Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
ألا إن سلعة الله غالية
إن من علم أنه سيفقد ماله حرص عليه، ومن علم أنه سيفقد ولده أحاطه برعايته، فما بالنا نعلم أننا سنفقد الآخرة إذا ضيعنا دنيانا باللهو ولا نحرص عليها؛ هذا مع ما ثبت لدينا من أخبار صحيحة تثبت المآل في الآخرة، وما أعد الله للمؤمن والكافر، فالبدار البدار إلى جنة سبقنا إليها الأبرار، ولنعمل لآخرتنا كما نعمل لدنيانا.
стр. 1122
دوام الحال من المحال
معاشر المؤمنين! قد وعد الله عباده المؤمنين المخلصين بالجنة، وتوعد العاصين المعاندين المكابرين بالنار، وبين سبحانه أن هذه الجنة دار نعيمٍ لا يكدرها شيء، وبين سبحانه في هذه الجنة ألواناً من النعم، وألواناً من الخيرات والملذات، جاء عن هذه الجنة على لسان المصطفى ﷺ : (إن هذه الجنة فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر) الله أكبر! الله أكبر! يا عباد الله! تجولوا في هذه البلدان، وانظروا إلى أعظم القصور، وأكبر المراكب، وأفخم المفارش، واعلموا أن في الجنة ما هو خيرٌ منها، وأعظم منها وأبقى وأدوم منها؛ لأن نعيم الدنيا منتهٍ إلى زوال، فانٍ إلى محال، أما الدار الآخرة فنعيمها دائمٌ لا ينقطع.
ملذاتنا في هذه الدنيا: صحةٌ في البدن، لكن الأمراض تكدرها، اجتماعٌ بالأحباب، لكن الفراق ينغصه، نوالٌ للمال، لكن الفقر يهدده، حصول على العزة، لكن الذلة قد تفاجئه، حصول بكثيرٍ من الأمور، لكنها فانيةٌ منتهية: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
الله أكبر يا عباد الله!
وأكره أيام الوصال لأنني أرى كل وصلٍ معقباً بزوالِ
وأحب ليالي الهجر لا فرحاً بها عسى الله يأتي بعدها بوصالِ
ويقول آخر:
أشد الغم عندي في سرورٍ تيقن عنه صاحبه انتقالا
стр. 1123
من لم يغتنم حاضره فاتت آخرته
أتدرون أن أرباب الدنيا، وأصحاب المال، وتجار الأرصدة ما لم يسلطوا أنفسهم على أموالهم؛ لكي تكون عوناً لهم على الطاعة وشرفاً لهم في العبودية، فاعلموا أنهم والله أندم الناس يوم القيامة، يندمون على ما بين أيديهم من هذه النعم، وما سخروها لوجه الله جل وعلا، لماذا؟ الواحد منهم تحته الزوجات، ويعلم أنه يموت، فتنكحُ نساؤه من بعده، ويعلم أن أرصدته قد ضايقت البنوك ثم يعلم أنه يموت، فيقتسمها الورثة والعصاة وغيرهم، يعلمُ أنه في هذه القصور، وفي هذه الدور، ويعلمُ أنه يفارقها وبعد ذلك يأتي به أحبابه ليرموه في حفرةٍ ضيقةٍ مظلمةٍ محكمة الغطاء، ثم يعودون ينامون في غرفته ويتقلبون على سريره، ويتطيبون بطيبه، وينسونه وقد لا يذكرونه، فليست هذه الدنيا بدار طمأنينة.
والله لو أن القلوب صحيحة لتقطعت ألماً من الحسراتِ
نعم يا عباد الله! الصحة بين أيدينا، والمال في جيوبنا، وسخر الله لنا أشياء كثيرة، لكننا عن طاعة الله بها غافلون وننسى أننا نحتاج إلى حسنةٍ واحدة! ألاحق ولدي وتلاحق ولدك، والأم تلاحق ولدها ولدي تعبتُ عليك حملتك كرهاً وضعتك كرهاً أزلت الأذى عنك بيميني جعلت بطني لك وعاء وثديي لكي سقاء وحرمتني لذيذ النوم ببكاءٍ تتقلب فيه حسنةً واحدة، حسنةً واحدة!! والأب يقول: يا ولدي أتعبتُ النهار، وأفنيت الضياء بحثاً عن لقمةٍ لأجلك، وسهرت الليل:
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني وعيني تهملُ
إذا ليلةٌ ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهراً أتململُ
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت حقاً مؤملُ
يا ولدي حسنةً واحدة، فيقول: يا أبي إليك عني! إليك عني يا أبي!! إليكِ عني يا أمي!! نفسي نفسي! نفسي نفسي: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] لماذا؟! أنسينا الصداقات؟! أنسينا العلاقات؟! أنسينا التجارات؟! لماذا؟ هل انقطعت المعرفة؟! هل زالت المودة؟! ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] شغل، داهية، واقعة، حاقة، زاجرة، غاشية، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧]، فما بال الناس؟ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٤١] اللهم لا تجعلنا منهم.
стр. 1124
نعيم الدنيا والآخرة
فيا أيها الأحبة في الله! هو ذاك نعيمُ الآخرة، وهذا نعيم الدنيا، شتان شتان بين هذا وهذا في البقاء والدوام والملذات: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥].
الله أكبر يا عباد الله! هذه الجنة يوم أن تتبادرك الحور العين، يزغردن ويصفقن بقدومك، يتقدمنك إلى قصرك اللؤلئي في جنات النعيم، يوم أن يقال: ادخل وارق، ورتل القرآن كما كنتَ ترتل في الجنة، فمنزلتك عند آخر آيةٍ تقرأها.
الله أكبر يا عباد الله! يوم أن تكونوا يا معاشر المؤمنين! يوم العرض الأكبر على الله، فيدخل من نجا إلى الجنة، ويدخل من هلك إلى النار، نسأل الله ألا يكون بيننا أحد من الهالكين، ولا أن نكون منهم، ثم بعد ذلك إذا انتهى الفصل في القضاء والخطاب بين العباد، نادى منادٍ يا أهل الجنة! خلودٌ ولا موت، يا أهل الجنة! خلودٌ ولا موت، يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، ويا أهل النار! خلودٌ ولا موت، يا أهل النار! خلودٌ ولا موت ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٢ - ٩٤].
عباد الله! ثم إذا استقر أهل الجنة في الجنة، ناداهم رب العزة جل وعلا، وقال: عبادي هل رضيتم عني؟ عبادي: هل رضيتم عني؟ عبادي: هل رضيتم عني؟ الله أكبر يا عباد الله.
خلقنا من العدم، وآتانا الصحة في الأبدان، والأمن في الأوطان، وأنواع الأرزاق، ثم يغفر لنا برحمته، ويدخلنا الجنة بمنه، ثم يقول: عبادي! عبادي! هل رضيتم عني، من ذا الذي لا يرضى عن ربه بعد هذا؟ فيقول: أهل الجنة، يا ربنا! ألم تغفر ذنوبنا! ألم تكفر سيئاتنا! ألم تدخلنا الجنة؟! رضينا عنك يا رب، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨] لمن خاف الله في السر، لمن اتقى الله في خلوته، لمن خشي ربه.
فيقول الله جل وعلا: إن لكم عندي وعداً، يقولون: ألم تبيض وجوهنا! ألم تدخلنا الجنة! ويقول الله جل وعلا: إن لكم عندي وعداً أنجزكموه، فيكشف ربنا جل وعلا عن وجهه الكريم، فينظرون إلى وجه الله العظيم، فما أوتوا نعيماً في الجنة ألذ من النظر إلى وجه الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] جميلة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] مشرقة، بهية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٥].
تخشى الهلاك، وتحقق الظن بالعذاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذه الجنة يا عباد الله! لا نتغوط فيها، ولا نتبول فيها، نلهم فيها التسبيح والتهليل كما نتنفس هذا الهواء شهيقاً وزفيراً، وإذا اشتهيت شيئاً من نعيمها، تدنت لك أغصان الجنة: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٣]، تتدنى للمؤمنين: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
كان الناس يسهرون على الأفلام والمسلسلات، وكان أهل الجنة يراوحون الأقدام قيام الليل أُنساً بالله جل وعلا، كان الناس يسهرون في الورق والعبث، وكان أهل الجنة يقلبون كلام الله جل وعلا في كتابه الكريم، ويتدبرون آياته، كان الناس ضاحكين غافلين مسرفين، أما أهل الجنة فكانوا خاشعين خائفين مخبتين: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
стр. 1125
أعد الصحابة العدة ففازوا في النزال
هذه الجنة يا عباد الله! كفى كذباً على أنفسنا نقول: إننا عملنا عملاً مناسباً لكي ننالها؛ لأنه لا يدخل أحدٌ جنة الله إلا برحمته، ولا ينال أحدٌ جنة الله إلا بمغفرة الله، قال ﷺ : (إنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) رسول الله الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أول من ينشق عنه القبر، صاحب المقام المشهود، واللواء المحمود، والحوض المورود، أول من يمسك بحلق أبواب الجنة، فيقول: (من؟ فيقول: محمد، فيقول: لكَ أُمرت أن أفتح أدخل يا محمد).
هذا رسول الله ﷺ يقول: (ولا أنا -لا أدخل الجنة- إلا أن يتغمدني الله برحمته) فيا أيها الأحبة في الله! مع هذا الوصف لجنات الله جل وعلا، والقرآن مليءٌ بذكر وصف الجنة، هل أعددنا لها عملاً؟! من سار أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة.
ويوم أن عرف الصحابة رضوان الله عليهم ثمن هذه الجنة، وعظم ثمنها ومنزلتها وما فيها من النعيم، أعدوا لها عدةً وتحملوا البلاء لوجه الله، ثم لأجل نوالها، والفوز بها، إننا ما عبدنا الله إلا طمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، هكذا عبده الأنبياء قبلنا، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
هذه الجنة يا عباد الله! لأجل ما فيها من رضا الله، ولما فيها من النعيم، تحمل النبي ﷺ ألوان العذاب، والأذى النفسي والعملي، وتحمل الصحابة رضوان الله عليهم كذلك، ولسنا بصدد التفصيل فيما لقيه النبي ﷺ من وضع الشوك في طريقه، ووضع سلى الجزور وخلاص الناقة بعد ولادتها على ظهره، وطرده من مكة هائماً على وجهه! ووقوف أهل الطائف له سماطين يرجمونه بالحجارة! حتى أدميت قدماه.
وتمالأت قريش في دار الندوة ليثبتوه أو يقتلوه ويمكرون ويمكر الله، ثم كذلك ما لقيه الصحابة، فقد جاء خباب بن الأرت، فكشف ظهره للنبي ﷺ ، وفي ظهره من كي الحديد، (يا رسول الله: ألا تستغفر لنا، ألا تدعوا الله لنا) مما يلقون من العذاب، ويصبرون عليه طمعاً في رضا الله وجنته فيقول ﷺ : (لقد كان الرجل فيمن كان قبلكم يؤتى به، فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، وينشر بالمنشار من مفرق رأسه إلى قدمه، ما يصده ذلك عن دينه).
ويجيء الصحابي في المدينة: (يا رسول الله! متى نأمن؟ أحدنا لا يبول إلا وسلاحه على كتفه، ولا ينام إلا وسلاحه تحت وسادته، فيقول ﷺ : إنكم قومٌ تستعجلون، والله ليتمن الله هذا الأمر، وليظهرن الله هذا الدين، حتى يسير الراكب إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه).
أيها الأحبة! أحد الصحابة من رجالات الدولة في عهد عمر بن الخطاب ﵁، بعث مفاوضاً إلى الروم فجيء به وقيل له تنصر واترك دينك، قال: ما أنا بمتنصرٍ ولا بتاركٍ ديني، فقالوا له: نعطيك نصف هذا الملك، واترك دينك، وتنصر؟ فقال: لا، قيل: إن لم تفعل لنعذبنك، فقال: لا، فأمر ذلك الملك بأن تضرم النار العظيمة، وتنصب القدور العظيمة، ويوضع فيها الماء والزيت، حتى إذا صار يغلي، جيء بالصحابي ﵁، ووقف به أمام هذه القدر التي تغلي ليلقى به فيها، فلما رفع ليرمى به بكى ﵁، فأنزلوه وعادوا به إلى الملك، قالوا: هل تترك دينك؟ قال: لا والله، قال: إذاً لماذا بكيت؟ قال: علمتُ أن ميتتي هذه شهادةٌ في سبيل الله أنال بها الجنة، فتمنيتُ أن لي مائة نفسٍ تموت هذه الميتة!! لقد عرفوا الله، وعرفوا نعيمه، فطلبوه، وبذلوا النفس والمال رخيصاً في لقاء ذلك وفي سبيل ذلك.
عباد الله!
يا سلعة الرحمن سوقك كاسدٌ فلقد عرضت بأيسرِ الأثمانِ
هل منكم من يُصَدُّ عن دينه؟! هل منكم من يُعَذَّب على دينه؟! هل منكم من يُفْتَن في دينه؟! عباد الله! جنةٌ عرضها السماوات والأرض، تنالها بأدنى قليلٍ من العمل، وبأكبر كبيرٍ من العمل إذا كان خالصاً لوجه الله ثواباً على ملة رسول الله ﷺ ، ما الذي يردنا أن نتنافس في هذه الجنة؟!
شمسٌ تزف إلى ضرير مقعدٍ يا محنة الحسناء بالعميان
نعيم الجنة يوصف لقلوب غافلةٍ ميتة، أسأل الله أن يوقظ قلوبنا من نومة الغفلات، وأن يرزقنا التوبة الصادقة والاستعداد للقائه، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تستمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1126
هل عملنا لأخرانا كدنيانا ؟
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أحبتي في الله! تعلمون أن الجنة تريد منا عملاً، فما هو العمل الذي قدمناه لها؟! إن واقعنا يشهد بالغفلات والتقصير والتفريط، ولكن الذي يطمع في الجنة، يحرص أن يبذل في هذه الدنيا عملاً خالصاً مباركاً يرجو به رحمة الله وجنته، ويحرص مع هذا أن يبقى العمل مستمراً بعد موته، إن أناساً الآن في قبورهم وفي لحودهم، لكن ملائكة الحسنات لا زالت تكتب حسناتهم! وإن أناساً أمواتاً في لحودهم وفي قبورهم، لكن ملائكة السيئات لا زالت تكتب سيئاتهم! فيا عباد الله! ما دمنا نريد الجنة والعتق من النار، لا بد أن نجتهد في هذه الدنيا، وأن نبقي عملاً ينفعنا ويمضي لنا، ولو بعد موتنا، ولو بعد أن نلقى في لحودنا وقبورنا.
أيها الأحبة في الله! كل موظفٍ في الخدمة المدنية لو قيل له: إن راتبك التقاعدي سيقطع، إن النسبة التي تؤخذ من راتبك من أجل صرف التقاعد لك بعد انتهاء المدة أو تصرف لك عند حدوث ما يعيقك من العمل، أو تصرف لأولادك بعد موتك، لو قيل له هذا الكلام لزمجر وبعث البرقيات يريدُ أن يمضي الراتب ولو بعد إحالته إلى التقاعد ولو بعد أن تصيبه مصيبةٌ قد تعيقه من العمل، أو بعد موته يصرف راتبه تقاعداً لأولاده! نحن أيها الإخوة! ينبغي أنت نكون أشد فطنةً لأمور آخرتنا من أمور دنيانا، نحن نريد حسناتٍ في التقاعد، نريد حسناتٍ وثواباً بعد انتهاء مدة الحياة، نريد مزيداً من الحسنات تكتب لنا ونحنُ في قبورنا، يقول ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقةٍ جارية، أو ولدٍ صالح يدعو له).
