← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عداوة الإنسان لنفسه إذاً: فلا تنزعج من وجود العداوة، ولا تعجب، فالعداوة موجودة من نفسك لنفسك عداوة من نفسك لأذنك، وعداوة من نفسك على لسانك، وعداوة من نفسك لعينك، وعداوة من نفسك لفرجك، وعداوة من نفسك لجيبك عداوة من نفسك لأذنك؛ أن تصرفك عن سماع ما ينفعك إلى سماع ما يضرك. حب الكتاب وحب ألحان الغناء في قلب عبدٍ ليس يجتمعان والإناء إذا ملأته تراباً لا مكان للماء فيه، والقلب إذا ملأته بالملاهي لا مكان للذكر فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فإذاً هناك أولاً: عداوة من نفسك لنفسك في أذنك بسماع كل شر، وكما قال ابن القيم في الجواب الكافي: ثم يعقد الشيطان عرشه-أي: كرسيه- ويدعو جنده من الجن والشياطين، ويقول: عليكم بثغر الأذن، فلا يدخل معه شيء يطردكم عمَّا تربعتم إليه، فإن غلبتم، فجاهدوا حتى لا يصل ذكرٌ إلا ضعيفاً لا يؤثر، وعليكم بثغر العين، فاجعلوا نظرها تلذذاً لا تفكراً، واجعلوا نظرها باباً إلى رسم الأماني والخيال، بتصرف وبمعنى كلام ابن القيم ﵀. فإذاً من نفسك شرٌ على عينك أن تنظر إلى هذه الصور، وأن تنظر إلى ما حرم الله جل وعلا، وكم من رجلٍ قتل نفسه بسلاحه، هل رأيت رجلاً أخذ المسدس، ثم قلب فوهة المسدس، أو الرشاش، ثم وجهها إلى قلبه، ثم أطلق النار، نعم، ذلك الذي قتل نفسه بلحظه. يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً أنت القتيل بما ترمي فلا تصبِ فالإنسان هو الذي يقتل نفسه بنفسه، وتعرفون الأبيات التي يقول فيها القائل: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ من الناس من إذا رأى صورة حرام جعل رجله وعينه ويده وشعر رأسه، جعل كل ذلك عيناً تلتهم الصورة، وتتأمل هذا المنظر بفتنة وشهوة واجتهاد، مسكين لا يدري أنه يقتل نفسه، ولو أن هذا المسكين يوم أن رأى صرف بصره، ولو أن هذا المسكين تأمل جميع صنع الله جل وعلا، الله يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [محمد:١٠]، فالنظر مطلوب، الله جل وعلا ما خلق عينك حتى تجعل عليها نظارة سوداء لا تبصر بها أبداً، إنما خلق العين لكي تنظر بها وتتفكر. فيا أخي الكريم! تفكر كيف رفعت السماء بغير عمد؟ ولو دخلت صالة من صالات القصور الضخمة، فوجدت مائة متر بلا عمود واحد، لهالك الأمر في دقة الإنشاء والتصميم، وتقول: كيف وجدت صالة مائة متر مربع ليس فيها عمودٌ واحد؟! فيا حبيبنا! انظر إلى السماء التي رفعت بغير عمد! وإذا رأيت قنديلاً عظيماً جداً يضيء في بلد، ومفتاحه في بلد آخر، تعجب من هذا الأمر! ولكن انظر إلى هذه الشمس التي هي سراج تنير الدنيا كلها، وما جاءت شاحنات تعبيها بالبترول من أجل أن تشتعل، وما جاءت جهات معينة تعطيها الوقود، بل خلقها الله جسماً مضيئاً، فلماذا لا تتفكر وتتدبر؟! ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، لماذا لا تتفكر وتتدبر أيضاً في نفسك؟! أنت يوم أن كنت جنيناً صغيراً في بطن أمك، وأول ما يكون الإنسان في رحم المرأة يكون نطفة، ثم يكون علقة، ثم مضغة، ثم هذه المضغة تبدأ تأتيها الخلايا بأمر الله تتخلق فيها، وإذا بلغت الأشهر نفخت فيها الروح، ثم أخذت تنمو، فذهبت خلايا لتبني الأذن، خلايا مفصلة لإيجاد الزاوية التي فوق الأذن بالضبط، شحمة الأذن وزاوية، وشيء من المادة شبه العظمية الرقيقة جداً، كل خلية تذهب لتعطي هذا الدور في نفس المكان، وخلية تذهب لإنبات الشعر على العين والجفن، وخلية تذهب لإيجاد الطبقة الرقيقة على الشبكية أو القرنية، وخلية تذهب لبناء الشفة الرقيقة، وخلية تذهب لبناء العظم الصلب فيا إخوان: هل رأينا يوماً رجلاً نبتت أذنه في ركبته؟! أو رأينا رجلاً نبتت عينه في ظهره؟! أو رأينا رجلاً ظهرت أنفه في ساقه؟! هذه الخلايا ما الذي دلها وأعطاها مخططاً لكي تتجه الخلية رقم كذا إلى الموقع كذا، وتباشر العمل في مكان كذا! هذا هو التفكر، لكن عداوة الشيطان، والشر والأعداء من نفسك ومن أعدائك، وأولهم الشيطان، يصرفك عن تدبر ما ينفعك إلى إشغالك بما لا ينفعك، وأقل الأحوال أن تشتغل بالتافه عن العظيم، وبالحقير عن الجليل، والآن انظر إلى رجلين: أحدهم قد شنف آذانه، والآخر يسمع أغنية للمطرب الفلاني ويرددها: يا ليل يا عين، يا ليل يا عين، يا ليل يا عين، وانتهى الليل، وما رأينا ليلاً ولا عيناً، وبعد ذلك كتبت سيئات، وقام مهموم القلب في حسرة وقلق، وبمقدار سماع ذاك للأغنية انظر إلى رجل أخذ يسمع كلام الله، أو يتلو كتاب الله، له بكل حرف حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

стр. 107

العداوة الزوجية إذاً: فأعداء الإنسان كثر، وأول العداوة ما كان في النفس، وتحقيقاً لهذا المعنى من العداوة في النفس أيضاً الزوجة فيها عداوة، وكما في الحديث: (إذا بنى أحدكم بجارية أو زوجة أو أمة، فليضع يده على ناصيتها، وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه) أيضاً في الزوجة عداوة، وفيها شر، وربما يتوجه إليك، ويتسلط عليك، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وما أكثر الذين ظهرت عداوة زوجاتهم لهم! وليس من شرط العداوة أن يعلو فيها الصراخ، وأن يطول النياح، وأن يكثر العويل، وأن يظهر البكاء، وأن تصل الخصومة إلى المحاكم، قد تكون العداوة كما قال الشاعر: قد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هي قد تبقى العداوة متمكنة مستحكمة قاتلة مؤذية، وظاهرها جمال، وظاهرها لذة، وظاهرها صحة، ولذلك بعض الأمراض حينما ترى وجه صاحبها، تقول: ما شاء الله ما هذه العافية؟ ومثاله مادة اسمها (الكورتيزون) هذه مادة يحذر الأطباء المتخصصون من الإغراق في استعمالها، أو استعمالها بلا استشارة، هذه المادة عجيبة جداً، وهي مادة عدوة للإنسان، مادة خطيرة للإنسان، بمجرد أن تدخل عضوه تعطي إفرازات وتقوم بوظائف صناعية، وتعطل الجهاز الذي يعطي الوظيفة الطبيعية، ثم بعد ذلك يظهر على الإنسان صحة في الوجه غير طبيعية، يبدأ وجهه كالمشرق، يسمونه في المصطلح الطبي ( Face Moon ) وجه القمر، ثم يكبر يكبر، وينظر إلى الرجل كأنه ازداد عافية، وازداد صحة، وحقيقة الأمر أن الرجل تتعطل أجهزته الصحية الحقيقية التي تؤدي الوظائف الطبيعية، وهذا السم القاتل (الكورتيزون) يعطي نتائج كذابة في الظاهر قاتلة في الباطن. إذاً: ليس من شرط العداوة أن يكون لها صياح وصراخ وعويل وبكاء، ولأجل ذلك كم رأينا من رجل ظهرت عداوة زوجته عليه! وكم من امرأة رأينا عداوة زوجها عليها! مع أن ظاهر عش الزوجية المحبة، لكن دلائل العداوة أن الفتاة دخلت على ذلك الزوج وكانت محجبة، فأصبحت سافرة، كانت عفيفة الأذن لا تسمع إلا القرآن، وكلام الله وكلام رسوله، والخطب والمحاضرات والأمور النافعة، فأصبحت مطربة من المطربات، مغنية من المغنيات كانت حسيرة الطرف كسيرة الطرف لا تمد عينها إلى أحدٍ أبداً، فلما تزوجت بذلك العدو، ليس عدواً بالشجار والقتال، وإنما عداوة نفسها، وعداوة شيطانه عليها؛ جعلتها تنتقل إلى مرحلة ضعف، ومرحلة انهيار، وتحول خطير جداً والعكس كذلك كم من شاب عرفناه كان مستقيماً، فلما تزوج انقلب بعد زواجه بعداوة خفية، وظاهرها التعلق والمحبة والتفاني والتعاطف، انقلبت المسألة إلى أن الشاب أصبح يحلق لحيته، ويسبل ثيابه، ويسمع الأغاني، وقطع جلساءه الطيبين بعد أن كان يجلس مع الصالحين، وأصبح عدواً للأبرار بعد أن كان دفاعاً وحصناً منيعاً يدافع عنهم في كل ميدان.

стр. 108

الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم إذاً: هذا معنى الآية، وما ذاك إلا لوجود العداوات السرية المتمكنة فينا، ولذلك قال ﷺ لما كان خارجاً من معتكفه يقلب صفية بنت حيي إلى منزلها، ورأى اثنين من الصحابة، فقال ﷺ : (إنها صفية، قالوا: سبحان الله! يا رسول الله! -أي: نحن نشك فيك- قال: خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شيئاً، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم). إذاً: فما ظنك بعداوة واحد قد دخل في عروقك، وقد دخل بين عصبك وعظمك، لا تنتظر أن يأمرك بخير أبداً، قال ﷺ : (ما منكم إلا وله قرين، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا إنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم). أيها الأحبة: إذا تحققنا من وجود العداوة في شرور أنفسنا، وأموالنا، وأولادنا، فيمن حولنا، في اليهود والنصارى، في الشيطان، فيمن يزينون شياطين الجن والإنس ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] فكل يشعر أن كل ما حوله عداوة، وقد يقول أحدكم: والله الشيخ حقيقة شحننا شحنة بحيث لو يقرب أحد منا لقال: ابعد يا عدو، لا تقترب يا عدو!! لا، نحن لا نقول: كل من نظرت إليه تقول له: قبحك الله أيها العدو، قاتلك الله! ابتعد وإلا سوف أطلق عليك النار، نحن لا نقول هذا الكلام، لكن أقول: تأكد أن في النفس عداوة كامنة ربما كان حالها معك ظاهرة، وربما كان حالها معك جامدة، وربما كان حالها معك متحركة، المهم أن الفتيل موجود، والمسألة قابلة للاشتعال في أي لحظة، فإذا تحقق هذا الأمر عندك، وأن المسألة موجودة، أخذت حذرك في كل مقام ومكان وزمان.

стр. 109

درجات العداوة

стр. 110

الإبادة بالإحراق في جهنم أخي الحبيب: أما عن درجات العداوة فلا شك أن عدوك يبدأ أولاً بمحاولة إبادتك عن الوجود إبادة كلية، وأي عداوة أخطر من عداوة إنسان لنفسه عداوة شيطان ونفس أمارة بالسوء تجرُّ صاحبها إلى جهنم، هل هناك إبادة أعظم من نار جهنم؟ ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩ - ٢١]، هل هناك عداوة أشد وأخطر من عداوة تنتهي بإحراق الإنسان في جهنم؟ بل عذابٌ متجدد ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]. أيها الأحبة: لندرك جيداً أن الإبادة هي هدف من أهداف العداوة، فشيطانك الذي هو عدوٌ لك لا يألو جهداً في أن تكون نهايتك إلى النار، ليس من شرط الإبادة أن يبيدك الآن برشاش، أو بطلقة نارية، لكن ما كان أخطر من ذلك أن تكون إبادة دائمة ألا وهي إغراق الإنسان في الذنوب، وقبوله بالهوان، وتدحرجه في المعاصي والمنكرات حتى ربما قاده الأمر إلى موت على فتنة وضلالة، أو كفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وحينئذٍ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦]، تصور إنساناً يصيح وينوح ويبكي ويتقطع، زفير وشهيق من شدة العذاب، ومن شدة الألم، قد يتألم الإنسان، ولكن ما يبلغ به الألم، لكن من شدة الآلام ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر:٣٧]، ويصطرخون أبلغ من يصرخون، والزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى؛ لأن الاصطراخ فيه نوع إيحاء، أو فيه نوع وصف بأن النار متجلجلة، والصدى فيها متردد، يصيح ويصرخ ذلك المعذب، ثم يعود إليه الصوت في وقت هو يرفع صرخة جديدة ً، هذا العذاب الشديد الذي هو أخطر شيء، وهو هدفٌ من أهداف العداوة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود:١٠٦]. إذاً: ليس من شرط أهداف العداوة الأولى وهي الإبادة أن تكون الإبادة فورية، لكن أخطر من الإبادة الفورية الإبادة طويلة المدى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧]، قد يعاديك إنسان فيقتلك الآن ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران:١٦٩]، فليست الإبادة الفورية دليلاً على العداوة في كل حال، أو ربما كانت من طرفك دليل عداوة، لكن ليس منتهاها دليلاً أنك بعداوة نفسك قدت نفسك إلى العداوة، أو إلى مؤداها، ربما كانت هذه طريقاً إلى الجنة والخلود في الجنة، لكن قد تعيش حياة في إضاءة، ونور، وقصور، وطعام، وشراب، وأكل، في بيوت، وأمن، وشيء من الرفاهية والنعيم، لكنها هي طريق إلى إبادة طويلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 111

الإبادة بالقتل إذا لم يستطع عدوك أن يبيدك إبادة كاملة، سواءً كانت إبادة بعد زمن طويل كحرص الشيطان أن يبيد الإنسان في نار جهنم، أو كحرص أعدائك مثل اليهود والنصارى الذين لا يرضون عن أحد أبداً حتى يتبع ملتهم، وسواء قالوا لكم: تعالوا على مائدة الوحدة الوطنية، أو تعالوا -أي: اليهود والنصارى- ننفي الخلافات التي بيننا، ولا يبغض أحدٌ أحداً، أنتم اعبدوا ما تشاءون، والنصارى يعبدون ما يشاءون، والمسلمون يعبدون ما يشاءون، ولا أحد يمد يده على أحد، ولا أحد في الصحيفة ينتقد أحداً، ولا أحد في المجلة ينتقد أحداً، نريد أن نعيش السلام والوئام والحب واللقاء هذا كلام لا ينفع عند اليهود، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، فهؤلاء الأعداء كما قال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران:١١٩ - ١٢٠]، العدو من أهدافه الأولى: الإبادة النهائية، وصورة من صور العداوات ما يحصل الآن لإخوانكم في يوغسلافيا في جمهورية البوسنة والهرسك في العاصمة سراييفو على يد الجيش الاتحادي والصربيين النصارى الأرثوذكس الذين هم الآن على قدم وساق، يقتلون ويذبحون ويشردون، وقد تأكد لدى هيئة الإغاثة الإسلامية أن عدد الضحايا حتى الآن واحد وعشرون ألف مسلم، ما بين طفل وطفلة وعجوز، وكهل كبير، ورجل وامرأة، وفتى وفتاة، واحد وعشرون ألفاً! يا إخوان: والله لو سافر أحدكم من الرياض إلى القويعية، ومشى ورأى عشرة مذبوحين بعد عشرة كيلو، وبعد عشرين كيلو رأى عشرة آخرين، وبعد ثلاثين كيلو رأى عشرة آخرين، حتى وصل الرياض، كان مجموع المذبوحين ثلاثين رجلاً، سوف يصيبك جنون تلك الليلة، ولا تستطيع أن تنام، وأنت تتخيل خمسة رجال وخمس نساء مذبوحين، وثلاثة رجال مقتولين، وهؤلاء مطعونون، وهؤلاء ممثل بهم، وهؤلاء مكبلون، وعليهم آثار الاغتصاب والبلاء والمصيبة، وأيضاً كانت نهايتهم إزهاق أرواحهم يأتيك جنون، فما بالك بواحد وعشرين ألفاً!! تخيل ملء هذا المسجد أكثر من ثلاثين مرة تقريباً مقتولين!! جاء الصربيون في الليلة الأخيرة من رمضان، وأول اثنين خرجوا من المسجد ذبحوهم ذبح الشاة على عتبة المسجد، ثم دخلوا وأطلقوا النار في المسجد، وهرب الناس، فأخذوا يرمون بالقنابل حتى الذي يريد أن يهرب لا يصل إلى الباب، ومات خلق عظيم، والدماء تفوح وتفور، والناس كالغنم التي لم تذكَّ، ترفس في المسجد، ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذا مقطوع وبقي فيه نخاع، وهذا مذبوح وبقي فيه عرق، وهذا مذبوح وبقي فيه عصب، الناس كالمجازر، ثم بعد ذلك دخل الصربيون وأخذوا يتبولون على الجثث، ثم بعد ذلك أخذوا يكشفون عورات المسلمين، ويأخذ السكين أو خلف البندقية ويخط على ظهر المسلم صليباً، يجرد المسلم من ثيابه ويخط على ظهره صليباً! يا إخوان: أي عداوة بعد هذا؟! هل هناك عداوة أشد من هذا؟! لا والله. إن ديننا الحنيف دين عظيم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قرآنه دستوره، قد أوصانا نبينا فيه أن إذا قتلنا كافراً ألا نمثل به فقال ﷺ : (وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) رحمة حتى في قتل القاتل! رحمة حتى في إزهاق روح المؤذي! الخلاصة أن هؤلاء الأعداء هدفهم بالدرجة الأولى الإبادة، وحينما يأتي علماني، أو فيلسوف، أو خريج هارفارد، أو خريج السربون، أو خريج متشيجن، أو كلورادو، ولا أقول كل خريج، لكن يأتيك إنسان متخرج من هناك، ويضع يداً على يد، أو يضع الشماغ على هذه الطريقة، ويقول: يا أخي! يا متشددون يا مطاوعة يا معقدون! تتوقعون أن الغرب لا يزال يعيش بعقليات البربر وهمجية الوحوش القديمة؟! لا يا أخي، الغرب تطوروا الآن، أصبحوا يتعاملون بالرمز، والاختزال، والشفرة، والنداء، والكود، عالم راقٍ جداً، أنتم لا تزالون تتصورون أن الغرب يذبح وينحر ويقتل، ما هذا التخلف عندكم؟! ونقول لكل من مدح الغرب يوماً، أو أثنى على حضارة الغرب يوماً: انظر ماذا أنتجته حضارة الغرب، من أعلى درجات الرحمة التي بلغت خط الصليب على ظهر المقتول! وقطع ذكر المقتول ووضعه في فمه كما حصل في ذلك المسجد في سراييفو! ويدخل على الرجل من قبل شباب الصرب، فيجدونه مع أولاده، فيربطونه ثم يجردون زوجته، ويفعلون بها وهو ينظر، ثم ينظرون إلى أبيه ويجعلون وجهه مسرحاً لأقدامهم يركلون خده وأنفه بأقدامهم وأحذيتهم. العداوة هدفها الأول هدف إبادة، وأما ما نسمع من بعض الجرائد والمجلات الوافدة أننا ننتظر الوحدة في مجتمع تظلنا فيه سماءٌ واحدة، ونشرب فيه من نهر واحد، ويعيش الجميع على مائدة الوحدة الوطنية، فهذه مسخرة! قرأت ذات مرة في أكثر من مجلة وجريدة أن احتفالاً أقيم يجمع رجال الصليب البابا شنودة ورجال الدين -المفتي والشيخ- ورجال الفكر والسياسة والإعلام في يوم الوحدة الوطنية في إفطار جماعي ضم عدداً في يوم مشهود، افتتح بآيات من كتاب الله جل وعلا، وبماذا افتتح؟ افتتح بقول الله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧١]؟ هل افتتح بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]؟ هل افتتح بقول الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]؟ الشاهد أن العداوة، وبالذات عداوة الدين، فإن من عاداك في دينك، فاعرف أن غايته إبادتك، قال الله جل وعلا: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٨]، فبين أن من قاتلك في الدين، وعاداك في الدين هدفه عداوتك، ولكن من لم يعادك في الدين ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨]، من المنقطعين في الأديرة والصوامع، وغيرهم من الذين ما رفعوا سلاحاً في وجه المسلمين، وقبلوا بالجزية والذلة والصغار، أما ونحن الضعفاء وندعي أننا على وفاق ووئام مع أعدائنا فلا كل العداوات قد ترجى مودتها إلا مودة من عاداك في الدين

