← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

نصيحة لمن تحفظ القرآن ثم تنساه السؤال ما رأيكم فيمن تحفظ القرآن وتنساه؟ الجواب الواجب على من اعتنى بكتاب الله جل وعلا أن يردده حتى لا يضيع منه، ومن أكثر ترداد كتاب الله رسخ في قلبه، وليجعل بداية توجهه لحفظ القرآن، وترداده وحفظه، وفهم معانيه إرضاء الله ، حتى يلقى الله به شافعاً، لا أن يكون مزيداً من معلوماته أو ثقافته أو حصيلته أو شهادته، فمن اعتنى بهذا نفعه الله، وثبت القرآن في قلبه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].

стр. 1087

حكم من تخرج إلى السوق لغير حاجة السؤال أرجو نصح وتوجيه الأخوات من الذهاب إلى الأسواق بدون حاجة؟ الجواب الأصل في المرأة أن تكون سعيدة القرار في بيتها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] وإذا بدا للمرأة حاجة فلا حرج أن تذهب لقضاء حاجتها مع زوجها أو ذي محرمٍ حتى لا تقع في فتنة، أو حتى لا ينفرد بها السباع الذين يتسكعون في الأسواق من غير حاجة. ولكن المصيبة كل المصيبة من فتيات يدخلن الأسواق ولا حاجة لهن، أو ربما من أجل حاجة تافهة بإمكانها أن ترسل زوجها أو ابنها أو أخاها أو ابن أخيها مثلاً لهذا الأمر، فتختار هي أن تذهب، وربما تجد الغالب والسمة الغالبة على كثير من اللائي يشتهين التردد والتجوال في الأسواق، تجدها لا تخرج إلا متزينة أو متعطرة، وربما كانت طويلة اللسان عند الباعة، جيدة للمماكسة والمكاسرة، وهذا ليس من خصال المرأة العفيفة ذات الحياء.

стр. 1088

حكم إقامة وليمة عند ختم القرآن السؤال ما حكم إقامة وليمة بمناسبة ختم القرآن حفظاً، هل له أصل عند السلف، وإن كان جائزاً فهل يدخل فيه رياء أم الأحسن أن يكتم الحافظ ذلك؟ الجواب إذا أقام الإنسان وليمة من أجل أن يعلم الناس به، وكان قصده الرياء، فهنا هذه الوليمة وهذا الفعل حرام: (من سمع سمع الله به) والله أغنى الأغنياء عن الشرك، من كان حفظ القرآن لكي يعلم الناس فالله غني عن عبادته، ولكن إذا أراد الإنسان أو أرادت الفتاة أن تبعث روح المنافسة والاقتداء وروح التشجيع على الخير بين زميلاتها وأخواتها، اليوم فلانة ختمت فحضرنا وليمتها، وبعد أسبوع فلانة تنتهي من الجزء الثلاثين فنحضر وليمتها، وبعد أسبوعين فلانة تنتهي من الجزء الثلاثين أو التاسع والعشرين وهلم جراً، ففي هذه الحالة نقول: هذا خير، أما مسألة: هل له أصلٌ عن السلف؟ فالله أعلم.

стр. 1089

نصيحة للنساء المستقيمات تجاه هذه الصحوة السؤال أنا مسلمة حضرت وسمعت خيراً كثيراً وسؤالي: ماذا تنصح المسلمات المستقيمات في ظل هذه الصحوة؟ الجواب نقول: نحن بحاجة إلى الملتزمات المستقيمات، إن الصحوة في صفوف الشباب قد وصلت إلى مرحلة جيدة، وأما في صفوف الفتيات والشابات فهي لا زالت تخطو خطواتها الأولى، لا زالت وليدة، وأملنا في الله وفيكن وفي هذه الأخت وأمثالها من الأخوات الصالحات، أن يستعن بالله جل وعلا على ذلك وعلى الترتيب، لو أن كل واحدة جعلت في بيتها أسبوعياً جلسة للصديقات والزميلات والجارات، وملئت هذه الجلسة بالبرنامج الثقافي مبتدئاً بكتاب الله، ثم السنة، ثم المسابقة الطيبة، ثم القراءة، ثم القصيدة الممتازة، ثم البرامج الترويحية، والأكل والمشروب، والأُنس والفرح والسرور، فهذا خيرٌ عظيم، وتوزيع الأشرطة النافعة والكتيبات. لن نرقب النتيجة ولن ننتظر النتيجة خلال شهر أو شهرين، لكن لو استمرت كل فتاة على هذا المستوى بهذا العمل الجاد المستمر البناء الذي يبتغى به وجه الله لمدة خمس أو ست سنوات، ستصبح الفتيات في الثانويات والجامعات فعلاً مثالاً للجامعات الإسلامية ومثالاً للطالبات والمدارس المسلمة، هذا الذي نريده وهو متيسر بحمد الله جل وعلا؛ لأننا في هذه البلاد ولله الحمد والمنة لن تبدأ الصحوة في وقتٍ الفتاة أصبحت تتاجر بالدعارة وتشرب الخمر، وتخرج مع الرجل عياناً بياناً ممن لا يمت لها بصلة، إذا كانت الصحوة بدأت في مصر مثلاً في زمنٍ البارات فيه مفتوحة، والحانات مفتوحة، وبيوت الدعارة مفتوحة، والاختلاط مفتوح في الجامعات وفي المدارس، فيعني: أن مشكلة الإصلاح عندهم صعبة، لكن نحن هنا الحمد لله الخير كثير، فلا بد أن نستغل هذا، وبداية الصحوة في ظل هذه الظروف قبل انحراف المجتمع بالكلية يجعلنا أقدر على تقويم ماذا حصل من الخطأ أو الاعوجاج.

стр. 1090

نصائح وتوجيهات لمن أرادت حفظ القرآن السؤال فتاة تريد تعلم القرآن وحفظه ولكن حفظها ضعيف، فكلما حفظت شيئاً نسته؟ الجواب أولاً: ننصحك بترك المعاصي يقول الشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نورٌ ونور الله لا يؤتاه عاصي ثانياً: اختيار الأوقات المناسبة: والمجرب أن وقت ما قبل الفجر وبعد الفجر مناسب للحفظ بإذن الله جل وعلا. أيضاً لو أن الإنسان اجتهد أن يحفظ ثم ينام بعد ذلك، يعني: لو جعلت هذ الفتاة حفظها في الليل بعد العشاء بأن حفظت صفحتين ثم نامت بعدها، فالغالب أن النوم وعاء الحفظ، لأن هذا مجرب، أيام الامتحانات إذا ذاكرت الفتاة معلومات مثلاً في الفيزياء أول ما تستيقظ وتغسل وجهها فالذي على لسانها آخر معلومة تكون قد دخلت في رأسها قبل النوم، فآخر ما يدخل هو الذي يثبت، فنقول: النوم وعاء الحفظ، لا بأس أن تحفظ قبل نومها، وفي آخر الليل إذا استيقظت، وبعد صلاة الفجر، ونوصيها بأن تتهجد بالقرآن، فإن التهجد بالقرآن يعين على حفظه، ولا حرج أن تقوم الواحدة تتهجد في البداية وتفتح المصحف أثناء التهجد في الليل، يعني: ليس من شرط التهجد أن يقرأ الإنسان من حفظه، بل بإمكان الفتاة أو بإمكان المرء أن يقوم ويتوضأ ويفتح المصحف ويقرأ. كذلك من الوسائل المعينة: ألا يغير الإنسان المصحف الذي يحفظ فيه، فتجد الإنسان تارة يحفظ في هذا المصحف الطبعة العثمانية وبالرسم العثماني، وهذه الطبعة الفلانية وهذه الطبعة الفلانية، هذا أدعى ألا يثبت في الذاكرة موقع الآيات من الصفحات والأسطر؛ لأن كثيراً من الناس ذاكرته بصرية، يعني: البصر هو الذي يحفظ موقع الآية وموقع الحرف من الصفحة، فننصح إذا أرادت أن تحفظ أن تبدأ بمصحف ولا تغير الحفظ في أي مصحفٍ سواه، ولا حرج أن تجعل عندها ثلاث أو أربع نسخ حتى تستطيع أن تجعله في أكثر من مكان، في مدرستها، في بيتها، في أماكن أخر، بحيث لو أرادت أن تقرأ تقرأ في نفس المصحف الذي تعودت أن تقرأ فيه. وكذلك من الوسائل المعينة: العناية بالحضور إلى دور القرآن الكريم والحفظ فيها، والمواصلة؛ لأن الحفظ لا يتم بأن الإنسان يحفظ يوماً ويضيع أسبوعاً ويحفظ يومين ويضيع ثلاثة أيام، هذا يتفلت سريعاً، إنما الحفظ لمن تابع. أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ سأنبيك عن تأويلها ببيان ذكاء وحرص واجتهادٌ وبلغة وصحبة أستاذٍ وطول زمان

стр. 1091

نصيحة لفتاة بدأت في طريق الالتزام السؤال امرأة تقول: ماذا تنصح الفتاة التي بدأت بطريق الالتزام؟ الجواب ننصحها أولاً: بترك صديقات السوء، فإن الإنسان يتأثر بصديقه وجليسه، والفتاة تتأثر بصويحباتها وجليساتها أكثر من تأثر الابن بأبيه والبنت بأمها، وهذا مشهودٌ ملاحظ، فمن أراد أن يتوب ويستقيم استقامة طيبة فما تعود عليه فيما مضى من مجالس اللهو والغفلة فليهجره إلى غير رجعة. والعبرة من قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم سأل راهباً فقال: قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ قال: لا. فأكمل به المائة، ثم ذهب إلى عالم فقال: هل لي من توبة؟ قال: ومن ذا الذي يمنعك عنها؟! إن باب التوبة مفتوح، فأول ما نصحه بعد أن أبدى ذلك رغبته في التوبة، نصحه بأن ينتقل من مكان المعصية إلى مكان الطاعة، فمن أرادت أن تستقيم صادقة فلتنقل نفسها من جليسات السوء إلى جليسات الخير. المسألة الثانية: أن تودع ما عندها مما يعين على المعصية، الأفلام، المجلات، الأزياء، الموضات، وأشياء كثيرة من الأمور التي تعين على المعصية، فمن واجب الفتاة الجادة في الالتزام أن تتخلص من كل ذلك. ليس المراد بالالتزام التزام الهوى، التزام الضعف، التزام التشهي والأماني، هذا التزامٌ كلٌ يدعيه، والفتاة البليدة، التلميذة التي تقديرها مقبول أو ضعيف تتمنى أن تدخل أعلى الدرجات، وتنال أفضل الشهادات، لكن البليد يتمنى ولا يحصل شيئاً، لكن الجاد تجده يواظب، يحرص، ثم يتمنى أن يجد النتيجة، فالجادة في طلب الالتزام والتوبة، عليها أن تودع ما كان عندها من أمور المعصية؛ أفلام، مجلات، صور، أشرطة أغاني، أرقام، البوم، أشياء كثيرة، كل هذه الأمور لا بد أن تلغى بتاتاً.

