقات الشباب، وهذا ما يدعو إلى أن نطرح أمامهم سؤالاً مهماً وهو أين وفيم يقضون أوقات الفراغ في هذه الإجازة الطويلة؟

стр. 1017

الفراغ نعمة ونقمة قبل أن نخوض في توجيه الشباب إلى الترتيب والإعداد لبرامج الاستفادة من الأوقات نود أن نبين لهم أن الفراغ نعمة ونقمة، فهو نعمة لمن أحسن استغلاله واستثمر أيامه، ونقمة لمن جعله موسماً لمزيدٍ من البطالة والكسل، يقول عبد الله بن الزبير ﵁: [أشر شيء في العالم البطالة] معاشر المؤمنين: أيها الشباب! تذكروا أن آباءكم وأجدادكم كانوا لا يعرفون شيئاً اسمه الفراغ؛ لأنهم في شغل شاغل، في تأمين لقمة العيش وسد حاجات الحياة الأساسية، كان الواحد منهم من صغره وهو في حاجة أهله وعون والديه على النفقة على إخوانه وأخواته، وسواءً تغرب وسافر من أجل ذلك، أو عمل أجيراً ببدنه؛ لأجل ذلك في بلاده، ولم تكن مرافق الحياة وخدماتها متوفرة لهم، كما توفرت بين أيدينا في وقتنا الحاضر، إذ أننا اليوم نرى الشاب يملك من الوقت الكثير الكثير؛ خاصة أوقات الإجازة الدراسية الطويلة؛ وذلك لأن جميع مرافق الحياة ومستلزماتها وأسباب الراحة والرفاهية قد هيئت له وتوفرت بين يديه، فلا عليه إلا أن يشتغل بما هو أهم وأولى، ولكن كثيراً من الشباب لم يعرفوا قيمة نعمة الفراغ، وبالتالي لم يستثمروا الأوقات كما ينبغي، وقاد ذلك الكثير منهم إلى الوقوع في العادات السيئة الضارة المخلة بالدين والشرف، وتورط بعضهم في جرائم لم يكن يتوقع أو يظن أن يقربوها أو يقتربوها بدون ذلك الفراغ القاتل: إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أي مفسده عباد الله: اعلموا إن النفس البشرية لا بد لها من شغلٍ وعمل؛ فإن لم نشغل هذه النفس ونستعملها وما معها من الجوارح في طاعة الله، فستشغلنا بغير ذلك، أي: بمعصية الله ومن هنا ننصح أنفسنا وإخواننا بترتيب الأوقات والاستفادة منها غاية الاستفادة، إذ أن الأوقات هي حياتنا ومراحل أعمارنا تطوى بليلها ونهارها؛ ولأن ما مضى منها لا يعود أبداً، وقد جاء في بعض الآثار: [ما من يومٍ تطلع فيه الشمس على ابن آدم إلا وينادي فيه مناد: يا ابن آدم! أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود أبداً] ولو عمل الإنسان الواجبات واعتنى بالمندوبات والسنن المؤكدة، واعتنى بوقتها عناية دقيقة؛ فلن يجد متسعاً لشيءٍ يسمى الفراغ أو البطالة.

стр. 1018

حث الإسلام على اغتنام الأوقات عباد الله: إن اغتنام أوقات الفراغ بأيامها ولياليها أمرٌ قد حث عليه النبي ﷺ في قوله: (اغتنم خمساً قبل خمس، وذكر منها فراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك) فما من أمرٍ فيه خير وصلاحٌ للإنسان في دينه ودنياه إلا وينبغي له أن يبادر الوقت في تحقيقه قبل أن يحل به ما يشغله عنه، يقول ﷺ : (بادروا بالأعمال، هل تنتظرون إلا فقراً ملهياً، أو غنىً مطغياً، أو الدجال فشر غائبٍ ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر).

стр. 1019

مجالات متعددة للاستفادة من الأوقات أيها الشباب: هناك مجالاتٌ متعددة للاستفادة من الأوقات والاستمتاع بها غاية المتعة، ومفتاح ذلك والسبيل إليه الجلساء الصالحون والصحبة الصالحة المعينة على استغلال الوقت واستثماره فيما يعود على الشاب بالنفع والفائدة، فإذا حصل الشاب مفتاحاً معيناً له على الاستفادة من وقته؛ فأمامه عند ذلك سبلاً شتى لاستغلال أوقات الفراغ إن وجدت.

стр. 1020

المراكز الصيفية ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر المراكز الصيفية التي تعنى بها الجهات التعليمية في هذه البلاد المباركة عناية شديدة؛ حيث يتوفر للشاب فيها ألوان مختلفة من الأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية يستطيع من خلالها أن يكتشف وينمي مواهب ومهارات موجودة في نفسه لم يكن يعرفها قبل ذلك، وعلى قدر مشاركة الشباب وتفاعلهم في هذه الأنشطة، فإن الواحد منهم يعود على نفسه بخبرات فريدة وتجارب مفيدة تنفعه في مستقبل عمره، ولو لم ينل الشاب من هذه المراكز إلا أن يحفظ نفسه عن مجالسة الأشرار، ومخالطة السيئين لكفى بذلك نفعاً ومغنماً.

стр. 1021

الدروس العلمية لدى العلماء والمشايخ ومن السبل النافعة التي يقضي فيها الشباب أوقاتهم، بل من أجل السبل النافعة التي يقضي فيها الشباب أوقاتهم، الدروس العلمية لدى العلماء والمشايخ الأجلاء والتي تنعم مدينة الرياض بمزيدٍ وافر منها في شتى المساجد المتفرقة في هذه العاصمة، وماذا على الشباب لو رتب الواحد منهم وقته وأعد لنفسه برنامجاً أو جدولاً يحضر فيه عدداً من الدروس المختلفة في العقيدة، أو الفقه، أو الحديث، أو الفرائض، واللغة والأدب؛ ليرتقي بنفسه إلى مراتب العلم والعلماء.

стр. 1022

حفظ كتاب الله ومن أجل السبل النافعة التي ننصح أنفسنا وإخواننا الشباب بها: استغلال الإجازة في حفظ كتاب الله جل وعلا، وليس ببعيدٍ على شاب مجتهد عرف كتاب الله وما فيه تلاوته وتدبره من الأجر والثواب؛ ليس ببعيدٍ عليه أن يعكف على كتاب الله ليحفظه كاملاً في مدة هذه الإجازة الطويلة، وليس هذا الأمر صعباً أو معجزة بالنسبة لمن فرغ القلب والنفس من الهموم والمشاغل ووحد العزيمة في حفظ كتاب الله، وإني لأهنئ شباباً صغاراً قد بادروا أوقاتهم في إجازات مضت وعزموا بالجد والاجتهاد، فحفظوا كتاب الله في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر أو أربعة، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].

стр. 1023

القراءة والمطالعة ومن السبل النافعة التي يقضي بها الشباب أوقاتهم القراءة والمطالعة في المكتبات العامة والمنتشرة في كثير من المساجد بحمد الله؛ فإن في ذلك من الفوائد الكثيرة ما يضيق المقام بحصره، ولو لم يكن فيها إلا جلوس الإنسان في بيتٍ من بيوت الله قريباً من ذكره وعبادته بعيداً عن الشيطان ووساوسه لكان ذلك وحده كافياً. ومن الشباب من أولعوا بشيءٍ من الهوايات النافعة تعم بالخير كالرماية والسباحة، وهي التي حث الفاروق بن الخطاب ﵁ عليها بقوله: [علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل] فهذه من محاسن الهوايات وأفضلها؛ لما يتعود عليه طالبها من الرجولة والكرامة والإباء، ولا بأس أن يقضي الشاب في ممارستها شيئاً من وقته بشرط ألا تشغله عن ذكر الله جل وعلا. وإن مما ننصح به الشباب الصالحين المستقيمين أن يجعلوا هذه الإجازة فرصةً لمزيد بذل في الدعوة إلى الله، وطلب العلم وتعليم من يجهل احتساباً لذلك عن عند الله ؛ لأن هذه من أمور العبادة، والإنسان معلوم أنه يبذل فيها أفضل أوقاته ويبذل فيها أهم أوقاته، لكنه يزيد من جهده ويضاعف من نشاطه في طلب العلم والدعوة إلى الله في مثل هذه الإجازة. ومن الشباب من أولع ببعض الهوايات العلمية التقنية؛ كشيءٍ من الاختراعات أو تطوير بعض الأجهزة، وذلك حسن جداً؛ لما يعود عليه وعلى أمته مستقبلاً بالنفع العظيم. إن كثيراً من الناس حينما تسأله عن انقطاعه وفقده، يقول: كنت منشغلاً بالدراسة والامتحانات، أما الآن فأمامك إجازة طويلة تستطيع أن تقضي فيها أوقاتاً مباركة في صلة أرحامك وبر والديك، وفي زيارة إخوانك في الله، وفي جملة من الأعمال المهنية والعلمية والوظيفية، وإن هذه البلاد بحمد الله قد فتحت معاهد للتدريب الفني والمهني لمن أراد أن يكسب صنعة أو أن يكسب خبرة في أي مجال من المجالات، فاستغلوا الأوقات وبادروها قبل أن تفوت عليكم ولم تستفيدوا منها. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1024

ظاهرة السفر إلى الخارج الحمد لله الواحد بلا شريك، والعليم بلا ظهير، والعزيز بلا نصير، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو الذي أنشأنا من العدم وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل خير سألناه أعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن وجوهكم وجسومكم على وهج النار لا تقوى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار. معاشر المؤمنين: هناك ظاهرة سيئة وقع بعض الشباب -هداهم الله- فيها، ومن المؤسف أن جملة ممن وقعوا فيها لا يزالون صغاراً، ألا وهي سفر بعضهم أو اصطحاب بعضهم بعضاً إلى السفر إلى الخارج، إذ أن الإنسان لا يقف أمامه ما يردعه، فجواز السفر ميسرٌ بالنسبة له، وبعد ذلك قد يذهب بدون إذن والده أو عاصياً امتناع والده عن سفره، ومن ثم يذهب إلى تلك الدول الغربية الكافرة، التي تعرض فيها المنكرات والفواحش في الأسواق عرضاً، ثم بعد ذلك لا يملك أمام شيطانه وضعف نفسه الأمارة بالسوء، لا يملك أمام ذلك إلا أن ينساق وراء هذه الشهوات والمغريات، فيعود عياذاً بالله! شارباً للخمر، أو زانياً، أو واقعاً في كثير من الممارسات الجنسية الشاذة، وإن بعض الشباب قد وقعوا في ذلك -هداهم الله- ومنهم من أخبرني أنه سافر مع صديق له لا يزالون صغاراً، لكن الشيطان أغوى بعضهم أو أغواهم، ومن ثم وقعوا في جريمة كبيرة، وبعد ذلك عاد تائباً يقول: إن الله يقبل التوبة، ولكن ما الذي حدا بك للسفر إلى بلاد لا حاجة لك فيها، لا تطلب فيها علماً معدوماً في بلاد المسلمين، وليس لك فيها تجارةٌ لابد من حضورك فيها، وليس لك من أمرها قليلٌ أو كثير. إننا بحمد الله يوم أن ننصح الشباب ألا يتوجهوا في السفر إلى الخارج، وأن يقضوا إجازاتهم في مصايف بلادهم، وفي أرضهم، وفي ربوع مملكتهم ننصحهم بهذا؛ لأننا نعلم ولله الحمد أنهم في هذه البلاد على ارتباط وثيقٍ بعبادة الله، فهم يسمعون المآذن تعج بالتكبير في كل يوم خمس مرات، أينما ذهبوا في أي جهةٍ من جهات هذه المملكة شمالاً وجنوباً وغرباً وشرقاً، وذلك مما يشدهم ويصدهم عن الوقوع في الفواحش، ومن العصمة ألا يقدروا إذ أننا ولله الحمد والمنة لا نرى مظاهر الفساد، أو الزنا، أو الخمور، علنيةً ظاهرة؛ فذلك من فضل الله، والكثير يعجز عن نوالها والحصول عليها، ومن العصمة ألا يقدر الإنسان. أيها الإخوة: إننا ننصحكم أن تنتبهوا لأوقاتكم، وألا تفكروا في السفر إلى بلاد لا حاجةً لكم فيها، وإني لأنصح الآباء أن ينتبهوا لأبنائهم، وأن يتأكدوا تمام التأكد من أحوالهم، وأن يكونوا على صلةٍ وثيقة تحصل الهيمنة والسيطرة من الأب على ولده، لا أن يخرج الشاب ثم يسافر إلى أي جهة شاء، وبعد ذلك يعود فاجراً، أو زانياً، أو سكيراً، أو مجرماً من المجرمين، فإذا عاد الواحد منهم، وقد تكون أول مرة يقع فيها في الفواحش يعود الشيطان إليه يقول: ماذا بعدما زنيت، اترك الصلاة، زنيت دع عنك هذا الأمر، شربت الخمر دع عنك هذه الصحبة، ثم بعد ذلك يهون عليه ارتكاب الجرائم والفواحش والمعاصي مذكراً له بفاحشة كبيرة تهون عليه ارتكاب ما دونها، وإني لأنصح الشباب أن يهتموا بهذا الأمر اهتماماً عظيماً، وألا ينساقوا وراء المغريات التي تنتشر في كثير من المجلات، عبر الدعوة إلى شركات السياحة والمتعة في بلدان الخارج، إذ أن حقيقتها سم زعاف وتدمير للأخلاق، وإفساد للهمم والكرامات، فيما يسمونه بالرحلات السياحية التي تنظمها شركة من الشركات، فتدور على جملة من بلدان العالم، من هو الذي يحفظهم في هذا السفر؟ من هو الذي يوجههم؟ هل معهم من أهل العلم من ينتبه لهم؟ هل معهم من المربين والأساتذة المثقفين من ينتبه لأحوالهم؟ رحلات سياحية في أي جهة كانت، هدفها الأول ابتزاز الأموال ومحصلة آخرها فساد للشباب في أخلاقهم وفي أنفسهم، وصرف لهم عن طاعة رب العالمين. وإن من المداخل الخبيثة السيئة على كثير من الشباب ما يسمونه بفكرة دراسة اللغة الإنجليزية، فترى الواحد منهم يسافر وحيداً أو يدفعه والده إلى السفر بحجة تعلم اللغة الإنجليزية وبعد ذلك يقول: إذا سافرت إلى هناك لا بد لك أن تسكن مع أسرة تخالطها وتحادثها، وتتكلم معها؛ لأن ذلك يعينك على الاستفادة من اللغة وتحصيل المخاطبة بها، وقد نسي ذلك الشاب أو نسي والده أنه يقع في فخٍ وكمينٍ قد أعد له من زمن طويل، أو أعد لفلذة كبده، فالتفتوا لهذا يا عباد الله! وإن سبل تحصيل هذه اللغة متيسر في هذه البلاد ولله الحمد والمنة لمن كان محتاجاً لها.

