Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
توجيه الأبناء بالتي هي أحسن
أحبتي في الله: لو لم يكن توجيه الأبناء أمراً عظيماً مهماً لما تكرر ذكره في القرآن في مواضع شتى، يقول الله وهو يقص علينا وصايا لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] أنا أجزم وأقطع يقيناً أن نسبة (٩٠%) أو (٨٠%) من الآباء قلَّ منهم من نصح ولده نصيحة مباشرة، نعم الأغلبية الساحقة لم يعرف إلا سبابه وشتيمته، يا خسيس يا كلب يا فاجر يالذي فيك ويعوده من العبارات ما يركب الولد شخصيته على ما يسمع، فإذا قال له الأب: يا حمار؛ فعند ذلك الولد مستعد أنه ينهق ويتحمل الأثقال، ويكون غبياً وتافهاً وركوباً وحمولاً.
وإذا قال له أبوه: يا مكار يا مخادع؛ أصبح يتفنن في ابتكار الخدع والأحابيل ونصب الشباك للناس، فبعض الآباء يظن أنه ينصح والحقيقة أنه يسب أولاده، وهذه أيضاً خصلة قبيحة خسيسة! إياك أن تسب أولادك! إياك أن تشتمهم! إياك أن تعطيهم من العبارات السيئة التي لا تليق! فقد تكون سبباً في إحباط وإجهاض الآمال والمعالم التي يطمحون أن يصلوا إليها، بل عودهم أنك تراهم في عينك قمماً ورجالاً وتراهم جبالاً، اجلس معهم وقل لهم: يا أولادي! الصدق منجاة، الصدق سببٌ إلى الجنة، الصدق يهدي إلى البر، والرجل الذي يصدق يحبه الله ، الصدق كله خير وعاقبته خير، والكذب أمرٌ خسيس ورديء، والكذب من صفات المنافقين، والكذب من صفات أهل النار.
ما تجد إلا القليل منا من يناصح أولاده، اليوم كلمة عن الأمانة، فالأمانة أمرها عظيم، والأنبياء هم أهل الأمانة، والعلماء من بعدهم يتحملون الأمانة، والأمانة لا يحافظ عليها إلا المؤمن التقي، والذي يخون فهو من أهل النار، والخيانة صفة ذميمة، أعطهم قصة أو قصتين، مثلاً أو مثلين، بيتاً أو بيتين عن الخيانة، لا بد بين الفترة والأخرى من أن تعطيهم نصائح عن الصدق عن الأمانة عن الوفاء عن التعاون عن الإيثار عن التواضع عن المحبة، تحذرهم من الكبر من احتقار الناس من أذية الناس من الحسد من الحقد، تارة تحذر من أشياء، وتارة تنصح بأشياء، لكن للأسف كثير منا لا ينصح أولاده أبداً! والأدهى والأمر أن بعض الآباء تجده رجلاً صالحاً، من أهل الصلاة ومن أهل الصلاح، إلا أنه لم يعرف كيف ينصح أولاده، ويظن البعض أنه يحتاج إلى أن يكون كـ سحبان بن وائل في الخطابة، أو ثابت بن قيس، أو حسان في الشعر حتى يؤثر عليهم، لا.
بالكلمة الدارجة وبالعبارة المفهومة وباللغة الطبيعية التي تحدثهم بها في البيت، ناصحهم وحذرهم، ومرهم وانههم وازجرهم فبهذا يتربون وهم لا يزالون صغاراً.
стр. 1052
الأمهات وإهمالهن للبنات
كذلك الأم، بعض الأمهات لا يعنيها أمر ابنتها، سماعة الهاتف في أذن ابنتها من بعد العصر إلى أذان العشاء، أو من بعد العشاء إلى منتصف الليل، تكلم زميلاتها، كل هذه دراسة؟! كل هذه واجبات؟! كل هذا دراسة ومذاكرة واختبارات تتعلق بالدراسة؟! ما المانع أن تقول الأم: بنيتي! أعطيني زميلتك هذه أسألها عن اسم أمها، أمن آل فلان أو من آل فلان؟ دعيني أتعرف عليهم من أي بيت؟ من أي عائلة؟ من أي قبيلة؟ من أي حمولة؟ على الأقل تتأكد الأم وتعرف.
بعض البيوت البنت لها هاتف خاص في حجرتها، ولا يدري أهل البيت من يتصل بها ومن لا يتصل، وهذه من الأسباب التي أدت إلى ضياع كثير من البنات، والذي يريد أن يتأكد من هذه الحقيقة فليسأل رجال الهيئة، وجود هاتف وخط مفتوح للبنت في غرفة نومها من أسباب انحرافها، نحن لا ندعو إلى الشك، لكن ندعو إلى حماية الأبناء من الشر، بعض الناس يضع كأس الخمر ويقول: والله ما في داعي للشك أنهم يشربون، يا أخي! لا تضع الخمر ولا تشك.
قالوا لرجل من البادية: إذا وطيت الجني قل: باسم الله، قال: لا تطأ الجني ولا تسمِّ من أولها، فما هناك حاجة أنك تجعل في غرفة كل ولد وكل بنت هاتفاً خاصاً، التليفون في الصالة نعرف من المتصل ومن الطالب، المتصل هو داخلٌ إلى داخل البيت بلا استئذان، الذي يطرق الباب على الأقل ويقف في الشارع وأهل البيت يعرفون أن الباب طرق، ومن هو وماذا يريد؟ لكن الداخل عبر الهاتف شأنه عظيم، يدخل إلى البيت بغير استئذان، وربما يأخذ أسرار البيوت ويعرف ماذا يدور فيها بغير رضاً من أهلها أو لا حاجة له في ذلك، بل ربما يخطط لسوءٍ ويدبر مكيدة وشراً عليه، لذا كان من الواجب أن نتخذ الأساليب التي تدعو إلى الحيطة ثم لا نشك.
البعض يقول: أنتم -يا مطاوعة- ما عندكم إلا الشك، إن ذهبت البنت للسوق شككتم فيها، وإن رفعت السماعة شككتم فيها، وإن جاءتها زميلتها شككتم فيها، لا يا أخي الحبيب! نحن منهيون عن التجسس، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولكن مأمورون بالاحتياط والحذر وعدم الإهمال، وهذه من أهم الأمور، أقول: إن بعض الأمهات لم تنصح ابنتها يوماً من الأيام، كثير من الأمهات لم تحدث ابنتها عن النتائج الوخيمة التي حلت بكثيرٍ من الفتيات اللائى أصبحن يتبادلن الغرام مع شباب يعاكسون عبر الهاتف، بل إن البعض تقول: والله أنا لا أدري البنت هذه ليست طبيعية فقط، ليست طبيعية وساكتة على الموضوع؟!! وبعضهم يقول: الولد هذا ليس طبيعياً، والله لا أدري، وساكت عن الموضوع، كذلك وراضٍ ولا حول ولا قوة إلا بالله!! كل هذه المشاكل التي يتضايق منها الكثير من الآباء والأمهات نستطيع أن نتجنبها، فإذا اعتنينا بالأطفال وهم صغار فإننا نستطيع أن نتحاشى وأن نتجنب الكثير من المشكلات العظيمة.
إن النبي ﷺ يوم أن قال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) ولا يلزم أن ابن عشر يمكن أن يقرب أخته أو يزني بها، لكن التربية تقتضي أن تجعل الخط واضحاً ومستقيماً، بلغ عشر سنين؛ إذاً يفرق بينه وبين إخوته في المضجع، يكون في حجرة أو هي في حجرة، إذا كان البيت صغيراً جداً فالأم في وسط والأولاد في طرف والبنات في طرفٍ آخر، لا بد من التصرف بحكمة بالغة حتى لا نندم ولات ساعة مندم أو نعض على أصابع الندم ولا ينفع حينئذٍ ندم.
стр. 1053
تعويد الطفل على فعل الطاعة وترك المعصية
أحبتنا في الله: من المعلوم والمشاهد بالتجربة أن الصغير إذا تعود شيئاً ونشأ عليه اعتاده وسهل عليه كبيراً وكما قال الأول:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
وما دان الفتى بحجٍ ولكن يعوده التدين أقربوه
ولكن إذا كان الآباء والأمهات ما عودوه على الخير، ولا على التدين؛ الأب يصلي ويتركهم على فرشهم، والأم تفرش السجادة وتصلي ولا تسأل بناتها صلين أم لم يصلين، أما إذا جاء موعد الاختبارات، أو مواسم الدراسة، أو جاءت الساعة السابعة إلا ربع، أو ستة ونصف صباحاً، والله ما أخذت فسحتك؟ والله ما أفطرت يا فلان؟ والله ما أخذت شرابك؟ والله ما لبست الجزمة؟ يتفقدون الولد من رأسه إلى قدمه، كل ما على جسمه يتفقد لكن ما يتعلق بقلبه لا يتفقد أبداً، في حين أن الولد إذا عُوِّد على شيء تعوده، وأخذه يقين بدون الحاجة إلى أي برهان أو دليل، لكن إذا ضيعته وأردت أن ترده من جديد فدبر لك مائة حجة ومائة برهان ومائة دليل، لأجل أن تقنعه بالرجوع إلى الصراط المستقيم الذي تريده أنت.
يقول لي أحد الأحباب وهو رجلٍ صالح قال: إني مما عودت أولادي عليه أن أحذرهم من تعليق الصور على الجدران، وأقول لهم: إن تعليق الصور أمرٌ لا يجوز ومنهيٌ عنه، وقد يكون سبباً في عدم دخول الملائكة إلى هذه المنازل إلى غير ذلك، قال: في ذات يوم حصلت مشاجرة بين أحد الأطفال مع أخيه الأصغر ولعل أمه قست عليه في العقوبة قال: فما كان منه إلا أن تهددها وقال: والله إذا ضربتيني سوف أعلق صورة في الجدار فأدع الملائكة لا تدخل بيتنا، مقتنع تماماً بيقين أن التعليق أمرٌ يعني عدم دخول الملائكة، فأنت إذا علمت الصغار كل شيء منذ الصغر فذلك أمرٌ مهمٌ جداً.
стр. 1054
التربية على كره أهل المعاصي وحب أهل الطاعة
كذلك من الأمور المهمة في مسألة التوجيه والتربية، وأبناؤنا أمانة في أعناقنا، أن نربيهم على كره المعاصي وأهلها، وحب الطاعات وأهلها، فنعود أبناءنا، حب أهل الخير، وحب العلماء وحب الصالحين، وإكرامهم وتبجيلهم وتقديرهم واحترامهم، وفي المقابل نعودهم على بغض أهل المعاصي، وإذا رأينا أمراً من أمور المعصية أو وقعت أعينهم على صورة مُهَرِّجٍ أو مطربة أو مغنية أو فاجر أو فاسق، لا بد أن يسمعوا منا عبارات هم في داخل عقولهم يحكمون، ويكونون تصوراً، ويفهمون أن هذه صورة مرفوضة منبوذة غير مقبولة لا ينبغي أن يكون الإنسان في مثل هذه الصورة أبداً بل ينكرون إذا رأوا أحداً يفعلها، ولذلك تجد الأطفال الذين تربوا في بيوت الإيمان والصلاح والاستقامة إذا زاروا أقارب لهم ورأوا أطفالهم قد علقوا الملابس التي عليها الصور قالوا: انظر الطفل معلق صورة على صدره!! -لأن الطفل تعود في تربيتنا له في بيتنا أنه لا يلبس هذا الشيء- يا أماه! انظري هذه بنت مظهرة لأرجلها ولا تستحي، ما تسترت؛ لأننا عودناها وإن كانوا أطفالاً لم يبلغوا أن البنت تستر العورة، ولا يخرج من عورتها شيء، الطفل يقول: انظر يا أبي! هذا يشرب الدخان، هذا يفعل كذا! لأنك ربيته على ذلك، كيف ينكر؟ لأنك من قبل ربيته على أن التدخين من أسباب السخط والعقوبة، وأنه محرم ولا يليق ولا يجوز، علمت الأم ابنتها أن التبرج منه أن تخرج المرأة ساقيها أو فخذيها، وأن اللبس الذي يكون فيه شيء من الصور لا يجوز وغير ذلك، فأنت علمته أشياء، لما رأى ضدها صار عنده معادلة داخلية، تعلم من أهله أن هذا لا يليق، ورأى أناساً ينفذون هذه الأمور ويتلبسون بها وهي لا تليق، فكانت النتيجة الصحيحة أن الطفل الصحيح ينكر هذه المشاهد.
الطفل الذي تربى تربية صحيحة، تقول له: تتمنى أن تصبح فناناً؟ يقول: أعوذ بالله، أنا لا أرضى أن أكون فناناً، وقد يقول كلمات طبعاً لا يلزم بالضرورة أن تكون أحكاماً صحيحة، ولكن الصغير يقول: هذا في النار، مباشرة! لأنه تعلم أن هذا أمر لا يليق أبداً، وتسأله تريد أن تصبح أستاذاً؟ يقول: نعم.
أريد أن أصير أستاذاً أصير طياراً أصير إماماً أصير شيخاً ولو قلت لاثنين من الأولاد الصالحين: هذا فنان وهذا شيخ، سيغضب الذي قلت له: فنان، ولا يقبل ولا يرضى؛ لأنه تعود وعنده صورة أن صورة الفنان حقيرة خسيسة تافهة، وصورة الشيخ صورة جليلة مهمة، فهو يتمنى أن يطلق عليه الصورة التي تليق، ويتمناها ويحبها، نحن ينبغي أن نربي أولادنا على مثل هذا الأمر.
صحيح أن الأطفال لا يفهمون الكثير من القضايا الفكرية لكن التربية تختزل أشياء كثيرة جداً جداً وخاصة في مرحلة الطفولة، فمبدأ تبغيض المعاصي وتكريه المحرمات في نفوس الأطفال بحيث يبدأ الطفل يكره الشر والأشرار، ويحب الخير والأخيار هذا يجعله -ولله الحمد- على درجة مهمة جداً، بل وفي القرآن ما يؤكد ذلك، كما قال تعالى على لسان لقمان ﵇ وهو ينصح ولده: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٨ - ١٩] يبغض له الصياح والإزعاج الذي ليس له داعٍ ولا موجب ويقول: هذا الذي يزعق بالصوت مثل الحمار-أجلكم الله- فلنا في هذا حجة قرآنية: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء:٣٧] كل هذا مما يؤكد على أن بيان الصورة السيئة الكريهة، وجعل الطفل يمقتها ويبغضها ويكرهها، أمرٌ في غاية الأهمية.
стр. 1055
رقابة الأبناء وتربيتهم روحياً
أعود لأكرر -أيها الأحبة- إن بعض الآباء الكرام والأمهات والأولياء يجتهدون في التربية والوعظ والتوجيه لكن دونما رقابة أو متابعة في تطبيق ما ربوا أولادهم عليه، ليس من الحكمة أن نترك للأولاد والبنات الحبل على الغارب.
أين يذهبون؟ متى يأتون؟ من يصاحبون؟ كيف سلوكهم في المدارس؟ ماذا يحملون في حقائبهم؟ ماذا يقرءون؟ ماذا يسمعون؟ ماذا يرون؟ أسئلة جوابها لا يمكن أن نراه أو نجده إلا بالمتابعة والرقابة اللطيفة، والسؤال الحثيث في المنزل والحارة والمدرسة؛ مع المدرس والمدرسة ومع الجيران، نستطيع من خلال ذلك أن نحكم وأن نكتشف إلى أي درجة وصلت شخصية هذا الولد، ولكن أيضاً بطريقة لا تشعر الأولاد والبنات بأنهم جنودٌ في ثكنة عسكرية أو كأنهم متهمون تلاحقهم الجواسيس.