فمن منا ورث علماً أو ترك علماً؟! من منا اعتنى بتربية ولدٍ صالحٍ لعل الله أن ينقذه من النار بسبب دعائه؟! يؤتى يوم القيامة بعبدٍ من عباد الله، في منزلةٍ من منازل الجنة، يقول: ربي كيف نلتُ هذا؟! من أين لي هذا؟! يعلمُ أنه ما قدم عملاً كفئاً لهذه الدرجة، فيقال: بفضل دعاء ولدك الصالح لك!! أو صدقةٍ جاريةٍ يا عباد الله! اعلموا أيها الأحبة! أن الذي يموتُ مرابطاً في سبيل الله، يجرى عليه عمله إلى أن تقوم الساعة، إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من هذه الثلاثة، وكذلك المرابط في سبيل الله، من مات في الرباط أجري عليه عمله، وأمن من فتان القبر.
стр. 1127
بشرى إلى الدعاة
أيها الأحبة! بشرى أزفها إلى الدعاة إلى الله، إنهم لمن الذين برحمةٍ من الله وفضلٍ، من الذين تمضي لهم الحسنات والدرجات، وهم في قبورهم بعد موتهم.
ألسنا منذُ سنين طويلة ندرس كتب التوحيد والعقيدة النقية، لإمام الدعوة/ محمد بن عبد الوهاب، نور الله قبره وجمعنا به في الجنة؟ هذا بفضل دعوته وفضل علمه وعقيدته، ألسنا نقرأ في صحيح البخاري ومسلم، وكتب ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وكم نفع الله بها خلقاً كثيراً؟ إن ذلك لمما يوضع في موازين أعمالهم، فأنت يا أخي تقدم على دارٍ ليس فيها إلا الحساب ولا عمل، فاحرص في هذه الدنيا، أن تبذل عملاً تمضي حسناته ولو بعد موتك، ادعُ إلى الله؟ ادعُ إلى سبيل ربك، (من دعا إلى هدى فله أجره، وأجور من عمل به، إلى يوم القيامة) لو سألتُ أحدكم عساك بخير؟ نعم بخير عندي أربع فلل، وعشرة دكاكين، وكذا من الأسهم، فأسأل واحداً من طلاب الآخرة، عساك بخير، هل أعددت لما بعد تقاعدك من هذه الدنيا؟ يقول: نعم، هدى الله على يديَّ عشرةً من الضلالة،، هدى الله على يديّ خمسةً من الفساق، آمن على يدي عشرةٌ من الكفار، أين الذي يقول هذا؟! اعلم أن هذا هو رصيد الآخرة، أن تترك علماً، أو ولداً صالحاً، أو صدقةً جارية، أو تموت مرابطاً، أو أن يهدي الله على يديك عاقاً فينقلب إلى البر، قاطعاً فيعود إلى الصلة، فاسقاً فيهديه الله بفضل دعوتك، فاجراً فيتوب إلى الله بفضل دعوتك، من الذي يتاجر بهذه الدعوة؟! التجارة مع الله رابحة، التجارة مع الله رابحة، لا خطر فيها بالخسارة أبداً، من دعا إلى هدىً فله أجره، أنت دعوت هذا فهداه الله على يدك، كان لا يصلي فأصبح من المصلين، كان زانياً فتاب إلى الله، كان مرابياً فأقلع عن ذلك، ثم حسن التزامه واستقام، ثم هدى الله على يدي هذا الآخر شخصاً آخر غيره، وعلى يدي الثاني ثالثاً، وعلى يدي الثالث رابعاً، ثم تأتي يوم القيامة وفي موازين أعمالك حسناتٌ بعدد أعمال عشرةٍ من عباد الله!! بماذا؟ بفضل الدعوة إلى الله، ادعُ إلى الله، (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم) يا طلبة العلم! يا شباب الإسلام! كثيرٌ منَّا قد آثر الصلاح والاستقامة على نفسه، وليس له دورٌ في إصلاح مجتمعه والدعوة إلى الله، فأين التجارة مع الله بالدعوة إلى دينه؟! أين التجارة مع الله بهداية الناس إلى سبيله؟! أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أولئك.
وفي المقابل يا عباد الله! عبدٌ من عباد الله يموت؛ لعله ترك شراً، نعم.
لقد ترك خمسين ألف شريط من الفيديو، اشتراها الناس من محله، والذين اشتروها دفعوها لغيرهم، فضل أقوامٌ وضل بفعلهم أقوامٌ آخرون، ويوم القيامة يحملون أوزارهم وأوزاراً مع أوزارهم إلى يوم القيامة، ليس هذا من عندنا ومن كيسنا! بل من كلام رسول الله ﷺ ، بقوله: (ومن دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقصُ من أوزارهم شيئاً) فيا خيبة المفرطين! الذين اتجروا بالأفلام والأشرطة والغناء! يا خيبة الذين ورثوا فناً أو أفلاماً، أو مسلسلاتٍ أو ما يسمى بنشاط فني! يأتون يوم القيامة، وأحدهم يجر نفسه، عاجزٌ عن أن يجر ذنوبه معه، فإذ به يحمل عليه أوزار أقوامٍ قد ضلوا بسبب بيعه ونشره للفساد، فنسأل الله أن يوقظ بصائرنا، وأن يهدي بصيرتنا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك، ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا، نبوء لك بنعمتك علينا، ونبوء بذنوبنا فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا ميتاً إلا رحمته، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا.
اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه، على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم قرب لهم من علمت فيه خيراً لهم ولأمتهم، وأبعد عنهم من عملت فيه شراً لهم ولأمتهم، اللهم سدد خطاهم على ما يرضيك، اللهم وفقهم لما تحب وترضى، اللهم اهدهم بهدايتك، اللهم أصلح مضغ قلوبهم، اللهم أصلح جلساءهم، اللهم أصلح بطانتهم بمنك ورحمتك يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين، وفق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت؛ أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم إن بالأرض والعباد والبهائم من الجهد واللأواء ما لا يعلمه إلا أنت، اللهم أنزل علينا بركاتٍ من السماء، وأنبت لنا بركات الأرض تدر لنا به الضرع، وتنبت لنا به الزرع، اللهم أغثنا، اللهم لا تحجبه بذنوبنا، اللهم لا تحجبه بذنوبنا، اللهم لا سبيل لنا إلا ما أنزلت إلا بمنك وكرمك، اللهم نبرأ من آلاتنا وأجهزتنا وحولنا وقوتنا لا نصل إلى هذا الماء إلا بأمرك وقدرتك، اللهم لو شئت لجعلته غوراً: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠].
اللهم ائتنا به، اللهم ائتنا به، اللهم ائتنا به، اللهم اسقنا وأغثنا يا رب العالمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل:٩٠]، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1128
الاستهزاء بالدين
إن التساهل في العبادات والكلام والألفاظ الذي يصل إلى حد الهزل والمزاح الذي لا يليق؛ قد يحدو بصاحبه إلى الاستهزاء بسمات إسلامية، وآيات قرآنية وأحاديث نبوية، فيخرج من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، بسبب ذلك المزاح وتلك السخرية، وفي هذه المادة تتعرفون على حكم الاستهزاء بالدين ومظاهره وعواقبه.
стр. 1129
عاقبة الاستهزاء بالدين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين، وهي وصية الله للناس أجمعين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
عباد الله: إن بعض المسلمين -منَّ الله علينا وعليهم بالهداية والثبات- ليتساهلون في عبارات كلامهم، وما يتلفظون به تساهلاً يصل بالكثير منهم إلى حد الهزل الدائم، والمزاح الذي لا يليق، وقد يحدوهم إلى ذلك حب السخرية، والاستهزاء، وتنقُّص الآخرين، ولو أدى ذلك إلى السخرية بسماتٍ إسلامية، وآياتٍ قرآنية، وأحاديثَ نبوية، ولا شك أن هذا النوع -خاصة- يجر صاحبه إلى الهلاك، ويخرجه من الإسلام، ويجعله في عداد الكافرين، جزاء ما هزل، وسخر به من ذكر الله، أو القرآن، أو الرسول.
قال أحد أئمة الدعوة، وهو الشيخ/ سليمان في شرحه على كتاب التوحيد لجده/ محمد بن عبد الوهاب، قدَّس الله أرواح الجميع في الجنان، قال: إن من هزل بشيء فيه ذكر الله، أو القرآن، أو الرسول فإنه يكفر بذلك؛ لاستخفافه بجناب الربوبية والرسالة، وذلك منافٍ للتوحيد.
ولهذا أجمع العلماء على كفر من فعل شيئاً من ذلك، فمن استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسوله، أو بدينه، كفر ولو كان هازلاً لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعاً.
فانظروا -يا عباد الله- إلى أي مدى يجني المجترئ العابث بالكلام، يُلقيه على عادته، من غير وزن أو تمحيص؛ ليكون بكلمة يلقيها في حال لهوٍ وعبث؛ ليكون بتلك الكلمة من الكافرين، بعد أن كان من المؤمنين، وقد يكون ذلك مصداقاً للحديث الذي جاء في شأن الفتن التي ذكرها رسول الله ﷺ في حديثه قائلاً: (إنها ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل) وليس من شرط هذه الفتن على كل حال، ليس من شرطها أن يكون فيها نيران وحروب على الإطلاق، بل قد يكون منها ما يفتن الإنسان ولو بالكلام والحديث، ويجعله يتجاوز حد المشروع إلى ما يخرجه من الإسلام، وحسبكم بالكفر فتنة: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧] وقد يدعوه إلى ذلك عَرَضٌ من المال، أو متاع الدنيا ليقلد، أو ليسخر، أو ليستهزئ؛ قاصداً جلب الضحك للآخرين، وإن كان لم يرد الاستهزاء قصداً إليه.
فويل ثم ويل لمضحك القوم على سبيلٍ يتعلق بالاستهزاء والهزل فيما هو من ذكر الله، أو كتابه، أو رسوله ﷺ ، ولنتذكر الحديث النبوي الشريف دائماً، والذي فيه: (إن الرجل ليقول الكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً من سخط الله عليه).
стр. 1130
قصة المنافقين في غزوة تبوك
يقول الله جلَّ وعَلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
عن ابن عمر ﵄ قال: (إن رجلاً في غزوة تبوك قال: ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألْسُناً، ولا أجبن عند اللقاء -يعني بذلك: رسول الله ﷺ ، وأصحابَه القُرَّاء- فقال له عوف بن مالك: كذبتَ يا عدو الله! ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف إلى النبي ﷺ ليخبره فوجد القرآن والوحي قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ -جاء ذلك الرجل الذي استهزأ وقال ما قال، جاء إلى نبي الله ﷺ (وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله -أي: بزمام ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: يا رسول الله! ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥]، فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] ما يلتفت إليه، وما يزيد على قوله).
فتأملوا هذا الأثر العظيم، وانظروا إلى عواقب الهزل بآيات الله وذكره ورسوله.
стр. 1131
عظم وفداحة الاستهزاء بجناب الربوبية
أما إذا كان الهزل بشيء يصل إلى جناب الربوبية والذات الإلهية، فيا ويل فاعله من الله! ويا مصيبته وحسرته يوم يلقاه! ومن ذا يتطاول على من لا يليق له إلا الثناء عليه بما هو أهله، وتسبيحه وتنزيهه عما لا يليق به؟! ومن ذا يتجرأ على مولاه الذي من العدم أنشأه، وإلى الإسلام هداه، ومن كل خير سخر له وأطعمه وسقاه، ومن كل سوء ومكروه سلمه وعافاه؟! من ذا يتجرأ على رب غفور رحيم كريم؟! فما أحلم الله على عباده! ما أحلم الله على خلقه! سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك! سبحانك ربنا ما شكرناك حق شكرك! سبحانك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك! سبحانك ربنا لا نعد نعمك، ولا نحصيها! فسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه غفور رحيم.
стр. 1132
الاستهزاء بمظاهر الاستقامة والالتزام
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ الحمد لله له على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشبيه، وعن الندِّ، وعن المثيل، وعن النظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] كل ذلك تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراًَ إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله في كل صغير وكبير، وفي كل قول وفعل، اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
معاشر المسلمين: الزموا جماعة المسلمين، ومن ذلك: أن تشهدوا الصلوات معهم في المساجد جماعة، الزموا جماعة المسلمين، وصلوا الصلوات الخمس في المساجد معهم جماعة.
عباد الله: إن كثيراً من الشباب وغيرهم -هداهم الله، ومنَّ عليهم بالتوبة الصادقة النصوح- ليقعون فيما ذكرناه آنفاً، ليقعون فيه على سبيل السخرية والاستهزاء، وقد لا يرون أنهم وقعوا فيه مباشرة، وإنما وقعوا فيه تسبباً وبما يفضي إليه.
فالبعض مَن إذا رأى مسلماً كريماً متبعاً للسنة، موفراً للحيته، أخذ يستهتر بهذه اللحية، ويشبهها بما تنظَّف به الأرض، أو يشبهه بفلان أو علان، أو يشبهه بما لا يليق به.
ومنهم من إذا رأى شاباً قد اتبع السنة في ثوبه أو في ملابسه أخذ يستهزئ به استهزاءً لا يليق بمسلم ولا يليق بمن قاله.
ومنهم إذا رأى امرأة متحجبة قد سترت وجهها، وغطت يديها بقفازَين، أَخَذَتْ تقول -أَخَذَ أو أَخَذَتْ- تستهزئ بها في كلام لا يليق.
ألا وإن هذا مما يفضي إلى الكفر والشرك عياذاً بالله.
وأولئك الذين يستهزئون باللحى! أيستهزئون بالصانع أم يستهزئون بالصنعة؟! هل يعيبون الخِلْقة أم يعيبون المخلوق؟! نسأل الله جلَّ وعَلا ألا نقع في مثل هذا.
وإنه لينبغي لكل مسلم أن يحذر من الحديث ولو على سبيل المزاح والضحك، بشيء يتطرق إلى السنة، أو إلى كلام الله، أو كلام رسوله، أو إلى ما هو من سلوك شاب مسلم مستقيم.
إننا سمعنا كثيراً من بعض الناس حينما يرون شاباً مستقيماً متديناً بعضهم يسميه: مُطَوِّعاً، وبعضهم يسميه: مُتَشَدِّداً، وبعضهم يسميه: مُعَقَّداً، وإذا كان اتباع الإسلام والتمسك بالسنة تشدُّداً وتعقيداً فلا خير فيمن يقول ذلك، وإذا كان التمسك بالسنة في نظر أولئك العابثين الهازلين شيء من الحَجْر والانغلاق فإن هذا لأمر نتشرف به ما دام ثابتًا من كتاب ربنا، ومن سنة نبينا، وما فقهه السلف الصالح من علماء المسلمين.