стр. 1025

عاقبة الفراغ وحفظ الشباب لأوقاتهم الله الله يا شباب المسلمين! إياكم والبطالة، ودعوا عنكم الكسل، واجتهدوا في حفظ أوقاتكم، إن الإنسان أن يفتح متجراً أو مكاناً بسيطاً يتاجر فيه وإن لم يشتغل بذكر الله والدعوة إلى الله وطلب العلم والتعليم خير له من أن يبقى عاطلاً لا عمل له، يقول عمر بن الخطاب ﵁: [إني لأرى الرجل فيعجبني، فأسأل هل له من عمل؟ فيقول: لا. فإذا قال: لا. سقط من عيني] لأن البطالة أساس الفساد. إن الذين وقعوا في المخدرات وتناولوها، وساروا في بيعها وترويجها، إن الذين ضعفت نفوسهم في تدبير الرشاوى، إن الذين دخلوا بالفساد على أنفسهم وأهلهم، إن الذين وقعوا في كثير من الانحرافات الخلقية وبثوا سمومهم إلى ما حولهم من أبناء مجتمعهم، كان السبب الأول في هذا هو الفراغ. إن الفراغ هو الذي يولد المصائب وهو الذي يولد الجرائم، وهو الذي يولد المشكلات. إذاً فينبغي لنا أن نهتم بأوقاتنا، وأن نشغل أنفسنا بطاعة الله أو بالمباحات التي تعيننا على طاعة الله، قبل أن تشغلنا النفوس بالمعاصي: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمرٌ ثاني إذا اشتغل الإنسان ونفع في بلده وأسرته وفي وطنه وأمته استطاع بذلك أن يحقق لنفسه عقباً صالحاً من جميع المسلمين الذين يذكرون أفعاله بالخير ويدعون له على ما فعل، أما الذين يعيشون الليل والنهار كالبهائم لا يذكرون الله، ولا يعرفون عبادة، ولا صلاة مع الجماعة، ولا يعرفون ذكر الله طرفة عين، وقد وقعوا في حضيض الفساد وهاوية الدمار، إنهم بذلك يجرون الفساد لأنفسهم ولمجتمعاتهم، فإذا ماتوا بعد ذلك قيل عنهم: حجرة زالت عن طريق المسلمين، فينبغي للإنسان أن يجعل لنفسه في هذه الحياة لبنة تعرف له في حياته ويذكر بها بعد موته، يدعو له من رأى ثمرة عمله ونتيجة جهده يقولون: جزى الله فلاناً بن فلان خير الجزاء، فلقد فعل وفعل، مما عاد بالنفع عليه وعلى أسرته وإخوانه المسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بلادنا بسوء وأراد ولاة أمورنا بفتنة وعلمائنا بمكيدة؛ اللهم فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم اختم بالشهادة آجالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، اللهم لا تدع لأحدنا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، اللهم اعصمنا عما يسخطك وجنبنا ما يغضبك، ووفقنا إلى ما يرضيك. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثاً مريئاً مريعاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم لا تعذبنا بذنوبنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا وتب علينا. اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم قرب له من علمت فيه خيراً له، وابعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم اجمع شمله بإخوانه ومن أحببته وأحبه، اللهم لا تفرح عليهم عدواً ولا تشمت بهم حاسداً برحمتك يا رب العالمين! اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم أصلح شباب المسلمين ونساءهم وزوجاتهم وبناتهم يا رب العالمين، اللهم أرنا في شبابنا ما يرضيك ويسرنا يا رب العالمين، اللهم اجعلهم خير الشباب لأمتهم، اللهم انفعهم بأمتهم، اللهم انفع أمتهم بهم، اللهم لا تجعلهم حطباً لجهنم، اللهم لا تجعلهم ممن ينفع أعداء أمتهم، اللهم وفقهم لما فيه صلاح نياتهم وذرياتهم وقلوبهم يا رب العالمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، إن الله يعلم ما تصنعون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تفعلون.

стр. 1026

الخسوف الخسوف والكسوف من آيات الله الكونية التي يجريها لحكم عديدة، منها: التخويف للعباد، وقد أمرنا النبي ﷺ بالدعاء والصلاة، لكن الواقع المشاهد للمسلمين يُرثى له، من عدم الاتعاظ والاعتبار بآيات الله والانغماس في المعاصي والذنوب، في ظلال هذا الموضوع كانت خطبة الشيخ.

стр. 1027

حكمة الله في الخسوف والكسوف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]. معاشر المسلمين! أجرى الله آياته الكونية، كالنجوم والشمس والقمر وسائر الكواكب وغيرها، وسائر مخلوقاته جل وعلا أجراها على نظام معينٍ تسير عليه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٨ - ٤٠]. فإذا أخلف الله هذا النظام، وغير تلك القوانين، أو قلب تلك السنن التي تسير عليها مجموع الكائنات والآيات الكونية وغيرها، فإن ذلك تنبيه للعباد على أمور عديدة.

стр. 1028

إثبات وجود الله وقدرته أولها: أن الله الذي أوجد هذه الآيات الكونية، أن الله الذي خلق الشمس والقمر، أن الله الذي خلق الجبال والبحار، أن الله الذي خلق جميع الآيات والكائنات، الذي أنشأها من العدم وصرفها كما يرى العباد، وصرفها بقدرته ومشيئته، كما يرى العباد رؤية الأبصار لا رؤية المشيئة، يوم أن صرفها وأنشأها فهو قادرٌ على تغييرها وهو قادرٌ على إخلاف مساراتها وقلب نظمها وقوانينها، فذلك دليلٌ ولفتةٌ وانتباهٌ للعباد أجمعين. إن العباد يوم أن يصبحوا ويرون الشمس مشرقةً من المشرق، ويوم أن يمسوا ويرون الشمس تغرب من المغرب، فإذا جاء الليل رأوا القمر في كبد السماء أو في أحد أطرافها، إذا استمروا على ذلك ولم يروا تغيراً أو تنوعاً أو تقلباً، فإن الكثير من الغافلين يظنون أن هذا أمرٌ لا بد ولا محالة كائن، سواء بتدبيرٍ أو بغير تدبير، وهنا يُظهر الله جل وعلا آياته فيخلف آيةً من هذه الآيات، فقد تحتجب الشمس وقد ينخسف القمر وبعد ذلك يقف العباد وقفة دهشة!! كيف تغير هذا النظام؟ وما الذي غير مسار هذا الكوكب؟ إن الذي خلق ذلك وأبدعه وأوجده من العدم، قادرٌ على تغييره، وقادرٌ على قلب مساره، وقادرٌ على إفنائه كما أوجده، إنها لآية عظيمة من آيات الله جل وعلا، ولكن أكثر الناس عن آيات الله معرضون، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. عباد الله! خسف القمر على وقت النبي ﷺ ، فكانت الناس تقول: إنما تنكسف الشمس أو ينخسف القمر لموت عظيم أو حياة عظيم، فقال ﷺ : (إن الشمس لا تنكسف، وإن القمر لا ينخسف لموت عظيمٍ أو حياته، وإنما هما آيتان من آيات الله، يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فادعوا وصلوا حتى ينجلي أو ينكشف ما بكم). إذاً فهي آية من آيات الله التي خلقها وهي آية من الآيات التي كونها ودبرها وقرر مسارها ونظامها، ويوم أن يعلم البشر بحدوث خسوف أو كسوف، فإن ذلك لا يضر أو ينقص من قدر آيات الله شيئاً؛ لأن البشر مخبرون عما سيقع، وليسوا قادرين على أن يُوقعوا شيئاً لم يقدره الله؛ لأن البشر يخبرون عما سيقع بما آتاهم الله جل وعلا من وسائل الأسماع والأبصار والأفئدة والعقول والقلوب، لأن البشر يخبرون بما سيقع بما سخر الله لهم من علوم الفلك وعلوم الطبيعة والحسابات وغير ذلك. أما ولو كانوا صماً، وعمياً، وبلهاً؛ فلن يقدروا أن يخبروا عن إمكان حدوث خسوف أو كسوف قد يقع أو لا يقع. إذاً فإن علم البشر بحدوث آية من آيات الله لا ينقص من قدرها، ولا يهوّن من شأنها، ولا يقلل من أمرها، فالتفتوا إلى آيات الله جل وعلا ولا تكونوا عن آيات الله غافلين.

стр. 1029

تخويف العباد معاشر العباد! ثم إن في ذلك ومع إثبات وجود الله وخلقه وتدبيره في ذلك تخويف للعباد، في ذلك بيانٌ قريب أن الله لو شاء لجعل خطأ هذه الآية أعظم مما هي عليه، ولا يستطيع العباد أمام هذه الآية فعلاً أو تدبيراً أو شيئاً، إن الذي جعل القمر ينخسف، أو جعل الشمس تنكسف، لقادرٌ على أن يجعل القمر غائباً عن الناس آماداً طويلة، ولقادرٌ على أن يجعل الشمس غائبةً عن العباد مدداً ودهوراً بعيدة. فالذي أمر الشمس بالكسوف والقمر بالخسوف فهو قادرٌ أن يأمر غيرها من الآيات والكائنات المسخرة بأمره؛ بتغيير ما تكون عليه من حالٍ إلى حال، ولذلك يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص:٧١ - ٧٢]. فالله جل وعلا حينما يحدث آية من آياته ينبه العباد على أمرٍ عظيم، والتنبيه بالقليل فيه قدرةٌ على الكثير، وفيه بيانٌ بالكثير، إذ إن الله جل وعلا يوم أن خسف بالقمر، أو كسف بالشمس قادرٌ أن يجعل هذا القمر غائباً، وقادرٌ على أن يجعل هذه الشمس غائبةً آبادً ومدداً طويلة، وبعد ذلك من يأتينا بليلٍ نسكن فيه، أرأيتم لو أن الشهور والأعوام انقلبت علينا نهاراً جهاراً من يأتينا بليلٍ نسكن فيه؟!. أرأيتم لو أن الله جعل الدهور والأعوام ليالي مظلمة، من يأتينا بضياء نستضيء به، وما الذي يجعل قدرات البشر الضعيفة، وقدراتهم المحدودة من الكهرباء وغيرها تستطيع أن تؤثر أو تغني ولو أدنى غنى في آية من آيات الله جل وعلا، والله قد نبه على ذلك صراحةً، ونبه على غيره من الآيات في مواقع عدة، يقول جل وعلا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] هذا الماء الذي جعل الله كل حيٍ منه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]. هذا الماء الذي منه الحياة بقدرة الله وإرادته لو شاء الله جعله غائراً فلم نستطع له طلباً، والله جل وعلا يوم أن سخر هذا الماء وقربه إلينا لتناله وسائلنا المحدودة، وقدراتنا الضعيفة إنما ذلك آية من آيات الله، ولكن أكثر الناس عن آيات الله معرضون.