مسألة مهمة تتعلق بالتربية الروحية، كثيرون يعتقدون أن دورهم على توفير الطعام والشراب، والترفيه والدواء والعلاج، والحقيقة أن كثيراً من هؤلاء قد نسوا أن تربية الروح وتهذيب النفس مطلبٌ من أهم المطالب
يا خادم الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسرانُ
أقبل على الروح فاستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
стр. 1056
غياب الآباء سبب في ضياع الأبناء
أحبتنا في الله: الغياب والفراغ، وعدم التواجد أو الحضور، بعض الآباء غائبٌ غياباً كلياً، مع أنه حيٌ لم يوسد الثرى بل يمشي على الثرى، بل غياب بعض الأمهات عجيبٌ ومريب، السبت في زواج، والأحد في الملاهي، والإثنين في الحدائق، والثلاثاء مع الصديقات، والأربعاء عطلة الأسبوع وهلم جرا، ليس للبنات من حظها نصيبٌ أبداً، أولئك الذين تيتم أولادهم وهم لا زالوا على قيد الحياة، بل إن الأيتام يلتفت لهم الناس فيرحمونهم ويعتنون بهم، ويحسنون إليهم، ويعينونهم، ويتفقدون أحوالهم؛ لأن الناس قد أيقنوا أن الأب أو الأم قد ماتوا أو ماتوا جميعاً، لكن هؤلاء الأولاد والبنات الذين هم في بيوت آباءٍ وأمهات كلهم قد غفلوا وغابوا ولم يلتفتوا إلى حجم المسئولية، وخطورة المرحلة، وفداحة المتغيرات ذلك الأب الذي اتسعت خارطة أعماله لكل شيء لكنها لم تتسع لفلذة كبده وقرة عينه.
نعم أيها الأحبة! صدق القائل:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا
إذا غاب الأب خلف تجارته وعقاراته وشهواته فمن يقوم مقامه؟ إذا غابت الأم خلف الموضات والحفلات والترفيه والصديقات فمن يقوم مقامها؟ يا للأسف! إنهما يسلمان أمر الأبناء للسائق والخادمة ناهيكم عن الذئاب البشرية المتربصة بالشباب.
стр. 1057
خطر التناقض في شخصية الأب أمام الابن
وختاماً: إن كثيراً من الآباء يأمرون وينهون لكنهم لا يجدون استجابة، والسبب: أنهم يكسرون ما بنوا أمام أعين أولادهم، ويهتكون أستاراً نصبوها أمام أعين أولادهم، ويتناقضون أمام أعين أولادهم، ويعلمون أولادهم النفاق، كيف؟ تجده ينهى عن شيءٍ فيرتكبه، ويأمر بواجبٍ فلا يفعله، حربائيٌ متقلب؛ في بيته له صورة، وأمام الناس له صورة أخرى، فتنطبع هذه الصفات وهذه السلوكيات من الأب إلى الابن فيصبح الابن حربائياً أمام أبيه دين، ووراء أبيه فاجر، لأن أباه طبق نفس العملية، والولد اكتشف مسألة ليست سهلة، لا تتصور أن الولد سهل تفوت عليه التناقضات، هو يرى الصور الصحيحة ويخزنها، فإذا استمرت الصور الصحيحة لا يرى إلا الصحيح والذي ينبغي أن يكون، لكن إذا وجد صورة صحيحة وتناقضها صورة سيئة، وصورة حميدة وتناقضها صورة خسيسة، يقول: إذاً ممكن الإنسان في الحياة أن يجمع بين الصدق والكذب بين الأمانة والخيانة والخسة بين الخير والشر بين البر والفجور بين الصلاح والفساد، ويمكن أن يتعايش تعاشياً سلمياً في شخصيته، ويستمر في هذا الانفصام النكد ولا حول ولا قوة إلا بالله! الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣] ازدواجية التربية (تناقض القول والفعل) أمرٌ غريبٌ جداً! في سنن أبي داود وسنن البيهقي عن عبد الله بن عامر قال: (دعتني أمي يوماً ورسول الله ﷺ قاعدٌ في بيتنا فقالت: تعال أعطيك، فقال ﷺ : ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمرة، فقال ﷺ : أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة) فكم أعطينا أبناءنا من كذب بحجم لا يخطر على بال، بل كثيرٌ من الناس يقول: انظر هذا الصغير عجيب هذا حجمه ويكذب هذه الكذبة الكبيرة! ما تعلمها إلا من أبيه الداهية مصنع الكذب، هو فقط صدر وحدة من المنتجات، لكن المصنع كان من عند الوالد أو الوالدة، فينبغي أن نلتفت لمثل هذه القضايا.
إياك أن يكتشف أولادك أو أن يروا منك تناقضاً في كلامك وسلوكك وأفعالك وتصرفاتك، وإذا حصل ذات يوم أن رأوا تناقضاً؛ فيلزم عليك أن تعلمهم بأن هذا خطأ، أنا وقعت في هذا الخطأ من حيث لا أشعر، المهم انتبه أن يستقر في أذهانهم أن هذا أمر طبيعي يمكن أن يكون له وجهان وشخصيتان وأمران وحالان ووضعان إلى غير ذلك، وعند الإمام أحمد وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ﵁: (من قال لصبيٍ: تعال هاك؛ ثم لم يعطه فهي كذبة).
إذاً أيها الأحبة! لا بد أن يشعر الوالد وتشعر الأم أنهم الأنموذج الأمثل للقدوة، وأنه يتأسون ويقتدى بهم، وأن الأولاد ينقلون عنهم كل شيء: (كل مولودٌ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) إن كان الأب يهودياً هود أولاده، وإن كان الأبوان نصرانيين نصرا أولادهما بالوراثة بالانتقال بالسلوك بالفكرة بالتعايش، إن كانوا يهوداً نقلوا بمثل ذلك، فالتأثير واضح: يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، والولد -كما قيل- سر أبيه.
لعلنا نكتفي بهذا أيها الأحبة! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1058
الأسئلة
стр. 1059
كيفية تحبيب الصلاة إلى الطفل واحترام الآخرين
السؤال
سائل يقول: بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: كيف أحبب الصلاة إلى ولدي والحرص عليها ولو لم أكن بالمنزل؟ وقال أيضاً: كيف أعلم ابني حب المسجد واحترامه وتعظيمه خاصة إذا كان صغير السن، وكذلك كيف أربيه على بر الوالدين وبر والدي -أي: أجداده- واحترام الكبار سواءً كانوا أعمامه أو أخواله أو معلميه أو مدرس حلقة القرآن والمسلمين عموماً عرباً أو عجماً، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب
هذا سؤال جيد أخي الحبيب! كما مر معنا:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
إذا كان ولدك يراك تهتم بالصلاة اهتماماً واضحاً فإذا سمعت الأذان رميت بكل شيءٍ في يدك، وإن كنت تعرف ما تعمد إليه من قصد الوضوء ولكن تبين للأولاد أنه إذا أذن فهذا الوقت الذي بعد الأذان لا بد أن يكون للاستعداد للصلاة.
هيا جهزوا لي كذا من أجل أصلي، جهزوا ثوبي لأني أريد أن أخرج للصلاة، طبعاً الأم والكبار عارفون؛ لكن من أجل الصغار حتى يعرفوا اهتمام الأب عند الأذان هذه مسألة مهمة، إذا رأوك تبادر لها أسفاً غير راضٍ لأن الصلاة فاتت، أو تكبيرة الإحرام فاتت، يتعلمون هذا منك ويسابقونك -بإذن الله- إلى المسجد، أما إذا رأوا أباهم يُؤذن المؤذن ثم يقول: أريد أن أنام، وإذا بقي على الإقامة خمس دقائق فأيقظوني، ويقول مثلك: أنا أذهب أنام وإذا صلوا قوموني، يتعلم منك تماماً.
كذلك إذا وعاك ولدك وأنت تقبِّل أباك يده، فسوف يقبل يدك وسوف يقبل يد جده، إذا رآك تحترم أستاذك ولا تغتاب المدرس، أو تطلق عليه عبارات التنقص أو الاحتقار أو الدونية أو غير ذلك فهو سيحترم الأستاذ، أما إذا رآك أمام المدرس تقدره وإذا غبت عنه قلت فيه كذا وكذا.
هو أيضاً سوف يحتقره، فالولد ينقل ما سمع، ويصف ما رأى، فانتبه أن يقع على سمعه منك أمرٌ بذيء أو ترى عينه منك ما لا يليق، إذا عودت ولدك على هذا الأمر منذ البداية.
أنا أذكر عندما كنا صغاراً هذا الكلام من قبل ثلاثين سنة، كنا نذكر لنا جيراناً يأتي بهم آباؤهم وعيونهم مغمضة لم يصحوا من النوم بعد، ويدخلون دورة مياه المسجد ويتوضئون فيها ويدخلون المسجد، ومرت السنون وكبر هؤلاء وتزوجوا وجاءهم أولاد، وبعد سنين طويلة انتقلنا من الأحياء القديمة إلى الأحياء الجديدة، وسكنوا أيضاً في الحي الذي نحن فيه الآن، هؤلاء الذين كانت أعينهم لا تكاد تفتح عند دورات المياه يتوضئون في المسجد أولادهم نفس الصورة، يؤتى بهم إلى المسجد ويذهبون لدورة المياه خاصة في غير الشتاء، ويتوضئون ويدخلون المسجد، وتلقى الطفل الذي نراه في هذه الأيام بنفس الصورة التي كنا نرى أباه فيها، لأنه عود على خير فنشأ عليه وشب عليه وكبر عليه، وأنجب ذرية ورباهم على ما تعوده من أبيه، وهكذا التربية وراثة.
بعض الإخوة يقول: أنا تفاجأت عندما رأيت بناتي يقبلون رِجْلَ أمهم، مع أنهم ما رأوني يوماً من الأيام أقبل رجل أمي بمشهدٍ منهم، يعني: ربما كان يزور أمه ويقبل رجلها لكن يقول: كيف انتقل فيهم هذا البر إلى هذه الصفة، وهذا يؤكد فيما يتعلق بالبر أنه دين، فمن بر بوالديه بر به أبناؤه: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) ومن عود أبناءه على شيء تعودوا عليه بإذن الله.
من الوصايا أن الولد إذا أصبح يؤمن تلويثه للمسجد، ويعرف عنه أنه ما يشغل والده ولا المصلين في المسجد، ويسكن مع أبيه وأنه يأتي به ويصلي معه في المسجد، وإذا صلى قال: اذهب سلم على الإمام وحب رأسه، أنت بهذا تنمي في نفسه حب الإمام وحب المسجد منذ صغره قبل أن يعرف الإنترنت والكمبيوتر والأتاري وما يتعلق به، اجعله يتعلق بحلقة القرآن وأغدق عليه من الهدايا، إن كنت مشغولاً دع أمه تختبره، إن حفظت جزء عم أعطيتك مائتين ريال، إن حفظت جزء تبارك لك خمسمائة ريال، قد يقول قائل: من أين نعطيهم هذا الشيء؟ يوجد البعض لا يستطيع لكن الكثير ممن يقول: كيف نعطيه خمسمائة على جزء وهو يصرف ألفاً على الملاهي، ويصرف مئات على معاصي، ويصرف الكثير على أمور لا تنفع أبداً.
يا أحبابي: أشعر أولادك أنك تحبهم، حتى وإن كانوا كباراً، التربية بالحب هذا جانبٌ مفقود، بعض الناس عندنا إذا كبر ولده قليلاً لا يعرف يقبله ولا يحتضنه ولا يضمه ولا يشمه ولا يمزح معه، تصبح علاقة جافة ناشفة، لو يدغدغ ولده قال: لا تمد يدك، وجعله شيئاً مستنكراً غريباً، ما تعود المزاح مع أولاده، صحيح أنهم كبروا لكن لا يمنع أنه يكبر بينكم الصحبة والمودة والمزح والترفيه.
يا أخي الحبيب: أنت تدخل البيت وتمسك أصغر واحد الذي عمره سنة، والباقون لا تسلم عليهم ولا تلتفت لهم ولا تصافحهم ولا تقبلهم، لا يا أخي! إذا أتيت إلى البيت من عمره سبعة عشر سنة فأمسكه وقبله، من عمره ست عشرة ونحوها، بل كل عيالك سلم عليهم وقبلهم، واجعلهم يحسون بحنانك وعطفك، والتفت لهذا الصغير الذي لا يفهم شيئاً ولاعبه ووسع صدرك معه، لا كما يقول البعض: الترفيه للولد الصغير فقط، فهذا يجعل الكبير يجد في نفسه حقداً وعداوة لهذا الذي طرده، كما تعرفون في عادات الأطفال، لكن إذا صار الابن يشعر أن والده يحبه يفعل كثيراً من الواجبات تقديراً لمحبة والده، ويترك كثيراً من المناهي تقديراً لمحبة والده، ولا يزال يكبر على هذا الخير حتى يتعبد الله بهذا كله.
стр. 1060
ظاهرة السب عند الأطفال
السؤال
يقول السائل: إذا كان ابني صغيراً ويسب اكتساباً من أقاربه أثناء زيارته مع أمه أو في مدرسته، فكيف أعاقبه أو أزجره أو أمنعه من السب والشتم والسخرية اللعب؟
الجواب
حقيقة بعض الناس -يا أحبابي- لا يفرق بين الأخطاء الطفولية، أي: هناك أشياء الطفل بطبيعته ينقلها وهو لا يدري، فقد يقول أحسن عبارة ولا يدري، ويقول أقبح عبارة ولا يدري، فإذا حصل أن هذا الطفل نقل كلمة سمعها وتلفظ بها من البداية تضربه وتعاقبه مباشرة أم تجلس معه وتقوله له: يا ولدي! هذا الكلام عيب، وهذا لا يليق، وهذا لا يصح، والذي يقول هذا الكلام يصير له كذا تتفق معه على ألا يردد الكلام؟ أسلوب التفاهم عندنا مفقود، أنا سأعطيكم تجربة وقعت لي، كنت ذات يوم في ألمانيا الغربية عند أحد الأصدقاء (مدير مركز إسلامي في فرانك فورت) وكان ذلك الوقت عندي ولد واحد، هو أكبر أولادي الآن، وفي تلك الفترة لم يكن عندي تجربة مع الأولاد، فدخل عندنا في ذلك المجلس أولاد هذا الشخص (مدير المركز) فبينما نحن جلوس أخذ يخاطبهم -وهم صغار لا يفقهون كلام الكبار- أخذ يخاطبهم وكأنه يكلم عمداء كليات أو أساتذة جامعة، أي: يخاطبهم بأسلوب الكبار، يا فلان! كان أحدهم اسمه عمر والثاني سامي والثالث.
يا أولادي! فلان ابن فلان، عمكم فلان وهذا أتى من المملكة العربية السعودية، وعندنا اجتماع مهم، ونريد أن نجلس وحدنا ولا أحد يزعجنا أو يخبط الباب، وقام يكلمهم وهم منصتون يدعون أنهم يفهمون، لكن عرفوا أن المطلوب أن يخرجوا، فما هي إلا لحظات حتى خرجوا، قلت له: يا أخي! ولدي يزعجني إذا قلت له أخرج أو ادخل قال: لأنك متعود على طرده أو زجره بالأمر والقوة، لكن لو أنك تخاطب الصغير كما تخاطب الكبير لأصبح يفهم، ونحن من عيوبنا أننا لا نخاطب الصغار باللغة الفصحى يعني: العادية، لا أقصد بالفصحى أن تخرج لك مسلسلاً، لا.
إنما أقصد أن تخاطبه بالكلام الطبيعي فعندما تريه مثلاً قطاً صغيراً، وتقول: شوف هذا ثعيل، وهو يحفظ أن الصغير اسمه ثعيل، لكن لو قلت: هذا قط صغير هذا قط صغير فإنه يحفظ أن الصغير اسمه صغير، ونحن نظن أننا لو قلنا: (ثعيل) أن معناه تقريب للمعلومة، والحقيقة أنه يحفظ المسميات خطأ، بسبب أننا نجتهد اجتهاداً خاطئاً، فكذلك الخطاب معهم حينما يكون خطاباً راقياً فإنهم يتأثرون بإذن الله .