стр. 112

الاحتواء والتجيير قلنا: الهدف الأول من العداوة هو: الفتك والقتل وإزهاق الروح والإبادة بكل معانيها. المرحلة الثانية من صور العداوة المغلفة التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ظاهرها المودة وباطنها الكراهية عداوة ظاهرها الوئام وباطنها الخلاف عداوة ظاهرها الرفق وباطنها القسوة والوحشية ألا وهي: عداوة الاحتواء والتجيير، وهي ما تسمى بعداوة غزاة الأفكار. إن المسلمين وإن كانت الكثير من دولهم اليوم قد نالت الاستقلال، ورسمت حدودها بعد اتفاقيات سايكس بيكو وغيرها، إلا أنها انتقلت من مرحلة العداوة الصريحة المعلنة عداوة الفتك والإبادة إلى عداوة الاحتواء والتجيير، فبدلاً من أن ينزل عشرة آلاف جندي فرنسي إلى الجزائر يقتلون الناس، خطط المستعمر الكافر أن يوجد من أبناء الجزائر من يحافظ على أرواح الجنود الفرنسيين في قلب باريس، ويقوم الجزائري بقتل الجزائري، والمغربي بقتل المغربي، والتونسي بقتل التونسي، وكلٌ يقتل من بني جلدته، هذه الطريقة التي صرح بها القس صموئيل زويمر في مؤتمر القاهرة عام (١٩٣٤م) لما عقد المؤتمر في الإسكندرية، وقام المنصرون يعرضون جهودهم، فكلٌ يقول: نصرت كذا ثم عاد إلى الإسلام، ودفعت كذا، وتنصر اثنان ثم عادوا، تنصر ثلاثة ثم عادوا، ولما أنهوا استعراض أعمالهم، وأنهوا استعراض مشاريعهم، قام القس صموئيل زويمر، وقال: اسمحوا لي معاشر القسس والرهبان رجال الكنيسة الأفاضل! إنكم حتى الآن لم تعرفوا مهمة التنصير، إن دورنا أن نخرج المسلم من الإسلام، وليس ضرورة أن ندخله في الكنيسة والنصرانية، إن دورنا أن نعد في بلاد المسلمين عضواً منهم يقاتلهم ويطعنهم، ويؤذيهم، وإن دورنا أن نحافظ على قطرة دم نصراني، فلا تراق هناك، ثم استشهد بقول القائل: إن الشجرة لا يقطعها إلا غصن من أغصانها! العداوة قد تكون في البداية ظاهرة إن الأفاعي وإن لانت ملامسها عند التقلب في أنيابها العطبُ أحياناً تكون العداوة ظاهرة، لكن العداوة الظاهرة -بالمناسبة- تدفع النفس إلى الانتقام، وتدفع المتفرقين إلى الاجتماع، وتدفع الضعفاء إلى جمع الشمل على القوة العداوة الظاهرة تثير في النفس النخوة والحمية والإباء، حتى ولو استشهدوا واستماتوا وقتلوا، لكن العداوة المغلفة التي هي عداوة غزاة الفكر، عداوة الاحتواء والتجيير، فوائدها كثيرة، فإن كانت العداوة الصريحة فيها خسارة أرواح، فإن عداوة الاحتواء والتجيير هي عداوة ليس للأعداء فيها ضحية في روح أبداً، إن تكاليف نقل السلاح وأخطار التدخل السريع قد تكون باهظة جداً، لكن عداوات الاحتواء والتجيير لا تكلف هذا كله أبداً، رب عداوةٍ كانت مباشرة، فالتأم جرحها سريعاً، لكن عداوة الاحتواء والتجيير يطول ويطول علاجها، وشعوب المسلمين اليوم بعد أن جرب الأعداء فيهم عداوة القتل من خلال سنين الاستعمار، والاستعمار -بالمناسبة- حتى الآن لم يعرض عرضاً جيداً حقيقياً، إن الإعلام العالمي لو يسخر لتصوير واقع الاستعمار مع الدول المستعمرة؛ لأصبح الناس يكرهون شيئاً اسمه المستعمر ودول الاستعمار كما يكرهون السم في الطعام، لو صور للناس ما فعل الهولنديون في إندونيسيا، وما فعل الإيطاليون في ليبيا، وما فعل الفرنسيون في الجزائر والمغرب وتونس، وماذا فعل البريطانيون في الهند، وما فعل المستعمرون في كثير من الدول لو صور الإعلام حقيقة ما فعله المستعمرون؛ لأصبح عند الناس حساسية شديدة جداً، لكن الإعلام العالمي لا شك أنه يُخطط ويقاد -إلا ما رحم الله منه- بأيدي يهود، ولأجل ذلك يكون اهتمام الإعلام العالمي بقضايا أخرى تمييع عقائد، وجمع بين متناقضات، وتأليف بين مختلفات، وصرف الناس عن التذكير بأمور أخرى، صرف الناس عن التذكير بأمور ربما كان من غاياتها أو من أهدافها إثارة الناس، أو كانت تؤدي إلى ذلك، هناك فيلم مع أنه لم يخدم من حيث الرسالة الخفية إلا شيئاً قليلاً، وهو فيلم عمر المختار أنتج عليه ملايين، ولعل بعضكم اطلع عليه، وليست هذه دعوة إلى الأفلام، ولكن أقول: احتج من اليهود طائفة، واحتج من المستعمرين طائفة، وقالوا: إن هذا الفيلم يثير الأحقاد علينا! نعم. ولو صورت الحقائق على وجهها الصحيح لرأيتم كيف يكون موقف الناس تجاه العداوة، عداوة التجيير. فالحاصل أن عداوة الاحتواء والتجيير عداوة خطيرة جداً، إذا عجز العدو عن العداوة المباشرة -عداوة الإبادة والقتل الجماعي- ينتقل إلى عداوة الاحتواء والتجيير، وربما لمصلحة وليس لعجز، ومن أجل هذا يكون العدو جاهزاً، يبقى عدونا قابعاً في عاصمته، وعبر أجهزة الدس والمؤامرات والخونة والخيانات تصنع التمثيليات على مسرح الواقع، يمثل الممثلون الذين يعرفون الدور، ويدخل في التمثيلية الذين هم هدف الفيلم بالكامل، ثم تدور الدائرة على الرءوس، ويسدل الستار على المسرحية، ويخرج الجمهور من المسرح، وتفتح صفحة جديدة لقضية جديدة في واقع العالم الإسلامي. إن عداوة الاحتواء والتجيير عداوة خطيراً جداً جداً، ولأجل ذلك كان علينا أن ننتبه لعداوة أعدائنا، وقد ننسى يوماً كنا نسب فيه، أو نشتم فيه عدواً، وصافحناه اليوم، لكن لا يعني ذلك أن عداوته قد زالت من قلبك، أنت لا تقيس الناس على طيب قلبك خاصة أعداء الدين، لا تتصور أنهم ينسون أنك مسلم، قبل كل شيء وأولاً وآخراً أنت مسلم؛ ولأجل أنك مسلم فالعداوة باقية، والتعامل معك بحذر. قيل لرجل من رجالات الساسة: من هو عدوك في المنطقة الفلانية؟ قال: ليس لنا عدوٌ دائم، وليس لنا صديقٌ دائم، إنما لنا مصالح دائمة، فلو كانت القضية قضية عداوة واضحة لعرفناها وفهمناها، لكن العداوة الجديدة عداوة الاحتواء والتجيير أن يستغل أبناء الأمة لكي تطعن الأمة بالسيوف التي صنعتها، وتقتل الأمة بالسلاح الذي أنتجته، ويذبح أبناء الأمة شبابها ورجالها، ويغتصب نساء الأمة أبناؤها وشبابها، هذا ما يخطط له العدو من خلال البرنامج الطويل الذي يسمونه: البطيء المؤكد، برنامج الغزو الفكري الذي أقبل الناس عليه الآن زرافات ووحداناً، فالذي ليس عنده تلفزيون مسكين، والذي ليس عنده فيديو مسكين، والذي ليس عنده أنتل مسكين، ما ركب الأنتل الذي يأتي بـ ( mbc) أو البث المباشر، والذي ليس عنده دش (ستلايت) مسكين ما أتى بالقنوات الأخيرة! ولماذا نذبح أنفسنا بأنفسنا؟! لماذا نقتل أرواحنا بأيدينا؟! لماذا نطعن قلوبنا بسهامنا؟! الناس من عداوة أنفسهم لأنفسهم يجلبون ما يطعنون به أنفسهم، ويتسلطون به على أنفسهم إلا من رحم الله وقليل ما هم.

стр. 113

عداوة التثبيط والإرجاف إذا عجز العدو عن أن يبيدك إبادة مباشرة، ثم عجز عن احتوائك وتجييرك لكي تكون عدواً لأمتك وأنت في صفوفها، ينتقل إلى مرحلة ثالثة وهي: عداوة التثبيط والإرجاف. تجد إنساناً ليس من شرط أن نكرهه أو نبغضه، لكن هو مصدر عداوة، كيف؟ تجده إذا جلس في مجلس يقول: يا إخوان انتبهوا، إنكم على خطر، كل واحد يدخل في بيته ويسكت ويذكر الله، لا تجتمعوا، اتركونا من الأشياء هذه، رجاءً المدرج الفلاني لا توزعوا فيها أشرطة، الكتاب الفلاني فكونا من شره، يا إخوان! اتركوا هذا العرس يمر على خير، اتركوا هذه المناسبة تمضي على ستر تجد الرجل ليس عدواً يقتل، وليس منافقاً دخيلاً، ولكنه عدو من جهة الإرجاف والتثبيط، إذا رأى ثلاثة يخرجون في رحلة، قال: يا إخواني أين تذهبون؟ دعونا من المشاكل والفتن والمصائب! إذا رأى مخيماً أو معسكراً قال: يا ناس خافوا رب العالمين، نحن آمنون ومطمئنون، أهؤلاء العشرون ذاهبون يتدربون على إنزال مظلي من أجل أن تخاف أنت؟! سبحان الله العلي العظيم! فهذه عداوة الإرجاف والتثبيط، وهذا هو الأمر الذي أريد أن أطيل النفس فيه.

стр. 114

الجمود والخمول أعود من العنصر الثالث لأنتقل إلى النقطة الرابعة، ولا أسميها عداوة، ولكنها نوع من وسائل الضعف والهوان، ألا وهي: الجمود والخمول. تجد إنساناً طيباً، لكنه غبي جهول، وحملٌ وديع، يخاف من الظل، ويفزع من السوط، ويرتاع من الوجبة، وتجده مجرد إنسان صالح وصلاحه لنفسه، ونحن نقول: الله يجزيه خيراً ويثيبه ويحفظه، وندعو لمثل هذا الشاب، وكما جاء في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) لكن إذا انتشر في الأمة داء الضعف، وداء الهوان، وكلٌ يقول: نفسي نفسي، وتجد الرجل أول من يدخل المسجد، لكن جاره الذي لا يصلي لا ينصحه تجد الرجل يصوم الإثنين والخميس، لكن يرى المتبرجات غاديات رائحات في الطريق ولا ينصحهن تجد الرجل خير من يبذل ويتصدق في سبيل الله، لكنه يرى من الأشياء التي بوسعه وبمقدوره أن يقوم بتغييرها أو إنكارها، أو عمل شيء تجاهها، ومع ذلك لا يعمل، وهذا كما يقال: فيه غفلة الصالحين، ونحن لا نسمي هؤلاء أعداء، بل وجود هؤلاء على مستوى الخير والبركة والصلاح رحمة للأمة، لكن ماذا عليهم لو أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر؟ ماذا عليهم لو قاموا بدورهم وواجبهم تجاه هذه القضية؟ أقول: هذا فريقٌ ليس -والله- من الأعداء، بل نحن نحبهم وندعو لهم، ونرفع بهم الرءوس، ولكن كما قال القائل: ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمامِ ألا وهو ذلك الضعف أو الجمود أو الخمول الذي إذا اجتمع الخامل مع الخامل، والضعيف مع الضعيف، والكسول مع الكسول؛ انتشر الداء فيما بينهم، وأصبح المتحرك النشيط بدعاً غريباً عجيباً شاذاً نشازاً في صفوفهم، لأجل ذلك نقول: ينبغي لمثل هؤلاء أن يتحركوا حتى لا يقع أحدهم يوماً ما بضعف أو كسل ربما يقوده، فيكون -ولا حول ولا قوة إلا بالله- شجن أو شوكة أو غصة في نحر إخوانه في المستقبل، وما يدريه قد يكون كذلك، نسأل الله لنا ولكم الثبات.

стр. 115

العداوة بالتخويف الصنف الثالث الذي هو صنف المثبطين والمرجفين، الذين لا نقول: إنهم أعداء في ذواتهم وأشخاصهم، لكن هم في الحقيقة يمثلون دور عدو من حيث لا يشعرون، ألا وهم الذين يمثلون دور الإرجاف والتثبيط، وهذه القضية لاحظتها كثيراً في كثير من المناطق، تجد منطقةً الشباب الطيب فيها كثير، الملتزمات فيها كثير، الصالحون فيها كثير، الصالحات فيها كثير، ولكن يوم أن تقول لأحدهم: يا أخي الحبيب! ما الذي يمنعك وما الذي يردك عن أن تقوم بدورك وواجبك تجاه الدعوة إلى الله جل وعلا؟ وأنت قادرٌ أن تتكلم، فإن عجزت عن الكلام فأنت قادرٌ على أن تجمع من إخوانك عدداً تذهب أنت وإياهم إلى درس لأحد العلماء، أو لسماع محاضرة، أو لحضور ندوة، أو لزيارة عالم من العلماء، فإن عجزت عن ذلك فلست بعاجزٍ عن أن تشتري عدداً من الأشرطة توزعها في مناسبات، أو في زواج، أو في لقاء، وإن عجزت عن ذلك فلن تعجز عن كتيبات توزعها في أي مناسبة؛ لعل الله أن ينفع بها فيقول: والله تعب، أنا ليس عندي قدرة على الكلام، لكن عندي جلد فأنا مستعد أن أمر على شباب من الفاسدين المنحرفين يومياً وآخذهم، وأذهب بهم، وأحاول أن أحفظ أوقاتهم من الضياع، وبدلاً من أن يجلسوا مع أهل الشر أضمن لهم الجلوس في أماكن الخير، وبدلاً من أن يسهروا على الفساد أذهب بهم إلى حلق الذكر ومجالس العلماء، وبدلاً من أن يسافروا إلى دول فاجرة أسافر بهم إلى مكة والمدينة، ونزور الشيخ ابن عثيمين في القصيم، ونزور الشيخ ابن باز في الرياض فيقول لك: أنا أقدر على ذلك، أو يقول لك آخر: أنا قادر، عندي خير، وعندي فلوس أن أشتري مائة شريط شهرياً بثلاثمائة ريال، ما أعجز عن توزيعها على أقاربي وجماعتي، أو في مناسبة من المناسبات، أو شباب أعرف عنهم الاجتماع والتسكع في الطرقات، وإشغال بنات المسلمين بالمعاكسات لكن هنا تبدأ صورة العداوة حينما يقول: أنا أقدر أن أدعو لكن أخاف، أنا أقدر أن أوزع شريطاً لكن أخاف، أنا أقدر أن أوزع كتاباً لكن أخاف حسناً! تخاف ممن؟ هذه هي عداوة الوهم، أن الإنسان يتخيل أنه على خطر، وهو ليس على خطر، قيل: إن أحد الأطباء جاءه رجل إذا مشى يطأطئ رأسه، فقال له: ما بك؟ ارفع رأسك. قال: لا، لا، فأخذ يعالجه فوجد أنه مصاب بمرض نفسي، يتوقع أن فوق رأسه جرة كبيرة من الطين من الفخار، ويمشي هكذا ويخاف أن تقع الجرة، حتى جاء أحد الأطباء، وقال: ائتوني به في اليوم الفلاني، فلما دخل كان قد وضع فوق بوابة المدخل جرة، فلما دخل كسر الجرة المعلقة على البوابة، فالتفت الرجل وقال: آه، تصدق يا دكتور هذه الجرة كانت تشغلني سنوات طويلة، ما كنت أستطيع أن أمشي!! والله لا على رأسه جرة ولا هم يحزنون، فالذين يخافون من دور الدعوة، والذين يخافون من المشاركة في الدعوة إلى الله، والقيام بالمشاركة في شرف الدعوة إلى الله؛ هم في الحقيقة مثل الذي يتخيل أن على رأسه جرة فخارية، ولذلك تجد الخوف قد كسر ظهره وأحنى ظهره، فلا يستطيع أن يتصرف أو يتحرك. أقول: يا أخي الحبيب! لماذا الخوف؟ أسألك بالله حينما تشتري مائة شريط من تسجيلات إسلامية وتوزعها، الشريط الذي اشتريته هل أتيت به سراً ما عرف عنه موظف الجمارك في المطار؟ الشريط الذي اشتريته ونسخت منه مائة نسخة هل أتيت به مع باخرة لم تكتشفها خفر السواحل؟ الشريط الذي أنت الآن توزعه هل هو ممنوع؟ أبداً، تجد عند كل تسجيلات إسلامية شريط: احفظ الله يحفظك المحاضر: فضيلة الشيخ الداعية عائض القرني، فسح هذا الشريط من وزارة الإعلام برقم وتاريخ، شريط مفسوح من وزارة الإعلام، قد مرَّ على رقابة ليست رقابتك، وفتحته وأذنت ببيعه، فقل لي بالله عليك: ما الذي يخيفك من شرائه وتوزيعه وإهدائه؟ والله -فعلاً- نحن عندنا وهم أننا نمارس أشياء ممنوعة! وآخر تقول له: الزواج الفلاني سوف يحضر فيه مائتا رجل ومائتا امرأة، فما رأيك أن توزع على النساء كتيب: يا فتاة الإسلام احذري سماعة التليفون، وتوزع على الحضور كتيباً اسمه: العقيدة الصحيحة وما يضادها لسماحة الشيخ ابن باز؟ فيقول: لا والله، أنا أخاف أن يلتفت الناس إليَّ ويقولوا: فلان صاحب توزيع، فلان صاحب نشرة! أنت توزع ماذا؟! هل توزع مخدرات؟! تيكونات؟! كبتل جول؟! كوكائين؟! هروين؟! ماذا عندك؟! توزع كتاباً صدر الإذن بطباعة هذا الكتاب من إدارة المطبوعات والنشر من وزارة الإعلام برقم وتاريخ، ما دام صدر الإذن في طبع وتوزيع ونشر هذا الكتاب، فما الذي يخيفك من الدعوة؟! هنا تظهر عداوة الإنسان لنفسه، عداوة الوهم، أو كما يظن البعض ويقول: والله يا أخي أنا إنسان مراقب، ولأجل ذلك لا أستطيع أن أمارس الدعوة باسم الله عليك أيها المراقب! أين أنت؟ هل أنت في العراق وشياطين البعث تراقبك؟! وافرض أنك مراقب، ماذا يحصل؟ إذا اشتبه رجل الأمن في قضية فمن حقه أن يراقب حتى تتضح المسألة، وأهلاً وسهلاً برجل الأمن، إذا أتى، فافتح له البيت، أنت ما عندك شيء، وقل له: تفضل، مع أن هذا ما حصل، لكن أنا أريد أن أزيل هذه الشبهة والأوهام التي تعلق بها بعض الشباب وقعدوا عن الدعوة، وبعض الناس الذين يرون أن من الاتزان والحكمة والهدوء والرزانة أن الإنسان لا تصير مهمته توزيع أشرطة وكتب وأشياء مثل هذه، هذا من الاتزان والهدوء والرزانة! لا، هذا -يا أخي الكريم- من الخوف والعداوة التي استحكمت بوهم جعلك رعديداً خوافاً، ترغب أن تمارس الخير فتعجز عن فعله، فيا أخي الحبيب! إياك أن تبلغ عداوة نفسك لنفسك، أو عداوة الوهم فيك ومن حولك إلى درجة أن تعطلك عن الدعوة والمشاركة في الدعوة إلى الله جل وعلا.