стр. 1030

النظر إلى آيات الله ونعمه معاشر المؤمنين! انتبهوا إلى آيات الله جل وعلا، وتدبروها أعظم التدبر واعلموا أن أي تغير فيها إنما هو تخويف للعباد من الله، وإن العباد لا بد ولاشك قد أحدثوا أمراً ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ويوم أن ننظر إلى آيات الله بعين الشمول، والعموم نُدرك أن هذه الآية تذكرنا وتنبهنا إلى عدد من الآيات والنعم التي لا نستطيع لها عدداً ولا إحصاءً ولا حساباً، يقول الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٥٩] ما الذي جعل هذا النسل البشري يتكاثر ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨] من نطفةٍ قذرة تكون في أصلاب الرجال إلى أرحام النساء في ظلمات الأرحام، وبعد ذلك يخلقها الله جل وعلا بأمره لملائكته من نطفةٍ إلى علقةٍ إلى مضغةٍ، وبعد ذلك يؤمر الملك فينفخ فيها الروح وتُكتب الآجال والأرزاق والسعادة والشقاء والأعمال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٥٩] إنها لمن آيات الله جل وعلا التي تبين للناس أنه وحده سبحانه القادر على الإنشاء من العدم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة:٦٥]. إن العباد بأسبابهم الضعيفة لا يملكون إلا أن يشقوا الأرض، لا يملكون إلا أن يحرثوها ويضعوا البذور التي خلقها الله لهم بينها، ثم يفعلون الأسباب التي أمروا بها، وبعد ذلك يتكلون على الله جل وعلا، يتكلون عليه وحده لا شريك له ومن ثم يخرج لهم هذه الثمار اليانعة، تُسقى بماء واحد ويُفضل بعضها على بعضٍ في الأكل، تُسقى بماءٍ واحد وترون ألوانها وأنواعها مختلفةٍ ومتعددة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٦٨ - ٧٤] كلها آيات من الله جل وعلا، ولكن أين المتأثر وأين المعتبر؟ أين الذي يتأثر لرؤية الكسوف والخسوف؟

стр. 1031

غفلة الناس عن آيات الله إن الناس ليعلمون بحدوثه ومع ذلك لا يهتمون ولا يلتفتون، وإن الناس ليرون وقوعه ومع ذلك تجد أكثرهم غافلين، فأين التأثر؟ وأين الخوف والوجل؟. كان ﷺ إذا رأى آية من آيات الله تغير لونه واصفر وجهه، وكان يقول: (اللهم سلم سلم) فأين العباد الذين يتجهون إلى بيوت ربهم ليصلوا وليدعوا حتى ينجلي ما بهم؟ إن الناس لفي غفلةٍ عظيمة، وأعظم دليلٍ على ذلك أنكم ترون الكسوف والخسوف ومع ذلك تجد أكثرهم أمام الشاشات، والملهيات، والطرب، والأغاني، والموسيقى، واللهو والمزاح، والضحك لا يلتفتون إلى آية من آيات الله جل وعلا فأي غفلةٍ بعد هذه، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة:٢٢]. هذه آية من آيات الله لو حدثت فهي تذكير، والآيات غيرها كثيرة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢] ويقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف:٥٧] لم يدر أن هذه الآية جاءت تخويفاً له فيما أحدثه من نظرات وخطراتٍ وربا وخروجٍ وتكشفٍ وسفورٍ وتبرجٍ وسبابٍ وشتيمةٍ وغيبةٍ في المجالس ونميمة، وغير ذلك من الفواحش والمعاصي، وغير ذلك من الآثام والذنوب ومع ذلك هم معرضون: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٥٧] لن يهتدوا إذاً أبداً، أولئك الغافلون عن آيات الله متى يلتفتون إلى العبادة؟ متى يدعون ويتضرعون؟ إذا حصلت الآية ولم يتضرعوا ولم يخشوا ولم يهابوا، إذا لم يهابوا في أوقات الشدة فمتى يلجئون إلى الله؟! أفي أوقات الغفلة والمرح والسرور، إن الذي غفل في أوقات الشدائد لغافلٌ في غيرها من الأوقات. أسأل الله جل وعلا أن يمنّ علينا وعليكم بالذكرى والموعظة والعبرة، ألا وإن حدوث الغفلة هذه لآية عظيمة على ضعف الإيمان في القلوب ولكن نسأل الله جل وعلا أن يوقظنا من نومة الغافلين، ونسأله تعالى أن يمنّ علينا بتوبة إنه هو أرحم الراحمين.

стр. 1032

حدوث الآيات الكونية دلالة على وقوع المعاصي معاشر العباد! يوم أن ترون آية من آيات الله قلبوا النظر في أموركم وأحوالكم، من منكم لا يصلي، من منكم لا يحضر الصلاة مع الجماعة، من منكم من يتهاون بصلاة الفجر وهو مصرٌ على تركها مع الجماعة، من منكم يتعامل بالربا، من الذي يقع في الغيبة والنميمة، من الذي يفعل من الأمور ما لا يرضاه الله جل وعلا، إن ذلك لتنبيه لطيف إن ذلك لبيان وتعريف للعباد، أن الله جل وعلا يخوفهم بآيةٍ يسيرة تستمر ساعات معلومة، حتى يلتفتوا، ولو شاء الله جل وعلا لأنزل عليهم العذاب جملةً واحدة، هل الله بحاجة إلينا؟ حاشا وكلا، إن الله لم يخلقنا ليستكثر بنا من قلة، أو ليستعز بنا من ضعف، أو ليستظهر بنا من قلة علم، ولكن خلقنا لعبادته، فأين نحن والعبادة في هذا الزمان، إن الله جل وعلا قادرٌ أن ينزل الآية الشديدة الكونية مرةً واحدة؛ لأن الله يوم أن عصت الأمم السالفة أنزل عليها العذاب، يقول جل وعلا: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٣٨ - ٣٩]. ماذا فعل الله به؟ ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات:٤٠] ويقول جل وعلا في شأن عاد: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ﴾ [الذاريات:٤١ - ٤٥]. لو أراد الله أن يُحدث آية من آياته جل وعلا بنا، وهو أرحم بنا من أن يعذبنا، وهو أرحم بنا من أمهاتنا وآبائنا أيرده من ذلك شيء؟! لأننا مهما عبدناه لا يزيد ذلك في ملكه، وإنما نحن بحاجةٍ إلى عبادته، ولو عصيناه ما ضره ذلك شيء، يقول جل وعلا في الحديث القدسي الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيدٍ واحد، فسألوني وأعطيت كل سائلٍ مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ منكم، ما زادني ذلك شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما نقص ذلك وما ضرني ذلك شيئاً) فالله جل وعلا غني عن العباد والله جل وعلا أيضا رءوف بالعباد. وينبههم بأيسر الآيات وأهونها حتى إذا اعتبروا بهذه الآيات اليسيرة رفع الله عنهم العذاب، ورأى منهم التضرع والخضوع والانكسار بين يديه، ثم بعد ذلك ينزل عليهم رحمته. أما إذا رأى منهم غفلةً مع الغافلين، ولهواً مع اللاهين، فإن الله جل وعلا لا يضره أن ينزل بهم بأسه، وجنود الله لا حد لها، يقول جل وعلا: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١] لو شاء الله جل وعلا لسلط على العباد أهون شيءٍ بين أيديهم، إن الذي سلط الجراد والضفادع والطوفان والقمل والدم آيات مفصلاتٍ على أمم من الأمم؛ لقادرٌ أن يُسلطها علينا في هذا الزمان. من يرد عنا بأس الله إن أراد بنا سواءً؟! فنسأله جل وعلا ألا يعذبنا بذنوبنا، إنه أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك نستغفرك ونتوب إليك، ونبوء بذنوبنا بين يديك، ونبوء بنعمتك علينا، فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ربنا لا تعذبنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا لا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، نحن الضعفاء وأنت القوي، ونحن الفقراء وأنت الغني، ونحن الأذلاء بين يديك وأنت العزيز. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1033

تفضيل الله لأهل الجزيرة بالنعم الحمد لله منشئ السحاب، وهازم الأحزاب، وخالق الخلق من تراب، منزل الكتاب، رب الأرباب، لا إله إلا هو وحده لا شريك له عليه توكلنا وإليه مئاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه ومن اقتفى أثره واتبع سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار. عباد الله! كونوا على يقظةٍ في قلوبكم، كونوا على حذرٍ من أموركم، كونوا على بصيرةٍ مما ترون في ليلكم ونهاركم، إن البهائم والسوائم هي التي تأكل وتشرب وتُخرج غير ذلك ولا تلتفت لصباح أو مساء، تعلف وتنتظر جزارها. أما أنتم معاشر العباد! فلقد خلقتم لحكمةٍ جليلة، ولغايةٍ فضيلة، خلقكم الله جل وعلا لعبادته ومن أجل ذلك سخر لكم ما لم يسخره لغيركم، وكرمكم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠] وفضلكم على كثيرٍ من الأمم تفضيلا، وفضلكم على كثيرٍ من سائر مخلوقاته، وأنتم يا أمة هذه البلاد: قد فضلكم الله جل وعلا على كثيرٍ من الأمم تفضيلاً فوق غيركم. فاحمدوا الله جل وعلا على نعمه عليكم، واعلموا أن الله جل وعلا لا فضل ولا قيمة لنسب أحدٍ عنده: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي ولا أسود على أبيض ولا أبيض على أحمر إلا بالتقوى) ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ليست بمزية لكم من سائر الأمم، ولستم مفضلين على سائر الأمم. إن المفضل عند الله من كان أتقى له، إنما المفضل عند الله والمقرب إلى جنابه والذي يفوز برحمته وثوابه هو من كان أتقى له وأخشى له، وأعبد وأكثر خضوعاً وانكساراً بين يديه جل وعلا، اعتبروا بالآيات الصغيرة قبل أن تأتي الآيات العظمى، اعتبروا بالآيات اليسيرة، وما هناك شيءٌ من آيات الله صغيرٌ أو يسير، إن جميع آيات الله عظيمة ولكنها تختلف في مراتبها، فاعتبروا بما هو أدنى تنبيهاً على ما هو أعلى، واتعظوا واعتبروا يا أولي الأبصار. أسأل الله جل وعلا ألا يجعلنا وإياكم من الغافلين، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم قرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته. اللهم احفظ ولاة أمورنا، ولا تُفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً، اللهم أدم عزك ونصرك لهم، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته برحمتك يا أرحم الراحمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1034

الطلاق الزوجية رابطة اجتماعية كريمة، يعد التعدي عليها جريمة، وهدم صرحها مجازفة لئيمة، فلا يشرع الطلاق إلا عند الحاجة الماسة إليه؛ لذلك كان التلفظ به خطراً ينبغي تركه. وفي هذه المادة بيان لمخاطر الطلاق، وتبيين لضوابط الفراق، ونصائح للزوج وأهله، وللزوجة وأوليائها. والله الموفق.

стр. 1035

خطر الطلاق وكراهته الحمد لله الذي خلق وقدر، وشرع فيسر، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، ومن كل فضلٍ وخيرٍ سألناه أعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين! يقدم بعض المسلمين هداهم الله ومنَّ علينا وعليهم بالتوبة والهداية، على هدم صرحٍ اجتماعي، وإلى تفريق شملٍ مجتمع، بكلمةٍ يطلقها لا يلقي لها بالاً، قد تكون عند سببٍ تافهٍ من الأسباب، وعند أمرٍ حقيرٍ من الأمور، وقد تكون عند سماع أمرٍ لم يتثبت منه، أو شيءٍ لم يتحقق من وقوعه، تلك الكلمة التي يوقعها هي كلمة الطلاق. الطلاق هو: فسخ عقد الزوجية، وقطع هذه الرابطة الاجتماعية الكريمة، ليقدم بعض المسلمين هداهم الله بقطعها وبترها وتفريق شمل اجتماعها، من دون تقديرٍ لمقدمات الأمور وعواقبها، وذلك أمرٌ مكروهٌ مبغوضٌ في الشريعة. روى أبو داود في سننه بسنده عن محارب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أحل الله شيئاً أبغضه مثل الطلاق) فالطلاق أمرٌ وإن كان مشروعاً في حق من احتاج إليه، إلا أنه قد يصل إلى درجة الكراهة الشديدة جداً لمن أوقعه وهو غير محتاج إليه، لما يترتب عليه من ضياع الأسرة، ولما يترتب عليه من فراق الشمل.

стр. 1036

خطر الطلاق لأجل الدعوات والضيافات أيها الأحبة في الله! إن بعض المسلمين هداهم الله، يجعلون الطلاق ضيافة زوارهم وضيافة أقاربهم، وضيافة القادمين الوافدين إليهم، فإذا وفد إليه قريبٌ أو حبيبٌ من جماعته أو من بلادٍ قريبة، أو من أي مكانٍ من الأماكن، أول ما يحلف بالطلاق ليأكلن ذبيحته، فإذا كان الذي يسمع هذا الكلام فيه شيءٌ من الحمق، أو قد يكون مرتبطاً بأمرٍ من الأمور فلم يوافق على أمره، فإنه عند ذلك قد يجعله متورطاً في أمرٍ كان في غنىً عنه، وإن الكثير الكثير يقعون في هذا، خاصةً من البادية هداهم الله ومنَّ علينا وعليهم بالتوفيق والعلم النافع، تجد الواحد منهم لا يحلف إلا بالطلاق، ولا يهدد إلا بالطلاق، ولا يأمر بأمرٍ إلا وفيه الطلاق، ولا ينهى عن نهيٍ إلا وفيه طلاق، فهذا استهتارٌ بهذه الكلمة، وهذا عدم مبالاةٍ بهذه الكلمة، وهذا إيقاعٌ للأمور في غير مواقعها وهو ظلمٌ، فإن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه. عباد الله! ذات يومٍ طرق عليّ الباب ثلاثة نفرٍ قبيل صلاة العصر، والصلاة قد حان وقتها، فلم أجد بداً من حديثهم، فقالوا: إنما جئناك لأمرٍ، قلت: ما عندكم؟! قال أولهم: أنا أسكن هنا ودخلي محدود، وهذا أخي قدم علي من الجنوب، والثالث أخونا الأصغر، فقلت لما قدم أخي قال: عليه الحرام أن يأكل ذبائحه، فأجاب القادم الوافد هذا بأن عليه الطلاق ألا يأكل ذبائحه، فحلف ذلك الصغير الذي لم يتزوج بعد وإن كان بالغاً مكلفاً، حلف أن عليه الطلاق أن يتم أخوهم هذا الأمر الذي حرمه الأول على صاحبه، فقلت: يا عجباً! ويا عجباً! من هذا الجهل العظيم بالشريعة، ويا عجباً من هذا الحمق الذي يجعل الإنسان يتورط، ويقطع وشائج وعلاقات أسرٍ عديدة، بكلماتٍ توقع من غير معنى! هذا حلف على نفسه بالحرام والتحريم أمرٌ خطير، والتحريم قد يكون أشد من الطلاق، والآخر حلف على نفسه بالطلاق، وذلك الثالث طلق ولم يتزوج بعد، ولا طلاق إلا لمن أخذ بالساق، لأن الذي طلق ولم يتزوج بعد لم يقع منه طلاقٌ على أية حال، لكن الكلام في هذين الاثنين، الذي لم يجد ضيافةً لأخيه الذي وفد إليه، لم يجد ضيافةً له إلا بالطلاق، وإن بعضاً منهم، وسمعتُ ذلك منهم وممن حدثني به بعضهم، قال: إن الواحد منا إذا وفدت عليه، فلم يحلف بالطلاق على وليمته أو على عزيمته، فإنه يتشكك من جزمك في كرمه، ويرد النظر أو يشك أنك غير صادقٍ فيما أقدمت على إكرامه، فإذا حلفت بالطلاق، فإنه عند ذلك يتيقن أنك جازمٌ على احترامه وإكرامه، فقلت: والله لا حباً ولا كرامة، لمن لا يريد كرامته إلا بالفراق والطلاق!