وهنا مسألة أؤكد عليها وهي: تجديد العهد بين الأب والأم باستمرار كما في سؤال الأخ قبل قليل: كيف يحافظون على الآداب إذا كنت غائباً؟ ينبغي أن الأب إذا أراد أن يسافر أن يقول: يا أم فلان! الأولاد أمانة في رقبتك، أنا مسافر ثلاثة أيام مثلاً، فاجعلهم من رقبتي إلى رقبتك، لا أحد يتخلف عن الفجر، لا أحد يسهر بعد صلاة العشاء، لا أحد يخرج بدون إذنك، لا أحد يتغيب عن المدرسة، لا تسكتين عن شيء، وذلك بالأسلوب الطبيعي حتى تشعر الأم أيضاً أنها تحملت هذه المسئولية، أما كما قلنا غيابٌ من الأب وتواطؤٌ وتسترٌ من الأم، وغفلة من الولد وبه ضاعت الذرية، فينبغي أن نتنبه لذلك.
стр. 1061
مسألة وعد الأبناء بأشياء مستقبلية دنيوية
السؤال
يقول السائل: أحسن الله إليكم، ما رأيكم بمن يعدون الأبناء بأشياء مستقبلية كشراء سيارة وما شابه ذلك؟
الجواب
لا بأس في ذلك، أنا لا أرى في هذا شيئاً إطلاقاً، قل لولدك: إذا حفظت القرآن سأشتري لك سيارة؛ إذا حفظت عشرة أجزاء أعطيك هيلوكس، وإذا حفظت عشرين جزءً أعطيك كامري، -أيقظ همته- وإذا حفظت جزء واحداً هذه خمسمائة ريال، فلا مانع من ذلك، لأنه لا يزال في مرحلة الماديات والمحسوسات، وذلك أبلغ في التأثير على نفسه من أن تقف له عند مسألة الجنة، لا بأس أن تجعل معها قضية الجنة، فإذا حفظ وأكرمته قلت: الآن من حفظ كتاب الله، وكلما قرأت حرفاً لك حسنة، وكل حسنة بعشرة أمثالها، يا ولدي! يوم القيامة الجنة درجات، وأنت سوف تصعد أعلى درجة -بإذن الله- عند آخر حرف حفظته، عند آخر آية وآخر سورة حفظتها أو قرأتها، تبدأ تقرب له هذه المعاني مع التشويق والتحبيب بالأمور المادية، فهذا لا يمنع، بل هو أمرٌ ينبغي للذي يستطيعه أن يفعله، الذي يستطيع أن يعد أولاده بالجائزة المادية ولو كانت كبيرة فينبغي ألا يتردد في ذلك أبداً.
стр. 1062
والدي يدخن
السؤال
أحسن الله إليكم، والدي يأمرني بشراء الدخان له، وأنا أرفض ذلك إلا أنني أخشى أن يضربني، فما رأيكم حفظكم الله؟
الجواب
اجتهد ألا تحضر ذلك، ولا بأس أن تشرح له إن كنت في سنٍ يسمح لك أن تتحدث ببيان لوالدك، والله يا أبتِ الله قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] والدخان ضار وقاتل، والنبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) والله قال: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ولا شك أن هذا من الخبائث وليس من الطيبات، ومع استمرار النصيحة لوالدك فأنت على خير بإذن الله.
وبالمناسبة بعض الأسئلة من هذا الجانب أغلبها فرضية؛ لأن كثيراً من الآباء المدخنين هم لا يتمنون أو يرضون أن أولادهم يدخنون، صحيح أن الولد إذا وقع في التدخين والأب يدخن قال: ما لي وجه أنكر عليه وأنا واقع فيه، لكن هذا المدخن في قرارة نفسه لا يتمنى أن ولده يدخن، بل وتجد كثيراً من المدخنين يتوارى عن أولاده ولا يدخن أمامهم إلا ذلك الذي لا يبالي بصلاح أو فساد أولاده ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 1063
والديَّ يمنعاني من حضور المحاضرات
السؤال
هذا يسأل يقول: بعض الشباب يجد مضايقات من الأبوين إذا خرج للمحاضرات والبرامج الجيدة مثل الرحلات التي تكون فيها مصالح كثيرة، فما هي نصيحتكم للآباء؟
الجواب
إذا كان والدك يمنعك بسبب حاجته إليك فإن قضاء حاجته مقدمة على ما ترغب من الذهاب إليه من محاضرات أو رحلات أو غير ذلك، أما إذا كان يريد أن يمنعك رغبة في إضلالك وإفسادك وهذا وإن وقع فهو نادر، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] ولا تقطع نفسك عن الخير وأهله، لا سيما إذا علمت أن في انقطاعك هذا ضلال وانحرافٌ وفتورٌ ووقوعٌ منك في المحرمات والمنكرات.
стр. 1064
إزعاج الأبناء في الشوارع والمساجد
السؤال
يقول: أحسن الله إليكم، ما نصيحتكم لمن يترك أبناءه يزعجون في الشوارع، ويزعجون المصلين خصوصاً في المساجد؟
الجواب
ننصح هؤلاء بأن يتقوا الله وأن يحفظوا أبناءهم، وألا يؤذوا جيرانهم، وألا يكونوا ممن قال فيهم النبي ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة) فإن جار البادية يتحول.
فينبغي للإنسان أن يحسن إلى جيرانه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء:٣٦] وفي الحديث: (ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) من مقتضى الإيمان أن تحسن الجوار: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه).
فعلاً بعض الجيران لا يستطيع أن يغيب عن بيته لخبث جاره وخبث أولاد جاره، بل بعضهم يبيع البيت بنصف ما كلفت لأنه ابتلي بجارٍ -والعياذ بالله- ضال ومنحرف ومؤذٍ هو وأولاده، فليتق الله الواحد منا ولا يكون سبباً في أذية جاره.
وبالمناسبة من أنواع الأذى ما يفعله بعض الجيران، يخرج الزبالة من بيته ويرميها عند باب جاره، بحجة أن برميل الزبالة جانب الباب، اذهب وخذ لك برميلاً وضعه عند بابك، يا أخي! بابك أو جدارك أولى بزبالة منزلك، ولا تجعل جارك مستودعاً للزبالة، وتسن سنة سيئة في جارك يدعو عليك وأنت لا تدري.
كذلك من الأذية أن بعض الجيران بيارة بيته -أجل الله المسجد والسامعين- تفيض على الجيران وتؤذيهم بالنجاسات والروائح الكريهة وهو لا يبالي، ما دام أن ليس عنده مشكلة داخل دورات المياه، وإن الزائد في البيارة -عزكم الله- يفيض إلى الشارع فلا مبالاة، هذا من أذية الجار -والعياذ بالله-.
ومن الناس -والعياذ بالله- من تجده يرى أولاده يسرقون من جيرانه، ويأتون بأشياء ليست من متاع البيت ثم يسكت عليها، وهذا لا يجوز بأي حال.
стр. 1065
أتعجبون من تأخر الغيث ؟
أيها الأحبة: اعلموا أن الذنوب والمعاصي ضررها عظيم وخطرها جسيم، فمن أدرك خطرها وقبحها ساعده ذلك على التخلص منها، ومن تذكر آثارها وعواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة، وأخذ العبرة والعظة من الأمم السابقة، تاب وأناب إلى ربه واستغفره، ودعاه؛ لأن الدعاء مفتاح الفرج.
стр. 1066
خطر المعصية
الحمد لله الواحد بلا شريك، العليم بلا ظهير، القوي بلا نصير، خلق الخلق لعبادته، وما خلقهم ليستكثر بهم من قلة، أو ليستظهر بهم من قلة علم، أو ليستعز بهم من ضعف، عن ذلك! فهو القوي وحده لا شريك له.
الحمد لله الولي الحميد، المبدئ المعيد، المؤمَّل لكشف كل كرب شديد، والمرجو للإحسان والفضل والمزيد؛ نحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، لا نحصي ثناءً عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتوبوا إليه، واعلموا أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا شك في ضررها على العباد والبلاد، وإن مما يعين العباد على تجنبها أن يعلموا أن عواقب الذنوب أليمة، ومراتعها وخيمة، وأن الذنب الواحد لا بد أن يضر القلب وتوابعه من الجوارح، كما تضر السموم الأبدان بحسب القلة والكثرة، وإذا علم العباد خطر معصية الله، وعظم الذي يعصونه، وتذكروا أن كل شر وبلاء وقع بالعبيد أنفسهم، أو بغيرهم من المسلمين، إنما وقع بسبب الذنوب والتهاون في فعلها كفوا عنها.
عباد الله: إذا أدرك المسلم آثار الذنوب والمعاصي في أمم سادت ثم بادت، وملكت ثم هلكت، وكيف أحدثت لهم من الله أنواع العقوبات والبلاء، أعانه ذلك على اجتنابها، والإقلاع عنها، فاجتهدوا يا عباد الله! اجتهدوا في طاعة ربكم، والبُعد عن معصيته، وتوبوا إلى الله بالعودة والرجوع إليه، فإنه ما تُقُرِّب إلى الله بشيء أحب إليه من ترك معصيته والقيام بأمره.
ذكر الإمام أحمد عن صفية قالت: [زُلزِلَت المدينة على عهد عمر فقال: يا أيها الناس! ما أسرع ما أحدثتم؟ لئن عادت لا تجدوني فيها] وفي رواية أخرى: [أن عمر بن الخطاب ﵁ لما زلزلت الأرض على عهده قال: ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه، والذي نفسي بيده لئن عادت لا أساكنكم فيها أبداً].
وذُكر أن رَجْفاً حدث في عهد عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى الأمصار: [أما بعد فإن هذا الرجف شيء يعاقب الله به العباد، وقد كتبتُ إلى سائر الأمصار أن يخرجوا في يوم كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فليتصدق به؛ فإن الله قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] وقولوا كما قال آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧] وقولوا كما قال يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]].
أيها الأحبة في الله: قد يغتر بعض الناس بفعله للمعصية؛ ولا يجد بعد معصيته فتنة، أو بلية تصيبه، فيظن أن ذنبه يسير، أو أنه لا خطر عليه في فعل هذا الذنب، فهو كما يقول القائل:
إذا لم يُغَبِّر حائطٌ في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبارُ
وقد نسي ذلك المسكين أن الذنب له من الشؤم والآثار القبيحة، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله.
стр. 1067
آثار الذنوب والمعاصي
قد عد ابن قيم الجوزية في كتابه الداء والدواء أربعة وسبعين أثراً من آثار الذنوب والمعاصي، لا تخطئ العبدَ المذنبَ واحدةٌ منها إن لم يجتمع عليه جميعها ومن هذه الآثار: وحشة القلب، حرمان العلم، والعلم نور تطفئه المعصية.
ومن آثار الذنوب والمعاصي: أن يحرم العباد الأرزاق بالذنوب التي يصيبونها، كما في الحديث.
ومن آثار الذنوب: أن يجد العباد وحشة بينهم وبين ربهم، وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه بقية حياة، أما صاحب القلب الميت فهو كما قال القائل:
من يهن يسهل الهوان عليه فما لجرح بميت إيلامُ
ومن آثار الذنوب -يا عباد الله- أنها تولِّد بعضها، وتزرع أمثالها، كما قال بعض السلف: [إن من عقوبة السيئة، السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها] فالحسنة تقول: أختي أختي والسيئة تقول: أختي أختي عياذاً بالله من الوقوع في السيئات.
فآثار الذنوب والمعاصي عظيمة على القلوب والأرواح والأبدان، وهي كما ذكرها ابن القيم على وجه البيان لا الحصر أربعة وسبعون، لا يخطئ المذنبَ واحدةٌ منها، فإذا علم المسلم هذه المصائب التي تحل بسبب الذنب الذي يرتكبه، أعانه ذلك على حفظ نفسه، واجتناب المعصية.
نسأل الله للجميع الهداية.
معاشر المؤمنين: استغفروا الله وتوبوا إليه، واحذروا غضبه ولا تعصوه.
стр. 1068
أسباب تأخر الغيث
معاشر المسلمين: لا شك أنكم خرجتم من بيوتكم تشكون إلى الله تأخر الغيث، واحتباس المطر، فوالله ما هذا إلا بذنوبنا قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءاً غَدَقاً﴾ [الجن:١٦] والله ما تأخر ذلك إلا بالذنوب والمعاصي، والفواحش والآثام، والبدع والمنكرات.
أنعجب من تأخر الغيث واحتباس المطر، وصلاة الفجر لا تشهد من المسلمين إلا عدداً يسيراً، ونزراً قليلاً من الرجال، وبقيتهم يتقلبون في فرشهم غافلين عن دعاة الفلاح، وأصوات المآذن، لا يجيبون داعي الله! أفيهم مرض! أفيهم مصيبة! ألا يخافون أن يهلكهم الله بإعراضهم عن ندائه؟! عباد الله: هجر بعض المسلمين الصلاة مع الجماعة، ورأوا أن الصلاة مع الجماعة لا تفارق شيئاً عن الصلاة في البيوت، وبذلك عطلوا بيوت الله التي: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
معاشر المؤمنين: أتعجبون من عدم نزول المطر، وبعض المسلمين يُسَوِّفُ في أداء الزكاة ودفعها، ولا يؤديها في وقتها، وبعضهم لا يخرج إلا أخبث ماله، وبعضهم لا يخرجها بالكلية، ويستكثر أن يُخرج ربع العشر من ماله، أو النصاب المقدر من الفضل الذي تفضل الله عليه به! معاشر المؤمنين: ألا تشهدون قطيعة للأرحام؟! ألا ترون عقوقاً للوالدَين؟! ألا ترون سباباً وفسوقاً وشتائم؟! ألا ترون قلة ذكر لله؟! ألا ترون إعراضاً عن طاعة الله؟! أتعجبون من تأخر الغيث وقد تساهل كثير من الناس بالربا؟! تجده يصوم ويصلي ويشهد الصلاة مع الجماعة؛ لكن لا يتورع أن يودع المال بـ (٤%) أو بـ (٥%) أو بـ (٧%) في أي بنك من البنوك! من الذي أحل له هذه الفائدة؟! كيف تجرأ واستحل هذه الفائدة، بل هذه اللعنة؟! كيف يجرؤ مسلم على لعنة يشرب بها، ويأكل بها، ويلبس بها، ويتصدق بها -ولا يقبل الله صدقة من ذلك- ويفعل بها من الأمور ما يكون سبباً ووبالاً في هلاكه؟ معاشر المؤمنين: أتعجبون من تأخر الغيث وقد انتهك كثير من المسلمين المحرمات، وتساهلوا بالزنا، وسافر كثير من شباب المسلمين إلى الخارج ولم يبالوا، ولم يراقبوا الله ولم يخشوه، ووقعوا في المعاصي والفجور والبلاء؟! نسأل الله لهم الهداية.
عباد الله! أتعجبون من تأخر نزول الغيث، ونحن نرى بداية الاختلاط في بعض المجالات! ونرى تساهلاً في الحجاب! ونرى سفوراً في الأسواق والمستشفيات والطرقات؟! بل إن بعض السافرات المتبرجات قد قوي لها من الشوكة ما لا نعلم سببه، ولا نعرف مصدره، حتى إنك إذا قلت: تستري، أو احتجبي، قالت: وما لك وما لي، وهل أنت ولي أمري، أو مسئول عليَّ؟! ما الذي رفع الشوكة، وأطال الطائلة لهذه المرأة التي قالت هذا الكلام؟! أترونه إلا ما شاهدته في الأفلام والمسلسلات، علَّمها سنين طويلة؟! وقد رأت من هذه المشاهد التي جرَّأتها على كسر الحياء واقتحام الحشمة، وجعلها تخرج عن هذه الدائرة، التي كانت عفيفة لطيفة فيها.