стр. 116

عداوة الأوهام والخوف أيضاً صورة أخرى من صور العداوات: عداوة الأوهام والخوف يأتي إنسان ويقول: والله يا أخي هؤلاء الدعاة أناس طيبون، والشباب الملتزمون أيضاً طيبون جداً، لكن -يا أخي- يقولون: إن عندهم أشياء وما هذه الأشياء؟! هل معهم تحت الأرض طائرات فرلين؟! أو هناك مطار سري في أي مكان؟! هذه مصيبة، فعلاً لما يقول لك: عندهم أشياء، تعال ما هذه الأشياء؟ مدفعية ميدان! صواريخ! مضاد طائرات أباتشي! قاذفة! دبابات! يا أخي الكريم تعال وأخبرني ماذا عندهم، أنا أقول: من واجبك أن توضح كل تساؤل يطرأ في ذهنك، لكن عداوة الوهم والخوف التي تعشعش في ذهنك، وتقول: هؤلاء عندهم، وهؤلاء عندهم، تعال يا أخي ادخل بيتنا، وادخل بيت الشيخ، وادخل بيت فلان، وتعال وستجد فتح الباري لـ ابن حجر، وتحفة الأحوذي، ومعالم السنن للخطابي، وصحيح سن أبي داود للألباني، وشرح الرحبية، وكتاب التوحيد، وكشف الشبهات، ما هي الكتب الموجودة عندك؟! قضية عندهم وعندهم وعندهم هذه من الأشياء التي سمعتها أكثر من مرة عند بعض الناس، ويقول لك: فقط يا أخي ما أدري ما وراء هؤلاء المطاوعة؟ إنها مسألة غريبة ومضحكة وعجيبة! وإني أعجب من أناس تعرفه مرة تلقى معه دكتوراه، أو ماجستير، أو يدرس في جامعة متطورة متقدمة، ويقول: هؤلاء عندهم كذا! تجد الرجل -لو تدخل المعمل- اكتشف أدق الميكروبات، أو لو عمل معادلة حسابية لاكتشف (سين) المجهولة، أو يعمل شيئاً يكتشف العلة بالضبط، لكن أكبر حقيقة لا يعرفها، سبحان الله العلي العظيم! أكبر حقيقة إطار هذا الموضوع تجده لا يراها! إن بعض الناس يصدق فيه ما حصل للطفيل بن عمرو، لما سمع بخروج النبي ﷺ في مكة، قيل له: إنك تأتي إلى رجل كلامه السحر، فاجعل في أذنيك الكرسف -وهو القطن- حتى لا يؤثر عليك، فأخذ الطفيل بن عمرو القطن ووضعه في أذنيه، وذهب إلى مكة حتى لا يسمع، ثم قال: أما وإني من أشعر العرب، وأميز سجع الكهان من الشعر وغيره، فلماذا لا أزيل هذا القطن وأسمع، فإن كان ما يقول محمد حقاً قبلته، وإن كان باطلاً رددته؟ فجاء وسمع من النبي، فسمع كلاماً حقاً، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فنحن نقول للذي قتله الشيطان بعداوة الوهم والخوف والإرجاف والتثبيط (عندهم ما عندهم، وراءهم ما وراءهم): هل هي منظمة سرية؟ ثم إن الدعوة إلى الله جل وعلا بفضل الله ينبغي ألا يوجد فيها حزبية، وأن تخرج عن إطار الحزبية الدعوة إلى الله في المساجد، الدعوة إلى الله علناً، لا يتردد الداعية أن يطرح الحق الذي عنده على الرصيف، أو في مقهى في شيشة، أو في مطعم، أو في مسجد، لأن عنده حقاً لا يتردد في تقديمه، وليس عنده شيء يخفيه أبداً، الحق واضح، وبفضل الله جل وعلا ما قد رأينا محاضرة سرية، وإلى الآن ما رأينا مشروعاً سرياً أبداً، بل يدعى الناس أن يأتوا، ولعلنا نطلع على ما يخطط العلمانيون الذين كانوا كفأر يوسوس خلف حائطٍ، نعم هؤلاء أعداؤكم، ولا تقولوا: ما عندنا أعداء، لنا أعداء، ورسول الله ﷺ كان له أعداء يخططون في الليل والنهار، سراً وجهاراً. إذاً: فالدعاة الذين كلامهم ومحاضراتهم وحديثهم على الملأ في وضح النهار والله ليسوا بأعداء، إنما الأعداء كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل:٤٨]، الأعداء الذين يتهامسون سراً، ولا ينبغي أن يوجه إليهم الإعلام حتى يفسدوا الأمة، هم يتمنون ذلك، ولا يلزم من كلامي هذا أن يوجد الآن من يفسد، قد يوجد ونحن لا نعلم الغيب، لكن عداوة الإرجاف والتثبيط هذه هي التي قتلت، لذلك أقول: أخي الحبيب! إياك إياك أن تكون عدواً لإخوانك أو لنفسك بعداوة الوهم والإرجاف والتثبيط التي يزخرفها ويزينها ويوسوس بها الشيطان عليك.

стр. 117

هل وجود الأعداء يضرنا ؟ ختاماً: هل وجود الأعداء يضرنا؟ لا والله ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:١٥ - ١٧] ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل:٥٠ - ٥١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال:٣٦]، كم أنفقت روسيا في أفغانستان من مليارات؟ وماذا كانت النتيجة؟ حسرة التمزق، وحسرة التفكك، وحسرة الضياع التي انتهت إليها تلك الإمبراطورية الهشة على عقيدة مضادة للفطرة، أو على نظرية مضادة للفطرة. إذاً: فوجود العدو لا يزيدنا إلا تماسكاً، ولا يزيدنا إلا إعداداً، ولا يضرنا، وموقفنا تجاه الأعداء أن نعمل ونجتهد، وأن ننشر الخير في مجتمعاتنا يا إخوان! الأعداء يخططون من مبدأ انتج اسمه: تنبؤات المستر أداموت، هذا الفيلم عجيبٌ جداً، والذي أنتج هذا الفيلم ذكي بطريقة عجيبة، أراد من خلاله أن يقول: إن رجلاً اسمه أداموت، تنبأ منذ القدم بوقوع كوارث في العالم فوقعت، وتنبأ بأشياء كثيرة، منها مقتل كذا رئيس أمريكي، فقتل في المكان والزمان الذي حدده، وتنبأ بسقوط شاه إيران؛ فحصل، وتنبأ بـ النازية وهتلر وحصل، وتنبأ بـ موسليني؛ وحصل، وتنبأ بالحرب العالمية الأولى والثانية؛ وحصلت، ثم يقولون: الآن وقد تنبأ بحصول معارك طاحنة ستكون بين رجل يخرج من جزيرة العرب، فيقاتل الغرب، ثم يضرب نيويورك، ثم بعد ذلك تستخدم في هذا الأسلحة الروسية، ويرد على المارد العربي القادم بأسلحة مضادة، ثم يشمل العالم دمار رهيب، ويصيب العالم رعب مخيف جداً. عداوات متطورة، ليست عداوات شتم، ولا عداوات سباب، وللأسف نحن -معاشر المسلمين- حينما نقف في مواجهة عدو، وحينما نثبت في مضادة خطر، تجد أن عندنا سبعين في المائة كلام، وثلاثين في المائة عمل، إلا من رحم الله من المسلمين، لكن الأعداء ما رأينا يوماً زعيماً كافراً يسب ويشتم المسلمين، لكنه يطحن المسلمين طحناً، ويعذب وهو ساكت نعم، العداوة التي تترجم إلى عمل، نحن نريد أن نترجم مواقفنا تجاه الخطر، وتجاه العدو، وتجاه كل شيء يهددنا أن نترجمها إلى عمل، عندنا خطر وافد علينا، نترجم هذا الخطر بالاهتمام بأولادنا، بالاهتمام بالنشء، بالاهتمام بالشريط الإسلامي الاهتمام بالكتاب نشر الخير مضادة المنكر مضادة أهل الفساد مضادة الذين يريدون قلب الهوية من إسلامية إلى علمانية، ومن توحيد خالص إلى شوائب مختلفة، نترجم هذه المواقف إلى برامج عملية فهل تستطيعون؟ وهل تقدرون؟ وهل تفعلون؟ نسأل الله أن نكون من العاملين، وأسأله أن يكون ما سمعناه حجةً لنا لا علينا، وأنتم -يا أحبابي- ما سمعتموه من حق وصواب فهو من الله وحده لا شريك له، ليس مني، ولا بي، ولا إليَّ، ولا لي، وإن كان خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً على حضوركم، وصلى الله وسلم على محمد.

стр. 118

كشمير ومآسيها كشمير مأساة بيّنت الحقد الهندوسي على الإسلام والمسلمين، فيها قصص تقشعر لها الأبدان، وإحصائيات تفوق الخيال. ومن أجل ذلك كان لابد لكل مسلم يعيش قضايا إخوانه المسلمين أن يعلم مآسي المسلمين هناك وماذا يفعل الهندوس بهم، وما هي أساليبهم وسياساتهم للقضاء على المسلمين، وما هو دور اليهود في هذه القضية، وبعد ذلك سيتضح لك أن لا خيار للشعب الكشميري إلا الجهاد والجهاد فقط، فهل سيجدون منكم ناصراً ومعيناً؟!!

стр. 119

لمحة عامة عن كشمير الحمد لله، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين: حديثنا اليوم رسالةٌ مهمة، وبرقيةٌ عاجلة خطيرة، عن قضيةٍ منسية، أو مجهولةٍ عند بعض المسلمين، صرخات لم نسمعها، حتى رأينا أفواه القتلى مفغورة تدل عليها، وحناجر بُحَّت لم نلتفت لها حتى رأينا بصمات المُدى وآثار السكاكين على حلوق الأبرياء، ودموع سكيبة لم تُمسح حتى سال الدم بدل الدموع على الخدود. ولكنني لما رأيتك غافلاً وقد كنتَ لي كفي وزندي ومعصمي بكيت دماً يوم النوى فمسحته بكفي فاحمرت بناني من دمي فلو قبل مبكاهم بكيت صبابةً لكنتُ شفيتُ النفس قبل التندمِ ولكن بكوا قبلاً فهيَّج للبكا بكاهمْ فقلت: الفضل للمتقدمِ

стр. 120

حال مسلمي كشمير استغاثات تترا من مسلمات تُهتك أعراضهن، ولم يجدن من ينجدهن حتى رأينا جثثهن في النهر شاهدةً على الفرار من الاغتصاب، وبيوت هُدِّمت، ومنازل أحرقت، فلم يُلتفت لدخان الحريق، أو وجبات الجدران والأعمدة حتى رأينا المهاجرين والمشردين والجوعى والعراة، فهل بتنا لا نصدق حفوف المخاطر بنا حتى نرى فعل الطغاة والبغاة في أبداننا! أيها الأحبة: هذا كله في كشمير أرض المستضعفين الذين يقولون: ربنا هيء لنا من أمرنا رشداً، واربط على قلوبنا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

стр. 121

موقع كشمير كشمير أقليم كأنه جنةٌ من جنان الله في الأرض، يجاوره جواراً غاشماً الاستعمار الهندوسي من الجنوب الشرقي، والصين الشيوعية الملحدة من الشمال الشرقي، وما يسمى بـ الاتحاد السوفيتي سابقاً من الشمال الغربي، ودولة الباكستان من الجنوب الغربي. وتمتد حدود هذا الإقليم (جامو وكشمير) مع باكستان إلى أكثر من سبعمائة كيلو متر، بينما الحدود المتاخمة للهند لا تجاوز ثلاثمائة كيلو متر.

стр. 122

أصناف السكان وأعدادهم في كشمير وعدد سكان كشمير: اثنا عشر مليوناً، (٨٥%) منهم مسلمون، والبقية سيخٌ وهندوس. أرضٌ ريانةٌ فينانة بحدائقها وأنهارها وجبالها التي يجللها بياض الثلوج، أصبحت الآن إقليماً ملتهباً، حرارةٌ على سطحٍ بارد. وكشمير الآن قسمان: قسمٌ محرَّر. وقسم محتل. يتكون من الوادي الكبير؛ وادي كشمير، وجامو، ولداغ، والغالبية العظمى -كما قلنا- للمسلمين.

стр. 123

تاريخ كشمير مع الإسلام والمسلمين ما تاريخ هذه الولاية مع الإسلام والمسلمين؟ في أواخر القرن الرابع عشر قَدِم داعيةٌ مسلم اسمه: بلبل شاه، قدم هذه البقعة الجميلة، فدعا مَلِكَها الذي يسمى: رينجن شاه، فأسلم الملك البوذي، واختار لنفسه اسماً إسلامياً، فتَسمى بـ صدر الدين، وأسلم معه كثيرون من القادة ورجالات الدولة. واستمر الحكم الإسلامي في كشمير حتى سنة (١٨١٩م) حيث استولى عليها السيخ. وفي عام (١٨٤٦م) احتلها منبع كل شر، وأصل كل فتنة، ودعاة كل فرقة، احتلها البريطانيون الإنجليز، ثم قام الإنجليز ببيع الولاية وسكانها إلى طائفة من القبائل الهندوسية والوثنية، واسمها: الدوجرة، باع البريطانيون المسلمين والإقليم الذين يعيشون عليه ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف:٢٠] بِيْع الرأس المسلم ذكراً كان أم أنثى، صغيراً أو كبيراً بسبع روبيات. وفي تلك الفترة نشأت حركة التحرير لولاية جامو وكشمير، بقيادة مؤتمر مسلمي جامو وكشمير، وكانت تلك الحركة تهدف إلى إنقاذ الولاية المسلمة من براثن الملك الهندوسي هيري سنغ، وانضمامها إلى دولة الباكستان المجاورة، فتحرك العملاء ونشط المفسدون وأسسوا حزب المؤتمر القومي لولاية جامو وكشمير؛ لأجل إفساد عمل المسلمين والسعي إلى انضمام الولاية إلى الهندوس، وهذه مصيبة كل المسلمين في هذا الزمن؛ أن تتسلط الأقليات المنحرفة الكافرة على الأغلبيات المسلمة الصالحة؛ أن يتسلط الكفار على المسلمين، ولا أستثني إلا بقاعاً معدودةً محدودةً على وجه الأرض. لقد تحركت الشبيبة المسلمة في كشمير، واستبسل المسلمون وقاموا بتحرير جزء كبيرٍ من ولايتهم على إثر تلك الإهانات والخيانات، وسَمَّوا ما حرروه: كشمير الحرة، عام: (١٩٤٧م) واستطاعوا بفضل الله أن يخيبوا وينقُضُوا بمنطق القوة تلك الاتفاقية التي أجراها الملك الهندوسي، والتي تنص على إبقاء وضع كشمير كما هو معلقاً لا يُحسم حسبما وعدوا سلفاً، وما أكثر مواعيدهم، وعدوا أن الشعب الكشميري هو الذي يقرر مصيره بنفسه بأن ينضموا إلى الهند أو إلى الباكستان، ولكن لم يفُوا بهذا. ولم يقف الظلم عند هذا الحد، بل تعدى الملك الهندوسي وتسلط فأبرم اتفاقيةً أخبث من آنفة الذكر بعد فراره على إثر حملات التحرير المسلمة من قبل الشباب المسلم، حيث وقَّع اتفاقيةً بموجبها يضم كشمير إلى الهندوس، والعجيب أن يتم هذا ويجثم الهندوس على صدور المسلمين في المناطق التي لم تحرَّر من كشمير في وقتٍٍ تتابعت فيه تصريحات زعماء الهندوس السابقين واللاحقين، ومن أبرزها: تصريحات عديدة للهالك جواهر لال نهرو، حيث يقول: إن ضم أي إقليم أو ولاية متنازَعٍ عليها ينبغي أن يبت فيها طبقاً لرغبات الشعب، وإن شعب كشمير سوف يقرر مسألة الانضمام إلى من شاء.