معاشر المسلمين: الله َ الله َ معاشر الشباب! الحذر الحذر من الاستهزاء بشيء من الدين! نسأل الله جلَّ وعَلا أن يعافينا وإياكم من ذلك، وألا يوقعنا في ذلك، وإن الإنسان كما سمعتم في الحديث: (لَيَهْوِي بالكلمة لا يُلقِي لها بالاً، تَهْوِي به في النار سبعين خريفاً) نسأل الله جلَّ وعَلا العافية من ذلك.
واعلموا أن عليكم ملائكة: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١١] فلا تتساهلوا بقليل القول أو كثيره، أو صغيره أو كبيره: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
نسأل الله جلَّ وعَلا أن يتجاوز عنا سيئاتنا.
ونسأله جلَّ وعَلا أن يغفر لنا، وأن يهدينا، وأن يمنَّ على جميع المسلمين بالهداية والثبات.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وأبطِل كيد الزنادقة والملحدين.
اللهم من أراد بشباب الإسلام سوءاً، وأراد بولاة أمورهم فتنة، وأراد بعلمائهم مكيدة، وأراد بنسائهم تبرجاً وسفوراً، اللهم فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، يا سميع الدعاء! اللهم افضحه على رءوس الخلائق.
اللهم أذهِب سمعه وبصره وعقله.
اللهم مزِّق شمله.
اللهم فرِّق جمعه.
اللهم لا تبقِ ممن أراد بنا سوءاً أحداً.
اللهم مزِّقهم بدداًَ، وأهلكهم من على الأرض منهم جميعاً، يا رب العالمين! اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هَمَّاًَ إلا فرَّجته، ولا دَيناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره.
اللهم يا فرج المكروبين، يا نصير المستضعفين، يا إله الأولين والآخرين، اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشة أمنا، ومن كل فتنة عصمة، برحمتك يا رحمان يا رحيم، يا قيوم السماوات والأرض! اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وعافهم، واعفُ عنهم، وأكرِم نُزُلهم، ووسِّع مُدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقِّهم من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله آجالنا، واقرن بالعافية غدوَّنا وآصالَنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم إنا خلقٌ من خلقك، وعبيدٌ من عبيدك، فلا تحرمنا فضلك بمعاصينا، ولا تطردنا عن رحمتك بذنوبنا، فمهما عَظُمَت ذنوبُنا فإن رحمتك أكبر، ومهما كثرت معاصينا فإن فضلك أكثر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام! عباد الله: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وزِد وبارك على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه، وسلِّم تسليماً كثيراً.
وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنِّك وكرمك، يا أرحم الراحمين.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم؛ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 1133
الامتحانات المدرسية
الامتحانات الدراسية بوابة لكل الطلاب، يحددون بها مدى تفوقهم على مدى عام دراسي كامل.
وفي هذه الخطبة تناول الشيخ موضوع الامتحانات مركزاً على أهميتها مع ذكر بعض الوصايا المهمة للطلاب والمدرسين والآباء والأمهات.
стр. 1134
وقفات مع الامتحانات الدراسية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل، وعن الند والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على مثل البيضاء؛ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى.
معاشر المؤمنين: في هذه الأيام يستقبل شباب هذه الأمة المباركة بجميع مستوياتهم وتخصصاتهم العلمية والمهنية موسماً يستدعي تحصيلاً مثمراً، ليخوضوا غمار الامتحانات غداً، وكل منا أيها المسلمون ينبغي أن يقف وقفة لا بد منها أمام هذه الامتحانات ليرسم لنفسه خطوطاً عريضة تهديه إلى الهدف من تلك الدراسة، وتبين السبيل إلى النجاح فيها إن كان دارساً أو طالباً، وكل واحد منا -يا عباد الله- لا بد أن يكون مدرساً أو متعلماً أو دارساً متعلماً، أو أباً لأولاد متعلمين أو شخصاً له علاقة بمعلم أو بمتعلم.
فأما بالنسبة للطالب الذي يبذل قصارى جهده في هذه الأيام، فينبغي له أن يعي أموراً عديدة من أهمها: أن يخلص النية لوجه الله جل وعلا في دراسته التي سيتقدم الامتحان فيها، وأن يجعل قصده رضا الله ، وذلك لأنه إذا كان بدراسته مستحضراً أمامه الوعد الجزيل الذي رفع الله به المتعلمين في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، حيث يقول جل وعلا في محكم كتابه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] ويقول الله -أيضاً-: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ويقول ﷺ : (من سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) هذا إذا كان من طلبة العلوم الشرعية التي بها حياة الأرواح والأبدان وصلاح المجتمعات والأمم.
وإن كان من طلبة العلوم الأخرى؛ فعليه أن ينصب أمام عينه حاجة المسلمين إلى علمه هذا، وتعليم ذلك لأبنائهم، وأنه ينبغي للمسلمين ألا يبقوا عالة على غيرهم في تلك المجالات، وأن ذلك الطالب يقوم بأحد فروض الكافية التي يأثم المسلمون بإجماعهم على تركها والتهاون بها، ويرتفع الإثم عنهم إذا قام بها فرد أو طائفة منهم، وإن كنا نلاحظ في هذه الأيام حرص المجتمع وعنايته بهذا الموسم، فالشاب تراه مكباً على الدراسة، والأب لا يألو جهداً في التشجيع والوعود الجزيلة بعد النجاح، والأم لا تدخر وسعاً في توفير اللازم وتأمين الراحة لابنها، وفي إعداد ما يلزمه من مأكل ومشرب وترتيب دقيق لمواعيد النوم والاستيقاظ، فتراها توقظه في الصباح الباكر وقد أعدت له كل ما يحتاج إليه، وقد اعتنت بمواعيد مذاكرته ومراجعته.
ثم الأب يقوم بنقل ابنه إلى المدرسة وإلى مقر الامتحان، وكل هذه جهود مشكورة للآباء والأمهات، ودليل لا شك على صدقهم وعلى عمق المحبة التي يكنونها لأولادهم وبناتهم، ولكن أمام هذا كله نطرح سؤالاً وهو: هل نرى هذه العناية بالأبناء والبنات في جميع مواسم السنة الحافلة بالخيرات والأجور الجزيلة؟ هل نرى هذا الاهتمام بالأبناء والبنات في أمرهم بالصلوات والحض على المحافظة عليها جماعة، ونهيهم عن المحرمات، ومراقبة جلسائهم وخلطائهم؟ وليسأل الطالب نفسه -أيضاً- وليفسر اهتمامه البالغ بالامتحانات دون غيرها من مواسم العبادات.
واعلموا -يا عباد الله- وخاصة أنتم أيها الشباب المندرجون في مراتب الدراسة أو على أبواب التخرج منها، تذكروا أن شهاداتكم التي تحملونها، تذكروا أنها تأهيل علمي ليؤتمن الفرد بها على أمانة الأمة والمجتمع، وليكون كفؤاً قادراً على خدمة أبناء أمته وإخوانه المسلمين، وتذكروا أن الشهادة والوثيقة ليست هي العلم كله بل هي أبواب العلوم ومفاتيح المعارف، فليحرص كل واحد منا على مواصلة الاطلاع وطلب العلم، فلا تكن الشهادات الدراسية هي أكبر همنا أو مبلغ علمنا، فإن كنا كذلك؛ فقد خبنا وخسرنا.
أنت أيها الشاب المجتهد في دراستك: إن نويت بها دفع الجهل بها عن نفسك، وجلب نور العلم إليها، وخدمة أمتك، ونفع إخوانك المسلمين بما علمك الله، ووفقك له من علم حصلت عليه من دراستك؛ فأنت بهذا ممن أحسنوا النية والعمل، فيبارك الله لك فيما عملت وفي علمك، ويبارك لك في علمك بعد عملك، ويقنعك الله بما رزقك، وتنال بذلك خيري الدنيا والآخرة.
وأما إن كانت الشهادة والوظيفة وما ينجم عنها من مكافئة أو جائزة هي غاية الهم والدراسة، فأنت بذلك ضيعت على نفسك أجر النية العظيمة طيلة حياتك الدراسية، ولن تؤتى إلا ما قسم الله لك من الرزق، فبالنية تنقلب العادات والتكاليف إلى عبادات، وبالنية الصالحة تكتب دراستك في موازين أعمالك وترجو بها أجراً عند الله، وبصرف النية إلى قصد الدنيا وابتغاء حطامها لا تنال إلا التعب والحسرة، وإن واصلت الدراسة، فلن يأتيك إلا ما قُسم لك، ولا تدري هل يبارك لك فيه أم لا، وهل تقتنع بما رزقته أم لا.
فعلينا -معاشر المؤمنين- وعليكم معاشر الشباب أن تحسنوا القصد والنية في جميع الأحوال، أحسنوا القصد في الدراسة تنالوا بذلك خيراً عظيماً، ولو قلبتم النظر -أيها الإخوة في الله- في أصناف الدارسين لوجدتم القاصدين بذلك وجه الله، والذين يقصدون نفع الأمة وتعليم الجهلة، والدعوة إلى الله، تجدونهم مستقيمين في حياتهم، جادين فيها، غير معتمدين على أحد سوى الله.
أما أولئك الذين يطمحون إلى المكافأة والجائزة وحدها، أو المكانة المرموقة والشهرة الاجتماعية، فتجدونهم لا يبالون باستخدام أي وسيلة تؤدي بهم إلى ما يريدونه من نيل الوثيقة والشهادة، وترى بعضهم يفعل الأعاجيب في سلوك سبل الغش والتزوير في الامتحانات، وقد نسي أنه بهذا يخدع نفسه وأمته في المستقبل وهو لا يدري، وقد يعرض نفسه للحرمان من الدراسة عقوبة له على سلوك ذلك السبيل المنحرف.
أسأل الله جل وعلا أن يوفق شبابنا، وأن يفتح على بصائر قلوبهم، وأن يعلمهم ما جهلوا، وأن يذكرهم ما نسوا، وألا يخيب جهدهم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1135
عاقبة سوء التربية
الحمد لله منشئ السحاب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، وخالق خلقه من تراب، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، عليه توكلت وإليه مآب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله على جماعة المسلمين، ومن شذ شذ في النار.
معاشر المؤمنين: كلنا يعلم فضل العلم وطلبه، وقصد الله فيه، وأهمية العمل به وتعليمه للناس، والصبر على الأذى فيه، وعلمنا -أيضاً- عقوبة الذين يريدون بذلك أغراض الدنيا وشهواتها الخسيسة، وهم غافلون عن العمل به وتعليمه لمن يجهله، إذ أن من علم علماً ثم خالفه، فهو متوعد عليه بأشد العذاب عياذاً بالله من ذلك.
إذا علمنا ذلك كله؛ فعلينا أن نحسن تربية الأبناء، وأن نعلمهم الهدف والقصد والغاية من تعليمهم، أما أن نقول للواحد منهم: غداً تصبح مديراً تملك بناية فخمة، أو سيارة كبيرة، وكذا وكذا ونعلق آمالهم على الشهوات الفانية والحطام الزائل، فذلك ظلم لهم في تربيتهم، وجهل منا إن نحن دعوناهم للعلم والدراسة لأجل ذلك.
معاشر المؤمنين: إن الأبناء إن شبوا على ذلك لم يبالوا بما ارتكبوا في سبيل نيل الشهادة والحصول على الوظيفة بأي أسلوب كان، بغش أو رشوة أو تزوير أو خيانة؛ لأن المربي علق هذه الآمال العريضة في قلب الابن وعقله، ونحن لا نستغرب يوماً أن نسمع عن شاب يبتعث للغرب ليتعلم علوماً نادرة ينفع بها الأمة، لا يلبث أن يطلب الجنسية الغربية، وينسى أمته خلف ظهره؛ لأن المال والجاه والثروة قد حصلت له، فلا داعي لأن يجهد نفسه أكثر من ذلك.
ومما يؤسف له أن كثيراً من شباب العالم الإسلامي ممن يفضلون بعض الخبرات في دول الغرب في شتى مجالات الطب والهندسة، والفيزياء والذرة والأسلحة النووية وغيرها؛ نلاحظ أن كثيراً منهم في بلاد الغرب، أليست أمة الإسلام هي أولى بأبنائها وفلذات أكبادها؟ نعم، هي أولى ولكن لا يجنى من الشوك العنب، فمن أنشأ الطفل ورباه في مراحل تعليمه على نيل الحطام الفاني، والحطام الزائل من الدنيا ومراتبها؛ فإنه لا يعجب من هذه النهاية السيئة.
وأنتم أيها الآباء والأمهات يوم أن تربوا جيلاً متعلماً، يقصد بعلمه وجه الله ونفع الأمة وسد حاجتها عن وجوه الكفرة وغيرهم، إنما تغرسون في نفوسهم العزة والكرامة، فلا يلينون لأي دعوة تستهويهم بالمال والجاه والمنصب لأجل الاستفادة من خبراتهم بعيداً عن بلادهم وأمتهم، وبئست الرعية رعية لا تتعلم إلا لمصالحها الخاصة من وراء الوظائف التي تعمل بها، ولكن لو انخفضت مرتبات أمة من الأمم أو احتاجت في يوم من الأيام؛ فهل سيتراجع أبناؤها عن القيام بمصالح الأمة والبلاد؟ نعوذ بالله من ذلك.
وإننا لنعجب كل العجب يوم أن نقرأ عن سيرة مشايخ الدعوة وعلمائها في مختلف أنحاء هذه المملكة الطيبة، كان الواحد منهم يعلم العامة، ويجلس للقضاء، ويقضي حاجات المعوزين من دون أن يأخذ أجراً ولا جزاءً ولا شكوراً سوى ما عند الله جل وعلا، وأنعم بذلك من جزاء.
стр. 1136
وصايا متعلقة بالامتحانات
مما ينبغي أن ننتبه له في هذا الموسم المؤدي إلى الامتحانات والمذاكرة هو أن نبعد فكرة الغش في الامتحانات عن أذهان الأبناء؛ لأن ذلك ارتكاب لمحرم، والغش بجميع أنواعه ممنوع في الإسلام، فإذا كان ممنوعاً في المعاملات فمن باب أولى أن يمنع في العلوم عامة، وعلوم الشريعة واللغة خاصة.
أسأل الله أن يلهمنا وأبناءنا وبناتنا التوفيق إلى العلم النافع، والسداد في الإجابات في الامتحانات.
اعلموا أيها المربون المدرسون! أن عليكم مسئولية عظيمة في طمأنة قلوب الطلبة حال الامتحانات وقبلها، ولا تجعلوا الامتحانات شبحاً يخيف الطلاب، بل اجعلوه أسهل شيء عندهم بكل ما تملكونه من الوسائل التربوية الناجحة.
على المدرس أن يساعد الطالب في أداء الامتحان بتوضيح المطلوب من الأسئلة لا أن يطرحها مبهمة، لا يعرف الطالب كيف يبدأ مفتاح الإجابة، والكل منا كثيراً ما يرى طالباً مندهشاً أو مرتبكاً أمام الأسئلة التي تعرض عليه، وقد يكون طالباً مجداً مجتهداً، فعلى المدرس أن يتلطف في مثل حال هذا الطالب، وأن يفتح له أبواب المطلوب من الأسئلة المطروحة، إذ إنه قد يكون حائراً لا يدري من أين يبدأ الإجابة على الرغم من مواظبته وجده واجتهاده، وأظن أن هذا من صلاحيات المدرسين ولا يعتبر من الغش في شيء.