أتعجبون من تأخر الغيث -يا عباد الله- وكثير من المسلمين لا يخشون الله، ولا يراقبونه في مكسبهم، وأكلوا بعض المال بالباطل؟! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] جاء في سنن ابن ماجة من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: (كنتُ عاشر عشرة رهط المهاجرين عند رسول الله ﷺ ، فاقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: يا معشر المهاجرين! خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتُلُوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتُلُوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلاطين، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء؛ ولولا البهائم لم يُمطروا، ولا خَفَر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم).
يقول أبو هريرة ﵁: [إن الحَبارى لتموت في أوكارها هُزالى من ظلم الظالم].
وقال مجاهد: [إن البهائم تلعن عُصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك المطر، تقول: هذا بشؤم معصية بني آدم].
أتعجبون -يا عباد الله- من تأخر القطر واحتباس الغيث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يظنه بعضُهم موقوفاً على عدد من رجال الحسبة، والرسول ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وفي رواية: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
بعض المسلمين يرى المنكرات، ويرى المعصية التي يُعصى بها الله جهاراً نهاراً، وكأنه لم يرَ شيئاً من المعاصي والمنكرات.
أين تغير القلوب؟! أين فوران الدماء؟! أين الحمية للدين؟! أين الشيمة والغيرة والإباء؟! أين ضاعت هذه المعاني؟! أين ضاعت تلك الأمور؟! لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
стр. 1069
معصية الغناء والفيديو
عباد الله: هناك معصية ومصيبة لا زالت باقية، وهي من ظاهرها كسائر المعاصي؛ لكن دُعاتها هم الذين فتحوا على المسلمين بلاء عظيماً، أتدرون ما هي؟ إنها محلات الغناء والفيديو! والله لو أعاننا الله عليها، وأعان ولاة الأمر عليها فأغلقوها فإن في ذلك خيراً للأمة عظيماً، ونفعاً للخلق عميماً، نسأل الله أن يعينهم على ذلك، وأن يعجل إغلاقها، وأن يعجل منع المسلمين من شرورها وأضرارها.
ليت الواحد من أولئك الذين يتاجرون بهذه الأفلام يسمع ما شاء في بيته، فمصيبته عليه وذنبه على جنبه؛ لكن المصيبة تكمن في الذي يسهل تأثيراً وعرضاً واستماعاً، ووصلهم من الجديد كذا، وعُرض لهم من الجديد كذا، وما في هذه الأفلام إلا صوت مزمار الشيطان، وصورة امرأة عارية، ورقص خليع، وسباب وشتيمة، وفجور وعصيان، وإغضاب لله، ومحاربة لأمره، واستهزاء بما جاء في كتابه وسنة نبيه.
أخبروني: أي شيء في هذه المحلات مفيد؟ أي نفع للمسلمين فيها؟ اللهم عجل فناءها ودمارها وهلاكها, واهد اللهم أصحابها ليقلعوا عنها يا رب العالمين.
стр. 1070
العبرة من الأمم السابقة
عباد الله: الحذر الحذر من الذنوب، اعلموا أنه لم ينزل بلاءٌ إلا بذنب، ولن يُرفع إلا بتوبة، ولو لم يغير العباد على أنفسهم لَمَا غيَّر الله عليهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ولو لزم العباد أمر ربهم ونبيهم لأكلوا من الخيرات من بين أيديهم ومن تحت أرجلهم.
عباد الله: إن شؤم الذنوب عظيم، وبلاء الذنوب إذا ظهرت على الأمة عميم، إن الأبوين آدم وحواء أُخْرِجا من الجنة بسبب ذنب واحد، فما تنتظرون وقد ارتكبنا ألواناً وأصنافاً وأشكالاً من الذنوب؟! ما الذي أغرق قوم نوح حتى علا الماءُ رءوس الجبال؟! ما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى جعلتهم كأعجاز نخل خاوية؟! ما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة التي قطعت قلوبهم، وماتوا عن آخرهم؟! ما الذي سلط على بني إسرائيل ألوان العذاب، من قتل وسبي وخراب ديار؟! ما الذي سلط على أهل لبنان اثني عشر عاماً حرباً طائفية شعواء، في كل يوم يرون قتلى وجرحى ومشردين، وأرامل، وأيتاماً، وشيوخاً، وعجائز معذبين؟! والله ما كان ذلك إلا بسبب الذنوب! ما الذي غير الأرزاق في بعض البلاد التي كانت مصدراً لتوريد وتصدير النعم والخيرات؛ فأصابها الجفاف، وأصابها الفقر والجوع، حتى إن البهائم لتموت هزالاً من هذا الذي بها؟! والله إنها الذنوب والمعاصي! ألا ترون الجوع في أفريقيا؟! ألا ترون الجفاف؟! ألا ترون الفقر؟! ألا ترون الحرب في العراق وإيران؟! ألا ترون الفتن الطائفية في لبنان؟! ألا ترون المصائب والتسلط في كثير من الأماكن؟! ألا ترون الفزع والخوف والهلع؟! إلا في هذه البلاد -يا عباد الله- فاتقوا الله، وتذكروا نعمته عليكم، فإنكم في نعمة عظيمة، وإن الكثير عن معرفتها لفي غفلة، وإن الكثير عن إدراك مداها لفي لهو.
نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً.
عباد الله: قد يَبْتَلي الله عباده، كي يضَّرَّعوا بين يديه, ويشكوا ضعفهم وفقرهم إليه، وقد أمرنا الله سبحانه بالدعاء، ووعد بالاستجابة فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠].
وقال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٥ - ٥٦] ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠].
ويقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦].
اعترفوا بذنبكم وتقصيركم، وقولوا: لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، واستغفروا الله فالاستغفار سبب لنزول الغيث.
يقول النبي الصالح: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢] ويقول الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] ويقول الله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
ويقول نوح لقومه فيما جاء في كتاب الله : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١١].
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله من جميع الذنوب والخطايا.
اللهم اغفر لنا ذنوباً علمتَها أنتَ ولم يعلم بها أحدٌ من العباد، اللهم اغفر لنا الجهر والسر والعلن، اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، ونبوءُ لك بنعمتك علينا، ونبوء بذنوبنا، فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم اجبر كسرنا، اللهم ارحم تذللنا.
اللهم إنا عبيد من عبيدك، وخلق من خلقك، اللهم لا تحرمنا بذنوبنا فضلك، ولا تمنعنا بمعاصينا رحمتك، اللهم لا تعذبنا بذنوبنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الحليم العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك، مما نسمعه من الملاهي، ونستغفرك ونتوب إليك مما نراه بأعيننا التي خلقتها من المنكرات والمحرمات، ونستغفرك ونتوب إليك مما اجترحته أيدينا من السيئات، ومشت أرجلنا إلى الخطيئات، نستغفرك اللهم ونتوب إليك.
اللهم اغفر لنا، اللهم تجاوز عنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً طبقاً نافعاً مجللاً غير ضار.
اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم اسق البهائم الرُّتَّع، والمُسَبِّحات الرُّكَّع، والأطفال الرُّضَّع، اللهم إن بنا من الجهد واللأواء ما لا يعلمه إلا أنت، وما لا يكشفه إلا أنت، ولا غنى لنا عن فضلك، يا رب العالمين.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا وأغث قلوبنا، اللهم أغث قلوبنا بالتوبة، اللهم أغث قلوبنا بالإنابة، اللهم أغث قلوبنا بالرجوع إلى أمرك وسنة نبيك.
اللهم أغثنا، واعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، لا إله إلا أنت، لا غنى لنا عن فضلك، ولا طاقة لنا بأنفسنا إن وكلتنا إليها.
ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك، اللهم إنا مساكين إلا برحمتك، ضعفاء إلا بقوتك، فقراء إلا بغناك، أذلاء إلا بعزتك، اللهم لا تمنع عنا فضلك، واسقنا واستجب لنا واعطنا.
اللهم آتنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، ما تنبت لنا به الزرع وتدر لنا به الضرع، برحمتك يا رب العالمين.
اللهم اسقنا وأغثنا، وأغث المجدبين أجمعين من أمة محمد يا رب العالمين.
عباد الله: قلبوا أرديتكم اقتداءً بما كان ﷺ يفعله، وتفاؤلاً بتغيير الأحوال، وغيروا أحوالكم من المعصية إلى الطاعة، ومن العقوق إلى البر، ومن القطيعة إلى الصلة.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارض اللهم عن بقية الصحابة أجمعين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك، يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1071
أثر القرآن على الفتاة المسلمة
إن للقرآن الكريم أثراً في حياة المرأة المسلمة الصالحة: في إيمانها واعتقادها، وعلمها بالله ، وفي إخلاصها وعملها لله سبحانه، والدعوة إلى الله وتربية الأولاد التربية الحسنة، وعلى المرأة المسلمة الصبر على الطاعة والدعوة إلى الله وتحمل الأذى كما يعلمها القرآن.
стр. 1072
معجزة القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فعنوان محاضرتنا كما تفضل المقدم جزاه الله خير الجزاء " القرآن وأثره على الفتاة المسلمة " ولا شك أن كتاب الله جل وعلا من تمسك به لن يضل أبداً، وقال ﷺ : (عليكم بكتاب الله وسنتي) وهذا القرآن الكريم هو حبل الله المتين من اعتصم به نجا، ومن أعرض عنه فإن له معيشة ضنكاً، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].
وهذا القرآن هو ربيع قلوب المؤمنين، وهذا القرآن معجزة النبي ﷺ للبشرية كافة إلى يوم القيامة، وهذا القرآن هو جوابٌ وغذاءٌ ودواءٌ وكنزٌ ثمين، وفيه تلبية لحاجات الأمة الإسلامية إلى أن تقوم الساعة: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] وهذا القرآن قد حفظه الله جل وعلا، فلا خطر أن يحرف أو يزاد فيه أو ينقص: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
يقول الإمام الشاطبي ﵀:
وإن كتاب الله أوثق شافعٍ وأغنى غناءٍ واهباً متفضِّلا
وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبضٍ على جمرٍ فتنجو من البلا
ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت سحائبها بالدمع ديماً وهطَّلا
ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا
القرآن الكريم ما نزل إلا ليعمل به، ما أنزل الله هذا القرآن لتزين به المجالس، أو لتزخرف به الدور والغرف، أو ليعلق على الرفوف، أو ليكنز في المساجد، وإنما أنزل هذا القرآن لكي يعمل بصغيره قبل كبيره، ولكي يعمل بدقيقه مع جليله، هذا القرآن هو حجة في كل حرفٍ من حروفه، وفي كل سورة من سوره، وفي كل آية من آياته، فهو معجزٌ، ولهذا كان إعجازه شاملاً لكل شيء، إعجاز البيان، إعجاز اللغة، إعجاز الطب، إعجاز الفلك، إعجازٌ في كل أمرٍ من الأمور، ولذا كان معجزةً خالدة إلى يوم القيامة.
كانت معجزة عيسى من جنس ما اشتهر به قومه، وكانت معجزته في الطب، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى بإذن الله، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، وانتهت معجزته بانتهاء نبوته ورسالته.
كانت معجزة موسى ﵇ من جنس ما اشتهر به قومه وهو السحر، فجاءت معجزته في يده تخرج بيضاء من غير سوء، جاءته معجزته في عصاه ألقاها فإذا هي ثعبانٌ مبين يلقف ما يأفكون، وانتهت معجزة موسى ﵇ بانتهاء رسالته.
أما نبينا ﷺ فلما كانت رسالته إلى الثقلين الجن والإنس إلى يوم القيامة، وهو المقفي، والحاشر، والخاتم وليس بعده نبي، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، فكانت معجزته متجددة لكل زمانٍ ومكان، إلى أن يقبض الله هذه البشرية، وإلى أن تقوم الساعة.
أيتها الأخوات! القرآن العظيم شأنه عظيم، والذي لا يعرف الشيء لا يمكن أن يتصور حقيقته، وأضرب لكم الآن مثلاً، نتكلم الآن عن القرآن الكريم وبالمثال يتضح المقال، لو أننا نسبح في عرقٍ من شدة الحر والقيظ، قد تضايقنا من انطفاء التيار الكهربائي مثلاً في حر الشمس في النهار، وأصبح الواحد منا يسيح عرقاً على وجهه وجسمه، هل يغني عنه أن نصف له أنه توجد مكيفات من نوع (اسبليت) أو من نوع (كلبنيتر) أو من أي نوعٍ من الأنواع التي من شأنها الهدوء والراحة، والتبريد الجميل، لو أن إنساناً يسبح في العرق من الحر وأخذنا نَصِفُ له ألوان وأنواع المكيفات، وبرودة الغرف التي امتلأت بالمكيفات، لا أظن أن وصفنا هذا وكلامنا سوف يجفف من عرقه قدر قطرة واحدة، لماذا؟ لأن وصف الشيء لا يغني عن الدخول في حقيقته، فكذلك التي نقول لها: إن القرآن كذا وكذا وكذا لن تجد حقيقة ما نصف لها إلا إذا دخلت في سلك الحافظات والمتعلمات والدارسات والطالبات، فهذا الذي ذكرناه مثلاً الذي نقول: إنه يسبح من العرق من شدة الحر، لو أخذنا نصف له ساعة في ألوان المكيفات ما جف عرقه، ولم يجد نوعاً من الراحة، لكن حينما نأخذه وندخله في حجرة فيها مكيف ولو واحداً، سيجد خلال دقائق أنه امتلأ راحة، وبرد جسمه، ووجد الطمأنينة والارتياح الكامل، فكذلك هذا المثل نطبقه على ما نحن فيه الآن، حينما نصف أثر القرآن على أناسٍ لا يعلمون بالقرآن، ونصف أثر القرآن لأناسٍ لا يلتزمون بالقرآن، ونصف أثر القرآن لأناسٍ لا يجعلون القرآن زادهم اليومي يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، فإننا كالذي يصف الحسناء للعميان، ولا حاجة إلى مزيد من التفصيل.
стр. 1073
أثر القرآن في إيمان الفتاة بالله
أثر القرآن على الفتاة المسلمة: أولاً: في إيمانها بالله جل وعلا، فهذه الفتاة المسلمة صغيرةً كانت أم كبيرة، المهم أنها تعرف أن القرآن من عند الله جل وعلا.
стр. 1074
إيمان الفتاة بالقرآن وأنه كلام الله
إذاً: فالقرآن كلام الله منزلٌ غير مخلوق، تكلم الله به جل وعلا، فنفهم من هذا أن من صفات الله أنه يتكلم كلاماً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، لا يلزم من كلامه سبحانه أن يكون له لسان، ولا أن يكون له حنجرة، ولا أن يكون في الحلق لسان مزمار، لا يلزم من كلامه سبحانه أن تكون أدوات الكلام التي يخرج بها الصوت من البشر موجودة في الله؛ لأن معتقد أهل السنة والجماعة أننا نؤمن أن الله يتكلم، والكلام من صفات الله الذاتية، ومن صفات الفعل فإن الله في الأصل متكلمٌ ويتكلم إذا شاء متى شاء، فنؤمن بأن الله له صفة الكلام، وهذا جلي واضح، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] فالله جل وعلا أثبت لنفسه صفة الكلام، فهذا القرآن الذي نحن نقرؤه ونتلوه آناء الليل وأطراف النهار هو كلام الله جل وعلا.