стр. 1092

كيفية المحافظة على زيادة الإيمان السؤال الإيمان ينقص ويزيد، فكيف نحافظ على اتزان الإيمان وحلاوته؟ الجواب يقول أهل السنة: الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا مجرب مشاهد، فلتلاحظ الواحدة منكن نفسها الليلة عندما حضرت هذه الجلسة، وهذه الروضة من رياض الجنة من حلق الذكر، ثم عادت إلى بيتها، ستجدين نفسك هذه الليلة نشيطة وعندك رغبة في الوتر، عندك رغبة في سماع شيء نافع، عندك رغبة في التدبر في المصحف، عندك رغبة في فعل كل خيرٍ تدعين إليه، ولو أن الواحدة عادت من حفلة زواج في ليلة من الليالي، وكانت الحفلة مليئة بالمغنيات والدفافات، والراقصات والمطبلات، فتجد الواحدة نفسها ضعيفة، لو أرادت أن توتر فإنها لا تجد القدرة والعون على الوتر، لو أرادت أن تفتح المصحف ما تجد الهمة التي تعينها ولو على قراءة آية واحدة. إذاً: فالإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. ومن أهم الأمور كما كررت وكما أعدت وأعيد الآن؛ مسألة الجليس والجليسة، الصديقة ربما قربت خيراً فأعانت عليه، وربما قربت شراً فأوقعت فيه، وكم من فتاةٍ ضاعت عفتها، وضاع حياؤها، وفضحت سمعتها، وانتشر عارها بسبب جليسة سوء زينت لها المنكر، ثم نصبت لها كميناً فوقعت في الحبائل والفخاخ، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 1093

نفي بدعية وليمة ختم حفظ القرآن السؤال بالنسبة لوليمة ختم القرآن حفظاً لو لم يكن في السنة وارداً هل يعتبر إقامتها بدعة، وهل تدخل هذه البدعة في قوله ﷺ : (وكل بدعة ضلالة). الجواب ما يصل الأمر إلى أن نقول: إنها بدعة، والمشهور أن الكثير يفعلها، ولا حرج في ذلك، بل هذا من الفرح يعني: الإنسان حينما ينزل بيتاً جديداً ويقيم وليمة لا أحد ينكر عليه، المهم ألا يجعل هذه الوليمة من باب التعبد، يعني: أن يشعر أن النبي ﷺ أمره بهذا، أو أن يفهم فهماً من القرآن أن هذا أمر مطلوب، لكن من الأمور والعادات أو الوسائل الدعوية الاجتهادية التي الباب فيها مفتوح من دون أن يعتقد الإنسان فيها نوع تعبد، وإنما من نوع التهاني والتبريكات الطيبة، من أجل تشجيع الباقيات على قراءة القرآن وحفظه.

стр. 1094

ضرورة تغطية القدمين والكفين حال الخروج السؤال نأمل توجيه نصيحة للأخوات بضرورة تغطية القدمين والكفين ضمن الغطاء أثناء الخروج؟ الجواب نرجو من الأخوات أن يلتزمن بذلك سترهن الله في الدنيا والآخرة.

стр. 1095

حكم صبغة الرأس ونتف اليدين والساقين وتشقيرهما السؤال ما حكم الصبغة التي توضع في الرأس (الميش) وما حكم نتف اليدين والساقين، وما حكم تشقير شعر اليدين والساقين والوجه؟ الجواب هذه مسألة فيها كلامٌ، وإذا كان الأمر على حالٍ فيها مشابهة للكافرات وتقليد، فهذا لا يجوز بأي حالٍ من الأحوال. وأما إن كان الأمر من باب التجمل المحض للزوج وليس فيه تقليد أو إغراء أو إعجاب بالكافرات، فأرجو ألا يكون بهذا بأس.

стр. 1096

حكم تجعيد المرأة لرأسها السؤال بعض النساء يقمن بتجعيد الشعر، بتحويله من الشعر الناعم إلى المجعد، وتنتهي مدة التجعيد مع الاستحمام نرجو إفادتكم؟ الجواب نقول: الضابط في هذا ما كان فيه تقليد فما ينبغي، وما كان فيه تجمل للزوج فالأمر لا حرج فيه، لكن الواقع يشهد أن هناك فتياتٌ لم يتزوجن ويسعين إلى فعل هذه الأمور، لأجل من يفعلن هذا، إذاً فمثل هذه التي ليس لديها زوج تتجمل له، نقول: ينبغي أن تكون الأمور على ما كانت عليه حتى لا تقع المرأة في مخالفة أو هوى تقليد من حيث لا تشعر.

стр. 1097

حكم لبس القصير للنساء السؤال ما حكم لبس القصير حيث يتجاوز نصف الساق؟ الجواب لا ينبغي للمرأة؛ لأن هذا ربما عرضها لو انكشفت عباءتها فيظهر ساقها، ولبس الضيق والمفتوح من الخلف كل هذه ليست من سمات ستر المرأة المسلمة؛ المرأة المسلمة ترخي ثوبها ذراعاً ولا حرج في ذلك، ليس في هذا إسبال؛ لأنه جاء في الشريعة بالترخيص فيه، هذه مسألة مهمة أما ما وقع من بعض الفتيات هداهن الله في فتح ما يسمى بالتنورة أو باللباس مع النصف، أو لبس نصف الساق أو شيءٍ من هذا، السنة للرجال إلى نصف الساق وليست السنة للنساء ذلك.

стр. 1098

حرمة لبس الملابس التي فيها صور السؤال أرجو من فضيلتكم بيان حكم الملابس المرسوم فيها وجه إنسان أو قناع من غير جسم؟ الجواب كل لباسٍ عليه صورة مرسومة فلا يجوز لبسه، ينبغي للمرأة ألا تلبس أطفالها هذه الملابس التي عليها الصور.

стр. 1099

حكم قراءة القرآن حال الدورة الشهرية السؤال ما حكم قراءة القرآن أثناء الدورة الشهرية إن كانت دارسة؟ الجواب إذا كانت تخشى على نفسها أن تنسى حفظها فلا حرج أن تردد ذلك، وإذا أرادت أن تطلع فلا حرج عليها المهم إذا كان بقصد يعني: تخشى أن يضيع حفظها وأن تنساه. وبعضهم يقول: تمسه بملحفة يعني: تجعل بينها وبين المصحف حائل.

стр. 1100

حكم من به سلس بالريح السؤال ماذا تفعل من هي مصابة بالريح أكرمكم الله؟ الجواب المرأة التي يكثر فيها الرياح، ومن بها سلس البول، نقول لها: توضئي ثم بعد ذلك لا يضرك ما خرج.

стр. 1101

حكم الذهاب إلى المشعوذين لطلب السعادة السؤال كثير من النساء إذا حدث بينها وبين زوجها مشاكل ذهبت إلى المشعوذين وتركت العلاج الحقيقي؟ الجواب هذا سؤالٌ طيبٌ وجيدٌ، وهذا مما ابتليت به كثيرٌ من فتياتنا وبناتنا في هذا الزمن، ربما الواحدة قالت: أنا أعرف لك امرأة تصرفه، والأخرى تقول: أنا أعرف امرأة تجعل الأحوال بينكم سعيدة، وربما من يقول: أنا أعطيكم بخوراً تجعلونه في البيت يطرد الشياطين ويجلب السعادة، وهذا خطيرٌ جداً ربما اعتقدت هذه التي تناولت وأخذت هذا الدواء أن هذه المرأة أو هذا البخور أو هذا الدواء هو الذي يجلب السعادة، والله جل وعلا هو الذي يكتب السعادة، وهو الذي يمنحها الطائعين التائبين من عباده، الله جل وعلا يقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية:٢١]. لا تستوي المرأة ذات المعاصي مع المرأة صاحبة الطاعة، فصاحبة الطاعة سعيدة كما أن صاحبة المعاصي شقية ولو ظنت أنها سعيدة في بعض الأمر؛ لكن شقاءها الحقيقي دائم ومستمر، تلك التي تستمرئ المعاصي وتتعود على فعلها. فالواجب على المرأة المسلمة أن تستعين بالله حينما يصير بينها وبين زوجها مشاكل: أولاً: ألا تخبر أهلها، ولا تخبر أحداً من الناس. ثانياً: أن تتضرع إلى الله جل وعلا: (كان النبي ﷺ إذا نابه أمرٌ فزع إلى الصلاة) فتتضرع إلى الله وتتوضأ وتتهجد، وتسأل الله أن يرفع الفتنة والمشكلة التي حصلت بينها وبين زوجها، وألا يفرق بينها وبين بعلها، وأن يجمع شملها، وتلجأ إلى الله لجوء الصادق المضطر، الغريق في لجة البحر، ثم بعد ذلك ستجد أن الفرج بإذن الله مع حسن الأدب، وعلى أية حال كل امرأة تعفو عن زوجها، وكل زوجٍ يعفو عن زوجته، وكما قال أبو الدرداء: [احملي عني وأحمل عنك].

стр. 1102

علاج الضيق والكآبة السؤال فضيلة الأخ السلام عليكم أما بعد: مع بدء الإجازة يروج سوق ما يسمى بالملاهي والحدائق النسائية، ولا يخفاكم ما في خروج المرأة من أضرار جسيمة، لا سيما إذا كان خروجها من غير هدفٍ أو حاجة، وقرارها في بيتها هو الأصل، والمشكلة التي تواجهنا في التوعية من خطر هذه الملاهي الاحتجاج بنساء المشايخ وطلبة العلم وحضور النساء الملتزمات لهذه الملاهي، ولما لكم من أسلوبٍ مؤثر على جميع المستويات، فأرجو تناول هذا الموضوع من خلال درسٍ خاصٍ أو خطبة جمعة وتوصية كلمةٍ للمشايخ وطلبة العلم بمنع نسائهم من ارتياد هذه الأماكن، وكلمة خاصة للمسلمات الملتزمات لمحاربة هذه الأماكن، لا يخالكم إلا أن تعطوا الموضوع أهمية؛ لأنه فيه مخاطرة، وجزاكم الله خير الجزاء؟ الجواب على أية حال هذه من المسائل المهمة، وكما قلنا في بداية هذه الكلمة أو المحاضرة كما قال الشاطبي ﵀: ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت سحائبها بالدمع ديماً وهطَّلا ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا العمر يمضي والقبر هو النهاية، والموت لا ندري متى يصل، وكثيرٌ من الأخوات كلما وجدت من نفسها ضيقاً أو من صدرها كآبة قالت: أذهب إلى الملاهي لأجد راحة، إذا وجدنا امرأة جائعة نقول: اشربي قازاً لأجل تشبعين! لا. القاز ليس هو غذاء الجوع، لو وجدنا رجلاً عطشان نقول له: كل حصى! ليس الحصى هو علاج العطش، فكذلك الذي في قلبه من الكآبة والضيق ليس علاجه الأغاني والملاهي والحدائق العامة، علاج القلب ذكر الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].

стр. 1103

التحذير من لبس ما فيه استهزاء بالدين أو فحش السؤال ما حكم لبس البلائز المكتوب عليها كتابة إنجليزية؟ الجواب ينبغي أن ينتبه من هذه الكتابة، ربما يكون في الكتابة تعظيم للكفار أو تقديس لهم أو سب دين المسلمين، وهذا للأسف حصل في بعض الملبوسات، يوجد فيها نوع استهزاء -والعياذ بالله- وكلمات فيها تفحش، ومخالفة للدين، فلا ينبغي لفتاة أن تلبس شيئاً لا تعرف ما الذي كتب فيه.

стр. 1104

حسن المعاملة في تربية الأولاد السؤال تظن بعض النساء أن التربية الصالحة للأبناء تكون بتعريفهم الحلال والحرام، وتنسى أن هناك أموراً مهمة مثل توفير القدوة، والرفق في المعاملة، والجلوس مع الطفل وتحديثه بما يفهم، والسرور، وسرد القصص الطيبة عليه، فهل من كلمة حول هذا الموضوع؟ الجواب في الحقيقة نعم، لا بد أن يكون للمرأة دور، والمرأة لها دورٌ طيب، أعرف فتاةً صالحة جزاها الله خير الجزاء زوجها منحرفٌ وأدخل الفيديو والأفلام التي لا تليق في بيته، ولكن بفضل الله ثم بفضل استقامتها جعلت الأطفال يضغطون على والدهم فأخرج الفيديو بحسن التربية، يعني: الزوج يسبها وربما شتمها وآذاها ولا يسمع لها كلاماً، ولكن بحسن تربيتها للأولاد جعلت الأولاد كلما جاء أبوهم يا أبت! أخرج هذا، ما نريده الله يغضب علينا ويعاقبنا، حتى الأطفال هم أنفسهم أزعجوا والدهم حتى أخرجه، وهذا لن يتم لها إلا بطول جلوسها مع أطفالها وما تركتهم للخادمات، وسردت عليهم القصص الطيبة النافعة، وكانت لطيفة بهم، وكانت رقيقة رفيقةً في معاملتهم. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1105

أحوال المسلمين في كوسوفا [١] مصيبة المسلمين في كوسوفا عظيمة، والمجازر التي يقوم بها أعداء الإنسانية هناك شاهدة على كذب مدعي حماية السلام، وفي هذه المادة تجدد قصصاً من تلك وأعاجيب لعلها تعرفك بمدى الخبث ضد الإسلام والتآمر على المسلمين.