стр. 124

خيانة الهندوس لأبناء كشمير أيها الإخوة: لقد كانت القرارات الدولية المتعلقة بتقسيم منطقة جنوب آسيا عام: (١٩٤٧م) تنص على: أن تنضم ولاية جامو وكشمير لـ باكستان، وفقاً للقرار القاضي بأن المناطق ذات الأغلبية المسلمة تنضم إلى الباكستان، ولكن وعلى إثر تلك الاتفاقية الزنيمة استعمل الهندوس المحتلون ما ورد فيها، وجعلوا ذلك ذريعةً للسيطرة على الولاية وأهلها، فانتشر الجيش الهندوسي مع جيش الرئيس الدعي الفار، وبتأييد من روسيا، وبدءوا مسلسل القتل والنهب والهتك والحرق على فصول داميةٍ أليمةٍ، لم تنتهِ حتى هذه الساعة. وفي تلك الفترة هرب ما يزيد على نصف مليون مهاجر إلى الباكستان، وقامت الحكومة الهندوسية، فأعلنت خدعةً لمن يريد السفر إلى باكستان أنها سوف تساعده، ولا تمانع من هجرته، فلما اجتمع الأغرار الراغبون في الهجرة فُتحت أفواه الرشاشات على صدورهم ورءوسهم فسقطوا على إثر ذلك، وسقط ما يربو على نصف مليون قتيل ما بين رجلٍ وامرأة، وعجوزٍ ورضيع، وبعد هذا كله رُفعت هذه القضية إلى أروقة الأمم المتحدة (الأمم المتحدة على المسلمين) رُفعت أوراق القضية لتتمطى في أدراج ومقاعد هيئة الأمم ولتعيش مخاضاً أليماً أنتج قراراً مشوهاً، وهو: وقف إطلاق النار في الولاية، وعدم انسحاب الهندوس من أرض المسلمين. وفي عام: (١٩٤٩م) تم ذلك وليس ببعيد أن يكون هذا القرار وميلاده لَمَّا خيف على الهندوس من حملات المسلمين وجهادهم المستميت، ولَمَّا خُشي أن تسري روح الجهاد في نفوس الناس هناك، ثم أنتجت تلك القرارات التي نصت على إجراء الاستفتاء في الولاية ليقرر الشعب مصيره، ولكن لم يذعن الهندوس لهذا، أو يظهروا جديةً في تطبيق القرار، أو يفوا بوعود زعيمهم جواهر لال نهرو، بل تجاهلوا ذلك كله، واليوم بدءوا ينكرون القضية من أصلها، متجاهلين ما سلف منهم وعنهم؟ وفي عام: (١٩٦٥م) قرر المسلمون أن يقوموا بالجهاد المقدس ضد الاستعمار الهندوسي، ولما انطلقت شرارة القتال الأولى حمل المسلمون حملاتٍ باسلة أفزعت الهندوس، فلم يجدوا مخرجاً سوى توسيع دائرة المعركة، فلما نشبت المعركة رد الهندوس بهجومٍ شامل استهدف كشمير وباكستان بالدرجة الأولى من أجل خلط أوراق القضية، ومع هذا باء الهندوس بفشلٍ ذريع، وهزائم مخزية، ولما رأى أعداء الإسلام أن الكفة في هذه المعارك لصالح المسلمين تدخَّل الاتحاد السوفيتي سابقاً ليكون حَكَماً في هذه القضية، وكالعادة قُلِبَت الموازين وجُعِل الظالم بريئاًَ، والمظلوم غاشماً معتدياً. وبعدها التفت الهندوس مرةً أخرى التفاتة الذئب إلى فريسته بعد مطاردةٍ مضنيةٍ منهكة، فقام يجر شحنات هوانه والخزي الذي لحقه، لينتقم في أبدان الجياع والعزل والأبرياء من أبناء كشمير المسلمة، وتلكم صورةٌ من صور انتقام الجبناء.

стр. 125

أساليب وسياسات الهندوس ولم يكتف الهندوس بسلوك الطرق العشوائية البربرية لتصفية المسلمين، بل درجوا على الاستفادة من تجارب السابقين، الذين شهد عليهم التاريخ بممارسة تلك الأدوار الدامية الأليمة، حيث أرسل الهندوس خبراء كباراً إلى أسبانيا ليتعلموا من ملفات محاكم التفتيش، وخبراء إلى الاتحاد السوفيتي ليتعلموا من اضطهاد المسلمين في تركستان الشرقية، وليدرسوا السياسات والأساليب التي انتُهجت لإجهاض صحوة المسلمين وتصفيتهم، وكان أول قرارٍ خرجوا به:

стр. 126

نشر الفساد وطمس الهوية الإسلامية محاربة التعليم الإسلامي، وطمس الهوية الإسلامية، وتشجيع الزواج بالهندوسيات، كل ذلك يسير جنباً إلى جنب مع نشر الفساد، وأشرطة الدعارة، ومواخير الرذيلة، وأماكن الزنا، لإفساد الشعب الكشميري المسلم. لذا دأب الشباب المسلم في كشمير المحتلة على التحذير من الزواج بالهندوسيات، بل والتهديد، ومهاجمة محلات الخمور والفيديو والسينما، مع السعي الحثيث إلى نشر التعليم الإسلامي ولو بأبسط الأساليب للمحافظة على الهوية الإسلامية في المنطقة.

стр. 127

تنشيط العمالة والنفاق بين الشعب وأما سعي الهندوس لشق صفوف المسلمين، وتشجيع وتنشيط العمالة والنفاق بين الشعب، فحدث عن هذا ولا حرج، ولأجل ذلك شجَّع الهندوس قيام حركةٍ في وسط كشمير؛ حركة علمانية يسارية باسم (جبهة تحرير كشمير المحتلة) والتي ربما تكون سبباً في إشعال حربٍ قادمة بين الهند وباكستان، علماً أن أتباع هذه الجبهة العميلة لا يشكلون نسبة اثنين في المائة من كشمير الحرة. أيها الأحبة: وحيث يسعى أتباع هذه الجبهة إلى عبور خط الهدنة الفاصل بين كشمير الحرة وكشمير المحتلة وذلك: لتقوم السلطات الهندوسية بالقبض على زعيم الجبهة العلمانية، ولتصنع منه بطلاً ورمزاً يتفاوض الهندوس معه وليغطَّى بذلك على القيادات الإسلامية، ويسحب البساط منها ويسلط الضوء على العميل اليساري. هذا أولاًَ. وثانيا: ً لإيجاد فوضى لا حدود لها في باكستان حينما تمنع مسيرة عبور الحدود، حتى لا تندلع الحرب من جديد مرةً ثالثة أو رابعة بين الهند وباكستان. ومما لا شك فيه أن هذه سياسةٌ هندوسية غربية لفصل كشمير الحرة عن المسلمين، وصرف الأضواء عن القادات الإسلامية، وقادات الجهاد الإسلامي في كشمير إلى قيادات علمانية، كما حصل في كثيرٍ من البلاد المسلمة التي نالت استقلالها ونشرت نفوذَها على أراضيها.

стр. 128

الدعوة للردة بعد التهديد لقد دأب الهندوس ومضوا في عرض أفلامٍ على جماعات السكان من الرجال والنساء والأطفال، يخرجونهم ثم يعرضون عليهم أفلاماً تحمل صوراً ومشاهد وثائقية -صوراً حية- مليئة بالذبح والقتل، والتعذيب والإهانات، ثم يقال لهؤلاء العزل بعد مشاهدة المشاهد الحية والوثائقية: هذا جزاء من أصر على الإسلام ولم يعتنق الهندوسية، وبعد ذلك لا يملك بعض الأبرياء العزل والخائفون الجهلة إلا أن يذعنوا ويرتدوا.

стр. 129

محاربة المسلمين ومحاولة إبادتهم وأما سياسات الهندوس وأساليبهم في القضاء على المسلمين فتتلخص فيما يلي: تغيير المناهج التعليمية في المدارس. إيقاف تدريس القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. نشر الإباحية والفساد الخلقي في المعاهد والكليات. تشجيع التبرج والسفور. تشجيع الزواج بين المسلمين والهندوس. تنشيط الخلاف والشقاق في صفوف المسلمين. منع ذبح البقر تقديساً لها. إباحة الخمور والمخدرات. تأسيس دور السينما والملاهي الليلية وحمايتها. المنع من تعدد الزوجات. تحديد نسل المسلمين بنشر كل غذاءٍ ودواء في تركيبه ما يُسبب العقم للرجال والنساء. هذه الأساليب السلمية ظاهراً، وأما أساليب القمع فأستأذنكم في إزاحة الستار عن مشاهد الحزن والأسى كي نسمع ونرى وقود المعركة، وضريبة المواجهة، وثمن العزة. وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ وما هو عنها بالحديث المرجَّمِ آلافٌ من المعتقلين دون محاكمة أو وفق قانون يسمح بذلك. شيوع أعمال العنف. سوء المعاملة لكل مسلم على نطاقٍ واسع مما سبب موت الكثير من الأفراد. وتخصيص الهندوس؛ يخصص الهندوس وقد نطق بهذا أحد الدعاة السلفيين الصالحين المعروفين؛ جاء إلى مسجدنا هنا في ليلةٍ من ليالي رمضان، وأخبر والدموع تترقرق من عينيه، وقال: إن الهندوس الآن حينما يريدون أن يمارسوا نوعاً من الذل والهوان، فإنهم ينزلون في قرية مسلمة وبمكبرات الصوت ينادَى المسلمون في بيوتهم أن افتحوا أبوابكم هذه الليلة لأجل ماذا؟ لكي يدخل عبدة البقر فيزنوا بمن أرادوا، ويغتصبوا من شاءوا، ويشذوا ويلوطوا بمن شاءوا، والويل لمن أغلق بابه، فالموت بإطلاق النار من فوهات البنادق والرشاشات لمن أبدى أدنى مقاومة.

стр. 130

نماذج من القهر والتسلط على الأبرياء العزل في كشمير وهاكم نماذج من القهر والتسلط على الأبرياء العزل في كشمير المحتلة: في قرية كنام بوشي بورا، في ليلة الثالث والعشرين من شباط فبراير عام: (١٩٩١م) -واسمحوا لي أن أنقل هذه التواريخ بالميلادي- دخل القرية مئاتٌ من جنود الكتيبة الرابعة التابعة للفرقة (٦٨) مشاة، وفي ليلة باردة أُخرج السكان من منازلهم، وأوقف الأطفال والرجال والنساء في ملابس نومهم في العراء، وهم ينتفضون ويقشعرون من البرد، ودقت ساعة الصفر، فدخل الجنود ينهبون ويحرقون ويغتصبون؛ فحطموا الأبواب وطافوا بالبيوت واغتصبوا ثلاثاً وخمسين امرأة؛ أصغرهن: الطفلة ميشرا البالغة من العمر ثلاثة عشر عاماً، وأكبرهن: العجوز جانا البالغة ثمانين سنة، وكل واحدةٍ من الثلاث والخمسين امرأة تعرضت للاغتصاب الجماعي المتتابع المتوالي. وهاكم قصةً أليمةً لمسلمةٍ انتهك الهندوس عرضها، فكتبت هذه الرسالة تقول فيها: نحن أخواتكم بين براثن الجنود الهندوس منذ أكثر من أربعين سنة، تُنتهك أعراضنا ليلاً ونهاراً، يتعاقب عبدة البقر على عوراتنا، غير أننا منذ سنتين بدأ الهندوس في مزيدٍ من هذه الأفعال، وبصفة جماعية ووحشية، وكم انتظرنا من إخواننا في العالم الإسلامي أن يهبوا لنجدتنا كما قام محمد بن القاسم الثقفي لنجدة مسلمةٍ في السند، ولكننا عندما لم نجد ولم نرَ أي استجابةٍ لصرخاتنا ظننا أن المسلمين لا يعرفون عما حدث بنا، ولا يدرون عما حل بنا على أيدي الهندوس فقررت أن أكتب هذه الرسالة. تقول المسلمة المغتصبة الهاربة: قررت أن أكتب هذه الرسالة، وأضعها في عنقي وألقي بنفسي في نهر جيلم لعل جثتي أن تصل إلى كشمير الحرة، أو إلى باكستان، وتصل الرسالة معها إلى إخواننا في العالم الإسلامي. وبالفعل لقد وُجِدت تلك الجثة الغريقة طافيةً على شاطئ النهر، وُجِدَت في كشمير الحرة، ونُشِرت الرسالة في الصحف الباكستانية، ونُشِرت في الصحف الإسلامية، وتُلِيت على أسماع المسلمين وكان ماذا؟ تسعون ألفاً لعمورية التهبوا واليوم تسعون مليوناً وما بلغوا نضجاً وقد عُصِر الزيتون والعنبُ وأما تصفية قادة المسلمين في كشمير: فقد قتل الشيخ محمد فاروق إمام أكبر مسجدٍ في كشمير، أطلق عليه الرصاص في مكتبه بوابلٍ من الطلقات، وعندما شيع المسلمون جنازته لم يقف الحقد الهندوسي في الحياة، بل تبعه حتى بعد فراق الحياة وبعد الممات، أطلقت الشرطة الهندوسية على مشيعي الجنازة بل وعلى الجنازة فوق النعش نيرانها وقتلت الكثير من مشيعي الجنازة. وأما إخصاء المسلمين وتحديد نسلهم وتهجيرهم وتوطين الهندوس مكانهم كما يفعل اليهود الآن في فلسطين: فحدث عن هذا ولا حرج. أيها الأحبة: لقد نشطت الجمعيات الهندوسية الداعية إلى تكفير المسلمين وردتهم عن دينهم، وكثفت جنودها في كثيرٍ من المناطق التي يسودها الجهل، وحققت بعض ما تصبوا إليه، إذ ارتد حتى الآن أكثر من (مائتي ألف مسلم) حسب الإحصائيات الواردة، ولا يملك المسلمون في الهند إلا القلق والأسى أمام إخوانهم الذين يرونهم يرتدون وهم عاجزون أن يقدموا لهم شيئاً. أما هذه الواقعة التي ستسمعونها الآن فتهيئوا بجأش ربيط، وصبروا مشاعركم لاستماعها: استغاثة إلى الضمير من أحد الكشميريين الذين ابتلوا على أيدي مفترسي الهندوس. يقول المظلوم: في لحظاتٍ غير بعيدة دخلت فرقة من قوات الأمن الحدودية، دخلت بيتي كأنها حيواناتٌ مفترسةٌ من الغابة، وكنت الرجل الوحيد في البيت، أردت الفرار لإنقاذ حياتي ولكن وجدت العافية في إلقاء القبض علي لما رأيت الأسلحة في أيديهم، كنت الرجل الوحيد بين يدي أطفالي وزوجتي، أخرجوني من البيت ثم ربطوا الرباط على عيني، وربطوا يديَّ خلف ظهري وزوجتي وبناتي وأطفالي كلهم ينظرون ويصرخون لهول هذا المشهد، ولكن لم يستطيعوا أن يقدموا شيئاً من شدة الرعب والوحشية، أدخلوني في الشاحنة بعد أن غطوا عينيَّ وربطوا يديَّ، والشاحنة كانت مليئةً بشباب كشمير المسلم، والصراخ والأنين يمزقان نياط القلوب، والجنود يسبون ويضربون بأطراف البنادق، فجأةً علت صرخة مؤلمة حين ضُرِبَت جمجمة المسلم الكشميري بعقب البندقية، فسقط على ظهره مغمىً عليه، ضحك الجنود وقهقهوا؛ لأنهم يتمتعون بهذا المشهد، وكانت الشاحنة تتوجه إلى مقرها المجهول، وما كان لنا إلا أن نتحمل ضربات البنادق، وكان هؤلاء الظالمون يمشون أحياناً على جثث الناس، ثم يدوسون أجسامنا بأحذيتهم، وقفت الشاحنة بعد مسافة استغرقت الساعات، وبدأنا ننتظر مصيبةً جديدةً متوقعة، ما علمنا عن مكان وجودنا إلا بأصوات الطائرات كأننا بجوار مطار سرنغار، كانت أيدينا مربوطة والعيون مغطاة غير مفتوحة، فكيف ننزل من الشاحنة، هذا ما كنت أفكر به حين ضربني أحد الجنود بقدمه وركلني من ظهري فسقطت على كومة الناس كما يلقى كيس الدقيق، ثم تتابع سقوط الآخرين علينا، وأثناء سقوطي شعرت أن في فمي حصاة ملحٍ، نُقِلْتُ في هذه الحالة إلى غرفةٍ حيث وجدت أنني وحيد، وأخرجت من فمي حصاة الملح، ولكنني وجدتها سناً من أسناني فما كان الملح في الفم إلا الدم الذي سال بسبب نزع السن لأن الإصابة كانت شديدة، وفجأةً ضرب أحدهم بساق البندقية على رأسي، فساد الظلام في عيني، ثم وقعت على الأرض مغمىً علي، ولما استعدت الوعي وجدت رجلين، واحداً يمسكني من اليدين، والآخر من القدمين، ونثرا في عيني مسحوق الفلفل فبدأت أتململ من شدة الألم، طلبت شربة ماء، فقيل لي: أتريد ماءً ردد ونادِ وادعُ إلهك الذي تسبح به، ادع إلهك وردِّد كلمةً يرددها المسلمون، يريدونه أن يقول: (لا إله إلا الله) فأخذ يصرخ بملء فيه: (لا إله إلا الله، لا إله إلا الله) فقيل له: قف، فقد دنا وصول الماء إلى فمك، وما هي إلا لحظات إلا وجنديٌ هندوسي يبول في فم هذا المسلم، ثم علقوه من رجله إلى سقف الزنزانة والصرخات كانت ترتفع من كل جانب، يقول: شَمَمْتُ رائحة احتراق اللحم، كانوا يطفئون السجائر في أجسام السجناء، والسجين ينادي بصوتٍ عالٍ: الله الله والجنود يستفسرون منه: أين ولدك يا حمار؟ والشيخ يتضرع إليهم بقوله: ابني لم يعد منذ سنتين ولا أعلم عنه شيئاً، أنا أبٌ لأربع بنات، ارحموني لله، فيرد الهندوسيون بقهقهة وهم يتمتعون بتعذيبه: هل تأتي لنا ببناتك لو أطلقنا سراحك؟ ثم ضرب أحدهم الشيخ بقدمه فيسقطه مغمياً عليه، ثم تنبعث رائحة احتراق الشعر، كان الظالمون الهندوس يحرقون لحية الشيخ، ولما بدأ هذا الحريق يشتعل في لحية الشيخ وبلغ وجهه وأخذ يصرخ تقدم أحدهم يطفئ الحريق ببول يبول به على وجه الشيخ. إلى الآن يقول هذا المسلم: كنت معلقاً وأشعر بأن الدم يجتمع في رأسي ووجهي، وكاد رأسي ينفجر، ولما أفاق الشيخ الذي بجواري من الإغماء، طلب الماء للوضوء، فقال أحدهم: قم وتوضأ بالبول يا حمار. ثم تقدم الوحشيون إلى شيخٍ آخر، وقالوا له: يا حمار لقد قُتِل ابنك، ولو سلمت إلينا بنتك لأطلقنا سراحك، ثم بصقوا على وجه الشيخ واحداً بعد الآخر، ثم مزقوا لباسه وأظهروه يجرون سوءته، ويسألونه ويقولون: أين كلاشينكوف ولدك؟ كان معظم المعتقلين يقضون حوائجهم من الغائط في أحذيتهم، أما الماء فيقدم في الصباح قليلاً وفي المساء قليلاً في آنيةٍ مملوءةٍ ممزوجةٍ مقذرةٍ بالبول والغائط. ولا تسل عن عدد الشيوخ والصالحين المسلمين الذين نراهم يهانون بإظهار عوراتهم وسوءاتهم أمام الآخرين، أنواعٌ وألونٌ من الهوان. وبعد هذا يقول: نقلنا بالطائرة إلى مدينة جامو، وكنا ثلاثين شاباً، بعد الخروج من المطار وصلنا إلى مركز التفتيش، حيث كانت جماعة من المفترسين في انتظارنا. ثم ماذا جرى علينا من أنواع التعذيب بعد ذلك؟ ألقونا في حافلةٍ ونحن في حالة إغماء، وعاد إلينا الوعي حين مررنا من سوق جامو والجيوش يصبون علينا ألوان النجاسة من البول والغائط والماء الفاسد، وهنا ازدحموا وبصقوا علينا وركلونا، وقالوا لنا: مبروك التحرير، خذوا الحرية، وذوقوا لذة الاستقلال. بعد ذلك: وصلنا إلى مركز تعذيبي في جامو وواجهنا أشد أنواع التعذيب في أول وهلة، كووا أجسامنا بقضائب متأججة، وأدخلوا شموعاً مشتعلةً في بطون الشباب، وأنواعاً من الحديد ملتهبة في أدبار الرجال، وكانوا يسوقون الإسطوانات الثقيلة على الأجساد، ومن أنواع الأذى كانوا يجرون الأجفان، والألسنة، والشفاه، وشعر اللحى، وبعد شهرٍ كامل تركونا على شوارع سرنغار في ليلةٍ باردة، سلبوا منا النقود وسلبوا منا كل شيء وبعد ذلك رموا بنا في الشارع، ولما عدنا إلى بيوتنا علمنا أن أقاربنا قد قتلوا، والشباب ألقي القبض عليهم، والنساء المسلمات اغتصبن وانتهكت أعراضهن، وسمعت وعلمت أن كثيراً من النساء ألقين بأنفسهن من سطوح المنازل حفاظاً على أعراضهن في عملية دخول الجنود للقرية، وعملية اغتصاب الأطفال والنساء. لماذا يذبحون ونستكينُ ولا أحدٌ يرد ولا يُبينُ أللإسلام نسبتنا وهذا دم الإسلام أرخص ما يكونُ تغوص خناجر الهندوس فينا وينحرنا التسلط والجنونُ ونحن نغط في نومٍ بليدٍ وتضحك من بلادتنا القرونُ وإن المؤمنين بكل أرضٍ شريدٌ أو سجينٌ أو طعينُ لقد ضاقت سجون الأرض فيهم وما ضاقت بهندوسٍ سجونُ دم الإسلام مسفوحٌ فمن ذا يرد له الكرامة أو يصونُ تحاصرنا المجازر كل يومٍ وتهدم في مرابعنا الحصونُ فكم من مسجدٍ أضحى يباباً وعاث به التهتك والمجونُ نباد نباد والأموال فينا على هلعٍ يضن بها الضنينُ فلا خيل الفتوح ت