على المدرس أن يبقى باسماً لطيف الوجه أمام الطالب، لا أن يبدو عبوساً مكشراً أمام عينيه، إذ إن ذلك مما يسبب شرود المعلومات عن ذهنه.
وأنت أخي الطالب استعن بالله جل وعلا واحرص على دخول الامتحان نظيفاً متوضئاً، وقبل أن تبدأ الإجابة لا تنس ذكر الله وحمده والثناء عليه، ثم صل على نبيك محمد ﷺ ، واسأل ربك بدعوة نبيه موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٧] واستحضر الدعاء المعروف (يا معلم داود علمني، ويا مفهم سليمان فهمني) ثم توكل على الله، وابدأ الإجابة على الأسئلة واحداً تلو الآخر، ولا تنظر إلى جميع الأسئلة في آن واحد فترتبك أو تختلط المعلومات في ذاكرتك، بل ابدأها وكأن كل سؤال هو المطلوب وحده في الامتحان، إلا أن تكون أسئلة اختيارية، فابدأ بحل الأسهل منها متروياً ومرتباً إجابتك، وموضحاً خطك، ولا تعجل بالخروج من مكان الامتحان، وقد بقي عليك شيء لم تكمله لعدم معرفتك به، فلعل الله أن يفتح على قلبك بذكره: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤] فلعلك أن تتذكر ما نسيته أو تستنبط ما جهلته.
وفق الله شباب المسلمين وبناتهم لما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
عباد الله: هذه امتحانات يقدمها الأبناء أمام لجان بشرية، ومع هذا نرى الجهود الجبارة والمساعدة الهائلة منا لهم، وما ذاك إلا لمحبتنا لأبنائنا وبناتنا، فهل نقف معهم هذا الموقف، وهل نكون عوناً لنقي أنفسنا وإياهم ناراً وقودها الناس والحجارة؟ هل نقف معهم مذكرين لهم بموقفهم أمام الله جل وعلا يوم لا تخفى عليه خافية، ولا يستطيعون غشاً ولا خداعاً، ولا يملكون فرصة أو دوراً آخر؟ هل نذكرهم بهذا الموقف الأول والأخير الذي لا فرصة بعده تعوض، ولا أمل بعده في شيء إلا في الجنة برحمة الله أو النار عياذاً بالله من ذلك.
إذا كنا نحبهم حقاً؛ فلنحرص على تربيتهم ودعوتهم بالمعروف، وتشجيعهم في كل ما ينفعهم كي نذكرهم بالامتحان الأكبر يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
معاشر الشباب: أوصيكم ونفسي بكثرة الاستذكار والاستفادة من وقت الصباح بعد صلاة الفجر وفي آخر الليل؛ فإنه وقت مشهود لحفظ الأمور والمعلومات؛ ولأنها تبقى في الذاكرة ولا يكدرها شيء، واعلموا أن النوم وعاء الحفظ، فإن الإنسان إذا استذكر شيئاً ودرسه واطلعه، فإنه ينبغي عليه ألا يكدر صفو مذاكرته بمشاهدة تلفاز أو عبث أو انشغال بقصة أو قراءة لا علاقة لها بهذا الأمر؛ لأن الذاكرة تخزن آخر ما يلقى فيها، وتكون أشد استعداداً لبذله وقت طلبه حينما يستدعي الإنسان ذلك بالكتابة، فينبغي لنا -خاصة- إذا كان الكثير من شبابنا يذاكرون في الليل ألا يسهروا سهراً طويلاً، إنما يقرءون بقدر ما يستطيعون من كفايتهم، ثم بعد ذلك يتوجهون إلى فراشهم، ولا يجعلون بعد مذاكرتهم شيئاً من مشاهدة التلفاز أو العبث بشيء من الألعاب والملهيات.
أسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، أسأل الله أن يوفقهم وألا يخيب تعبهم، وأن يذكرهم ما نسوا، وأن يعلمهم ما ينفعهم، اللهم انفع بهم أمتهم، اللهم انفع بهم أمتهم، اللهم اجعلهم أبناء بررة لأمتهم ولعلمائهم وولاة أمورهم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بهؤلاء الشباب وبهؤلاء الفتيات ومن أراد بالجميع سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمامنا، وأصلح إمامنا، ووفق إمامنا، وارزقه بطانة صالحة، واجمع شمله بمن أحببته وأحبه، ولا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً.
اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا حيران إلا دللته، ولا ميتاً إلا رحمته.
اللهم اختم بالشهادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى الجنة مصيرنا ومآلنا.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لنا ولموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1137
الانتفاضة الفلسطينية
في هذه الخطبة يتحدث الشيخ عن أحقاد اليهود الدفينة، وعن المجازر التي ارتكبوها، وحذر المسلمين من خطر الذنوب والمعاصي وعواقبها؛ إذ أنها سبب لما نحن فيه، فهي أخطر علينا من عدونا، ونادى أبناء الأمة الإسلامية بسرعة الأوبة إلى الله.
стр. 1138
اليهود وحقدهم الدفين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين: كلكم يعلم عداوة اليهود للبشرية، بل هم أعداء الأنبياء والرسل، بل هم الذين تطاولوا على جناب الربوبية الكريم الأعلى، فقالوا -ولعنوا بما قالوا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]، وقالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام فتعب، فاستراح في اليوم السابع، وقال الله جل وعلا وقوله أبلغ وأصدق: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٨ - ٣٩].
ولا يخفاكم -عباد الله- أن طائفة خسيسة ملعونة تطاولت على جناب الربوبية، فلا قدر لأي جناب دون ذلك عندها، إذ لا قدر للأنبياء والرسل عندهم، فمن بابٍ أولى ألا يكون عندهم أدنى قدرٍ لبني البشرية أو لبني الإنسانية، لقد قتلوا الأنبياء والرسل: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:١٨١] قتلوا أنبياء الله ورسله، وعاثوا في الأرض فساداً ودماراً، ومنذ زمن طويل وهم يسعون في الأرض تخريباً، وعلى عباد الله تسلطاً وتشريداً.
وما ذاك -يا عباد الله- إلا مؤشر ودليل واضح على أن أمة الإسلام فقدت الجهاد من ميادينها، إذ لو رفعت راية التوحيد خفاقة يرفعها التكبير على أيدي شباب صادقين مخلصين، لما بقي لليهود قائمة في أي دولة أو بلاد من بلدان المسلمين، وكلكم يعلم مأساة الأمة الإسلامية ومصيبتها التي فجعت بها بقرار اليهود في قبلة المسلمين الأولى بيت المقدس الذي لا يشرع أن يشد الرحل بشيء إلا إليه وإلى المسجد الحرام والمسجد النبوي.
لقد تسلطوا على إخواننا المسلمين في فلسطين، وعاثوا في هذا البيت المقدس تخريباً وتدميرا، لعلهم يجدون ما يسمونه هيكل سليمان، ويجتهد علماء الآثار عندهم في أي مستوطنة يدخلونها، أن يحفروا أعمق الأمتار في أرضها، لعلهم يجدون آثاراً تدل على وجود حضارة يهودية، ليحتجوا بذلك على قولهم: إن الأرض أرض اليهود من قبل، وليست للمسلمين، لكن خابوا وخسروا، وباءوا بالفشل المبين في فعلهم هذا.
стр. 1139
البيت المقدس يشتكي اليهود
عباد الله: إن هذا البيت المقدس الذي هو أول قبلة للمسلمين، ليشكو ويئن بمن فيه ومن حوله من إخوانكم من أهل فلسطين، من تسلط اليهود على أطفالهم، واعتدائهم على نسائهم، وقلة احترام شيخوخة شيوخهم وكبارهم، فلم يرحموا صغيراً ولم يوقروا كبيراً، أليس ذلك دليل على أن أمة الإسلام لا زالت تغط في سبات عميق؟ جاءت إلى القائد المظفر الصالح صلاح الدين الأيوبي رسالة من بيتين فيها:
يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس
كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس
إن بيت المقدس -يا عباد الله- يدنس بهؤلاء الفجرة، الذين ما رعوا حرمات الله وما قدسوها، وما عرفوا قدرها، وما رعوها حق رعايتها، ولن يعرفوا لمثل هذه المقدسات قدراً ولا رعاية ولا حرمة ما داموا تطاولوا على جناب الربوبية، وعلى الأنبياء والرسل، فمن باب أولى ألا يكون لعباد الله عندهم قدر ولا كرامة.
عباد الله: الانتفاضة التي تسمعون عنها في بيت المقدس وأرض فلسطين، وقد دخلت شهرها الرابع، انتفاضة نرجو من الله جل وعلا أن يسدد خطاها، وأن يصوب رصاصها في نحور اليهود، ونسأل الله جل وعلا أن يعين أهلها والقائمين عليها ليعلنوا ويرفعوا فيها علم الجهاد، وأن يقولوا بملء أفواههم: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وأن يعلنوها صريحةً أثناء انتفاضتهم ألا بقاء للشراذمة الرجس النجس في أرضهم، وألا حاكمية ولا سلطان ولا قيادة إلا لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
عند ذلك -يا عباد الله- والله لن يقف اليهود أمامهم بما أوتوا من قنابل نووية، ومدافع قاتلة، وأسلحة فتاكة، لن يقفوا أمامهم لحظات قليلة، لماذا؟ لعقيدتنا وقناعتنا وعلمنا بما جاءنا في كتاب الله ، حيث يقول في كتابه الكريم عن اليهود: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤].
стр. 1140
اليهود تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى
معاشر المسلمين: تظنون أن دولة إسرائيل مجتمعة بقادتها وأحزابها، كلا والله، بل قول الله واقع فيهم: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] فـ حزب العمال على ضيق ومضايقة لهم، وحزب الائتلاف نزاع السلطة قائمٌ بينهم، ومصالحهم واقتصادهم في أمور قريبة إلى حد التدني والانهيار، لشدة ما ينفقونه ويصرفونه على التسلح والسلاح والدفاع، خشية من مواجهة طائفة قليلة لهم في عشية أو ضحاها بصيحات التكبير.
معاشر المسلمين: إن اليهود أمة جبن وخوف وخور وضعف، ولا يضركم أن ما لديهم من الأسلحة متقدم أو متطور، ولا يغركم ما تسنده بهم قوى الضلالة وأمم الكفر مهما كبرت وعظم سلطانها في هذا الوجود، إذ إن الله جل وعلا فوق الجميع، إذ إن الله جل وعلا الذي جعل النار محرقة، وجعل السلاح قاتلاً، وركب هذه القوانين في هذه الأمور التي خلقها وأوجدها قادر على أن يجعل النيران برداً وسلاماً، على أمة صادقة تقاتل اليهود لوجه الله، لا تبتغي إلا إعلاء كلمة الله، وسيادة حكم الله، أو الشهادة في سبيل الله.
إن الله جل وعلا هو الذي خلق هذا الحديد، وأنزل فيه هذا البأس الشديد، فهو قادر على أن يجعل هذه العادة، وعلى أن يجعل هذه السنة تتخلف في حالة من الحالات كرامة لعباد الله الصادقين المجاهدين.
стр. 1141
الخوف ليس من الأعداء بل من ذنوبنا
إذاً -يا عباد الله- ليس الخوف من اليهود والأعداء، أو ممن يسند الأعداء، مهما عظم سلطانه، وكبر رقعة سلطته على المعمورة، بقدر الخوف من ذنوبنا ومعاصينا، إن عمر بن الخطاب ﵁ يوم أن أرسل أحد القواد أميراً على جيش من الجيوش، قال: [اتق الله فيهم، ولا يرون منك إلا حسناً صالحاً، فإني لا أخشى على الجيش من عدوه، وإنما أخشى عليه من ذنوبه].
نعم يا عباد الله! إن الله جل وعلا هو الذي يمكن عباده، وهو الذي ييسر لهم النصر، ويقرب لهم بشائر الكرامة، لكن لمن نصر الله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وهيهات أن تتخلف العزة إذا وُجد إيمان صادق، وجهاد مخلص لله، وابتغاء الكرامة لدين الله، أو الشهادة في سبيل الله.
стр. 1142
إخواننا في فلسطين وحالهم أمام اليهود
عباد الله: لقد تسلطت هذه الأمة الملعونة على إخواننا في فلسطين، فدفنوا مجموعة من الشباب أحياء، قادوهم إلى مكان وأخذت الرافعة تحفر قبورهم أمامهم، حتى إذا تغوروا في عمق الأرض كتفوا أيديهم إلى ظهورهم وأرجلهم مربوطة، الساق مربوط بالساق، ثم قذفوا بالواحد تلو الآخر، ثم أهالوا التراب عليه وهو حي، يصيح بملء فيه: وا إسلاماه! وا إسلاماه! وا إسلاماه! ولكن المسلمين في غفلة، وفي دعة، وفي لهو، وفي بعد عن التفكر والتذكر لما يفعل ويدبر بإخوانهم المسلمين.
يا راكعين وراء البحر في دعةٍ لهم بأوطانهم عزٌ وسلطان
أعندكم نبأٌ عن أمر إخوتنا فقد سرى بحديث القوم ركبان
لقد سرى بهذا الحديث ركبان الإذاعات، لقد سرى بهذا الحديث جميع وكالات النشر، ولكن:
رب وا معتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
إن صيحات الدعاء بالإغاثة، وطلب النجدة لترتفع مدوية إلى السماء، لكنها ما خالطت قلوباً حية وملتهبة، ومشاعر وأحاسيس تهتم بشئون المسلمين، لقد سمعنا ورأينا بأعيننا في الشاشات وعبر التلفاز ماذا يفعل بهؤلاء الضعفاء، كيف تجر المرأة وتسحب سحب الشاة على وجهها، أيكرمونها إذا سحبوها؟ حاشا وكلا، بل والله أول ما يبدءون بكرامتها وعصمتها، فيهتكون حياءها، ويتجرءون عليها.
وأما إذاعة أورشليم القدس الذي يظهر صوتها أحياناً، فإنك تسمع منها عجباً عجاباً، تسمع كذباً وبهتاناً وزوراً، يدعون أنهم يعاملون هذه الانتفاضة معاملة الشباب الذي يحتاج إلى رقة وعناية بمشاعره المتهورة في مراحل المراهقة، وخابوا وخسروا مادام ذلك قولهم في الله وفي رسل الله، وهذا فعلهم رأيناه بأعيننا في عباد الله وإخواننا المسلمين، فكيف يصدق لهم شأن؟! والعجب العجاب يا عباد الله! أن ترى قائدة الإلحاد في هذه المعمورة، دولة الشيوعية العظمى تشجب أو تندد بما يفعله اليهود بالعزل في فلسطين، أفلا ينظرون ما فعلوا بالعزل في أفغانستان؟ أفلا نظروا إلى ما فعلوه بالأطفال والنساء والأرامل والشيوخ؟ أفلا ينظرون إلى ما أحدثوه من التقتيل والتخريب والتدمير؟ عجباً يا عباد الله! إن المسلمين في فتنة، وفي محنة، نسأل الله أن يرفع عنهم الكرب وأن يرفع عنهم المصيبة.