стр. 1106

حال المسلمين في كوسوفا الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]. أيها المسلمون! لم يعد خفياً أو غامضاً ما يلقاه المسلمون من القتل والتصفية الجسدية البشعة، مع التشريد والتهجير والحرق والتدمير الذي يقع على أنفسهم وأسرهم، وذلك على يدِ الكنيسة الأرثوذكسية، على يد نصارى متعصبين أتباع هذه الكنيسة التي لم تكن من قبل معروفةً إلا بشديد العداء والتعصب، ليس على المسلمين فحسب، بل على أتباع الكنيسة النصرانية الأخرى، وليس التفريق هنا بين الأرثوذكس وغيرهم من باب الذم للأرثوذكس والثناء على غيرهم، فالكفر ملة واحدة، وبعضهم أخبث من بعض، فبعض الطوائف والملل الكافرة أشد عداوةً وحقداً، وبعضها أدنى من غيرها في ذلك. أيها المسلمون! شردت الكنيسة الأرثوذكسية قرابة مليون نفس مسلمة جلهم من الأطفال والشيوخ والنساء، أما الشباب فكانت المقابر الجماعية تنتظرهم على موعد الدفن وهم أحياء، وآخرون في السجون والمعتقلات، ولعل المتأمل والمشاهد للصور التي تعرضها وسائل الإعلام لقوافل المهاجرين والمشردين، لا يظهر فيها إلا الشيوخ والعجائز والأطفال والنساء. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كل هذا الشعب صنفان فقط، أطفالٌ وشيوخٌ وعجائز، أين الشباب؟! هل زاغت عنهم الأبصار؟! أم هوت بهم الريح في وادٍ سحيق؟! الجواب لا. بل هوت بهم أيدي الحقد الصربية الأرثوذكسية في أوديةٍ سحيقةٍ من المقابر الجماعية، بعد أن تمت التصفية والقتل والتمثيل لكل من يظهر عليه أدنى علامات الفهم للدين أو التدين. أيها المسلمون! الحال في كوسوفا مشهدٌ يترجم مفردات الألم والحسرة والذل والمعاناة، التي يمر بها المسلمون هناك، والحال في كوسوفا مشهدٌ يترجم مفردات الحقد والبغض والعداوة الدينية التي بلغت حد القتل والاغتصاب والتشريد، وكل خطبةٍ وكل كلمةٍ وكل فزعةٍ وكل صيحةٍ وأنة وآهة سمعناها من المسلمين إبان عداوة الصرب، وحرب الصرب لهم في البوسنة، نراها متجددةً متكررةً ولكن على مسرحٍ جديد، وعلى عرقٍ من المسلمين جديد، كانت الأولى صربيةً بوسنية، والآن صربية كوسوفية. فيا أيها المسلمون! لن أعيد وصف المأساة بكل صورها، فحسبكم أنكم المسلمين هنا، كما يقول شاعرهم: وإن المسلمين بكل أرضٍ قتيلٌ أو شريدٌ أو طعينُ أرقٌ على أرقٍ وقلبٌ يخفقُ ودمٌ ينزُّ ودمعةٌ تترقرقُ هذا واقعهم، وتلك صيحاتهم، وإليكم أناتهم: امرأةٌ تلد مولودها وتضع جنينها ثم يخرجها الصرب من بيتها وهي لم تتخلص بعد من الانفصال من جنينها الذي لا زال مرتبطاً بها، وأُخرى تموت وهي تُنقل، وشيخٌ يئن يموت جوعاً وعطشاً، وذاك يموت مرضاً وسقماً، وأطفالٌ تدور أعينهم حائرة، لا يعرفون إلى أين الرحلة، ولا إلى أين المصير، ولو أنهم علموا ما يدور حولهم، لشابت رءوسهم قبل أن يبلغوا المشيب.

стр. 1107

كوسوفا في الماضي أيها الأحبة! إن وصف المأساة ترجمته الصورة والخبر المنقول حياً على الهواء، وتلك أبلغ من الكلمة. أعود إلى الماضي لأحدثكم قليلاً عن كوسوفا وأهلها، عن حقبة زمنيةٍ ماضيةٍ في التاريخ، لتعرفوا أن من الخطأ أن ننسب العداوة إلى الأعراق والطين، وننسى أن العداوة في العقيدة والدين، يقول سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]. من هم أهل الكتاب؟ اليهود والنصارى، ومن هم النصارى؟ الكفر بملله، الأرثوذكس والبروتستانت والكاثوليك والأرمن، فكلهم أولياء بعض، ولكن أشدهم عداوةً على طوائفهم وعلى المسلمين خاصة هم الأرثوذكس، وحسبكم أن تعلموا أن الكنيسة الروسية هي كنيسة أرثوذكسية، ويربطها حبلٌ من الولاء الشديد مع الصرب لاجتماعهم واتفاقهم في الملة والمعتقد والديانة، أو في فرع الملة والمعتقد والديانة، فالروس من النصارى الأرثوذكس، والصرب من النصارى الأرثوذكس. ولذا لا غرابة أن نجد مع بعد المسافة، والبون الشاسع في الرقعة الجغرافية، والفواصل وغيرها إلا أن الروس هم أشد الناس وقوفاً أمام الناس في هذه المعركة، ليست رحمةً بهؤلاء البيض، فالمسلمون أيضاً بيض مثلهم، لكنها رحمةٌ بالأرثوذكس. أيها الأحبة! تأملوا قول الله : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥]، وتأملوا قول الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]. فعلى الرغم مما سمعنا وما تردد في كثيرٍ من وسائل الإعلام، أن الحرب بين الإسلام والجاهلية هي حربٌ لن تعود إلى السيف والدم، ولن تعود إلى القصف والقتل، لكنها حربٌ فكرية، وعلى المسلمين بناءً على هذا أن يتركوا الإعداد، وأن يتركوا التدريب العسكري، ومن يتدرب من شباب المسلمين تدريباً عسكرياً في أي رقعةٍ من بقاع الأرض فذلك إرهابيٌ متطرفٌ لا همَّ له سوى التدمير والقتل والتفجير، ولا حاجة إلى هذا النوع من الإعداد في المعركة القادمة لأنها معركة فكرٍ وإعلام، إنها المعركة الحالية، والمعركة القادمة معركة فكرٍ وإعلام، ومعركة كفرٍ وإسلام، ومعركة دبابة، ومعركة بندقية، ومعركة قلمٍ وصحيفةٍ وكتابٍ وجريدةٍ وطائرةٍ وقنبلة، فإنه من الكبائر أن يفصل شباب الإسلام في الإعداد عن الجانب العسكري، ويقال لهم: أعدوا إعداداً فكرياً أو تربوياً فقط. أيها المسلمون! من الذي سوف يدافع عن المسلمين هناك؟ جوابٌ أدعه لكم، لتضعوا كل ما يخطر على بالكم من الأجوبة، ولتعلموا أن من المقاصد الفرعية الجزئية، عزل المسلمين عن السلاح مباشرة. أيها الأحبة! إنها عداوة الكنيسة قبل عداوة الدوما، وعداوة الدين قبل الطين، إقليم كوسوفا معظم سكانه ألبان، تبلغ نسبتهم (٩٠%) وينحدرون من قبائل هندو أوروبية، وصلوا إلى هذه المنطقة قبل أن يسكنها أحد حتى اليونانيون، لم يكونوا من قبل في تلك الرقعة الخالية، كما ينازع الصرب ويدعون، وأرض كوسوفا أرضٌ خصبةٌ مليئةٌ بالثروات الطبيعية، ويوجد بها مناجم ذهبٍ وفحمٍ وزنكٍ ورصاص. ولذا كانت كوسوفا مطمعاً للأعداء، تبلغ نسبة المسلمين في كوسوفا أكثر من (٩٥%) وقد وقعت معركة كوسوفا بين المسلمين والصرب قبل ستمائة سنة، ليست هذه المعركة الثالثة، ولا الثانية، بل قبلها معارك، والأولى كانت قبل ستمائة سنة عام (١٣٨٩م) وانتصر المسلمون فيها نصراً مؤزراً، وأصبحت هذه المعركة تعتبر منعطفاً في تاريخهم، حتى أصبح التاريخ الصربي يقسم إلى قسمين: ما قبل كوسوفا وما بعد كوسوفا؛ لأن هذه المعركة أنهت نهايةً تامة الدولة الصربية ذلك الوقت، وإحدى المعارك الحاسمة، بين المسلمين والنصارى في أوروبا. وكان قائد المسلمين فيها السلطان العثماني مراد، وهو أحد سلاطين الدولة والخلافة آنذاك يرحمه الله، وقد بسط العثمانيون حكمهم على كوسوفا سنة (١٤٥٥م) ومنذُُ ذلك الوقت والصرب يرددون ويروجون دعوى تحرير كوسوفا بزعمهم، وبعد معارك عديدة خلال عشرات السنين اندلعت حرب البلقان عام (١٩١٢م) اجتاح خلالها الصرب كوسوفا، وبادر الصرب بالتطهير العرقي وقتل وتهجير المسلمين الألبان، بل أرغمت المسلمين الذين كان عددهم آنذاك (٩٥%) وأرغمت الكاثوليك الذين كان عددهم (٥%) على اعتناق الأرثوذكسية، وفعلت صربيا كما يفعل اليهود اليوم في فلسطين، في تطبيق سياسة الاستيطان للصرب، في إقليم كوسوفا، فأخذوا يستقدمون الصرب من مناطق أخرى، ويوطنونهم في كوسوفا، ويهجرون المسلمين ذات اليمين وذات الشمال. وبعدها اندلعت الحرب العالمية الأولى عام (١٩١٤م) وكانت شرارة الحرب العالمية من هذه المنطقة التي تدور رحى الحرب الآن فيها بين الدوما والناتو، نعم. شنشنةٌ نعرفها من أخزم، وذلك شأن هذه الملة المجرمة التي في النصارى، وكانت المعركة الأولى العالمية، كانت في الأصل بين النمسا وصربيا، اخترقت على إثرها القوات النمساوية صربيا، في نهاية عام (١٩١٥م) ومنح النمساويون الألبان في كوسوفا نوعاً من الحكم الذاتي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما دخلت قوات الحلفاء الفرنسية مع الجيش الصربي كوسوفا سنة (١٩١٨م) واعتبر الصرب أن ذلك هو التحرير الثاني، وبعدها فقد الألبان في كوسوفا الحكم الذاتي الذي تمتعوا به خلال الحكم النمساوي، وانبعثت من جديد سياسة الاستيطان التي كانت قد بدأت قبل الحرب العالمية الأولى، إلا أن عملية التصريف توقفت مرةً أخرى، عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، عام (١٩٣٩م) وانضمت معظم كوسوفا إلى ألبانيا وحدثت هجرةٌ مرتدة للمستوطنين الصرب، وبعد وعود من تيتو حاكم يوغسلافيا سابقاً بأن يقرر السكان مصيرهم بأنفسهم إذا حملوا السلاح وشاركوه في تحرير إقليم كوسوفا وغيره من الأقاليم. وبعد ذلك تأسس حكمٌ ذاتيٌ لـ كوسوفا ولكن في ظل هيمنة صربية عام (١٩٤٥م) أي: بعد قرابة ست سنوات من اندلاع الحرب العالمية الثانية، واستمر حتى عام (١٩٨٩م) إلى أن قام مجرم الحرب سلبودان ميلزوفتش ( Melzofetsh Slebodan) بإلغائه عام (١٩٨٩م) في الوقت الذي منحت فيه بقية الجمهوريات الحكم الذاتي مما تسبب في هذه الأحداث التي ترونها الآن. أيها الأحبة! ليست العداوات مفاجئة وما يوم حليمة بسر: قد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هي فإلى كل الأغبياء الذين يريدون أن ينسوا الماضي، وإلى كل الذين يقولون: لا علاقة بين الشعوب إلا علاقة المصالح، لينسوا أن قضايا الدين والعقيدة والملة هي التي تدفع الشعوب وتحركها، وتفني أمماً وتهجر أقواماً وتشتت أجيالاً، إلى أولئك جميعاً نقول: هل تحتاجون بعد الشمس إلى دليل؟! هل تحتاجون إلى برهان لتفهموا وتعرفوا أن العداوة عقدية ودينية؟! والقضية التي يتحدث عنها كثيرٌ من الناس هي الحرب بين الناتو من جهة والصرب من جهةٍ أخرى، وتلك وإن كانت مسألة كبيرة وخطيرة، إلا أنها لا تساوي شيئاً أمام تهجير المسلمين وتشريدهم، وتنصير أطفالهم بعد أن تتقاسمهم الأديرة والكنائس ليتربوا هناك في ملاجئ ومهاجر مشتتة في أنحاء أوروبا، هل يبقى بعد ذلك انتماء، هل تصمد هوية؟ هذا هو الوجه الأخطر للحرب القادمة. نعم إن دمار المباني والمنشآت الصربية إن كان يسرنا ما نراه، من إيلامٍ وقرحٍ يمس الصرب على يد الناتو من خلال ضرباتٍ عسكرية متتابعة على أم رأس الصرب، لكن بيقين أن حفنة من ملايين الدولارات أو ملياراتها تعيد البناء أحسن مما كان. فضلاً عن قلة المتضررين بشرياً من الصرب، لكن من يعيد المسلمين الذين تهجروا، هل تردهم المليارات والملايين، من يعيد المسلمين الذين هم المصيبة العظمى -الجيل المهاجر- من كوسوفا إلى أكثر من عشرين دولة أوروبية في كل دولةٍ جزءٌ منهم، وكل جزءٍ منهم مشتت في مدنٍ مختلفة، وكل مدينة ٍتوزعهم في أحياء مختلفة، والأيتام والصبايا يتربون في الأديرة والكنائس. هل يبقى لمسلمٍ هوية؟ هل يبقى لفتاةٍ مسلمةٍ عرض؟ هل يبقى لامرأةٍ مسلمةٍ عفاف؟ هل يبقى لطفلٍ مسلمٍ دينٌ يرضعه من لبن أمه؟ أو مجتمعٌ أو هويةٌ ينتمي إليها وتمتُ إلى الإسلام بصلة؟!! الجواب هذا بعيدٌ جداً إلا أن يشاء الله، لذا نصيحتنا: أن يظل المسلمون حول أتون الصراع، وعلى فوهة البركان، وأن يبقوا ولا يبرحوا ولو حول هذه المنطقة، ولو في المناطق المجاورة لبلدهم ووطنهم حتى لا يُذوب تحت دعوة الرحمة الإنسانية على يد الكنائس التنصيرية التبشيرية التي تشتتهم وتجعل لكل كنيسة منهم جزءاً مقسوماً. لسنا نقول: عليهم أن يبقوا تحت قصف الطائرات وأزيز الرصاص، لكن لا يبعدوا طويلاً، ولا يسلموا أنفسهم ليستوطنوا هذه الهجرة الطويلة، منذ أشهرٍ قليلة، كنتُ بـ استكهولم piystkhoolm في السويد وفاجأ كل وسائل الإعلام نبأ انهيار مرقصٍ في جوتنبرج Gotonbearg على مئات من الأطفال والشباب والصبايا والفتيات، ولما تبينت الإحصائية وأخبرت أخبارها اتضح أن أغلب الموتى والهلكى هم من أطفال المسلمين الذين تشردوا وأخذتهم السويد لاجئين وقبلت بلجوئهم، لكن لجئوا إلى ماذا؟ وأين عاشوا وباتوا؟ في الكنائس والمراقص وفي الأديرة والنوادي الليلية، وهذا هو المصير المراد بالمسلمين