стр. 131

إحصائيات الأحداث في كشمير عدد الشهداء والقتلى -نسأل الله أن يجعلهم شهداء: (٢١. ٧٨٠شهيداً)! والجرحى من الرجال والنساء: (٢٢. ٠٠٠ جريح)! والطلاب الصغار الذي أحرقوا وهم أحياء في منطقة كبوارة: (٢٢٠ طفلاً)! و (٤٠٠) طفلٍ في مدرسةٍ ابتدائية هُدمت المدرسة عليهم! والسجون مليئةٌ بما يزيد على (١٨. ٠٠٠) شابٍ، يَلْقَون ألوان التعذيب، والمسجونون غيرهم كثير! وأما الذين أحرقوا: فقد جاوزوا المئات! والمهاجرون: جاوزوا عشرات الآلاف! ومن عزلوا من وظائفهم من المسلمين: جاوزوا الآلاف! وأما اللاتي انتهكت أعراضهن: فقد نِفْنَ على الخمسة آلاف امرأة! عدد النساء اللائي قُتِلن بسبب هتك الأعراض، بسبب توالي الهندوس على فروج المسلمات: مات أكثر من (١١٠) نساء! عدد النساء اللائي هربن وألقين بأنفسهن في النهر: أكثر من (٢٠٠) امرأة! عدد الحوامل اللائي أجهضن: بلغن (٦٠) امرأة! عدد اللائي توفين خلال عملية الولادة، إذ لا عناية ولا علاج: أكثر من (٢٠٠) امرأة! عدد الذين قطعوا خصيهم جبراً وقهراً في قرية كيلو بورا: أكثر من (٤٠٠) شاب، يجرد المسلم، وتُجَر خصيته، وتقطع، ويقال له: حتى لا يخرج من نسلك أو من ظهرك مسلم أبداً! وأما الذين ذبحوا ذبح الشياه أمام الآباء والأمهات: ينيفون على الثلاثمائة شاب! وعدد الأطفال الذين ماتوا بسبب المجاعة والتشرد: أكثر من (٢٣٠) طفلاً! والمتاجر التي أحرقت: تزيد عن (٢٠. ٠٠٠) متجر! والمدارس؛ مدارس تعليم القرآن وكلام رسول الله ﷺ ، التي تزيد عن (٥٥٠) مدرسة: كلها أُحْرِقت وهُدِّمت! والأنعام التي أحرقت؛ المواشي، البهائم التي يملكها المسلمون، وهي مصدر رزقهم بعد الله؛ تحرق أمام المسلم، وتتدحرج دمعة المسلم وهو يرى مواشيه وأنعامه تحرق: أكثر من (١٠٠٠) حيوانٍ وبهيمة! أما الزروع: فقد أتلفوا ما تزيد قيمته على (١٠٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠)!

стр. 132

بيان أن الخيار الأوحد للشعب الكشميري هو الجهاد أيها الأحبة: ماذا عن إخواننا هناك؟ ومنذ أربع وأربعين سنة وأرض كشمير تودع الخضرة وترويها الدماء، وشعب كشمير يئن تحت وطأة الظلم والبغي الهندوسي ولا من سميع أو مجيب. نناديكم وقد كثر النحيبُ نناديكم ولكن من يجيبُ كان لا مناص ولا خيار عن الجهاد على أرض كشمير لإقامة دولةٍ إسلامية، حتى ولو أريقت الدماء، أو تدحرجت الرءوس، فلأن نقدم قرابين النصر والعزة من شباب الأمة لتحيا الأمة عزيزةً أبداً خيرٌ من أن نستسلم للذل والهوان، فتُذْبَح الأجيال تلو الأجيال خوفاً على الحياة، ثم لا نجد الحياة إلا بذلٍ وهوان، وقهرٍ واغتصاب، وهل من سبيلٍ غير الجهاد؟ رغم الوعود الهندوسية ووعود هيئة الأمم الزائفة والقرارات المتحدة ضد المسلمين لم يجرِ استفتاء لأجل مسألة الحكم الذاتي، أو انضمام كشمير لـ باكستان. هنيئاً للعالم بالنظام الجديد! هنيئاً للعالم بـ هيئة الأمم! هنيئاً للمستضعفين بهذه! هنيئاً لأولئك الطواغيت بهذه الأنظمة الجائرة! أيها المسلمون: هل من سبيل سوى الجهاد، وقتل الكشميري قانونٌ هندي؟! وهل من سبيل غير الجهاد، واغتصاب المسلمة الكشميرية أمرٌ عسكريٌ ملزِمٌ للجندي الهندوسي؟! وهدم المنزل، وإحراق الزرع ضرورةٌ تمليها مصالح الوثنيين؟! لأجل هذا بدأ الجهاد في كشمير، وتفجر في مواقع عديدة، والنصر قادمٌ بإذن الله، بدأ الجهاد بوصيةٍ من أمر الله وأمر نبيه ﷺ ، وبدأت المواجهة، وكان ذاك ميراثاً ورثه الجيل المسلم في كشمير من شيوخه وعلمائه، أمثال: الشيخ/ نور الدين الداعية والواعظ المعروف ورئيس جمعية أهل الحديث المتوفى عام: (١٤٠٥هـ). والشيخ/ غلام مباركي. والشيخ/ محمد يوسف شاه. والدكتور/ غلام علي. والشيخ/ أحمد وفائي. والشيخ/ سعد الدين. من المشايخ الذين حملوا لواء الجهاد هناك. وبالفعل وعلى أرض الواقع انطلقت شرارة الجهاد، وذاق الهندوس الألم كما ذاقه المسلمون، وصدق الله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠]. فبحمد الله وعونه بلغ حتى الآن عدد القتلى من جِيَف الهندوس: ما يزيد على (١٠. ٠٠٠) هندوسي. ناهيك عن المغامرات الليلية المثيرة الممتعة في خطف واغتيال القيادات الهندوسية. وأما تدمير المصالح الاستراتيجية للهندوس فحدث عن هذا ولا حرج. لقد كانت استجابة الشعب المسلم في كشمير المحتلة أكبر من الإحصائيات، وأكبر من التوقعات المحتملة، فعلى الرغم من هذه المسلسلات البطشية والاعتدائية اليومية إلا أن جموع المتدفقين في مسيرات عارمةٍ أمام الهندوس يزيدون في بعض الأحيان على ثلاثة ملايين ونصف مليون مسلم يملئون الأزقة والطرقات، ويرفضون الاستبداد الهندوسي، يقفون ليسجلوا مع إشراقة كل صباح في الوادي الكبير أو سرنغار أو غيرها بياناً يبشر بفجر قادم للمسلمين، وخيبةٍ وهزيمةٍ لتأبين وطرد الهندوس. إن المعركة الدائرة التي يقودها المسلمون بقيادة الاتحاد الإسلامي لتحرير كشمير المسلمة والذي يضم إحدى عشرة منظمة إسلامية، قد توحدت في قيادةٍ واحدة ليكسبوا التأييد الشامل من شعب كشمير، الذي وجده قوياً أميناً على حمل هذه الأمانة، وبالفعل تراجع الهندوس وعرضوا عروض الهزيمة والانسحاب، عرض الهندوس على المسلمين في كشمير المحتلة أن يشكل المسلمون حكماً ذاتياً تحت وصاية هندوسية؟ فأبى المسلمون ورفضوا، وأبوا إلا طرد الهندوس والاستقلال التام، وهذا هو الجواب؛ الإباء، الرفض، الامتناع من تقديم وقبول أنصاف الحلول، هذا خيرٌ من العبث في القضية بعد إراقة الدماء. والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السَّلَمِ ولله در القائل: دعموا على الحرب السلام وطالما حقنت دماءً في الزمان دماءُ

стр. 133

نتائج الجهاد الكشميري فكان من نتائج هذا الجهاد أن تألف ستون ألف شاب مجاهد كشميري، ومنذ سنتين ونصف اختفت المؤسسات الحكومية المدنية الهندية على المستويَين: الرسمي، والشعبي في كشمير، وأما الحاكم الهندوسي في كشمير المحتلة فيسكن ويدير الولاية من ثكنةٍ عسكرية لأنه لا يستطيع أن ينزل في المدينة أو أن يسكن في المناطق المدنية. وإن النصر قادمٌ بإذن الله، وبوعد من الله القائل: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥]. وقد ظهرت علامات هذه الهزيمة للهندوس، حتى أمام الغرب الحاقد، فهذا مراسل مجلة التايم الأمريكية يقول في تحقيق نشره: إن الروح المعنوية للجنود الهندوس في تدنٍ وانهيار، الأمر الذي جعل الحكومة تلجأ إلى فتح باب تعاطي المخدرات بينهم للهروب من أزماتهم النفسية. وأما حالات الاستسلام وإلقاء السلاح والهرب فحالات كثيرة ولا غرابة. أقول أيها الأحبة: لا عجب أن يغيبوا بالمخدرات والحشيش عن واقع ما هم فيه؛ لأن من يقدم ليموت ويقتل شهيداً في سبيل الله، ليس كمن يُدْفَع بالتهديد وبالتخدير ليموت في سبيل وثنٍ؛ فَرْجاً كان أو بقرةً أو شُعلةً من نار. أيها الأحبة: والله لو أن ما حل بالمسلمين حل بالنصارى لدقت نواقيس الكنائس، وما كفَّت أجراسها عن العزف، ولما خلع النصارى ثياب الحداد في جميع أنحاء العالم؛ ولكن فليعلم الكفار أن الإسلام قادم، وليعلم الكفار أن العملاق ينتفض ليقوم، وتلك سنة ووعد من الله وعقيدةٌ ننتظر حلولها، إن أدركناها أو سوف يدركها أبناؤنا أو أبناء أبنائنا: (ليُظْهِرَن الله هذا الدين، وليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار حتى لا يبقى بيت مدرٍ ولا حجرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل).

стр. 134

اليهود وراء كل حدث أيها المسلمون: لقد بات جلياً واضحاً أن اليهود مع الهندوس ليسوا غصةً في حلوق الدول الإسلامية المجاورة فحسب، بل امتد شرهم -كما هو من قبل- إلى كل منطقةٍ للمسلمين فيها قوة أو طريقٌ إلى القوة، لقد بات جلياً أن الهندوس يقومون بدور السكرتارية المطيعة للخطط اليهودية، ويقومون بتنفيذها أيضا لإيذاء المسلمين وإبادتهم. ولقد ظهرت فضيحةٌ عجيبة؛ كشفت الكوماندوز الإسرائيليين الذين اختطفوا وهم في مهمةٍ لمساندة الجيش الهندوسي، وقد تستر الهندوس عليهم بدعوى أنهم سواح قدموا من تل أبيب؛ ولكن أبى الله إلا أن يكشفهم ويفضحهم، فقد شهد شاهدٌ من أهلها، وأفاد المحللون العسكريون من مصادر عسكرية في لندن وغيرها، أن هؤلاء الكوماندوز تدربوا خمسة أشهر في تل أبيب، ثم توجهوا إلى نيبال والهند ودخلوا حتى في كشمير، ودنوا حتى بلغوا موقعاً قرب المفاعل النووي الباكستاني ومعهم من المتفجرات ما يكفي لتفجير المفاعل من بُعد أو عن طريق الرادار. ولم يعُد اتحاد اليهود مع الهندوس أمراً جديداً فهم يقفون على خطٍ متقدم في مواجهة قضيتين مهمتين: الأولى: يقف اليهود مع الهندوس لتنفيذ أمرين مهمين في كشمير: كسر شوكة المسلمين في كشمير. وفي الهند عامة. والثانية: ضرب المفاعل النووي الباكستاني، الذي صرح رئيس هيئة أركان الجيش اليهودي عام: (١٩٨٦م) عنه بقوله: إن المفاعل النووي الباكستاني هدفٌ لا بد من ضربه؛ لأنه قوةٌ إسلامية تهدد أمن اليهود. وإلا فما الذي يعنيه أيها الأحبة: وجود (٣٥٠) رجل كوماندوز يهودي يتعاونون مع الهندوس لضرب المسلمين في كشمير؟! لقد كشفت هذه الحادثة؛ حادثة اختطاف الكوماندوز الإسرائيليين أبعاداً لتعاونٍ وثيق الصلة، ومتين الرابطة بين عُبَّاد العجل وعُبَّاد البقر، بين اليهود والهندوس، ألا وهي: أن وجوداً نشطاً للموساد الإسرائيلي يعمل في الهند على تجنيد العديد من الهندوس وإرسالهم للعمل في البلاد العربية تحت مهنٍ متعددة، ووالله لو يعلم المسلمون ما يسعى الهندوس أولئك الذين ترونهم فتحتقرونهم وتظنون أنهم يهزون رءوساً غبية، لو تعلمون ما تسعى إليه قياداتهم وما يسعون إلى تحقيقه من تنامٍ وسيطرة لما ترددنا لحظة في مقاطعة هذه الشريحة النجسة من البشر؛ مقاطعةً اقتصادية لا تقف عند حد الصادرات الضرورية، بل مقاطعةً عامة، ولا تقف عند حد استيراد السلع منهم بل تتعداها إلى تسريح كل رعاياهم من بلادنا ونستثني المسلمين منهم. هل يعلم المسلمون أن الهندوس يحلمون أن يجعلوا المحيط الهندي من سنغافورة إلى السويس بحيرةً هندية؟! وهل يعلم المسلمون أن الهندوس يسعون ليكونوا قوةً عسكرية يمدها الغرب لتكون عصا التهديد لكافة دول منطقة شرق آسيا؟! وإلا فما الذي يعنيه سكوت الغرب عن أفعال الهندوس؟! وما الذي يعنيه تصريح متعصبٍ هندوسي اسمه الدكتور/ باتين! يقول: إن حاجة الهند إلى البترول تلح عليها بضرورة الالتفات إلى الجزيرة العربية والعراق والخليج وأن الهند قوةٌ بحرية عظيمة، ومن الواجب أن يتحول المحيط الهندي من سنغافورة إلى السويس ليصبح خليجاً تملكه الهند؟ وقد لا يظهر كل ما يضمره الهندوس، قد لا ترونه في لحظةٍ واحدة؛ لأنهم يعملون بالحكمة الهندوسية التي ورثوها عن أبيهم الروحي جوتليه، حيث يقول: إذا أردت قتل عدوك فأظهر له العلاقة، وإذا عزمت على قتله فعانقه ثم اطعنه وحينها اذرف عليه الدموع. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون. وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 135