стр. 1037

خطر التلبيس على العلماء في فتاوى الطلاق وهو أمرٌ وقع فيه كثيرٌ من الناس، وتساهلوا فيه وتوغلوا فيه وأوغلوا إيغالاً ضر أنفسهم، فإذا عاد الواحد إلى رشده وصوابه، وذهبت السكرة، وجاءت الفكرة، ذهب إلى شيخٍ أو عالمٍ من العلماء ليحلل له زوجته، من ذا الذي يرد عليه زوجته، فيأتي يقول: يذكرون أن هناك عالماً قال كذا وكذا، ويذكرون أن هذا عالمٌ قال كذا وكذا، ثم بعد ذلك يذهب ليتتبع الرخص، وقد يكذب فيما يخبر به، ليجد مدخلاً أو فجوةً تحل له زوجته بظاهر ما يسمعه المفتي، وإلا فحقيقة الأمر بينه وبين ربه إذا كان أوقع الطلاق على صفةٍ تجعل الأمر بائناً بينونةً كبرى، فإن رجعته زنا، وإن عودته حرامٌ، والعياذ بالله! هذا أمرٌ أيضاً عرفته وعلمته من رجلٍ طلق طلاقاً علم منه أنه قد أبان زوجته بينونةً كبرى، فذهب إلى أحد العلماء الأجلاء، أسأل الله أن يمدهم بالصحة والعافية، فذهب إليه وأخبره، فقال: يا ولدي أسأل الله أن يخلف عليك زوجتك بخيرٍ منها، ولقد استعجلت في أمرٍ لك فيه أناة، فذهب يبحث عن شيخٍ آخر، وعن شيخٍ ثالث، وعن شيخٍ رابع، وعن شيخٍ خامس، حتى يجد من يكذب عليه، وإلا فإن العلماء لا يحلون لأحدٍ ما حرم الله عليهم، لكن تجد الواحد منهم يبالغ أو يغير أو يحرف في الكلام، حتى يجد مدخلاً يرى أنه سبيلٌ لرد زوجته عليه، وكما قلنا فهذا عودٌ إلى زنا، وعودٌ إلى حرامٍ والعياذ بالله، وذلك إذا كان ما تلفظ به، وأوقعه من لسانه يدل على قطع هذه العلاقة قطعاً تاماً ويبين عقد الزوجية بينونةً كبرى. إذاً يا عباد الله! فلننتبه لهذا الأمر، ولا نهدد نساءنا بالطلاق، فإن الذي يهدد زوجته بالطلاق، فذلك دليلٌ على ضعفه وحمقه وجهله، هل ضاقت أسباب الأدب، وهل ضاقت أسباب العلاج، وهل تعسرت سبل حل المشاكل إلا أن يهدد الإنسان بالطلاق والفرار؟! إن هناك أموراً كثيرةً قد بينها الله في كتابه الكريم، فمنها هجر المرأة، ومنها ضربها ضرباً غير مبرحٍ إذا أتت بفعلٍ يحتاج إلى شيءٍ من الضرب الخفيف، وخير الناس الذي لا يضرب زوجته. أما أن يذهب بعضهم فيقول: أنت طالقٌ إن ذهبتي إلى هؤلاء! وأنتِ طالقٌ إن لم تأتي إلى هؤلاء! وإن فعلتِ كذا وكذا فأنت طالق! فإن هذا استهتارٌ وإهدارٌ لعقد الزوجية وعدم احترامٍ وعدم مبالاةٍ بهذا العقد والرابطة الكريمة، نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعلى جميع المسلمين بالتثبت في جميع الأمور. وإن من واجب الإنسان إذا أراد أن يقدم على أمر الطلاق ألا يوقعه فجأة، بل عليه إذا كان جازماً وإذا كان متأملاً، وإذا كان مصراً على هذا الأمر، أن يذهب بزوجته إلى بيت أهلها ثم يستشير من يعرف فيه العلم والحلم والأناة، ثم يخبره بذلك، فلعله يدله على أمر خير له من الطلاق، فيعود وقد رد زوجته إلى البيت ولم تعلم بما عزم عليه، أما أن يعود إلى ردها بعد طلقةٍ واحدةٍ أو طلقتين وله حق الرجعة فيها، فإن ذلك يبقي جرحاً أليماً في قلب المرأة؛ لا تنسى ذلك اليوم الذي طلقها فيه، وأخرجها من بيتها، وأرسل حوائجها ولوازمها وأدخلها على بيت أهلها، إن هذا يومٌ مشهودٌ بالنسبة للمرأة، لا تنساه طيلة حياتها، ويبقى طعنةً أليمةً داميةً في قلبها.

стр. 1038

الطلاق السني إذاً فلنتثبت في هذا الأمر، ولنكن على مستوىً من العلم والفقه في إيقاع هذه الأمور، فلا نوقعها جزافاً، أو في حال غضب، أو في حال شهوةٍ، أو في حال أمرٍ من الأمور التي لا تجعل الإنسان طبيعياً فيها، بل على الإنسان إذا وجد أنه لابد ولا مناص ولا ملاذ من الطلاق أن يقدم على ذلك بعد معرفةٍ واستخارةٍ واستشارةٍ لمن عرف منه العلم والفقه، وبعد ذلك فلينتبه إلى القواعد الشرعية بالطلاق، وهي أن يطلق المرأة في طهرٍ لم يجامعها فيه، فلا يجوز له الطلاق في الحيض، والطلاق في الحيض حرامٌ بالإجماع، ولا يجوز له أن يطلق المرأة في طهرٍ قد جامعها فيه، لأنه قد يضر بالمرأة إضراراً عظيماً، بتطويل العدة عليها، وله من الحكم والأمور الشرعية التي الله أعلم بأسرارها وحكمتها، وما أوتينا من العلم إلا قليلا. إذاً فلنحرص يا عباد الله! ألا نحتاج إلى هذا الأمر قاطبة، وإذا احتجنا إليه بعد دراسةٍ ورويةٍ واستخارةٍ واستشارة، أن يكون في طهرٍ لم يجامع الإنسان زوجته فيه، لأنه إذا أراد الطلاق ثم صبر حتى تحيض، ثم تطهر بعد ذلك، فلعله خلال هذه المدة (مدة بقية الطهر الذي جامعها فيه، أو مدة الحيض) أن يئوب إلى رشده، ولعله أن يرى حال أطفاله وصغاره، ولعله أن يرى هذه الرابطة الكريمة، ولعله أن يذكر من زوجته أموراً أحبها واستحسنها، فلا تطغى السيئة الواحدة على الحسنات الكثيرة، وكما قال ﷺ : (لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر). أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1039

أضرار التسرع في الطلاق الحمد لله وحده لا شريك له، الحمد لله وحده لا شريك له حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، جل عن الشبيه وعن الند، وعن المثيل وعن النظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، لا إله إلا هو وحده لا شريك له وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين! إن بعض المسلمين قد يقع منه الطلاق في نهاية مدة حملٍ، فإذا وضعت زوجته حملها وقع طلاقه بائناً لا يمكن له الرجعة إلا بعقدٍ ومهرٍ جديدين، ولو كانت طلقةً واحدة، وهو في هذا قد أغلق على نفسه باب الرجعة في هذا الأمر، فإنه لا ينبغي لأحدٍ خاصة إذا كان يعلم أنه متردد أو متذبذبٌ في أمره هذا، خاصةً إذا كان الأمر في قرب وضع ولادة، ينبغي له ألا يستعجل في هذا الأمر، فإن طلقها حاملاً فليبادر بالرجعة قبل وضعها، حتى تعود إلى عصمته، لأنها إذا أنجبت فإنها بعد ذلك لا تعود له إلا بعقدٍ ومهرٍ جديدين، كما قلنا ذلك. إذاً فينبغي للإنسان ألا يستعجل في هذا الأمر، خاصةً قرب مراحل الوضع الأخيرة، لأن هذا دليلٌ على قلة الفقه والعلم في الشريعة، وكما قلنا فإن ضلال كثيرٍ من الناس إنما يكون بالسرعة والتهور وعدم الاستخارة والاستشارة، فينبغي أن ننتبه لهذا الأمر انتباهاً جيداً، وكذلك فإن بعض المسلمين بعد أن يطلق ثم يعود إلى بيته حسيراً كسيراً؛ يعرف فضل زوجته بعد أن تخرج من بيته، تتراكم عليه آنية الأطعمة، ويرى ثيابه متسخة، ويرى بيتاً ليس بنظيفٍ ولا مرتب، عند ذلك يعرف فضل هذه الزوجة، وقد يكون أخرجها لسببٍ تافهٍ صغيرٍ من الأسباب التافهة، أو لأمرٍ حقيرٍ من الأمور، فعند ذلك يعرف فضلها وقدرها، فإذا كان قد طلقها طلاقاً يجوز له الرجعة فيه، كأن يكون طلقها طلقةً واحدة أو طلقتين، ثم يعود بعد ذلك إلى وليها أو والدها، فيقول: إني أريد العودة إلى زوجتي، وإني أستغفر الله عما وقع مني، وإني نادمٌ على ما فعلت إلى غير ذلك، إن بعض الأولياء، إن بعض الآباء يقفون حجر عثرةٍ أمام هذه الرجعة، وهذا لا يجوز لهم، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٢]. فإذا رضيت المرأة أن تعود إلى زوجها، وإذا رأيت الزوج راغباً في العودة إليها، فلا عليك إلا أن تكون عوناً على بناء صرح هذه الأسرة من جديد، وينبغي لك أن تكون معطاء، وينبغي أن تكون يداً بانيةً، لا يداً تعين على الفراق والطلاق، فعند ذلك عليك أن تقنع ابنتك أو من هي في ولايتك، بالعودة إلى زوجها، فإذا رضيت فلا تعضلها أن تنكح زوجها ما دامت قد تراضت بينها وبين زوجها بالمعروف ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق:٢]. فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجوز له أن يقف حجر عثرةٍ أمام هذه الرجعة المبنية على الندم والرضا والرغبة في بناء صرح الأسرة من جديد: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٣٢].

стр. 1040

إمكان الزواج بالثانية مع إبقاء الأولى فينبغي لكل مسلمٍ إذا وقع منه هذا الأمر أن يعود إلى زوجته، أن يعود إلى مراجعتها، وأن يعود إلى تربية أطفاله، وإذا كان محتاجاً أو مضطراً إلى زواج، فإنه ليس سبيل الزواج الثاني طلاق الأولى، إنما ذلك أمرٌ لا يجوز، ولا يجوز لأناسٍ إذا تقدم إليهم من يريد زواجاً من زوجةٍ ثانية، أن يقولوا له: لا نزوجك حتى تطلق زوجتك الأولى، فإن هذا منهيٌ عنه، وهذا محرمٌ شرعاً، لأنه جاء في السنة أنه لا يجوز للمرأة أن تجعل زواجها بطلاق ضرتها، فلتنكح إذاً، أي: فلتبادر بالزواج، إذا قبلت أن تكون جارةً أو تكون زوجةً ثانية لهذا الذي تقدم إلى خطبتها. فانتبهوا لذلك يا عباد الله؛ وكونوا أعواناً، وكونوا أنصاراً ودعاةً لبناء المجتمعات، ولا تكونوا معينين على التفريق والهدم، إذا جاءك من يستشيرك في أمر زواجٍ وقد كان بينه وبين زوجته الأولى شيءٌ من الخلاف، فقل له: لا بأس أن تعود، وأن تصلح هذا الخلاف، وهون عليه الأمر، واذكر له الشاهد من نفسك، ومن أحوالك ومن السلف الصالح، ومن الخلفاء الراشدين الذين تحملوا من النساء ما تحملوا؛ ومع ذلك لم يقدموا على طلاقهن لمعرفتهم بأن عقد الزوجية عقدٌ كريمٌ لا يحل إهداره، ولا يجوز عدم المبالاة به، لأن ذلك خطرٌ اجتماعيٌ كبير، وإلا فلو قلنا: إن كل من أراد أن يتزوج زوجةً ثانية طلق زوجته الأولى، فإننا بذلك نزيد المجتمع مشاكل على مشاكله، ومصائب على مصائبه، والمجتمع اليوم في أمس الحاجة إلى رعاية الموجود من المطلقات والأرامل ونحوهن.