стр. 1108

دعوة لإغاثة المسلمين في كوسوفا الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، وتذكروا قول نبيكم ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وقول النبي ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه) والله يقول: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال:٧٢]. أيها الأحبة في الله! من واجب النصرة، ومن واجب الأخوة، ومن واجب الموالاة بين المسلمين أن نلتفت لإخواننا وأن نشاطرهم كما شاطرنا غيرهم من قبل -من فعل ذلك محمودةٌ سيرته- وأن نشاطرهم ما نلذُ فيه من مطعمٍ ودخلٍ ومأكل ومشرب، فلو أن كل واحدٍ منا جعل لقضية المسلمين في كوسوفا جزءاً معيناً من دخله: (٥%)، (٣%)، (٢%) شهرياً حتى نتبنى ما نستطيع من خلاله أن نحافظ على هوية المسلمين. أن نتبنى ما نستطيع من خلاله أن نحافظ على دينهم وعلى عقيدتهم، وعلى ملتهم، وأن نحافظ على هويتهم وانتمائهم لبعضهم، فإنهم إن ذابوا في ظلمات أمواج بحرٍ لجي في أوروبا، فما أعسر وأشد عودتهم إلى دينهم إلا أن يشاء الله. ولذا ومن منطلق الأخوة والولاء ظهر وصدر أمرٌ سامٍ كريم من خادم الحرمين الشريفين، متع الله بحياته على طاعته ونفع به الإسلام والمسلمين، حيثُ أمر بتشكيل لجنةٍ في ظل رابطة العالم الإسلامي، تنفذ أنشطتها هيئة الإغاثة الإسلامية وذلك لجمع التبرعات للمسلمين. وتظل هذه الهيئة مستمرةً في متابعة ورعاية قضايا المسلمين في كوسوفا والمهاجرين والأيتام والمشردين ومن في الداخل وغيرهم، إلى أن تنتهي القضية كما فعل حفظه الله من قبل بقضية المسلمين في البوسنة، ولقد وصلت ولله الحمد بوادر الدعم في طائرات محملة بالعديد من الخيم والطعام والدواء والشراب واللباس، فالله الله يا عباد الله، فإن ما تبذلونه هو درعٌ يقيكم، وإن ما تبذلونه هو سهامٌ في صدور أعدائكم، وإن ما تبذلونه هو حسناتٌ تقدمونها بين أيديكم، يقول العبد: مالي مالي، قال ﷺ : (يقول ابن آدم: مالي مالي، وليس لك من مالك إلا ما لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت). وأما ما بقي -يا عباد الله- فهو مالٌ للوارث. فيا أيها الأحبة! الله الله اجتهدوا وتعاونوا، وإننا بإذن الله سوف نجمع تبرعاتٍ لإخوانكم في الجمعة القادمة من خلال شبابٍ عليهم زيٌ معين، حتى لا يتسلل لصٌ في ظل الجمع لإخوانكم ليأخذ شيئاً من حقوقهم ونصيبهم، فإنا نرجوكم أن تجتهدوا في جمع ما تستطيعونه، والجمع ممن تعرفونه، وأن تبذلوا من أنفسكم ما استطعتم حتى تجمع وتُسلم لهذه الهيئة التي شرفتُ أن أكون واحداً من أعضائها، أسأل الله أن يقبل ما تفعله هذه البلاد المباركة للمسلمين، وأن يجعله خالصاً لوجهه، وأن يدفع بذلك البلاء عنا وعن ولاة أمرنا وعلمائنا وعن المسلمين يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم أحسن خِتامنا، واستعملنا في طاعتك، وتوفنا على أحسن حالٍ ترضيك عنا، وابسط اللهم لنا في عافية أبداننا وسعة أرزاقنا، وصلاح وإخلاص أعمالنا، وصلاح ذرياتنا، اللهم صل على محمدٍ وآله.

стр. 1109

أسئلة في العقيدة في هذا اللقاء أُلقِيَتْ أسئلة على الشيخ، ومنها ما يتعلق بالأسماء والصفات، ومنها ما يتعلق بقضية الخروج على الحكام، وعن الوساوس التي تأتي لبعض الناس في العقيدة، وكذلك قضية الولاء والبراء، وقد تحدث عن الإحسان إلى الكافرين غير المحاربين.

