Полный текст (3 155 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
التشبه بالكفار في الملبس والكلام
كذلك من مظاهر موالاة المشركين: التشبه بهم في الملبس والكلام وغيره، ولأن التشبه بهم في الكلام والملبس وغيره يدل على محبة المتشبه به، ولهذا قال ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم) كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، يعني: الصراط المستقيم الذي أنت تدعو الله أن يهديك إليه كل يوم في المفروضات سبع عشرة مرة في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] في كل ركعات الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، اقتضاء الصراط المستقيم هذا أن تخالف أصحاب الجحيم، فلا تتشبه بهم البتة فيما هو من خصائصهم، أما ما أصبح عاماً ليس من خصائصهم، فلا يدل ذلك على موالاتهم، فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم وسمتهم وأخلاقهم وما يقعون فيه، وللأسف الآن أصبح بعض المسلمين يتشبه بهم حذو القذة بالقذة، كما قال ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).
مرة من المرات لقيت شاباً في ولاية اسمها ساندياجو على حدود المكسيك، فسلم علي بعد محاضرة أقيمت، ولكن لفت نظري أن له ظفيرة وعليها ثلاث ربطات، فقلت: هذه فتاة التزمت وحضرت المحاضرة، فلما دنا، عرفني بنفسه، فإذ به يتلكم العربي واللهجة التي أعرفها تماماً، ما شاء الله! من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان من المكان الفلاني والحي الفلاني، قلت: يا سبحان الله! ما الذي حدث لك حلقت شاربك على لحيتك، وعصبت شعرك؟ فأخذ يبتسم، وقال: لا.
أنا جئت وسكنت مع مجموعة من الطلبة والطالبات في دورات لغة ودورات أخرى.
انظروا خطورة الاتصال الذي لا يسبقه مناعة وحذر من الموالاة، يقع الإنسان في التشبه مباشرةً من حيث لا يشعر، انظروا إلى ما في قلبه أيضاً، انظروا إلى الجانب الطيب في شخصيته أنه جاء ليحضر المحاضرة، وجاء ليشهد معنا الصلاة جماعةً، فهذه من الأشياء التي يشكر عليها أنه قدم واستمع إلى المحاضرة، وجاء يسلم وشكر واستفاد، لكن مسكين نسي أنه في حال منكرة من هذا الحال الذي هو عليه، تشبه بالكفار تماماً، حلق لحيته وشاربه، ما كنا نرى ونعرف أن الشباب يعصبون شعرهم ويجعلونه ظفيرة واحدة ويربطون عليه بكله إلا لما فعل الكفار ذلك، وأصبحت -للأسف- ترى أن من شباب الإسلام اليوم من يفعل ذلك، بل وأصبح من ذلك التشبه بالنساء ليس تشبهاً بنسائنا، لكن تشبهاً بشباب الكفار هناك لما وضعوا الأقراط، القرط يضعه بعض الشباب في أذنه، وبعضهم يضع قرطين، وبعضهم يلبس القلادة والسلسلة، من أين جاء هذا؟ من ضعف الولاء والبراء، وإلا أمة لا تسجد لله وتكفر بنعم الله وتتسلط على أولياء الله وتجوع شعوب المسلمين، هل يستحقون أن تشابههم؟ تصور أن قبيلةً من القبائل مثلاً غزو أهلك وجماعتك وقبيلتك، وذبحوكم وآذوكم، وفتكوا فيكم شر الفتك، وهذه القبيلة لها سمتٌ معين في شعرها، وسمتٌ معين في لباسها، وسمتٌ معين في هيئاتها، أفتظن أنك يا ولد القبيلة التي نحرت وذبحت وأوذيت وجوعت وطردت وشردت تقبل أن تتشبه بهم، أو ترى أحداً من قبيلتك يتشبه بتلك القبيلة الذين آووك وذبحوك وشردوك وطردوك؟
الجواب
لا.
فلماذا يتشبه أبناؤنا بهؤلاء الكفار الذين لم يألونا خبالاً؟ لماذا يتشبه أبناء المسلمين بهؤلاء الكفار الذين هم أنفسهم لا يرون لنا قدراً ولا وزناً؟ هذا الفنان الغربي الذي يسمى مايكل جاكسون قيل له: إن العرب يعجبون بأغانيك، قال: لو علمت أن العرب يسمعون غنائي لغنيت للخنازير ولا أغني للعرب، انظر إلى أي درجة بعض المسلمين يتعلقون في محبة من لا يرى لهم قدراً، ويتعلقون بأقدام من لا يراهم إلا كالصراصير والجرذان والفئران، فيا عجباً كيف تتعلق بمن لا يراك إلا حشرة؟! وكيف تتشبه بمن لا يراك إلا نقيصة؟! وكيف تتبع وتقلد من لا يراك شيئاً أبداً؟! تلك وايم الله من العجائب والمشكلات.
إذاً فالتشبه بالكفار بهذا السمت من دلائل التأثر بهم، أو تحقق نوع موالاة لهم.
стр. 982
الإقامة في بلد الكفار والركون إليهم
أيها الأحبة: ومن صور موالاة الكفار: الإقامة في بلدهم والركون إليهم، وعدم الانتقال من ديارهم إلى بلد الإسلام لمن تيسر له ذلك لأجل الفرار بالدين؛ لأن هناك من المسلمين من اضطر إلى البقاء في دار الكفار اضطراراً، فلم يجد بلداً تؤويه، وقد أهدر دمه، أو خشي على دينه، وأصبح في حال لا يأمن فيها على نفسه وعرضه في بعض بلاد الإسلام، فاضطر اضطراراً أن يهاجر ليفر بنفسه وعرضه ودينه.
إن خطر ذوبان المسلمين في مجتمع الكافرين لا يستطيع أحد أن يتصوره، بل لا يصفه لسان ولا يخطه قلم، فالإقامة في بلدهم وعدم التحول منها لمن قدر على ذلك يعتبر من موالاتهم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:٩٧] يعني: الذين جاءت الملائكة لتقبض أرواحهم وهم لا يزالون في مكة، والعبرة في الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهؤلاء الذين نزلت بهم المنية وحل بهم الموت ولم يهاجروا مع النبي ﷺ ، وقد أذن الله لنبيه وأتباعه بالهجرة، نزلت بهم هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء:٩٧ - ٩٩] فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كانت في إقامته مصلحة دينية كالدعوة إلى الله، ونشر الإسلام في بلادهم، فلا شك أن إقامته مما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة، لكن البقاء بين كثرتهم الكاثرة مع كثرة الإمساس وقلة الإحساس تقلل العداوة، وتذيب حديد البراء، وتؤثر على سلوكيات المسلم الخلقية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى أقل إيماناً من غيرهم؛ لأن الإنسان اجتماعي ومدني بطبعه، وهذه جبلة جبل الله عليها بني آدم، فكثرة المساس والمخالطة تفقد الإحساس، لا سيما إذا كان الذي يخالطهم لا يحمل هدفاً في دعوتهم وبيان الحق الذي شرعه الله ، وهذا معلوم، بل إن الإنسان إذا عاشر بهيمة من البهائم تأثر بطباعها، فمن عاشر نوعاً من البهائم اكتسب بعض طباعها، ولذا صار الفخر والخيلاء في أهل الإبل، وصارت السكينة والوقار في أهل الغنم، وصار أصحاب الجمال والبغال فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق البغال والجمال، بل وصار الحيوان إنسياً ووحشياً فيه بعض أخلاق الناس من المعاشرة وقلة النفرة، ولأجل ذلك قال ﷺ -وصدق بأبي هو وأمي-: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه الإمام أحمد وأبو داود.
فإذا كان الأمر كما نسمع، فما بال أقوام لازالوا يعزفون على وتر النشاز، ويعقرون عقائرهم بنداءات مرفوضة وليست بمقبولة، بدعوى التقارب والتآلف والتآخي إلى آخره مع هذه الشعوب الكافرة، نعم.
نحن لا ندعو إلى ظلم أحد، لكن لا ندعو المسلمين أن يذيبوا مسألة الولاء والبراء، لقد قال ﷺ : (من جامع المشرك وسكن معه، فإنه مثله) رواه أبو داود والترمذي، فلا تجوز مساكنتهم في ديارهم وتكثير سوادهم، وقد قال ﷺ : (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، ألا لا تراءى ناراهما).
стр. 983
اتخاذ الكفار مستشارين من دون المؤمنين
كذلك من صور الولاء: اتخاذ الكفار مستشارين من دون المؤمنين، اتخاذهم بطانة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران:١١٨ - ١١٩] والتقدير: تؤمنون بمحمد وعيسى وموسى، وهم طبعاً لا يؤمنون بمحمد: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] بطانة الرجل: خاصته، سميت البطانة بطانة تشبيهاً ببطانة الثوب التي تلي البطن، يعني: من جعل أحداً بطانةً، فهو يستبطن أمره، وهذه البطانة تطلع منه على ما لا يطلع عليه غيره، وقد بينت العلة في النهي عن مباطنتهم في القرآن: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران:١١٨] يعني: العلة في النهي عن اتخاذ الكفار بطانةً وأولياء لأنهم لا يألونكم خبالا، يعني: لا يقصرون في أذيتكم وما يجركم إلى الخبال والوبال، ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد، ثم إنهم يودون عنتكم ومشقتكم والضرر والهلاك بكم، ثم إن العداوة التي ظهرت منهم دليلٌ واضح على ما يكنونه في أنفسهم، فحينئذٍ لا يجوز أن يكون الكفار بطانةً من دون المؤمنين، فالقرآن يبين لنا دخائل الكفار ويحلل نفسياتهم وما يكنون وما يضمرون من بغض وكيد وخيانة، وأنهم يستغلون ثقة المسلمين لإيقاع الضرر بهم.
روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري، قال: [قلت لـ عمر بن الخطاب: لي كاتب نصراني، فقال عمر: ما لك قاتلك الله؟! أما سمعت قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] ألا اتخذت حنيفاً؟ يعني: مسلماً، قلت: يا أمير المؤمنين! لي كتابته وله دينه، فقال عمر: لا أكرمهم وقد أهانهم الله، ولا أعزهم وقد أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله].
وروى الإمام أحمد ومسلم أن النبي ﷺ خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين، فلحقه عند الحرة، فقال: (إني أردت أن أتبعك وأصيب معك، فقال ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا.
قال: ارجع فلن أستعين بمشرك) ومن هذه النصوص يتضح لنا تحريم تولية الكفار أعمال المسلمين الذين يتمكنون بواسطتها الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم ويكيدون لهم بإلحاق الضرر بهم: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١].
ومن عجبٍ أيها الأحبة! ما وقع في هذا الزمان من تساهل الكثير من المسلمين في جلب الكفار إلى بلاد الإسلام وإلى جزيرة العرب خاصة، وجعلهم عمالاً وسائقين ومستخدمين ومربين وبطانةً وغير ذلك، والنبي ﷺ يقول: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).
стр. 984
مداهنة الكفار والركون إليهم ومجاملتهم
أحبتنا في الله: الحديث في صور موالاة الكفار كثير، ومن صور موالاة الكفار: الركون إليهم ومداهنتهم ومجاملتهم على حساب الدين، والاستغفار لهم والترحم عليهم، والثناء عليهم، ومشاركتهم في أعيادهم، والمساعدة في إقامة هذه الأعياد، وطاعتهم، ومجالستهم، والدخول عليهم في وقت يستهزئون فيه بآيات الله، والله يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠].
ومن صور موالاتهم: مودتهم ومحبتهم ومعاونتهم على أذية المسلمين، ومعاونتهم على ظلمهم ونصرتهم والتسمي بأسمائهم.
بالمناسبة: الآن بعض المسلمين أصبح يبحث عن قاموس الأسماء والكنى ثم لا يثق فيه ولا يجد فيها اسماً لولد أو بنت، لكنه يتحرى أن يسمي ولده أو ابنته باسم كافر، ويفتخر والعياذ بالله، بل بعض المسلمين الذين ذهبوا في مجتمعات الغرب يفتخر أن ولده لا يعرف من العربية شيئاً، ويفتخر أن ولده يجيد رطانة الكفار.
نكتفي بما سبق، وأسأل الله أن يحقق لنا ولكم في قلوبنا البراءة الحقة من الكافرين، والموالاة الصادقة لإخواننا المؤمنين المسلمين، وإن كان بقية العناصر تتعلق في صور موالاة المسلمين، وما يجب للمسلمين من الموالاة، لكن لعل الشق الأول قد أخذ كل وقت هذه المحاضرة.
أسال الله بمنه وكرمه أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعله حجةً لنا لا علينا، اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك يا رب العالمين، نسألك اللهم لنا ولإخواننا ولأخواتنا في هذا المكان، وآبائنا وأمهاتنا ألا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا تائباً إلا قبلته، اللهم استعملنا في طاعتك، وتوفنا على أحسن حال ترضيك عنا يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه، وجزاكم الله خيراً.
стр. 985
الأسئلة
стр. 986
مسائل لا تقدح في الولاء والبراء
السؤال
فضيلة الشيخ! سعد البريك أسعده الله في الدنيا والآخرة: هل تقليد الكفار لاعبين أو ممثلين يعتبر ناقضاً من نواقض الولاء والبراء؟
الجواب
قبل أن أجيب على ذلك هنا مسائل دقيقة تتعلق بصلب الموضوع ولابد من ذكرها، فمع تأكيدنا على قضية الولاء والبراء فيجوز للمسلم أن يرد السلام، يعني: إذا سلم الكافر على المسلم بتحية معلومة إذا علمتها وما تضمنتها، فتحيي بمثلها، فإذا قال لك الكافر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليكم السلام.
الآخر: إذا حييت بتحية ولم تعرف مضمونها، فقل: وعليكم، كذلك إذا دعاك الكافر إلى مناسبة تطمع في كف شره بحضورك، أو في استدرار خير منه لنفع المسلمين، أو في هدايته إلى الله ، فلك أن تجيب، والنبي صلى الله دعته يهودية فأجاب، ودعاه يهودي إلى خبز شعير فأجاب، كذلك الولاء والبراء لا يمنع من المعاملة كالبيع والشراء، إلا أن قصدك الشراء من المسلمين ومصانعهم والبلاد الإسلامية ينبغي أن يقدم على ما عند الكفار ما استطعت إلى ذلك سبيلا، بل وأنت تذهب لتشتري الآن خضاراً من السوق، فتجد دكاناً فيه عامل كافر ودكاناً بجواره فيه عامل مسلم، من الولاء أن تتجه إلى هذا الدكان الذي فيه العامل المسلم وتشتري منه، وتدع الدكان الذي فيه العامل الكافر، حتى وإن كان صاحب الدكان مسلماً؛ لأنك بعقيدة الولاء والبراء تقاطعه حتى تأتي بعامل مسلم مكان هذا الكافر، وقس على ذلك أموراً كثيرة.
كذلك المعاملة مثلاً: شركة كافرة احتاجت إلى أعمال وعمال وخبرات، ومن المسلمين من عنده هذه الخبرة، ووجدها وظيفة مناسبة، أو لم يجد من المسلمين من يعطيه هذه الوظيفة التي تناسبه ويحتاج إليها، نقول: يجوز لك أن تعمل، فإن علي بن أبي طالب قد نزح الدلاء ليهودي على تمرات كان يعطيه إياها.
كذلك ليس من الولاء والبراء ظلم الكافر: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] فمهما كان الكافر كافراً، إلا أن كفره لا يجيز لك ظلمه، بل قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩] فمعاملة الكافر بالحسنى -كما قلت- رجاء خيره للمسلمين، حتى وإن لم تطمع في إسلامه، لكن كي يصير في معاملته هذه خير للمسلمين، على سبيل المثال: قد نعامل دولة كافرة معاملة حسنة من أجل أن ينعكس الوضع على الجاليات المسلمة التي تعيش في بلاد الغرب، هذا التعامل لمصلحة وهو مقصود، ليس من شرط أي تعامل تقوم به الدولة أو الجهات المسئولة أن تقول: انتبهوا لا تسيئوا فينا الظن، فنحن نبين لكم ما هو قصدنا، لا.
وبالمناسبة ندعو في عدم المسارعة في الأحكام على الهيئات والمؤسسات والنظم وغير ذلك، لكن كل شيء بضوابطه، والله أعلم بالنيات، فكل تعامل مع الكافر يراد منه دفع وكف شر الكافر عن المسلمين سواءً كان كف شرهم عنا، أو كف شرهم عن المسلمين هناك في بلادهم، أو رجاء خير للمسلمين، أو نعلم بأهميته، فلا يدخل ذلك فيما يجري النهي فيه.
стр. 987
أشجع لاعباً كافراً وأحبه فما الحكم ؟
السؤال
فضيلة الشيخ: أنا أحب مشاهدة الكرة، والفريق الذي أشجعه يلعب له أحد الكفار، فأنا أحياناً أحب هذا الكافر وأحب له الظهور والتميز على لاعبي الفرق الأخرى وإن كانوا من أهل الصلاح والاستقامة، فما حكم هذه المحبة جزاك الله خيراً؟
الجواب
هذه مما تنقض قضية الولاء يا أخي الحبيب! وهذه الخطورة أن بعض المسلمين في سبيل الفن، أو في سبيل الرياضة أصبح يحب كافراً، وهذا الكافر لا يألو المسلمين سباً وشتماً وخبالاً واحتقاراً.
يا أخي: إذا كان وجود هذا الكافر قد دعاك إلى محبته وتفضيله على هذا المسلم، فلا شك أن هذا خلل في قضية الولاء والبراء عندك فاتق الله في هذا.
стр. 988
لا بأس بحسن المعاملة مع الكافر طمعاً في إسلامه
السؤال
فضيلة الشيخ: ما رأيك في تحسين المعاملة مع الكافر وذلك طمعاً في دخوله الإسلام، وذلك بتحسين الكلام والبشاشة في وجهه؟
الجواب
لا بأس، الله قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] فلا يتناقض مع الولاء والبراء حسن المعاملة، لأن الله قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] ما دمت تتعامل بمعاملة حسنة رجاء إسلامه وهدايته، فلعل الله أن ينفعه بك، أحد الطلاب في الولايات المتحدة كان له جار يهودي، واليهود أشد عداوة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] فغاب هذا الجار اليهودي وقتاً، هم طبعاً عندهم لا يوجد من التواصل الاجتماعي، أو أن أحداً يسأل عن أحد، يقول هذا الشاب المسلم: فلاحظت أن الجرائد تراكمت عند بابه وقوارير الحليب واللبن، إذا تجمعت ثلاث أو أربع قوارير عند البيت معنى ذلك أن صاحب البيت غائب، فقام هذا الأخ -جزاه الله خيراً- صار يجمع الجرائد ويدخلها، أول ما تأتي الجريدة وقارورة الحليب يأخذها ويدخلها في بيته حتى تجمع لديه الكثير منها، فلما عاد ذلك اليهودي إلى بيته، طرق عليه أخونا المسلم، قال: تفضل هذه القوارير التي تجمعت لك مدة الأيام الماضية وهذه الجرائد التي تخصك، قال: لماذا فعلت هذا؟ قال: خشيت أن يعلم أحد أنك غير موجود بسبب تراكم الجرائد وقوارير الحليب عند الباب فيسطون على بيتك ويسرقونه، فلأجل ذلك جمعتها حتى يظن أنك موجود، فلا يسطو أحد على البيت، قال: وما الذي دعاك إلى هذا؟ قال: والله أنا لا أعرفك، وأنت تعرف أنك يهودي وأنا مسلم، لكن ديننا يأمر بالإحسان إلى الجار، فالله يقول: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء:٣٦] فقال: دين يأمرك بهذا، فأنا أحب أن أتشرف باعتناقه، فشهد الشهادتين وأصبح من المسلمين.