стр. 1041

الموقف السلبي من زوجة الابن إذاً ينبغي أن ننتبه لهذه الأمور، وأن نكون أعواناً لبناء الأسر والمجتمعات، لا أن نكون سبيل تفريقٍ في هذه الأسر. إن بعض الآباء والأمهات حينما لا يعجبهم سلوك زوجة ولدهم أو يحدث شيءٌ من الخلاف، أول ما تقوله الأم: إن كنت رضعت هذا الثدي مني حلالاً فلا ينبغي لك أن تبقى مع هذه المرأة، بل طلقها. وامرأةٌ تقول لابنها: حرامٌ عليك ثديٌ رضعت منه حتى تطلق فلانة بنت فلان، وأبٌ قد يكون له مشكلةٌ مع آخرين، قد يكون من قبيلةٍ أخرى، أو من فخذٍ آخر، أو عنده مشكلة تافهة، فلا ينتقمون إلا بطلاق الضعفاء المساكين. ما ذنب النساء أن يكن وسيلةً عند غضبٍ يطلقن؟! وعند كراهةٍ يطلقن؟! وعند أدنى مشكلةٍ يطلقنَ؟! هذا أمرٌ جد خطير فانتبهوا لذلك يا عباد الله! وإن من الناس من دعي عليه بسبب فعله هذا، فاستجاب الله دعوة تلك المظلومة على من أشار على ولدها بالطلاق، فبقيت في مصائب ومناكد كثيرة، بسبب ما أشارت به؛ ليست لأمرٍ شرعيٍ وليس لسببٍ معقول، إنما هو لحقدٍ أو لبغضاءٍ على أسبابٍ تافهةٍ من الأمور. فليتق الله أولئك، وليقولوا قولاً سديداً، ولا يحرضوا أولادهم على طلاق زوجاتهم، فإن وجدوا شيئاً من عدم العشرة، أو عدم سلوك زوجة الولد معهم، فلا بأس أن يكونوا عوناً لولدهم، فليعينوه على اتخاذ مسكنٍ قريبٍ منهم، كي يكونوا بالقرب منه، ويكون الولد مع زوجته، لا أن يخسروه خسارةً عظيمة، ويكلفوه تكاليف باهظة في زواجٍ من زوجةٍ ثانية، بعضهم يقول: طلقها، ولا يهل هلال شهرٍ قادمٍ إلا وقد زوجتك بغيرها. ما الذي دعاك إلى هذا؟ وما الذي حدا بك إلى هذا؟ وأنت تعلم أن هذا الولد المسكين ما تزوج إلا راغباً محتاجاً، وقد تعب في سبيل ذلك أشد التعب، فكل هذه الأمور من المخالفات الاجتماعية، ومن الصور الاجتماعية التي يقع فيها كثيرٌ من المسلمين نسأل الله أن يمن علينا وعليهم بالهداية. فاتقوا الله يا عباد الله! ولا تشيروا على أحدٍ بالفراق، ولا تعينوا أحداً على طلاق، وكونوا أسباباً وسبلاً ميسرةً لجمع الأسر والمجتمعات، يثبكم الله على هذا خير الثواب، ويجزيكم به خير الجزاء، ويكون ذلك في خالص أعمالكم في موازينكم يوم تلقون ربكم جل وعلا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أرشد ضالنا، اللهم علم جاهلنا، اللهم تب على مذنبنا ومن كان فينا عاصياً، اللهم تب علينا أجمعين، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم إنا نسألك توبةً قبل الموت، وراحةً عند الموت، ونعيماً بعد الموت، اللهم أبرم لأمتنا أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، اللهم أبرم لأمتنا أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم آمنا في دورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمامنا، اللهم وفق إمامنا، اللهم أصلح إمامنا، اللهم اهد إلى كتابك وسنة نبيك إخوانه وأعوانه، اللهم اجمعهم على كتابك وشرعك، اللهم وحد شملهم، واجمع صفهم، ولا تشمت بهم حاسداً، ولا تفرح عليهم عدواً، وسخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك، واجعلنا وإياهم عاملين بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك التوبة والإنابة والاستدراك قبل الفوات، والاستعداد قبل الممات، اللهم اختم لنا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، اللهم اختم بها آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه، اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه. لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، اللهم يا من لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، اللهم يا من لا يعجزه شيءٌ في كل مكان، اللهم إنا نسألك أن ترينا في الفرس الشعوبيين الزنادقة الفجرة، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم اجعلهم طوائف مختلفة، اللهم اجعلهم أحزاباً متنافرة، اللهم أنزل حيلهم بينهم، اللهم أنزل سوط عذابك عليهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم قرب فناءهم، اللهم أحصهم عدداً، وأهلكم بدداً، ولا تبق فيهم أحداً، بقدرتك يا جبار السماوات والأرض، فإنك لا يعجزك شيءٌ يا قيوم السماوات والأرض. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1042

أبناؤنا أمانة في أعناقنا الأبناء أمانة عظيمة في عنق كل أب وأم، وفي هذه المحاضرة يبين الشيخ قضايا مهمة في التربية وفي توجيه الأبناء، مع ذكر بعض سلبيات الأمهات والآباء أثناء تربية أبنائهم. وأيضاً بين الشيخ أن السبب الأول لانحراف الأبناء إنما هو إهمال الآباء لأبنائهم، فالأبناء من يهتم بتربيتهم في الصغر يجني ثمرات هذه التربية في الكبر وبعد الموت، فالعمل ينقطع عن الرجل إذا مات إلا من ثلاث، ومنها: (ولد صالح يدعو له).

стр. 1043

بركة سماع المحاضرة في المسجد الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه سلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأحمد الله وأشكره ثم أشكر الإخوة القائمين على تنظيم هذه اللقاءات المباركة في جهاز الإرشاد والتوجيه، وأسأل الله سبحانه -لنا ولهم ولكم جميعاً- بمنه وكرمه أن يستعملنا في طاعته، وأن يتوفانا على أحسن حالٍ ترضيه، وأن يضاعف لنا الحسنات، ويكفر السيئات، ويرفع الدرجات، ويغفر الزلات، إنه سميعٌ مجيب الدعوات. أحبتي في الله: قبل أن نفيض في موضوعنا هذا أود أن أذكر بمسألتين مهمتين، الأولى هي مسألة الفضل العظيم الذي يتحقق بحضور حلق الذكر في رياض الجنة، الفضل العظيم الذي يتحقق بالعناية والإنصات والمشي والاستماع إلى مثل هذه اللقاءات؛ إذ رب قائلٍ يقول: ما ضر لو اشتريت المحاضرة، ما ضر لو أنني قرأت كتاباً حول هذا الموضوع ولا داعي لحضورها، وربما يكون هذا الأمر صحيحاً لمن كان مشغولاً شغلاً لا بد له منه، أما من لا شغل يمنعه أو يحجبه عن مثل هذه المحاضرات والكلمات والندوات واللقاءات المباركة فإني أنصحه ونفسي بألا يبخل على نفسه بما فيها من الفضل والثواب العظيم. صحيح أنك تؤجر إذا استمعت إلى المحاضرة والحديث والخطبة في الشريط، كما أن الإنسان يؤزر إذا اشتغل باللهو وساقط القول ورديء الكلام، ولكن لحضور هذه المحاضرات والندوات واللقاءات في بيوت الله مزية لا يمكن أن نجدها في الاستماع أو في تصفح بعض المحاضرات عبر ما يسمى بالإنترنت مثلاً أو غير ذلك، وذلك للحديث الذي جاء فيه: (ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) وهذا أجر عظيم لا يتحقق عند سماع الشريط في البيت، أو تصفح المحاضرة في الصفحات الإلكترونية عبر الحاسب. قد يقول قائل أيضاً حتى ولو كان واعظاً أو داعياً أو مرشداً، قد يقول: لو أنني بدلاً من إلقاء المحاضرة على عشرين أو خمسين رجلٍ في مسجد لو أني اقتصرت على المحاضرات في التلفاز والقنوات الفضائية واكتفيت فيها عن إلقاء المحاضرات في المساجد نقول: لا شك أنك عبر القنوات الفضائية تخاطب ملايين البشر، ومن مقاصد التبليغ أن تصل الكلمة والرسالة واضحة جلية إلى أكبر عددٍ ممكن من الناس كما قال موسى ﵇: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ [الدخان:١٨] ولكن أيضاً أنت أيها المتحدث أو المحاضر أو الواعظ أو المرشد بحاجة إلى الفضل الذي يحتاج إليه ويسعى في طلبه الحضور الذين جاءوا لاستماع المحاضرة، فالمتكلم والسامع والملقي والمنصت، كلهم بحاجة إلى أن يستحضروا الثواب العظيم عند اجتماعنا ولقائنا في بيوت الله لاستشعارنا أننا الآن برحمة الله وفي وجوده وفضله وكرمه، الآن الملائكة تحفنا، وتتنزل علينا السكينة، وتغشانا الرحمة، وهذا ثوابٌ لا تجده في قناة فضائية أو في سماعٍ بعيدٍ عن بيوت الله ، هذه مسألة ينبغي أن نستحضرها دائماً حتى لا نقول: الدعوة تطورت، والاتصالات تطورت، ولا حاجة إلى أن يجتمع الناس لهذه المحاضرات طالما يمكن أن نخاطب الملايين من البشر عبر القنوات وغيرها؟ لا. نعم ينبغي أن نستغل وأن نستفيد مما هيأ الله ، ومن كل فرصةٍ سانحة، ومزاحمة أهل الشر بشيء من الخير لتذكير أقوام لا يشهدون الجمع ولا الجماعات، ولا يسمعون الأشرطة، ولا يقرءون الكتب من المقاصد الحسنة المطلوبة التي ينبغي لنا أن نلتفت إليها جميعاً. المسألة الثانية: وهي في ظل المتغيرات وما يسمى بعصر العولمة والغزو الفضائي، قد يقول قائل: ليس هناك جدوى ولا فائدة من خطبة جمعة أو محاضرة أو كلمة يلقيها شيخ على ستين شخصاً أو ثمانين شخصاً في مكانٍ ما، والناس الآن يخاطبون الذين في بيوت الحجر والمدر، ما تركوا أحداً في وادٍ ولا قرية، ولا جبلٍ ولا سهلٍ، ولا وعر ولا بحر إلا وخاطبوهم عبر الاتصالات الفضائية، فما هي جدوى اللقاءات في المساجد والناس في عصر العولمة والاتصالات، وإني أقول: لا تزال لهذه المحاضرات والخطب والندوات في المساجد أدوارٌ عظيمة ومهمة وذلك أن الكلمة الطيبة -كلمة لا إله إلا الله- بشروطها وحقوقها وما تقتضيه وما يجب لها وما ينبني عليها؛ أن هذه الكلمة الطيبة حينما تقال في رياض الجنة ويستمعها أقوامٌ جاءوا لا لغرضٍ من أغراض الدنيا، وإنما جاءوا استجابة وامتثالاً لأمر الله وطلباً لثوابه وخوفاً من عقابه، فإن الكلمة الطيبة لها أبلغ الأثر: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥] فينبغي ألا نتهاون بشأن المحاضرات والندوات والخطب والكلمات حتى وإن تيقنا غاية اليقين أن جمهور المستمعين عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة المعاصرة أضعاف أضعاف جمهور المستمعين في المساجد وفي حلق الذكر ورياض الجنة، وذلك أن التلقي والاستماع والاجتماع في هذا المكان وأمثاله له مزية فضلٍ وبركة، والله إن بارك في شيءٍ نفع، والبركة شأنها عظيم، وكلنا مدعوون لطلبها والسعي في تحصيلها، بل نحن في كل أحوالنا نسأل ربنا البركة حتى في السلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حتى في الأكل: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، حتى إذا دعونا لأحدٍ ضيَّفنا: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، حتى من نهنئه في الزواج: بارك الله لك وبارك عليك، حتى في الثناء على الله: حمداً كثيراً طيباً مباركاً، بل إن عيسى ﵇ يمتن أو يذكر نعمة ربه ومنة خالقه عليه وهي منقبة له حيث قال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١]. فالبركة -بإذن الله- إن لم تكن في مثل هذه اللقاءات فقل لي بربك أنى تكون؟ لذا ينبغي أن ننتبه لهذا حتى لا نزهد في الخير الذي بين أيدينا في مقابلة البهارج والصياح والعويل إلى غير ذلك في الوقت الذي نقول فيه: إننا مأمورون مدعوون ألا ندع مجالاً من مجالات تبليغ الحق إلا وسلكناه وبلغناه: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣].