стр. 1110

سؤال في أسماء الله وصفاته السؤال نعرف أن موضوع أسماء الله وصفاته ينبغي أن يورث تعلمه خشيةً لله وأثراً في السلوك، فلماذا لم يتحدث علماء السلف ﵏ عن آثار الإيمان بأسماء الله في حين نجدهم يطيلون الحديث وبكل إسهاب في الرد على المخالفين؟ وهل تذكر كتباً تحدثت عن أثر الإيمان بأسماء الله وصفاته نستفيد منها؛ أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب كان الصحابة ﵁ يقرءون القرآن ويتدبرونه ويرون سنة رسول الله ﷺ ، وهي مشتملة على أسماء الله وصفاته، ومعلوم أن القرآن إنما نزل للتدبر، وأخبار الرسول لم تكن أخباراً ليس لها غاية، فكانوا يقرءون القرآن ويتدبرونه ويرون سنة رسول الله ﷺ ، ويعلمون أنه ليس المقصود مجرد العلم، بل يعلمون أن المقصود العمل، أي: المقصود العلم المستتبع للعمل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف:١٥٧] واتبعوا النور: الاتباع إنما يكون بالعمل ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن:٨] ولم يكن لهم أحاديث خاصة عن الأسماء والصفات، لم يكونوا يخصونها، بل كان الصحابة يتناقشون ويتذاكرون في مسائل الأحكام أكثر من مذاكرتهم في مسائل الصفات؛ لأن مسائل الأسماء والصفات واضحة بينة مسلمة ليست مجالاً للأخذ والرد عندهم، لكن المسائل العملية في بعضها خلاف وهي مجال للاجتهاد، فكانوا يقرءون القرآن ويتدبرونه. ومعلوم أن تدبر نصوص الأسماء والصفات إذا صدر عن إيمان فلابد أن يثمر عملاً، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] العلم الذي يكون في القلب ويقترن به الانقياد والرغبة فيما عند الله يثمر الخشية، يثمر التوجه، فكانوا يقرءون القرآن ويتدبرونه يورثهم ذلك إخباتاً، يورثهم تذللاً لربهم وإخباتاً بين يديه، وهكذا درج التابعون من بعدهم. لكن لما حدثت البدع كبدعة التعطيل؛ وهي جحد أسماء الرب وصفاته، بدس من عناصر الكفر والنفاق، ورفعت البدع رأسها وكان لها أتباع، وأنصار ودعاة، قيض الله من يجابه هذه البدع، ويدحض شبهاتها، ويقيم البراهين والأدلة على الحق، وهذا لون من ألوان الجهاد، وهذا جانب من جوانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا فيه تعقيب لما أخبر الله به من حفظ دينه، فرسالة محمد خالدة، إذاً فلا بد أن يقيض الله لها من يحملها ويذب عنها ويحميها. إذاً: كلام الأئمة في الأسماء والصفات بذكر الأدلة الدالة على الحق في هذا الباب ورد الباطل الذي قام به ودعا إليه رءوس الضلال والجهلة من أتباعهم ممن تأثر بهم وبدعايتهم، فلم يكن هناك إشكال، ولم يكن هناك اشتباه في أن الإيمان بأسماء الله وصفاته يورث خشية، معلوم أن الإيمان بأن الله سميع بصير إيماناً صادقاً يستحضره المؤمن، كل مسلم يؤمن بأن الله سميع بصير وأنه بكل شيء قدير، لكن الشأن في الاستحضار، الاستحضار لهذه الصفات وهذه الأسماء مع الاستحضار لعظمة الله وشدة عقابه ولجلاله . لكن ليس كل من علم وآمن بهذه الأسماء وتلك الصفات يكون مستحضراً لها، فلابد أن يغفل الإنسان: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥] الذكر ذكر الله، ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان، هذا يصرف كيد الشيطان ويضاد الوسواس، أما مجرد علم لا يستحضره الإنسان في سائر تصرفاته، قال ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) لو كان المقدم على جريمة الزنا أو غيرها مستحضراً لما يعتقده ويؤمن به، مستحضراً له وشاعراً به الشعور الذي ينبغي لما أقدم عليه، لكنه لم يقدم على الزنا أو شرب الخمر إلا عندما يغيب عنه الإيمان ويغفل عن عظمة الله، ويغفل عن أليم عقابه، وعندما يلقي إليه الشيطان بالشبهات يقول له: الله غفور رحيم، والتوبة بابها مفتوح، لا تفكر في التوبة قبل الإقدام على الفاحشة، التوبة فكر فيها وتوجه إليها إذا وقعت، أما قبل الوقوع فالتفكير في التوبة من مداخل الشيطان، أي: أقدم ويمكن أن تتوب، ولكن ما يدريك لعلك لا تستطيع أن تصبر مرة أخرى وأخرى وأخرى، ولعلك أن تعاقب فيحال بينك وبين التوبة، نسأل الله الثبات. المقصود أيها الإخوة: إن أهل العلم إنما تكلموا وبحثوا وألفوا وناقشوا في باب الأسماء والصفات تقريراً للمذهب الحق ورد الباطل الذي ظهر في الأمة الإسلامية على أيدي المنافقين والجهلة الضالين. أما مسألة آثار الإيمان بأسماء الله وصفاته فلم يكن محل اشتباه أصلاً، معلوم عند الجميع أن الإيمان بأسماء الله وصفاته يقتضي آثاراً وله آثار بحسب اصطباغ القلب بهذا الإيمان، هذا الجانب الأول في السؤال. وأما الكتب المؤلفة في هذا الخصوص فأنا لا يحضرني الآن كتاب أستطيع أن أرشد إليه، لكن أصحاب السلوك والتصوف لهم عناية بهذا الجانب، ولعل من أبرز ما أتذكره الآن: مدارج السالكين لـ ابن القيم له عناية؛ لأنه بصدد شرح كتاب منازل السائرين وهو في أثناء الشرح وفي ثنايا كلامه يتعرض لهذا الجانب في مناسبات عديدة، فهو من خير ما يستفاد منه في هذا الباب. والله أعلم.

стр. 1111

مسألة الخروج على الإمام الشرعي السؤال هناك من يخلط بين مسألة الخروج على الإمام الشرعي وبين عدم طاعته في معصية الله، فلعلكم توضحون للإخوة الفرق بينهما؟ الجواب إن هذا الاشتباه وهذا الخلط يعتبر عجيباً، وكأن هذا الاشتباه ناشئ عن عدم تصور معنى الخروج على الإمام. يجب أن نعلم حقيقة الخروج على الإمام وعلى ولي الأمر الذي جاءت النصوص بالنهي عنه والتحذير منه، واتفق أهل السنة على تحريم الخروج على الأئمة، ومن الأدلة في ذلك حديث عبادة بن الصامت الثابت في الصحيحين، قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وفي أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله) أي: بايعناه ألا ننازع الأمر أهله، قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) فالرسول ﷺ بايع أصحابه على السمع والطاعة لولاة الأمر في سائر الأحوال في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وحتى مع الأثرة ووجود الأثرة من ولاة الأمور، وهي: الاستبداد في الأمور المشتركة، ما داموا ملتزمين بأمر الإسلام، وهذا لا يعني: إقرار أهل الأثرة على أثرتهم، وأهل الظلم على ظلمهم، لا. الظلم مرفوض وباطل في شرع الله، والأثرة كذلك باطلة، ولكن لا يجوز أن يتخذ منها أحد طريقاً إلى الخروج وشق الطاعة، الخروج على ولي الأمر وشق الطاعة بنزع اليد من البيعة، لا. وكما أن هذا الواجب أعني وجوب السمع والطاعة وتحريم الخروج لا يبرر الطاعة في المعصية، بل الرسول ﵊ نص على هذا القيد بقوله ﵊: (على المرء المسلم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية) فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، حتى قال أهل العلم: إن ولي الأمر لو أمر أحد خدامه بأن يقتل شخصاً وعلم هذا المأمور بأن المأمور بقتله مظلوم لم يجز له أن يطيع وأن ينفذ وأن يقتل، حتى ولو أدى ذلك إلى قتله، أي لو قال: إن لم تقتله قتلتك وجب ألا يطيع، ألا يطيع في قتل معصوم، في قتل مظلوم، لا يجوز أن يفدي نفسه بقتل المعصوم، لا. دع هذا الظالم يقتلك فتكون مظلوماً خير من أن تكون ظالماً. كون الإنسان مظلوماً خير من أن يكون ظالماً، إذا كان مظلوماً فالله تعالى ينتقم له ويعوضه ويجزيه، وإن كان ظالماً كان معرضاً نفسه للعقاب في الدنيا والآخرة، فشتان بين الأمرين. إذاً: لا يلزم من عدم الطاعة في المعصية الخروج، ففي المثال الذي ذكرته: لو قال هذا المأمور: أنا لا أقتل، أنا لا أفعل، لم يكن بهذا خارجاً ولم يكن بهذا نازعاً يده من طاعة ولي الأمر، ولا يخرج بذلك عن الجماعة، التي قال فيها الرسول ﵊: (من خرج عن الجماعة قيد شبر فمات فميتته ميتة جاهلية) أو كما قال ﵊، فيجب أن يفرق بين الأمرين، والفرق بينهما معلوم وواضح وبين. الخروج على الإمام يعني: الخروج المسلح، الخروج لإزاحته عن السلطة، الخروج بالقوة، وهو ما يسمى في هذا العصر بالثورة على الحاكم. ولكن واجب الرعية أن تناصح ولي الأمر، كل بحسب مستواه وبالطرق المناسبة التي يرجى من ورائها الإصلاح، ومما بايع الرسول ﵊ أصحابه قال: (وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم). من ولاه الأمر في الأمور الجزئية كالقاضي والأمير والمدير وولي الأمر العام: (وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) فالواجب هو السمع والطاعة والمناصحة والدعاء، وتحرم طاعة ولي الأمر في المعصية، هذا مما لا يحل لمسلم، ولا يدخل ذلك في السمع والطاعة التي أمر الله بها ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ [النساء:٥٩] فطاعة أولي الأمر من العلماء والأمراء مقيدة بطاعة الله ورسوله.

стр. 1112

الفرق بين موالاة الكفار وبين معاملتهم السؤال نريد من فضيلتكم بيان الفرق بين موالاة الكفار وبين معاملتهم؟ وكيف يجتمع البغض لهم مع البر والإحسان إليهم خاصة فيما يتعلق بالزوجة الكتابية ونحوها؟ الجواب إذا علمنا أن المولاة تتضمن المحبة والمعاداة تتضمن البغض، والله تعالى يحب المؤمنين ولا يحب الكافرين، وعلى المؤمن أن يوافق الله في ذلك فيحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله، والحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، والحب في الله والبغض في الله هو من آثار محبة الله ومن آثار طاعة الله، فمن أحب الله حقاً أحب ما يحب وأبغض ما يبغض. ولا منافاة بين ما أمر الله به من البر والإحسان للكفار الذين لم يقاتلونا ولم يخرجونا، كما قال سبحانه: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] البر هو الإحسان، بحسب المحسن إليه، وبحسب مقتضيات الإحسان. (وتقسطوا إليهم) فالإقساط والعدل واجب، لأن العدل واجب بين المسلمين وبين الكفار. فلابد من العدل: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] هذا الحكم عام بين الناس مؤمنهم وكافرهم. ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥٢] الأمر بالعدل واجب، والإحسان يختلف فمنه الواجب ومنه المستحب فهو على مراتب، يكون الإحسان إلى الكافر بالصدقة عليه، بالهدية إليه، جار كافر له حق الجوار كما نص أهل العلم على ذلك، فتكف الأذى عنه، وتحسن إليه الإحسان المناسب، والزوجة الكافرة كما ورد به السؤال والزواج من الكافرة -لا سيما في هذه الظروف وفي هذا العصر- خطر، وقديماً كان الصحابة يكرهون الزواج من الكافرة، ولكن لا شك أن الأصل هو جواز الزواج من الكافرة الكتابية بهذا القيد، فالسائل يسأل: كيف يجتمع البر والإحسان مع البغض؟ أقول: لا منافاة، فإن لكلٍ ما يقتضيه، فالمقتضي للإحسان هو أمر الله بذلك والسبب الذي يوجب ذلك، كالجوار والقرابة، والكفر والمعصية مقتضيان للبغض والكراهية، وهذا أمر معتاد أن الإنسان يمكن أن يقدم الإحسان لمن لا يحبه، يحسن الإنسان إلى الدواب البهائم، وهل يقتضي الإحسان إلى البهائم محبتها؟ لا. وإنما هي رحمة وطاعة لله ورسوله، إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فلا منافاة فإن البر والإحسان لا يستلزم المحبة، إذاً البر والإحسان لا ينافي البغض، بل يمكن أن يكون الإحسان واجباً والبغض واجباً، كما في حال الأبوين المشركين الكافرين، الله أمر ببرهما وأوصى ببرهما وهما كافران: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨] إذاً الوصية ببر الوالدين شاملة للمسلمين والكافرين غير الحربيين، أما الوالد إذا كان حربياً وفي صفوف المحاربين فلا يستحق شيئاً، لكن المقصود غير المحاربين، أن يكون معاهداً. فهذا واضح. فمن كان له والد أو والدان كافران يحسن إليهما بمقتضى الشرع، أي: أن الله أمره ووصاه بذلك، ويحسن إليهما ويبرهما أيضاً بمقتضى الطبع، بموجب المحبة الطبيعية، والمحبة الطبيعية يمكن أن تجتمع مع البغض الشرعي، الله يقول لنبيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] هذا في مناسبة عمه أبي طالب، الرسول كان يحب عمه المحبة الطبيعية، ويحرص على هدايته، ولكن الأمر لله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ونعلم يقيناً أنه يبغضه لكفره لأنه عدو لله، فهو يحبه المحبة الطبيعية، وهو حريص على هدايته وعلى هداية الخلق، لكن بحكم القرابة، وهو مع ذلك يبغضه فلا منافاة بين المحبة الطبيعية وبين البر والإحسان الواجب أو المشروع بمقتضى الشرع، والحاصل أيضاً بمقتضى الطبع، لا منافاة بين هذا وبين البغض؛ لأن البغض له مقتضى آخر وهو مقتضى شرعي أيضاً، فالله أمر ببر هذا الكافر وببغضه، ومنابذته ومعاملته على أنه كافر. وهذا أيضاً يلمسه الإنسان من الواقع، فالمسلم الآن يكون له الابن يحبه لأنه ابنه، ولكنه في نفس الوقت يبغضه لله وفي الله، وإن كان يحبه المحبة الطبيعية، لكن هنا يأتي الامتحان، فإن كان يكرمه ويقربه ولا ينكر عليه فهنا قد طغت محبته الطبيعية على محبة الله ورسوله، أما إن كان يحبه المحبة الطبيعية ويتعامل معه بمقتضى الشرع ينكر عليه ولا يقف معه موقف المسالمة، ينكر عليه ويناصحه ويلح عليه ويدعوه إلى الله، ويهجره إذا اقتضى الأمر، ولهذا قال الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤] هذه المحبوبات الخمسة، لا ضير على الإنسان أن يحبها المحبة الطبيعية، لكن يكون الإنسان آثماً إذا قدم محبة هذه المحبوبات على محبة الله ورسوله، فآثر حبها وترك الجهاد وترك الهجرة من أجل الوطن، من أجل الأسرة، من أجل الأولاد، بخل بماله، الإنسان يحب المال المحبة الطبيعية ولكنه إيماناً بالله وتصديقاً لوعده يخرج ما فرض الله عليه فيه، وإن كان يحبه، لعل في هذا القدر كفاية. يقول أحد الحاضرين: وإذا كان الرجل متزوجاً من كتابيه، وهو يحبها، فما الحكم؟ الشيخ: الزوجة إذا كان يحبها المحبة الطبيعية إذ محبة الرجل لامرأته محبة طبيعية، ولكن في نفس الوقت يبغضها لأنها كافرة، وفي نفس الوقت يدعوها للإسلام ولا يرضى بكفرها ولا يترك لها فرصة تؤثر على أولادها بل يدعوها للإسلام ويعمل على التأثير عليها، ومن أجل ضعف شخصية كثير من المسلمين في هذه الأعصار وقوة شخصية كثير من الكافرات يتوجه التحذير من الزواج من الكافرات؛ نظراً لضعف مقام وموقف كثير من المسلمين، وقوة شخصية كثير من الكافرات. ولهذا فالغالب أن يتأثر المسلم بالكافرة، في هذه الأعصار نظراً لحال المسلمين، وضعف مقامهم وشخصيتهم، ولأنهم قد بهرتهم الحضارة الغربية، وكثير ممن يتزوجون الكافرات إنما هو لافتتانهم بجمالهن، هذا هو الكثير. نسأل الله السلامة والعافية، ونعوذ بالله من الفتنة.