فالمعاملة الحسنة والقصص على المعاملة الحسنة التي أفضت إلى هداية كثير من الناس إلى الإسلام هي في الحقيقة كثيرة جداً، لكن المعاملة الحسنة لا تتعارض مع الولاء والبراء، لكن الولاء أن يكون في القلب ميل ويظهر هذا الميل في التشبه وفي المظاهر، ويظهر هذا الميل في قصد نفع الكافر وتفضيله على المسلم، هناك سلوكيات دقيقة تدل على ضعف الولاء والبراء في نفس بعض المسلمين أهمها ما ذكرناه آنفا.
стр. 989
حسن الأخلاق والمعاملة من المدرس الكافر للطالب المسلم
السؤال
هذه أسئلة تكاثرت وتعاظمت حول قضية تدريس الكفرة لبعض طلاب المسلمين، أو تدريب بعض المهندسين في الأمور العسكرية وغيرها للمسلمين، سؤال هؤلاء يتركز عن قضية البشاشة والمعاملة والمصافحة، والتمسية بالخير والتصبيح وما إلى ذلك، وهذا سؤال يقول في المعنى: نحن طلاب في الجامعة ويحصل أن يدرسنا في بعض المواد أحد الكافرين من المدرسين خاصة في الأمور العلمية، والغريب أننا نجد منهم كريم الأخلاق وحسن الأدب، وعلى النقيض من ذلك نجد الجفاء وضيق البال ممن هم من بني جلدتنا، ماذا يجب علينا أن نعتقده تجاه هؤلاء وهؤلاء، وجزاك الله خيرا؟
الجواب
أما بنو جلدتنا الذين لا يقابلونك بما ذكرت، فلأنهم لم يحرصوا أن يدعوك إلى شيء، ولذلك هو يقوم بوظيفته فقط، أما هذا الأستاذ الذي يباشرك بهذه العلاقة الطيبة والابتسامات الجميلة، لا شك أنه يريد أن يغرس شيئاً في نفسك، والبعض يستبعد أن بعض الأطباء وبعض المدرسين وبعض الخبراء هم قساوسة وأصحاب دعوة إلى الكنيسة بطريقة غير مباشرة، يظن البعض أنه لا يمكن أن يخطر على بالك أن هذا قسيس، أو أن هذا داعية إلى مذهبي ومذهبك، لكن أخي الحبيب! نقول لك بما قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] ونقول: لا بأس أن تعاملهم بالحسنى، ولا يجوز لك أن تظلمهم، ولا بأس إذا دخلت مكاناً، فلك أن تقول كلاماً لا يصدق فيها التحية، فلا تبدؤهم بالسلام، لكن بابتسامة تحتسب عند الله أن تتألف بها قلبه، وأن تكون طريقاً لإيصال بعض الكتب والنشرات التي تهديها إليه ولو بطريق غير مباشر، بعض الشباب المسلم يدعون الكفار بطريق كتيبات عن الآثار والمتاحف في المملكة، الثقافة الشعبية في المملكة، الثقافة التراثية والاجتماعية في المملكة، وفي ثنايا الكلام أمور تتعلق بالتوحيد والعقيدة تدعوهم بدعوة غير مباشرة؛ لأنه لا يمكن إنسان عاش ثلاثين أو أربعين عاماً على كنيسته وملته تريده أن يتأثر بك من أول ابتسامة أو من أول كتاب، فأنت أيضاً اجعل عندك النفس الطويل والمعاملة الحسنة، ولكن إياك أن تركن، بمعنى: أن يميل قلبك إلى حبه، أو أن يكون في ذلك تفضيلاً له على إخوانك المسلمين مهما رأيت من تقصير إخوانك ومهما رأيت من حسن أخلاقهم.
стр. 990
أخبار المجاهدين في داغستان
السؤال
ما هي أخبار المسلمين المجاهدين في داغستان؟
الجواب
أسأل الله بقدرته التي لا يعجزها شيء، وأسأله سبحانه بأسمائه وصفاته أن ينصر إخواننا المسلمين في داغستان.
روسيا تعيش مرحلة من مراحل الجنون والتهور الذي أشك أنه سينعكس إن شاء الله بإذن الله قريباً عليهم بانفجار داخل دول الاتحاد الروسي الباقية، بدليل أنهم عادوا يلوحون باجتياح الشيشان، وبدءوا، وهم لماذا يضربون الشيشان؟ لأنها تعتبر الطريق الرئيسي، أو المنفذ الرئيسي لتدفق المؤن ومراكز التدريب ومواقع العدد والعتاد وغير ذلك، بقية الحدود نصرانية بما يتعلق بـ جورجيا وأذربيجان، وقد تكون القبضة مشددة، وما هناك إمكانية دخول بحر قزوين من جهة الشرق، قد تكون البحرية الروسية مسيطرة، لكن تبقى الشيشان هي وسيلة قوية وجيدة، وإخوانكم -بحمد الله- قد جمعوا لهذه المعركة منذ سنتين وهم يعدون لها إعداداً طويلاً، وحسبكم أن تعلموا أن داغستان فيها قبور أكثر من أربعين صحابي، فتحها في عهد عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن المزني، فأرض قد فتحها الأجداد، واستشهد فيها الصحابة، ولا تزال آثارهم فيها باقية، لا تظنوا أن الغرب سوف يسكت؛ لأنه يعرف أن هذا موقع استراتيجي وخطير، ولذلك صرحت إسرائيل بتقديم المعونات للاتحاد السوفيتي؛ لأنهم غير راضين عن مستوى التكتيك في العمليات العسكرية، فقالوا: إن روسيا تدير الحرب بطريقة عشوائية، وعشوائيتهم واضحة بدليل آلاف القتلى من الروس، والذين قتلوا من إخواننا حتى الآن لا أظنهم بلغوا المائة، ربما أقل من الستين، والذين قتلوا من الروس من بداية الهجوم في داغستان والعمليات بفضل الله ، الآن بدءوا يدخلون في عشرات الآلاف، ورفعت الدولة الروسية راتب الجندي الروسي إلى ألف دولار، ألف دولار شيء لا يحلم به روسي، الدولار كم يساوي من روبل؟ مع ذلك رفعوا راتبه إلى ألف دولار، ولا يستطيعون التقدم إلا بعد شرب الفوتكا والأشياء التي تهون من الخوف والرعب الذي في نفوسهم.
ولله الحمد والمنة إخوانكم على درجة قوية من الثبات، ولكم أن تتابعوا الأخبار عبر الإنترنت في صفحة صوت القوقاز، ففي صفحة صوت القوقاز كل أخبار تتعلق بـ داغستان ستجدونها من واقع المعركة من إخواننا هناك يبعثون بها، طبعاً الصفحة القديمة لإخواننا في الإنترنت اتصل عليهم من الغرب من اتصل وقال: سندمر موقعكم في الإنترنت خلال ثلاثة أيام، وبالفعل بعد ثلاثة أيام من هذا البلاغ الذي جاء للإخوة سلط على هذا الموقع من الفيروسات والتخريب والإفساد حتى خرب تماماً، وفتح الإخوة صفحة جديدة، وأودعوا فيها كافة المعلومات، وفي الحقيقة: لو أن الطريق متيسر ومفتوح إلى داغستان، فما أجمل الموت هناك! أحبابي: المسلمون يواجهون الروس الملاحدة، حرب إسلامية صحيحة، معركة مقدسة، ولكن هم يعرفون تماماً أن أخطر شيء يواجههم هو أن تفتح ثغرة ينفذ منها مسلم وخاصةً العرب، المجاهدون العرب إذا وصلوا هناك، تحولوا إلى أسود وفعلوا الأفاعيل، وأتوا بالغرائب والأعاجيب، فلك اللهم الحمد على ما أكرمت به هذه الأمة، ونسأل الله أن ينصر إخواننا، وإني أدعوكم -أيها الإخوة- أن تبحثوا بكل وسيلة عن الطريق الموصل إليهم لتدلوا من أراد الذهاب إلى هناك، وأيضاً أن تجتهدوا في إيصال التبرع لهم بالبحث والسؤال والتتبع، لعل الله أن يفرج صدورنا عاجلاً غير آجل باندحار الروس وقيام دولة إسلامية في داغستان تتبعها دول، وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 991
مخاطر السفر إلى الخارج
يتحدد الحكم الشرعي للسفر بناءً على الغرض منه، فإذا كان السفر بنية ارتكاب الفواحش، وإتيان المحرمات، فهو سفر محرم، وهذا النوع هو المقصود هنا.
فكان أول ما تناولته هذه المادة هو توضيح لأسباب هذا السفر، ثم آثاره السيئة على الدين والبلاد والاقتصاد، وعلى المرء نفسه.
ثم جاء بيان لنعمة الاستقامة على الدين، وأقسام الناس من حيث أهمية حياتهم.