إن هذه الأمة الخسيسة الملعونة التي لعنت على لسان الأنبياء والرسل ما فتئت تفعل الأعاجيب تعذيباً وتشويهاً وتقتيلاً بإخوانكم في أرض فلسطين، وما هو هذا والله جزاء جنس المعاملة، لقد دخل الملك المظفر والقائد الناصر إلى أرض المقدس، فظن اليهود أنه سيحصد رقابهم، وأنه سيقتلهم، فأمَّن من كان على مكانه، ومن أراد الخروج خرج، فأنشد شاعر الموقف قوله:
حكمنا فكان العدل منا سجيةً فلما حكمتم سال بالدم أبطح
ولا عجب ذاك التفاوت بيننا فكل إناء بالذي فيه ينضح
إن أمة الكفر والضلالة، إن أعداء الربوبية والألوهية، إن أعداء الأنبياء والرسل، وأعداء الإنسانية والبشرية لم يوقروا ولم يرحموا، ولقد نضحوا بما تحمله قلوبهم حقداً وزوراً، وأي حقد أعظم يوم أن دخلوا بيت المقدس، فقال ذلك الأعور موشي ديان: "محمد مات وخلف بنات" وقالوا بلهجتهم: "حطوا المشمش على التفاح دين محمد ولى وراح".
وقائدهم لما تعمق في أرض الجولان، ووصل إلى مكان أو هضبة فيها قبر صلاح الدين من جهة الأراضي الشامية، وقف على القبر وركله بقدمه ركلة وثانية وثالثة، وقال: قم يا صلاح الدين ها نحن قد عدنا، وقالوا لما دخلوا: يا لثارات خيبر! فهل تسمع الانتفاضة هذه العقيدة الخبيثة الشرسة الوحشية التي يتعلقون ويتمسكون بها، لكي نتمسك بعقيدتنا، ونقاتلهم بعقيدتنا، ونحرر أرضنا وليست أرضهم، ونطردهم من أرضنا بعقيدتنا وسلاح التوحيد والوحدانية والعبودية؟ هذا ما نرجوه، وهذا ما نوجهه، وتوجهه كل جهة إسلامية صادقة، وكل فرد مسلم مخلص، وكل دولة إسلامية ناصحة، توجهه لأصحاب هذه الانتفاضة والقائمين عليها، بأن يعلنوا الجهاد، وأن يعلنوا كلمة التوحيد.
أن يرفعوا راية الإيمان في هذه الانتفاضة، وأن يسموها جهاداً لا هوادة فيه، لا يوضع السيف منه حتى النصر، أو أن يهلك آخر رضيع على ثدي أمه في هذه المعركة الحاسمة، وما يدريكم أنها هي المعركة الحاسمة، فقد جاء عن النبي ﷺ في آخر الزمان- وهل نحن إلا في آخر الزمان-: (في آخر الزمان تقاتلون اليهود فينصركم الله عليهم، حتى لا يبقى شجر ولا حجر، إلا يقول: يا مسلم! ورائي يهودي تعال فاقتله).
كيف ينطق الحجر والشجر؟ لا يكون ذلك إلا لأمة جديرة بأن تخرق لها العادة، وأن تتنزل عليها المعجزة، وأن يكرمها الله بكرامته، كرامة الإيمان والعبودية والتمسك بكتاب الله وسنة نبيه، وتذكروا أولاً وأخيراً قول النبي ﷺ : (نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
فإن أمة التوحيد أمة الإسلام الصادقة منصورة بالرعب، والله لو كبرت آلاف من أصحاب هذه الانتفاضة وشبابها ورجالها تكبيرة، واجتمعوا على قلب واحد، لسقط سلاح اليهود من أيديهم خوفاً ورعباً.
نسأل الله جل وعلا أن يرفع المحنة عن إخواننا في فلسطين، وأن يرحم المستضعفين، وأن ينصر المجاهدين، وأن يثبتهم أجمعين، وأن يجمعهم على الحق المبين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1143
فاعتبروا يا أولي الأبصار
الحمد لله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والند وعن المثيل والنظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأصلي وأسلم على نبينا محمد البشير النذير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأصلي على نبيه وآله وأزواجه وصحبه، وأسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعظوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: إنه ما من أمة من الأمم غزيت في عقر دارها، إلا ذلت وخسرت إلا ما شاء الله وسلم.
معاشر الإخوة: اعلموا أنه ينبغي لكل مسلم أن يتفطن لواقعه، وأن ينتبه له انتباهاً جيداً، ما يبلغ الأعداء من غافل ما يبلغ الغافل من نفسه ما تسلط عدو على دار إلا لأنه وجد نافذة مفتوحة، أو بوابة مهملة، وما تسلطت أمة على أمة إلا لأنها علمت في داخلها أبواباً من الفساد الإداري أو الاقتصادي، وألواناً من الخيانة، وصوراً من الفرقة والاختلاف وعدم الوحدة.
فالله الله يا عباد الله! خذوا العبرة ممن حولكم: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] اجمعوا قلوبكم على المحبة والولاء لكتاب الله وسنة رسوله، ولأئمتكم وعلمائكم ولعامة المسلمين.
عباد الله: خذوا العبرة ممن حولكم، وليصلح كل واحد منا نفسه، وليتق الله فيما ولاه الله من عمله، الله الله لا يؤتين الإسلام من قبل واحد منا، إن كل واحد منا على ثغرة من ثغور هذه الأمة، وثغرة من ثغور هذه البلاد، وثغرة من ثغور هذه الشريعة، البقية الباقية في أمم العالم التي تحكم شريعة الله.
معاشر المؤمنين: كل واحد منكم على ثغرة في ميدان عمله، وفي جنديته وقيادته، وفي عمله الإداري والتعليمي والوظيفي والميداني والمهني والتقني وغيره، كل واحد منا على ثغرة، فإذا رأى العدو -وأعداؤنا كثير، وحسادنا لا يحصون- إذا رأوا في أمتنا تمسكاً وائتلافاً واجتماعاً على قلوب صادقة مخلصة لله ولكتابه ولسنة نبيه، فإنهم يهابون الأمة.
واعلموا أن مؤشر ضعف الأمم وعزها وانتصارها هم شبابها، فإذا عُلم وعُرف الشباب في أمة من الأمم قد اشتغلوا بما ينفعهم، والتفتوا للأمانة التي علقت في أعناقهم أمانة أمتهم، ممثلة في أعمالهم ووظائفهم، وأمن حدودهم، وأمن بلدانهم وأوطانهم ومجتمعاتهم، إذا حفظوها وقاموا بها، وأشغلوا أوقاتهم وأيامهم بما ينفعهم ويعود بالنفع على سائر إخوانهم.
فهذه أمة مهابة لا يجرؤ الأعداء على الدنو منها، أما إذا وجدوا شباباً لا همَّ لهم سوى التصفيق والتطبيل والتزمير، إذا وجدوا شباباً لا يعرف إلا الأفلام والمسلسلات، إذا وجدوا رجالاً لا يعرفون إلا التجارة بالملاهي، إذا وجدوا أناساً لا يهم كل واحد منهم إلا مصلحته المادية الشخصية، أياً كان ذلك العمل، الذي يدر المال عليه، فيه نفع أو ليس فيه نفع، فيه ضرر على الأمة والمجتمع أو ليس فيه ضرر، فعند ذلك مؤشر واقع الشباب في الأمة يكون نذير خطر بأنها مهددة بغزو من داخلها أولاً، ومن خارجها ثانياً، فالعزة والبقاء والدوام لله، ما دامت أمة وما بقيت أمة من الأمم عالية الراية، خفاقة الكرامة، لها سيادة دامت إلا بقدر تمسكها بكتاب الله وسنة نبيه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] والضنك في المعيشة: اختلاف في الداخل، وفقر في الأمور، وقلق وزعزعة في الأمن، وتسلط الأعداء من الخارج.
فيا عباد الله: لا تحققوا بأفعالكم أو بذنوبكم سنة الله فيكم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] فالذين نسوا كتاب الله، ونسوا الصلاة، ونسوا فريضة الله، ونسوا الصلاة مع الجماعة، وتعاملوا بالربا، وأقروا المنكرات، ولم يغيروا ولم ينكروا ولو بقلوبهم، أو بحسب ما بأيديهم من القدرة والإمكانية لعلى خطر عظيم: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
أسأل الله جل وعلا أن يديم الأمن والأمان والعز والاطمئنان على هذه البلاد خاصة وعلى سائر بلاد المسلمين عامة، اللهم ارفعنا ولا ترفع علينا، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم اجمع شملنا، ووحد على محبتك قلوبنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على أعدائنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا غائباً إلا رددته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أسيراً لنا ولإخواننا إلا فككته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته.
стр. 1144
هكذا تغزى بلاد المسلمين
عباد الله: قبل أن أختم الحديث: اليوم تعود بي الذاكرة إلى قصة ذكرتها بعض كتب التاريخ، قالوا: إن بلداً من البلدان المتاخمة لحدود الفرنجة من جهة الأندلس وأفريقيا، إن بلدة من هذه البلدان أراد أحد ملوك النصارى أن يغزوها، فأرسل قائداً من قواده ليتفقد الأحوال فيها، وهل بالإمكان الميسور أن تغزى، فأرسل قائده، فلما عبر النهر إليها، وأرست سفينته على شاطئها، جاء فوجد شاباً يبكي، قال: ما يبكيك يا فتى؟ قال: إني أبكي لأني أتيت بالسهم والقوس والوتر، فانقطع الوتر وأنا أريد أن أتعلم به الرمي والرماية، قال: لماذا يا فتى؟ قال: لكي نذهب لقتال الفرنجة، ولكي نطرد النصارى عن بلاد المسلمين.
فعاد ذلك القائد راكباً سفينته، وعاد إلى الملك الذي أرسله قائلاً: والله لا تستطيع قتالهم إذا كان هذا وضع واحد من صغارهم، فارجع إلى مكانك، واجمع جنودك واحفظ ما عندك، فلما مضت السنون، عاد ذلك الملك وأرسل قائده أن اذهب وانظر أحوالهم، هل نستطيع أن نغزوهم، فلما عبر النهر ودخل قليلاً في البلاد، وجد شاباً مراهقاً يافعاً يبكي، قال له: ما يبكيك يا فتى؟ قال: أبكي على خاتم أهدته لي حبيبتي فضاع مني، وإني أبحث عنه، خشيت أن يضيع مني أو أن تراني وليس علي.
فعاد القائد إلى الملك الذي أرسله، قال: الآن تغزوهم، الآن تقتلهم، الآن تستبيح نساءهم وتقتل رجالهم.
عباد الله: هذه القصة شاهدٌ على أن شباب الأمة هم الذين يحددون قوتها، وهم الذين يحددون رفعتها؟ يا شباب المسلمين عامة ويا شباب المملكة خاصة! إن الأمل فيكم كبير أكبر مما أنتم فيه، وإن الآمال المعقودة عليكم عظيمة، أعظم من الأمور التي اشتغلتم بها، فاشتغلوا بأمر يرفع أمتكم، ويجعل الأمن يستتب في بلدانكم، ويديم هذا العز والتمكين لكم ولولاة أمركم.
يا شباب أهل هذه البلاد: احمدوا الله على نعمة ليست لأحدٍ فيها سواكم، المياه وصلت إلى الأبواب والدور، والتيارات متيسرة؛ تيار الكهرباء وغيره، وقديماً كان الآباء والأجداد لا يعرفون إلا الظلمة والفتيل الذي يضيء قليلاً، لا يعرفون إلا آباراً بعيدة يحملون المياه على أكتافهم، لا يعرفون إلا احتطاباً، لا يعرفون إلا القليل القليل من الذين يتعلم منهم، تعليمكم مجاناً، وعلاجكم مجاناً، وكل أمر تيسر لكم، ماذا بقي إلا أن تقوموا برد الوفاء، وأن تقوموا بحسن الصنيع ورد الجميل.
أولاً: بالالتزام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومعرفة حاجة الأمة منكم، لا بارك الله في عُمرٍ يحيا ويموت صاحبه ثم لا يخلف أثراً نافعاً في هذا المجتمع، هذا كلٌّ على أمته، وكلٌّ على بلاده.
فالله الله يا شباب الأمة: يا شباب التعليم! يا رجال الجامعات! يا من تولى أمر هذه الأمة في أكبر أمر وأصغر أمر فيها! اتقوا الله واعلموا قدر الأمانة التي ألقيت على عواتقكم.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1145
البوسنة والهرسك
مآسي المسلمين كثيرة، وجروح الأمة دامية، في الشيشان، وكشمير، وفلسطين، وكذلك في البوسنة والهرسك والفلبين، وهنا الحديث عن البوسنة والهرسك ومآسي إخواننا هناك، ثم دعوة للمسلمين بأن يحثوا الخطى إلى الجهاد في تلك البلاد.
стр. 1146
النصر قادم للإسلام
الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن ربكم جل وعلا قد أمركم وأمر من قبلكم بها، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، ويقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين: في هذا اليوم أبعث برسالةٍ إلى المتلهفين أن يكونوا طلائع الفتح الإسلامي في أوروبا، أبعث برسالةٍ إلى أولئك الذين يسألون الله أن تدفن عظامهم في وسط أوروبا وهم يغرسون علم التوحيد، وما ذلك على الله بعزيز، إلى أولئك الذين يستبشرون ببشارة النبي ﷺ لهم حيث قال: (لتفتحن القسطنطينية وروما، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش، فسُئل النبي ﷺ : أي المدينتين تفتح أولاً؟ فقال: مدينة هرقل) أي: القسطنطينية، وصدقت بشارة النبي ﷺ ففتحت الأولى وبقيت روما القابعة في وسط أوروبا، وإنا لنرى هذه الأيام بذور فتح الإسلام من جديد، وسقوط دولة النصارى وكتلتهم يوم أن بلغوا غاية مرادهم، في اقتصادهم وسلاحهم وسياستهم: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤].
إلى الشباب الذين يقفون على ثغور البوسنة، وإلى الشباب الذين يعدون العدة للرحيل، أبعث لهم بهذه الرسالة من كلام الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ * فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١ - ١٣].
معاشر المؤمنين: كل هذه الآيات من بشائر النصر، وبشائر الغلبة والعزة والتمكين؛ لأن الله قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١]، وقال سبحانه: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، وقال: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥]، وقال: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورُ﴾ [التوبة:٤٨] فكل كيدٍ وتخطيطٍ وتدبيرٍ ضد المسلمين إنما نهايته وعاقبته وخيره بأمر الله للمسلمين، وشؤمه ودماره على الكافرين.
والله إن أوروبا اليوم لفي حيرةٍ لا تعلمونها، لا تدري أي الأمرين أنفع لها: أن تترك الصرب يمضون على المسلمين في البوسنة، وهذا يفضي إلى تدفق شباب الإسلام إلى أوروبا من السماء ومن تحت الأرض، ومن كل جهة، وعبر ذرات الهواء وموجات الأثير، سيصل الشباب المسلم لا محالة مهما قامت أجهزة الغرب وأجهزة الكشف والمراقبة برصد الحدود وتضييق المداخل، ولا يدرون هل ترك هذا الأمر أو إيقافه هو في صالحهم أو ضدهم؟
стр. 1147
حال المسلمين في البوسنة والهرسك
أيها الأحبة: سألني أحد الإخوة: هل ستخطب هذه الجمعة عن الدش واستقبال أجهزة البث؟ فقلت له: اليوم لا.