стр. 1113

حكم الاستعداد للجهاد في سبيل الله السؤال هل المقصود بولي الأمر الحاكم أم العلماء؟ وهل لو أعلن العلماء الجهاد ورفضه الحاكم هل يقام الجهاد أم لا؟ ثم ما حكم الاستعداد والتهؤ للجهاد في سبيل الله في ظل هذه الظروف الراهنة؟ الجواب ولي الأمر هم العلماء والولاة، أي: السلطان، هكذا فسرت الآية، من المفسرين من قال في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ [النساء:٥٩] أي: الأمراء، ومنهم من قال العلماء، والصحيح أن الآية شاملة لكل من الفئتين، فهم أولو الأمر، فالله أمر بطاعتهم بهذا القيد ما لم يأمروا بمعصية، فمن أمر بمعصية كائناً من كان فلا سمع له ولا طاعة. المسألة الثانية: هل للعلماء أن يعلنوا الجهاد؟ نعم، يعلنون الجهاد بالدعوة، العلماء يملكون الكلمة، يدعون يبينون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالكلمة بالبيان بالتعليم، هذا هو الجهاد الذي يملكه العلماء، أما الجهاد الذي يحتاج إلى الإعداد المادي وإلى القوة المادية والسلاح فهذا لا يملكه العلماء، هذا تملكه الأمة في جملتها، ومعظم هذا الثقل هو بأيدي ولاة الأمر الحكام والسلاطين، الملوك والأمراء، إذاً: فليس للعلماء أن يقوموا وأن يسعوا في القيام بهذا الجهاد منفكين؛ لأن هذا يعني الانشقاق، وإقامة جماعة أخرى، لكن على العلماء أن يطالبوا ولاة الأمور بالإعداد للجهاد في سبيل الله على الوجه الذي شرعه الله، ليقوموا جميعاً -علماء وأمراء ورعية- ويكونوا أمة واحدة وصفاً واحداً، أما أن تقوم فئة تريد أن تقوم بهذا الجهاد الذي ليس هو من صلاحيتها، ولا تملك أسبابه، فهذا التفكير وهذا النهج لا يكون له مردود إيجابي. تريد أن تقوم بهذا الواجب الذي لا تملك أسبابه؛ هذا يعتبر خروجاً عن مقتضى الحكمة والعقل والمسلك الرشيد. على العلماء أن يدعوا وأن يطالبوا ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويناصحوا ولاة الأمور، ويطالبوهم بالإعداد للجهاد في سبيل الله، أن يهيئوا المجتمع المسلم حتى يكون نقياً؛ لأنه لا يتأتى للمسلم أن يجاهد في سبيل الله على الوجه الذي ترجى عاقبته الحميدة إلا إذا هيء المجتمع المسلم بالإصلاح وبتطهيره من الأمراض الاجتماعية ومن المنكرات، فلا بد من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وسط الأمة حتى تتهيأ ويصح جسم الأمة من علله وأمراضه فتكون مستعدة للجهاد في سبيل الله، فتكون لها العزة التي كانت لها من قبل. الثالث: حكم الاستعداد، نعم الاستعداد مطلوب، ينبغي للمسلمين أن يستعدوا في حدود مقدورهم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] أن يستعدوا للجهاد، يهيئوا أنفسهم، ومن وجوه الاستعداد ما يقدر عليه الفرد، ومنها ما لا يقدر عليه الفرد، ولا يتأتى إلا بالتعاون مع ولاة الأمر، فينبغي لولاة الأمور أن يتيحوا الفرصة لشباب المسلمين ورجال المسلمين أن يعدوا أنفسهم، فيدربوهم ويهيئوهم ليكونوا جنوداً مستعدين لحماية بلاد الإسلام، وصد العدوان، وغزو الكفار إذا تهيأت الأمور في عقر دارهم، فالإعداد مطلوب لكن بالوجوه المناسبة الممكنة التي لا يترتب عليها أضرار ولا مفاسد، فشرع الله قائم على الحكمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وكما ذكرت آنفاً أؤكد أن الإعداد للجهاد منه ما يقدر عليه الفرد، ومنه ما تقدر عليه جماعة، ومنه ما لا يتأتى إلا بتعاون الأمة وبتهيئة الفرص من قبل ولاة الأمور، وهذا ما نرجوه منهم، وتدريب الشباب أعظم مما حصل ومما يدعى من فتح باب التطوع للنساء للتمريض، التمريض هذا يحتاج إليه إذا حصلت المآسي وحصل القتال فتقديم التطوع أو التوسع بتعليم النساء على ما فيه من المفاسد الملموسة، لكن نتكلم عليه من حيث الأصل، أما التطوع الذي حصل فقد عرف واشتهر، يعني: أن له سلبيات واسعة وكبيرة. ومن الجوانب التي تؤخذ على فتح باب التطوع للمرأة أنه حصل التوسع فيه دون تدريب الشباب والرجال على ممارسة العمليات الحربية وعلى وسائل الحرب وآليات الحرب، وهذا المنطق غير حكيم وغير معقول، فالبداءة بتدريب الشباب هو الواجب، وتطوع النساء أمر ثانوي، وأمر المرأة ليس كالرجل، المرأة إذا خرجت تعرضتها عقبات شائكة من أوسعها اختلاطها بالرجال عند ممارسة هذا الأمر، مع فساد الأوضاع وفساد الأحوال، فهذا يعني مما يتصل بالإعداد بالجهاد.

стр. 1114

أيدٍ خفية تعمل على إضلال المرأة السؤال هل ترى -يا فضيلة الشيخ- الظاهرة التي بدت أو التي تبناها أو تبنتها وسائل الإعلام في فتح المجال للمرأة وفتحت ذلك بعض الجهات الرسمية ولم يعط الرجال مثلما أعطيت المرأة، ألا ترى أن هذا يوحي بأن هناك أيادي خفية تعمل على إيقاع هذه البلاد فيما لا تحمد عقباه؟ الجواب قلت: إن هذا الوضع غير طبيعي وغير سديد، ففيه مفارقة كبيرة، وأما أن تكون هناك أيدٍ فلا شك بصفة عامة، والأوضاع تؤيد ذلك بصفة عامة فالمنافقون والفساق كثير، ولا شك أنه يحلو لهم أن تخرج النساء وأن يضعفوا ما في هذه البلاد من التزام المرأة بحجابها وبيتها، ولا شك أن التوسع الذي حصل في فتح الأبواب لتطوع النساء في التمريض أن هذا من حلقات إخراج المرأة من حصانتها والتزامها بحجابها، وإن كان الأصل أن تعلم المرأة لما يمكن أن تقوم به في إطار الشريعة الأصل أنه جائز، لكن ما كل جائز يكون جائزاً بكل كيفية، فالنقد والاعتراض على الكيفية وعلى الواقع، أما الأصل نحن نتكلم فيه أن تتعلم المرأة مع نساء وأن تعلمها النساء، أما أن يفتح الباب من غير ضرورة ومن غير حاجة على نطاق واسع، ثم من بنود ومن فقرات هذا الطريق التطبيق العملي في المستشفيات، والمستشفيات قائمة على الاختلاط، فمن لم تكن ممرضة في المستشفى تكون متطوعة، فكل امرأة تريد حفظ كرامتها نوصيها بعدم المشاركة في هذا السبيل لأنه لم يطبق على الوجه المطلوب ولم تكن هناك الظروف المحتمة لأصل الموضوع.

стр. 1115

حكم فعل القربات عادة السؤال فضيلة الشيخ! قلت منذ قليل: إنه من صلى وصام على أنه عادة فإنه لا يجوز، وقد شككت في خروجي إلى الصلاة فيما سبق هل عادة أم لا. فكيف أعرف ذلك جزاك الله خيرا؟ الجواب اطمئن ولله الحمد، أنا أعني الذي يصلي عادة لا إيماناً بالله والرسول، ما عنده إيمان ولا يؤمن بأن الصلاة واجبة يصلي مثل الناس فقط، بحيث لو قيل له: ما هي هذه الصلاة؟ قال: والله لا أدري عنها، ولا يؤمن بوجوب الصلاة عليه نعم. من المسلمين ممن يؤمن بالله ورسوله ويؤمن بوجوب الصلاة لا يكون عنده الإيمان العميق لكن للعادة دور في أمر الصلاة، لكن أرجو أن هذا لا يضره، ولست أعني هذا النوع، لكن على المسلم إذا أدى الواجبات أن يستحضر أمر الله ورسوله، وأن يفعل ذلك قربة لله وطاعة لله ورسوله، حتى ينال الثواب والأجر موفوراً كاملاً غير منقوص.

стр. 1116

حكم الوساوس في أمور العقيدة السؤال ما حكم الوساوس والخطرات التي تأتي على الناس في أمور العقيدة وغيرها؟ الجواب فيما تقدم ما يتضمن الإجابة على هذا، وهو أن تعرض عن هذه الوساوس وأن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وقل: آمنت بالله ورسوله، واغفل عنها ولا تسترسل في التفكير، قاطع هذا التفكير وحاول أن تنساه. ولا تضرك بعد ذلك مجرد الوساوس، وقد جاء بعض الصحابة وقد وجد في نفسه وسواساً قال عنه: (إني أحب أن أخر من السماء ولا أتكلم به، فقال ﵊: ذاك صريح الإيمان) يعني: كراهته لهذا الوسواس وبغضه الشديد لهذا الوسواس هو الإيمان، لأنه لو لم يكن عنده الإيمان واليقين ما كره هذا الوسواس ولاسترسل معه وتفاعل، ولنال منه الشيطان ما يريد.