стр. 992
السفر المحرم وأسبابه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل ما سألناه أعطانا، نحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
أيها الأحبة: إن من الظواهر التي يلاحظها المتأمل في أحوال كثير من الناس، والشباب منهم خاصة، ظاهرة السفر إلى الخارج، ظاهرة السفر إلى البلدان الغربية والأوروبية في أي فرصة مواتية، سواءً كانت تلك الفرصة عطلة نهاية العام الدراسي أو الفصل الدراسي الأول أو عطلة عمل يطلبها الموظف ويرغب في قضائها خارج بلاده، والكلام اليوم ليس عن حكم السفر إلى الخارج أو السفر إلى دول الكفار، وليس للتفصيل في نوع السفر وحكمه ومدى الحاجة إليه من دراسة أو علاج أو تجارة أو اطلاع.
وحديثنا اليوم إنما هو عن ممارسة بعض المنتسبين إلى الإسلام حينما يسافرون إلى الخارج، وهم الذين تربوا وعاشوا في مجتمعات إسلامية حينما يسافرون إلى بلاد الغرب يقعون وينغمسون في ألوان الفواحش؛ من الزنا والسفاح، وشرب الخمور، وتناول المخدرات والقمار والوقوع في أردى ألوان الشذوذ الجنسي، هذه هي المشكلة، ما هي أسبابها؟ ما آثارها؟
стр. 993
الفراغ أول أسباب السفر المحرم
عباد الله! إن من أهم أسباب هذه المشكلة الفراغ، فهو الذي يدعو الإنسان للتفكير في هذه الأمور جميعاً، ويوم أن كان الناس مشتغلين بأقواتهم وأرزاقهم وما يسد رمقهم، وما عندهم من الذرية ما كانوا يفكرون بشيء من هذا، الفراغ هو الذي يدعو الإنسان للتفكير في كل هذه الأمور، ما دام الإنسان منشغلاً عن الواجبات والمندوبات فلن يبقى أمامه إلا الوقوع في المحرمات.
والفراغ يا عباد الله ليس فراغاً دائماً، بل هو مرحلة بين مرحلتين؛ إذ الإنسان لا بد أن يكون منشغلا، إما منشغل بالواجبات والمندوبات وهي لاشك أكثر من الأوقات، ولا يستطيع إنسان أن يؤدي المندوبات إضافة إلى الواجبات، وأن يقوم بالحقوق جميعها إلا بجهد جهيد من تنظيم الوقت وعدم صرف جزء منه فيما لا فائدة فيه، فإذا لم ينشغل الإنسان بالواجبات والمندوبات فبم ينشغل؟ في أي شيء يقضي الوقت؟ بأي شيء يقتل الوقت؟ فيبدأ بالتهاون والتكاسل شيئاً فشيئاً حتى يدع أوجب الواجبات ويتهاون بها، ثم يعيش فترة من الفراغ الذي لا يدري أين يقضيه، فالشيطان قد صده عن القيام بالواجب، ولم ينتهِ شيطانه من التغلب عليه لإيقاعه في المحرمات.
إذاً ما فترة الفراغ إلا مرحلة صراع الشيطان للإنسان ليطمس على قلبه، وليضله ويقوده إلى مهاوي الرذيلة والضلال، الإنسان لا شك منشغل، ورحم الله القائل: نفسك إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
إذاً يا عباد الله الفراغ هو أول أسباب هذه المصيبة، أول أسباب ظاهرة السفر إلى بلاد الكفار والوقوع في ألوان المحرمات والانغماس فيها هناك.
стр. 994
الثراء من أسباب السفر المحرم
والسبب الثاني لعله الثراء ولا نقصد بالثراء أو نشترط في هذا السبب أن يكون الإنسان مثرياً إلى درجة الملايين أو ما دونها، بل قد يكون ممن يدخر شيئاً يجمعه طيلة دراسته أو طيلة وظيفته، فإذا جاء آخر العام ذهب بحصيلة جهده لينفقه في بلاد الكفار وليدعمهم وليشتري عملاتهم، وليدعم سياحتهم وغير ذلك.
إذ أن الثراء يا عباد الله من الأسباب التي تدعو إلى هذه المصيبة؛ ما دام الإنسان فارغ القلب خلي الذهن من الواجبات والمندوبات، فالثراء من الأسباب التي تدعو إلى ذلك، ولعل كثيراً من الناس من عصمة الله لهم ألا يجدوا مالاً كثيراً، إذاً فقول القائل، أو لعله من الأثر: من العصمة ألا تقدر، صحيح إذ أن كثيراً من الناس لو قدروا على المال لتوجهوا به، ولفعلوا به مثلما فعل غيرهم، فإن الله جل وعلا قد يعصم كثيراً من الناس بالفقر وقد يعصمهم بقلة ذات اليد، وفي الحديث الصحيح: (إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغنيته لطغى، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى).
стр. 995
طيش الشباب من أسباب السفر المحرم
ولعل من الأسباب أيضاً فترة الشباب وما يصاحبها من فوران الشهوة وطيش العقل، وصدق القائل:
إن الفراغ والشباب والجده مفسدة للمرء أي مفسده
والعجيب يا عباد الله أن الأسباب الرئيسية للوقوع في هذه الظاهرة أو في تلك الجريمة والمشكلة هي في حد ذاتها من أعظم النعم على الإنسان، وقد تكون ابتلاءً وامتحانا، يقول ﷺ : (نعمتان عظيمتان مغبون فيهما كثير الناس: الصحة والفراغ) إنها لنعمة عظيمة ولكن الكثير يغبنون فيها، فالصحة التي هي فرصة القوة والجلد والنشاط بدلاً من أن يقضيها في نشاط العبادة والتشمير في العلم والفقه، والدعوة إلى الله، وفعل الواجبات، وإمداد الآخرين بالخيرات، تجد الكثير يغبن في هذه النعمة فيصرفها في شر المصارف وأفسدها.
والأمر الثاني الفراغ: فالكثير من الناس حينما يكون فارغاً لا يجد أن هذه نعمة يجب أن يصرفها في فائدة من الفوائد التي تعود عليه، وليس من شروط هذا الفراغ إذا كان الإنسان لا استعداد له أن يقضيه في الدعوة أو في العبادة أو في العلم، فأبواب المباحات مفتوحة، وأبواب المكاسب والتجارة في سبل الحلال مفتوحة، فما الذي يمنعه أن يسلكها؟ ولكن الكثير يصرفون هاتين النعمتين في كفر نعمة الله وجحودها.
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
فيا سبحان الله العلي العظيم!
стр. 996
الآثار السيئة للسفر المحرم
عباد الله! حينما يذهب كثير من المسافرين إلى بلاد الكفار يقعون في أمور، يقعون في مصائب، يقعون في ألوان من الشذوذ لم يكن الغربيون قد عرفوها فكيف ابتدعها أولئك، إنما هو عطش وجوع جنسي وشذوذ عجيب، وإن من أخطر الأمور تلك التي يفعلها أولئك الذين يسافرون إلى دول الكفار، ويقعون فيما يقعون فيه في الحانات ودور البغاء وأماكن الخمور ونوادي القمار وغير ذلك.
стр. 997
أثر الإساءة لسمعة الإسلام
أول شيء يسببونه أن يسيئوا سمعة دينهم، الذي ينتسبون إليه، والإسلام من أفعالهم هذه براء.
إذا سئل أحدهم: ما دينك؟ يقف بملء فيه ويقول: أنا مسلم، ولا غرو أن يقول ذلك، ولكن المصيبة ما يكون من أفعاله التي تناقض أقواله، يقول أفعالاً تناقض ما ينطق به، كثيراً ما يقول: أنا مسلم، وهو يقولها في نادٍ من نوادي القمار، أو في دور البغاء والحانات والخمور وغير ذلك، وإن كثيراً من الغربيين الذين أرادوا الدخول في الإسلام يوم أن دعوا إلى هذا الدين العظيم، قال كثير منهم: مادام هذا هو أحد المسلمين -الذي نراه في نادي القمار ونراه في دور البغاء ونراه في حانة الخمر- فما الفرق بيننا وبينه؟ وأي دين تدعوننا إليه؟ يظنون أن هذا الرجل بما ينتسب إليه لفظاً وشفهية لهذا الدين يظنون أنه يمثل دين الإسلام، والإسلام من فعله هذا براء.
إذاً فانظروا كيف جنى أولئك الذين يسافرون لدول الغرب ويقعون فيما يقعون فيه؛ كيف جنوا على كثير من الذين أرادوا الإسلام وصدوهم عن الدخول في الدين إذ لم يجدوا فرقاً بين ذلك، ولعلها من تدابير اليهود وخططهم وكيدهم لهذا الدين وأهله، يريدون أن يظهروا المسلمين بين اثنين: إما رجل صوفي متنسك لا يعرف شيئاً من أسباب الحياة، ولا يعرف شيئاً من وسائل التطور والتمدن فيها، لا يعرف إلا المسبحة والطوفان حول القبور، ولا يعرف إلا شيئاً من المدائح والقصائد وغير ذلك، يصورون الإسلام في هذا الجانب أو يأتون إلى الناس بجانب آخر ويقولون: انظروا إلى أولئك من دول الإسلام، من دول عربية، انظروهم في نادي القمار، انظروهم في حانة البغاء، انظروهم في أماكن الخمر، هؤلاء مسلمون فما الفرق بينكم وبينهم، ولم تتجشمون المصاعب في سبيل تغيير دينكم وما تلاقونه من الكراهية والبغضاء من مجتمعكم، وأنتم ترون صورة هؤلاء المسلمين؟ إذاً: فإنهم يسيئون إلى الإسلام أعظم الإساءة، والإسلام من أفعالهم هذه براء.
стр. 998
أثر الإساءة لسمعة البلاد
وإن من الأمور الأخرى التي يسببها أولئك أنهم يسيئون سمعة بلادهم في الميادين المختلفة، فكثيراً ما نسمع أو نرى في بعض الفنادق الغربية حينما يقال: هذا فلان من بلاد عربية، ينظرون إليه نظرة أنه ما جاء إلا ليجمع في غرفته أو في جناحه الذي احتجزه، أو في هذه الصالة الكبيرة من الفندق، ما جاء إلا ليجمع فيها ألوان الحسناوات وأصناف الخمور، وليدعو أشهر اللاعبين في القمار ليلعب معهم، يظنون هذه الصورة تنطبق على كل مسلم ينتسب إلى بلادٍ عربية.