فالواحدة منكن حينما تقرأ كتاب الله جل وعلا فإنها تقرأ كلام رب السماوات والأرض، تقرأ كلام الذي البشرية كلها في قبضته جل وعلا، تقرأ كلام الذي السماوات مطوياتٌ بيمينه، تقرأ كلام الخالق الذي هذه الأنفس على وجه الأرض كلها بيده سبحانه، تقرأ كلام الذي يقدر أرزاق الخلائق في الليل والنهار، تقرأ كلام الذي لا تخفى عليه خافية، تقرأ كلام الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فاعرفي كلام من تقرئين، ربما نجد من بعض الناس من يلقي انتباهاً واهتماماً حينما يقرأ كلام مسئول من المسئولين، أو رئيس من الرؤساء، أو عظيم من العظماء، ولكن حينما يتلو كلام الله جل وعلا لا ينتبه له ولا يتدبره، وهذا لا شك أنه من الجهل، فإن من يعرف عظمة ربه ولو أدنى حقوق المعرفة، فإن هذا سيدعوه إلى أن يتأمل هذا الكلام، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
فهذا القرآن أثره على الفتاة أن تعلم أن هذا كلام الله جل وعلا، تقول عائشة ﵂، جاءت المجادلة التي ذكر الله شأنها في سورة المجادلة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] تقول عائشة ﵂ وخولة بنت ثعلبة تشكو زوجها، قالت: يا رسول الله! إن زوجي كبيرٌ وقد ظاهر مني، ولي منه عيال، إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن جعلتهم لديه ضاعوا، تقول عائشة: والله إن المجادلة تكلم النبي ﷺ في الحجرة وما بيني وبينهما إلا الستر -ستارة قماش لطيف- تقول عائشة: الرسول مع المجادلة على يمين الستر في ظاهر الحجرة، وأنا على يسار الستر في باطن الحجرة، والله ما سمعت كلامها، وسمع الله كلامها من فوق سبع سماوات! فأنزل الله جل وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١].
فأنت أيتها المسلمة! تقرئين كلام الذي يسمع خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، وتقرئين كلام الذي يعلم السر وأخفى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 1075
إيمان الفتاة بالله سبحانه وأسمائه وصفاته
أثر هذا القرآن على الفتاة المسلمة أن تعرف الله جل وعلا، فإيماننا بالله إيمان وحي، إيمان غيب، لم ننتظر مجلس الأمن أو هيئة الأمم لكي تعطي بياناً عن صفات الله وأسمائه وذاته، ولا نقبل أن يجتمع هيئة كبار العلماء في أي دولة من الدول أو المجمع الفقهي ليقولوا: لقد اجتمعت الهيئة وقررت أن الله اسمه كذا ومن أسمائه كذا وكذا وأن صفات الله كذا وكذا لماذا لا نقبل من صغير ولا كبير ولا من هيئة ولا من علماء كل ما يتعلق بالله؟ لأن الإيمان بالله إيمان غيبٍ، والغيب لا يمكن أن نعلمه إلا بوحيٍ، والوحي جاء من عند الله في هذا القرآن، فلا يمكن أن نجعل في القلب والذاكرة والذهن معلومة عن الله إلا بوحي من عند الله جل وعلا، ولا يحيطون به علماً: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣].
فأنتِ مثلاً حينما أقول لك مثلاً: إن الله هو العليم، أو إن الله هو السميع، من أين جئنا بهذا؟ بحثنا فوجدنا في القرآن آية فيها أن الله سميع، فسمينا الله سميعاً، ووصفنا الله بأنه سميع، عرفنا في القرآن آية بأن الله عليم، فسمينا الله عليماً ووصفناه بوصفٍ أنه عليم، لكن مستحيل ثم مستحيل ثم مستحيل أن نصف الله جل وعلا بوصفٍ لم يصف نفسه به، ولم يصفه رسوله ﷺ .
مثلاً: أقول لك أيتها الأخت المسلمة: هل تشكين من ضيق الصدر؟ هل تشكين من الهم؟ هل تشكين من القلق؟ هل تشكين من الغم؟ هل بينك وبين زوجك مشاكل؟ هل بينك وبين أهلك مشاكل؟ تهجدي آخر الليل (فإن الله ينزل في الثلث الآخر من الليل إلى السماء الدنيا ويقول: هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من داعٍ فأجيبه؟) فأنتِ بدلاً من أن تقولي: تعال يا شيخ! من أين جئت لنا بهذه المعلومة؟ تقول: إن الله يتنزل في الثلث الآخر من الليل، أنت تأتي بكلام من عندك؟ أقول لكِ: يا أختي! جزاكِ الله خيراً؛ لأنني لا يمكن أن أنقل شيئاً من أسماء الله أو أصف صفة من أفعال الله إلا بوحي من الله أو كلامٍ من نبيه ﷺ ، وقد ثبت في السنة من حديث النبي ﷺ : (أن الله ينزل في الثلث الآخر فيبسط يده ويقول: هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من داعٍ فأجيبه؟) إذاً: أنا لما تكلمت عن الله ما تكلمت من نفسي، ما نقلت خبراً عن مجلة سيدتي وما نقلت خبراً عن مجلة آخر ساعة وما نقلت خبراً عن مجلة النهضة وما نقلت خبراً عن مجلة من المجلات، أو شريطٍ من الأشرطة.
إذاً: فكل ما يتعلق بالله لا نقبل فيه إلا ما كان النقل فيه عن الله وعن رسوله، قال الله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فالله جل وعلا في مقام وحدانيته لم يرض لنا إلا بالعلم، ما قال: فاعرف أنه لا إله إلا الله؛ لأن المعرفة تزيد وتنقص، المعرفة معرضة للنقض ومعرضة للمحاورة وللإبطال، أما العلم فإنه حقائق لا يمكن أن نرضى في مقام وحدانية الله جل وعلا إلا بذلك.
فالقرآن الكريم أثره عليك -أيتها المسلمة- أن تؤمني بالله جل وعلا، وما هو هذا الإيمان؟ الحقيقة تقول، وليست حقيقة المعلومات والثقافة، بل الحقائق القرآنية؛ لأننا اتفقنا وإياكن قبل قليل أننا لا نتكلم عن الله إلا بدليل من القرآن أو بدليل من السنة، في أي علمٍ من العلوم، أو أي نظرية من النظريات قد نأتي باجتهادات العقول، بتحاليل المعامل، بالتجارب، بالمختبرات، بالبراهين، بالاستقراء، بالأدلة المختلفة، لكن عن الله جل وعلا وعن أسمائه وصفاته لا يمكن أن نتكلم إلا بموجب الدليل الذي هو عن الله وعن أسمائه وصفاته.
стр. 1076
إيمان الفتاة بربوبية الله وألوهيته
فإيمانك بالله أنه الخالق المدبر المتصرف، المحيي المميت، أرواحكن بيد الله جل وعلا، آجالكن في علم الله جل وعلا، أرزاقكن في علم الله جل وعلا، كل ما يدور الآن في أذهانكن وخواطركن وما سيدور وما دار من قبل كله في علم الله جل وعلا، لا تخفى على الله خافية.
إذاً: فهذا التوحيد الذي اسمه: توحيد الربوبية وهو أن المسلمة والمسلم يعتقد كل واحدٍ منهم أن الله الخالق المدبر المالك المتصرف، فكل شيء في هذا الكون بتدبير الله وأمره وخلقه وإرادته ، هذا هو توحيد الربوبية، ويفسره العلماء أهل العقائد ويقولون: توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله، أو توحيد الإقرار يعني: أن نقر ونعترف أن كل تدبير هو من عند الله جل وعلا، فإذا عرفنا هذا أصبحنا ننسب الأمور إلى فعل الله وتقديره، لا نقول: والله حصلت زلازل وبراكين لضعف القشرة الأرضية، بل نقول: بإرادة الله، بأمر الله جل وعلا، حتى الذين يقولون: إن الزلازل والبراكين حدثت بسبب ضعف القشرة الأرضية نقول: من الذي جعل القشرة الأرضية ضعيفة أليس الله جل وعلا؟ إذاً فلا يمكن أن ننسب الأمور إلا إلى الله جل وعلا، نقول: هبت عواصف نتيجة منخفض جوي، بل نقول: بأمر الله، وإرادة الله، ومشيئة الله، فلابد من أن ننسب الأمر إلى الله .
وهذا الإيمان أيتها الأخوات الذي اسمه: الإيمان بتوحيد الربوبية، هل تظنن أن أبا لهب وأبا جهل وعبد المطلب، وكفار قريش كانوا ينكرونه؟ لا.
كانوا يؤمنون به، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] فكفار قريش يؤمنون بتوحيد الربوبية.
إذاً: فهل هذا هو التوحيد المطلوب منا؟ لا.
مطلوبٌ منا مع توحيد الربوبية توحيدٌ أسمائه وصفاته وتوحيد الألوهية، وهذا التوحيد يعني: أن نصرف جميع العبادة لله، لا نحلف إلا بالله، فلا نحلف: بالنبي والأمانة والكعبة والشرف، ولا نذبح إلا لله، لا يمكن أن نذبح للساحر أو الكاهن أو الشجرة أو الأثلة الفلانية، لا نتوكل إلا على الله، لا نستعين إلا بالله، لا نصلي إلا لله، لا ننحر إلا لله، فكل عبادةٍ صغيرة كانت أو كبيرة لا يجوز صرفها إلا لوجه الله جل وعلا.
أيتها الأخت: خذي مثالاً من واحدة من البنات والفتيات اللائي تربين في حضن الدعوة وفي مجتمع الدعوة، دعوة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب نور الله ضريحه، وجمعنا به في الجنة.
فاطمة بنت الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت في طريقها إلى الحج، وكانت في الهودج، وكان الذي يقود جملها أو بعيرها خادماً عندهم، فمروا على قومٍ كانوا يعظمون قبراً من القبور، فأنكروا عليهم إلا أن صاحب القبر قال: قربوا قربوا لهذا الولي، قربوا لصاحب القبر شيئاً، فقال خادمها: ما نقرب إلا ترباً في وجهك، بهذه العبارة، فأخرجت -الحصان الرزان المتدينة العالمة الموحدة التي ظهر أثر القرآن عليها- أخرجت رأسها من ستر الهودج وقالت: حتى التراب لا يقرب لغير الله جل وعلا، فدل هذا على أن الفتاة المسلمة قبل أن تكون داعية، وقبل أن تكون مثقفة، وقبل أن تكون أديبة، وقبل أن تكون ذواقة للشعر، وقبل أن تكون قادرة على جمع المعلومات، ونشيطة في التحركات، قبل ذلك كله هي صاحبة إيمان، صاحبة عقيدة، صاحبة توحيد.
ثم كذلك هذا القرآن يجعل الفتاة المسلمة تؤمن بأن الله لا شبيه له، ولا مثيل له، ولا نظير له جل عن كل ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فمن أراد أن يشبه الله في جملة أو في وصفٍ أو هيئة أو حالٍ من الأحوال فإن هذا يدخل ويتكلف فيما ليس له به علم، بل ربما يصل إلى حد الكفر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
стр. 1077
أثر القرآن في استجابة المرأة لله
بعد ذلك: أثر الإيمان على الفتاة المسلمة أن تعلم أنها أمرت بالاستجابة لله جل وعلا، أعطيكن مثالاً: أثر الإيمان على الفتاة المسلمة أن تستجيب لله جل وعلا، لأن الله هو الإله الخالق المدبر، وهو كفؤ لأن يستجاب له، بغض النظر هل عرفنا الحكمة أم لم نعرف الحكمة، يعني: ما تأتينا فتاة وتقول: لماذا حرم الله الاختلاط؟ لماذا أمر الله بالحجاب؟ نقول: أولاً: بوسعنا أن نجد العلل والحكم التي من أجلها منع الاختلاط وشرع الحجاب، لكن قبل ذلك كله من أثر القرآن على الفتاة المسلمة أن تستجيب لله عرفت الحكمة أم لم تعرف، عرفت الهدف أم لم تعرف، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١].
الفتاة المسلمة أثر القرآن عليها أن تستجيب للأوامر الشرعية لأن الله أمرها بها، فمادام أن الله أمر فإننا ننفذ عرفنا الحكمة أو لم نعرفها، عرفنا العلة أو ما عرفناها، هذه مسألة مهمة يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ليس هناك خيارٌ في أي حالٍ من الأحوال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
خذوا الآن مثالاً على الاستجابة، تجد فتاة مثلاً متساهلة بالحجاب، تنظر إلى الأفلام والمسلسلات، قد جمعت في بيتها صور النجوم والمشهورين والشهيرات، وفعلت كثيراً من المعاصي، فعندما تنصحها إحدى أخواتها فتقول: أما هذه وهذه وهذه فنعم، أنا معك أفعلها وأطبقها، وأما هذه وهذه والأغاني لا أستطيع أن أتركها، لماذا؟ لا يوجد شيء أمر الله به ننفذه وشيء نتهاون به، جميع الأمور أمر الله بها، فمن واجبنا أن نستجيب.
أثر القرآن أن يعلمنا الاستجابة، والله جل وعلا حينما يأمرنا في القرآن الكريم فليس الأمر للرجال فقط، وكثيرٌ من النساء يجهلن هذه القاعدة ويظنن أن القرآن مقصودٌ به الرجال، بل كل خطابٍ في القرآن فيه: (يا أيها الذين آمنوا) فالمؤمنات يدخلن فيه بالتبع، كل خطاب فيه أمر للمسلمين فإن المسلمات يدخلن فيه بالتبع، وهذه مسألة مهمة جداً ينبغي أن تفهمها الفتاة المسلمة، وإذا جاء خطابٌ أريد به النساء على وجه الخصوص، فهذا فيه دلالة على زيادة الخصوصية لهن أي: للتأكيد على شأن المسلمات والمؤمنات بالرعاية والعناية بهن.
المسألة المهمة التي تلي ذلك، يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] فواجبنا الاستجابة وليس واجبنا أن نبحث في التعليل: لماذا، وعلل! وبيّن! واشرح! واذكر! هذا ليس من شأن الخلق مع الخالق، ليس من شأن الضعفاء مع القوي، ليس من شأن الفقراء مع الغني، ليس من شأن الأذلاء مع العزيز المكين الجبار المتكبر، إنما شأن الفقراء مع الغني إذا أمر أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، شأن الأذلاء نحن معاشر البشر مع العزيز الكبير إذا قال الله شيئاً أن نقول: سمعنا وأطعنا، شأن الضعفاء مع القوي أن نذعن وأن نستجيب له، فمسألة الاستجابة مسألة مهمة جداً جداً، ينبغي أن تفقهها الفتاة المسلمة.
أذكر لما حصلت مشكلة قيادة المرأة للسيارات -تلك الفتنة الخطيرة التي قام بها من أراد بالمسلمين والمسلمات شراً، والحمد لله الذي رد كيدهم في نحورهم- قام بعض الجهلة والسفهاء وبعض المساكين يقول: لماذا؟ وعلل! وبين! واشرح! ولماذا المرأة لا تقود؟ وهلم جراً، نحن أولاً وقبل كل شيء أمام قرارات عامة، أمام توجيهات إدارية، نحن قبل كل شيء أمام أوامر ربانية، ولا يسعنا أمام الأوامر الربانية إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا، ثم بعد ذلك إذا وجدنا عللنا بحثنا فيها.
стр. 1078
عدم وجود الانفصامية في الأحكام الربانية
كذلك من أثر الإيمان على الفتاة المسلمة: أن تكون مستجيبة لله جل وعلا، فإن هذا الإيمان يدعوها إلى التصديق والانسجام، أعني بذلك أن الفتاة حينما تؤمن بهذا القرآن أنه كلام الله، وواجب كلام الله أن نطبقه وأن نسمع له، ألا يوجد انفصام عند الفتاة المسلمة في عقيدتها وسلوكها؟! لا يمكن هذا ولا يقبل بأي حالٍ من الأحوال، وبالمثال يتضح المقال.