لكني سأتحدث عما رأيت وسمعت وما تردد على لسان ضحايا العدوان، ووقود المعركة، الأمر الذي لا ينقله دش، ولا تخبرك به صحيفة أو مجلة.
نازلةٌ وصلت إلى المؤتمرين في زغرب عاصمة كرواتيا، وكنت واحداً من المشاركين في هذا المؤتمر، لا بحولي ولا بطولي، ولكن:
خلت الديار فساد غير مسودِ ومن الشقاء تفردِ تفردي بالسؤددِ
стр. 1148
حال النساء والأطفال في البوسنة
جاءت ورقة من أحد من المعتقلات التي تقبع فيها مئات المسلمات البوسنيات، وفي هذه الورقة استفتاءٌ يقول: يا علماء الإسلام! يا دعاة الإسلام! نحن عددٌ من المسلمات البوسنيات نقبع منذ أشهر في هذا المعتقل الذي يقف الصرب على رءوسنا، ونحن الآن حبالى من الزنا، ويتحرك الجنين في أحشائنا من الزنا، فأفتونا مأجورين، هل ننتحر أم نجهض الجنين، أم ماذا نفعل؟ الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! أيهنأ للمسلمين طعام؟ أيلذ لهم شراب؟ أيطيب لهم سكن؟ وأخواتهم يغتصبن صباح مساء، وقبل أن أفيض في هذا الأمر أعود بالذاكرة إلى الوراء لنفهم قول القائل:
حكمنا فكان العدل منا سجيةً فلما حكمتم سال بالدم أبطح
ولا عجبٌ ذاك التفاوت بيننا فكل إناءٍ بالذي فيه ينضح
أعود بالذاكرة إلى الوراء يوم أن بعث الأسبان النصارى في عهد طارق بن زياد بعثوا إليه رسالة يدعونه أن يفتح بلادهم وأن يخضعها للإسلام، لماذا؟ يوم أن اغتصب الملك لذريق وحاشيته من ملوك النصارى اغتصبوا فتاةً نصرانية أسبانية جميلة، اغتصبوها ولم يسلم ذلك الرجل والدها من بطش الملك وأعوانه، فصاح وصاح من معه المنتظرون تعليق الجرس صاحوا يقولون ويهتفون ويستغيثون: يا طارق بن زياد! خَلِّصْنا مما نحن فيه، فجاء طارق بن زياد ومضى بجيشه إليهم، وفي الطريق لم يجد الناس ماءً واحتاجوا إلى الماء فقام طارق واستسقى وفصل الصغار عن الكبار، والرجال عن النساء، ثم قام يدعو ويستغفر ويخضع وينكسر لله رب العالمين، فقال أحد المصلين: هلا ذكرت أمير المؤمنين، فقال طارق: هذا مقامٌ لا يذكر فيه إلا الله، فانفتحت أبواب السماء بمطرٍ كأفواه القرب، ومضى بجيشه وخَلَّص شعب الأسبان من طغيان النصارى.
أيها الأحبة: يوجد خمس وثلاثون ألف سيدة وفتاة في معتقلات النصارى، في معتقلات الصرب الأرثوذكس، هؤلاء فقط من الذين خُصصن لتسلية الجنود الصرب، خمسة وثلاثون ألفاً في جميع المعتقلات خصصن لتسلية الجنود الصرب، فأين حقوق المرأة؟ وأين جمعيات النساء؟ وأين جمعيات حرية المرأة وكرامة المرأة؟ في معتقل كولي القريب من سراييفو فتحت الأبواب لمائة وأربعين امرأة في الأشهر الأخيرة من الحمل سفاحاً بالزنا من الصرب؛ لأنهن لم يعدن صالحات لمتعة الجنود.
وفي معتقل أمارتكو وتشرلنوبين يجمع الصرب العائلة ويغتصبون الفتاة أمام أهلها، ولا تسأل عن أعمار الصبايا من الحادية عشرة إلى الثلاثين، كل من كان في هذا السن وحوله لا يسلم من الاغتصاب.
أيها الأحبة: أما الأطفال الذين شردوا والذين هجروا وبيعوا وحيل بين المسلمين وبين بعضهم، قطع الطريق على بعض المسلمين أن يراهم مندوب التنسيق للمنظمات الإسلامية الأوروبية يقول: في ألمانيا ذهبنا إلى أحد الملاجئ التي فيها أطفال المسلمين فأردنا الدخول فمُنعنا، ثم أردنا الدخول فمنعنا، وقد علمنا أن قسيساً بالأمس دخل على هؤلاء الأطفال وأخذ يغني لهم عن المسيح والمخَلصْ.
стр. 1149
خطورة تهجير أطفال المسلمين من البوسنة
أيها الأحبة: إن خطورة تهجير أطفال المسلمين إلى خارج البوسنة أو بعيداً عنها ليتربوا في أي أرضٍ أوروبية تحت عناية ورعاية النصارى إنما هو أمرٌ خطير ويكفي أن تعلموا خطورة هذا، إن واحداً من حكام القارة الخضراء، إن واحداً من حكام أفريقيا كان طفلاً صغيراً منحدراً من أسرةٍ مسلمة غاية ما هنالك أنه ذُهب به إلى فرنسا، وتربى هناك صغيراً وعاد إلى بلاده حاكماً نصرانياً يذيق المسلمين ألوان القتل والعذاب.
القضية خطيرة، وتشجيع المسلمين على الهجرة ليس من باب كرامة الإنسان، ولا من باب الرعاية الإنسانية، بل هو من باب إخلاء الساحة وتصفية المنطقة، والقضية -أيها الأحبة- زوال الملة، يقول الغرب: لا نريد الإسلاميين من جديد، ولا نريد الإسلام من جديد، ولا نريد الأصولية من جديد، وعجباً لأولئك ماذا رأوا من المسلمين إلا العدل، وماذا نقول غير التسامح، وماذا أنتج وجود المسلمين هناك، وفتحهم البلاد إلا خلاص الغرب من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الأديان إلى سعة الإسلام، ومن جور المذاهب إلى عدل الحنيفية.
أيها الأحبة: في أوروبا خمسة عشر مليون مسلم، وهذا العدد الكبير لو نفخنا فيه روح العزة وأعدنا إليه روح الجهاد ومددنا له سبل الدعم لتحول هؤلاء إلى قوةٍ تنكس أعلام الغرب، وتجعل كل ما يملك تحت قدرات المسلمين؛ لأننا بهذا ندعو أقواماً يريدون الموت لمواجهة أناسٍ يشتهون الحياة، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة:٩٦] الغرب يموت في حب الدنيا، يتفانون في حب الدنيا، وأما نحن فنخاطب أقواماً نريد أن نبعث فيهم العزة، عزة الجهاد من جديد؛ لأن ترك الجهاد ذلة، وما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا، وقال ﷺ : (إذا رضيتم بالزرع، وتبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر؛ سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) يعني: الجهاد في سبيل الله، فترك الجهاد ذلة، والأخذ بالجهاد عزة، ويوم أن نقول هذا الكلام لا تظنوا أنَّا ننتظر غداً أو بعد أسبوع أن ينفجر الوضع في أوروبا عامة، لكن هذه بذرة وعندكم بذور، وعند غيركم شتلات وفسائل عديدة لكي تورق شجرة الجهاد في قلب أوروبا، ووعد النبي حق، ولتفتحن روما بإذن الله.
نسأل الله أن يقر أعيننا وأن تكتحل بقتل اليهود في فلسطين، وعودة المسجد الأقصى إلى المسلمين، وسقوط روما وما حولها وكل بلاد الغرب تحت سلطان المسلمين.
стр. 1150
هيئة الأمم المتحدة حراس للصرب في البوسنة
أيها الأحبة: كنا نظن وقد انخدع بعضنا يوم أن عقد ذلك المؤتمر في لندن وظن الناس أن وصية العدالة وأن محامية الحرية وولية الكرامة الإنسانية أوروبا الغربية سوف تنصف المظلوم من الظالم، والمقتول من القاتل، والمغصوبة من الغاصب، ظننا أننا سنجد في مؤتمر لندن نتيجةً تحقق للمسلمين، ولكن رأينا وسمعنا وقرأنا شواهد القوم من أهلها، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف:٢٦].
في جريدة فرانكفورت صحفيٌ ألمانيٌ مشهور يقول: إذا رأيتم أن هناك تهديداً بفرض مزيدٍ من العقوبات، فاعلموا أن الغرب لم يلجأ للقوة لإنهاء الأزمة في البوسنة والهرسك، ثم يقول: غاية ما في هذا المؤتمر أنه صفعة للمسلمين، وانتصارٌ وتثبيتٌ لمواقف الصرب؛ لأن قوات الأمم المتحدة التي جاءت إلى مواقع القتال التي استولى عليها الصربيون أعطت الصرب أماناً ألا يضربوا وقوات الأمم المتحدة بجوارهم، هذا أولاً.
ثانياً: إن تلك البقاع التي عسكرت فيها قوات الأمم المتحدة جعلت منهم حراساً لها، الأمر الذي يجعل الصرب يستفيد من كافة الأسلحة الموجودة في تلك المناطق، ومن ثم التقدم بها إلى مناطق جديدة لا يوجد بها قواتٌ للأمم المتحدة.
بالعربي الفصيح: أصبحت الأمم المتحدة حارسةً للصرب، أصبحت الأمم المتحدة وجودها يعني: ألا يضرب الصرب إذ لو أخطأت رصاصة فوقعت في رأس أحد قوات الأمم المتحدة قال الناس: المسلمون يضربون الأمم المتحدة، ونقل الأسلحة من تلك البقاع يجعل المواقع آمنة؛ لأنه لا يمكن للمسلمين الآن أن يغزوا منطقةً يتمركز فيها قوات الأمم المتحدة ليستردوها إلى بلادهم، وليس هذا بغريب، فمكيال هذه القضية هو مكيال فلسطين بالأمس، وقديماً بل وحديثاً قال المسلمون هناك: ليس عندنا ما يحرص الغرب على الدفاع عنه.
أيها الأحبة: كلما تسمعون من تطورات وكلمات وشجب وتنديد، وإخراج هذه العقوبات التافهة واحدةً بعد الأخرى إنما هو من استهلاكٍ محلي، ولقد انزعج الصربيون يوم أن حرم فريق بلجراد الرياضي من المشاركة في الأولمبيات، هذه واحدة من الأساليب التي يقاطع بها العدوان، ألَّا يسمح لفريق المعتدي أن يلعب المباراة مع بقية الفرق، هكذا ترد الحقوق، هكذا تعاد الأراضي؟! هكذا ينتصف للمظلومين؟! إنا لله وإنا إليه راجعون!
стр. 1151
الجهاد هو الحل في البوسنة وفي كل بلاد محتلة
أيها الأحبة: الواقع يشهد أن عودة البوسنة والهرسك يحتاج إلى جهاد في سبيل الله، وأقول من قبل والآن ويقول البعض: وهل المسلمون هناك على مستوى الالتزام حتى يذهب أبناؤنا إليهم؟ أقول: اعلم -يا أخي- أن الدعوة إلى الجهاد هناك هي دعوةٌ إلى جهاد الدفاع، الجهاد نوعان: جهاد الطلب والابتداء، وجهاد الدفاع ورد العدوان، فالجهاد الذي نتكلم عنه هو جهاد رد العدوان، لقد علمنا من علمائنا وهيئة كبار العلماء فينا أن القتال ضد العراقيين المعتدين الغاشمين ومعاونة الكويتيين على استرجاع بلادهم وأراضيهم هو نوعٌ من الجهاد لدفع الظالم وعودة حق المظلوم إلى نصابه، فبمنطلق هذه الفتوى نقول: إن الدفاع عن المسلمين في البوسنة هو بنفس الفتيا وبنفس القول والمنطلق ولا غرابة في ذلك، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ [النساء:٧٥].
أيها الأحبة: إن هذا النوع من الجهاد هو تمهيدٌ لجهاد الطلب والابتداء، وإن الجهاد هناك ينبغي أن تعلموا أن أقل ما فيه نصرة أقوامٍ كان بوسعهم أن يعلقوا الصليب، وأن يتبعوا القسس وأن يرضوا بما أراده النصارى، ومن ثم لن يجرح فيهم جلد، ولن تنحدر من عيونهم دمعة، ولن يظمئوا يوماً، أو يجوعوا ساعة، لكنهم قالوا: نحن نختار الإسلام، نريد الإسلام ولو اغتصبت نساؤنا، ولو انتهكت أعراضنا، ولو قطعت رقابنا، ولو ذبحت رقابنا ذبح الشياة، نريد الإسلام، فهل بعد هذا يقول قائل: إنهم ليسوا ملتزمين فلا يجوز الجهاد أو القتال معهم؟
стр. 1152
خطر النظام العالمي الجديد
أيها الأحبة: اسمحوا لي أن أقول: إن بركات النظام العالمي الجديد التي طبل لها الصحفيون، وتكلم عنها العلمانيون، وأخذوا يعدون المظلومين بجنان العدالة وبفردوس الرفاهية، أولئك إن كان لهم عقلٌ وبصر فليعرفوا ما هو النظام العالمي الجديد، تجويع الصومال، وذبح وتشريد البوسنة، واستقلال جمهوريات الاتحاد السوفيتي النصرانية أما الجمهوريات الإسلامية فيعود أركان الحزب الشيوعي في روسيا قبل تفككها يعودون حكاماً للولايات الإسلامية، يستقل القوم، فيفرح النصارى باستقلالهم، ويحكمون بلادهم بطريقتهم، أما المسلمون فيستقلون ليعود على رأس النظام وهرمه، ليعود عليهم شيوعيٌ من جديد، بل بعض الولايات الإسلامية ترأسها من كان يظن أو يراهن على أنه خليفة لـ جورباتشوف، ماذا استفاد المسلمون؟ هذا هو النظام العالمي الجديد.
والنظام العالمي الجديد يسمح للنصارى أن يهددوا المسلمين في منجناو، اثنا عشر مليون فلبيني مهددون، والآن تحشد الحشود على المسلمين في الجنوب، والنظام العالمي الجديد يسمح لأقلية النصارى في جورجيا أن تحكم أربعمائة ألف مسلم تحت زعامة إدوارد شيفرنادزا، هذا هو النظام العالمي، وشكراً يا هيئة الأمم، شكراً يا هيئة الأمم على ما قدمت للمسلمين.
لقد منحتنا هيئة الأمم أن ندفن قتلانا، وأن نداوي جرحانا، وأن نأوي المشردين منا، شكراً وألف شكر، هذه حرية الغرب، وهذه حرية النظام العالمي الجديد، الناس أحرار إلا أن يعبدوا الله، الناس أحرار إلا أن يلتزموا بدين الله، الناس أحرار إلا أن يتبعوا سنة رسول الله ﷺ .
أيها الأحبة: قضايا المسلمين فرصةٌ للدعاية، وفرصةٌ للمزايدة، وفرصةٌ لتجييش العواطف وإثارة العداوات واستثمار كثيرٍ من الأموال، وهذا ما نراه وما يحمله الغيب.