стр. 1117

حكم إتقان الأعمال من أجل الناس السؤال هذا السائل يقول: في حديث استماع الرسول ﷺ لـ أبي موسى الأشعري وهو يقرأ القرآن وقول أبي موسى: (لو علمت -يا رسول الله- أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا) أليس فيه جواز إتقان العمل من أجل البشر، حفظكم الله ورعاكم؟ الجواب لا شك أن إرضاء الرسول ﷺ وتحقيق ما يحب هو مما يحبه الله ويرضاه، الرسول يعجبه تحسين القرآن ويحب الصوت الحسن بالقرآن، إذاً ما نواه وقصد إليه أبو موسى هو قربة إلى الله، يتقرب إلى الله بتحسين صوته لأنه مما يعجب الرسول ﵊، وتحقيق ما يحبه الرسول هو مما يحبه الله، إذاً فلم يفعل ذلك ليجلب ثناءً على نفسه للمدحة؛ مثل من يقرأ أو يزين قراءته لينال ثناءً من الناس ليثنوا عليه رياءً وسمعة، وإنما قصد أن يحسن تلاوته للقرآن تحقيقاً لما يحبه الرسول ﵊، ومعلوم أن المؤمن عليه أن يحب الرسول وأن يحقق وأن يحرص على تحقيق ما يحبه الرسول. أقول أكثر من هذا: لو طلب من الإنسان والده أن يحسن له قراءته، فحسن قراءته استجابة لوالده، أو طلب منه والده أن يتلو عليه القرآن ففعل، فهذا برٌ منه بوالده، وكان ذلك عملاً صالحاً أن قرأ عليه القرآن، وأن حسن قراءته؛ لأن والده يرغب في ذلك ويعجبه أن يسمع القرآن من ابنه بصوته الحسن، لأن الوالد الطيب تقر عينه إذا سمع ابنه يتلو القرآن ويحسن قراءة القرآن بصوت حسن، وتحسين الصوت بالقرآن أمر مشروع للحديث الصحيح: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) وحديث: (زينوا القرآن بأصواتكم) وهكذا لو قرأ المسلم وزيَّن صوته بالقرآن ليؤثر على السامعين لينتفعوا بالقرآن، فهذا أيضاً محمود؛ لأنه لم يقصد التقرب إليهم، بل يريد أن ينتفعوا بالقرآن فيفعل ذلك طاعة لله، وجذباً للناس إلى كتاب الله لا جذباً للناس إليه، لا يريد أن يجذب الناس إليه حتى يعجبوا به، ويثنوا عليه، لا يريد أن يؤثر عليهم بالقرآن فيزين صوته لينتفعوا بالقرآن حتى يقبلوا عليه، فكل هذا ليس من الرياء في شيء، وليس من قبيل العمل للمخلوق.

стр. 1118

حكم الوساطة في القروض الربوية السؤال فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يقول: طلب مني شخص أن أتوسط له عند شخص لكي يقرضه مبلغاً من المال، وقد فعلت، وعندما انتهى دوري علمت أنه يقرض الناس بالربا، أي: العشر باثني عشر مثلاً، فندمت على عملي لأني خشيت أن أشترك معهم في الإثم، علماً أنني قد ذهبت إلى الرجل الذي طلب مني هذا الطلب ونصحته وأخبرته بأن عليه ذنباً عظيماً، سؤالي الآن: هل عليَّ ذنب لو لم أنصح الرجل علماً بأني في الأساس لم أسع في الأمر على أنه قرض ربوي. وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أقول أولاً: أنت محسن في وساطتك، وساعٍ في أمر خيري، ومن التعاون أن تطلب للمحتاج ممن يقدر على إقراضه، وهذا إحسان منك وأنت مأجور إن شاء الله حيث أنك لم تعلم بما قصد إليه المقترض، أما بعدما علمت فواجب عليك أن تنصحه، وأن تنكر عليه، وأن تبدي أسفك على أن ساعدته في تحصيل هذا القرض، ولو لم تفعل كنت آثماً، أما وقد فعلت فقد أديت ما يجب عليك ولا إثم عليك؛ لأنك محسن أولاً، وقمت بالواجب ثانياً، وعليك أن تعين صاحب المال على استرداد ماله، وأن تلح على المقترض أن يرد المال إلى صاحبه.

стр. 1119

الفرق بين توكل أولي الألباب وبين الأخذ بالأسباب السؤال ما الفرق بين توكل أولي الألباب وبين الأخذ بالأسباب، ونرى من يعيب على الذين اشتروا أكياس الرز والسكر أليس هذا من الأخذ بالأسباب؟ الجواب لا منافاة بين التوكل وفعل الأسباب، فترك الأسباب عجز، الرسول ﷺ يقول: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) وقال أهل العلم: إن تعطيل الأسباب بالكلية قدح في الشرع، فالشرع جاء بالندب والأمر بالأسباب، بل من الأخذ بالأسباب ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مباح، أما التوكل فحقيقته اعتماد القلب عليه وتفويض الأمر إليه، وذلك باعتقاد أن الخير بيده، وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، للتحقق بذلك، وأن الأسباب ما هي إلا أسباب، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فتأثير الأسباب في مسبباتها بإذن الله، فهو خالق الأسباب، وهو الذي يجعل الأسباب مؤثرة في حصول مسبباتها، إذاً فعل الأسباب يمارس بمقتضى الشرع والطبع، والأسباب المباحة، والتوكل على الله هو مقتضى الإيمان بالله وبكمال ربوبيته. وأما المسألة الجزئية التي ذكرها السائل وهي أن من الناس ما إن سمع بأحداث الكويت حتى هرع يشتري حوائجه تحسباً للمستقبل، فأرجو أن هذا من فعل الأسباب وأنه لا بأس به، إذا خاف الإنسان أن الماء يتوقف وظهرت بوادر ذلك فلا مانع أن يملأ خزانه إذا تيسر، لكن بدون أن يعتمد على هذا السبب، وبدون أن يكون هناك لهف ولهث وانفعال واضطراب ولكن بهدوء، فمن ذهب واشترى له حاجات وادخرها وهو متوكل على ربه بدون أن يتحمل في هذا السبيل المشاق بالمزاحمة، ويظهر عليه الانفعال، أو يكون عنده شيء من الاعتماد القلبي على هذا السبب، وأن هذه المشتروات ستكون أماناً له، لأنه يمكن أن يحدث له من الأسباب مثل أن يموت ولا ينتفع بها، قد يحدث من الأسباب ما ينفره عنها حتى يتركها، فالإنسان يفعل الأسباب بهدوء بال وطمأنينة وتوكل على الله. والله أعلم.

стр. 1120

قيام بعض العلماء بمشروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال هذا السائل يقول: لقد سمعنا عزم بعض أصحاب الفضيلة العلماء والمشايخ للقيام بمشروع الأمر المعروف والنهي عن المنكر، السؤال هل لا يزال هذا الأمر قائماً حتى يتسنى لنا التسجيل لدى أحد المشايخ. أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب هذا الأمر بشكل منظم لا يزال قائماً وهو تحت الدراسة، والمسئول الأول عنه سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز، وهو بصدد دراسته إن شاء الله، وأظنه قد عهد إلى بعض المشايخ ترتيب ذلك، وأما القيام بهذا عملياً دون ترتيب فهذا متيسر وحاصل من بعض الإخوان دون ترتيب ودون ارتباط بأشخاص معينين ولله الحمد، فكل طالب علم يمكنه أن يخرج ويأمر وينهى لكن بالطريقة الممكنة الميسرة التي لا يترتب عليها ردود فعل ولا مشاكل، ما هي الطريقة؟ الطريقة: أن تناصح من رأيته يفعل منكراً أو يتعرض لفعل منكر، تناصحه بالكلمة الهادئة الطيبة من منطلق الأخوة في الله، لو رأيت إنساناً يدخن فمن اليسير جداً أن تقف معه وتقول: يا أخي! هذا الدخان حرام يضرك في دينك وفي صحتك وفي مالك، فاتق الله، جزاك الله خيراً، الله يعافيك منه، لن يغضب ولن ينفعل إلا أن يكون لئيماً، أما إن كان عنده بقية من الخلق فسيقول: جزاك الله خيراً، وربما كان لكلمتك أثر بالغ على نفسيته، وربما كان ذلك مبعث تفكير قوي لأن يترك الدخان. تمر في الشارع وترى امرأة متبرجة تقول لها: يا مسلمة! يا امرأة! اتق الله واحتجبي، وأنت تمشي لأن المرأة لا يتأتى الوقوف معها والتطويل؛ لكن كلمة تعرف بها المقصود هذه فيها إعذار وفيها بيان وإعلام حتى لا ينسى الحجاب. الحجاب: هناك معاول لرفع حجاب المرأة، وإخراج المرأة من حجابها، ومن هذه المعاول ما حدث في الأيام الماضية من قيام مجموعة من النساء المفتونات أو المغرورات بقيادة السيارات، هذا من جملة الخطوات لإخراج المرأة من بيت حشمتها، وليكون ذلك خطوة في طرح المرأة للحجاب الواجب عليها، والكفرة والفسقة يريدون ذلك، يريدون أن تخرج المرأة سافرة لكنهم لا يستطيعون أن يقفزوا إلى هذه الغاية قفزاً لتخرج عريانة، لا. يسلكون إلى ذلك شتى الطرق، والآن كما ترون في بلادنا حفظها الله وقطع مطامع الكافرين وأعداء الدين مما يأملونه ومما يريدونه بها، كما ترون الأمور فيها تأخر وتدهور في باب الالتزام؛ التزام المرأة بواجبها وبآدابها الإسلامية، ولكن الله غالب على أمره ولو كره الكافرون، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1121

ألا إن سلعة الله غالية إن من علم أنه سيفقد ماله حرص عليه، ومن علم أنه سيفقد ولده أحاطه برعايته، فما بالنا نعلم أننا سنفقد الآخرة إذا ضيعنا دنيانا باللهو ولا نحرص عليها؛ هذا مع ما ثبت لدينا من أخبار صحيحة تثبت المآل في الآخرة، وما أعد الله للمؤمن والكافر، فالبدار البدار إلى جنة سبقنا إليها الأبرار، ولنعمل لآخرتنا كما نعمل لدنيانا.