قبل مدة أحد الإخوة كان مسافراً إلى القاهرة يقول: لما هبطت الطائرة إذ بفتاة تتعلق بأمها، ما شأن هذه الأم لما أصبحت الطائرة وشيكة على الهبوط؟ قامت الأم المتمدنة المتطورة التي تشعر بعقدة التخلف -يا للأسف! تلك المسكينة- نزعت حجابها وعباءتها، ثم بدت سافرة كأنما هي أرجوزة من أراجيز السيرك العالمي بمساحيق وجهها وألوانها، وإذ بالفتاة الصغيرة تقول: يا أمي! عيب، يا أمي! تغطي يوجد رجال، يا أمي! استحي، يا أمي! عيب، فتقول الأم لبنتها: اسكتي اسكتي يا بنيه هذا عيب! هذه امرأة مسلمة تؤمن بالله وتؤمن برسوله وتؤمن بالقرآن الكريم؟! لكن المشكلة أنه يوجد انفصام بين النظرية والفكر والاعتقاد، وبين الواقع والتطبيق والسلوك، هذه مشكلة من أعظم المشاكل، فأثر القرآن على الفتاة المؤمنة ألا يوجد عندها انفصام، فكما أنها تصوم رمضان بالكامل من الفجر إلى أذان المغرب فهي تلتزم بالحجاب بالكامل، وكما أنها تؤدي الصلاة فهي تمتنع عن الملاهي، وكما أنها تقوم ببر والديها فهي أيضاً تمتنع عن الوقوع في المكالمات الهاتفية، أو الولوغ في مهاوي هذه الرذيلة وهذا الانحلال، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إذاً: فأثر القرآن على الفتاة المسلمة ألا يوجد عندها انفصام، وهذا الانفصام يعني: أن تقول: أنتمي لشيء والواقع يختلف عنه، أنا مسلم وتصرفاتي تصرفات غير مسلم، أنت فتاة مسلمة والسلوك وبعض المعاملات مخالفة، هذا لا يجوز أبداً.
ومصيبة الأمة الإسلامية هي مصيبة الانفصام النكد بين العقيدة والتطبيق وبين النظرية، وتجد الإنسان يعتقد أموراً ويؤمن بها والواقع يخالفها، ومن أجل هذا لما وجد هذا الانفصام ما عادت لنا الهيبة التي كانت موجودة لآبائنا وأجدادنا، لماذا؟ لأننا في هذا الزمان أصبحنا نحمل صورة الإسلام وقد ضيع بعضنا حقيقته، الآن أنتن في هذه المدرسة عدد كبير -ما شاء الله- لو أننا فتحنا البوابة الكبيرة التي خلفكن وأدخلنا عليكن أسداً كبيراً جداً محنطاً، وهذا الأسد قد فتح فمه وبدت أنيابه، كل واحدة منكن -ما شاء الله- ما هذا الأسد! والتي تلمس رأسه، والتي تلمس أنيابه، والتي تنظر من أي شيءٍ حشي هذا الأسد، وستجد الأطفال يركبون على رقبة الأسد ويلعبون بجوار الأسد.
عجيب! أسد والنساء والأطفال حوله لا يخافون؟! تقولون: لأن هذه صورة أسد محنط، ليس أسداً حقيقياً، نقول: لا حرج، وفي هذا الوقت لو تَفلَّت عليكن قط ثم أخذ يمشي مسرعاً، وهذا القط متوحش، لسمعت الصراخ، ولرأيت بعض النساء تهرب والأخرى تنحاز، وأخرى تمسك ولدها وهلم جراً.
لماذا تدرن حول الأسد، وتلمسن أنيابه، ولا تخفن منه، ولما مرت هذه القطة المتوحشة الصغيرة كل واحدة خافت وصرخت، نقول: لأن الأسد صورة والقطة حقيقة، فالناس تخاف من الحقائق مهما كانت تافهة، الناس تخشى من الحقائق مهما كانت صغيرة، ولا تبالي بالصور مهما كانت عظيمة.
فكذلك الإيمان حينما يكون في الفتاة المسلمة إيمان صوري، أو بالأحرى إسلام صوري، وليس إسلاماً حقيقياً ينعكس على واقع الحياة سواءً في معاشرة الأهل والوالدين والزوج وتربية الأولاد وحسن العلاقة والجوار وهلم جراً، فهذا الإيمان لا يكون له أثر، وربما تجد المسلمة مثلاً في الخارج تجلس بجوار الكافرة وتنظر إليها وتحدثها، وتبتسم لها وتتبادل معها السجائر وأشياء كثيرة، ولا تبالي هذه الكافرة أن تنظر إلى هذه المسلمة اسماً نظرة السخرية أو نظرة ازدراء؛ لأنها فتاة مسلمة تعتقد وتدين شيئاً والواقع يعاكس ذلك.
الحقيقة -أيتها الأخوات- أن مسألة الصورة والحقيقة من أصدق وأقرب الأمثلة التي ينبغي أن ننتبه لها حتى تعرف الواحدة أثرها، كم عندنا في المدرسة الآن من فتاة مسلمة؟ كم يوجد من زوجة مسلمة؟ كم يوجد من بنت وأم مسلمة؟ المدرسة مليئة، لكن أين الآثار المرجوة وأين الآثار المطلوبة؟ كم رأينا من الأمهات المسلمات (وأفلام الكرتون) تربي أطفالهن! كم رأينا من الأخوات الملتزمات والبيوت مليئة بآخر مجلات البردة والأزياء! كم رأينا من الطيبات الصالحات وللأسف تجد هناك مخالفات كثيرة! لماذا هذا؟ لأن المسألة غلب عليها جانب الصورة أكثر من الحقيقة.
إذاً: فنحن نريد الفتاة التي أثر القرآن عليها أثراً حقيقياً، لا نريد الفتاة الضعيفة التي تذوب وتنحل أمام حرارة الإغراء، فتجد سمعة الإسلام الشمعية عندها، لكن لو تواجهها حرارة الدعاية والإعلان والإغراء والإرجاف والمديح والثناء، والفتاة السعودية وصلت! والفتاة السعودية نافست! والفتاة السعودية فعلت! لوجدت الشيطان يعبث بها، وأصبح هذا الإطراء أو هذا المديح أو هذا الإغراء يرجف بقلبها؛ حتى تفكر أن تعطي مزيداً من التنازل عن دينها؛ من أجل أن تصل إلى صدارة الصحف وأبواب المجلات وزوايا الإعلام وغير ذلك.
فالواجب أن ننبه الفتاة، ودائماً أعداء الإسلام لا يواجهون الفتاة المسلمة مواجهة مباشرة، ثقوا واطمئنوا أنه لن يأتي يومٌ ما فلم من الخارج أو من الداخل ليقول: أيتها الفتاة! انبذي الحجاب، اتركي الحجاب، مزقيه، أو أيتها الفتاة! اشتغلي راقصة، أو ممثلة، أو اعملي في هذا المجال المهين، لا.
لن يقال لك هذا، لكن الواقع يشهد أنه يمكن أن نقنع واحدة من بنات المسلمين من خلال الدعاية بأن تكون عارضة أزياء، لا يمكن أن تأتي رسالة أو مجلة أو فيلم ليقول: يا بنت! كوني عارضة أزياء، أو ممثلة أو راقصة، أو نريد أن تكوني كذلك، لا يمكن هذا، لكن من خلال الدعاية والإعلان يمكن أن نغريها لتكون عارضة أزياء.
من خلال الدعاية والإعلان ممكن أن تجد الفتاة التي ترغب أن تكون راقصة، من خلال الإغراء والمديح المزيف يمكن أن نجد من فتيات المسلمات من تتمنى أن تكون مضيفة، ومن تتمنى أن تجتمع بالرجال، ومن تتمنى أن تفعل هذا وهذا، لماذا؟ لأن الفتاة التي لا أثر للقرآن عليها ولا إيمان موجودٌ عندها هذه الفتاة فارغة ما عندها شيء.
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء
نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعدٌ فلقاء
فاتقوا الله في قلوب العذارى فالعذارى قلوبهن هواء
المرأة التي لا أثر للقرآن في قلبها ضائعة، تستجيب عند أدنى دعاية، وأدنى موضة، وأدنى شيء، ولذلك فمن واجب الفتاة المسلمة أن تنتبه لهذه الناحية، وأن تنظر إلى أي درجة بلغ أثر القرآن عليها، نريد أن تعتني بالقرآن، أن تعود إلى كتاب الله جل وعلا، وحينئذٍ سترى الخير يتفجر من ينابيع يديها، وسترى تأثيرها على زميلاتها وأخواتها في كل مجالٍ؛ في مدرستها، في جاراتها، في قريباتها، في كل مكان سترى لها أثراً بإذن الله جل وعلا.
стр. 1079
أثر القرآن على المرأة في تلذذها بالتزامها لشرع الله
ومن أثر القرآن على الفتاة المسلمة في إيمانها أنها تتلذذ بذلك، أي: لن يكون أثر القرآن على الفتاة المسلمة أن توجد الفتاة الملتزمة التي تتمنى أن تمزق الحجاب، أو توجد الفتاة الملتزمة التي تتمنى أن تعاكس بالهاتف، أو توجد الفتاة المسلمة التي تتمنى أن تخرج يوماً ما إلى الشارع، أو توجد الفتاة الملتزمة التي هي ضائقة من الالتزام، وتتمنى أن يأتي اليوم الذي يفتح لها البوابة لكي تنحل مما التزمت به، لا.
القرآن سيجعلها تتلذذ بالتزامها، تقول: أنا التزمت وأنا استقمت وعلى هدي القرآن مضيت، وسأمضي على هذا الطريق إلى أن ألقى الله جل وعلا، هذا أثر القرآن لأننا ربما وجدنا وسمعنا عدداً من البنات تلتزم الواحدة فترة من الفترات ثم تنحرف بعد شهر، تكون طيبة وتلبس القفاز، ولا تسمع الأغاني، ولا تحضر الرقصات، وتقاطع مجلات الأزياء والبرد التي فيها الصور الخليعة ونحو ذلك، ثم بعد فترة تنتهي لماذا؟ هذا يسمونه: التزام العاطفة، تلتزم بعاطفةٍ بعيدة عن العلم، ثم بعد ذلك تنحرف، لكن التي تلتزم على بركة القرآن وأثره، وتتعامل بالقرآن، وتعرف معاني القرآن من خلال التفسير، وأسباب النزول، ومعاني الآيات، وجمال القرآن ومعانيه الرفيعة الطيبة، فإنما هي فتاةٌ كلما ازدادت بها الأيام مضياً ازدادت في القرآن شغفاً، وبكتاب الله حباً، وفي الدين تمسكاً، وفي الدعوة اجتهاداً.
فأثر القرآن على الفتاة أن يجعلها تلتزم التزام متلذذٍ، التزام المنسجم، التزام المنبسط الذي يعيش غاية الفرح والسرور، ليس التزاماً للفتاة التي تتمنى أن يكون للدين تاريخ صلاحية لكي تلتزم خمس سنوات، ثم تنتهي من هذه المدة لكي تنحل من جديد.
стр. 1080
أثر القرآن على المرأة أن تعرف أن الله أكرمها
وأيضاً أثر القرآن على الفتاة المسلمة: أن تعرف أن الله أكرمها، والله إن هذا الدين أكرم المرأة كرامة ما حظيت بها من قبل في سابق الشرائع ومختلف الديانات أبداً، لم تحظ المرأة منذ أن وجدت الخليقة إلى يومنا هذا بكرامة أجل وأعظم وأكرم مما نالته في هذا الدين العظيم، وهذا الدين القويم الذي أكرم الله به المؤمنين، وإن الذين يتحللون من هذا الدين أو الذين يتبرمون منه، أو الذين يشعرون أنهم في تعقيدٍ وتشددٍ، وفي حجابٍ أسودٍ من كل جانبٍ يودون التخلص منه، فما تلك إلا واحدة تريد أن تقع فيما وقعت فيه المرأة الغربية التي تجرأت على حيائها، وتجرأت على عفتها، وتجرأت على سمتها، وطبيعة خلقها وتكوينها، ونعومة أنوثتها، فأصبحت مهينة تكلف بأعمالٍ لا يكلف بها الرجال، وماذا بعد ذلك؟ انتهت ولا حول ولا قوة إلا بالله إلى مصيرٍ مظلم، إلى مصيرٍ مزعجٍ جداً جداً! المرأة الغربية، والمرأة الشرقية أيضاً التي أعرضت عن كتاب الله وقلدتها هي امرأة تعيش في ضنك، وتعيش في ضيق، وكما قال سيد قطب ﵀: إن المرأة في المجتمعات الغربية كالحمامات الموجودة على ممرات الطرق، كل من لقيها تعرف عليها وبات معها، وكل من عرفها جعلها تحفة في محل أزيائه، وجعلها مادةً للدعاية والإعلان لكي يروج بها بضاعته وما عنده من السلع، وماذا بعد ذلك؟ إذا انتهى منها رماها شر رمية.
أما الفتاة التي تربت في المجتمع القرآني، فإن كانت طفلة فبنية يحوطها العطف والحنان من كل جانب، وإن كانت في عنفوان الشباب فنرتقب لها عريساً يسعدها، ويكون سبباً لحصول الذرية الصالحة لها، وإن كانت أماً فأبشري بكرامة الأمهات والجنة تحت أقدامها، والبر من أقرب أبواب التعبد لله جل وعلا، وإن كانت أماً وجدة فلا تسأل عن الحنان، ولا تسأل عن التواضع، ولا تسأل عن الإكرام والتبجيل والتقدير لها.
وعلى ذلك فإن الفتاة في المجتمع المسلم، التي تأثرت بهذا القرآن، أثر القرآن عليها طيب بإذن الله وبفضل الله جل وعلا.
والله ذات مرة كنت في ألمانيا الغربية في فرانك فورت فرأيت شاباً قد جعل فتاةً في يده يذهب وإياها ويمضي، وفي لحظة من اللحظات إذ به يدفعها على الثلج في الشارع، ويركلها برجله، ويبصق عليها، ويطردها ويبعدها فقلت: سبحان الله! على أقل الأحوال لو كانت هذه فتاة مسلمة في المجتمع القرآني، لو حصل بين رجلٍ وامرأة هذا، لو كانت زوجة مثلاً وحصل شجار لن يفعل بها هذا، فما بالك بهذه المرأة التي عاشت في ذلك المجتمع! فكل من أعرضت عن ذكر الله، فهي تريد أن تعيش في مجتمع الغرب، أو تريد أن تعيش عيشة مماثلة لمجتمع الغرب في مجتمعٍ لا يرحمها أبداً، أي كرامة أعظم للمرأة من مجتمعنا هذا الذي يحوطها ويقوم بواجبها ويكرمها؟!
стр. 1081
أثر القرآن على المرأة في العمل بهذا الدين
ثم أيضاً أثر القرآن على الفتاة المسلمة في العمل، لا يكفي أن الفتاة المسلمة تؤمن، والفتاة المسلمة تعلم، والفتاة المسلمة عندها تصور، والفتاة المسلمة عندها معلومات، لا.
الله جل وعلا في كثيرٍ من الآيات التي ذكر فيها الإيمان كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧] تجد أن العمل الصالح معطوفٌ على الإيمان في كثيرٍ من الآيات القرآنية، وذلك للدلالة على أن العمل هو برهان الإيمان، أما إنسان يؤمن بأن النار محرقة ولا يبتعد عنها، أو إنسان يؤمن بأن السم قاتل وهو يأكله، أو إنسان يؤمن بشيء ثم هو بعد ذلك لا يطبقه أو لا يفعل ما يقتضيه الإيمان به، أظن هذا تمثيلٌ وتضليل وليس إيماناً حقيقياً.
ما أكثر الفتيات اللائي يدعين الإيمان! ولكن لو أردنا أن نبحث عن الإيمان في حجابها، لو أردنا أن نبحث عن الإيمان في سترها، في بصرها وما تنظر إليه، في سمعها وما تنصت له، في خلوتها بنفسها، بماذا تفكر وماذا تفعل؟ لوجدت عند بعضهن -ولا أقول كلهن- لوجدت بوناً شاسعاً بين دعوى الإيمان وبين الواقع.
إذاً: فالإيمان دعوى والعمل هو الحقيقة والنتيجة، قال الشاعر:
والدعاوى إن لم يقيموا عليها بيناتٍ أصحابها أدعياء
إذاً: فالعمل هو الأثر الذي يتبع الإيمان، أثر القرآن على الفتاة بالإيمان والعمل هو الأثر الآخر الذي يتبع هذا الإيمان.
يقول ابن مسعود ﵁: [إذا سمعت قول الله: (يا أيها الذين آمنوا) فارع لها سمعك، فإما خيراً تؤمر به أو شراً تنهى عنه] لأن الإنسان ثمرة إيمانه أن يعمل وأن يطبق بذلك.
وينبغي أن نترجم هذا الإيمان إلى واقعٍ عملي ليس في سلوكنا فقط فحسب، بل لا بد أن نترجمه إلى واقع تربيتنا لإخواننا وأخواتنا وأبنائنا، طفل من الأطفال يكذب تقولين له: لا تكذب، وافتحي المصحف أمامه وقولي: هذا كلام الله يقول الله جل وعلا: كذا وكذا وكذا طفل يفعل خطأً تقولين: لا تفعل ذلك؛ لأن الله يقول كذا فلتعظم الفتاة المسلمة والمرأة المسلمة بتأثيرٍ من القرآن وبهدى من القرآن، ففي هذا خيرٌ عظيم، ولو أننا عودنا أطفالنا أن نقول: لا تفعلوا كذا لأن الله نهى عنه، وافعلوا كذا لأن الله أمر به، إذا كبروا وأردنا أن نقول: هذا لا يجوز، لا يمكن أن تجد الفتاة أو الشاب في أي مرحلة من مراحل العمر يتجاوز هذه المسائل.
إذاً: فالعمل ثمرة أو أثر من آثار القرآن، ولا نريد العمل فقط على السلوك، بل أيضاً العمل بالتربية، لا تكذب؛ لأن الله يقول: كذا لا تسرق لأن الله يقول: كذا لا تفعل كذا لأن الله يقول: كذا افعلي هذا؛ لأن الله يأمر بكذا افعلي هذا؛ لأن الله يجزي بالجنة على هذا، تصدقي؛ لأن الله يجزي المتصدقين، والله يقول: وترينها الآية في القرآن؛ ففي هذا أثر طيبٌ بإذن الله جل وعلا.
وبالمناسبة فإن أعداء الإسلام قد استغلوا هذا الجانب ألا وهو غزو عقول الأطفال منذ الصغر، يعني: بعض الأطفال لما تدخل معه في مناقشة ستجد أن معلوماته مبنية على ما ورد في (أفلام كرتون) تجد أن بعض الأطفال معلوماته مبنية على ما ورد في المسلسل المدبلج، والسبب أننا لم نربهم بالقرآن، فتولت هذه الأفلام تربيتهم، وكل من ترك خانة فغيره سينالها ويكون أولى بها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! والواقع يشهد على براءة الطفولة والفطرة، لكن الذين لم يجعلوا للقرآن أثراً في بيوتهم وعلى أطفالهم وذرياتهم:
ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ ونام عنها تولى رعيها الأسد
من تركوا أبناءهم ولم يربوهم بالقرآن تربيهم هذه الأفلام والمسلسلات، وعفواً لو تدخلت في شيءٍ من التفصيلات من خلال نوع من الاستقراء الذي أقوم به في بعض الأحيان.
اسألي طفلك عن حبة الفول التي نبتت -هذا الكلام من (أفلام كرتون) - في الأرض، واستمرت حتى شقت السحب، ثم وصلت إلى السحابة السادسة أو السابعة إشارة إلى وجود الله، وانتهت هذه البذرة إلى قصر فيه رجلٌ سمين عنده دجاجٌ يبيض ذهباً، فتسلل الطفل -الآن في هذا المكان نحن في المكتب الذي تلقى عليكن فيه المحاضرة معنا طفل ويهز رأسه متابع الصورة جيداً، معنى ذلك: أن براءة الطفولة حينما لم ترب بالقرآن يتسلل إليها خطرٌ عظيم- فيتسلل هذا الصغير، ويدخل فيسرق الدجاجة، ويعرف صاحب القصر الذي في السحابة السابعة، ثم يلحقه، ويفلت منه، ويقفل الأبواب، وينجو من ذلك، ثم يعصر أشياء كثيرة، فينزل المطر، ثم يضرب بعض الأواني فيظهر الرعد، أين تربية القرآن؟ منذ أيام كنت في مركز صيفي مع أطفال في المرحلة الابتدائية، فجلست أسألهم عن هذا، وسألت أحد الأطفال لعله في السنة الثانية، قلت له: هل رأيت هذا (الفيلم الكرتون)؟ قال: نعم، قلت له: ماذا تفهم منه؟ من هو الذي في السماء السابعة؟ قال: يقولون إن هذا هو الله، وليس بصحيح، الله ليس هنا، يعني: جيد لأنه عاش في بيئة أو في أسرة أو في وسط لا بأس به، فقد تلقى العقيدة تلقياً جيداً لكن هذه المشوشات والمفسدات على صفاء فطرته جعلته يعجب، وربما خلطت عليه في يوم من الأيام، وربما بعض الأطفال الذين تتولى تربيتهم الخادمات، وربما لا توجد أمٌ ولا أبٌ ينبهه، فحينئذٍ يعتقد أن الله في السماء السابعة، وعنده دجاجٌ يبيض ذهباً، وهذا من أخبث وأخطر مفسدات البراءة والفطرة عند الأطفال، إذا كان كفار قريش يعتقدون أن الله هو الخالق المدبر وما كانوا يعتقدون هذا، فنحن في هذا الزمن يصور للأطفال بطريقة خفية، وفي الفيلم ما قيل: هذا هو الله، لم يقال لهم هذا، لكن من خلال ذلك تصور الطفل أن هذا حاصل، وطبقي شيئاً من هذه الأمثلة، وأضرب أمثلة: خذوا البرنامج المدبلج (برنامج سنان) من كم سنة رصدت فيه بعض الحلقات؟ ما هو أثر هذه البرامج على بيتٍ لم يترب بالقرآن؟ في أحد المشاهد حيوان من الحيوانات الذي يقوم بدور، يعني: الذئب يقوم بدور نسيت اسمه الآن، ولما انكسرت رجله أخذوا يدورون عليه ويصيحون بتعويذة: (زعبور يشفي جرجور، جرجور يشفي زعبور) ويدورون عليه؛ حتى قام نشيطاً، فلما اتصلوا بالطبيب، وكان الطبيب هو التيس ويلبس المناظر فقال: كيف شفي الذئب جرجور أو زعبور؟ قالوا: صرنا ندور عليه بالتعويذة حتى شفي.
إذاً: الطفل في البيت الذي لم يتأثر بالقرآن يتعلم أن الشافي هذه التعاويذ، وهذه التمائم والأمور التي تردد، وهذا مفتاح الشرك والوثنية، ومفتاح إفساد العقيدة على الأطفال الذين يتربون على غير كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
مثالٌ ثالث: الحصان الأبيض، قد تقلن: الشيخ جالس يتفرج (أفلام الكرتون) لكن لا حرج، قولوا ما شئتم، المهم أن تعرفوا ماذا يفعل ويدبر بأبنائكم، الحصان الأبيض تدور فكرة هذا البرنامج على إله النور وإله الظلمة، يوجد أطفال معهم الحصان الأبيض يمر على قوز قزح، وعنده شعاعٌ ذري ينثره فينير الكون بالنور الأبيض، ثم الناس يدخلهم البهجة والسرور وينبسطون ويفرحون، ثم يأتي اللص أو الحرامي أو المعاند، ودائماً يجعلون اللص هو الملتحي يقوم بدور المجرم أو بدور القراصنة، ويأتي هذا ويصنع دخاناً أسود ثم ينشره في الكون؛ فيبدأ الحصان يضعف، والأطفال تصيبهم الكآبة، والابتسامة تزول عن الشفاه، إذاً ما هي النتيجة؟ يستنتج الطفل؛ وهذا يسمونه المخيخ المبدع المخيخ المبدع داخل ذهن الطفل، وهذا المخيخ موجود لدى الرجل والمرأة والصغير والكبير، يستنتج المشاهد أن النور هو سبب الراحة والطمأنينة والسعادة، وأن الظلام هو سبب الشقاء والمصائب، إذاً ليس الذي يسعد الناس الله، وليس الذي يقدر على الناس الخير والشر هو الله، وصرفت الأمور إلى غير الله .
وأخيراً: وليس آخراً (عدنان ولينا) يعلم طفلك كيف يحضن بنت الجيران الصغيرة ويقبلها، وربما كشف عن شيءٍ منها، فمن أين جاءت هذه الأمور؟ حينما تركنا الهدى حلت بنا محن، لما أعرضنا عن هذا القرآن، هذا القرآن نزل لكي يستفيد منه الصغير والكبير، هذا القرآن جاء حتى للنطفة قبل أن توضع في الرحم، وحتى للجنين قبل أن يولد، ويوم سابعه، ويوم يسمى، ويوم يؤمر بالصلاة، ويوم يضرب عليها، ويوم يفرق بينه وإخوانه وأخواته في المضاجع، هذا القرآن جاء لهذا الإنسان منذ أن يكون نطفة إلى أن يوضع في القبر، فحينما تركنا التعامل بأثر وتربية القرآن أصبحنا نجد هذه النتائج المزعجة ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 1082
أثر القرآن على المرأة أن تكون داعية إلى الله
ثالثاً: أثر القرآن علينا أو على الفتاة المسلمة أن تكون بما آمنت وعملت داعية إلى ذلك، فإن المسلم الثمرة الطبيعية له أن يكون مؤمناً عاملاً داعياً إلى ما يعمل به.
انظروا الثمرة الطبيعية التي كانت للصحابة والصحابيات، مجرد أن الصحابية تؤمن بالله جل وعلا تذهب إلى جاراتها وصويحباتها هل سمعتن ما جاء به هذا النبي الذي قدم من عند قريش؟ ويقول: كذا وكذا تدعوهن بأسلوب لبقٍ لطيف، حتى ربما جاءت المرأة ببعض النساء يبايعن رسول الله ﷺ ، وكان النبي يبايعهن ولا يصافحهن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة:١٢] فكانت المرأة بأثرها ودعوتها تؤثر على غيرها؛ فتؤمن بقية النساء ويصبحن من الصحابيات ويجئن لبيعة النبي ﷺ .
وكذلك الصحابي أبو بكر لما آمن، أعتق بلالاً ودعا أبا عبيدة عامر بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، أي: أنه أثر على قومٍ ودعاهم، وكانت هذه هي الثمرة الطبيعية للإيمان.
فنحن نقول: أثر القرآن علينا أن نؤمن بالله كما يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وأثر القرآن علينا أن نعمل بما آمنا به، وأثر القرآن علينا أن ندعو الناس، ومن النادر أن تجد بعض المسلمات تدعو صويحباتها لاستماع شريط، أو لقراءة زاوية عن المرأة المسلمة في مجلة من المجلات، أو لمناقشة وضع من الأوضاع المعينة، أو لترتيب زيارة أو دورية أسبوعية بين الجارات يقرأ فيها القرآن، وتفسر فيها آية، ويقرأ فيها حديث وتعرف أحكامه، وتتبادل فيها الأخبار والمعلومات، والأكلات والمشروبات الطيبات لا حرج في ذلك؛ لأن الواحدة مع الأسف أو كثير من أخواتنا إن وجدنا أنها التزمت واستقامت لربما منت علينا وقالت: احمدوا الله، غيري في جمعية كذا، وغيري في النادي الرياضي، وغيري في المسبح الفلاني، وغيري وغيري ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧].
فينبغي للفتاة المسلمة ألا تنظر إلى من هي أسوأ منها، وتقارن نفسها بها، أيضاً السيئة ربما قارنت نفسها بالكافرة، وربما قارنت نفسها بالزانية، ربما قارنت نفسها بالفاجرة ولا حول ولا قوة إلا بالله! فأثر القرآن على الفتاة المسلمة أن تكون داعية، وهذه الدعوة لا نريدها أن تضيع زوجها، ولا تكتب له ورقة: زوجي العزيز! أنا مشغولة بالدعوة، تنام الليلة لوحدك، لن أعود إليك، اشتر طعاماً من المطعم لن أرجع إليك، لا.
لكن نقول: ليس الرجل كالمرأة لا شك، لا في تكوينه وتركيبه وعمله ومهماته ومسئولياته، لكن نريد منها أن تجعل من كل أسبوع ولو ساعة أو ساعتين أو في أيامٍ مختلفة للدعوة إلى الله جل وعلا.
تدعو صويحباتها وقريباتها، ثم تحضر مسابقة ثقافية طيبة، فيها الابتسامة والمرح، وفيها السعادة والسرور بعيداً عن الرقص والطبل، والبردة، والموضة، والأزياء، والكلام الذي وقع فيه كثير من النساء في هذا الزمن، والله إننا نسمع عن بعض البيوت إذا اجتمع النساء أحضرن شريط ورقص وفعلن حلقة، وأصبحت إحداهن ترقص وسط الحلقة، ألهذا خلقت المسلمة؟ ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] المرأة جعل الله لها لساناً وعينين وشفتين، وهداها النجدين من أجل أن ترقص وسط الحلقة؟! ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] سواء كان ذكراً أم أنثى، خلقت في أحسن تقويم لأجل أن تتابع مجلات الأزياء؟! ولقد كرمنا بني آدم من الرجال والنساء والذكور والإناث من أجل أن يصبحوا يتابعوا أخبار قصور الأفراح والولائم والحفلات بآخر الموديلات وآخر ما نزل؟ أستغفر الله لا ينبغي أن يكون هذا من فتاة مسلمة.
فأثر القرآن على المسلمة الاستجابة والالتزام والدعوة إلى هذا الالتزام بكل ما أوتيت؛ بالهدية والشريط، والكلمة والزيارة واللقاء، وإن هذه المدرسة التي نحن فيها اليوم لهي ثمرة من ثمرات القرآن بإذن الله جل وعلا، القرآن أمرنا بهذا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] فهذا من التعاون على البر، وهذا من التواصي بالحق والصبر على ذلك، فياليت أخواتنا يعملن لمثل هذا الدور، ويحرصن على ذلك، وتؤسس كل واحدة منهن كما تفضل المقدم يعني: لو أن كل فتاة اجتمعت مع صويحباتها، وكل واحدة نقلت رغبتها مع زوجها.
والله لا أكتمكن سراً: عندنا في الحي برنامج دعوي، وهو عبارة عن جلسة أسبوعية يجتمع فيها الجيران، ونبحث أمور الحي، نرسل لكل بيت شريطاً وكتاباً، هذا في كل خمسة عشر يوماً، وربما أقمنا ندوة، والثلاثاء القادم عندنا ندوة بعنوان: (أطفال الحي من المسئول عنهم) وهذا النشاط بأكمله له الآن ستة أشهر، أتدرون من السبب فيه؟ فتاة اتصلت بأحد الإخوة وقالت: لماذا لا يكون لكم دور في الحي؟ لماذا نحن معاشر البنات والنساء والزوجات مالنا فائدة منكم في الحي ولا يستفيد منكم إلا الرجال؟ فبدأنا نرتب لهذا الموضوع حتى هدانا الله جل وعلا إلى هذه النتيجة التي أصبح من شأنها أن يصل كل بيتٍ من بيوت الحارة شريط إسلامي، وكتيب إسلامي، ونصيحة إسلامية، وربما واحدة منهن أرسلت بمشكلتها مع ولدها تشكو من زوجها، أو تشكو من أخيها، فربما اتصلنا بالزوج، وربما ناقشنا القضية، أو امرأة فارقها زوجها في لحظة غضب تدخل فيها الأهل وسببوا مزيداً من الفرقة، والفتاة تتمنى أن تعود لزوجها، فنتدخل بطريقة أو بأخرى لإصلاح ذات البين ورجوعها إلى بيت زوجها، وعودة الأطفال إلى المحضن الطبيعي بينهم.