أمرٌ عجيب أيها القادم ماذا تحملُ أيد بنَّاءة أم معول
ليعلم الغرب أن ديننا لا يدعونا إلى العدوان، وقد قلنا وقيلت هذه الكلمة في مؤتمر زغرب، مؤتمر حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك، قلنا: بأننا نعلم أن جواسيس الغرب ومخابراته كانت ترصد ذلك المؤتمر الذي لا نعد الخلاص في ذاته، وإنما نعد الخلاص والفرج -بإذن الله- مما ينجم عنه وهو دعوة المسلمين إلى الجهاد لتحرير هذه البقعة، وذهاب الشباب الذين بعثوا روح الحيوية والقوة ورفع المعنوية في الأفغان أن يرفعوها للقادة البوسنويين على أرض البوسنة والهرسك.
стр. 1153
العدل والرفق هو منهج الإسلام
يقول الله جل وعلا: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩] ديننا لا يأمرنا أن نعتدي على أحد، ديننا ينهانا أن نمد يداً على أي أحد، بل قد حُكم ليهوديٍ على علي بن أبي طالب ﵁، درع علي بن أبي طالب أخذها يهودي فادعاها علي عند رسول الله ﷺ فقال له: (هل لك من بينة -يا علي - أن هذا الدرع لك؟ قال: إنها درعي ولا بينة لي، قال: إذاً لك يمين هذا اليهودي، قال: يا رسول الله! يحلف اليهودي؟ قال: ليس لك إلا يمينه، فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) بالعدل دخلت هذه الشعوب المظلومة إلى الإسلام أفواجاً وزرافات ووحداناً، فلا يظن البعض أن نعتدي، لا والله.
كان أبو بكر ﵁ يرافق القائد بعد أن يعقد له اللواء في السرية، فيقول: [امضوا على بركة الله، امضوا باسم الله، ستجدون أقواماً منقطعين للعبادة في الصوامع، فدعوهم وما انقطعوا إليه، ولا تقتلوا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأةً ولا هرماً أو شيخاً كبيراً، وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم] قتال المقاتلة، قتال المعتدين فقط، أما من لا دخل له في ذلك فلا يعتدى عليه، ولا يؤذى، ولا يجرح، ولا يعذب، بل ويعرض عليه الدين بالرفق لينال كرامة الإنسان.
أيها الأحبة: لا تجزعوا مما يحل ويدور بإخوانكم، أقول: لقد هُزِمَ المسلمون في مواقع عدة، وانتصروا في مواقع أكثر، ولكن هل انتهى الإسلام بهزيمة المسلمين في أحد؟ هل انتهى الإسلام بهزيمة المسلمين في معارك أخرى؟ لا.
بل عادوا مرةً أخرى وسيعود الإسلام وقوة المسلمين من جديد.
أيها الأحبة: لا تظنوا أن الساحة قد خلت، والله رأينا شباباً تدفقوا إلى هناك وكلٌ منهم يسأل ربه الشهادة، بل وبعضهم يتناقلون صور الشهداء من إخوانهم، كلٌ يدعو له، ويتمنى أن يكون مصيره مصيره.
أيها الأحبة: هؤلاء الشباب هم قنبلة انشطارية إذا وجدت على أرض البوسنة ستفجر المعنويات، وهؤلاء الشباب هم الذين قالوا للبوسنيين: لا تتركوا البوسنة، لا تغادروا منها، اجعلوا بيوتكم قبوركم، واجعلوا مساجدكم أخاديدكم، وليكن ما يكن، إن من خرج من فلسطين صعب عليه العودة إليها، فلا تكرروا المشوار والمأساة من جديد، ولكني أقول: رسالة إلى علمائنا وعلماء الإسلام عامة أن حثوا الشباب على الجهاد هناك، وقولوا لهم كما قيل من قبل: إن مجاهدة البعث العراقي الغاشم وطرده من أرض الكويت نوع جهادٍ في سبيل الله، نقول: يا أحفاد الشباب! إلى مثل هذه الفتيا، لكي يشاركوا البوسنيين في طرد الصربيين من أراضيهم، ولكي تعود بلادهم كما كانت.
أيها الأحبة في الله: المأساة أكبر مما نصف، وأضخم مما نتكلم، ولكن إذا أراد الله شيئاً فإنما يقول له كن فيكون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1154
جهود المسلمين تجاه إخوانهم في البوسنة والهرسك
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة.
أيها الأحبة: أبشروا وأملوا فلا يزال المسلمون بخير، لا يزال المسلمون بخير، إن معنويات إخوانكم في البوسنة والهرسك هي والله في تصاعد، وفي كل يومٍ يمر تسجل الأرقام أعداداً في قتلى الصرب أكبر من ذي قبل، وصدق الله العظيم: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] ولا زال في المسلمين بقية خير، فتضافروا مع شعوب العالم الإسلامي، رأينا من جاء من فلسطين ومن مصر ومن ماليزيا وإندونيسيا والكويت والإمارات، وجهود السعودية غير خافية في هذه القضية، وغيرهم وغيرهم، بل من إرتيريا، ومن السودان، ومن مواقع شتى ليشاركوا ويقدموا ويبينوا حجم معوناتهم للبوسنيين في قتال الصرب النصارى، وآخذ مثالاً على أن شعوب المسلمين لا تزال بخير: سيدةٌ مصرية لما سمعت ما حل بإخوانها في البوسنة حضرت إلى مقر هيئة الإغاثة الإنسانية المصرية، جاءت بعربة للمعوقين، كرسيٌ أشبه ما يكون بالعربة، أو على هيئة العربة، وقدمت هذه العربة وقالت: لا أملك شيئاً سوى هذا الكرسي، وهو كرسي ابنتي المقعدة المشلولة، خذوا هذا الكرسي لعله يغيث امرأة بسنوية مسلمة، وأنا أحمل ابنتي على يدي.
الله أكبر! لا تزال في المسلمين بقايا الخير، والخير في أمتي إلى يوم القيامة، شكراً لأولئك الضعفاء، شكراً لأولئك الفقراء، شكراً لأولئك المساكين الذين لا يجدون إلا جهدهم، والويل لمن يسخر منهم، وشكراً لأولئك الذين إذا جئت: ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]، شكراً لأولئك على مشاعرهم، وعلى دموعهم، ويكفينا دعواتهم، إن عجزوا أن يقدموا شيئاً، والحاجة إلى الدعاء ماسة، إننا نريد منكم -يا عباد الله- أن تَسْتَعْدوا على الصرب دعاء السحر وسهام القدر، وكل أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره، ادعوا واطلبوا من العجائز في القرى وفي الريف وفي المناطق، اذهبوا إليهم وقولوا للواحدة: يا أمَة! اسألي الله أن ينصر المسلمين.
واحدٌ من المسلمين الأفاضل الطيبين قابلته منذ يومين، قال: والله ما أجد شيئاً أقدمه غير أني لما ختمت القرآن وكان من الحفاظ يقول: رفعت يدي وقلت: يا الله! إن كان لي في هذه الختمة دعوةٌ مستجابة اللهم اجعلها فرجاً للمظلومين وانتقاماً من الظالمين في البوسنة والهرسك، هذه والله تعدل الملايين، فالله الله بالدعاء يا عباد الله.
стр. 1155
كلمة للأثرياء وأصحاب الأموال
هذه كلمة للأثرياء، إلى أثرياء المسلمين، إنهم يستطيعون -بعون الله، ثم بحسن نيتهم- أن يغيروا معالم السياسة الأوروبية خاصة والمواقف الغربية عامة، لو وجدت أموالهم طريقاً إلى موقعها الطبيعي، إنها مصيبة أن تجد مسلماً أمواله في بنك منهاتن أو أمواله في البنك الألماني، أو أمواله في جنيف، من أمواله تبنى البارات، ودور الخنا والزنا، ودور العهر والفساد، من أمواله تُستثمر أو تَستثمر مصانع الأسلحة الذي يذبح بها المسلمون، ولو أنه عرف مكان ماله المناسب لعرف أن الطريق لماله الطريق الطبيعي لماله أن يذهب لكي ينفجر الريال قنبلة في رأس كل كافر من أعداء الإسلام، هذا هو الطريق الطبيعي لأرباب الأموال، ولكن ماذا نفعت كثيرٌ منهم أموالهم، مات كثير من الأثرياء، فدفن كالجيفة، وجاء الدود ليقول له: ليس لك حقٌ في كفنك، خلي بيننا وبينه نقرضه ونقزمه ونأكله، وترك الأموال خلفه، وتشاتم الورثة بعده، وربما لعنوه وسبوه؛ لأنه لم يحسن الاستثمار، أو لم يغتنم الفرص التي مرت، الأموال وبالٌ على أصحابها.
أصحاب المليارات أصحاب الملايين أقول لهم: زوروا المقابر، انظروا قبور الملوك، هل عند قبر الملك حارس؟ وانظروا قبور الأثرياء، هل عند قبر الثري شيء؟ وانظروا قبور الوزراء، هل عند قبره موظف؟ وانظروا قبور الأمراء، هل عند قبره خادم؟ لن ينفعك إلا ما قدمت (يقول ابن آدم: مالي مالي مالي، وليس لك يا بن آدم من مالك إلا ما لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فليس بمالك) أقول للأثرياء: تسلطوا على الأموال، أحرقوها في سبيل الله، أطلقوها في السلاح، أطلقوها في القنابل، أطلقوها في المتفجرات.
أتعلمون أيها الأحبة: أن القرن الأفريقي لو تسلطت عليه أموال المحسنين المسلمين لحولت المسلمين إلى قوةٍ عسكرية تطرد جميع القوى الغاشمة، ويحكم بكتاب الله وبسنة رسوله في القرن الأفريقي، وكذلك أوروبا، كل من قابلنا من البوسنيين ومن العرب ومن غيرهم يقولون: نريد سلاحاً، نريد سلاحاً، تمر الدبابة وليس في حوزة الجندي إلا كلاشنكوف، كيف يواجهها؟ يريد سلاحاً وقنبلة وصواريخ، مع أن الصرب الذي يستخدم الجيش الاتحادي عنده الطائرات والدبابات والراجمات والمدافع الثقيلة، وإخوانكم ليس عندهم إلا الكلاشنكوف.
وأبشركم أنهم غنموا غنائم طيبة وقتلوا قتلاً جيداً في رقاب الصرب، ولكن بحاجةٍ إلى السلاح؛ لأن حجم المعركة أكبر مما نتصور.
أيها الأحبة: إننا نريد أن نريق دماءنا باختيارنا، نريد أن نصب دماءنا بإرادتنا، في الزمان والمكان الذي نريده، لا أن نجر كما تجر الشياه من الحظيرة فتذبح في المكان الذي يختاره الجزار، طالما أن الدم مراق، وأن الروح تزهق، وأن النفس متصاعد، نريد نحن أن نختار مكان الموت، وساعة الموت، وطريقة الموت، والقضية التي من أجلها نموت.
ختاماً: أيها الأحبة: قضية البوسنة بحاجةٍ إلى دعايةٍ إعلامية، بحاجة إلى إعلام، أن تتابعوا ذلك، وإني أدعو الشباب المسلم وخاصةً من يجد في نفسه كفاءةً صحفية أن ينسق مع الإخوة هناك في كرواتيا، وفي البوسنة؛ لكي تنشأ مجلةٌ على غرار مجلة المجاهد والجهاد والبنيان المرصوص، تنشأ مجلة اسمها طلائع الفتح في أوروبا، أو بأي اسم آخر المهم أن توجد مجلةٌ أسبوعية أو نصف شهرية، ومن ثم يكون للمسلمين في كل مدينة مكتب متخصص لأخبار وقضايا البوسنة والهرسك، ومن خلاله يكفل الأيتام، وتقدم الكفارات، وإفطار الصائم، وإطعام المساكين.
ثم بعد ذلك -أيها الأحبة- سيأتي فصل الشتاء والبرد القادم، لقد زرنا مخيمات البوسنيين، فوجدناهم يسكنون في ورشٍ قديمة مهجورة، ماذا تفعل هذه الورش إذا بلغت درجة الحرارة خمسة عشر تحت الصفر، وعشرين تحت الصفر؟ ماذا ستفعل هذه المظلات؟ أو أماكن قديمة، والناس بأمس الحاجة إلى معونة الشتاء القادمة، وأحوج منهم الذين هم في براجدة وسراييفو وبعض المناطق التي تشهد شتاءً قارساً قد ظهرت بدايته من الآن.
فيا أيها الأحبة: لا تنسوا إخوانكم، ادعموهم وأعطوهم وابذلوا لهم واسألوا الله أن ينصرهم بنصره، وإنَّا لعلى أملٍ من الله عظيم أن تتحقق سنته في نصرة الإسلام وذلة الظلمة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين.
اللهم آمنا في دورنا، اللهم آمنا في دورنا، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم لا تفرح علينا ولا على بلادنا أو علمائنا أو حكامنا حاسداً، ولا تشمت بنا عدواً، اللهم اجمع شملنا على ما يرضيك، اللهم إنا نرى في عبادك صوراً من الفرقة والشتات أورثت جوعاً وفقراً وتشريداً ومرضاً وقتلى، اللهم فجنبنا ذلك كله، وارحمنا برحمتك، وسخر لنا ملائكة السماء وجنود الأرضين بقدرتك.
اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصرهم، اللهم أطعمهم، اللهم اكسهم، اللهم اسقهم، اللهم اجعل شتاتهم دولة، وضعفهم قوة، وتفرقهم اجتماعاً، اللهم أعزهم، اللهم أنزل الرعب في قلوب أعدائهم، اللهم سدد رصاصهم، اللهم عليك بالصربيين، ربنا أهلكهم، واجعلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً، واجعلهم عبرةً لمن بعدهم وحولهم ومن وراءهم يا رب العالمين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا.
اللهم صلِّ على محمدٍ وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم اشف مرضانا، اللهم اشف أمراضنا، اللهم داوِ أسقامنا، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفتيه، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1156
التبرج والسفور
إن تدني الأمة في مستواها العلمي والإيماني، وتركها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له آثار عديدة، ومن أكثر هذه الآثار خروج نساء المسلمين إلى الأسواق والشوارع متبرجات سافرات، فعلى الأمة واجب كبير تجاه هذا المنكر العظيم الذي قد تفشى وانتشر بتأثير أعداء الله فيه، ومن هذا الواجب إقامة الندوات والمحاضرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة الفردية والجماعية وغير ذلك.
стр. 1157
ظاهرة انتشار التبرج والسفور
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه ومن استن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اعلموا أن الله ما خلقكم ليستكثر بكم من قلة، أو ليستعز بكم من ضعف، وإنما خلقكم لعبادته فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
معاشر المؤمنين: لا شك أننا نعيش نعمة عظيمة لا يحيطها وصف، ولا يدركها بيان، نعمة في أبداننا، وأمناً في أوطاناً ومزيداً في أرزاقنا وذرياتنا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨].