فأي سمعة سيئة وأي سمعة رديئة يسببها أولئك لبلادهم وأي مشاكل يقعون فيها؟ ولذلك فإن المطلع على الصحف الأجنبية يرى كثيراً ما تتهكم تلك الصحف بهم خاصة في رسم ما يسمى بالكاريكاتير، فلقد رأيت ذات مرة في إحدى الصحف الأجنبية رجلاً وموضوع نحو رأسه إشارة سهم، رجل عربي، وأمامه رزم متكومة من النقود وحوله مجموعة من البنات والحسناوات في صورة لا تليق، يريدون أن يصوروا أبناء البلاد العربية وأبناء المسلمين خاصة، وأبناء الذين ينتسبون إلى البقاع المقدسة بالأخص ينسبونهم إلى هذه الأفعال، لكي يردوا الناس عن دين الله جل وعلا.
وأي تهكم بلغ بهم إذ ذكروا أن واحداً منهم يوم أن وصل إلى أحد الفنادق دعا عدداً من البغايا لكي يبيت معهن في ذلك الفندق، انظروا أي تهكم وصل ببعض الذين ينتسبون إلى البلدان الإسلامية بسبب أفعال أولئك الذين يشوهون سمعة دينهم ويشوهون سمعة بلادهم.
стр. 999
أثر دعم اقتصاد الغرب
ما يقع فيه الكثير منهم من جراء هذا فهم لا يدرون أنهم يدعمون اقتصاد تلك الدول الغربية، إذ أن السكنى عندهم والسفر إلى بلادهم يقتضي أن تشترى عملاتهم وأن يدفع لهم في مقابلها عملات صعبة، ويقتضي الأمر أن تدعم دور البغاء والخمور والشذوذ، إذ لو كان الأمر مقصوراً على الكفار أنفسهم لما احتاجوا إلى تلك الدور بالشكل الذي يهيئونها الآن وخاصة للسائحين العرب، لأن بينهم من الانحلال والشذوذ ما يغنيهم عن الذهاب إلى تلك الحانات والمراقص ودفع الأجور الباهظة للمكث فيها.
نعم يا عباد الله، إن المتأمل يرى أن تلك الأماكن إنما هي خصيصاً وبالدرجة الأولى لأبناء البلاد العربية، لأبناء المسلمين خاصة، إذ أن الغربيين ليسوا بحاجة إلى أن يقيموا هذه الدور، إذ بينهم من الإباحية والانحلال، وبينهم من الشذوذ ما يجعلهم يقعون فيه بالمجان، ما يجعلهم يقعون فيه بلا مقابل، ولكن يقيمون هذه الدور ليجذبوا أبناء المسلمين إليها، ليجلبوا ضعفة الإيمان، ليجلبوا ضعفة القلوب إليها، وبعد ذلك يصورونهم ويأخذون عليهم كثيراً من الصور التي تعتبر مستندات ورهينة بالنسبة لهم، خاصة بالنسبة لرجال الأعمال الذين يقعون في هذه الأمور فكثيراً ما يقع تحت مراهنة وتحت مساومة.
إذ لا يدري وهو في ذلك الفندق أو في تلك البلاد قد التقطت له صور عديدة مع باغيات وفي أماكن مشبوهة وبعد ذلك يقال له: إما أن تدفع كذا وكذا، وإما أن ننشر هذه الصورة في مختلف الصحف، فبعد ذلك لا يجد نفسه إلا مضطراً ذليلاً ليقدم لهم هذا المال ليستروا عن نفسه ذلك، عياذاً بالله من حالهم ومكائدهم.
стр. 1000
أثر دعم السياحة الأجنبية
ولعل من الأمور التي سببها أولئك: أن يدعموا السياحة الأجنبية، وهي من أهم مكائد الخطط الصهيونية، ولذلك ترون أشهر الفنادق في العالم على اختلاف أنواعها ودرجاتها ونجومها تحظى بفروع متعددة في دول مختلفة ولا يألون جهداً في التخريب والإفساد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، والأدهى والأمر من ذلك يا عباد الله أن كثيراً من البلهاء تسرق أموالهم وتسرق بعض ممتلكاته وهو في سكر أو عهر أو بغاء، إنه الجاني على نفسه.
وما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه
فانظروا يا عباد الله عظم خطر هذه المصيبة، وخطر هذه المشكلة على أنفسهم، وعلى بلادهم، بل حتى على عقائدهم ودينهم.
حدثني شاب أنه يعرف رجلاً قد جيء به إما هو أو صديقه قد جيء به ميتاً، يقول: إنه كان في حالة من الشرب والسكر وغير ذلك، كان ينتظر حبيبة له في أحد الفنادق، فلما تأخرت عنه وصل به الجنون ووصل به الأمر إلى حد غريب، فلما وصلت إليه ذكروا أنه سجد لها لما أقبلت، فانظروا أعظم خطرٍ وصل بهم، ووصل بالكثير منهم وهم في حالة الشهوات والخمور وغيبة العقول إلى أن يخرج الإنسان عن دينه عياذاً بالله من ذلك.
وأعداء المسلمين يوم أن رأوا أن المسلمين والعرب منهم خاصة لا يمكن الوصول إليهم بالسلاح غزوهم بغزو فكري وغزو خلقي وغزو جنسي، واستطاعوا بعد ذلك أن يجندوا أبناءهم ليكونوا في خدمتهم ولا عجب من ذلك يا عباد الله، إذ أن الشجرة لا يقطعها إلا غصن من أغصانها.
يقول زعيم طائفة المبشرين يوم أن اجتمع به عام (١٩٦٤م) على أغلب الظن، أنه لما اجتمع مع القسيسين وغيرهم وسألهم ماذا عملتم، فقالوا: قد نصرنا عدد كذا وكذا، ونصرنا عدد كذا وكذا، ولكن بعضهم رجع إلى الإسلام، ماذا قال القس صموئيل زومير الذي هو رئيس ذلك الاجتماع الذي عقد في القاهرة في ذلك العام؟ قال: اسمحوا لي معاشر المبشرين أنكم لم تعرفوا حقيقة التبشير حتى الآن، إن العرب المسلمين ليسوا بأكفأ أن يدخلوا في المسيحية ولكن يكفي أن تخرجوهم من دينهم حتى يعيشوا في الضلال والضياع.
انظروا إلى أعظم شيء في ذلك، وقال غيرهم: إن العرب لا يغزون بالسلاح وإنما يغزون بغزو فكري، إنه مؤكد ولكنه بطيء، فماذا بعد الأخلاق إذا انهارت؟ وماذا بعد المروءات إذا تكسرت؟ وماذا بعد الشيم إذا ماتت؟ ماذا يبقى للناس من دين أو عقيدة يدافعون عنها، أو أعراض يموتون دونها، أو شمم وإباء ورفض للضيم؟ بعد ذلك تصبح النفوس كنفوس الديوثين والخنازير، إذا وقعوا في ألوان الانحلال والشذوذ عياذاً بالله من ذلك.
стр. 1001
أثر السفر في الخاتمة السيئة
ومن أعظم المصائب والجرائم التي يجرها كثير من أولئك الذين يسافرون تلك البلاد أن الكثير منهم يموت في تلك البلاد على أسوأ خاتمة وأسوء حالة، كيف حاله إذا كان الناس يبعثون يوم القيامة على ما ماتوا عليه؟ إذا مات الإنسان شهيداً بعث شهيداً، جرحه يثعب دماً، اللون لون دم والريح ريح مسك، إذا مات الإنسان محرماً فإنه يكفن في إحرامه ولا يغطى رأسه لكي يبعث يوم القيامة ملبياً، إذا مات الإنسان ساجداً بعث يوم القيامة ساجداً، فما حال من مات وهو في أحضان باغية؟ ما حال من مات وهو عند فرجها؟ ما حال من مات وهو بين مجموع من ألوان المصائب والبلاء والخمور وغيرها؟ كيف يبعث يوم القيامة وعلى أي حال يبعث؟!
وا سوءة الحال من حال كتلك وا سوءة الأمر في حال كتلك
نسأل الله جل وعلا أن يثبتنا على دينه، وأن يحسن خاتمتنا وأن يتوفانا على أحسن حال ترضيه إنه سميع كريم مجيب.
عباد الله لا تظنوا أن هذا الكلام فيه ضرب من المبالغة، اسألوا الصالات الدولية في المطارات المتعددة كم استقبلوا من جثة في أقرب عطلة انتهت، عطلة الربيع الماضي، كم استقبلوا من جثة شاب جيء بها في التابوت، ذهب يمشي وعيد به محمولاً، أي مال أنفقه؟ وأي جهد ضيعه؟ وأي فريضة ضيعها؟ وأي فاحشة ارتكبها؟ انظروا إلى عظم هذا الأمر الذي يقع فيه كثير من الناس، أسأل الله جل وعلا أن يمن على شباب المسلمين، وأن يهديهم، وأن يفوقهم إلى ما يحبه ويرضاه، ثم اعجبوا بعد ذلك يا عباد الله بمجموع هذه المشاكل ومجموع هذه المصائب التي يسببونها لأنفسهم ولأموالهم ومعتقداتهم وغير ذلك، يسببون أيضاً مشاكل لا حصر لها للجهات الرسمية التي تمثل بلادهم.