فأقول: إن العمل من ثمرات القرآن الكريم، وهذه المدارس والعناية بها، واجتماع الأخوات فيها، واستغلالها إلى جانب القرآن الكريم بتبادل أمورٍ نافعة، يعني: ما يمنع أن تأتي الأخت بشريطٍ إسلاميٍ نافع، فيحصل تبادل الأشرطة النافعة، والكتيبات النافعة، التواصي بالردود، يعني: منذ مدة قرأت مقالاً في أحد الجرائد تقول فيه فتاة: أيتها الفتاة! ينبغي أن تدخلي غمار الطب ولا تسمعي للذين يقولون: إن في الطب اختلاطاً، وينبغي أن تخوضي هذا المضمار ولا تكوني هيابة خوافة، وعليك بالإقدام وو إلخ، وإن الاختلاط في هذا المجال ليس كالاختلاط الممنوع، بل هو اختلاط الشرف والمهنة وو إلخ، عجيب جداً! حتى اختلاط الطب هل يختلط الرجال مع النساء والممرضين مع الممرضات لشرح البخاري أو تخريج أحاديث مسلم؟! ليس بصحيح هذا، لكن أين الفتاة المسلمة؟! لكن حينما تأتي الفتاة بقصاصة الورق وتعرضها على زميلتها وتقول: ما دامت هذه عاهرة أو فاجرة كتبت فنحن نكتب خمسين رسالة ونرد عليها، ونكتب في أكثر من مجلة وجريدة في (الدعوة) في (المسلمون) في (الاعتصام) في (الرياض) في (الجزيرة) يعني: يا حبذا أن ينشر الرد في نفس المكان الذي ورد فيه الخطر، لكن إذا تعذر ذلك فإنه ينشر الرد في أي جريدة أو في أي مجلة من المجلات الإسلامية، فهذا أمرٌ مطلوبٌ مرغوب، وهذا من ثمار القرآن أن نعمل بما علمنا.
стр. 1083
أثر القرآن على المرأة الداعية في الصبر على الأذى
أخيراً وختاماً: فإن أثر القرآن على الفتاة المسلمة أن تصبر على ما تؤذى فيه، لا شك أن الفتاة المسلمة سوف تؤذى، ومن اتبع القرآن وعمل به لا بد أن يفتن ولو شيئاً قليلاً: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] لا بد أن تظهر حقيقة الفتاة التي تدعي الالتزام والتي تصدق مع الله في الالتزام، لا بد أن تظهر حقيقة الحجاب هل هو تجمل أو موضة أو تقليد أو تعبد لله واستجابة له، لا بد أن تظهر حقيقة القرار في البيت وحسن المعاشرة للزوج مع التي تدعي ذلك، وربما أرادت أن تصل من خلاله إلى أمرٍ آخر.
فالفتنة ربما وردت، ولكن أثر القرآن أن يثبت الفتاة المسلمة، ربما تلبس القفاز فتقابلها متبرجة سافرة في السوق وتقول: ما هذا التعقيد وما هذا التشدد، والدين يسر؟ نعم.
الدين يسر، لكن الدين ما قال: أخرجي نحرك ورقبتك ويديك وساقيك، وافتحي في هذا الفستان فتحة إلى ركبتك، الدين يسر لكن ما أمرك أن تتكسري بالقول وتخضعين به مع الرجال، نعم، الدين يسر لكن ما قال لك: تجملي في كل لحظةٍ تخرجين فيها إلى السوق، وتعطري حتى يشم الناس هذا العطر، ويفتتن الناس به، وربما فعل بعضهم المعصية وهم بها، الدين يسر لكن ما أمرك أن تتسلطي على المتحجبات والملتزمات، صدق الله العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٣].
الفتاة المسلمة قد تبتلى من إخوانها، قد تبتلى من أخواتها، قد تبتلى من قريباتها، قد تبتلى من زميلاتها المدرسات، قد تبتلى من أي مصدرٍ من مصادر الابتلاء المتوقع، لكن نقول: أثر القرآن أن يعينها على الثبات: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١١ - ١٢] امرأة فرعون وزوجة الطاغية تبتلى، لكنها صبرت وكانت من أهل الجنة، وطلبت ودعت أعلى المنازل: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] ربما ابتليت لكن القرآن علمها.
سمية بنت الخياط أم عمار بن ياسر، عذبهم أبو جهل، وأراد أن يردهم عن الدين، وأن يكفروا بمحمد، فأبوا؛ فكان ذلك الكافر النذل، القاسي القلب، الحجر الصلب، كان يجر تلك الصحابية الجليلة في حرارة الشمس، فهددها والحربة في يده، فقال: اكفري ارتدي اكفري بهذا الصابئ دعي دين محمد وعودي إلى دين الآباء والأجداد والأسياد، فأبت واختارت إلا أن تستمر على دين الله، فما كان منه إلا أن رمى بالحربة على فرجها، فتفجر الدم من جوفها، وكانت أول شهيدة في الإسلام.
هكذا صبرت الفتاة! ونحن وأنتن أيتها الأخوات أمام معترك خطير، الواقع الآن سوف يفرز المجتمع فرزاً واضحاً، فإما ملتزمات وإما منحرفات، إما صادقات وإما مداهنات، إما مخلصات وإما متلاعبات، إما فاجرات وإما طيبات عفيفاتٍ صالحاتٍ، فينبغي أن نتحيز وأن نميل إلى دين الله جل وعلا، وأن نكون مع الصالحين ومع الصالحات، ومع الصادقين ومع الصادقات، ومع المؤمنين ومع المؤمنات بإذن الله جل وعلا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1084
الأسئلة
стр. 1085
حكم من تسافر في الطائرة بدون محرم، وحكم كشف الوجه عند أمن الفتنة
السؤال
ما حكم من تسافر في الطائرة بدون محرم مع وجود استقبال في المطار؟ وما حكم كشف الوجه عند أمن الفتنة؟
الجواب
سافري بدون استقبال ستجدين الفتاة وهذه المرأة تجمع الشر كله من جميع جوانبه، ومن تتبع الرخص تزندق، فما بالك فيمن تتبع الشواذ من كلام العلماء، هذا لا يجوز في أي حال من الأحوال، والعبرة والحجة هو الدليل، ثم إن الذين قالوا بكشف الوجه أيضاً قيدوها بما إذا أمنت الفتنة، ونحن الآن في زمنٍ الفتنة قائمة حتى مع الحجاب، فكيف بكشف الوجه، ثم إن المرأة مطلوب منها أن تكف الشر عن نفسها، فإذا كان كشفها لوجهها ربما علق بعض الذئاب بنظراتٍ متتابعة لها، وجعلهم يعاكسونها ويؤذونها، فينبغي لها بل يجب عليها أن تغطي وجهها حتى لو سلمنا بقولها: إنها تعمل بقول الذين يرون جواز كشف الوجه.
فمسألة كشف الوجه في هذا الزمن هي مسألة الفتن، والتي جمعت كل المصائب في مقام واحد، والوجه كما يقول الشيخ ابن عثيمين: هو مجمع المحاسن، الرجل إذا أراد أن يخطب فتاةً هل نقول: انظر إلى يدها أو انظر إلى أصابع رجليها، نقول: انظر إليها أي: إلى الوجه، ولو أن فتاة أراد أن ينظر إليها خاطبها فدخلت عليه وهي متغطية الوجه ورأى قدميها ويديها قال: ما رأيتها، يريد أن يرى مجمع الفتة والحسن، ألا وهو وجهها.
فالمسلمة ينبغي أن تعتني بما هو أحظى لها بالقبول والرضا والمغفرة عند الله جل وعلا، لا أن تقول: قال فلان وقال علان.
стр. 1086
نصيحة لمن تحفظ القرآن ثم تنساه
السؤال
ما رأيكم فيمن تحفظ القرآن وتنساه؟
الجواب
الواجب على من اعتنى بكتاب الله جل وعلا أن يردده حتى لا يضيع منه، ومن أكثر ترداد كتاب الله رسخ في قلبه، وليجعل بداية توجهه لحفظ القرآن، وترداده وحفظه، وفهم معانيه إرضاء الله ، حتى يلقى الله به شافعاً، لا أن يكون مزيداً من معلوماته أو ثقافته أو حصيلته أو شهادته، فمن اعتنى بهذا نفعه الله، وثبت القرآن في قلبه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
стр. 1087
حكم من تخرج إلى السوق لغير حاجة
السؤال
أرجو نصح وتوجيه الأخوات من الذهاب إلى الأسواق بدون حاجة؟
الجواب
الأصل في المرأة أن تكون سعيدة القرار في بيتها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] وإذا بدا للمرأة حاجة فلا حرج أن تذهب لقضاء حاجتها مع زوجها أو ذي محرمٍ حتى لا تقع في فتنة، أو حتى لا ينفرد بها السباع الذين يتسكعون في الأسواق من غير حاجة.
ولكن المصيبة كل المصيبة من فتيات يدخلن الأسواق ولا حاجة لهن، أو ربما من أجل حاجة تافهة بإمكانها أن ترسل زوجها أو ابنها أو أخاها أو ابن أخيها مثلاً لهذا الأمر، فتختار هي أن تذهب، وربما تجد الغالب والسمة الغالبة على كثير من اللائي يشتهين التردد والتجوال في الأسواق، تجدها لا تخرج إلا متزينة أو متعطرة، وربما كانت طويلة اللسان عند الباعة، جيدة للمماكسة والمكاسرة، وهذا ليس من خصال المرأة العفيفة ذات الحياء.
стр. 1088
حكم إقامة وليمة عند ختم القرآن
السؤال
ما حكم إقامة وليمة بمناسبة ختم القرآن حفظاً، هل له أصل عند السلف، وإن كان جائزاً فهل يدخل فيه رياء أم الأحسن أن يكتم الحافظ ذلك؟
الجواب
إذا أقام الإنسان وليمة من أجل أن يعلم الناس به، وكان قصده الرياء، فهنا هذه الوليمة وهذا الفعل حرام: (من سمع سمع الله به) والله أغنى الأغنياء عن الشرك، من كان حفظ القرآن لكي يعلم الناس فالله غني عن عبادته، ولكن إذا أراد الإنسان أو أرادت الفتاة أن تبعث روح المنافسة والاقتداء وروح التشجيع على الخير بين زميلاتها وأخواتها، اليوم فلانة ختمت فحضرنا وليمتها، وبعد أسبوع فلانة تنتهي من الجزء الثلاثين فنحضر وليمتها، وبعد أسبوعين فلانة تنتهي من الجزء الثلاثين أو التاسع والعشرين وهلم جراً، ففي هذه الحالة نقول: هذا خير، أما مسألة: هل له أصلٌ عن السلف؟ فالله أعلم.
стр. 1089
نصيحة للنساء المستقيمات تجاه هذه الصحوة
السؤال
أنا مسلمة حضرت وسمعت خيراً كثيراً وسؤالي: ماذا تنصح المسلمات المستقيمات في ظل هذه الصحوة؟
الجواب
نقول: نحن بحاجة إلى الملتزمات المستقيمات، إن الصحوة في صفوف الشباب قد وصلت إلى مرحلة جيدة، وأما في صفوف الفتيات والشابات فهي لا زالت تخطو خطواتها الأولى، لا زالت وليدة، وأملنا في الله وفيكن وفي هذه الأخت وأمثالها من الأخوات الصالحات، أن يستعن بالله جل وعلا على ذلك وعلى الترتيب، لو أن كل واحدة جعلت في بيتها أسبوعياً جلسة للصديقات والزميلات والجارات، وملئت هذه الجلسة بالبرنامج الثقافي مبتدئاً بكتاب الله، ثم السنة، ثم المسابقة الطيبة، ثم القراءة، ثم القصيدة الممتازة، ثم البرامج الترويحية، والأكل والمشروب، والأُنس والفرح والسرور، فهذا خيرٌ عظيم، وتوزيع الأشرطة النافعة والكتيبات.
لن نرقب النتيجة ولن ننتظر النتيجة خلال شهر أو شهرين، لكن لو استمرت كل فتاة على هذا المستوى بهذا العمل الجاد المستمر البناء الذي يبتغى به وجه الله لمدة خمس أو ست سنوات، ستصبح الفتيات في الثانويات والجامعات فعلاً مثالاً للجامعات الإسلامية ومثالاً للطالبات والمدارس المسلمة، هذا الذي نريده وهو متيسر بحمد الله جل وعلا؛ لأننا في هذه البلاد ولله الحمد والمنة لن تبدأ الصحوة في وقتٍ الفتاة أصبحت تتاجر بالدعارة وتشرب الخمر، وتخرج مع الرجل عياناً بياناً ممن لا يمت لها بصلة، إذا كانت الصحوة بدأت في مصر مثلاً في زمنٍ البارات فيه مفتوحة، والحانات مفتوحة، وبيوت الدعارة مفتوحة، والاختلاط مفتوح في الجامعات وفي المدارس، فيعني: أن مشكلة الإصلاح عندهم صعبة، لكن نحن هنا الحمد لله الخير كثير، فلا بد أن نستغل هذا، وبداية الصحوة في ظل هذه الظروف قبل انحراف المجتمع بالكلية يجعلنا أقدر على تقويم ماذا حصل من الخطأ أو الاعوجاج.
стр. 1090
نصائح وتوجيهات لمن أرادت حفظ القرآن
السؤال
فتاة تريد تعلم القرآن وحفظه ولكن حفظها ضعيف، فكلما حفظت شيئاً نسته؟
الجواب
أولاً: ننصحك بترك المعاصي يقول الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نورٌ ونور الله لا يؤتاه عاصي
ثانياً: اختيار الأوقات المناسبة: والمجرب أن وقت ما قبل الفجر وبعد الفجر مناسب للحفظ بإذن الله جل وعلا.
أيضاً لو أن الإنسان اجتهد أن يحفظ ثم ينام بعد ذلك، يعني: لو جعلت هذ الفتاة حفظها في الليل بعد العشاء بأن حفظت صفحتين ثم نامت بعدها، فالغالب أن النوم وعاء الحفظ، لأن هذا مجرب، أيام الامتحانات إذا ذاكرت الفتاة معلومات مثلاً في الفيزياء أول ما تستيقظ وتغسل وجهها فالذي على لسانها آخر معلومة تكون قد دخلت في رأسها قبل النوم، فآخر ما يدخل هو الذي يثبت، فنقول: النوم وعاء الحفظ، لا بأس أن تحفظ قبل نومها، وفي آخر الليل إذا استيقظت، وبعد صلاة الفجر، ونوصيها بأن تتهجد بالقرآن، فإن التهجد بالقرآن يعين على حفظه، ولا حرج أن تقوم الواحدة تتهجد في البداية وتفتح المصحف أثناء التهجد في الليل، يعني: ليس من شرط التهجد أن يقرأ الإنسان من حفظه، بل بإمكان الفتاة أو بإمكان المرء أن يقوم ويتوضأ ويفتح المصحف ويقرأ.
كذلك من الوسائل المعينة: ألا يغير الإنسان المصحف الذي يحفظ فيه، فتجد الإنسان تارة يحفظ في هذا المصحف الطبعة العثمانية وبالرسم العثماني، وهذه الطبعة الفلانية وهذه الطبعة الفلانية، هذا أدعى ألا يثبت في الذاكرة موقع الآيات من الصفحات والأسطر؛ لأن كثيراً من الناس ذاكرته بصرية، يعني: البصر هو الذي يحفظ موقع الآية وموقع الحرف من الصفحة، فننصح إذا أرادت أن تحفظ أن تبدأ بمصحف ولا تغير الحفظ في أي مصحفٍ سواه، ولا حرج أن تجعل عندها ثلاث أو أربع نسخ حتى تستطيع أن تجعله في أكثر من مكان، في مدرستها، في بيتها، في أماكن أخر، بحيث لو أرادت أن تقرأ تقرأ في نفس المصحف الذي تعودت أن تقرأ فيه.
وكذلك من الوسائل المعينة: العناية بالحضور إلى دور القرآن الكريم والحفظ فيها، والمواصلة؛ لأن الحفظ لا يتم بأن الإنسان يحفظ يوماً ويضيع أسبوعاً ويحفظ يومين ويضيع ثلاثة أيام، هذا يتفلت سريعاً، إنما الحفظ لمن تابع.
أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ سأنبيك عن تأويلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهادٌ وبلغة وصحبة أستاذٍ وطول زمان
следующие страницы →