стр. 1044

رحلة الحصول على الولد أما عن كلمتنا هذه الليلة وهي بعنوان: أبناؤنا أمانةٌ في أعناقنا. أحبتي في الله: لو سألنا واحداً منكم أو سألنا واحدة من الأخوات: صف لنا رحلة الوصول إلى الولد، بيّن لنا كيف بلغت هذه الحال التي أصبحت فيها أباً أو أصبحتِ فيها أماً؟ لقالت بكل لسانٍ فصيح: لقد كانت مرحلة طويلة، ولقال مثل ذلك هو أيضاً، همٌّ في جمع المال لإيجاد المهر، ثم بحثٌ وعناءٌ طويل في البحث عن الزوجة المناسبة، ثم زياراتٌ ومقابلاتٌ واستخارة وما تبع ذلك، ثم مناسبة دعي إليها الأحباب والأقارب، ثم تم الزواج وحصل الزفاف، ثم بدأ همٌّ آخر وقد تكونت الأسرة بمسئولياتها وتبعاتها: (وكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته) ثم ما هي إلا أشهر حتى حملت المرأة، وحمل الرجل هماً في النفقة والرعاية والعناية والمتابعة أشهراً طويلة، حتى إذا دنا المخاض وقرب الميلاد، تتابعت الزيارات إلى المستشفيات والفحوصات والكشف وغير ذلك، ثم بشر أحدنا بالمولود، ذكراً كان أو أنثى ولم تنته الرحلة عند هذه، بل فرحنا لحظاتٍ والفرح مستمرٌ بنعم الله علينا وعليهم في عافية وأمنٍ وطمأنينة، ولكن ما زلنا نحمل هماً في علاجهم في دوائهم في لباسهم في تعليمهم في السهر معهم في مداعبتهم في ملاعبتهم في احتضانهم وإشعارهم بالحنان ودفء العواطف، مسئوليات كثيرة ومتتابعة، وما زلنا كذلك ننفق ونعطي ونعالج ونسهر، كم ليلة حرمنا لذيذ النوم! وكم ليلة خرجنا من البيت في ليلة شاتية! وكم ليلة سهرناها وقبلها تعبٌ طويل وبعدها عملٌ شاق! وكم وكم إلى غير ذلك، حتى إذا بلغ الولد أو البنت الذي تعبنا تعباً طويلاً للحصول عليه ابتداءً بفكرة الخطوبة وانتهاءً بهذه المرحلة التي أصبح الوليد فيها مكتملاً في نموه وعقله واستجابته، أخذ يعي ويفهم ويخاطب ويستمع ويستجيب، وينادى فيأتمر حتى إذا بلغ الولد هذه المرحلة قال بعضنا: هذا الولد قد انتهينا منه ثم رموه في زبالة الأفلام والمسلسلات، وفي أحضان السائقين والخادمات، وفي مخالطة السوقة والفسقة ممن ليسوا بأهلٍ ولا كفءٍ أن يدخلوا بيوتنا فضلاً عن أن يكونوا أصحاباً لأولادنا وبناتنا، هذا هو الواقع اليوم. كثيرٌ من الناس كالذي يستدين من فلان وعلان، ويكدح الليل والنهار، ويجمع أجرة اليوم على الأسبوع، وأجرة الشهر على الشهر حتى إذا جمع مالاً اشترى أرضاً، ثم أخذ يكدح ويتعب ليبني بيتاً حتى إذا بناه أخذ يتعب من أجل أن يكسوه داخلاً وخارجاً ثم يؤثثه، حتى إذا اكتمل البيت وأصبح جنة صغيرة فتح الأبواب للكلاب والذئاب وقال لهم: ادخلوا وارتعوا والعبوا واعبثوا كيفما شئتم بهذا البيت الذي تعبنا عليه، هذا واقع كثير من الآباء والأمهات اليوم، يتعبون على الأولاد حملاً وولادة، وتربية وعلاجاً ولباساً، ودواءً وغذاءً حتى إذا اكتمل الولد رموه كما يرمون الزبالة عند الأبواب، وهذا واقع ومشاهد، ومن تأمل يجد أن ذلك أمراً لا مرية فيه ويا للأسف!

стр. 1045

فتنة الأولاد أحبتي في الله: الله قد بين لنا أن أولادنا نعمة أو نقمة: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤] هذا في جانب الخطر أن يكون الأولاد فتناً وأعداء، وفي الجانب الآخر: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] فالولد إما أن يكون قرة عين يسرك أن تلقاه في الدنيا وتجتمع به في الجنة في الآخرة، وإما أن يكون فتنة وعدواً تقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]. كيف يكون هذا وكيف يحصل؟ تأمل أخي الحبيب!! أن الله جعل الأبناء والأولاد والبنين والحفدة زينة في الحياة الدنيا وبهجة في المجالس، وعوناً على مشاق الحياة وشدائدها: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦] بل ما قيمة الحياة بلا ذرية وأولاد؟ إنها شاقة وعسيرة بل إن البيت الذي لا تسمع فيه للأطفال صوتاً ولا عبثاً كأنه مقبرة ليس بها ساكن. لولا بنياتٍ كزغب القطا رددن من بعضٍ إلى بعض لكان لي مطرف واسع في الأرض ذات الطول والعرض وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض لو هبت الريح على بعضهم لامتنعت عيني عن الغمضِ الأولاد الهبة السماوية، المنحة الربانية، سبحان من وهبهم وأنعم بهم علينا! سبحان من أعطانا! إذا أردت أن تعرف عظمة وجلال هذه النعمة فتخيل نفسك واحداً من أولئك الذين ابتلاهم الله بالعقم، يذهبون من طبيب إلى طبيب ومن حكيم إلى آخر طلباً للولد، تخيل أنك تدخل منزلك وكأنك تدخل قبراً لا تسمع به كلمة من طفلٍ يناديك: (يا أبتِ أو يا بابا) سبحان المالك المتصرف: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠].

стр. 1046

الآباء هم السبب الأول في انحراف الأبناء ٍأحبتي في الله: إن هؤلاء الأولاد الذين تعبنا تعباً طويلاً شاقاً بالغاً في الحصول عليهم ما سقط من سقط منهم، وما ضل من ضل منهم، وما انحرف من انحرف منهم بغتة أو فجأة أو بين عشية وضحاها، لا تصدق أن رجلاً قال: بات ولدي ليلة صالحاً فأصبح فاجراً، لا تصدق من قال: أصبح ولدي مؤمناً فأمسى كافرا، لا تصدق من قال: غدا ولدي براً فراح مجرماً!! لا. إنما المسألة لها خطراتٌ وخطواتٌ وكما قال الأول: وللمنية أسبابٌ من السقم قد يكون السبب الأول فيما تكرهه وفيما أقض مضجعك وعذب ضميرك، وآذاك في نفسك، ونكد عليك عيشك، وجعلك تتجرع الغصص في حلقك ربما كان السبب في انحراف ولدك هو أنت أنت من حيث لا تشعر. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ أخي الحبيب: أنت الولي وأنت الأب والمؤدب والراعي ربما كنت سبباً في ضياع أولادك، وربما دمرت هذه الأسرة بمن فيها من البنين والبنات، ربما كنت السبب بل المتهم الرئيس في إذكاء شعار الفتنة والمتاهة والشقاء في أولادك وبناتك، والبعض يقول: لا. لا تحملني المسئولية وحدي، أليس على الولد كفلٌ من هذه الملامة؟ أليس للولد حظٌ من هذه الأسباب؟ الجواب نعم. ولكن أخي الحبيب! إن الولد حينما يقول: هذا جناه أبي علي، وما جنيت على أحد إذا كان والده من المضيعين له الذين لم يحسنوا تربيته ولم يلتفتوا له أبداً. نعم. كثيرٌ من الآباء والأمهات ما قصروا، ألبسوه ناعم الحلل، وأسكنوه أوسع الفلل، وعطروه وزينوه وعالجوه، ما تركوا موضع إبرة في بدنه إلا ونعموها بطعامٍ وشراب، ولباسٍ ودواء، ولكنهم تركوا أكبر شيءٍ في بدنه وهو فؤاده وقلبه وعقله، جسمه المحدود اعتنوا به، أما عقله وقلبه الذي يتسع لأضربٍ من الشر كثيرة، أو أصنافٍ من الخير كبيرة عظيمة أهملوه، ما تركوا جانباً إلا وقدموا له وافر الغذاء فيه، أما غذاء روحه وغذاء عقله وفكره، فأهملوه غاية الإهمال، وحينئذٍ حينما يتخلى الأب وتتهاون الأم في ذلك الأمر سهل للأعداء من شيطان الجن وشياطين الإنس إفساد الأبناء وسلخهم من الحجاب والحياء، وإماتة العفاف والآداب في أنفسهم، أوليس إذا تخلى الولي عن الولاية والأمانة التي تعلقت برقبته؛ ضاعت الأمور من بين يديه؟! إذاً أنت أنت أيها الأب! أنت المسئول قبل كل شيء؛ لأنك أسلمت الولد والبنت لقمة سائغة للذئاب البشرية، لأنك تواريت وابتعدت وتزاورت ذات اليمين وذات الشمال عن دفة القيادة ومسئولية التوجيه والرياسة، فسمحت لأسراب الخفافيش أن تغزو منزلك في جنح الليل المظلم، ورضيت بالمنكرات والمعاصي أن تتصدر مساحاتٍ كبيرةً من بيتك وتستحوذ عليها، أنت بهذا شعرت أم لم تشعر أفسدت ولدك، وكنت عوناً لشياطين الإنس والجن في تحقيق مآربهم من هنا وهناك، ولذا أيها الأحبة! كان لزاماً علينا أن نتأمل هذه المسئولية العظيمة، وإن القليل القليل من التوجيه والرعاية يحفظ الأولاد بإذن الله، ويغني عن الكثير الكثير من الآداب والوعيد والتهديد والملاحقة في الكبر، فما دام الأمر سهلاً يسيراً، والأولاد لا زال الواحد منهم غضاً طرياً كأغصانٍ غضة لينةٍ كيفما عدلتها اعتدلت، فإن ذلك أسهل بكثير من أن تهمله حتى إذا بلغ الولد سبعة عشر عاماً، أو ستة عشر عاماً أو أقل أو أكثر، أخذت تهدده بالعصا، والحرمان والطرد والإبعاد، والجلد والإهانة، والتوبيخ والعبارات الجارحة التي لا تزيده لك إلا بغضا ولا منك إلا فرارا.

стр. 1047

غش الرعية أيها الأحبة: واجبنا مراراً أن ننتبه لهذه المسئولية وهي مسئولية كلنا يحاسب عنها: كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، بل يقول ﷺ : (إن الله سائلٌ كل رجلٍ عما استرعاه حفظ أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته) أوليس هذا أمراً عظيماً؟ إن الواحد لو كان أمين صندوق وجاء يوم الجرد لاحمر وجهه، وخفق فؤاده، خشية أن يضيع مما استودع شيئاً من حطام المال قليلاً كان أو كثيراً، لكن لا يبالي حين يضيع من أولاده خمسة، أو لا يبقى من العشرة إلا اثنان لا يبالي أبداً، وهذا -أيها الأحبة! - من الجهل العظيم، بل إن ذلك غاية الغش والظلم والخديعة والخيانة، كما قال ﷺ : (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة). ما تقولون في رجلٍ غش رعيته، وهم زوجته وأولاده وبناته وأهل بيته؟ غشهم فما أمرهم بالصلاة، وما نهاهم عن المنكرات، بل جعل البيت مسرحاً ومستودعاً لكل ألوان الفجور والفساد، وحجته بذلك أنه لا يريد أن يكون مطوعاً، لا يريد أن يكون متشدداً، لا يريد أن يكون متزمتاً، بل يريد أن يكون منفتحاً متساهلاً، معتدلاً متوسطاً، من الذي قال لك إن هذا هو الاعتدال؟ إذا كان هذا الذي يفعله بعض الناس اليوم من الرضا بالمنكرات في بيوتهم، وتربية بناتهم على التبرج والسفور، والسماح للزوجات أن تكون الواحدة منهن خراجة ولاجة، لا شغل لها إلا الذهاب والإياب، ولا يعرف شيئاً عن بيته، فلا يبالي أن يكون هو الذي سعى في تدمير بيته وتدمير أسرته. كثيرٌ غشوا زوجاتهم وأولادهم وبناتهم وضيعوهم غاية الضياع، وأهملوهم غاية الإهمال، والنبي ﷺ يقول فيمن كان هذا حاله: (يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة). إن غاية الإثم أن يضيع الواحد من يقوت، كما قال ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) وملاك ذلك قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] كل واحدٍ منكم من يسمعني الآن، أو يسمع هذا الكلام بالشريط بعد الآن، كل واحدٍ منكم إما أن يكون أباً، وإما أن يكون ولياً، أو سيكون أباً عن قريب لا بد أن يتحمل مسئوليته وأن يستعد لهذه الأمانة التي ثقلت على السماوات والأرض وحملها الإنسان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢]. أخي الحبيب: إنك يوم أن تعتني بصلاح أولادك وتعتني بتربيتهم وتترك كثيراً من حظوظ نفسك وشهواتها من السهر مع أصدقائك وزملائك، وتحرم نفسك من بعضها في سفراتك وذهابك وإيابك، لتجعل أهلك وأولادك أحق بذلك من هذا كله تذكر أنك تساهم في بناء مجتمعٍ صالح، وتسعى في تكوين أمة مسلمةٍ، نحن بأمس الحاجة إلى إيقاظ جذوة الوعي والشعور اليقظ فيها، يقول ابن القيم ﵀: وكم من رجل أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء. اسمع هذه الكلمة من مربٍ فاضل وعالمٍ جليل يقول: وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته: -يعني: أغلب فساد الأولاد- من قبل الآباء، انتهى كلام ابن القيم من تحفة المودود في أحكام المولود. أحبتي في الله: بعض الآباء الكرام إذا رأى من أولاده تمرداً أو انحرافاً بدأ يتذمر ويشتكي، وما علم أنه هو السبب الأول في ذلك التمرد والانحراف، بل شأنه كما قال الأول: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء بل يجعل ولده كغنمة في قطيع من السباع والذئاب ويقول: من الذي نهشها؟ من الذي تعرض لها؟ من الذي اعتدى عليها؟! ومن رعى غنماً في أرضِ مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسد هذا شيء لا شك فيه، والخلاصة: أن بعض الآباء يدري ما يعمل ابنه لكنه يتعامى وكأنه ما رأى، يقال له: يا فلان! ولدك رئي البارحة ومعه باكت دخان ويدخن في والزاوية الفلانية، يقول: سيهديه الله إن شاء الله، يا فلان! ولدك رئي البارحة مع شباب أكبر منه سناً سيماهم سيما أهل الفجور، يقول: سيهديه الله سيهديه الله، وهو ولد ليس عليه خطر فهو رجل، الخطر على الحرمة -على الأنثى- أما الولد ما عليه خطر، يا فلان! ولدك تغيب عن المدرسة يقول: بكيفه إن نجح فلنفسه، وإن فشل فعلى نفسه، يا فلان! الولد ظهرت عليه العلامات التالية، بل وأقبح من ذلك جريمة الأم التي تتستر على جرائم الأولاد، أم تفتش ثياب الولد تجد سيجارة فتقول: اسكت اسكت وتنتبه أن يعلم أبوه، صبوا عليها سيبون في الحمام وكأننا ما رأينا ولا درينا، لو درى عنه سيذبحه، دعيه يقطعه، دعيه يجلده، هذا أوان التأديب، لكن جريمة من الولد يتبعها جريمة تسترها الأم، ويكملها جريمة غفلة الأب، ثم تكون النتيجة ما يكرهه الإنسان ولا يحمد عاقبته.