والذي يعرف واحداً خاصة في البلدان التي تشتهر بالسياحة وما تحت السياحة من ألوان مزركشة وما دونها من بلاء، فليسأله إن كان له في الجهات القنصلية أو السفارات أو غيرها ليسمع منه العجب العجاب في حال بعض الذين يذهبون إلى تلك البلاد، ويعودون بأسوأ سمعة لدينهم وبلادهم، نسأل الله أن يتوب علينا، ونسأله جل وعلا أن يهدي شباب المسلمين وأن يوفقهم إلى ما يحبه ويرضاه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وأسأله أن ينفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1002
نعمة الاستقامة على دين الإسلام
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بدين الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار.
عباد الله! إن من نعمة الله جل وعلا على العبد أن ولد في مجتمع مسلم، إنها من أعظم النعم يا عباد الله أن يولد الإنسان في مجتمع مسلم، هداية ومنة عظيمة من الله جل وعلا، لو ولد الإنسان في مجتمع دهري أو إباحي أو غربي ونحو ذلك أتظنون أنه يصل به الأمر في دينه إلى ما أنتم فيه الآن -ولله الحمد والمنة- من معرفةٍ لأحكام الدين والعقيدة والفروع وغير ذلك؟ إنها لنعمة عظيمة، فاستمسكوا بهذه النعمة، وتمسكوا بها والزموها، وإن النبي ﷺ يوم أن جاءه رجل قال: يا رسول الله! مرني بأمر لا أسأل أحداً فيه بعدك، أو قال: أوصني يا رسول الله، فقال: (قل آمنت بالله ثم استقم) ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
إن الاستقامة على دين الإسلام لمن أعظم النعم، إننا يوم أن نرى رجلاً قد وصل الستين عاماً أو الثمانين أو المائة أو غيرها؛ نغبطه أن بلغ ستين عاماً في دين الإسلام، وقد ثبته الله على هذا الدين من يوم أن ولد إلى أن بلغ هذه الخمسين أو الستين، ولا عجب أن نسمع النبي ﷺ في قوله حين يقول: (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم) لأنه شاب ونشأ وترعرع في دين الإسلام، فماذا بعد ذلك إلا التمسك بالنعمة.
стр. 1003
أهمية التمسك بالدين لاستقامة الحياة
يا شباب الإسلام! ماذا بعد هذا إلا أن نعض بالنواجذ على هذا الدين، الذي وفقنا إليه بدلاً من أن نذهب لنضيع ديننا ونضيع كرامتنا ونسيء سمعة ديننا وبلادنا في تلك البلدان، إنها لمن أعجب المتناقضات، والإنسان ينبغي أن يعيش عيشة تحمد في موازينه يوم أن يرى صحيفته يوم القيامة، وينبغي أن يعيش عيشة يسأل الله فيها الثبات، وأن يذكر أنه عاش إنساناً ولم يعش بهيمة ولدت وأكلت وشربت وأنتجت ثم فارقت الدنيا، ينبغي أن يعيش عيشة الإنسانية التي تترك بصمات نيرة، التي تترك آثاراً جليلة في أسرة مستقيمة، في نشء صالح في دعوة صادقة، في علم نافع، في اختراع نافع، في جندية حقة، في عمل منظم، في إدارية نافعة، في أي عمل من الأمور التي يسر الإنسان أن يخدم بها بلاده وأمته وولاة أمره.
стр. 1004
أقسام الناس من حيث أهمية حياتهم
أما أن يعيش الإنسان كالبهيمة يولد ويأكل ويشرب ويموت، ولا يبقى له أي أثر في هذه الدنيا، فأي فرق بين ذلك وبين البهيمة؟ بل إن بعض البهائم قد تكون أجل شأناً من ذلك، وتذكروا قول إبراهيم بن أدهم يوم أن ذكر الناس وذكر صفاتهم وأن الكثير منهم يعيشون، عيشة البلاء، ولله جل وعلا حكمة في إيجادهم، أما الذين يخلدون ويذكرون إذا فقدوا فهم قلة معدودة، حيث قال فيهم:
إذا ما مات ذو علم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمه
وموت الحاكم العدل المولى لحكم الأرض منقصة ونقمه
وموت فتى كثير الجود محل إن بقاءه خصب ونعمه
وموت الفارس الضرغام هدم فكم شهدت له بالنصر عزمه
وموت العابد القوام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمه
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
وباقي الخلق همج أو رعاع وفي إيجادهم لله حكمه
نعم يا عباد الله ينبغي أن يكون الإنسان مجاهداً شجاعاً عالماً تقياً، تاجراً مصدقاً منفقاً في سبل الخيرات، عابداً يرحم الله ببركة دعائه وبركة نفعه، أما الذين يعيشون لا همَّ لهم إلا أنفسهم وشهواتهم وبطونهم ماذا قدموا لأمتهم؟ ماذا قدموا لدينهم؟ أولئك الذين صرفوا الأموال في تلك البلدان وأساءوا سمعة دولتهم، وأساءوا سمعة دينهم، ووقعوا في البلاء، وقد يختم لهم بخاتمة الشقاء عياذاً بالله من ذلك، حتى أنفسهم أقرب الأمور إليهم ماذا قدموا لها؟ أسأل أن جل وعلا أن يستعملنا في طاعته، وأن يستعملنا فيما يرضيه، وأن يجعل أقوالنا وأفعالنا خالصة لوجهه، وأن يجعل جميع أعمالنا عبادة خالصة له جل وعلا.
اللهم توفنا وأنت راض عنا، اللهم آمنا في دورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين فإنك ربنا تزع بالسلطان مالا تزع بالقرآن، اللهم أصلح بطانته، اللهم قرب منه من علمت فيه خيراً له، اللهم أبعد عنه من علمت فيه سوءاً وشراً له، اللهم اجمع شمله بإخوانه، اللهم ثبت أقدامهم ووحد كلمتهم، واجمع شملهم، ولا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً.
اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم سخر لنا ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك، اللهم اجعل لنا من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، واجعل لنا في كل دين قضاء، وفي كل مرض شفاء واحتساباً، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم لا تدع لأحدنا في هذا المكان ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفتيه، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره.
معاشر الأحباب! ولو أطلنا عليكم أعود لأتذكر نقطة: إن كثيراً من الذين يسافرون إلى تلك البلدان بحمد الله جل وعلا لم يجدوا مجالاً مفتوحاً للفساد والعهر في هذه البلاد وهذه نعمة عظيمة، قد يقول قائل ويدور بذهن أحدكم الآن يقول: وهل تجهل أن هناك ما يمارس سراً وخفاء؟ نقول: إن المعصية إذا ظهرت عمت، وإذا خفيت خصت، ولا يخلو مجتمع من فساق أو من فعلة الفحشاء وغيرها، ولكن بحمد الله جل وعلا أنهم لم يجدوا متسعاً ومتنفساً في هذه البلاد، فيذهبون إلى تلك البلاد، ولكن رغم ذلك ننصحهم بالتوبة والعودة والإنابة إلى الله جل وعلا.
اللهم صل على نبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1005
أهمية تعمير المساجد
المسجد مدرسة الرجال، ومحضن الأبطال، وبقدر الاهتمام به وتفعيل دوره يوجد الرجال، وفي هذه المادة بيان لأهمية بناء المساجد حسياً ومعنوياً، وأهمية إكرامها والتأدب بآدابها.
стр. 1006
معرفة حقيقة عمارة بيوت الله
إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد! الله اتقوا الله تعالى حق التقوى؛ فهي وصية الله للخلائق أجمعين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
معاشر المؤمنين! ابتداءً من يوم غد السبت ولمدة أسبوع تهتم الجهات الحكومية على اختلاف مهماتها، وطلبة الجامعات والمدارس، كل أولئك يهتمون ويبذلون مزيداً من الجهد للمشاركة في الأسبوع السنوي للمساجد، والموضوع اليوم متعلق بذلك.
عباد الله: لقد ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم فضل وثواب المعتنين بالمساجد والمهتمين بها فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨] وعمارة المساجد ليست قاصرة على إنشائها أو بنيانها فقط، بل إن عمارة المساجد المذكورة في الآية شاملة للعمارة بكل معانيها، فيدخل في ذلك إنشاؤها وبنيانها؛ سواءً كان بانيها متبرعاً بذلك من خالص ماله وحله، أو ساعياً في جمع ذلك المال لبناء المساجد به، أو متبرعاً بشيء مما يصلح لبنيانه وإنشائه، ويدخل في عمارة المساجد عمارتها بالسعي إليها والصلاة مع الجماعة فيها، وقراءة القرآن وتعلم العلم وتعليمه فيها، وقد ذكر الله جل وعلا صفات عمار المساجد بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨] وبذلك دلت الآية أن من اتصف بهذه الصفات فهو بإذن الله من عمار بيوت الله، الذين ترجى لهم الهداية والتوفيق، إذ قد يعمر المساجد من يباهي ويرائي بعمارتها وقد يعمرها من مال حرام، والله طيب لا يقبل إلا طيباً.
بنى مسجداً لله من غير حله فكان بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد عرضها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
إن بعض المسلمين هداهم الله قد يتاجرون في أموال ربوية، وتجارة محرمة، وصفقات مشبوهة، وبعد ذلك يطيب خاطره بقوله: أبني مسجداً أو مسجدين من هذا المال، ويظن أن تبعة ماله بذلك قد انتهت، وقد نسي أنه سيحاسب على ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، ديناراً ديناراً ودرهماً درهماً.
стр. 1007
ثناء الله على عمار بيوته بذكره وتسبيحه سبحانه
عباد الله: لقد أثنى الله جل وعلا على عمار بيوته بالتسبيح والذكر والدعاء، ووعدهم بجزيل الأجر والثواب فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٦ - ٣٨] ولقد توعد الله من عطل مساجده، أو كان سبباً في قطع الناس عنها، أو بعدهم عن الصلاة فيها فقال جل من قائل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:١١٤].