لا خيار إلا الجهاد الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة: تصبروا ولو تصبب العرق على أجسامكم فقد صُبَّ الرصاص على إخوانكم. قد يقول قائل: لماذا يَزُج المسلمون بأنفسهم في حروبٍ سابقةٍ لأوانها، ومعارك غير متكافئة، أو لا نجد فيها على الأقل أوليات وأسس العمل العسكري، حتى إذا اصطلى المسلمون بلهيب المعركة صاح الصائحون، وناح النائحون، يبكون بالدموع ويتحدثون بالدماء عما حل بهم على إثر تلك المواجهة الجائرة؟ الجواب على هذا أيها الأحبة يتضح حينما نسأل ونقول: وهل ترك الأعداء للمسلمين شيئاً يخافون عليه؟! هل بقيت مساحة لم تلوث بالقتل والسلب والاغتصاب والاعتداء؟! ماذا بقي للمسلمين حتى يحافظوا عليه في كشمير بدعوى العقلانية والاتزان؟! هل بعد ذبح الأئمة، وهدم المساجد، وإخراج الناس، واغتصاب العفيفات حيزٌ لمصلحةٍ أو مكاسب يحافظ عليها المسلمون حتى لا يدخلوا في الجهاد مع أعدائهم؟! وإلى متى العيش في ذلٍ وهوان؟ حتى يخرج الغائب صاحب السرداب. وهل في السرداب أحد؟! وإلى متى هذا كله؟! لأجل هذا لم يكن أمام المسلمين خيار في إعلان الجهاد، حتى ولو أدى وأفضى إلى مُضِي الأرواح والدماء والأشلاء في الطريق؛ لتكون وقود المعركة الحاسم، ومعالم في طريق الفجر المرتقب. وما الذي يضير الأمة أن تبذل العشرات والمئات أو الآلاف من دمائها وأموالها بإرادة واختيار، وعزةٍ واستشهاد؛ ليجني الملايين ثمرة هذا الغرس الطاهر الذي سُقِي بالدماء، ليجنوا ثمرتهم نصراً وتمكيناً، فيعبدوا الله وحده لا شريك له؟! إذا كان الدم في كشمير ثمناً لا بد من تقديمه، ولا بد من بذله ضريبةً على الإسلام، فلأَنْ نبذل الدماء في الوقت الذي نريد، وفي الزمن الذي نريد، وعلى المساحة التي نريد، وفي المعركة التي نريد، خيرٌ آلاف المرات من دماءٍ تسفح رغماً عن أنوف أصحابها. لست بهذه الخطبة أدعو إلى شن هجومٍ شامل، أو حربٍ مباغتة، فهذا أمرٌ يقدره المرابطون عن قرب، المصطلون بجحيم المعركة الملتهبة على ذلك السطح البارد في أرض كشمير، وما أخال أولئك المرابطين قد فعلوا هذا أو أقدموا عليه إلا بفتوى من علماء المسلمين الذين يعنيهم الأمر، يقدرون معها رجحان المصلحة على المفسدة، وأياً كان الواقع في كشمير المحتلة؛ جهاداً، أم إعداداً، أم حرباً شاملة على المشركين والوثنيين، فإننا وإياكم لا نعذر أبداً في الإعداد للمعركة قبل بدايتها، وما دامت قد بدأت فهذا يحملنا مسئولياتٍ جسام أن نتخذ مواقعنا في كل مكانٍ منها.

стр. 136

دعوة للمشاركة في الجهاد الكشميري أيها المسلمون: لسنا بهذا ندعو كل أقلية مسلمة أن تزج بنفسها في أتون الصراعات ولهيب المواجهات، تحت حماس العاطفة، وجبال الأمل التي ربما ذابت على طول الأمد، وحرارة المعارك. ولكنا نقول: هل انتظمت فينا واطردت آلية المساندة للجهاد، وآلية الإعداد للمعركة قبل نشوبها؟! هل بدأنا بتجهيز الغزاة؟! هل أعددنا قوائم الكفالات والرعاية للأرامل والأيتام الذين يتزايدون حتى الآن نتيجة حرب العصابات؛ فإذا تضاعفت الأرقام بعد المعركة لا نجد حرجاً في استيعاب المزيد؟! هل رُتِّبت وأُعِدت خطوط الإمداد والمساندة بتكوين مخازن الذخيرة، ومواقع التدريب، ومراكز العمليات هناك؟! هل فتحت المكاتب الإعلامية للقضية الكشميرية في كل عاصمةٍ ومدينةٍ من مدن العالم الإسلامي؛ ليكون المهتمون بالقضية على علمٍ وصلة بآخر تطوراتها وأنبائها؟ ألا تحنكنا التجارب؟! أليس لنا في الجهاد الأفغاني والبوسنوي دروسٌ وعظات؟! هذا جهاد، وهذه عقبات منها: التعتيم الإعلامي، وحاجات منها: الحاجة الشديدة إلى السلاح والدعم المتواصل. وإنا نخشى أن تقطف الثمار. فإلى كل مسلمٍ ومسلمة: نرجو منكم الدعاء! وإلى كل إعلاميٍ وصحفي من تليفزيوني وإذاعي: ماذا قدمتم لـ كشمير؟! هل من ندوة؟! هل من تقرير؟! هل من تغطيةٍ دوريةٍ لهذه القضية؟! إلى كل معلمٍ ومعلمة: هل شرحتم للطلاب والطالبات قضية كشمير؟! إلى كل نادٍ أدبي: أين شعركم ونثركم، وقصتكم ورواياتكم ومقالاتكم عن كشمير؟! إلى كل نادٍ رياضي: هل خصصتم شيئاً لـ كشمير؟! إلى كل جريدةٍ أو مجلة: أين زاوية كشمير الدائمة في مجلتكم؟! إلى كل خطيبٍ وإمام: هل أسمعتم المصلين وراءكم شيئاً عن كشمير؟! إلى رب كل أسرة: هل جعلت صندوقاً صغيراً لتجعل القضية في نفس أبنائك؟! إلى المسئولين عن اللجان الثقافية في الجامعات والكليات والمعاهد؛ إلى المسئولين عن مكاتب الدعوة: هل أعددتم ندواتٍ ومحاضراتٍ عن كشمير؟! هل استضفتم أحداً من أبناء كشمير ليشرح القضية وآخر ما وصلت إليه إلى المولعين بالسياحة والسفر؟! هل زرتم كشمير الحرة الآمنة؛ لتطلعوا عن قرب حال إخوانكم في كشمير المحتلة، فتكون أموالكم دعماً ولو غير مباشر؟! أيها المسلمون: وما لكم لا تبذلون؟! ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) [النساء:٧٥]؟! ما لكم لا تنفقون؟! ما لكم لا تجهزون الغزاة؟! ما لكم لا تمدون بالسلاح والعتاد؟! أيها المسلمون: إن تحرير كشمير من أيدي الهندوس، وطرد عُبَّاد البقر من أراضيهم ليس أمراً مستحيلاً أو معجزاًَ! أيتحرر الصرب من اتحاد يوغسلافيا ويبسطو نفوذهم، ويُحْكَم على المسلمين في كل مكان بأن يبقوا أذناباً وأذلاء تحت الوثنيين؟! لقد خرجت روسيا وانسحبت من أفغانستان! ولقد انسحب الأمريكان من فيتنام، ولم يكن للفيتناميين من عقيدةٍ حقة سوى إيمانهم بعدالة قضيتهم! فما بالكم بـ كشمير وقد اجتمع فيها شرعية الجهاد، وعدالة القضية؟! وتصرخ كشمير، وتئن كشمير، وتبكي كشمير؛ إذ يطول فيها ليل الذل! وبعد هذا كله، هل نجد لها موقعاً من اهتمامنا، ومكانا ًمن عطفنا ونجدتنا؟! هل تجد المساجد والمآذن والمنابر من يثأر؟! هل تجد العفيفات من ينتصر؟! هل يجد الأبرياء من يهب؟! هل لليتامى والأرامل والأيامى من يمسح الدموع، ويضمد الجراح، ويوقف النزيف؟! أمسى يكون حالنا كما قال القائل: فلا الأذان أذانٌ في منارته إذا تعالى ولا الآذان آذانُ أيها المسلمون: أتُسْبَى المسلمات بكل أرضٍ وعيش المسلمين إذاً يطيبُ؟! أيها المسلمون: إن كان للمسلمين في كشمير أمل فلن يكون لهم أملٌ في نصرٍ أو تمكين إلا بالله وحده ومددٍ من عنده أولاً، ثم في إخوانهم المسلمين. لن يكون للمسلمين في كشمير أملٌ في الشعوب الوثنية، أو البوذية، أو النصارى واليهود، وإنما أملهم في المسلمين، وأنتم يا أهل هذه البلاد أَمْثَلُ المسلمين طريقة، وأهداهم سبيلاً. لئن كان للمسلمين في كشمير أملٌ في عقيدةٍ تخلِّصهم من هذا الظلم والعدوان، فلن يكون أملهم في صلبان الكنائس، أو الهيكل المزعوم، أو الغائب المنتظر، وإنما أملهم في عقيدة التوحيد النقية. وأنتم يا أهل هذه البلاد! مهبط نزولها، ومقر تجديدها، ومختبر نقائها وصفائها. لئن كان للمسلمين في كشمير أملٌ في قوةٍ مالية، فلن تكون آمالهم في جياع الصومال أو مشردي البوسنة، أو اللاجئين في طاجاكستان، وإنما أملهم بعد الله فيكم يا من تملكون الفضل من الأموال. ولئن كان للمسلمين في كشمير أملٌ في قائدٍ مسلم أو زعامة موحدة فلن تكون إلا في حاكمٍ مسلمٍ، وزعيمٍ موحد يخدم الحرمين ويحدب عليهما، لن يكون أملهم إلا في زعيمٍ مسلم، وعلماء مسلمين، ودعاةٍ مسلمين، لن يكون أملهم بعد الله إلا في قائدٍ مسلم يخدم الحرمين ويحدب عليهما، ولن يكون إلا فيمن جعل العقيدة الإسلامية شعاره ودثاره. ومن هذا المنبر أرسلها برقيةً عاجلةً دامية إلى ولي أمرنا وولاة أمرنا، وإنا على ثقةٍ بالله أن صدورهم لن تضيق بـ كشمير فلن يضيق صدركم يا ولاة الأمر! في هذه البلاد بقضية كشمير وقد اتسعت قبلها لقضية أفغانستان. وما الصلح الذي حصل للمجاهدين في مكة المكرمة إلا ثمرةٌ من ثمرات سعيكم المباركة، لقد اتسعت صدور ولاة الأمر هنا للمسلين وقضية أفغانستان على مدى ثلاثة عشر عاماً، واتسعت صدورهم لجراح البوسنة والهرسك، واتسعت صدورهم لجياع الصومال وما حل بهم وما ينتظرهم. فأملنا يا ولاة الأمر! في هذه البلاد أن تجعلوا لهذه القضية من صدوركم نصيباً ومكاناً، وأملنا أن يكون لخادم الحرمين وللعلماء والدعاة ولكم أيضاً أجر كل يتيمٍ كفله كافل، وأجر كل أرملةٍ عالها عائل، وأجر كل مَدْرَسة تُلِي فيها كتاب الله، وعُلِّم فيها توحيد الله وسنة رسول الله ﷺ . إن قضية كشمير قضيةٌ كبيرة تحتاج إلى رجلٍ كبير، وقلبٍ كبير، وهَمٍّ كبير، ولن يُعْدَم ذلك فيكم. أيها المسلمون: دعوةٌ صادقة؛ قاطعوا المنتجات الهندية، قاطعوا منتجات الهندوس، وقاطعوا العمالة الهندوسية، واللهِ لو سُرِّحت العمالة بعد إعطائها أجرها حتى لا نظلمها في ذلك، فأصبحت غداً على أرصفة كلكتا وبومباي، لو سُرِّحت هذه العمالة وطُرِد الهندوس، وقاطعنا الإنتاج الهندوسي -والله- لأخضعناهم رغم أنوفهم أن يلتفتوا للمسلمين، وأن يوقفوا مسلسل الذبح والقتل. أيها الأحبة: رسالةٌ إلى أثرياء المسلمين: شعب كشمير يناديكم، يستعد ببذل دمه وروحه، وأبنائه وفلذات أكباده، ولا يريد منكم سوى المادة! ما ظنكم يا إخواني! لو أن أثرياءنا وتجارنا اجتمعوا اجتماعاً واحداًَ فبذلوا عن قوس واحدة، ورموا عن قوسٍ واحدة هذه القضية بجميع جوانبها، ألا ترون أن ذلك يحقق خيراً؟! إن أموال الأثرياء قد تكون بإذن الله وأموالكم أيضاً من عوامل الحسم وتقرير المصير المنشود لإخواننا بعد رحمة الله. ختاماً: إن (٦٥٠. ٠٠٠) جندي، وحَضْرَ التجوُّل اليومي، وحَضْرَ التجول الطارئ لمددٍ قد تصل لأسابيع، وإن الاغتصاب، والقتل، والتجويع، وقطع المصالح، وإذاقة الشعب الهوان، كل هذا لن يقف في وجه الإرادة الصادقة، والحتمية المقبلة بإذن الله، وهي: أن كشمير ستطرد الهندوس في يومٍ ﴿مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ [الإسراء:٥١]. إن هذه الأحداث ربما كان فيها الخير للمسلمين: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩]. إن المصادمات الأولى بين المسلمين والهندوس قبل انفصال باكستان كانت سبباً في استقلال باكستان، ولعل المصادمات الحامية الآن بين الكشميريين والهندوس سبب لتفكك الهند بأسرها، كما تفكك الاتحاد السوفيتي! وقد يقول أحدكم، أو يقول من يسمع هذا الكلام: إني لا أقدر أن أقدم شيئاً! أقول لك: أخي الحبيب! لا تنس كشمير وأهلها وأبطالها وشبابها المجاهدين بالدعاء؛ في سجودك، وفي السحر، والوتر، وإنك تملك بعد هذا شيئاً كثيراً؛ تستطيع أن تجمع التبرعات، وتستطيع أن تنشر هذه القضية بنشر كل كتابٍ أو مطويةٍ أو منشورٍ أو خطبةٍ عن هذه القضية، فإن نشر ذلك مما يخدم هذه القضية المنسية. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم دمر أعداء الدين. اللهم انصر المسلمين في كشمير، اللهم انصر المسلمين في كشمير، اللهم انصر المسلمين في كشمير. اللهم اربط على قلوبهم. اللهم آمن روعاتهم، واكفل ذرياتهم، واستر عوراتهم. اللهم أهلك الهندوس الوثنيين. اللهم أحصهم عدداً، واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم فكك اجتماعهم. اللهم فرق شملهم. اللهم اجعل سلاحهم في نحورهم. اللهم اجعل الدائرة عليهم. اللهم

стр. 137

من هنا نبدأ ما هي نقطة البداية؟ وما هي الخطوات التي تليها؟ وما هي مقدمات هذه البداية؟ أسئلة محورية لهذه المادة فصل فيها الشيخ غير مكتف بالكلام النظري، بل ومقدماً برنامجاً عملياً مقترحاً لهذه البداية.

стр. 138

مقدمات من أين نبدأ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأحبة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحمد الله إليكم الذي هو أهلٌ للحمد على كل حال، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأسأله في مستهل اجتماعنا ولقائنا هذا أن يجعل لي ولكم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل فاحشة أمناً، نسأل الله جل وعلا كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسأله العزيمة على الرشد، والسلامة في الأمر كله، كما نسأله أن يحبب إلينا دينه، وأن يجعلنا وإياكم من أنصار كلمته، وأن يرفعنا وإياكم بطاعته، وألا يخزينا أو يذلنا بمعصيته، وأن يبارك لنا فيما أباح لنا. أيها الأحبة في الله: لا أشك أن من بينكم من هو أجدر بالحديث في هذا الموضوع، ولكن نعاتب أنفسنا بتقصيرنا في أمر دعوتنا، ونلوم أنفسنا بأننا ندَّعي ما ليس لنا. وكلٌ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك قد يسميك بعض إخوانك داعية، وأنت لا تعطي دعوتك إلا فضول الأوقات، ووالله لو قام في المنابر أبناؤها ورجالها لما وقفنا فيها، ولو قام في الساحة علماؤها لما قام أبناؤها، ولكن إذا غاب من تقوم به الكفاية انتقل الأمر إلى من ينوب عنه، وهذا زمنٌ صيَّر التلميذ أستاذاً، وكما قال سفيان الثوري أو سفيان بن عيينة رحمهما الله: خلت الديار فساد غير مسود ومن الشقاء تفردي بالسؤدد إننا نعلم أن في صفوفنا رجالاً هم أعلم منا، ونحسبهم ولا نزكي على الله أحداً على قدرٍ من التقى والصلاح، والعلم والفقه والاجتهاد، ولكننا نلومهم أيضاً بأن الكثير قد استعذب الخلوة بالكتب، وتلذذ بالمناجاة دون الاختلاط بالناس، ووجد حلاوة العزلة في البعد عن رؤية المنكرات وأصحابها، وهذا مسلكٌ سهل يسير على النفوس؛ أن تخلو في عزلتها وأن تستعذب جميل الألفاظ والعبارات، والأبيات والنكات والنوادر في الكتب، بعيداً عن الإنكار، ومواجهة الإنكار، ومواجهة أصحاب المنكر، وما يوسوس به الشيطان ويعد به ويخوف به: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨]. عفواً أيها الأحبة! أن نبدأ بهذا العتاب، ولكن كما يقول القائل: فإذا صرخت بوجه من أحببتهم فلكي يعيش الحب والأحباب ويبقى الود ما بقي العتاب لابد أن نكون صادقين حتى في عتابنا، والله جل وعلا كما قال في محكم كتابه: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨] فليس الصدق وحده هو نهاية المطاف أو منتهى الأمر، لا والله. بل حتى الذين ظهر منهم الصدق أو ادعوا الصدق سيسألون عن صدقهم، فما بالكم بغيرهم؟! نسأل الله جل وعلا ألا يفتننا وألا يفتن بنا، وألا يجعلنا وإياكم فتنةً للقوم الظالمين.