стр. 1048

المجتمع وتعاونه في تربية الأبناء وينبغي لنا أيضاً أن نكون عوناً لبعضنا في تربية أولادنا، نعم هي مسئولية توجه لكل أبٍ ولكل أم ولكل وليٍ مباشرة، لكن ولنا حقوق متبادلة تجاه بعضنا، فأنت إذا رأيت من أولادي أمراً غريباً فأخبرني، وأنا إذا رأيت من أولادك أمراً عجيباً أنبئك ونتبادل الحديث، وننتبه لهذه المسألة، بل إن بعض الآباء -وهذه سنة حسنة في أحد الأحياء- لاحظوا ملاحظة أن أناساً شباباً كباراً يأتون إلى حيهم وهم ليسوا من سكان الحي، شباب كبار كما يسمون من (الدشر) ينتقلون من أحياء إلى أحياء ثانية، الذي معه السيارة الفخمة، والذي معه سيارة ملونة ويبدءون يغرون الصغار والسفهاء بمختلف الأساليب كما تدور الثعالب على ديكٍ فوق الشجرة، ما الذي يحصل لما رأى رجال ذلك الحي أن غرباء سيماهم لا تنبئ بخير قد جاءوا يترددون في حيهم بسياراتهم وتصرفاتهم، ويأتون في أوقاتٍ مريبة بهيئاتٍ وأشكالٍ عجيبة، قاموا وسوروا أرضاً وسط الحي، واستدعوا رجلاً مربياً فاضلاً من أهل القرآن وقالوا: نعطيك جعلاً، نعطيك مالاً شهرياً، أولادنا هؤلاء الذين يخرجون من البيوت بحجة لعب الكرة، أنت المسئول تجلس معهم من بعد العصر إلى مغيب الشمس، وأول ما تبدأ معهم جلسة الشاي واقرأ أنت وإياهم ولو نصف صفحة من القرآن ثم اجعلهم يلعبون الكرة أمام عينيك أمام هذا السور المسور، أمام أعينكم جميعاً وإذا أراد رجل غريب أن يدخل عليهم فلا تسمح له وامنعهم عنه، ما هي إلا أيام بعد أن نفذوا الفكرة حتى أصبح الحي نقياً سليماً خالياً من تلك الذئاب الزائرة التي تزور لتقتنص من أطفال الحي والمراهقين فيه بين الفينة والأخرى. إذاً حتى مسئولية إصلاح الأبناء نتبادل التعاون فيها ونتبادل الأدوار فيها، وليس هذا والله بكثيرٍ أبداً.

стр. 1049

الاعتناء بالأبناء في الصغر له ثمرة في الكبر أخي الحبيب: إننا حينما نعتني بتربية الأولاد منذ بداية نشأتهم -كما قلت- ندخر جهداً ومالاً ووقتاً كثيراً في التوجيه حال بلوغهم سن المراهقة، الأمر الآخر أننا بأمس الحاجة أن نقطف ثمراتٍ نحن غرسنا بذورها بأيدينا، نحن في أمس الحاجة أن يستمر عملنا الصالح بعد موتنا، أوليس الواحد منا يحز في نفسه وفي فؤاده أنه إذا مات انقطع عمله، فما عاد كما كان في الدنيا يصلي صلاةً ويستغفر ويذكر ويتصدق، ويجاهد ويدعو ويعمل ويعين ويغيث ويناصح، انقطعت الأعمال، إلا إذا كنت ممن اعتنوا بتربية أولادهم منذ نشأتهم فإنك من الذين لا تنقطع أعمالهم بعد موتهم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالحٌ يدعو له، وعلمٍ ينتفع به، وصدقة جارية) فأنت إذا ربيت أولادك تربية حسنة ثق أن الحسنات لا تزال تجري عليك، ولا تزال يوماً بعد يوم في نعيم، وفي سعادة وفي أنس، وفي رفعة درجات، بل تلقى الله يوم القيامة بخيرٍ ما خطر على بالك، وتقول: يا رب! أنا من أين جيء لي بهذا الخير؟ فيقال: بصلاح ولدك من بعدك، لكن إن كنت ممن يهمهم أمر العمل الصالح كما كان السلف رضوان الله عليهم والصحابة، فـ معاذ ﵁ لما حضرته الوفاة بكى فقيل: [ما يبكيك يا صاحب رسول الله؟ قال: والله ما أبكي على فراق دنياكم هذه، لكنني أبكي على فراق قيام ليالي الشتاء وصيام أيام الهواجر، ومجالسة أقوامٍ ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي أطايب التمر آكله] يبكي مع أنه من جبال العمل الصالح، لا يبكي على الموت وفراق ملذات الدنيا، بل يبكي على العمل الصالح أنه سينقطع مع أنهم خلدوا حسناتٍ وصدقاتٍ جارية ماضية، رضوان الله عليهم وجمعنا بهم في الجنة. فأنتم -يا أحبابي- الواحد منكم عمره أربعون سنة: (أعمار أمتي بين الستين والسبعين وقليلٌ من يجاوز) عمرك خمسون، بقي عشر سنوات، عمرك ستين استعد: (قد أعذر الله لامرئ بلغه الستين من عمره) عمرك أربعون إذاً فقد بلغت أشدك: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأحقاف:١٥] فأياً كان عمرك فاستعد للرحيل. ومما يحز في خاطرنا جميعاً أن الواحد إذا تفكر في الرحيل تقطع قلبه ويقول: أنا الآن في المقبرة، تخيل نفسك الآن وأنت في المقبرة، من يصلي عنك؟ من يتصدق عنك؟ من يصوم عنك؟ من يعمل صالحاً عنك؟ كما كان أحد السلف يفعل يقول: إذا قسا قلبي وضعفت نفسي عن الطاعة ذهبت إلى المقابر فجلست في اللحد وقلت: يا فلان! هأنت الآن في دار البرزخ فمن يصلي عنك من يصوم من يتصدق عنك من يجاهد عنك من يعمل صالحاً عنك؟ قال: ثم أقول: لا إن لي فرصة في الدنيا فأخرج وأبادر نفسي في العمل الصالح، لكن إذا مات الإنسان وانقطع عمله فالولد من أعظم الصدقات الجارية والحسنات التي تمضي ولا تنقطع بإذن الله لمن اعتنى بتنشئة ولده وتربيته، أسأل الله أن يعيننا وإياكم على تربيتهم، وأن يقر أعيننا وإياكم بصلاح ذرياتنا.

стр. 1050

خطر إهمال تربية الأبناء أحبتي في الله: لما أهمل الأولاد وضيعت حقوقهم؛ ضاقت السجون بمن فيها، وسائلوا دور الأحداث والإصلاحيات، يأتكم إخوانكم فيها بالخبر اليقين، ويصورون لكم حالة الضياع والمتاهات التي يتخبط فيها كثيرٌ من الشباب والأحداث اليوم، بل تصفحوا أرقام وإحصائيات ما يسمى بجنح الأحداث، تجدون من الأمر عجبا، بل ما نجده في أسواقنا وشوارعنا ومفارق طرقنا من هيئاتٍ عجيبة، وبزاتٍ مقززة، وقصات غريبة، وتسكع ومطاردة للنساء، وإغواء للأحداث ما هو إلا أن التربية والرعاية وأمانة الأبناء قد أهملت عند كثير من الآباء إلا من رحم ربك وقليلٌ ما هم. اليوم تصفحت أوراقاً فإذا بي أجد قصة ولدٍ حدثٍ عمره ستة عشر عاماً يقتل ولداً آخر عمره خمسة عشر عاماً طعناً بالسكين، ولعل الشيخ -حفظه الله- ممن عملوا أو لا زالوا يعملون الآن في ما يسمى بإصلاحيات أو دور الأحداث، وقد ذكر لي شيئاً وذكر لي بعض زملائه الفضلاء من أمثاله أشياء يشيب لهولها الولدان، أطفال صغار تربوا تربية بين الآباء والأمهات إلا أنهم تخرجوا ذئاباً مفترسة ووحوشاً كاسرة وهم في بيوتٍ قد امتلأت بالذرية والآباء والأمهات والأبناء والبنات، والسبب الإهمال، وللأسف فبعض الآباء يعلم ولده كيف يكون شرساً، وكيف يكون ظالماً، وكيف يكون معتدياً يقول لابنه: افطن، انتبه لا يأكلوك، خذ منهم ولا تعطهم، اسرقهم لا يسرقوك، هذا من الجهل، هذه من الحماقات ومن عادات الجاهلية التي تعود أصحابها النصب وقطع الطرق واللصوصية. رجل يخبرني يقول: تركت بيتي ورحلت عن الحي الذي كنت أسكنه بسبب أن الدراجة التي تخص ولدي سرقها ولد الجيران، قال: فذهبنا إليهم نريد أن نأخذها، قال: فخرج علينا والده فحييته وسلمت عليه وقلت: أنا جارك فلان ولدي يقول: إن دراجته أخذها ولدك، فاستدعى ولده قال: دراجة فلان عندك قال: نعم. قال: هل تردها له؟! -يشاوره سبحان الله العلي العظيم! هل يحتاج رد المظلمة ورد المال المغصوب إلى مشاورة؟ - وأقبح من ذلك أنه قال له: إذا تريد أن تعطيه فبكيفك! لا يجوز أن نربي أولادنا على هذه العادات القبيحة السيئة، والبعض هو الذي شجع ولده على السطو والجريمة وعلى الاعتداء بحجة: أريده فحلاً رجلاً أعوده الرجولة، ويمكن أن يتعلم الرجولة بدون أن يتعلم الظلم، يمكن أن يتعلم قوة الشخصية دون أن يتعلم الكذب والخيانة، يمكن أن يتعلم الثقة بالنفس دون أن يتعلم اللؤم وخسة الطباع، لكن للأسف بعض الآباء هداهم الله لا يزال في جاهلية جهلاء. وبعض الآباء لا يبالون هل الولد في خير أم في شر؟ ربما منَّ الله على ولده بصحبة صالحة انتشلوا ولده فليس بجهده ولا بجهد أمه ولا أخواله ولا أعمامه، بل بفضل الله ثم فضل جلساء طيبين صالحين، في مكتبة المسجد، أو في جمعية المدرسة، أو في المعهد، التفوا حول هذا الولد وانتشلوه، فتجد في البيت الواحد أبناء صالحين، وأبناء فجاراً ضالين ولا حول ولا قوة إلا بالله! والسبب لا يعود إلى الآباء والأمهات بصلة، بل عائدٌ أول شيء إلى هؤلاء الذين أحاطوا به، وبعضهم أحاط بهم أهل السوء فأصبح سيئاً، وبعضهم أحاط به أهل الضلالة فأصبح ضالا.

стр. 1051

توجيه الأبناء بالتي هي أحسن أحبتي في الله: لو لم يكن توجيه الأبناء أمراً عظيماً مهماً لما تكرر ذكره في القرآن في مواضع شتى، يقول الله وهو يقص علينا وصايا لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] أنا أجزم وأقطع يقيناً أن نسبة (٩٠%) أو (٨٠%) من الآباء قلَّ منهم من نصح ولده نصيحة مباشرة، نعم الأغلبية الساحقة لم يعرف إلا سبابه وشتيمته، يا خسيس يا كلب يا فاجر يالذي فيك ويعوده من العبارات ما يركب الولد شخصيته على ما يسمع، فإذا قال له الأب: يا حمار؛ فعند ذلك الولد مستعد أنه ينهق ويتحمل الأثقال، ويكون غبياً وتافهاً وركوباً وحمولاً. وإذا قال له أبوه: يا مكار يا مخادع؛ أصبح يتفنن في ابتكار الخدع والأحابيل ونصب الشباك للناس، فبعض الآباء يظن أنه ينصح والحقيقة أنه يسب أولاده، وهذه أيضاً خصلة قبيحة خسيسة! إياك أن تسب أولادك! إياك أن تشتمهم! إياك أن تعطيهم من العبارات السيئة التي لا تليق! فقد تكون سبباً في إحباط وإجهاض الآمال والمعالم التي يطمحون أن يصلوا إليها، بل عودهم أنك تراهم في عينك قمماً ورجالاً وتراهم جبالاً، اجلس معهم وقل لهم: يا أولادي! الصدق منجاة، الصدق سببٌ إلى الجنة، الصدق يهدي إلى البر، والرجل الذي يصدق يحبه الله ، الصدق كله خير وعاقبته خير، والكذب أمرٌ خسيس ورديء، والكذب من صفات المنافقين، والكذب من صفات أهل النار. ما تجد إلا القليل منا من يناصح أولاده، اليوم كلمة عن الأمانة، فالأمانة أمرها عظيم، والأنبياء هم أهل الأمانة، والعلماء من بعدهم يتحملون الأمانة، والأمانة لا يحافظ عليها إلا المؤمن التقي، والذي يخون فهو من أهل النار، والخيانة صفة ذميمة، أعطهم قصة أو قصتين، مثلاً أو مثلين، بيتاً أو بيتين عن الخيانة، لا بد بين الفترة والأخرى من أن تعطيهم نصائح عن الصدق عن الأمانة عن الوفاء عن التعاون عن الإيثار عن التواضع عن المحبة، تحذرهم من الكبر من احتقار الناس من أذية الناس من الحسد من الحقد، تارة تحذر من أشياء، وتارة تنصح بأشياء، لكن للأسف كثير منا لا ينصح أولاده أبداً! والأدهى والأمر أن بعض الآباء تجده رجلاً صالحاً، من أهل الصلاة ومن أهل الصلاح، إلا أنه لم يعرف كيف ينصح أولاده، ويظن البعض أنه يحتاج إلى أن يكون كـ سحبان بن وائل في الخطابة، أو ثابت بن قيس، أو حسان في الشعر حتى يؤثر عليهم، لا. بالكلمة الدارجة وبالعبارة المفهومة وباللغة الطبيعية التي تحدثهم بها في البيت، ناصحهم وحذرهم، ومرهم وانههم وازجرهم فبهذا يتربون وهم لا يزالون صغاراً.