стр. 1008
الحث على عمارة بيوت الله وفضل المشي إليها
ولقد حث النبي ﷺ على بناء المساجد في الحديث الذي رواه الشيخان: (من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله؛ بنى الله له بيتاً في الجنة) وفي رواية: (من بنى مسجداً لله ولو كمفحص قطاة) ولما قدم ﷺ المدينة مهاجراً كان أول عمل قام به بناء المسجد، وذلك لأهميته، ولا غرو ولا عجب في ذلك، فالمساجد بيوت الله، ومأوى ملائكته، ومهابط رحمته، ودور عبادته، وهي ملتقى عباده المؤمنين، رتب الله على وجود المساجد أجوراً عظيمة، وخيرات عميمة، فجعل سبحانه المشي إليها سبيلاً لرفعة الدرجات، ومحو الخطايا والسيئات، يقول ﷺ : (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح) ويقول ﷺ : (من راح إلى مسجد الجماعة، فخطوة تمحو سيئة وخطوة تكتب حسنة ذاهباً وراجعاً) رواه أحمد بإسناد حسن، والطبراني، وابن حبان في صحيحه.
ويقول ﷺ : (إلا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط! فذلكم الرباط! فذلكم الرباط!) ويقول ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) رواه أبو داود.
وهذا الفضل يفوز به الذين يحافظون على صلاة الفجر في المساجد، إذ أن تمام الظلمة في ذلك الوقت وفي صلاة العشاء أيضاً، أما الذين يتكاسلون عنها، ويتهاونون بها، فإنهم على حرمان وغبن عظيم، إذ يفوتون على أنفسهم، فالنور التام يوم القيامة -برحمة الله وفضله- إنما هو للمشائين في الظلم إلى المساجد يبتغون ما عند الله، والذي يعمر المساجد بالصلاة فيها مع الجماعة مشهود له بالإيمان، لقول النبي ﷺ : (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان) قال الله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨] رواه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، في صحيحيهما.
ويقول ﷺ : (لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) وروى البخاري: (إن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، والملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يقم من مصلاه أو يحدث) فكل هذه الأجور، وكل هذه الفضائل والخيرات متعلقة بعمارة المسجد بالصلاة فيها مع الجماعة والذكر والدعاء والتلاوة والقرآن.
فما حال الذين لا يعمرون المساجد بالصلاة فيها مع الجماعة، الذين يصلون في بيوتهم، الذين يصلون فروضاً في المسجد، ويتركون أغلب فروض اليوم فيصلونها في بيوتهم، هل ينالون فضل السعي إلى المسجد؟! كيف يسعى إلى المسجد وهو يصلي في بيته؟! هل ينالون فضل نور المشائين في الظلم إلى المساجد وأحدهم يصلي بجوار فراشه؟! هل ينال فضل دعاء الملائكة له بقولهم: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وهو لا يصلي إلا حينما يفرغ من شغله، سواء فوت الصلاة مع الجماعة أو أخرها إلى التي تليها عياذاً بالله من ذلك؟! إن الذين يتركون الصلاة مع الجماعات ليسوا من عمار بيوت الله، ويفوتون على أنفسهم ثواباً وفضلاً عظيماً، فيا غبن صفقتهم! ويا خسارة تجارتهم! عباد الله: ما دامت هذه الأجور العظيمة مرتبطة ومبنية على وجود المساجد، وعمارتها والصلاة فيها، وما يترتب على ذلك من السعي والمشي إليها، فالله الله! بالتبكير إلى المساجد ولا تتهانوا بها، وكونوا من عمارها تشهد الملائكة لكم عند ربكم، يقول ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فإذا جاء الليل صعد ملائكة النهار إلى الله، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم فيقول: كيف تركتم عبادي؟ يقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهو يصلون) فيا فوز من شهدت له الملائكة عند ربه بالصلاة مع الجماعة! ويا خيبة من خسر هذه الشهادة بالصلاة في داره وبيته! عباد الله! إن التأخر عن الصلاة رويداً رويداً مما يجر الإنسان إلى تعطيل عمارة المسجد، والتهاون بذلك، يقول ﷺ : (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) رواه مسلم.
عباد الله! إن عدم عمارة المساجد بالصلاة فيها مع الجماعة قد يجر إلى تعطيل الجماعات، وتعطيل الأذان، وإن التأخر عن الصلاة والتهاون بها من صفات المنافقين الذين لا يشهدونها مع الجماعات ويتهاونون بها، ولقد وصفهم الله بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] ويقول الله أيضا: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة:٥٤].
стр. 1009
من اعتناء الشرع بالمساجد
المساجد يا عباد الله فضل الله فيها عظيم، ورتب الله خيرات عميمة لعمّارها، والمهتمين بالصلاة فيها، والمبادرين المتسابقين إلى الصفوف الأولى فيها، فيا بشراهم بفضل الله ورحمته عليهم!
стр. 1010
الأمر بصيانتها من الأقذار
إن من عناية النبي ﷺ أمره بتنظيفها ونهيه عن توسيخها ببصاق ونحو ذلك، فيقول ﷺ : (البصاق في المسجد خطيئة؛ وكفارتها دفنها) والدفن إنما هو في المساجد التي تكون تربتها من الحصباء، أما المساجد في هذا الزمان فهي بحمد الله على أحسن حال، وأفضل صورة، فينبغي صيانتها عن كل شيء، وينبغي العناية بها وتنظيفها.
стр. 1011
النهي عن إنشاد الضالة في المسجد
عباد الله: لقد نهى ﷺ عن البيع والشراء في المساجد فقال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: لا ردها الله عليك) رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
стр. 1012
النهي عن رفع الصوت في المساجد
ونهى ﷺ عن رفع الصوت فيها، فعن السائب بن يزيد الصحابي ﵁ قال: [كنت في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ] رواه البخاري.
стр. 1013
النهي عن الإتيان بالروائح الكريهة إلى المسجد
فالشريعة جاءت بالعناية بالمساجد واحترامها وتكريمها، ولا أدل علىذلك من تكريم المصلين والملائكة عن كل ما يؤذيهم، وينفرهم، إذ نهى ﷺ الذين يأكلون الثوم والبصل من إيذاء المصلين فقال: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) ولا يتخذن أحدٌ هذا الحديث حجة أو وسيلة للتهاون بالصلاة، فيأكل ثوماً وبصلاً ويقعد في بيته متخلفاً عن الجماعة ويقول: أكلت ثوماً وبصلاً.
ألا وإن مما هو أسوأ من الثوم والبصل الدخان، وما يسمى بالشيشة أو النارجيلة أو ما داخل هذا المعنى فإنه مما يؤذي المصلين، ويؤذي الملائكة، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم، فاستغفروه من كل ذنب وتوبوا إليه؛ يمتعكم متاعاً حسناً، ويرسل السماء عليكم مدراراً.
стр. 1014
ضرورة فتح بيوت الله ليل نهار
الحمد لله الذي أنزل الكتاب، وأنشأ السحاب، وخلق عباده من تراب، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
عباد الله! علمتم فضل المساجد ومكانتها في دين الإسلام، وأن المساجد اليوم لا تعرف من دورها إلا الصلاة والأذان فيها فقط، أما ذلك الدور الذي عرفه الآباء والأسلاف والأجداد، ذلك الدور الذي أنشأ القادة، ذلك الدور الذي أعد الرجال والأجيال، ذلك الدور الذي رفع الحماس في قلوب المصلين، وسيرهم بالجهاد مستبسلين يبتغون الشهادة، ذلك الدور الذي خرج العلماء وطلبة العلم، ذلك الدور الذي جعل المسجد قنديلاً، وجعل المسجد مشكاة يستنير بها من حولها، فهو مفقود في هذا الزمان، وما هو إلا أن الناس لم يعرفوا من دور المسجد إلا أن يأتوا ليصلوا فيها، أو يحضروا قليلاً، فإذا أقيمت الصلاة صلوا فيها، ثم خرجوا منها.
إن المساجد -يا عباد الله- ينبغي أن تكون مفتوحة ليل نهار، وإن كان هناك ما يخشى من سرقته أو يخشى من فقده أو العبث به، فإن الدولة مشكورة وفقها الله قد هيأت خدماً وحراساً للمساجد، وهيأت مساكن فيها، فهم الذين يعتنون بها.
إن المساجد لا بد أن تكون مشعلاً حياً في الأمم والمجتمعات، ولا بد أن تعود حلقات العلم فيها، ولا بد من السعي لإيجاد حلقات تدريس القرآن الكريم للصغار والكبار فيها، فإن ذلك من أهم الأمور التي تحفظ أبناء المجتمع، أرأيتم لو أن كل مسجد فيه حلقة للكبار والصغار لتعليم كتاب الله، وأن المسجد يبقى مفتوحاً مع عناية وحراسة والتزام وتنبه لما فيه، أتظنون أن غريباً لا يجد من يؤويه سيجد مشكلة أن يتوضأ ويصلي ركعتين فيجلس في بيت من بيوت الله؟ ولا أعني بذلك أن يتخذ المسجد سكناً أو أن يتخذ مكان إقامة، وإنما هو يجد بيتاً من بيوت الله جل وعلا، ليجد فيها أمناً وراحةً واطمئناناً، حتى يدبر شأنه، وييسر سبيله، وينجح قصده، أما الذين يتخذون المساجد مكاناً للنوم، أو يتخذونها مكاناً لقضاء الوقت والفراغ فيها، فإن أولئك في الغالب لا يعمرونها بذكر الله أو الطاعة والعبادة.