стр. 139

وجود الغيرة لدين الله أيها الأحبة: أوان الشروع في المقصود بدأ، وأقول بتوفيق الله: الغيرة موجودةٌ لدى كثيرٍ من الشباب الصالحين، وحسبك أن ترى دليلاً على الغيرة، أن تجد من يطرق بابك، يكاد أن يكسر أقفاله، فإذا سمعت هذا الطرق الشديد، ظننت أن حريقاً حل بواحدٍ من بيوت أهل الحي، وإذا أزعجك تعليق المنبه ظننت أن الأمر قد انتهى، وأن الكيل قد طفا، وأن الطوفان قد فاض على البسيطة، فإذا فتحت بابك وجدت شاباً غيوراً مخلصاً صادقاً يهز يده في وجهك ويقول: رأيت منكراً في مكان كذا، ورأيت منكراً في مكان كذا، أين المغير؟ أين المنكِر؟ أين من يقول كلمة الحق؟ أين من يتقي الله؟ أين من ينطق بالحق فلا يخشى في الله لومة لائم؟ فحينئذٍ تحمد الله جل وعلا. وما أكثر أن ترى هذه الصورة في مسجدك أو في بيتك، أو في اجتماعك مع إخوانك، تحمد الله جل وعلا على أن الغيرة لا زالت باقية، وهذا دليل حياة القلوب، وإلا لو كانت القلوب قد ماتت في مجموع الأمة لما وجدت من ينزعج من هذه الصورة، ومن هذه الحال؛ لأن الهوان إذا حل بالنفس لا تجدها تعرف معروفاً، أو تنكر منكراً: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميتٍ إيلام فالحاصل أيها الإخوة! أن الغيرة موجودة لدى كل واحد منكم، التمعُّر، الغضب، الانزعاج، التقلب، التغير موجودٌ لدى كل واحد منكم حينما يرى منكراً من المنكرات، وكما في الأثر: "يكاد في آخر الزمان يذوب قلب المؤمن، كما يذوب الملح في الماء، قيل: لِمَه؟ قيل: مما يرى من المنكر فلا يستطيع تغييره" وهذا والله شعورٌ يطوف ويلم بكل واحدٍ منا ومنكم -أيها الأحبة! - ولكن ليبتلي الله ما في قلوبكم، وليمحص ما في صدوركم، وليتخذ منكم شهداء، ليثبت الذين يرجون الحب والإخلاص للدعوة، والذين يرجون منازل الدعاة، ومجاورة النبي ﷺ في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.

стр. 140

الدعوة خير من العبادة لا يستوي الذين لا يجدون في واقعهم شيئاً من آلام المعاناة، وحسرة في رؤية المنكر، أو الضعف أو العجز في بعض الأحيان عن تغييره مع الذين لا يلتفتون قليلاً ولا كثيراً، أقول: حتى ولو كانوا ممن صنفوا الكتب أو قاموا الليل وصاموا النهار، واجتهدوا في الهواجر، وقاموا ليالي الشتاء لا يستوي أولئك مع الذين تتغير وجوههم لرؤية المنكرات في هذه الأرض. إن العبادة أمرٌ قاصر، لا تحتاج فيه إلى مواجهة، ولا تحتاج فيه إلى كثير من المعاناة، أسهل ما عليك أن تأكل لقمة السحر، ثم تضع رأسك على وسادتك، ثم تصلي تتقلب بين بيتك ومسجدك، ثم تعود لتفطر هنيئاً مريئاً، لا تجد شيئاً قد غير ما أنت فيه، أسهل ما عليك أن تفتح كتابك في مكتبتك فتقرأ وتلخص وتجمع، وتُخَرِّج وتُحقق، وهذا خيرٌ عظيم. وموت العابد القوام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمة من الذين يبكى عليهم. ولكن أيها الإخوة! لا يستوي هؤلاء مع الذين يجمعون مع هذا الدعوة والإنكار والتغيير بقلوبهم وبألسنتهم وبأيديهم حسب الضوابط الشرعية المرعية. إذاً أيها الإخوة: ينبغي أن نعلم أولاً: أن الناس يتفاضلون في دين الله جل وعلا، ليس بقدر عبادتهم في شكلها أو طولها، أو قصرها، وإنما يتفاضلون بحسب ما يقوم في قلوبهم، ولذلك لما ورد عن أبي بكر ﵁: (أنه لو وضع إيمان الأمة في كفة ووضع إيمان أبي بكر ﵁ في كفة لرجح إيمان أبي بكر بسائر إيمان الأمة) وكيف يرجح إيمان أبي بكر بسائر إيمان الأمة؟ هل يستطيع أبو بكر أن يصوم رمضان بقدر صيام الأمة أجمع؟ هل يستطيع أبو بكر أن يحج ولو في كل لحظة فضلاً عن مرةٍ في كل سنة بقدر حجات أفراد الأمة أجمع؟ لا. ولكن [أَمَا إنه ما سبقهم بكثير عمل، ولكنه بشيءٍ وقر في قلبه] ولما وقر هذا الأمر في قلبه استحق كرامةً ومنزلة من عند الله، والفضل لله أولاً وآخراً. (لما تلا الرسول ﷺ قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله! ما أحسن من يقال له هذا، فقال ﷺ : إنك يا أبا بكر! ممن يقال له هذا عند موته). وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١]. قد يكون الإنفاق يسيراً، لكن الإنفاق في مواجهة المجتمع الجاهلي في بداية الدعوة يكون صعباً جداً، لا سيما وأنت في موقف الضعف، والجاهلية في موقف المنتصر، ويعتق عبداً من عباد الله بلال بن رباح لكي ينضم إلى معسكر الإيمان، الحالة حينئذٍ صعبة جداً. قد تقول خطبة عصماء في مشهد جمعٍ غفير، ولكن قد تكون كلمة مكونة من سطرين أو من حرفين أبلغ وأعظم وأقوى وأقبل عند الله حينما تكون في موقفٍ فيه الخوف على الروح والنفس، والخوف على الرزق، أو في مواجهة إمامٍ جائر، ينبغي أن يعلم هذا جيداً.

стр. 141

الدعوة ليست حكراً على أحد ومن هنا نقول لإخواننا في الله: بوسع كل واحدٍ منكم أن يبدأ، وعنوان المحاضرة (من هنا نبدأ) اخترت هذه العبارة لأقول لكل واحدٍ: من هنا تبدأ، من مكانك، من بيتك، من موقعك، من عملك، من وظيفتك، من الحي الذي تسكن فيه، من الجهة التي تأوي إليها، من هنا تبدأ. وبفضل الله جل وعلا، ومن عظيم وواسع منه وكرمه أن هذا الدين لا يحتاج إلى تصريحٍ حتى تكون واحداً من الدعاة إلى الله فيه، لا يحتاج إلى أن تنال اجتياز المقابلات الشخصية، وإنما تحتاج أن تعلم ما تدعو إليه، قال ﷺ : (نضر الله امرءاً سمع منا مقالةً فوعاها، فبلغها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع) وهذه مسألة عظيمة (ومن دعا إلى هدى فله أجره، وأجور من عمل به إلى يوم القيامة) ولم يشترط لهذا الداعية أن يكون على هذا القدر، أو المكانة أو المجموع قل أو كثر فيما يحفظ أو يروي أو يفقه أو يعلم، وإنما يكفي أن يدعو ولو إلى مقالة واحدة يدعو إليها يريد بذلك وجه الله جل وعلا.

стр. 142

الأوهام العنكبوتية في حقيقة الأمر -أيها الإخوة! - كثيرٌ من شبابنا، كثيرٌ من أحبابنا، كثيرٌ من إخواننا -ولعل من بينكم من هو منهم، أو أكون أنا منهم- يبني حول نفسه أوهاماً من خيوط العنكبوت، ويظن أنه إذا تحرك فإن عشرات الأعين تراقبه، وآلاف الأجهزة ترصد حركته، ومئات الناس يسجلون ما يفعل خطوة خطوة، وهذا مما يصدق فيه قول الله جل وعلا: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] يصور لك الشيطان أنك حينما تريد أن تقف على قارعة الطريق وتجد شباباً تريد أن تجلس معهم، فتعطيهم كلمتين، وليس من شرط هذه الكلمة أن يقبلوها، أو يستجيبوا أو يهتدوا، أو يلتزموا بأول وهلةٍ أنت تخاطبهم أو تكلمهم فيها، لا. يظن البعض أنه لو أراد أن يقدم شريطاً أو أراد أن يقدم هدية أن حوله عشرات الأجهزة تراقبه وترصد حركته، ولذلك تجد بعضهم يقول: لا. أنا أختار أسلوباً آخر، أو أنا من الناس الذين لا أرى هذا المنهج، أو هذه الطريقة وهلم جراً. وليت عدم رؤيته لهذا الأمر من اجتهادٍ توصل إليه بعد باعٍ طويل في علمٍ وفقه، وليس كذلك إلا أنه يظن أن حركاته وسكناته مراقبة ومتابعة، وهب أنك توبعت وروقبت في كل صغيرة وكبيرة، هل سيصدك هذا عن الدعوة إلى الله جل وعلا؟ هل سيردك هذا عن الدعوة إلى الله جل وعلا؟ هل هذا سوف يمنعك أن تنال حظك في منازل الأبرار والشهداء والصديقين والصالحين عند الله ؟ إذاً: لماذا نبني هذه الخيوط، يقول لي ذات مرة شاب من الشباب الصالحين: أنا رأيت أربعة رجال يراقبونني، فسقطت ضحكاً، من أنت حتى يراقبك أربعة، أو واحد أو نصف واحد أو امرأة أو نصف امرأة؟ لماذا تخلق حول نفسك هذا الوهم العنكبوتي الذي لا حجة لك به؟ هل عشت في مجتمع الثورة البلشفية؟ أم أنك تعيش في لينين قراد أو تعيش في المجر، أو في دول الكتلة الشرقية قبل تحول الوضع الشيوعي؟ لماذا تخلق هذا الوضع حول نفسك؟ لست بحاجة أن تتصور هذا، ولكن الشيطان سول لك وخيل، وجعلك تتصور أنك تعيش في هذه الدائرة، وبالمناسبة هذا من الأساليب النفسية التي يؤثر بها على دعاة الإسلام في بعض بلدان العالم، ويسمونها بالمضايقة النفسية أو بعبارة تشابه هذا المعنى، يبدأ الإنسان يتضايق، يرفع السماعة يخشى أن يقول كلمة، يخرج من البيت يخشى أن ينظر إليه أحد، يمد شريطاً يتوقع أن الكاميرا قد صورته، يقرأ كتاباً يظن أنه قد حقق به وهلم جراً!! إن الله جل وعلا قد خلقك حراً، وأبقاك حراً، بل ولعن من أراد أن يجعلك رقيقاً: (ثلاثة لعنهم الله جل وعلا -وذكر منهم- رجلٌ باع حراً فأكل ثمنه) أنت تعيش حراً وستمضي حراً، وستفضي إلى الله حراً، فلا تخلق حول نفسك هالة من الأوهام العنكبوتية التي تتخيل أو تتوقع بها أنك يوم أن تفعل شيئاً في دين الله جلا وعلا سوف تنتهي من قائمة الناس الأسوياء وغيرهم، ربما يأتيك الشيطان ويقول لك: لا حرج. ولكن هذا قد يعرقل مواصلة سيرك الوظيفي، إذا كنت رجلاً طموحاً في الوظيفة وترغب أن ترشح لأعلى المراتب، فانتبه، قف عند حدٍ معين، لا تتمادى بوضع معين حتى تستطيع أن تصل يوماً ما. وأقول: ربما يكون الإنسان على خطرٍ في معتقده إذا أوغل في هذا الظن واعتقده، وظن أن الخلق يستطيعون أن يكفوا أو يمنعوا رزقاً قسمه الله له. وكما في حديث ابن عباس الذي تحفظونه: (يا غلام! احفظ الله يحفظك -إلى أن قال- واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) إذا كان الإنسان يخشى على رزقه، فالله جل وعلا هو الذي خلقك وتكفل برزقك: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦] وكما في الحديث: (جاءني جبريل ونفث في روعي: يا محمد! إنه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها) والله لو بقي لك في الدنيا عشرة ريالات لتقاتلت الدنيا حتى تصل: (لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) ما قال: تشاحوا، تخوفوا، خافوا على الطلب، بل أجملوا في الطلب، أدنى أمرٍ من أمور بإذن الله جل وعلا يكون سبباً لوصول ما كتبه الله جل وعلا لك. وإذا كان الخيط العنكبوتي الذي ينسجه الشيطان حولك أيها الأخ المسلم بأنك ربما تموت أو ربما ينتهي أجلك، أو ربما تخترم روحك قبل بلوغ أجلها، فهذا أخطر من الذي قبله، أن تعتقد أن قوةً من قوى البشرية تستطيع أن تخترم من أجلك يوماً أو ساعة واحدة قبل تمام أجلك، وكما كان الإمام علي ﵁ يردد أبياته المشهورة: أي يوميَّ من الموت أفر يوم لا يقدر أم يوم قدر يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر فلماذا التخوف إذاً؟ أقول: إن كثيراً من الشباب تجد فيهم عزوفاً عن الدعوة إلى الله جل وعلا، ليس كرهاً في الدعوة، وربما ليس عجزاً أو ضعفاً، بل هو قادر، ولو ناقشته لوجدته أفقه منك أيها المحاضر! وأعلم منك أيها الخطيب! وأصلح منك أيها المتكلم! وأجدر وأقدر في مخاطبة الناس، ولكن فيه أمرٌ لا زال ممسكاً به لم يجعله ينطلق في عالم الدعوة إلى الله جل وعلا، ألا وهو الخوف أو الأوهام العنكبوتية التي نسجها حول نفسه، إما على خطرٍ وإما على رزقٍ وإما على موت. أقول: ليس هذا مجال تفصيل، وهذه الأمور كلها بيد الله، ولكن هذا واحدٌ من الأسباب التي تجعل كثيراً من الشباب يا للأسف يعزف عن هذا الأمر.

стр. 143

مشكلات في طريق الدعوة الأمر الآخر: أن بعضهم على مقدرة بالغة، جميلة جليلة طيبة، ومع ذلك: أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد يا فلان! انطلق، يا فلان! ادع إلى الله جل وعلا، يا فلان! انظر أعداء الله جل وعلا، هذا سافل ساقط خبيث حقير حداثي، جرثومة حداثية تبدأ تنشر قصيدة، يأتي من بعده بالتلميع والتعقيب وتسليط الأضواء، والشرح والاختصار، والتحقيق والتخريج فيجعل من كلمة الساقط التافهة مطولة من المطولات. وأنت يا من تملك هذا! يا من تقدر على أن تأتي بالكثير الكثير! لا تزال تظن أنك لم تستطع، لم تقدر، ولذلك لما تأملت ذات مرة وكنت في زيارة لطلاب جامعة الإمام في السكن الجامعي، فلما نزلنا إلى صلاة المغرب في المسجد، وإذ بالمسجد يمتلئ قرابة ألفي شاب، الله أكبر! جامعة إسلامية وكل هؤلاء أغلبهم قد اجتاز المعاهد العلمية ونال حظاً وافراً من العلوم الشرعية، والأحكام الفرعية، والأصول والفقه، والتفسير، ولا تجد من بين هؤلاء كما في البخاري: (الناس كإبلٍ مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) لا تكاد تخرج من قرابة المائة طالب من ذوي التخصصات الشرعية واحداً أو اثنين أو ثلاثة، كلهم صالحون وعلى درجة من الصلاح والتقى، من قيام الليل، من صيام الإثنين والخميس، لكن أين أثرهم في الدعوة؟ أين بصماتهم في واقعهم؟ أين جهودهم في مجتمعاتهم؟ لا توجد. وربما بعضهم من أهل منطقة نائية تبعد عن المدينة أو العاصمة أربعمائة كيلو، ثلاثمائة كيلو، قرية بعيدة جداً، وإذا جاء الخميس أو الجمعة أو يوم الأربعاء تجده أول من يخرج من الكلية لزيارة أهله والمكوث معهم بقية الأربعاء والخميس والجمعة، وربما جاء فجر السبت أو مساء الجمعة ما نقل إلى قريته شريطاً أو كتاباً واحداً، وما أقام في قريته درساً واحداً، ما دعا إلى الله جل وعلا في قريته، يذهب ويأوي فقط، تغدو خماصاً وتروح خماصاً، يعني: يذهب جائعاً ويعود جائعاً، أو ربما يروح بطاناً أي: مليئاً لكنه لا ينفق ولا يعطي مما عنده شيئاً، لماذا البخل؟ أهو غرورٌ أم احتقارٌ للذات، إن كان غروراً، أو أن قريتك أو أن مجتمعك حتى ولو كنت في هذه المدينة، أو الحي الذي تسكن فيه ليس بكفءٍ أن تدعوهم إلى الله، أو قد اكتملت جوانب صلاحهم واستقامتهم فليسوا بحاجة إلى طرح مواضيع تنفعهم، أو أنه احتقارٌ للذات، فترى أنك لست بشيء أبداً. أما إذا كانت المشكلة (مشكلة احتقار الذات) مشكلة نفسية، فهذه تحتاج إلى وقتٍ طويل، وربما بعضهم اجتهدت في زيارته، وبعضهم والله زرته في بيته مراراً: يا فلان! والله إني أجدك أفصح مني، وأفضل مني، وأحسن مني، وأحفظ مني، وأرى لك مكاناً وموقعاً ومنزلاً، لو نزلت الميدان لنفع الله بك خلقاً عظيماً، فيقول: لا، لا يزال. تقنعه: الذي يقصرني هل يقصرك؟ فصاحة، هل يقصرك معلومات؟ يقول: أنا عندي معلومات أكثر منك، هل يقصرك مقدرة؟ يقول: ربما أنا أكثر جلداً منك، إذاً: ماذا تنتظر؟ يقول: فقط الناس لا يعرفون هذا الشيء ولا يعترفون بهذا الشيء، أو لا يسلمون لي بهذا الشيء، هنا خطرٌ من أمرين: الأمر الأول: أن المشكلة النفسية لا تزال قائمة. والأمر الثاني: أنك تريد أن يجتمع الناس لك كما يجتمع الناس لـ ابن عثيمين وابن باز حينما تلقي محاضرة. ابدأ ولو لم يحضر معك إلا خمسة، سبعة، عشرة، عشرون مائة، المهم ابدأ، وثق بنفسك تمام الثقة، والله جل وعلا حينما يعلم منك الإخلاص والصدق في هذا الطريق سيجمع الناس لك، وسييسر لك وإن لم يحضر معك إلا أربعة، فربما سجل كلامك، وانتقل إلى أضعاف الذين حضروا معك، فنفعهم بإذن الله واهتدى من اهتدى بسبب كلامك هذا ولم تشعر بذلك، ولم تر ذلك إلا في موازين أعمالك يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] تأتي يوم القيامة وأنت تنظر: يا ربِّ! حسناتي قليلة، يا ربِّ! هفواتي كثيرة: إلهي لا تعذبني فإني مقرٌ بالذي قد كان مني يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني خائف على نفسك، فإذا البشارة تأتيك في سجل أعمالك: أبشر يا فلان! فقد تقبل الله هدايتك، أو كلمتك أو نصيحتك، أو دعوتك أو محاضرتك، فهدى الله بها فلاناً وفلاناً وفلاناً، وهاهم في موازين أعمالك، فيطيش ميزانك بالحسنات فتكون من أهل الجنة بسبب هذه الكلمة التي ربما ما حضرها إلا أربعة أو خمسة. أيها الإخوة: ينبغي أن ندرك هذا الأمر جيداً، يقال: إن أحد السلف -ولا يحضرني اسمه الآن- ألف منظومة لا أدري أهي الشاطبية أم الرحبية أم كتاباً غيرهما، لما ألفها في نفسه سراً جعلها في رقعة ورمى بها في البحر، وقال: اللهم إن كانت خالصةً لوجهك فانفع بها، وإن كانت غير ذلك فلا تجعل بها لبشر حظاً ولا نصيباً. فكتب الله لهذه الرقعة أن تطفو ووجدها قومٌ في مركب، فأخذوها وتناقلوها، وما زال الناس يحفظونها ويتدارسونها إلى يومنا هذا، فكلمة الحق حينما تقولها تريد بها وجه الله جل وعلا، والنصيحة والدعوة إلى الله؛ حينما تبذلها تريد بها وجه الله فأنت أديت ما عليك أولاً. وثانياً: لن تكون أفضل من الأنبياء والرسل، كما في الحديث الصحيح: (وعرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، ورأيت النبي ومعه الرُهيط، ورأيت النبي ومعه الرجل، ورأيت النبي ومعه الرجلان، ورأيت النبي وليس معه أحد) الله أكبر! نبي مؤيد بالوحي والعصمة والمعجزة ولا يأتي معه يوم القيامة أحد، فما آمن معه من قومه إلا قليل: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨] وهم قلة، ومع ذلك هل ضاعت ثمار دعوته؟ هل ضاعت أجور أعماله وسعيه؟ لا والله. إذاً أيها الأحبة: لابد أن نفقه أننا ينبغي أن نبدأ حتى لو كانت البداية مع الجيران في أربعة أشخاص، أو بخمسة أشخاص، ثم قليلاً قليلاً، وإذا كان الإنسان صادقاً مديماً على ما يعمل، مخلصاً لما يعمل، بإذن الله سيأتي اليوم الذي يكون له شأن، ويهتدي على يديه الخلق العظيم. المشكلة الثانية التي هي مشكلة العقدة النفسية: واسمحوا لي أن أضرب هذا المثل الذي ربما ضربته في أكثر من مكان، يقولون: إنه يوجد رجل كان يعتقد -عنده مشكلة نفسية- عن نفسه أنه حبة شعير، رجل بطوله وعرضه كان يعتقد عن نفسه أنه حبة شعير، ولذلك لا يزور أناساً عندهم دجاج، أو أحداً عنده حمام، لماذا؟ يعتقد عن نفسه أنه حبة شعير وأن الدجاجة أو الحمامة سوف تأكله، فعالجوه، وأقول: حبة الشعير الآن هو بعض إخواننا الذين عنده خيرٌ عظيم لكنه يعتقد أنه ليس بشيء، فهذا رجل لكنه يعتقد أنه حبة، فعالجوه ثلاث سنوات في علاج نفسي واختبارات نفسية حتى تماثل للشفاء وشفي بإذن الله، فلما جاء أوان خروجه من المستشفى، قالوا: هاه يا فلان! بشر اقتنعت أنك رجل، اقتنعت أنك إنسان، ولست بحبة شعير؟ قال: نعم. أنا اقتنعت لكن أقنعوا الدجاج. وهذه مشكلة أن نبدأ ننفخ في شخصية: يا فلان! فيك خير، يا فلان! عندك نفع، يا فلان! عندك مقدرة، يا فلان! عندك معلومات، يقول: أنا مقتنع لكن أقنعوا الناس أيستمعوا إليَّ، أقنعوا الناس أن يستفيدوا مني، اقنعوا الناس أن يتجمهروا لي. يا أخي! أنت ابدأ، دعنا من عقدة الدجاجة والشعيرة هذه، فبإذن الله من سار على دربٍ في إخلاصٍ وصل إلى عاقبة حميدة.