стр. 1052

الأمهات وإهمالهن للبنات كذلك الأم، بعض الأمهات لا يعنيها أمر ابنتها، سماعة الهاتف في أذن ابنتها من بعد العصر إلى أذان العشاء، أو من بعد العشاء إلى منتصف الليل، تكلم زميلاتها، كل هذه دراسة؟! كل هذه واجبات؟! كل هذا دراسة ومذاكرة واختبارات تتعلق بالدراسة؟! ما المانع أن تقول الأم: بنيتي! أعطيني زميلتك هذه أسألها عن اسم أمها، أمن آل فلان أو من آل فلان؟ دعيني أتعرف عليهم من أي بيت؟ من أي عائلة؟ من أي قبيلة؟ من أي حمولة؟ على الأقل تتأكد الأم وتعرف. بعض البيوت البنت لها هاتف خاص في حجرتها، ولا يدري أهل البيت من يتصل بها ومن لا يتصل، وهذه من الأسباب التي أدت إلى ضياع كثير من البنات، والذي يريد أن يتأكد من هذه الحقيقة فليسأل رجال الهيئة، وجود هاتف وخط مفتوح للبنت في غرفة نومها من أسباب انحرافها، نحن لا ندعو إلى الشك، لكن ندعو إلى حماية الأبناء من الشر، بعض الناس يضع كأس الخمر ويقول: والله ما في داعي للشك أنهم يشربون، يا أخي! لا تضع الخمر ولا تشك. قالوا لرجل من البادية: إذا وطيت الجني قل: باسم الله، قال: لا تطأ الجني ولا تسمِّ من أولها، فما هناك حاجة أنك تجعل في غرفة كل ولد وكل بنت هاتفاً خاصاً، التليفون في الصالة نعرف من المتصل ومن الطالب، المتصل هو داخلٌ إلى داخل البيت بلا استئذان، الذي يطرق الباب على الأقل ويقف في الشارع وأهل البيت يعرفون أن الباب طرق، ومن هو وماذا يريد؟ لكن الداخل عبر الهاتف شأنه عظيم، يدخل إلى البيت بغير استئذان، وربما يأخذ أسرار البيوت ويعرف ماذا يدور فيها بغير رضاً من أهلها أو لا حاجة له في ذلك، بل ربما يخطط لسوءٍ ويدبر مكيدة وشراً عليه، لذا كان من الواجب أن نتخذ الأساليب التي تدعو إلى الحيطة ثم لا نشك. البعض يقول: أنتم -يا مطاوعة- ما عندكم إلا الشك، إن ذهبت البنت للسوق شككتم فيها، وإن رفعت السماعة شككتم فيها، وإن جاءتها زميلتها شككتم فيها، لا يا أخي الحبيب! نحن منهيون عن التجسس، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولكن مأمورون بالاحتياط والحذر وعدم الإهمال، وهذه من أهم الأمور، أقول: إن بعض الأمهات لم تنصح ابنتها يوماً من الأيام، كثير من الأمهات لم تحدث ابنتها عن النتائج الوخيمة التي حلت بكثيرٍ من الفتيات اللائى أصبحن يتبادلن الغرام مع شباب يعاكسون عبر الهاتف، بل إن البعض تقول: والله أنا لا أدري البنت هذه ليست طبيعية فقط، ليست طبيعية وساكتة على الموضوع؟!! وبعضهم يقول: الولد هذا ليس طبيعياً، والله لا أدري، وساكت عن الموضوع، كذلك وراضٍ ولا حول ولا قوة إلا بالله!! كل هذه المشاكل التي يتضايق منها الكثير من الآباء والأمهات نستطيع أن نتجنبها، فإذا اعتنينا بالأطفال وهم صغار فإننا نستطيع أن نتحاشى وأن نتجنب الكثير من المشكلات العظيمة. إن النبي ﷺ يوم أن قال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) ولا يلزم أن ابن عشر يمكن أن يقرب أخته أو يزني بها، لكن التربية تقتضي أن تجعل الخط واضحاً ومستقيماً، بلغ عشر سنين؛ إذاً يفرق بينه وبين إخوته في المضجع، يكون في حجرة أو هي في حجرة، إذا كان البيت صغيراً جداً فالأم في وسط والأولاد في طرف والبنات في طرفٍ آخر، لا بد من التصرف بحكمة بالغة حتى لا نندم ولات ساعة مندم أو نعض على أصابع الندم ولا ينفع حينئذٍ ندم.

стр. 1053

تعويد الطفل على فعل الطاعة وترك المعصية أحبتنا في الله: من المعلوم والمشاهد بالتجربة أن الصغير إذا تعود شيئاً ونشأ عليه اعتاده وسهل عليه كبيراً وكما قال الأول: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه وما دان الفتى بحجٍ ولكن يعوده التدين أقربوه ولكن إذا كان الآباء والأمهات ما عودوه على الخير، ولا على التدين؛ الأب يصلي ويتركهم على فرشهم، والأم تفرش السجادة وتصلي ولا تسأل بناتها صلين أم لم يصلين، أما إذا جاء موعد الاختبارات، أو مواسم الدراسة، أو جاءت الساعة السابعة إلا ربع، أو ستة ونصف صباحاً، والله ما أخذت فسحتك؟ والله ما أفطرت يا فلان؟ والله ما أخذت شرابك؟ والله ما لبست الجزمة؟ يتفقدون الولد من رأسه إلى قدمه، كل ما على جسمه يتفقد لكن ما يتعلق بقلبه لا يتفقد أبداً، في حين أن الولد إذا عُوِّد على شيء تعوده، وأخذه يقين بدون الحاجة إلى أي برهان أو دليل، لكن إذا ضيعته وأردت أن ترده من جديد فدبر لك مائة حجة ومائة برهان ومائة دليل، لأجل أن تقنعه بالرجوع إلى الصراط المستقيم الذي تريده أنت. يقول لي أحد الأحباب وهو رجلٍ صالح قال: إني مما عودت أولادي عليه أن أحذرهم من تعليق الصور على الجدران، وأقول لهم: إن تعليق الصور أمرٌ لا يجوز ومنهيٌ عنه، وقد يكون سبباً في عدم دخول الملائكة إلى هذه المنازل إلى غير ذلك، قال: في ذات يوم حصلت مشاجرة بين أحد الأطفال مع أخيه الأصغر ولعل أمه قست عليه في العقوبة قال: فما كان منه إلا أن تهددها وقال: والله إذا ضربتيني سوف أعلق صورة في الجدار فأدع الملائكة لا تدخل بيتنا، مقتنع تماماً بيقين أن التعليق أمرٌ يعني عدم دخول الملائكة، فأنت إذا علمت الصغار كل شيء منذ الصغر فذلك أمرٌ مهمٌ جداً.

стр. 1054

التربية على كره أهل المعاصي وحب أهل الطاعة كذلك من الأمور المهمة في مسألة التوجيه والتربية، وأبناؤنا أمانة في أعناقنا، أن نربيهم على كره المعاصي وأهلها، وحب الطاعات وأهلها، فنعود أبناءنا، حب أهل الخير، وحب العلماء وحب الصالحين، وإكرامهم وتبجيلهم وتقديرهم واحترامهم، وفي المقابل نعودهم على بغض أهل المعاصي، وإذا رأينا أمراً من أمور المعصية أو وقعت أعينهم على صورة مُهَرِّجٍ أو مطربة أو مغنية أو فاجر أو فاسق، لا بد أن يسمعوا منا عبارات هم في داخل عقولهم يحكمون، ويكونون تصوراً، ويفهمون أن هذه صورة مرفوضة منبوذة غير مقبولة لا ينبغي أن يكون الإنسان في مثل هذه الصورة أبداً بل ينكرون إذا رأوا أحداً يفعلها، ولذلك تجد الأطفال الذين تربوا في بيوت الإيمان والصلاح والاستقامة إذا زاروا أقارب لهم ورأوا أطفالهم قد علقوا الملابس التي عليها الصور قالوا: انظر الطفل معلق صورة على صدره!! -لأن الطفل تعود في تربيتنا له في بيتنا أنه لا يلبس هذا الشيء- يا أماه! انظري هذه بنت مظهرة لأرجلها ولا تستحي، ما تسترت؛ لأننا عودناها وإن كانوا أطفالاً لم يبلغوا أن البنت تستر العورة، ولا يخرج من عورتها شيء، الطفل يقول: انظر يا أبي! هذا يشرب الدخان، هذا يفعل كذا! لأنك ربيته على ذلك، كيف ينكر؟ لأنك من قبل ربيته على أن التدخين من أسباب السخط والعقوبة، وأنه محرم ولا يليق ولا يجوز، علمت الأم ابنتها أن التبرج منه أن تخرج المرأة ساقيها أو فخذيها، وأن اللبس الذي يكون فيه شيء من الصور لا يجوز وغير ذلك، فأنت علمته أشياء، لما رأى ضدها صار عنده معادلة داخلية، تعلم من أهله أن هذا لا يليق، ورأى أناساً ينفذون هذه الأمور ويتلبسون بها وهي لا تليق، فكانت النتيجة الصحيحة أن الطفل الصحيح ينكر هذه المشاهد. الطفل الذي تربى تربية صحيحة، تقول له: تتمنى أن تصبح فناناً؟ يقول: أعوذ بالله، أنا لا أرضى أن أكون فناناً، وقد يقول كلمات طبعاً لا يلزم بالضرورة أن تكون أحكاماً صحيحة، ولكن الصغير يقول: هذا في النار، مباشرة! لأنه تعلم أن هذا أمر لا يليق أبداً، وتسأله تريد أن تصبح أستاذاً؟ يقول: نعم. أريد أن أصير أستاذاً أصير طياراً أصير إماماً أصير شيخاً ولو قلت لاثنين من الأولاد الصالحين: هذا فنان وهذا شيخ، سيغضب الذي قلت له: فنان، ولا يقبل ولا يرضى؛ لأنه تعود وعنده صورة أن صورة الفنان حقيرة خسيسة تافهة، وصورة الشيخ صورة جليلة مهمة، فهو يتمنى أن يطلق عليه الصورة التي تليق، ويتمناها ويحبها، نحن ينبغي أن نربي أولادنا على مثل هذا الأمر. صحيح أن الأطفال لا يفهمون الكثير من القضايا الفكرية لكن التربية تختزل أشياء كثيرة جداً جداً وخاصة في مرحلة الطفولة، فمبدأ تبغيض المعاصي وتكريه المحرمات في نفوس الأطفال بحيث يبدأ الطفل يكره الشر والأشرار، ويحب الخير والأخيار هذا يجعله -ولله الحمد- على درجة مهمة جداً، بل وفي القرآن ما يؤكد ذلك، كما قال تعالى على لسان لقمان ﵇ وهو ينصح ولده: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٨ - ١٩] يبغض له الصياح والإزعاج الذي ليس له داعٍ ولا موجب ويقول: هذا الذي يزعق بالصوت مثل الحمار-أجلكم الله- فلنا في هذا حجة قرآنية: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء:٣٧] كل هذا مما يؤكد على أن بيان الصورة السيئة الكريهة، وجعل الطفل يمقتها ويبغضها ويكرهها، أمرٌ في غاية الأهمية.

стр. 1055

رقابة الأبناء وتربيتهم روحياً أعود لأكرر -أيها الأحبة- إن بعض الآباء الكرام والأمهات والأولياء يجتهدون في التربية والوعظ والتوجيه لكن دونما رقابة أو متابعة في تطبيق ما ربوا أولادهم عليه، ليس من الحكمة أن نترك للأولاد والبنات الحبل على الغارب. أين يذهبون؟ متى يأتون؟ من يصاحبون؟ كيف سلوكهم في المدارس؟ ماذا يحملون في حقائبهم؟ ماذا يقرءون؟ ماذا يسمعون؟ ماذا يرون؟ أسئلة جوابها لا يمكن أن نراه أو نجده إلا بالمتابعة والرقابة اللطيفة، والسؤال الحثيث في المنزل والحارة والمدرسة؛ مع المدرس والمدرسة ومع الجيران، نستطيع من خلال ذلك أن نحكم وأن نكتشف إلى أي درجة وصلت شخصية هذا الولد، ولكن أيضاً بطريقة لا تشعر الأولاد والبنات بأنهم جنودٌ في ثكنة عسكرية أو كأنهم متهمون تلاحقهم الجواسيس. مسألة مهمة تتعلق بالتربية الروحية، كثيرون يعتقدون أن دورهم على توفير الطعام والشراب، والترفيه والدواء والعلاج، والحقيقة أن كثيراً من هؤلاء قد نسوا أن تربية الروح وتهذيب النفس مطلبٌ من أهم المطالب يا خادم الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسرانُ أقبل على الروح فاستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
следующие страницы →