ومن المؤسف حقاً -يا عباد الله- أن نجني على أنفسنا بالسعي الحثيث لزوال تلك النعمة وذلك بما تكسبه الجوارح من الآثام والمعاصي والمنكرات، التي هي أول معول يقوض أطنابها، ويعجل بزوالها، إنا لله وإنا إليه راجعون! معاشر الأحبة: لاشك أن الطاعات برحمة الله أسباب النعم وأن المعاصي جوالب النقم:
وإن كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم
وإياك والظلم مهما استطعت فظلم العباد شديد الوخم
وسافر بقلبك بين الورى لتبصر آثار من قد ظلم
فتلك مساكنهم بعدهم شهود عليهم ولا تتهم
وما كان شيء عليهم أضر من الظلم وهو الذي قد قصم
فكم تركوا من جنان ومن قصور وأخرى عليها أطن
صلوا بالجحيم وفاتوا النعيم وكان الذي نالهم كالحلم
عباد الله: المعاصي التي نرتكبها ونراها ونبصرها كثيرة جداً، ولكن ستر الله وعفوه ورحمته تهون أمرها على كثير من الناس، ومع عفو الله وستره فلا يعني ألا نمعن النظر أو نقلب البصر في لون من ألوان المعاصي الذي يقع فيها بعض المسلمين بإقرارهم، وبعض المسلمات بفعلهن، تلكم المعصية التي كانت سبباً لضلال كثير من الشباب، وانحرافهم عن جادة الصواب، وانحرافهم عن جادة الصلاح، وانحدارهم في ألوان المعاصي والآثام واحدة تلو الأخرى، أتدرون ما تلك المعصية؟ إنها جريمة التبرج والسفور، جريمة اجتماعية وعصيان لله، وكسر للفضيلة والحياء، التبرج والسفور إظهار المرأة للرجال الأجانب الذين ليسوا من محارمها ما أوجب الشارع ستره من زينتها ومحاسنها، وكلكم -معاشر الأحباب- يلحظ هذا الأمر جهاراً نهاراً في الأسواق وغيرها.
ومظاهر التبرج في هذه الأيام أخذت أشكالاً متناقضة، فترى المرأة قد غطت وجهها بغطاء شفاف، وارتدت عباءة شفافة أيضاً على كتفيها، وثوباً يقطع ويفصل مفاتنها من أعلاها إلى أسفلها، مع إبداء النحر والذراعين محلاة بالذهب، أو شق جانب الثوب يميناً أو شمالاً لتلتهب الفتنة بخروج الساق عارية، ثم تجوب الأسواق معطرة مزينة بمشية مائلة متمايلة، وإذا خاطبت صاحب الحانوت كشفت عن وجهها وحدثته بلسان متكسر، وعبارة تفوح منها رائحة العبث والفتنة، هذا من أكبر الذنوب، وأخطر المعاصي فتكاً بالنساء والرجال بل بالمجتمع بأسره، فكم من شاب وقع أسيراً لنظرته المسعورة لامرأة كهذه! وكم من رجل واقع الفاحشة ولم يقلع عنها إلى يومه هذا وقد يكون متزوجاً! وكم من رجل زهد في زوجته وتمنى أن لو لم يرها بفتنة تلك المرأة في بصره وقلبه! عجباً عجباً -يا عباد الله- أن تؤثر امرأة ضعيفة! وهي كما يقول القائل:
وهن أضعف خلق الله إنسانا
أن تؤثر بفتنتها ومشيتها وتكسرها في مجتمع بأسره ولا غرابة، فالنبي ﷺ يقول: (ما تركت بعدي فتنة أضر على أمتي أو أضر على الرجال من النساء فاتقوا الدنيا واتقوا النساء).
عباد الله: إذا كان القرآن الكريم يخاطبنا بقول الله جل وعلا: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] ذلك في زمان الصحابة وذلك في عصر النبوة والخطاب لنساء النبي ﷺ ، فكيف الحال في زماننا هذا وكيف الأمر في واقعنا هذا الذي تكسرت فيه الأقوال! وتلطف الرجال وتكسروا في مقيلهم وقولهم للنساء! إنا لله وإنا إليه راجعون! فانظروا كم حقق الشيطان من نصر في أولئك بجنديٍ من جنوده وهي المرأة المتبرجة السافرة، ويوم أن نسمع هذا الكلام أو نقوله لا نعني أننا نحكم على النساء قاطبة بالتبرج والسفور؛ بل إن من بينهن من يخرجن لحاجة مقصودة في لبس ساتر، ومشية مستقيمة، قد أسدلت خمارها على وجهها، وأضفت عباءتها على ثوبها الواسع الذي لا يصف مفاتنها، ولبست قفازاً لستر يديها، فهذه لا يجرؤ عابث على ملاحقتها في نظره، ولا يجد الشيطان فيها كميناً ينصبه لفريسته، ولا يملك من رآها إلا أن يدعو لها ولبنات المسلمين بالستر والتوفيق.
стр. 1158
تحريم التبرج والسفور وآثاره على الناس
نعود إلى مشكلة التبرج والسفور لنرى أن القرآن قد ذكر هذا الموضوع في قوله جل وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فالتبرج من عادات نساء الجاهلية، ولا شك أن امرأة تخرج بهيئة متبرجة فإن الشيطان يستشرفها ويعد بها ولها الفتنة والبلاء بخروجها، ولا يشك مسلم في حرمة هذا الفعل الدنيء، فهو حرام بمقتضى مصالح العباد في تحريمه لو لم يرد دليل ينهى عنه، فكيف وقد جاء الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) فلتعلم النساء، علموهن -يا معاشر الرجال- أن هذا الأمر حرام وشر مستطير، وعلموهن بهذا.
ومن مساوئ هذا التبرج والسفور أن يصاحبه اختلاط المرأة بالرجل وانفراده بها في محله أو معرضه أو في الطابق الثاني من المعرض، فإذا جاءت المرأة متبرجة بالصفة التي ذكرنا، وصاحب ذلك الخلوة والانفراد فقد وقع المحذور إلا ما شاء الله، وكيف لا يقع والنبي ﷺ يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه.
ومما يجرح القلب أن ترى صاحب الحانوت أو المعرض لا يتردد أن يلبس المرأة التي جاءت إلى معرضه، لا يتردد أن يلبسها حلياً أو مصاغاً أو ملبوساً بعد أن مدت يديها له بحجة أنه يساعدها في ذلك، وهو يعبث بيديها ويقلبها بين يديه في صورة المعونة والمساعدة، وهذا واقع في كثير من النساء اليوم، فإن كانت لوحدها فمن الملوم هي أم وليها أو كلاهما جميعاً، وإن كان زوجها بجانبها فهو ديوث على رضائه بما يرى، ولا شك أن ذلك التبرج يشعل فتيل النظرات الجائعة التي أعقبت حسرات وأنات ضائعة، بفعل غافل أو جاهل عن ذكر الله وأمره ونهيه، فلم يقدر عاقبة نظره:
وأعقل الناس من لم يرتكب عملاً قد لا يفكر ما تجني عواقبه
إن التبرج والسفور لو لم يأت من مصائبه إلا أن يجعل الناس لا يغضون أبصارهم، وأن يطلقوا نظراتهم في الحرام، فكفى به بذاءة وخسة ودناءة، يقول ابن قيم الجوزية:
وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ويقول الآخر:
كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
ولهذا الجانب من آثار التبرج وهو النظر حديث يخصه إلا أنا ذكرناه بأنه أول مصيبة تنجم عن رؤية المتبرجات السافرات، يقول ﷺ : (إن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني: زانية) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح، وفي رواية: (أن المرأة إذا استعطرت فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية) أعوذ بالله من التبرج والسفور، نعوذ بالله ونعيذ نساءنا ومحارمنا وبناتنا من التبرج والسفور، ونسأل الله على ألا يرينا فيهن عورة مهتوكة أو ستراً منكشفاً.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1159
النساء وخروجهن الأسواق لغير حاجة
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، الحمد لله حمداً يرضي ربنا، الحمد لله حمداً ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، وكلنا لربنا عبد، جل عن الشبيه والمثيل والند والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار.
معاشر المسلمين! لا شك أن ضعف الإيمان في قلوبنا، لاشك أن تقاعسنا عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلة العلم الشرعي، وسوء التربية والتوجيه من الأمور التي أورثت نوعاً من هذا الجيل يجوب الأسواق والطرقات غاديات رائحات، لا مهمة لهن إلا الفتنة والبلاء، ومن أراد أن يتأكد من هذا فليقف في السوق لحظة ليتأكد أن جميع من في هذا السوق ما جاءوا لقضاء حاجة وإنما النسبة القليلة التي جاءت لقضاء شيء من حاجاتهن أو حوائجهم، والكثير منهن لو دقق الإنسان النظر لوجد أنهن يجبن السوق غاديات رائحات، ولكن الإنسان إذا دخل السوق لحاجة فهو تراه يمشي مسرعاً لقضاء حاجته وللخروج من هذا المكان الذي هو أبغض البقاع عند الله، فيظن أن الناس مثله في قضاء حوائجهم، وفي نفس المقصد في الإتيان إلى هذا المكان، والواقع خلاف ذلك، ومن اتصل أو جالس رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو أخذ حديثاً من رجال الأمن لعرف أن كثيراً من المصائب تدبر وتحاك، ويكون موقع العمليات فيها هي الحوانيت، فإن لم تكن فموقع التخطيط والمؤامرة، إن ذلك لا يكون عبثاً، وإنما هو أمر مدبر، ومصيبة تحاك، نسأل الله جل وعلا أن يرينا فيمن يدبرون لهذا المجتمع عجائب قدرته، وأن يفضحهم على رءوس الخلائق أجمعين.
معاشر الأحباب: ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان ﷺ يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس، وقالت عائشة: أما لو رأى النبي ﷺ من النساء أو رأى من النساء ما رأينا -تقوله عائشة في زمانها- لمنعهن المساجد) فتأملوا هذا الحديث وانظروا عظم الفارق بين ذلك وزماننا هذا نسأل الله جل وعلا أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
عباد الله: إن للمجلات الخليعة والأفلام الماجنة لدوراً عظيماً في حث تلك الفتيات إلى أن يجبن الأسواق غاديات رائحات، ومتى عرفنا النساء يتوسطن الشارع ويزاحمن الرجال بأكتافهن؟! ومتى رأينا النساء يرفعن أصواتهن في مجامع الرجال إلا يوم أن انتشر هذا البلاء، ونحن الآن في نعمة عظيمة مع عظم هذه النعم ومع انتشار هذه المنكرات في الجانب المقابل نسأل الله ألا يكون ذلك استدراجاً ونسأل الله ألا يعذبنا بذنوب غيرنا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
стр. 1160
دور الأمة أمام مشكلة التبرج والسفور
معاشر الأحباب: ما هو دوركم أمام هذه المشكلة؟ أيكفي أن تسمعوها أو تحوقلون؟! لا يكفي، فلكلٍ دورٌ ومسئوليةٌ أمام هذا الأمر: أما أول دور: فهو في أنفسنا وأسرنا بالتربية والتوجيه، ومناقشة هذا الموضوع مع محارمنا وبناتنا مناقشة جدية، نبين لألئك الفتيات الغافلات أن هذا أمر مدبر وأن نهايته الانفتاح والإباحية.
الأمر الثاني: أن نبث الوعي بخطورة هذه الظاهرة، وأنها تجني على الأجيال بما تجر عليه من الانحلال والإباحية ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا الدور بالمشاركة في الندوات والصحف والإذاعة وغيرها من وسائل الإعلام، فلا يترددن مسلم يملك أن يقدم نصيحة في هذا الباب، أو في أي وسيلة من الوسائل يقدمها لينفع المسلمين بذلك.
الأمر الثالث من دورنا: أن ننكر هذا المنكر بأنفسنا أن ننكره بألسنتنا؛ لأن الإنسان حينما تتقد في قلبه نار الغيرة فوالله لا يصبر أن يرى امرأة متبرجة، فإن كانت في سيارة مع زوجها وما أكثر انتشار هذه الظاهرة في هذه الأيام، كثيراً ما ترى المرأة قد كشفت عن وجهها متزينة متجملة في السيارة بجانب زوجها، أفنلوم زوجها أم نلومها هي:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
دورنا أمام هذا أن نلتفت إلى زوجها في سيارته، وأن نحدثه حديث المشفق الغيور، اتق الله في زوجتك هذه لو يراها جائع لم ير جمالاً لأصابها بعين فابتليت بها وابتلاها بتلك العين، ولو رآها مجرم لا يهمه في أي وادٍ هلك لتبعك وتبعها مع أعوانه ليفتك بك وبها في مصير أن ينال منها ما تشتهيه نفسه، ولو رآها إنسان حاسد أو فاسق لشنع بها ولذكرك في مجالس الناس وأن زوجة فلان رأيتها في المقام كذا وكذا وأولاً وأخيراً نذكره بأن هذا أمر لا يجوز، فإن كنت مسلماً ومؤمناً وتقول: الإيمان في قلبي فأرنا قليلاً من الإيمان بأمر سهل تأمر به زوجتك، أما إن رأينا امرأة مع سائق من السائقين وما أكثر هذا الأمر! أن تجد المرأة متبرجة كاشفة وولي الأمر في تلك اللحظة هو السائق، لا يملك أن يرد عنها قليلاً حتى لو ضيق ذلك السائق إلى أضيق الطريق، أو يلجأ إلى أن يقف بسيارته لينال أولئك العابثون من هذه المرأة شيئاً، فإنه سائق مسكين لا يملك حولاً ولا قولاً ولا قوة، وبعد ذلك قد تنتهي هذه المصيبة بهذه المرأة بسبب تفريط وليها في هذا الواقع، علينا إذا أمكننا في ذلك إن رأيناها في سيارته أو رأيناها في سوق أو في مجمع أو في مستشفى أو في أي مكان أن نكلمها عبارة لطيفة لا تكسر فيها ولا خضوع؛ لأن المرأة لا تتحمل ما يتحمله الرجال من غلظة القول وغضاضته، علينا أن نقول لها: اتقي الله واستري نفسك هداك الله، اتقي الله، وأنت بهذا تعرضين نفسك ستر الله عليك، بدعاء قليل، وكلمات طيبة، فإنها لا شك أنها تبادر بالخجل، وقد لا تنقاد في المرة الأولى لهذه النصيحة ولكن بتكرار هذه النصيحة منك ومن أخيك ومن غيرك من أبناء هذا المجتمع، فإن النتيجة في نهاية الأمر تكون ولله الحمد ظاهرة منكرة غيرناها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يستر على نسائنا ونساء المسلمين، اللهم يا فرج المكروبين ويا نصير المستضعفين ويا إله الأولين والآخرين! نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى وباسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت أن تستر على نسائنا، اللهم لا ترينا فيهن فضيحة، اللهم لا ترينا فيهن عورة مكشوفة ولا ستراً مهتوكاً.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد المسلمين بسوء، وأراد المسلمين في هذا البلد خاصة وغيرها من البلاد عامة، اللهم من أرادهم بسوء وأراد ولاة أمورنا بفتنة وعلماءنا بمكيدة، وشبابنا بضلال، ونساءنا بتبرج وسفور اللهم فاجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أرنا فيه يوماً أسود، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً اللهم صل وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، نبيك محمد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء، وعن بقية العشرة المبشرين بالجنة، وأهل الشجرة وأهل البيعة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
следующие страницы →