стр. 144

الدعوة لصيقة المعاناة أيها الإخوة: نقطة أخرى، يظن البعض أن الدعوة تبدأ ومن أول لحظة يرى فيها بنوك الربا تدكدكت على أمها، أي أنه: يظن أنه لم يكن هناك بداية للدعوة، إلا إذا رأى البنوك الشامخة للربا تدكدكت وأصبحت رماداً، وإذا رأى المنكرات كلها قد جابت وانتهت، واضمحلت وتلاشت وفنيت، ومحلات الفيديو والأغاني قد أغلقت وشمعت بالشمع الأحمر، والاختلاط أصبح أبغض ما يكون إلى الناس، والله يا أخي! إذا كنت تظن أنك لن تبدأ بالدعوة إلى الله إلا حينما ننتهي من الربا، وننتهي من الاختلاط ومن الغناء والملاهي، وننتهي من العلمانيين ومن الفساق والفجرة، وأعداء الدعوة الذين يبغضون الحق، فما الحاجة إلى الدعوة أصلاً؟ إن الحاجة تبدأ في هذه الظروف الصعبة التي تجد فيها الربا شامخاً، وتجد فيها الاختلاط يشق طريقه، وتجد فيها الفساد ينخر في المجتمع، وتجد فيها المنافقين يتسللون إلى بصفوف الأمة، حينئذٍ تكون المسئولية أعظم، والواجبات أكبر، والأمانة أخطر، وتتعلق بالأعناق بقدر كل واحدٍ في موقعه ومكانته. تجد بعضهم يقول: متى يأتي اليوم الذي نجد فيه هذه البنوك كلها أصبحت مصارف إسلامية؟ ومتى يأتي اليوم الذي نجد فيه كل هذه المحلات التي تبيع الملاهي والأفلام الخليعة، وتمارس الترويج للدعارة والزنا والفساد قد انتهت؟ ومتى نجد الاختلاط قد انتهى؟ ومتى ومتى؟ فهو يعيش على هذه الآمال ويعيش على هذه الأماني، لا والله، لسنا بحاجةٍ إلى من يضيع أوقاته وأثمن ساعات حياته التي هي لحظة شبابه، ولحظة حرقته، ولحظة حماسه، لمجرد الآهات والأماني، كلٌ يحسن الآهات: ولست بمرجعٍ ما فات مني بليت ولا لعل ولا لو اني لو أني قلت كذا لفعلت كذا، لو أني كنت كذا لفعلت كذا، أو لعل الأمر كذا، أو ليتني فعلت كذا، كلها لا تجدي في الدعوة شيئاً، أنت صادق فشق طريقك برائحةٍ طيبة ولو كان نتنُ النجاسات من حولك، تشق طريقك ولو على خيطٍ رفيع، ولو كانت الأشواك عن يمينك ويسارك، تشق طريقك وأنت ترجو حسن العاقبة والخاتمة من عند الله ، ووالله إن لنا في رسول الله أسوةً حسنة كما قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] من كان يرجو بعمله أن يلقى الله جل وعلا راضياً عنه ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] أن يكون يوم تكور الشمس، وتنكدر الجبال وتنفطر السماء، وتسجر البحار وتمد الأرض، من كان يرجو في ذلك اليوم من أهل الكرامة ومجالس النور؛ مع الأنبياء والشهداء، مع الذين هم في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله، فليبدأ طريقه منذ هذه الأيام، من هذه اللحظة التي يرى فيها أن الحق والباطل أصبح يعيش مواجهة، لم يعد هناك غزل يعيش في الكواليس أو عمل في الخفاء، لا. فليبدأ طريقه صريحاً واضحاً ولا يهدأ له بال، ولا تكتحل له عينٌ بنوم، ولا يلذ بطعام وشراب إلا وهو يمارس هذا العمل، ويجتهد فيه بإذن الله .

стр. 145

إصلاح النفس نقطة البداية هذه أيها الإخوة! مقدمات من أين نبدأ، هذه مقدماتنا والبداية فيك أنت. دواؤك فيك وما تشعر وداؤك منك وما تبصر وتحسب أنك جسمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبر البداية منك أنت، إذا زالت الأوهام وتحررت منها، ومزقت الخيوط العنكبوتية، وما نسجت دودة القز على جسمك وثوبك وعن يمينك وعن يسارك من هذه الأوهام التي كبلتك واستطعت أن تمسح الزجاج أمام عينيك، وأن تزيل بحرارة اليقين هذا الضباب المتكاثف في طريقك حينئذٍ ستبدأ. والبداية كما قلت فيك أنت، فإذا بدأت بحق فاعلم أن الله جل وعلا قد قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥] سواء كان الداعية في هذه الظروف أو في غيرها رجلاً أو امرأة، ذكراً كان أم أنثى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥]. أيها الإخوة: نقول: فلان رجل لا يضيع المعروف عنده، فلان رجلٌ بذول معطاء، كريم سخي، حينما تعامله بالهدية يردها بأضعافها، أفتظنونه أكرم من رب العالمين؟ جل ربنا أن يعامله العبد نقداً فيجازيه نسيئة، الله جل وعلا أكرم الأكرمين، ومن كرمه أن سيئاتك لا يكتبها عليك إذا هممت بها ولم تفعلها، ومن كرمه أن نياتك بالحسنات تكتب لك وفعلك بالحسنات يضاعف لك إلى عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] أكرم الأكرمين: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧] الذرة لا تضيع عند الله من الخير، فلماذا تتردد في البداية؟ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] إذاً فلا تخش شيئاً، بعض الناس يقول: من الذي ينظر؟ من الذي يجازي؟ من الذي يكافئ؟ أعملنا؟ وكما قلنا ليس من شرطك أن تهتدي البشرية على يدك، أو أن ترفع برقيات الشكر والثناء لك أنها هداها الله على يديك، فلست أفضل من الأنبياء الذين يأتون يوم القيامة وأحدهم معه الرُهيط، وآخر معه رجل ورجلان، وآخر ليس معه أحد. ثم أيضاً الله جل وعلا بيَّن لنا وظيفة الداعية: إنما أنت منذر، ليست النتيجة عليك: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٥] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] واستمر حتى تجد النتيجة؟ لا. ما طلبت منك ذلك لكن بلغ، إنما عليك البلاغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]. فيا أخي المسلم: لست بحاجةٍ أن تضمن النتائج، أو أن تعلق عملك على تكوين النتائج. نعم. إذا كان موقف من المواقف من خلال حكمتك في الدعوة، أو حكمة من تستشيرهم في الدعوة إلى الله ظهر لك أن المنكر الذي ستغيره يفضي إلى منكرٍ أكبر فقف، أو يفضي إلى منكرٍ يساويه فتوقف، ولكن إذا كنت تظن أن سعيك يقلل المنكر، ففي هذا خيرٌ عظيم، وهذه مشكلة نواجهها أحياناً مع بعض إخواننا ولنكن صرحاء، حينما تقوم بعمل معين في مجال معين، وأنت تعرف أن هذا المجال الذي ستدخل فيه: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] المسألة فيها أخذ وعطاء، مختلطة، فيها مصالح وفيها مفاسد، إذا غلب على ظنك أن هذا أفضل مكانٍ تعمل فيه وتنتج فيه، وتقدم نتائج إيجابية فيه، وسيكون حصيلة عملك التقليل من المنكر، فنقول: هذا خيرٌ عظيم، لا نظن أن المنكر بمجرد أدنى سعي منك سينتهي إلى غير رجعة، أو سيزول إلى غير بدل، لا. قد يزول المنكر، لكن إلى بدلٍ أضعف منه، فيأتي آخر يتدخل في الوضع، فيزول المنكر إلى ما هو أضعف منه حتى يصبح المنكر شيئاً قليلاً لا يكاد يرى بل يضمحل وينتهي إلى غير رجعة. فلابد أن نتصور هذه المسائل لكي لا نضعف حينما نريد أن نعمل، وكثير من الناس يقول: أغلقت السبل والأبواب، ما عاد هناك أمل، العلمانية تفرق، الفساد ينتشر، الواقع إلى جهنم وساءت مصيراً، الناس قد ضلوا ضلالاً بعيداً، وتجده مسكيناً كما في الحديث: (من قال هلك الناس فهو أهلَكَهم أو أهلَكُهم) فيصبح لا يرى إلا ظلاماً، ولا يرى إلا شراً، ولا يرى في الناس إلا جانب الشر، وهذه مصيبة نفسية عند بعض إخواننا أهل الخير، أن تجد الإنسان حينما يرى رجلاً في يده السيجارة وهو متوجه إلى المسجد، ينظر إلى السيجارة ولا ينظر إلى ذهابه إلى المسجد، لماذا لا تنظر فقط إلا بالعين التي تبصر المعصية؟ ولماذا لا تستعمل العين الأخرى فتنظر إلى جانب الطاعة؟ ولماذا لا تجتهد وتحول عينيك إلى جانب الطاعة، فتتسلط على هذا الجانب بالموعظة، بالنصيحة، بالكلمة، بالابتسامة، باللباقة، بالرفق، بلين الجانب، بالتواضع، بخفض الجناح، بما شئت حتى تستطيع أن تقضي على المنكر الذي بيدك؟ أما أن تعيش ناظراً إلى معاصيهم فلا، والله إني أعجب أحياناً، وأمل -لا أكتمكم- من مجالسة بعض إخواني، تجد إذا جلست معه لا يُسمعك إلا ما يحطم نفسيتك، لا يُسمعك إلا ما يجعلك تتحطم، لا. تعيش في جو هذا كذا، هذا صار كذا، اختلاط، فساد، منكر، نشرة، مجلة، مقالة إلخ، فتجد أنك أينما التفت يميناً يساراً، فوق تحت، أمام خلف، تجد أنك محاط بالمعاصي ويخيل إليك الشيطان. لماذا العبث؟ ولماذا مكانك سر؟ ولماذا الجنون هذا؟ انتهت المسألة فالمنكر استحوذ على الوضع من جميع جهاته، ما عاد هناك حاجة لأن تعمل، ما عاد بيدك شيء؟ وهذا هو ما يريده الشيطان؛ أن يجعلك تقنط، وتيأس من رحمة ومن روح الله، ثم لا تبدأ تقدم شيئاً، وينعكس هذا عليك؛ ترى منكراً: ما رأيت إلا المنكر هذا، يحلو لك: رأينا أكبر، وترى منكراً آخر: رأينا ما هو أكبر، وترى مصيبة أخرى: يا شيخ! سيذبحنا العلمانيون، ما عاد هناك أمل لأن تصلح الأحوال وهلم جراً، لا والله. إن وقفة الشاب الغيور المناصح المخلص، الذي يغار على حرمات الله بالاتصال بالعلماء، بطلبة العلم، بالآمرين بالمعروف، كتابة مقالة، كتابة برقية، مناصحة مسئول، التردد في هذا الأمر، والله إنه يشغلهم. ثم يا إخواني! ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] والله إن أهل الباطل، والله إن العلمانيين يتقلبون أسىً ومضضاً ومرضاً لا تشعرون به، حدثني أحد الإخوة وكان في مكانٍ بالقرب من واحدٍ من العلمانيين الذين أخزاهم الله وفضحهم، فقال: إنه لما علم بكذا وكذا سقط مريضاً أياماً عديدة، الله أكبر! والله أيها الإخوة! إن لدعائكم على أهل الباطل في الليل لآيات بينات واضحات، وإن لسعيكم في مقارعة المنكر وأهله لأثراً بالغاً عظيماً، الله جل وعلا يبتليكم وهو بأمره بكلمة (كن) يحول الأمور رأساً على عقب، ولكن حتى ينظر هل تقوم أنت أيها الداعية! أو أيها المسلم! أو أيها الملتزم المتدين بواجب الدعوة! هل وقف التزامك عند توفير لحيتك وتقصير ثوبك فقط؟ أم أصبحت أيضاً تتمعر وتتغيض وتتقلب وتنكر المنكر لأن فيه مخالفة ومعصية لله؟ لو وقف إنسان وقال: يا فلان! من أي قبيلة أنت؟ قلت: من قبيلة بني فلان، قال: اللعنة!! هل تسكت؟ لا. لن تسكت، ستذب عن عرضك وعن قبيلتك وجماعتك، وربما وصل الأمر إلى الثأر والدم، وهو عند من يفتخر بعظمٍ نخر أصبحت الأنهار تجري دماءً عصبية للقبيلة والأرومة، ولكن حينما يكون الأمر لدين الله، ما كأن الأمر يعنيك. يقاد للسجن إن سب الرئيس وإن سب الإله فعند الناس أحرار لا ينبغي أن يكون هذا الميزان أبداً، أبو هريرة ﵁ كانت أمه قبل أن تسلم على الجاهلية والكفر، وكان إذا دعاها: يا أمه! يا أميمه! أسلمي وآمني وصدقي بنبوة محمدٍ ﷺ ، فكانت ربما شتمت أبا هريرة وسبته وطردته، وذات يومٍ جاء وقال: يا أماه! إلى متى وأنتِ حكامة في ضلالك، ألا تصدقين بمحمدٍ ﷺ ؟ ألا تشهدين أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟ فقامت أمه وسبته وسبت رسول الله ﷺ ، فانتهى الأمر بالنسبة لـ أبي هريرة؟ جاء ينتفض إلى النبي ﷺ وهو يبكي: يا رسول الله! -ماذا بك يا أبا هريرة؟ - قال: كنت أحتمل ما ينالني، أما وقد سب رسول الله ﷺ فلا أرضى بهذا ولا أحتمل، يا رسول الله! ادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال النبي ﷺ : (اللهم اهد أم أبي هريرة إلى دينك) فعاد أبو هريرة إلى البيت، فلما سمعت بقرع نعاله، قالت: على رسلك يا أبا هر! فعجب، وإذ بخرير الماء يسمعه، وإذ بها تغتسل، فلما فرغت قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. أن يتغير الإنسان ويتمعر، وأن يضيق لأن دين الله يخالف فيه ما يخالف أو ينتهك فيه ما ينتهك، هذا هو الأمر، ولذلك علل نوح ﵇ الضلال والبعد والإمعان والإصرار من قومه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح:٥] بعض الناس مزاجه لا يفتح إلا في الليل، فلابد أن تزوره في الليل، أما في النهار فليس عنده استعداد أن يقبل الدعوة، مزاجه على الرصيف في الليل يقبل الدعوة، فلا حرج أن تزوره في رصيفه العادي، ومن الناس من لا يقبل الزيارة والدعوة إلا في النهار، وفي الليل كالدجاجة ي
следующие страницы →