لذا يا عباد الله! ينبغي لمن كان مسئولاً في مسجد من المساجد أو إماماً أو له كلمة في مسجد قد بناه أو قام بشأنه، ينبغي أن يحرص على ذلك، وأن ينشئ فيه حلقة من حلقات القرآن الكريم لتدريس الناس وتعليمهم، وإن من أهم الأمور التي ينبغي أن توجد في المساجد إيجاد مجموعة من الكتب فيها، أو إنشاء مكتبة في زاوية من زوايا المسجد أو في ناحية من نواحيها، فبفضل الله جل وعلا، ثم بهذه المكتبة يأوي شباب الحي وأطفالهم فيجدون متسعاً نظيفاً لقضاء الوقت، ويجدون مكاناً مهيئاً يقضون أوقاتهم فيه إما بتلاوة أو بذكر أو بعبادة، أو بقراءة واطلاع، أو بنقاش.
ومما ينبغي أن يعاد إلى المساجد وذلك بتبرع أهل الخير فيها تبرعاً مالياً أو تبرعاً جهدياً، لتدريس أبناء المجتمع شيئاً من المواد قرب مواسم الامتحانات، فجزى الله من بادر وتبرع بجهده لتعليم أبناء الحي شيئاً من المواد التي سيختبرون، وسيجد فضله وثوابه عند الله جل وعلا.
كذلك الدروس الأسبوعية أو الشهرية أو المحاضرات، وتعويد الصغار على الجرأة في المساجد بإلقاء الكلمات، وبالوقوف أمام الناس، على الجرأة بالسؤال والجواب، في سبيل تحصيل العلم، فإن المساجد حينما تقوم بهذه الأدوار عن طريق المهتمين بها وعن طريق جماعات المساجد فيها، فإنهم بذلك يعيدون دوراً حياً ومكانة للمسجد في كل مكان.
أسأل الله جل وعلا أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يبطل كيد الزنادقة والملحدين.
عباد الله! إنها لمن أعظم النعم بفضل الله ومنته أن إذا حان دخول وقت صلاة من الصلوات ضجت هذه البلاد من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، ارتفعت أصوات التكبير من المآذن خفاقة عالية بتكبير الله جل وعلا، وحث المصلين وندائهم إلى حضور المساجد، وهذا أمر يندر في كثير من الدول، فالحمد لله على هذه النعمة، نسأل الله أن يجعله صوتاً خفاقاً، وذكراً عاطراً باقياً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بعزة الله جل وعلا للإسلام والمسلمين، وولاة أمورنا خاصة، وولاة أمور المسلمين عامة.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله بإخوانه، اللهم لا تفرح عليهم عدواً ولا تشمت بهم حاسداً، اللهم ما علمت في أحد خيراً له فقربه منه، وما علمت في أحد شراً له ولأمته فأبعده عنه برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى الجنة مصيرنا ومآلنا، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته ولا حيران إلا دللته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا أيماً إلا زوجته برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أغثنا! اللهم أغثنا! اللهم أغثنا! اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا إله إلا الله سبحانك إنا كنا من الظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا خلق من خلقك، وعبيد من عبيدك، فلا تحرمنا بذنوبنا فضلك، اللهم إن كثرت معاصينا فإن فضلك أعظم، وإن كبرت ذنوبنا فإن فضلك أكبر برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لنا ولموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واجعل ختامنا وميتتنا وفراقنا من هذه الدنيا على الشهادتين ما ظلمنا وما بدلنا وما غيرنا، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وافسح اللهم لهم قبورهم مد أبصارهم برحمتك يا أرحم الراحمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم وفيهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه التي لا تستطيعون حصرها ولا تقدرون شكرها يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1015
الصحة والفراغ عند الشباب
الإجازة الصيفية بوابة يطل عليها الأبناء من الصغار والكبار ولكن ماذا عن؟ ماذا أعمل في الإجازة الصيفية؟ كيف أستغل الوقت فيها؟ ماذا عن ظاهرة سفر كثير من الشباب إلى الخارج؟ أسئلة جعلها الشيخ محور حديثه في هذه الخطبة وأجاب عنها.
стр. 1016
أبناؤنا والإجازة الصيفية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، نحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونتوب إليه، إنه كان للتائبين الأوابين غفوراً، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً نصيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن بشيراً ونذيرا؛ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وأنيبوا إلى ربكم، وأسلموا له من قبل أن يأتيكم يوم تودعون فيه لحوداً وقبوراً، يقول ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ).
معاشر المؤمنين: بعد أيام قليلة يستقبل أبناؤنا وشبابنا إجازة طويلة، بعد أشهر مضت في الدراسة والتعليم، ولا يخفاكم أيها الإخوة! أن الإجازة الدراسية في آخر العام تعني فراغاً كثيراً في أوقات الشباب، وهذا ما يدعو إلى أن نطرح أمامهم سؤالاً مهماً وهو أين وفيم يقضون أوقات الفراغ في هذه الإجازة الطويلة؟
стр. 1017
الفراغ نعمة ونقمة
قبل أن نخوض في توجيه الشباب إلى الترتيب والإعداد لبرامج الاستفادة من الأوقات نود أن نبين لهم أن الفراغ نعمة ونقمة، فهو نعمة لمن أحسن استغلاله واستثمر أيامه، ونقمة لمن جعله موسماً لمزيدٍ من البطالة والكسل، يقول عبد الله بن الزبير ﵁: [أشر شيء في العالم البطالة] معاشر المؤمنين: أيها الشباب! تذكروا أن آباءكم وأجدادكم كانوا لا يعرفون شيئاً اسمه الفراغ؛ لأنهم في شغل شاغل، في تأمين لقمة العيش وسد حاجات الحياة الأساسية، كان الواحد منهم من صغره وهو في حاجة أهله وعون والديه على النفقة على إخوانه وأخواته، وسواءً تغرب وسافر من أجل ذلك، أو عمل أجيراً ببدنه؛ لأجل ذلك في بلاده، ولم تكن مرافق الحياة وخدماتها متوفرة لهم، كما توفرت بين أيدينا في وقتنا الحاضر، إذ أننا اليوم نرى الشاب يملك من الوقت الكثير الكثير؛ خاصة أوقات الإجازة الدراسية الطويلة؛ وذلك لأن جميع مرافق الحياة ومستلزماتها وأسباب الراحة والرفاهية قد هيئت له وتوفرت بين يديه، فلا عليه إلا أن يشتغل بما هو أهم وأولى، ولكن كثيراً من الشباب لم يعرفوا قيمة نعمة الفراغ، وبالتالي لم يستثمروا الأوقات كما ينبغي، وقاد ذلك الكثير منهم إلى الوقوع في العادات السيئة الضارة المخلة بالدين والشرف، وتورط بعضهم في جرائم لم يكن يتوقع أو يظن أن يقربوها أو يقتربوها بدون ذلك الفراغ القاتل:
إن الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أي مفسده
عباد الله: اعلموا إن النفس البشرية لا بد لها من شغلٍ وعمل؛ فإن لم نشغل هذه النفس ونستعملها وما معها من الجوارح في طاعة الله، فستشغلنا بغير ذلك، أي: بمعصية الله ومن هنا ننصح أنفسنا وإخواننا بترتيب الأوقات والاستفادة منها غاية الاستفادة، إذ أن الأوقات هي حياتنا ومراحل أعمارنا تطوى بليلها ونهارها؛ ولأن ما مضى منها لا يعود أبداً، وقد جاء في بعض الآثار: [ما من يومٍ تطلع فيه الشمس على ابن آدم إلا وينادي فيه مناد: يا ابن آدم! أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود أبداً] ولو عمل الإنسان الواجبات واعتنى بالمندوبات والسنن المؤكدة، واعتنى بوقتها عناية دقيقة؛ فلن يجد متسعاً لشيءٍ يسمى الفراغ أو البطالة.
стр. 1018
حث الإسلام على اغتنام الأوقات
عباد الله: إن اغتنام أوقات الفراغ بأيامها ولياليها أمرٌ قد حث عليه النبي ﷺ في قوله: (اغتنم خمساً قبل خمس، وذكر منها فراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك) فما من أمرٍ فيه خير وصلاحٌ للإنسان في دينه ودنياه إلا وينبغي له أن يبادر الوقت في تحقيقه قبل أن يحل به ما يشغله عنه، يقول ﷺ : (بادروا بالأعمال، هل تنتظرون إلا فقراً ملهياً، أو غنىً مطغياً، أو الدجال فشر غائبٍ ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر).
стр. 1019
مجالات متعددة للاستفادة من الأوقات
أيها الشباب: هناك مجالاتٌ متعددة للاستفادة من الأوقات والاستمتاع بها غاية المتعة، ومفتاح ذلك والسبيل إليه الجلساء الصالحون والصحبة الصالحة المعينة على استغلال الوقت واستثماره فيما يعود على الشاب بالنفع والفائدة، فإذا حصل الشاب مفتاحاً معيناً له على الاستفادة من وقته؛ فأمامه عند ذلك سبلاً شتى لاستغلال أوقات الفراغ إن وجدت.
стр. 1020
المراكز الصيفية
ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر المراكز الصيفية التي تعنى بها الجهات التعليمية في هذه البلاد المباركة عناية شديدة؛ حيث يتوفر للشاب فيها ألوان مختلفة من الأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية يستطيع من خلالها أن يكتشف وينمي مواهب ومهارات موجودة في نفسه لم يكن يعرفها قبل ذلك، وعلى قدر مشاركة الشباب وتفاعلهم في هذه الأنشطة، فإن الواحد منهم يعود على نفسه بخبرات فريدة وتجارب مفيدة تنفعه في مستقبل عمره، ولو لم ينل الشاب من هذه المراكز إلا أن يحفظ نفسه عن مجالسة الأشرار، ومخالطة السيئين لكفى بذلك نفعاً ومغنماً.
следующие страницы →