стр. 1122

دوام الحال من المحال معاشر المؤمنين! قد وعد الله عباده المؤمنين المخلصين بالجنة، وتوعد العاصين المعاندين المكابرين بالنار، وبين سبحانه أن هذه الجنة دار نعيمٍ لا يكدرها شيء، وبين سبحانه في هذه الجنة ألواناً من النعم، وألواناً من الخيرات والملذات، جاء عن هذه الجنة على لسان المصطفى ﷺ : (إن هذه الجنة فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر) الله أكبر! الله أكبر! يا عباد الله! تجولوا في هذه البلدان، وانظروا إلى أعظم القصور، وأكبر المراكب، وأفخم المفارش، واعلموا أن في الجنة ما هو خيرٌ منها، وأعظم منها وأبقى وأدوم منها؛ لأن نعيم الدنيا منتهٍ إلى زوال، فانٍ إلى محال، أما الدار الآخرة فنعيمها دائمٌ لا ينقطع. ملذاتنا في هذه الدنيا: صحةٌ في البدن، لكن الأمراض تكدرها، اجتماعٌ بالأحباب، لكن الفراق ينغصه، نوالٌ للمال، لكن الفقر يهدده، حصول على العزة، لكن الذلة قد تفاجئه، حصول بكثيرٍ من الأمور، لكنها فانيةٌ منتهية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. الله أكبر يا عباد الله! وأكره أيام الوصال لأنني أرى كل وصلٍ معقباً بزوالِ وأحب ليالي الهجر لا فرحاً بها عسى الله يأتي بعدها بوصالِ ويقول آخر: أشد الغم عندي في سرورٍ تيقن عنه صاحبه انتقالا

стр. 1123

من لم يغتنم حاضره فاتت آخرته أتدرون أن أرباب الدنيا، وأصحاب المال، وتجار الأرصدة ما لم يسلطوا أنفسهم على أموالهم؛ لكي تكون عوناً لهم على الطاعة وشرفاً لهم في العبودية، فاعلموا أنهم والله أندم الناس يوم القيامة، يندمون على ما بين أيديهم من هذه النعم، وما سخروها لوجه الله جل وعلا، لماذا؟ الواحد منهم تحته الزوجات، ويعلم أنه يموت، فتنكحُ نساؤه من بعده، ويعلم أن أرصدته قد ضايقت البنوك ثم يعلم أنه يموت، فيقتسمها الورثة والعصاة وغيرهم، يعلمُ أنه في هذه القصور، وفي هذه الدور، ويعلمُ أنه يفارقها وبعد ذلك يأتي به أحبابه ليرموه في حفرةٍ ضيقةٍ مظلمةٍ محكمة الغطاء، ثم يعودون ينامون في غرفته ويتقلبون على سريره، ويتطيبون بطيبه، وينسونه وقد لا يذكرونه، فليست هذه الدنيا بدار طمأنينة. والله لو أن القلوب صحيحة لتقطعت ألماً من الحسراتِ نعم يا عباد الله! الصحة بين أيدينا، والمال في جيوبنا، وسخر الله لنا أشياء كثيرة، لكننا عن طاعة الله بها غافلون وننسى أننا نحتاج إلى حسنةٍ واحدة! ألاحق ولدي وتلاحق ولدك، والأم تلاحق ولدها ولدي تعبتُ عليك حملتك كرهاً وضعتك كرهاً أزلت الأذى عنك بيميني جعلت بطني لك وعاء وثديي لكي سقاء وحرمتني لذيذ النوم ببكاءٍ تتقلب فيه حسنةً واحدة، حسنةً واحدة!! والأب يقول: يا ولدي أتعبتُ النهار، وأفنيت الضياء بحثاً عن لقمةٍ لأجلك، وسهرت الليل: كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني وعيني تهملُ إذا ليلةٌ ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهراً أتململُ تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت حقاً مؤملُ يا ولدي حسنةً واحدة، فيقول: يا أبي إليك عني! إليك عني يا أبي!! إليكِ عني يا أمي!! نفسي نفسي! نفسي نفسي: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] لماذا؟! أنسينا الصداقات؟! أنسينا العلاقات؟! أنسينا التجارات؟! لماذا؟ هل انقطعت المعرفة؟! هل زالت المودة؟! ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] شغل، داهية، واقعة، حاقة، زاجرة، غاشية، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧]، فما بال الناس؟ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٤١] اللهم لا تجعلنا منهم.

стр. 1124

نعيم الدنيا والآخرة فيا أيها الأحبة في الله! هو ذاك نعيمُ الآخرة، وهذا نعيم الدنيا، شتان شتان بين هذا وهذا في البقاء والدوام والملذات: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥]. الله أكبر يا عباد الله! هذه الجنة يوم أن تتبادرك الحور العين، يزغردن ويصفقن بقدومك، يتقدمنك إلى قصرك اللؤلئي في جنات النعيم، يوم أن يقال: ادخل وارق، ورتل القرآن كما كنتَ ترتل في الجنة، فمنزلتك عند آخر آيةٍ تقرأها. الله أكبر يا عباد الله! يوم أن تكونوا يا معاشر المؤمنين! يوم العرض الأكبر على الله، فيدخل من نجا إلى الجنة، ويدخل من هلك إلى النار، نسأل الله ألا يكون بيننا أحد من الهالكين، ولا أن نكون منهم، ثم بعد ذلك إذا انتهى الفصل في القضاء والخطاب بين العباد، نادى منادٍ يا أهل الجنة! خلودٌ ولا موت، يا أهل الجنة! خلودٌ ولا موت، يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، ويا أهل النار! خلودٌ ولا موت، يا أهل النار! خلودٌ ولا موت ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٢ - ٩٤]. عباد الله! ثم إذا استقر أهل الجنة في الجنة، ناداهم رب العزة جل وعلا، وقال: عبادي هل رضيتم عني؟ عبادي: هل رضيتم عني؟ عبادي: هل رضيتم عني؟ الله أكبر يا عباد الله. خلقنا من العدم، وآتانا الصحة في الأبدان، والأمن في الأوطان، وأنواع الأرزاق، ثم يغفر لنا برحمته، ويدخلنا الجنة بمنه، ثم يقول: عبادي! عبادي! هل رضيتم عني، من ذا الذي لا يرضى عن ربه بعد هذا؟ فيقول: أهل الجنة، يا ربنا! ألم تغفر ذنوبنا! ألم تكفر سيئاتنا! ألم تدخلنا الجنة؟! رضينا عنك يا رب، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨] لمن خاف الله في السر، لمن اتقى الله في خلوته، لمن خشي ربه. فيقول الله جل وعلا: إن لكم عندي وعداً، يقولون: ألم تبيض وجوهنا! ألم تدخلنا الجنة! ويقول الله جل وعلا: إن لكم عندي وعداً أنجزكموه، فيكشف ربنا جل وعلا عن وجهه الكريم، فينظرون إلى وجه الله العظيم، فما أوتوا نعيماً في الجنة ألذ من النظر إلى وجه الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] جميلة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] مشرقة، بهية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٥]. تخشى الهلاك، وتحقق الظن بالعذاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذه الجنة يا عباد الله! لا نتغوط فيها، ولا نتبول فيها، نلهم فيها التسبيح والتهليل كما نتنفس هذا الهواء شهيقاً وزفيراً، وإذا اشتهيت شيئاً من نعيمها، تدنت لك أغصان الجنة: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٣]، تتدنى للمؤمنين: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]. كان الناس يسهرون على الأفلام والمسلسلات، وكان أهل الجنة يراوحون الأقدام قيام الليل أُنساً بالله جل وعلا، كان الناس يسهرون في الورق والعبث، وكان أهل الجنة يقلبون كلام الله جل وعلا في كتابه الكريم، ويتدبرون آياته، كان الناس ضاحكين غافلين مسرفين، أما أهل الجنة فكانوا خاشعين خائفين مخبتين: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].

стр. 1125

أعد الصحابة العدة ففازوا في النزال هذه الجنة يا عباد الله! كفى كذباً على أنفسنا نقول: إننا عملنا عملاً مناسباً لكي ننالها؛ لأنه لا يدخل أحدٌ جنة الله إلا برحمته، ولا ينال أحدٌ جنة الله إلا بمغفرة الله، قال ﷺ : (إنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) رسول الله الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أول من ينشق عنه القبر، صاحب المقام المشهود، واللواء المحمود، والحوض المورود، أول من يمسك بحلق أبواب الجنة، فيقول: (من؟ فيقول: محمد، فيقول: لكَ أُمرت أن أفتح أدخل يا محمد). هذا رسول الله ﷺ يقول: (ولا أنا -لا أدخل الجنة- إلا أن يتغمدني الله برحمته) فيا أيها الأحبة في الله! مع هذا الوصف لجنات الله جل وعلا، والقرآن مليءٌ بذكر وصف الجنة، هل أعددنا لها عملاً؟! من سار أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة. ويوم أن عرف الصحابة رضوان الله عليهم ثمن هذه الجنة، وعظم ثمنها ومنزلتها وما فيها من النعيم، أعدوا لها عدةً وتحملوا البلاء لوجه الله، ثم لأجل نوالها، والفوز بها، إننا ما عبدنا الله إلا طمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، هكذا عبده الأنبياء قبلنا، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]. هذه الجنة يا عباد الله! لأجل ما فيها من رضا الله، ولما فيها من النعيم، تحمل النبي ﷺ ألوان العذاب، والأذى النفسي والعملي، وتحمل الصحابة رضوان الله عليهم كذلك، ولسنا بصدد التفصيل فيما لقيه النبي ﷺ من وضع الشوك في طريقه، ووضع سلى الجزور وخلاص الناقة بعد ولادتها على ظهره، وطرده من مكة هائماً على وجهه! ووقوف أهل الطائف له سماطين يرجمونه بالحجارة! حتى أدميت قدماه. وتمالأت قريش في دار الندوة ليثبتوه أو يقتلوه ويمكرون ويمكر الله، ثم كذلك ما لقيه الصحابة، فقد جاء خباب بن الأرت، فكشف ظهره للنبي ﷺ ، وفي ظهره من كي الحديد، (يا رسول الله: ألا تستغفر لنا، ألا تدعوا الله لنا) مما يلقون من العذاب، ويصبرون عليه طمعاً في رضا الله وجنته فيقول ﷺ : (لقد كان الرجل فيمن كان قبلكم يؤتى به، فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، وينشر بالمنشار من مفرق رأسه إلى قدمه، ما يصده ذلك عن دينه). ويجيء الصحابي في المدينة: (يا رسول الله! متى نأمن؟ أحدنا لا يبول إلا وسلاحه على كتفه، ولا ينام إلا وسلاحه تحت وسادته، فيقول ﷺ : إنكم قومٌ تستعجلون، والله ليتمن الله هذا الأمر، وليظهرن الله هذا الدين، حتى يسير الراكب إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه). أيها الأحبة! أحد الصحابة من رجالات الدولة في عهد عمر بن الخطاب ﵁، بعث مفاوضاً إلى الروم فجيء به وقيل له تنصر واترك دينك، قال: ما أنا بمتنصرٍ ولا بتاركٍ ديني، فقالوا له: نعطيك نصف هذا الملك، واترك دينك، وتنصر؟ فقال: لا، قيل: إن لم تفعل لنعذبنك، فقال: لا، فأمر ذلك الملك بأن تضرم النار العظيمة، وتنصب القدور العظيمة، ويوضع فيها الماء والزيت، حتى إذا صار يغلي، جيء بالصحابي ﵁، ووقف به أمام هذه القدر التي تغلي ليلقى به فيها، فلما رفع ليرمى به بكى ﵁، فأنزلوه وعادوا به إلى الملك، قالوا: هل تترك دينك؟ قال: لا والله، قال: إذاً لماذا بكيت؟ قال: علمتُ أن ميتتي هذه شهادةٌ في سبيل الله أنال بها الجنة، فتمنيتُ أن لي مائة نفسٍ تموت هذه الميتة!! لقد عرفوا الله، وعرفوا نعيمه، فطلبوه، وبذلوا النفس والمال رخيصاً في لقاء ذلك وفي سبيل ذلك. عباد الله! يا سلعة الرحمن سوقك كاسدٌ فلقد عرضت بأيسرِ الأثمانِ هل منكم من يُصَدُّ عن دينه؟! هل منكم من يُعَذَّب على دينه؟! هل منكم من يُفْتَن في دينه؟! عباد الله! جنةٌ عرضها السماوات والأرض، تنالها بأدنى قليلٍ من العمل، وبأكبر كبيرٍ من العمل إذا كان خالصاً لوجه الله ثواباً على ملة رسول الله ﷺ ، ما الذي يردنا أن نتنافس في هذه الجنة؟! شمسٌ تزف إلى ضرير مقعدٍ يا محنة الحسناء بالعميان نعيم الجنة يوصف لقلوب غافلةٍ ميتة، أسأل الله أن يوقظ قلوبنا من نومة الغفلات، وأن يرزقنا التوبة الصادقة والاستعداد للقائه، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تستمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →