Полный текст (3 155 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الدعوة ليست حكراً على أحد
ومن هنا نقول لإخواننا في الله: بوسع كل واحدٍ منكم أن يبدأ، وعنوان المحاضرة (من هنا نبدأ) اخترت هذه العبارة لأقول لكل واحدٍ: من هنا تبدأ، من مكانك، من بيتك، من موقعك، من عملك، من وظيفتك، من الحي الذي تسكن فيه، من الجهة التي تأوي إليها، من هنا تبدأ.
وبفضل الله جل وعلا، ومن عظيم وواسع منه وكرمه أن هذا الدين لا يحتاج إلى تصريحٍ حتى تكون واحداً من الدعاة إلى الله فيه، لا يحتاج إلى أن تنال اجتياز المقابلات الشخصية، وإنما تحتاج أن تعلم ما تدعو إليه، قال ﷺ : (نضر الله امرءاً سمع منا مقالةً فوعاها، فبلغها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع) وهذه مسألة عظيمة (ومن دعا إلى هدى فله أجره، وأجور من عمل به إلى يوم القيامة) ولم يشترط لهذا الداعية أن يكون على هذا القدر، أو المكانة أو المجموع قل أو كثر فيما يحفظ أو يروي أو يفقه أو يعلم، وإنما يكفي أن يدعو ولو إلى مقالة واحدة يدعو إليها يريد بذلك وجه الله جل وعلا.
стр. 142
الأوهام العنكبوتية
في حقيقة الأمر -أيها الإخوة! - كثيرٌ من شبابنا، كثيرٌ من أحبابنا، كثيرٌ من إخواننا -ولعل من بينكم من هو منهم، أو أكون أنا منهم- يبني حول نفسه أوهاماً من خيوط العنكبوت، ويظن أنه إذا تحرك فإن عشرات الأعين تراقبه، وآلاف الأجهزة ترصد حركته، ومئات الناس يسجلون ما يفعل خطوة خطوة، وهذا مما يصدق فيه قول الله جل وعلا: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] يصور لك الشيطان أنك حينما تريد أن تقف على قارعة الطريق وتجد شباباً تريد أن تجلس معهم، فتعطيهم كلمتين، وليس من شرط هذه الكلمة أن يقبلوها، أو يستجيبوا أو يهتدوا، أو يلتزموا بأول وهلةٍ أنت تخاطبهم أو تكلمهم فيها، لا.
يظن البعض أنه لو أراد أن يقدم شريطاً أو أراد أن يقدم هدية أن حوله عشرات الأجهزة تراقبه وترصد حركته، ولذلك تجد بعضهم يقول: لا.
أنا أختار أسلوباً آخر، أو أنا من الناس الذين لا أرى هذا المنهج، أو هذه الطريقة وهلم جراً.
وليت عدم رؤيته لهذا الأمر من اجتهادٍ توصل إليه بعد باعٍ طويل في علمٍ وفقه، وليس كذلك إلا أنه يظن أن حركاته وسكناته مراقبة ومتابعة، وهب أنك توبعت وروقبت في كل صغيرة وكبيرة، هل سيصدك هذا عن الدعوة إلى الله جل وعلا؟ هل سيردك هذا عن الدعوة إلى الله جل وعلا؟ هل هذا سوف يمنعك أن تنال حظك في منازل الأبرار والشهداء والصديقين والصالحين عند الله ؟ إذاً: لماذا نبني هذه الخيوط، يقول لي ذات مرة شاب من الشباب الصالحين: أنا رأيت أربعة رجال يراقبونني، فسقطت ضحكاً، من أنت حتى يراقبك أربعة، أو واحد أو نصف واحد أو امرأة أو نصف امرأة؟ لماذا تخلق حول نفسك هذا الوهم العنكبوتي الذي لا حجة لك به؟ هل عشت في مجتمع الثورة البلشفية؟ أم أنك تعيش في لينين قراد أو تعيش في المجر، أو في دول الكتلة الشرقية قبل تحول الوضع الشيوعي؟ لماذا تخلق هذا الوضع حول نفسك؟ لست بحاجة أن تتصور هذا، ولكن الشيطان سول لك وخيل، وجعلك تتصور أنك تعيش في هذه الدائرة، وبالمناسبة هذا من الأساليب النفسية التي يؤثر بها على دعاة الإسلام في بعض بلدان العالم، ويسمونها بالمضايقة النفسية أو بعبارة تشابه هذا المعنى، يبدأ الإنسان يتضايق، يرفع السماعة يخشى أن يقول كلمة، يخرج من البيت يخشى أن ينظر إليه أحد، يمد شريطاً يتوقع أن الكاميرا قد صورته، يقرأ كتاباً يظن أنه قد حقق به وهلم جراً!! إن الله جل وعلا قد خلقك حراً، وأبقاك حراً، بل ولعن من أراد أن يجعلك رقيقاً: (ثلاثة لعنهم الله جل وعلا -وذكر منهم- رجلٌ باع حراً فأكل ثمنه) أنت تعيش حراً وستمضي حراً، وستفضي إلى الله حراً، فلا تخلق حول نفسك هالة من الأوهام العنكبوتية التي تتخيل أو تتوقع بها أنك يوم أن تفعل شيئاً في دين الله جلا وعلا سوف تنتهي من قائمة الناس الأسوياء وغيرهم، ربما يأتيك الشيطان ويقول لك: لا حرج.
ولكن هذا قد يعرقل مواصلة سيرك الوظيفي، إذا كنت رجلاً طموحاً في الوظيفة وترغب أن ترشح لأعلى المراتب، فانتبه، قف عند حدٍ معين، لا تتمادى بوضع معين حتى تستطيع أن تصل يوماً ما.
وأقول: ربما يكون الإنسان على خطرٍ في معتقده إذا أوغل في هذا الظن واعتقده، وظن أن الخلق يستطيعون أن يكفوا أو يمنعوا رزقاً قسمه الله له.
وكما في حديث ابن عباس الذي تحفظونه: (يا غلام! احفظ الله يحفظك -إلى أن قال- واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) إذا كان الإنسان يخشى على رزقه، فالله جل وعلا هو الذي خلقك وتكفل برزقك: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦] وكما في الحديث: (جاءني جبريل ونفث في روعي: يا محمد! إنه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها) والله لو بقي لك في الدنيا عشرة ريالات لتقاتلت الدنيا حتى تصل: (لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) ما قال: تشاحوا، تخوفوا، خافوا على الطلب، بل أجملوا في الطلب، أدنى أمرٍ من أمور بإذن الله جل وعلا يكون سبباً لوصول ما كتبه الله جل وعلا لك.
وإذا كان الخيط العنكبوتي الذي ينسجه الشيطان حولك أيها الأخ المسلم بأنك ربما تموت أو ربما ينتهي أجلك، أو ربما تخترم روحك قبل بلوغ أجلها، فهذا أخطر من الذي قبله، أن تعتقد أن قوةً من قوى البشرية تستطيع أن تخترم من أجلك يوماً أو ساعة واحدة قبل تمام أجلك، وكما كان الإمام علي ﵁ يردد أبياته المشهورة:
أي يوميَّ من الموت أفر يوم لا يقدر أم يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر
فلماذا التخوف إذاً؟ أقول: إن كثيراً من الشباب تجد فيهم عزوفاً عن الدعوة إلى الله جل وعلا، ليس كرهاً في الدعوة، وربما ليس عجزاً أو ضعفاً، بل هو قادر، ولو ناقشته لوجدته أفقه منك أيها المحاضر! وأعلم منك أيها الخطيب! وأصلح منك أيها المتكلم! وأجدر وأقدر في مخاطبة الناس، ولكن فيه أمرٌ لا زال ممسكاً به لم يجعله ينطلق في عالم الدعوة إلى الله جل وعلا، ألا وهو الخوف أو الأوهام العنكبوتية التي نسجها حول نفسه، إما على خطرٍ وإما على رزقٍ وإما على موت.
أقول: ليس هذا مجال تفصيل، وهذه الأمور كلها بيد الله، ولكن هذا واحدٌ من الأسباب التي تجعل كثيراً من الشباب يا للأسف يعزف عن هذا الأمر.
стр. 143
مشكلات في طريق الدعوة
الأمر الآخر: أن بعضهم على مقدرة بالغة، جميلة جليلة طيبة، ومع ذلك:
أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد
يا فلان! انطلق، يا فلان! ادع إلى الله جل وعلا، يا فلان! انظر أعداء الله جل وعلا، هذا سافل ساقط خبيث حقير حداثي، جرثومة حداثية تبدأ تنشر قصيدة، يأتي من بعده بالتلميع والتعقيب وتسليط الأضواء، والشرح والاختصار، والتحقيق والتخريج فيجعل من كلمة الساقط التافهة مطولة من المطولات.
وأنت يا من تملك هذا! يا من تقدر على أن تأتي بالكثير الكثير! لا تزال تظن أنك لم تستطع، لم تقدر، ولذلك لما تأملت ذات مرة وكنت في زيارة لطلاب جامعة الإمام في السكن الجامعي، فلما نزلنا إلى صلاة المغرب في المسجد، وإذ بالمسجد يمتلئ قرابة ألفي شاب، الله أكبر! جامعة إسلامية وكل هؤلاء أغلبهم قد اجتاز المعاهد العلمية ونال حظاً وافراً من العلوم الشرعية، والأحكام الفرعية، والأصول والفقه، والتفسير، ولا تجد من بين هؤلاء كما في البخاري: (الناس كإبلٍ مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) لا تكاد تخرج من قرابة المائة طالب من ذوي التخصصات الشرعية واحداً أو اثنين أو ثلاثة، كلهم صالحون وعلى درجة من الصلاح والتقى، من قيام الليل، من صيام الإثنين والخميس، لكن أين أثرهم في الدعوة؟ أين بصماتهم في واقعهم؟ أين جهودهم في مجتمعاتهم؟ لا توجد.
وربما بعضهم من أهل منطقة نائية تبعد عن المدينة أو العاصمة أربعمائة كيلو، ثلاثمائة كيلو، قرية بعيدة جداً، وإذا جاء الخميس أو الجمعة أو يوم الأربعاء تجده أول من يخرج من الكلية لزيارة أهله والمكوث معهم بقية الأربعاء والخميس والجمعة، وربما جاء فجر السبت أو مساء الجمعة ما نقل إلى قريته شريطاً أو كتاباً واحداً، وما أقام في قريته درساً واحداً، ما دعا إلى الله جل وعلا في قريته، يذهب ويأوي فقط، تغدو خماصاً وتروح خماصاً، يعني: يذهب جائعاً ويعود جائعاً، أو ربما يروح بطاناً أي: مليئاً لكنه لا ينفق ولا يعطي مما عنده شيئاً، لماذا البخل؟ أهو غرورٌ أم احتقارٌ للذات، إن كان غروراً، أو أن قريتك أو أن مجتمعك حتى ولو كنت في هذه المدينة، أو الحي الذي تسكن فيه ليس بكفءٍ أن تدعوهم إلى الله، أو قد اكتملت جوانب صلاحهم واستقامتهم فليسوا بحاجة إلى طرح مواضيع تنفعهم، أو أنه احتقارٌ للذات، فترى أنك لست بشيء أبداً.
أما إذا كانت المشكلة (مشكلة احتقار الذات) مشكلة نفسية، فهذه تحتاج إلى وقتٍ طويل، وربما بعضهم اجتهدت في زيارته، وبعضهم والله زرته في بيته مراراً: يا فلان! والله إني أجدك أفصح مني، وأفضل مني، وأحسن مني، وأحفظ مني، وأرى لك مكاناً وموقعاً ومنزلاً، لو نزلت الميدان لنفع الله بك خلقاً عظيماً، فيقول: لا، لا يزال.
تقنعه: الذي يقصرني هل يقصرك؟ فصاحة، هل يقصرك معلومات؟ يقول: أنا عندي معلومات أكثر منك، هل يقصرك مقدرة؟ يقول: ربما أنا أكثر جلداً منك، إذاً: ماذا تنتظر؟ يقول: فقط الناس لا يعرفون هذا الشيء ولا يعترفون بهذا الشيء، أو لا يسلمون لي بهذا الشيء، هنا خطرٌ من أمرين: الأمر الأول: أن المشكلة النفسية لا تزال قائمة.
والأمر الثاني: أنك تريد أن يجتمع الناس لك كما يجتمع الناس لـ ابن عثيمين وابن باز حينما تلقي محاضرة.
ابدأ ولو لم يحضر معك إلا خمسة، سبعة، عشرة، عشرون مائة، المهم ابدأ، وثق بنفسك تمام الثقة، والله جل وعلا حينما يعلم منك الإخلاص والصدق في هذا الطريق سيجمع الناس لك، وسييسر لك وإن لم يحضر معك إلا أربعة، فربما سجل كلامك، وانتقل إلى أضعاف الذين حضروا معك، فنفعهم بإذن الله واهتدى من اهتدى بسبب كلامك هذا ولم تشعر بذلك، ولم تر ذلك إلا في موازين أعمالك يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] تأتي يوم القيامة وأنت تنظر: يا ربِّ! حسناتي قليلة، يا ربِّ! هفواتي كثيرة:
إلهي لا تعذبني فإني مقرٌ بالذي قد كان مني
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
خائف على نفسك، فإذا البشارة تأتيك في سجل أعمالك: أبشر يا فلان! فقد تقبل الله هدايتك، أو كلمتك أو نصيحتك، أو دعوتك أو محاضرتك، فهدى الله بها فلاناً وفلاناً وفلاناً، وهاهم في موازين أعمالك، فيطيش ميزانك بالحسنات فتكون من أهل الجنة بسبب هذه الكلمة التي ربما ما حضرها إلا أربعة أو خمسة.
أيها الإخوة: ينبغي أن ندرك هذا الأمر جيداً، يقال: إن أحد السلف -ولا يحضرني اسمه الآن- ألف منظومة لا أدري أهي الشاطبية أم الرحبية أم كتاباً غيرهما، لما ألفها في نفسه سراً جعلها في رقعة ورمى بها في البحر، وقال: اللهم إن كانت خالصةً لوجهك فانفع بها، وإن كانت غير ذلك فلا تجعل بها لبشر حظاً ولا نصيباً.
فكتب الله لهذه الرقعة أن تطفو ووجدها قومٌ في مركب، فأخذوها وتناقلوها، وما زال الناس يحفظونها ويتدارسونها إلى يومنا هذا، فكلمة الحق حينما تقولها تريد بها وجه الله جل وعلا، والنصيحة والدعوة إلى الله؛ حينما تبذلها تريد بها وجه الله فأنت أديت ما عليك أولاً.
وثانياً: لن تكون أفضل من الأنبياء والرسل، كما في الحديث الصحيح: (وعرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، ورأيت النبي ومعه الرُهيط، ورأيت النبي ومعه الرجل، ورأيت النبي ومعه الرجلان، ورأيت النبي وليس معه أحد) الله أكبر! نبي مؤيد بالوحي والعصمة والمعجزة ولا يأتي معه يوم القيامة أحد، فما آمن معه من قومه إلا قليل: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨] وهم قلة، ومع ذلك هل ضاعت ثمار دعوته؟ هل ضاعت أجور أعماله وسعيه؟ لا والله.
إذاً أيها الأحبة: لابد أن نفقه أننا ينبغي أن نبدأ حتى لو كانت البداية مع الجيران في أربعة أشخاص، أو بخمسة أشخاص، ثم قليلاً قليلاً، وإذا كان الإنسان صادقاً مديماً على ما يعمل، مخلصاً لما يعمل، بإذن الله سيأتي اليوم الذي يكون له شأن، ويهتدي على يديه الخلق العظيم.
المشكلة الثانية التي هي مشكلة العقدة النفسية: واسمحوا لي أن أضرب هذا المثل الذي ربما ضربته في أكثر من مكان، يقولون: إنه يوجد رجل كان يعتقد -عنده مشكلة نفسية- عن نفسه أنه حبة شعير، رجل بطوله وعرضه كان يعتقد عن نفسه أنه حبة شعير، ولذلك لا يزور أناساً عندهم دجاج، أو أحداً عنده حمام، لماذا؟ يعتقد عن نفسه أنه حبة شعير وأن الدجاجة أو الحمامة سوف تأكله، فعالجوه، وأقول: حبة الشعير الآن هو بعض إخواننا الذين عنده خيرٌ عظيم لكنه يعتقد أنه ليس بشيء، فهذا رجل لكنه يعتقد أنه حبة، فعالجوه ثلاث سنوات في علاج نفسي واختبارات نفسية حتى تماثل للشفاء وشفي بإذن الله، فلما جاء أوان خروجه من المستشفى، قالوا: هاه يا فلان! بشر اقتنعت أنك رجل، اقتنعت أنك إنسان، ولست بحبة شعير؟ قال: نعم.
أنا اقتنعت لكن أقنعوا الدجاج.
وهذه مشكلة أن نبدأ ننفخ في شخصية: يا فلان! فيك خير، يا فلان! عندك نفع، يا فلان! عندك مقدرة، يا فلان! عندك معلومات، يقول: أنا مقتنع لكن أقنعوا الناس أيستمعوا إليَّ، أقنعوا الناس أن يستفيدوا مني، اقنعوا الناس أن يتجمهروا لي.
يا أخي! أنت ابدأ، دعنا من عقدة الدجاجة والشعيرة هذه، فبإذن الله من سار على دربٍ في إخلاصٍ وصل إلى عاقبة حميدة.
стр. 144
الدعوة لصيقة المعاناة
أيها الإخوة: نقطة أخرى، يظن البعض أن الدعوة تبدأ ومن أول لحظة يرى فيها بنوك الربا تدكدكت على أمها، أي أنه: يظن أنه لم يكن هناك بداية للدعوة، إلا إذا رأى البنوك الشامخة للربا تدكدكت وأصبحت رماداً، وإذا رأى المنكرات كلها قد جابت وانتهت، واضمحلت وتلاشت وفنيت، ومحلات الفيديو والأغاني قد أغلقت وشمعت بالشمع الأحمر، والاختلاط أصبح أبغض ما يكون إلى الناس، والله يا أخي! إذا كنت تظن أنك لن تبدأ بالدعوة إلى الله إلا حينما ننتهي من الربا، وننتهي من الاختلاط ومن الغناء والملاهي، وننتهي من العلمانيين ومن الفساق والفجرة، وأعداء الدعوة الذين يبغضون الحق، فما الحاجة إلى الدعوة أصلاً؟ إن الحاجة تبدأ في هذه الظروف الصعبة التي تجد فيها الربا شامخاً، وتجد فيها الاختلاط يشق طريقه، وتجد فيها الفساد ينخر في المجتمع، وتجد فيها المنافقين يتسللون إلى بصفوف الأمة، حينئذٍ تكون المسئولية أعظم، والواجبات أكبر، والأمانة أخطر، وتتعلق بالأعناق بقدر كل واحدٍ في موقعه ومكانته.
تجد بعضهم يقول: متى يأتي اليوم الذي نجد فيه هذه البنوك كلها أصبحت مصارف إسلامية؟ ومتى يأتي اليوم الذي نجد فيه كل هذه المحلات التي تبيع الملاهي والأفلام الخليعة، وتمارس الترويج للدعارة والزنا والفساد قد انتهت؟ ومتى نجد الاختلاط قد انتهى؟ ومتى ومتى؟ فهو يعيش على هذه الآمال ويعيش على هذه الأماني، لا والله، لسنا بحاجةٍ إلى من يضيع أوقاته وأثمن ساعات حياته التي هي لحظة شبابه، ولحظة حرقته، ولحظة حماسه، لمجرد الآهات والأماني، كلٌ يحسن الآهات:
ولست بمرجعٍ ما فات مني بليت ولا لعل ولا لو اني
لو أني قلت كذا لفعلت كذا، لو أني كنت كذا لفعلت كذا، أو لعل الأمر كذا، أو ليتني فعلت كذا، كلها لا تجدي في الدعوة شيئاً، أنت صادق فشق طريقك برائحةٍ طيبة ولو كان نتنُ النجاسات من حولك، تشق طريقك ولو على خيطٍ رفيع، ولو كانت الأشواك عن يمينك ويسارك، تشق طريقك وأنت ترجو حسن العاقبة والخاتمة من عند الله ، ووالله إن لنا في رسول الله أسوةً حسنة كما قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] من كان يرجو بعمله أن يلقى الله جل وعلا راضياً عنه ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] أن يكون يوم تكور الشمس، وتنكدر الجبال وتنفطر السماء، وتسجر البحار وتمد الأرض، من كان يرجو في ذلك اليوم من أهل الكرامة ومجالس النور؛ مع الأنبياء والشهداء، مع الذين هم في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله، فليبدأ طريقه منذ هذه الأيام، من هذه اللحظة التي يرى فيها أن الحق والباطل أصبح يعيش مواجهة، لم يعد هناك غزل يعيش في الكواليس أو عمل في الخفاء، لا.
فليبدأ طريقه صريحاً واضحاً ولا يهدأ له بال، ولا تكتحل له عينٌ بنوم، ولا يلذ بطعام وشراب إلا وهو يمارس هذا العمل، ويجتهد فيه بإذن الله .
стр. 145
إصلاح النفس نقطة البداية
هذه أيها الإخوة! مقدمات من أين نبدأ، هذه مقدماتنا والبداية فيك أنت.
دواؤك فيك وما تشعر وداؤك منك وما تبصر
وتحسب أنك جسمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبر
البداية منك أنت، إذا زالت الأوهام وتحررت منها، ومزقت الخيوط العنكبوتية، وما نسجت دودة القز على جسمك وثوبك وعن يمينك وعن يسارك من هذه الأوهام التي كبلتك واستطعت أن تمسح الزجاج أمام عينيك، وأن تزيل بحرارة اليقين هذا الضباب المتكاثف في طريقك حينئذٍ ستبدأ.
والبداية كما قلت فيك أنت، فإذا بدأت بحق فاعلم أن الله جل وعلا قد قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥] سواء كان الداعية في هذه الظروف أو في غيرها رجلاً أو امرأة، ذكراً كان أم أنثى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥].
أيها الإخوة: نقول: فلان رجل لا يضيع المعروف عنده، فلان رجلٌ بذول معطاء، كريم سخي، حينما تعامله بالهدية يردها بأضعافها، أفتظنونه أكرم من رب العالمين؟ جل ربنا أن يعامله العبد نقداً فيجازيه نسيئة، الله جل وعلا أكرم الأكرمين، ومن كرمه أن سيئاتك لا يكتبها عليك إذا هممت بها ولم تفعلها، ومن كرمه أن نياتك بالحسنات تكتب لك وفعلك بالحسنات يضاعف لك إلى عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] أكرم الأكرمين: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧] الذرة لا تضيع عند الله من الخير، فلماذا تتردد في البداية؟ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] إذاً فلا تخش شيئاً، بعض الناس يقول: من الذي ينظر؟ من الذي يجازي؟ من الذي يكافئ؟ أعملنا؟ وكما قلنا ليس من شرطك أن تهتدي البشرية على يدك، أو أن ترفع برقيات الشكر والثناء لك أنها هداها الله على يديك، فلست أفضل من الأنبياء الذين يأتون يوم القيامة وأحدهم معه الرُهيط، وآخر معه رجل ورجلان، وآخر ليس معه أحد.
ثم أيضاً الله جل وعلا بيَّن لنا وظيفة الداعية: إنما أنت منذر، ليست النتيجة عليك: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٥] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] واستمر حتى تجد النتيجة؟ لا.
ما طلبت منك ذلك لكن بلغ، إنما عليك البلاغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
فيا أخي المسلم: لست بحاجةٍ أن تضمن النتائج، أو أن تعلق عملك على تكوين النتائج.
نعم.
إذا كان موقف من المواقف من خلال حكمتك في الدعوة، أو حكمة من تستشيرهم في الدعوة إلى الله ظهر لك أن المنكر الذي ستغيره يفضي إلى منكرٍ أكبر فقف، أو يفضي إلى منكرٍ يساويه فتوقف، ولكن إذا كنت تظن أن سعيك يقلل المنكر، ففي هذا خيرٌ عظيم، وهذه مشكلة نواجهها أحياناً مع بعض إخواننا ولنكن صرحاء، حينما تقوم بعمل معين في مجال معين، وأنت تعرف أن هذا المجال الذي ستدخل فيه: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] المسألة فيها أخذ وعطاء، مختلطة، فيها مصالح وفيها مفاسد، إذا غلب على ظنك أن هذا أفضل مكانٍ تعمل فيه وتنتج فيه، وتقدم نتائج إيجابية فيه، وسيكون حصيلة عملك التقليل من المنكر، فنقول: هذا خيرٌ عظيم، لا نظن أن المنكر بمجرد أدنى سعي منك سينتهي إلى غير رجعة، أو سيزول إلى غير بدل، لا.
قد يزول المنكر، لكن إلى بدلٍ أضعف منه، فيأتي آخر يتدخل في الوضع، فيزول المنكر إلى ما هو أضعف منه حتى يصبح المنكر شيئاً قليلاً لا يكاد يرى بل يضمحل وينتهي إلى غير رجعة.
فلابد أن نتصور هذه المسائل لكي لا نضعف حينما نريد أن نعمل، وكثير من الناس يقول: أغلقت السبل والأبواب، ما عاد هناك أمل، العلمانية تفرق، الفساد ينتشر، الواقع إلى جهنم وساءت مصيراً، الناس قد ضلوا ضلالاً بعيداً، وتجده مسكيناً كما في الحديث: (من قال هلك الناس فهو أهلَكَهم أو أهلَكُهم) فيصبح لا يرى إلا ظلاماً، ولا يرى إلا شراً، ولا يرى في الناس إلا جانب الشر، وهذه مصيبة نفسية عند بعض إخواننا أهل الخير، أن تجد الإنسان حينما يرى رجلاً في يده السيجارة وهو متوجه إلى المسجد، ينظر إلى السيجارة ولا ينظر إلى ذهابه إلى المسجد، لماذا لا تنظر فقط إلا بالعين التي تبصر المعصية؟ ولماذا لا تستعمل العين الأخرى فتنظر إلى جانب الطاعة؟ ولماذا لا تجتهد وتحول عينيك إلى جانب الطاعة، فتتسلط على هذا الجانب بالموعظة، بالنصيحة، بالكلمة، بالابتسامة، باللباقة، بالرفق، بلين الجانب، بالتواضع، بخفض الجناح، بما شئت حتى تستطيع أن تقضي على المنكر الذي بيدك؟ أما أن تعيش ناظراً إلى معاصيهم فلا، والله إني أعجب أحياناً، وأمل -لا أكتمكم- من مجالسة بعض إخواني، تجد إذا جلست معه لا يُسمعك إلا ما يحطم نفسيتك، لا يُسمعك إلا ما يجعلك تتحطم، لا.
تعيش في جو هذا كذا، هذا صار كذا، اختلاط، فساد، منكر، نشرة، مجلة، مقالة إلخ، فتجد أنك أينما التفت يميناً يساراً، فوق تحت، أمام خلف، تجد أنك محاط بالمعاصي ويخيل إليك الشيطان.
لماذا العبث؟ ولماذا مكانك سر؟ ولماذا الجنون هذا؟ انتهت المسألة فالمنكر استحوذ على الوضع من جميع جهاته، ما عاد هناك حاجة لأن تعمل، ما عاد بيدك شيء؟ وهذا هو ما يريده الشيطان؛ أن يجعلك تقنط، وتيأس من رحمة ومن روح الله، ثم لا تبدأ تقدم شيئاً، وينعكس هذا عليك؛ ترى منكراً: ما رأيت إلا المنكر هذا، يحلو لك: رأينا أكبر، وترى منكراً آخر: رأينا ما هو أكبر، وترى مصيبة أخرى: يا شيخ! سيذبحنا العلمانيون، ما عاد هناك أمل لأن تصلح الأحوال وهلم جراً، لا والله.
إن وقفة الشاب الغيور المناصح المخلص، الذي يغار على حرمات الله بالاتصال بالعلماء، بطلبة العلم، بالآمرين بالمعروف، كتابة مقالة، كتابة برقية، مناصحة مسئول، التردد في هذا الأمر، والله إنه يشغلهم.
ثم يا إخواني! ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] والله إن أهل الباطل، والله إن العلمانيين يتقلبون أسىً ومضضاً ومرضاً لا تشعرون به، حدثني أحد الإخوة وكان في مكانٍ بالقرب من واحدٍ من العلمانيين الذين أخزاهم الله وفضحهم، فقال: إنه لما علم بكذا وكذا سقط مريضاً أياماً عديدة، الله أكبر! والله أيها الإخوة! إن لدعائكم على أهل الباطل في الليل لآيات بينات واضحات، وإن لسعيكم في مقارعة المنكر وأهله لأثراً بالغاً عظيماً، الله جل وعلا يبتليكم وهو بأمره بكلمة (كن) يحول الأمور رأساً على عقب، ولكن حتى ينظر هل تقوم أنت أيها الداعية! أو أيها المسلم! أو أيها الملتزم المتدين بواجب الدعوة! هل وقف التزامك عند توفير لحيتك وتقصير ثوبك فقط؟ أم أصبحت أيضاً تتمعر وتتغيض وتتقلب وتنكر المنكر لأن فيه مخالفة ومعصية لله؟ لو وقف إنسان وقال: يا فلان! من أي قبيلة أنت؟ قلت: من قبيلة بني فلان، قال: اللعنة!! هل تسكت؟ لا.
لن تسكت، ستذب عن عرضك وعن قبيلتك وجماعتك، وربما وصل الأمر إلى الثأر والدم، وهو عند من يفتخر بعظمٍ نخر أصبحت الأنهار تجري دماءً عصبية للقبيلة والأرومة، ولكن حينما يكون الأمر لدين الله، ما كأن الأمر يعنيك.
يقاد للسجن إن سب الرئيس وإن سب الإله فعند الناس أحرار
لا ينبغي أن يكون هذا الميزان أبداً، أبو هريرة ﵁ كانت أمه قبل أن تسلم على الجاهلية والكفر، وكان إذا دعاها: يا أمه! يا أميمه! أسلمي وآمني وصدقي بنبوة محمدٍ ﷺ ، فكانت ربما شتمت أبا هريرة وسبته وطردته، وذات يومٍ جاء وقال: يا أماه! إلى متى وأنتِ حكامة في ضلالك، ألا تصدقين بمحمدٍ ﷺ ؟ ألا تشهدين أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟ فقامت أمه وسبته وسبت رسول الله ﷺ ، فانتهى الأمر بالنسبة لـ أبي هريرة؟ جاء ينتفض إلى النبي ﷺ وهو يبكي: يا رسول الله! -ماذا بك يا أبا هريرة؟ - قال: كنت أحتمل ما ينالني، أما وقد سب رسول الله ﷺ فلا أرضى بهذا ولا أحتمل، يا رسول الله! ادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال النبي ﷺ : (اللهم اهد أم أبي هريرة إلى دينك) فعاد أبو هريرة إلى البيت، فلما سمعت بقرع نعاله، قالت: على رسلك يا أبا هر! فعجب، وإذ بخرير الماء يسمعه، وإذ بها تغتسل، فلما فرغت قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
أن يتغير الإنسان ويتمعر، وأن يضيق لأن دين الله يخالف فيه ما يخالف أو ينتهك فيه ما ينتهك، هذا هو الأمر، ولذلك علل نوح ﵇ الضلال والبعد والإمعان والإصرار من قومه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح:٥] بعض الناس مزاجه لا يفتح إلا في الليل، فلابد أن تزوره في الليل، أما في النهار فليس عنده استعداد أن يقبل الدعوة، مزاجه على الرصيف في الليل يقبل الدعوة، فلا حرج أن تزوره في رصيفه العادي، ومن الناس من لا يقبل الزيارة والدعوة إلا في النهار، وفي الليل كالدجاجة ي
стр. 146
تغيير الوضع
ثم أيها الإخوة: البداية من هذه النفس، هل تكتفي بصلاح نفسك؟ أنت قد صلحت، وأن يقال: أسلم فحسن إسلامه، تفقه فزاد فقهاً وعلماً، كثيرٌ منا معلوماتنا في العام الماضي هي نفس معلوماتنا هذه السنة، وهي معلوماتنا بعد سنتين وبعد ثلاث سنوات إن كنا من الأحياء، لا تجد الإنسان يطور في برنامجه شيئاً، أو يحاول أن يغير من وضعه، تمر السنون الطوال وهو لا يزال على ركعة واحدة وتراً، تمر السنون الطوال وهذا شأنه لا يعرف إلا ست شوال فقط، تمر السنون الطوال وهو لا يعرف من النوافل إلا مسائل محدودة، أين مجاهدة النفس ولو رويداً رويداً، ولو قليلاً قليلاً؟ وسترى حسن عاقبة هذا، وستجد له أثراً إذا أنت أخذت النفس على رياضة مستمرة ولو تدريجية، بعض الناس ربما صام الشهر كله، أو صامه إلا قليلاً ثم انقطع مرةً واحدة، أو ربما قام الليل كله، ثم فاتته صلاة الفجر في أيامٍ متتابعة، أو تجده ربما انكب على محاضرات مدداً طويلة، ثم انشغل بعد ذلك بمجالس لهوٍ وغفلة، وتجد المنحنى البياني بالنسبة لاستقامته في هبوط وصعود، مرة طائراً فوق، ومرة نازلاً تحت.
المعروف أن الإنسان المستقيم الداعية، الخط البياني بالنسبة في الارتفاع، يحصل زلة ولكنه يرجع من جديد إلى ارتفاع، رب ذنبٍ أورث توبةً فأورثت عملاً وندماً واجتهاداً وعزيمة، قال ابن القيم: سألت شيخنا ابن تيمية عن الحديث: (ما يقدر الله لعبده قدراً إلا كان له به خير) قال: أليس الله يقدر الشر؟ قال: بلى.
-المعصية أليست من قدر الله؟ بلى.
المعصية من قدر الله- قال: إذاً كيف يكون للإنسان فيها خير، قال: بما يتبع ذلك من الذل والندم والانكسار، والإكثار من الحسنات الماحيات لهذا.
стр. 147
العلاقات المتبادلة
ثم بعد ذلك أيها الإخوة! البداية بعد هذه النقطة في علاقتي بكم وعلاقتكم بي، تستمر علاقاتنا وصحبتنا على وتيرة واحدة، حيا الله فلاناً، أهلاً وسهلاً، حيا الله الداعية، حيا الله الشيخ، حيا الله فلاناً، حيا الله فلاناً، وأين نقدنا لبعض؟ أين الذين تواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر؟ أحد جاء وأمسك فلان بن فلان قال له: اتق الله، لقد فعلت كذا، فإن كان فعلاً قد فعله، قال: أستغفر الله وأتوب إليه، وإن كان لم يفعله قال: لم أفعله وجزاك الله خيراً حذرتني منه، قال ابن القيم: ومن مساوئ الخلطاء أو المجالس أن تجد بعضهم يتزين لبعض، وهذا أمر ملاحظ، تجد الواحد يجلس في مجلس، والله يا فلان ما مثلك! وأنت حقيقة ما بعدك، ثم نجلس فرشاة في بعض، كل واحد يمدح الآخر، ونقوم وكأن الواحد منا إبراهيم الحربي، وإبراهيم النخعي، وسفيان بن عيينة، وإسحاق بن راهويه ما شاء الله بلغنا قمة الأمر، أين المناصحة فيما بيننا؟ أين التواصي فيما بيننا؟ بالأمس وقت صلاة الظهر ولعل الكثير منكم حضر جنازة أبي عبد الملك الأخ في الله إبراهيم الشارق، أسأل الله أن يجمعنا به في الجنة، أسأل الله أن يجمعنا به في الجنة، كان صديقاً محباً، ربما زارني في سرٍ وزرته في سر، وجلسنا لوحدنا، وجلوسي معه وجلوسه معي على انفراد أكثر من جلوسنا على اجتماع، فكان الشيخ محمد الفراج جزاه الله خيراً يستغل فرصة اجتماع الشباب من أجل الصلاة على الجنازة ومن ثم التشييع واتباعها، فذكر كلاماً، والله قال كلمة تمنيت أني كنت الجنازة، والله أيها الإخوة! قال: وقد عرفنا الأخ إبراهيم عفيف اللسان عن الغيبة والنميمة، الله أكبر! أيها الإخوة! من يجد هذه المنقبة؟ هي مسألة سهلة، قد يقول واحد: ظنناك ستمدحه بأنه حفظ الصحاح أو السنن، أو القرآن بسبع قراءات، هذه خير، ولكن العفة عن الغيبة والنميمة أخير وأعظم، من منا أيها الإخوة! في تهذيبه وانطلاقه بالدعوة من نفسه، يبدأ مع إخوانه، فإذا بدأت أتكلم في عرض فلان قال: ما أنت بالشيخ سعد، أنت أقل من الأخ سعد، اصمت هذه غيبة، إن شئت قلها صراحة، إن شئت قلها بتورية، إن شئت قلها كناية، إن شئت أومئ ببصرك، إن شئت خذني على انفراد، إن شئت انصحني بأي طريقة، المهم ألا نسكت عن بعض، وألا يجامل بعضنا بعضاً.
من هنا نبدأ أيها الإخوة! أن نكون صادقين في علاقاتنا، ألسنا نتحاب في الله؟ ألسنا ندعي أن العلاقة والرابطة بيننا هي الحب في الله والبغض في الله؟ فلماذا إذاً يتزيا ويتزين ويتجمل بعضنا أمام بعض بالمديح المتبادل؟ ربما تفعل خيراً فتسمع ثناءً، وتلك عاجل بشرى المؤمن كما في الحديث، لكن والله يا أيها الإخوة! إن الإنسان يأتيه الشيطان، وأيضاً يحاسب نفسه، يقول: الله أكبر! مر شهر كامل ما واحد من إخوانك دس لك رسالة تحت الباب ينصحك، ما شاء الله، أنت الكامل!! أنت المثل الأعلى، والقدوة الأسنى!! ما فيك خطأ أبداً!! رغم مجالساتك وكثرة حديثك ولقائك وكلامك، ما نصحك أحدهم، وما أهداك عيباً من عيوبك.
لماذا؟ لأننا نكره أن ينصحنا إنسان في عيوبنا، نحب المديح، نتلذذ له: جزاك الله خيراً، أحبك الله كما أحببتني فيه وهلم جراً، لكن نصيحة، يا أخي! بعض الناس معقد، بعض الناس ما يفهم.
أعجبني ذات مرة أحد الإخوان، قلت له: أتمنى أن أكون ممن حفظ القرآن كله عن ظهر قلب كسائر الحفاظ، قال: تريد أن تحفظ القرآن وأنت تجمع في حياتك بين شغل الدنيا والآخرة؟ لا يمكن أن تحفظ إلا إذا تفرغت للآخرة تماماً، أعجبتني هذه الكلمات، والله تلذذت بها، قلت: يا أخي! الله يجزيك خيراً، لطالما اشتقت أن أسمع كلمة كهذه، لو كان غيره: لا يا أخ سعد! أنت مشغول في الدعوة، وهؤلاء الإخوان يشغلون وقتك وأنت وأنت وهلم جراً، وأخذ كل واحد منا يلمع ويرقع ويزين للآخر، لكن الصدق في العلاقة هو خير ما نربي به بعضنا البعض.
стр. 148
الشعور بالمسئولية
أقول أيها الأحبة: إن البداية تبدأ من كل واحدٍ منا أن يشعر بأن له قدرة، وله مكانة وله منزلة، ولابد أن ينطلق ويبدأ، وأحب دائماً إذا طرحت موضوعاً أن أقدم مشروعاً، ومشروعنا أيها الأحبة! تحت التجربة، وقد أثبت بفضل الله جل وعلا نتائجه الإيجابية.
هذا المشروع بدأ بحيٍ من الأحياء، كان قبيل انفجار أزمة الخليج، ومع مواكبة الوضع في الأزمة وانتهائها بفضل الله جل وعلا، نسأل الله أن يجعل العواقب حميدة، ألا وهو أن المجالات عديدة وواسعة وخصبة، ولو أن كل واحد منكم، وأنا أخاطب الآن كل واحد منكم عرف أنه ينتمي إلى مسجدٍ -أقرب مسجد له في الحي- أنت تنتمي إلى جماعة بحكم أنك من جماعة هذا المسجد، تعد الشباب الطيبين الذين هم من أهل الحي، وكل الشباب المصلين على مستوى جيد من الخير والصلاح والاستقامة، تجمع هؤلاء الأخيار الأبرار، تقول: تعالوا أيها الإخوة! هذا الحي كم فيه من بيت؟ مثلاً قرابة مائتا بيت، اعتبر فقط أننا في قرية ليس فيها إلا مائتا بيت نريد أن نتعهد هذه البيوت بالدعوة والنصيحة بمختلف الأساليب، وقد طبق هذا البرنامج مجموعة من إخوانكم جزاهم الله خيراً على حي من الأحياء، أنت يا فلان! في الجهة الفلانية، البلكة التي تسكن فيها فيها عشرة بيوت، بيت فلان وفلان وفلان، كم عدد أولاد الحي؟ فلان كذا وفلان كذا وفلان كذا، وأنت في البلكة الفلانية، وأنت في البلكة الفلانية وهلم جراً، أول قرار: نجتمع أسبوعياً نحن شباب الحي، أو شباب المسجد، وهذه الفكرة لابد من نقلها وتوزيعها وانتشارها في مختلف أحياء مدينة الرياض ومن ثم في جميع مدن المملكة، بل في العالم الإسلامي كله.
أي أن يبدأ الإنسان بمن حوله، ثم تحدد أنت وإخوانك يوماً من الأيام تجتمعون فيه أسبوعياً بعد صلاة المغرب، وإذا أحضرت من المكتب العقاري (الكروكي) المختص بالحي: يحد الحي الشارع الفلاني شمالاً، ويحده جنوباً شارع العشرين، وشرقاً السوق الفلاني، هذا الحي أمامك في ورقة، الحي بين يديك في ورقة، هذا الحي فيه بيوت آل فلان وآل فلان، ادرس أحوالهم، طبعاً أنت لا تعرفهم كلهم، لكن أنا في طرف هذا الحي، وأعرف الذين هم بجواري، وأنت في طرف هذا الحي وتعرف الذين هم بجوارك، أنا بجواري أناس لا يصلون الفجر، بجواري أناس أرى منهم تساهلاً، أجد الموسيقى صاخبة مزعجة في بيتهم، أجد هناك تساهلاً وتبرجاً في وضعهم، وأنت ماذا ترى؟ قال: أرى أناساً يدخلون في أوقات متأخرة، وأجد أموراً أعرف شيئاً منها وأشك في بعضها.
стр. 149
أهمية التخطيط والعمل الجماعي في الدعوة
إذاً: من هنا نبدأ، كل واحد منكم يستطيع أن يبدأ بداية متواضعة جيدة نافعة، من هذا الحي الذي بين يديك، ماذا نفعل؟ إخوانكم جزاهم الله خيراً قالوا: أولاً نريد أن يعرف أبناء الحي وأصحاب البيوت والمنازل أننا شباب المسجد، أننا بالتعاون مع إمام المسجد، مع إمام الجامع يهمنا أن نتعرف على جميع البيوت في الحي، ورسالة ودية أخوية: جارنا الحبيب، لعلك غافلٌ عنا، ونحن غافلون عنك، لعلك تمر فلا تعرفني، وأمر فلا أعرفك، لعلك تحتاجني في وقتٍ أشد ما تكون فيه محتاجاً إلى من يسعفك أو يعينك، أو ينقذك أو يقوم بحاجة أهلك في غيبتك فلا تجد أحداً، إني أخوك في الله، ومحبك في الله، وجارك في الحي فلان بن فلان، هذا اسمي وهذا عنواني وهذا رقم هاتفي.
رسالة أخوية، أسلوب من أساليب الدعوة، ثم ماذا بعد ذلك؟ الرسالة الثانية مظروف، مظروف نضع فيه الرسائل، لكنه ظرف كبير ونفس شباب الحي العشرة أو الإثنا عشر كل واحد منهم يتبرع من جيبه أو يحضر من المحسنين بعض المال، ثم نشتري قرابة مائة وخمسين شريطاً، ونضع في كل ظرف شريطاً، ومع كل شريطٍ رسالة قيمة وكتيباً، إذا كان الزمن قرب الحج كتاب عن الحج وشريط عن الحج والأضاحي، وفضل العشر من ذي الحجة، وكل بيت في الحي تستطيع أن تطرق الباب: السلام عليكم جارك فلان، هدية جماعة المسجد، تفضل، فتستطيع أن تغطي الحي بهذا، بعد ذلك انتهى الحج، وجرت عادة هؤلاء الشباب أن يخططوا لهذا العمل، يعني يوزعوا كل خمسة عشر يوماً على أعضاء الحي أو على بيوتات الحي شريطاً وكتاباً في الشهر مرتين، انتهى الحج توشك السنة الهجرية أن تنتهي، كتيب وشريط عن محاسبة النفس.
وأقول أيها الإخوة! خذوا هذا البرنامج وطبقوه، اكتبوه معكم، اجتهدوا في تطبيقه، فلعل الله جل وعلا أن يوقظ به مجتمعنا من الإثم، أن يرفع به المصيبة عن الأمة، أن يدفع به البلاء عن الأبناء والآباء والأمهات، والكبار والصغار، هذا وجهٌ من وجوه الدعوة، وأسلوبٌ من أساليبها وفيه خيرٌ عظيم، والله كنت أسمع في الحي الذي أنا فيه من بعض الجيران موسيقى وأغاني مزعجة، فلما قام الشباب في الحي جزاهم الله خيراً وبدءوا بهذه الطريقة؛ وزعوا على كل بيت كل أسبوع الظرف هذا وفيه شريط وكتيب، إذ بي أسمع تارة صوت القرني يجلجل، وتارةً مواعظ الحماد تجلجل، وتارةً خطب القطان تجلجل، قلت: اللهم لك الحمد، الناس بخير، الناس عندهم استعداد، الناس -أيها الإخوة! - وبالذات النساء في البيوت أرق أفئدة، أقرب عواطف، يتأثرن بسهولة، وربما التزمت واستقامت وتابت، واجتهدت في الطاعة قبل الرجل، وأعرف هذا جيداً، بعض البيوت الأب الأشهر الطويلة يقضيها في مانيلا وفي بانكوك وفي البيت الفتاة التي تحفظ القرآن وتملأ البيت بذكر الله، وتعليم أخواتها الدين والستر والحجاب.
فيا أيها الإخوة! لماذا نحرم أنفسنا؟ الكثير منا لم يجرب يوماً ما أن يكون داعيةً في الحي، أنا لا أريدك أن تسافر إلى جدة والدمام والشرقية وتلقي بها المحاضرات وتجمع الجماهير من كل مكان، لا.
أريد كل واحد منكم أن يبدأ التجربة في الحي، من هنا نبدأ، ومن الحي ننطلق.
ثم ماذا بعد ذلك؟ قام إخوانكم الشباب جزاهم الله خيراً، وأقول هذا بكل علنية، بكل صراحة، لا أخشى في ذلك شيئاً؛ لأنه ليس أمر يخشى منه، بعض الناس يقول: لا.
كيف تنشر أسلوبك في الدعوة، وتخطيطك للدعوة؟ هل أنا في دولة بلشفية؟ من أين جاءتني أفكار تجعلني أضع وأدس الحق الذي مكانه المقل والجبين والرءوس تحت الكواليس؟ من أين جاءني هذا الوهم الذي جعلني أنسج خيوطاً عنكبوتية حول نفسي، ولا أصارح وأعلن بدعوتي في منهجي وفي أسلوبي وطريقتي؟ لست بحاجةٍ إلى هذا، أنا لا أعيش بدولة كافرة؛ شيوعية أو بلشفية، أو بعثية؟ لا.
أنت في أمة مسلمة، فإياك إياك أن تحقق ظن إبليس فيك، فمن ثم يستطيع أن يقيدك ويكبلك وتظن أنك عاجز.
ماذا بعد ذلك؟ قام الشباب جزاهم الله خيراً وكل هذا أنا فيه شاهد عيان، فأنا أصف ما رأيت لا أصف ما نقل إليَّ، بعض الشباب رتبوا محاضرة، كتبوا إلى مركز الدعوة الإذن بمحاضرة، ولكن اجتهدوا أن تكون المحاضرة مخصصة لأهل الحي، إذا حضر أحد من حيٍ آخر فلا مانع، لكن اجتهدوا أن تكون المحاضرة لأهل الحي، جاء الإذن من مركز الدعوة بإقامة المحاضرة، فأرفقوا مع الإذن دعوة -صوروا هذا الإذن بعدد بيوتات الحي وصوروا مع الإذن دعوة-: جارنا العزيز! ندعوك ونتشرف بدعوتك لحضور هذه المحاضرة بالوقت الفلاني بحضور إمام المسجد، ووجهاء وكبار الجماعة في المسجد، نرجو أن نحضر سوياً، ووزعت الدعوة والإذن من مركز الدعوة مع دعوة إمام المسجد أو الجامع، مع شباب جماعة الحي إلى كل بيت، مع المظروف الذي تعودنا أن نضع فيه شريطاً ورسالة، ثم اجتمع الجيران في الوقت المحدد، وكان الحديث عن حقوق الجوار، اجتمع الجيران وإذا بنا نرى وجوهاً ما كنا نراها، وهذا يعني أن لنا جيراناً عندهم الاستعداد أن يشاركونا.
نعم.
رأينا وجوهاً متباينة مختلفة ليست على مستوى واحد من الصلاح، لكن الإطار العام فيهم: حب الخير، فيهم حب حقوق الجوار، التعاون، التناصح، التآلف، التقارب، فبدأ إمام المسجد مع ضيوف الندوة يتناقشون في قضية الجوار: نحن جيران الآن، أول مشكلة تواجهنا أطفالنا في الحي، لماذا يتعلم الطفل في الحي ألفاظاً بذيئة، نناقش هذه المشكلة يا جيراننا! ما رأيك يا أبا فلان؟ فهل من شرط الندوة: وأما الآن يتقدم فلان، ثم يقوم فلان، ويسكت الجمهور، ثم ينتهي ويقدم الأسئلة؟ لا.
ممكن أن يتناقش أهل الحي في اجتماع شهري، أو كل شهرين، المهم أن شباب الحي بدءوا يعملون فأنتجوا، ماذا تبع ذلك؟ تبع ذلك أن أصبح عدد العاملين في الحي بدل أن كانوا ثمانية شباب وهم الذين قاموا بالفكرة، أصبح عدد الدعاة في الحي أكثر من خمسة وعشرين أو ثلاثين شاباً، وهؤلاء لم يقف حد الواحد منهم عند مسألة نفع الجيران أو العمل مع الجيران فقط، لا.
بل أصبح الواحد منهم يتطعم ويتلذذ حلاوة العمل في الدعوة إلى الله جل وعلا، فلما وجد أثر الشريط والكتيب على بيته وجيرانه، وأثر الرسالة والاجتماع أصبح يدعو زملاءه في العمل ويتناقش معهم، ويعطيهم الأشرطة، ويواعدهم بالذهاب إلى المحاضرة، ويخرج معهم الرحلة، يرتب معهم العمرة، يخطط معهم الذهاب في رحلة للحج وهلم جراً، ومن ثم استطاع هؤلاء أن يقدموا أنموذجاً جيداً، فنحن أيها الإخوة! وشباب الصحوة في مختلف أنحاء الجزيرة عددٌ لا يحصيه إلا الله، عدد هائل كبير جداً، لكن حقيقة الأمر أشبههم برجل عنده ألف عامل، وكلهم ما شاء الله يلبسون الزي الرسمي للشركة، افرض هذه الشركة شركة دعوة، وزي الشركة البدلة الكاملة مكتوب على صدر العامل (دعوة) فتجد رئيس الشركة قد وظف مائتي عامل، ثمانمائة عامل مكملين بالزي لا أحد يمارس أي نشاط أو أي دور أو وظيفة في الدعوة، فأقول: هذا ينطبق على كثيرين من شباب الصحوة، تجده ملتزم الزيِّ الكامل؛ السمت، توفير اللحية، تقصير الثوب، الحرص على أمور طيبة، تجد الرجل متصفاً بالزي المناسب أو المطلوب شرعاً في هذه المهمة، لكن أين العمل؟ أين الخطوات الإيجابية؟ لا تجد شيئاً أبداً، لماذا يا أخي؟! أليس القادة، أليس الدعاة يقولون للناس: تعالوا نقودكم إلى نهج الخير والصلاح؟ جاء العامة والناس والتزموا، قالوا: يا الله! ها قد جئناكم ولحقناكم؛ وفرنا لحانا، وقصرنا ثيابنا، واستقمنا، أعطونا الجديد، مما عندكم، نقول: تعال وقف جنبنا، والحقني وقف جنبي ما استطعت، إذاً أن أقدم معه شيئاً ووقفت أنا ومن أدعو في خطٍ واحد، وهنا يكمن الخطر، ربما ضياع البرنامج أو عدم وجوده هو الذي يشغل هذه النفوس، يردها إلى انتكاسة، إلى انحرافٍ بعد استقامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فالمسألة -أيها الإخوة! -: حساسة جداً جداً، يتطور الأمر، بدأ عند هؤلاء الشباب لما كثروا بعد أن كانوا في البداية ثمانية، أصبحوا قرابة خمسة وعشرين أو ثلاثين داعية، لما كثروا ماذا حصل؟ قالوا: الآن ما شاء الله صرنا كثرة، كم عدد محلات الفيديو عندنا في الحي؟ عندنا ثلاث محلات فيديو، ما رأيكم أن ننقسم إلى ثلاث مجموعات؟ المجموعة هذه تزور المحلات يوم السبت، وهذه تزور المحلات يوم الإثنين، وهذه تزور المحلات يوم الأربعاء، لا صراخ ولا زعاق ولا تعويل، ولا صياح ولا نياح، تدخل على صاحب المحل: السلام عليكم، كيف الحال؟ (عساك طيب؟) (ويش لونك؟) إنَّا والله جيرانك في هذا الحي، وتفضل هذه رسالة، رسالة التنبيه بخطر، أكل الحرام، شرب الحرام، ما ظنك لو مت وأنت في هذا المحل؟ ما ظنك لو مت: هلك هالك عن خمسة آلاف شريط فيديو وستين جهاز GVC، وثلاثين جهاز سوني، هذه التركة، والمسألة من ستة، للأم السدس أم كيف نفعل بها؟ لو مت؛ أيسرك أن تلقى الله وهذه تركتك.
أيها الأخ! ربما لا تجد في السوق كتيباً أو رسالة مناسبة لصاحب محل فيدو أو محل أغاني، لكن إذا لم توجد رسالة جاهزة، اجتمع أنت وإخوانك وصوغوا رسالة بهذا الموضوع حساسة جميلة، اعرضوها على أحد طلبة العلم يُحبِّرها لكم، ثم تطبعها أنت، وربما تأخذ بها الإذن، وقد لا تحتاج إذناً وتوزعها أول ما تزور صاحب المحل، أو تكتبها رسالة خطية: تفضل يا أخي! هذه رسالة أرجوك، لست أرجو منك إلا أن تقرأها في لحظةٍ من هدوء نفسك وفراغها.
فيا أيها الإخوة! أصبح العمل متطوراً، بدل أن كان عمل جيران فقط، تطور إلى مسألة دعوة الوجوه الموجودة، وأضرب لكم مثالاً: واحد من الشباب الذين يعملون معنا في الحي جزاهم الله خيراً، قال لي: أريدك، قلت: ماذا عندك؟ قال: هناك شاب يعمل في بنك يريد أن يتوب.
المسألة تطورت، الدعاة بدءوا يدخلون البنوك، كيف ندخل إلى هذا الشاب؟ قلت: ابحثوا عن شاب كان يعمل في بنك فتاب إلى الله، وائتوا به معنا، فأخذنا هذا الشاب الذي كان يعمل في بنك من البنوك، ثم التقينا بهذا الشاب الذي لا يزال يعمل في البنك، وبدأنا نتحدث ونتكلم وهلم جراً، حتى دار الكلام عن العمل، فقال: والله إني أريد ترك العم
стр. 150
التوازن في الحكم على الآخرين
إن مشكلتنا دائماً أننا نريد من يتعامل معنا أن يوافقنا بكل شيء، أنا أعرف رجلاً -ما شاء الله- ثرياً جداً، لكن شيء اسمه شريط إسلامي، يقول: هذا لا اعترف به، لا أعبره، أقول له: قاتلك الله، وكفانا الله شرك، وأنت وأنت إلخ؟ الرجل يبذل ويتفانى في طبع الكتب باللغات الأجنبية التي تدعو الكفار إلى الإسلام، أليست هذه خصلة إيجابية ينبغي أن أحبها في الرجل، وينبغي أن أستغلها فيه؟ نعم.
أم لكونه لا يحب الشريط، أو في ذهنه تصور معين يحتاج ربما إلى أشهر لإصلاح هذا التصور الذي رسخ في ذهنه، ربما تَكَوَّنَ هذا التصور خلال سنوات عدة، أو خلال أشهر، أتريد أن يتغير تصوره في خلال جلسة أو جلستين معك؟ لكن عنده جانب إيجابي، ألا وهو حب طباعة الكتب باللغات الأجنبية من أجل دعوة الكفار إلى الإسلام، أفلا تستغل هذا الجانب؟ بلى والله.
إذاً فيا إخواني: نحن في الحقيقة عندنا الارتجالية، الإنسان إذا قلت له: اتق الله، وقع يبكي ويصبح يعد ذنوبه، ورجعنا على توبة صادقة، وإلا فلا فائدة، لا يا أخي! قد لا يتوب لا في المرة الأولى ولا الثانية، ولا في الثالثة ولا الرابعة، لكن مثلما يقول العوام: الناقوط يخرج الحجر، الناقوط جربه نقطة نقطة ماء، تجد على مر الأيام والأشهر منذ مكان الحجر، يعني النقطة تسقط على هذا المكان في الحجر، فإذا بها قد أحدثت فيه فجوة أو خرقاً، أو مساماً معيناً، فأنت تحتاج إلى هذا التخطيط طويل المدى.
المسألة الأخرى: أيها الأخ الكريم! قد لا تستطيع أن تجعل مجتمعك يخلو من المعاصي والمنكرات لأول وهلة.
لكن كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣] فقد يوجد من يحاجك ويجادلك في الربا، لا يمكن أن توجد أمة إلا بقوة، ولا قوة إلا ببنوك، ولا بنوك إلا بفوائد، كما يقول الملهم صاحب النظرية الاقتصادية، لكن إذا أنت تتمنى أن الله جل وعلا يبعد عن أمتك وعن بلادك شؤم الربا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] إذا تمنيت هذا ولم يتحقق فإنك تستطيع أن تحقق إثبات خطر الربا في كل مقام، في كل مناسبة، في كل خطبة، في كل منتدى، في كل لقاء، في كل مقالة، استغل كل ما يمكن أن يقع بين يديك؛ مقالة، إذاعة، تلفاز، أي شيء تستطيع من خلاله أن تحذر من خطر هذا الشيء الذي لم تستطع تغييره، ما استطعت أن تغير الربا، هل يعني ذلك أن تسكت، لم تعد تذكر بخطر الربا وشؤمه على الأمة، وأنه لعنة وبوار وهلاك؟ لا.
لابد أن تذكر: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣] تأتي بالحق وتبينه، وتفسره وتوضحه؛ تبين خطر الربا، خطر الاختلاط، خطر الفواحش، خطر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا.
إذاً: أيها الأحبة: باختصار: كل واحد منكم يعتبر نفسه الوحيد في الحي، لا تنتظر أن يأتي أحد يطرق الباب يقول: فلان! تعال لكي نبدأ، اعتبر نفسك أنت الوحيد، فإذا اعتبرت هذا الأمر تحركت لكي تدعو جارك، وإذ بجارك يقابلك تحرك ليدعوك، فالتقيت أنت وإياه، والتقيتم بمجموعة شباب، وجلستم في مجلس أسبوعي لكي تخططوا لهذا الحي.
أنا أقول لكل واحد منكم الآن: كم لك سنة وأنت ملتزم؟ أربع سنوات، خمس سنوات، ماذا قدمت للحي الذي أنت فيه؟ هل وزعت على جيرانك أشرطة أو كتيبات؟ هل جمعت أفراد الحي بمناسبة عامة؟ ألسنا نجتمع في العيد؟ أمر ليس غريب، إذا جاء العيد كل واحد منا يأتي بعيده معه، هذا يأتي بقرصان، وهذا بجريش، وهذا بدجاج، وهذا بغنم، وهذا بلحم جزور، وصفوا أصنافاً، وجلس الجيران وكلٌ يذوق من عيد فلان قليلاً، ما المانع أن نجعل لنا عيداً شهرياً؟ واحد يقول: والله فلان ابتدع علينا عيد النيروز، وإلا عيد الفصح، لا.
أقول: لقاء شهري يجمع الجيران في مكان معين، في فناء المسجد، في المكان الفلاني، ويجتمع الجيران، يتحدث بعضهم مع بعض، نفكر ما هي المشاكل التي عندنا، ما هي القضايا التي نواجهها في المجتمع، أطفال الحي ماذا يواجههم، النساء في الحي ماذا خططنا لهن، هل استطعنا أن نرسل كل شهر شريطاً يتعلق بالمرأة، هل رتبنا محاضرة للنساء، نجعل في ليلة من الليالي حراسات على أبواب المسجد، نستأذن باستضافة داعية من الداعيات، ندعو جميع نساء الحي فيحضرن المسجد، وتلقي فلانة محاضرة: ماذا ينبغي على المرأة أن تفعل.
هذه أيها الإخوة! مجالات نحن في غفلة عنها، وأنا أظن كما قلت في بداية المحاضرة أننا إن لم نر الربا يسقط، والاختلاط ينتهي، ومحلات الفيديو تغلق، إذا لم نر هذا فلا نعمل لا.
نريد العمل، من كل مستوى ومن كل لحظة، ومن كل مرحلة، وثقوا بالله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور:٥٥] والله لتجدن الحق مستخلفاً: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [القصص:٥] وعد ما أنت مستضعف، من باب أولى أن تمكن، ومن باب أولى أن تجد للحق تمكين وقوة وقدرة: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥] فلماذا هذا الضعف؟ ولماذا هذا التكاسل؟ لماذا هذا الخور؟ لماذا هذا الجمود أيها الإخوة؟! كل واحد منكم أخاطبه، وكل واحد منكم أشهد الله عليه أنه عرف وعلم وسمع ودرى وخبر، وأشهد الله على كل من سمع هذا الشريط أن يتقي الله في نفسه، وأن يبدأ ولو بخطوة واحدة إلى الأمام، ما أكثر ما جلسنا في المجالس نسب العلمانيين والفساد والمنكرات، وما أندر ما نجد من كل من سب أولئك كلهم يقوم بخطوةٍ إيجابية (لأن توقد شمعةً في الظلام خيرٌ من أن تلعن الظلام ألف مرة).
أسأل الله جل وعلا أن يثبتني وإياكم، أسأل الله أن يثبتنا، أسأل الله أن يثبتنا، أسأل الله أن يثبتنا، وألا يكلنا إلى أنفسنا، اللهم اقبضنا إليك هداةً مهتدين، راضين مرضيين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم لا تفتنا، اللهم لا تفتنا، اللهم ولا تفتن بنا، ولا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، اللهم توفنا من غير انتكاسة أو ضعف، أو تقلب حال أو حورٍ بعد كور، أو ضلالة بعد استقامة، أو زيغٍ بعد هدى، نسألك اللهم الثبات إلى أن نلقاك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 151
الشاب المبارك
شبابنا اليوم -إلا من رحم الله- مالوا عن الهدف الذي خلقوا من أجله وهو عبادة الله، ولقد نزعت البركة من شبابنا اليوم -إلا من وفقه الله- فلا تكاد تجد شاباً تعتمد عليه في نصرة هذا الدين.
فنحن اليوم نبحث عن الشاب المبارك المبارك في وقته وعمره وهمه وفكره وعمله.
وقد تحدث الشيخ عن هذا الموضوع وأفاض، وحث الشباب على علو الهمة.
стр. 152
مقدمة عن مجالس الذكر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فأيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وإني لأسأل الله في مستهل هذا اللقاء الذي ما ظننت أن حضوره بهذا العدد المبارك ألا يدع لإخواننا الحاضرين ذنباً إلا غفره، ولا هماً إلا فرجه، ولا ديناً إلا قضاه، ولا توبةً إلا قبلها بمنه وكرمه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتنا في الله: وأنا في الطريق إليكم تجولت بفكري في كثير من المجالس والاستراحات والمناسبات والرَّدَهَات وأماكن اللقاء والاجتماع، فرأيت الناس لا يخرجون في لقاءاتهم عن أمور، لقاؤكم هذا هو أجَلُّها وأكرمُها وأشرفُها وأعلاها منزلةً وأكرمُها جناباً عند الله ، وما ذاك إلا أنكم اجتمعتم على غير أنساب بينكم، ولا مصالح تجمعكم، ولا مقاصد من حطام الدنيا الفاني ألفتكم، وإنما جمعكم جميعاً أن تمجدوا الله وتثنوا عليه، وتحمدوه وتكبروه وتسبحوه، وتتفكروا فيما شرع الله لكم أن يتفكر فيه، وأن تصلوا على رسوله ﷺ ، وأن تتذاكروا حديثه وسنته وأثره وسمته وهديه ﷺ ، فمن ذا يقول أن ثمة مجلس أرقى وأجل وأكرم وأكمل من مجلسكم هذا؟! ليس على وجه الأرض مجلس أجل وأعلى من مجلسٍ يُذكر الله فيه ويُصَلَّى فيه على رسوله ﷺ ، ويكون الحديث مرتبطاً بالوحي المعصوم بكلامه سبحانه وسنة نبيه ﷺ .
ثم يا أيها الأحبة: لما أكرمكم الله بالاجتماع على هذه المقاصد وطهَّر مجالسكم من مقاصد دنيئة أو تافهة أو ليست بشيء يذكر؛ عندما اجتمعتم إليه تذكّروا أن الله قد أكرمكم بهذا وفضلكم على كثير ممن خلق تفضيلاً.
ما أكثر الشباب! ولكن أين هم؟! ما أكثر الرجال! ولكن أين هم؟! ما أكثر المجالس! ولكن ما هي؟!
стр. 153
الناس كإبل مائة
إذا تأملتم قول النبي ﷺ فيما رواه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري هو من جوامع الكلم ومن جوامع الحكم التي خُصَّ بها نبينا ﷺ ، وهذا واضح جلي.
أنت تعد الكثيرين من الناس، ثم إذا أردت أن تخرج من بينهم واحداً يُعْتَمَد عليه بعد الله في الشدائد، أو يُعَوَّل عليه بعد الله في الملمات أو يُدَّخَر عند الكربات لم تجد أحداً، وما ذاك إلا أن الناس أعداد كالأصفار إلا النوادر منهم الذين هم كما قال ﷺ في الحديث: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة).
كم عدد الشباب! وانظر من هم الصالحون من بينهم، كم عدد الشباب الذين يملئون الشوارع ذهاباً وإياباً وغدواً ورواحاً! ولكن من هو الذي يكون بركة على نفسه وبركة على أهله وعلى أسرته ومجتمعه؟! الكثير من شبابنا اليوم كما قال الأول:
وأنت امرؤٌ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفعٌ وموتك فاجعُ
الآن لو سمعنا صوت فرامل سيارة على الشارع فكلنا تنصرف رقبته باتجاه الشارع، وأسماعنا تنصت، وتبدأ الخيالات تتصور أهو حادث انقلاب سيارة، حالة تصادم، وهل سلموا، أو لم يسلموا، وافترض مثلاً أن رجلاً جاء إلينا وقال: يا ناس! يا شباب! يا من اجتمعتم في هذا المكان! يوجد شاب نزل من سيارته، أو فحط بسيارته، أو صارت عنده مشكلة وهو الآن في حالة نزيف ونريد منكم أن تنقذوه؛ هل سيتردد منكم أحد أن يتبرع بقطرات من دمه لإنقاذ حياة هذا الشاب؟
الجواب
لا.
كلنا بحكم إسلامه، بحكم أنه محسوب على الإسلام والمسلمين قد يكون اسمه: عبدالله أو عبد الرحمن أو عبد العزيز أو عبد الملك أو أي اسم من الأسماء، ولإسلامه خرجنا نسعفه نريد أن ننقذ حياته، ثم لما تبرع هذا الجمع بدمه لهذا الشاب الذي نزف بعد الحادث ودبت الحياة إلى جسمه من جديد، هنا نسأل هذا الشاب ونسأل أنفسنا: ماذا قدم هذا الشاب في طاعة الله ؟ ماذا قدم لدين الله ؟ ماذا قدم لنفسه في مرضاة الله؟ ماذا قدم لوالديه؟ ماذا قدم لأمته لمجتمعه لدعوته لعقيدته لدينه؟ الجواب كما قال الأول:
وأنت امرؤٌ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفعٌ وموتك فاجعُ
يوم أن صار عليه الحادث فُجِعنا وهرعنا وذهبنا نتبرع له من أجل إنقاذ حياته، ولما أنقذنا حياته ما وجدناه قد نفعنا بشيء، بل ربما لم يسلم الناس من شره، بل ربما عاد مصيبة وشؤماً وشراً وبلاءً على نفسه يوبقها ويهلكها بالذنوب والمعاصي، وعلى والديه بالعقوق وعلى رحمه بالقطيعة وعلى جيرانه بالإساءة وعلى دينه باللامبالاة وعلى المسلمين بعدم الاهتمام، وقس على ذلك صوراً وأمثالاً من اللامبالاة التي نجدها في شبابنا، ويعدون على أمة الإسلام، نحن حينما نقول: عدد المسلمين مليار ونصف مليار، أي: ألف مليون وخمسمائة مليون مسلم هل كل هؤلاء هم الذين تمتلئ بهم المساجد؟! هل كل هؤلاء هم الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً؟! هل كل هؤلاء يتحاكمون إلى شريعة الله عند الشجار والنزاع؟! هل كل هؤلاء هم البررة الأطهار الأخيار الأبرار هل هل إلخ؟! لا.
القلة من هؤلاء بل لا تكاد توجِد من الألف واحداً، وكما قال الشاعر أولاً:
يا ألف مليار وأين هم إذا دعت الجراح هاتوا من المليار مليوناً صحاحاً من صحاح
يعني: ينادي المسلمين.
يا ألف مليار وأين هم إذا دعت الجراح هاتوا من المليار مليوناً صحاحاً من صحاح
هل نجد من ألف مسلم مسلماً واحداً؟! هل نجد من ألف شاب شاباً واحداً؟! هل نجد من آلاف المتسكعين والضائعين والمفسدين والفاسقين واللامبالين والعابثين والهازلين؛ هل نخرج واحداً من أمة الإسلام نقول: هذا هو الجاد بين الهازلين! هذا هو العابد بين الضائعين! هذا هو المجاهد بين المستسلمين! هذا هو الصابر بين المتسخطين؟! ستجد حتى الواحد من الألف لا يكاد يوجد، وتجد من جوامع كَلِمِه ﷺ هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن ابن عمر: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة).
إذاً نحن نبحث عن الشاب المسلم المبارك، أما ذلك المسلم الذي يُحسب ولا ينفع، يُعد ولا يشفع، إن أصيب قيل: أيها الناس! أعطوه، وإن جاع قيل: أيها الناس! أطعموه، وإن ظمئ قيل: أيها الناس! اسقوه، وإن عري قيل: أيها الناس! اكسوه، إلى غير ذلك، هؤلاء ماذا يقدمون؟! تجد الواحد منهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢].
إذا الواحد منهم في لحظة خطر ومرض وأنين ووجع وألم وسقم ويئن: آه آه من الأمراض يقول: يا ألله، وفي تلك اللحظات ربما يلتفت يتوضأ ليصلي، ربما يحاسب نفسه ويعد نفسه أن يستقيم؛ لكن: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ [يونس:١٢] لما رفع الله عنه البلاء وكشف عنه الداء وجرت العافية في دمه: ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] ما كأن مصيبة أصابته، بل تجده يبارز ربه بألوان الذنوب والمعاصي، وتلك -وايم الله- من أعظم المصائب.
أحبتنا! نحن نريد من هؤلاء الألف: الشاب المبارك الذي ينفع الله به كما قال عيسى ﵇، أو كما أخبر سبحانه في سورة مريم عن عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ﴾ [مريم:٣١] نحن نريد ذاك الشاب المبارك أينما كان، المبارك في مسجده المبارك في مدرسته المبارك في تعليمه المبارك في حيه في أسرته في عمله في تجارته في ذهابه وإيابه، هذا هو الذي نريده، أما هذه الأعداد فماذا تقدم؟ أما أن نجد صوراً بلا حقائق فماذا تنفع الصور بلا حقائق؟!
стр. 154
شبابنا اليوم وحقيقة إسلامهم
أبو الحسن الندوي ﵀ من علماء الإسلام؛ كتب كتاباً وهو من الكتب الفكرية النافعة، ونحن إذ نوصي الشباب أن يقرءوا القرآن وتفسيره والسنة وشروحها؛ لكن أيضاً نوصي بقراءة بعض الكتب التي تنفع؛ يقول: إن الصور لا تغني من الحقائق شيئاً، تجد الطفل الصغير يدخل في متحف من المتاحف فيجد أسداً محنطاً فيدخل الطفل يده بين فكي الأسد، بل يتحسس أنياب الأسد بأنامله، بل وتجد هذا الطفل يمتطي صهوة الأسد ويتمسك بلمته ولا يخشاه ولا يخافه، سبحان الله! أسد سبع مفترس مخيف، لو زأر لاهتزت القلوب من زئيره، كيف هذا الطفل يحوم حوله! وربما يستلقي تحته! ما الذي حدث؟! الجواب واضح: لأن هذا الأسد صورة، لكن دع قطاً يدخل فجأة، تجد هذا الطفل يصرخ، بل لو وجد وَزَغَاً أو صرصاراً أو خنفساء تجد هذا الطفل يخاف ويصرخ ويهرع، سبحان الله! هو يتقلب على الأسد والآن يخشى من صرصار أو خنفساء أو غيره، الجواب واضح: لأن هذا حقيقةُ صرصارٍِ، حقيقة خنفساء، حقيقة قط، أما هذا الأسد فهو صورة.
فكثير من شبابنا اليوم هم صور والحقائق تكاد تكون قد انطمرت، نحن لا ننفي عن حقيقة الإسلام حتى لا يقول أحد: إن هؤلاء الشباب يكفرون الناس، أو هؤلاء الشباب ييئسون من صلاح الناس، لكن نقول كما قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] من كثرة ما كسبوا من السماع والرؤية والكلام والغفلة والقعود عن الصلوات، والبخل في الصدقات وو إلى غير ذلك، تراكم على أنفسهم طبقات من المنكرات أصبحت الحقيقة مندرسة مطمورة مختفية تحت طبقات الذنوب والمعاصي.
حقيقة الإسلام الموجودة عند الشباب هي مستقرة في القلوب، ولا أحد يكفرهم؛ لكن أين أثرها في الأمر بالمعروف في النهي عن المنكر في الاستقامة في الصلاة في الطاعة في العبادة في الدعوة؛ في السمت الحسن: في في إلى آخره، لا تجد لها أثراً، ولما غابت الحقائق أصبح هذا الكم الكبير لا يؤثر ولا يضر شيئاًَ.
الآن أعداء الإسلام هل يخافون من الصائعين الضائعين من المسلمين؟! هل يخافون من الذين يتسكعون فيما يسمى بالفيديو كليب والأغاني وملاحقة الماجنات والراقصات؟! هل يخاف أعداء الإسلام من الذين يقضون حياتهم مع العراة والكاسيات العاريات والمعاكسات والضياع؟! لا يخشى أعداء الإسلام من هؤلاء، يخشى أعداء الإسلام من مسلمٍ حقيقي يعرفون أنه يحمل هماً للإسلام وينتظر موعداً لنصرة الإسلام، فهذا هو الشاب الذي يخشاه أعداء الأمة.
стр. 155
بركة الشباب
أحبتنا في الله: كل واحد منكم يمكن أن يكون هماً يؤرق الكفار، كل واحد منكم يمكن أن يكون قَلَقاً لا يغادر عقول الكفار، كل واحد منكم يمكن أن يكون عدداً صحيحاً وليس صفراً على الشمال، وذلك إذا صدقت نيته مع الله إذا صدق إقباله على دين الله إذا صدق طلبه للعلم في مرضاة الله إذا صدق اتباعه لسنة رسول الله ﷺ إذا صدق سعيه في الدعوة إلى الله وبيان الحق وتوضيحه وسهولته لعباد الله أما ما سوى ذلك فكما قال الأول:
فحسبك خمسة يُبْكَى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
стр. 156
ابن باز وبركة عمره
الشيخ ابن باز لما توفي -أسأل الله أن يجعله مع النبيين والصديقين والشهداء وأن يجمعنا به وإياكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ لأنكم ولأننا جميعاً نحبه في الله، والله قد وعد المتحابين في الله كما في الحديث الصحيح في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله- سماحة الشيخ ضجت الدنيا عليه في أنحاء العالم في أوروبا وأمريكا وأفريقيا وقارة آسيا وصُلِّي عليه صلاة الغائب وهو رجل واحد؛ لكن لما كان يحمل هموم أمة ولما كان أمة، لما كانت نفسه أمة في رجل، ولما كان صادقاً مع الله جعل الله شأنه هماً في عقول العرب والعجم والسود والبيض والسمر والصفر وغيرهم، حتى الآن المجالس وهي تتحدث في مناقبه، وعلمه، وعفوه، وكرمه، وجوده، وحلمه، وفضله، وإلخ، كيف؟ لما أصبح رجلاً مباركاً، والبركة أمر مطلوب، وإلا فالعدد بدون بركة لا فائدة منه، لو قال لك رجل: أسأل الله أن يرزقك عشرين ولداً، وأسأل الله ألا يبارك في واحد منهم، هل تسرك هذه الدعوة؟! هل يسرك أن يكون لك عشرون ولداً ليس في أحدهم بركة؟! لا والله، بل كلهم عبء عليك صرف، ونفقات ومشكلات، وكل يوم من أجل هذا جارُّون بك إلى المخفر أو إلى الشرطة أو إلى العسكر، أو يميناً أو شمالاً، هذا دَعَسَ، وهذا صَدَمَ، وهذا اخَتَطَفَ، وهذا ضَرَبَ، وهذا آذَى، وهذا سَرَقَ، لكن يسرك أن يكون لك ولو ولدٌ واحدٌ قد بارك الله فيه، ذكراً كان أو أنثى: ﴿لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ [النساء:١١].
إذاً البركة في الشاب مطلوبة، لو أن واحداً قال: أسأل الله أن يرزقك مائة مليون، وأسأل الله ألا يبارك لك فيها، يمكن أن تنفق كل هذه الملايين في ترميم المصائب والمشكلات التي صارت كالسيل المنهمر المتتابع على أم رأسك، فلا تتلذذ من هذه الأرقام والملايين في شيء أبداً.
لو قيل لك: نسأل الله أن يعطيك كذا وكذا وكذا، كم من شاب قال: آه، لو تزوجتُ فلانة الفلانية التي يصدق عليها قول الشاعر:
عراقية العينين نجدية الحشى حجازية الأطراف هندية الشعرِ
الجميلة الممتازة هذه لو تزوجتُها لدخلتُ السعادة من أوسع أبوابها، وهب أنك تزوجتها ولم يكتب لك بركة فيها، ما الذي يكون؟ ستكون آخر عهدك وعلمك بالسعادة، تقول: الله قبل أن أرى هذا الوجه القَذِر كنت أنام مرتاحاً، وأستيقظ مرتاحاً، وآكل مرتاحاً، وأخرج مرتاحاً، لما دخلت هذه الجميلة الكحيلة العسيلة النحيلة ال ال إلى آخره ضيَّعَت علينا السعادة وأصبح لا هم لنا إلا حل مشكلاتها، يوم ذاهب بها إلى أهلها، ويوم آتٍ بها، ويوم نوصلها، وهذه حياتك معها.
стр. 157
كن رجلاً مباركاً
ليست القضية أن تملك أموالاً أو أولاداً أو زوجاتٍ بل القضية أن تكون رجلاً مباركاً ينفع الله بك أينما كنت، ومستحيل أن تكون فيك بركة إلا إذا تمسكت بشرع الله ودينه وسنة نبيه، هل يمكن أن تكون البركة في معصية الله؟! هل يمكن أن تكون البركة في الإعراض عن ذكر الله؟! هل يمكن أن تكون البركة في شخص لا يشهد الصلاة مع الجماعة؟! هل يمكن أن تكون البركة في عاقٍ لوالديه أو قاطع لرحمه أو آكل للحرام أو متربص بالناس، يريد أن يقفز إلى حرمات يسخطها الله ولا يرضاها فهل يمكن في هذا بركة؟!
الجواب
لا.
إذاً لينظر كل واحد منا موقعه، نحن لن نتكلم اليوم لنقول عن الناس فيهم وفيهم، نريد أن نتكلم عن أنفسنا: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
دواؤك فيك وما تشعرُ وداؤك منك وما تبصرُ
وتحسب أنك جسم صغير وفيك انطوى العالم الأكبرُ
إن الله تحدى بك خلقه، وإن الله قد جعل فيك معجزات عظيمة وقال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ [فصلت:٥٣] في الكون ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣].
هذه النفس التي أنت تتنقل بها إن شئت أن تقول: إنها ثروة فهي ثروة، بعض الشباب يقول: أنا فقير أنا مسكين أنا ما عندي في الرصيد ألف ريال أنا أنا أنا أنا! أجل أيها الشاب الفقير الذي لا ترى نعم الله إلا في المال! أيها المسكين لا يرى أن النعمة إلا في النقود! أيها المسكين الذي لا يعرف أن النعمة إلا في كذا! هل تريد أن ننزع منك الكبد ونعطيك ملياراً مقابلها، هل تريد أن ننزع منك يديك لتبقى معوقاً عن الحركة بهما ونجعل الملعقة في فمك؟! هل تريد أن نعطيك ونعطيك؟! لا.
لا تقبل بذلك.
إذاً أنت بنك متحرك، يداك مليارات، ولا ترضى أن تباع بمليارات، رجلاك بالمليارات، وأسأل الله أن يخلف على إخواننا الذين فقدوا من عافيتهم ما فقدوا بقضاء الله وقدره وأن يرزقهم الصبر والاحتساب حتى يكون مآلهم الجنة، وبشراهم عند الله إن صدقوا الاحتساب بينهم وبين الله ، هل تريد أن تباع العين والأخرى بمليار ومليارات.
إذاً لا تنظر إلى المال فأنت عندك من الأموال في بدنك ما الله به عليم، ولا تنظر إلى الجاه أو المنصب فكم من أناس قد بلغوا فيها ما بلغوا وما نفعوا، ورب أناس ليس لهم في الأرض مناصب ولا مراكز ولا جاه ولا أحساب ولا أنساب نفع الله بهم نفعاً عظيماً.
стр. 158
هل أنت ممن يبكى عليه إذا مات ؟
يقول ابن أدهم ﵀:
إذا ما مات ذو علم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمه
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمه
وموت فتىً كثير الجود مَحْلٌ فإن بقاءه قَسْمٌ ونعمه
وموت العابد القوَّام ليلاً يناجي ربه بكل ظلمه
وموت الفارس الضرغام هدمٌ فقد شهدت له بالنصر عزمه
فحسبك خمسة يُبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
أنت أنت، هل تستطيع أن تقول إنك ممن يُبكى عليه، ويُذكر بخير بعد موته؟! أم أن يقال: والله مسكين، ظاهرة طبيعية كوجود أي كائن حي وجد على الدنيا فترة ثم انتهى واختلط ترابه ودمه وجسمه ومخه ولحمه وعظمه بالأرض ولم يحقق أي شيء، لكن تستطيع أن تكون عالماً تستطيع أن تكون مربياً تستطيع أن تكون مجاهداً تستطيع أن تتولى مهمة، لا يُشترط أن تكون حاكماً تحكم البلاد طولاً وعرضاً، وقد تكون كذلك، وقد تكون مسئولاً في أي قضية من القضايا في أي جانب من الجوانب فينفع الله بك نفعاً عظيماً، قد تستطيع أن تكون عابداً قواماً مجاهداً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر فحينئذ تكون من هؤلاء الذين:
فحسبك خمسة يُبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
مشكلة شباب الإسلام اليوم وأقولها بكل مرارة أن كثيراً من الطيبين أصبحوا أعداداً لا حقيقة لها، نعم جزاه الله خيراً على تدينه واستقامته لكن ماذا يقدم؟! ماذا يجدي؟! لا دعوة، لا أَمْر بمعروف ولا نَهْي عن منكر، لا نَفْع ولا تربية، بل غفلة مطبقة وفيه من الضعف والخور والجبن والكسل ما الله به عليم.
والعجيب كما قال أبو بكر الصديق لـ عمر بن الخطاب: [أجبار في الجاهلية، خوار في الإسلام] لما كان قبل استقامته وقبل توبته كان لا يدع شراً إلا ركبه، ولا فتنة إلا وقف على رأسها، ولما مَنَّ الله عليه بالهداية أصبح حملاً وديعاً وظبياً جهولاً، لا يقدم ولا يؤخر، أين تلك الشيطانية أين تلك العربجة! أين تلك الشدة! أين ذاك الحماس! أين ذاك النشاط! أين تلك الهمة التي تقطع المسافات الطويلة ذهاباً وإياباً؟! أولاً قبل أن يهتدي الرجل يضرب له واحدٌ فقط ضربتين ببوق السيارة إلا والغترة على جنبة.
إلى أين؟ قال: الذي تريد، إن أردت الطائف هيا نذهب.
لا توجد مشكلة، الآن يأتي أحد إخوانه: يا أخي الحبيب! هيا بنا إلى محاضرة درس دعوة.
يا شيخ! مريض، دعني هذه الأيام، دعنا مرتاحين عند هذا المكيف.
يا بن الحلال! هيا نمشي، عندنا عمل ودعوة، مكتب الجاليات يحتاج إلى أناس يتابعون هؤلاء المسلمين الجدد.
والله -يا أخي- لا أعرف لهذا الشيء.
يا أخي! عندنا مجال دعوي آخر لنشارك فيه.
والله يا أخي أخاف.
ثم يصبح همه ماذا يقول الناس فيه، وإذا وجدت الشاب يهمه رأي الآخرين فيه فاعلم أنه قد احترق.
يا أخي الحبيب! كن مثل المتنبي:
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصمُ
يقول: أنا أقول الكلمة أفجرها، أرمي بها بين الناس ثم أنام.
стр. 159
نريد دورك أيها الشاب
نريد أن يكون لك فعل، نريد أن يكون لك دور في بعض مكاتب الدعوة، كان المكتب ميتاً جاء شاب واحد فكأنما نفخت فيه الروح من جديد مع أنه ما زِيْد في دخلها ولا في مساعداتها ولا في طباعة كتبها ولا ولا؛ لكن جاءها شاب مبارك، فنفع الله به.
ولذا فإننا نقول: البركة أمر مطلوب، حتى أنك تلاحظ مسألة البركة في عبادتك إذا أثنيت على الله: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، بل في طعامك، فإذا مد الإنسان يده إلى الطعام قال: باسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، تسأل الله البركة في اللقيمات لأن الله إن جعل فيها بركة كانت سبباً في نشاطك على العبادة، وكانت سبباً في قوتك على الطاعة، وإن كانت مجرد ملء بطون ودورة هضمية انتهت بلا فائدة، بل إنك إذا دُعيت إلى مأدبة عند قوم ثم أحببت أن تدعو لهم بما جاء في السنة، تقول: اللهم اغفر لهم وارحمهم وبارك لهم فيما رزقتهم.
نلاحظ -يا أحبابي- أن البركة أمر مطلوب، نحن نريد أن نكون مباركين كما أن الإنسان يدعو بالبركة في الطعام والشراب، بل إذا هنَّأت أحداً بالزواج وعلمتَ أنه عُقِدَ له على امرأة قلت: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير، تدعو بالبركة له، وتدعو بالبركة عليه، وتسأل الله أن يجمع بينه وبين زوجته بخير؛ لأن اللقاء بينهما إذا لم يكن مباركاً، من أول أسبوع فسوف يصدر صَك طلاق لها.
والسبب في كثير من مشكلات الطلاق -هذه تحويلة عاجلة- أن الكثير يتزوج ليس لقصد العفاف: (ثلاثة حق على الله عونهم ومنهم: الناكح يريد العفاف) أقول: هذه من الأسباب، ليس كل من طلق معناه أنه لا يريد العفاف؛ لكن من أسباب فشل كثير من الزيجات أن كثيراً منهم يتزوج ولم يكن مريداً حقاً شرع الله في العفاف.
стр. 160
نبحث عن الشاب المبارك
مسألة البركة مهمة، في الصحيح: أن النبي ﷺ قال: (يا أم هانئ! اتخذي غنماً فإن فيها بركة) هذا ملاحظ! البركة اليوم تجدها في هذه الغُنَيْمات، الشاة تنتج واحداً أو اثنين، إذا سمعنا والله أن هناك نعجة أنجبت ثلاثة لصار شيئاً ورقماً قياسياً، وتسجل مع النعجة (دوللي) المشهورة بالاستنساخ، تسجل في الأرقام القياسية معها، ومع ذلك الناس من آدم إلى يومنا هذا وهم يذبحون في هذه الغنم وهذه النعاج ويأكلون، وما انتهت هذه الغنم؛ لأن الله جعل فيها بركة، الكلبة كم تنجب؟ تنجب تسعة، ولذلك تجد أثداء الكلبة كلها مقسمة (سنترال) على أساس أن تجعل أبناءها يشبعون، فالقضية هي أنها ما فيها بركة، ولذلك تكاد تنقرض الكلاب وقليلة ونادرة جداً، فلما كتب الله البركة في الغنم: (يا أم هانئ! اتخذي غنماً فإن فيها بركة) جعل الله فيها البركة، الناس يأكلون ويضحون ويهدون، ومع ذلك الغنم متوفرة وموجودة، لو أن الناس يأكلون في الكلاب ربع أكلهم في الغنم لانقرضت؛ لأنها ما جعل الله فيها بركة.
بعضاً من الكوريين جاءوا عندنا في المملكة، يوم أن اشتغلوا في الدَّهْن، واللحام، والأشجار، فانتهت الكلاب والحمير عن بكرة أبيها، ابحث الآن على حمار وكلب، لا تجد أبداً إلا ممن قال الله فيه: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٧٩].
فيا أحبابنا: نحن نريد الشاب المبارك.
نريد الشاب الذي يتسع صدره لإخوانه.
نريد الشاب الذي يصلح بين الناس.
نريد الشاب الذي يملأ وقته بما ينفع.
نريد الشاب الذي يغار على دينه.
نريد الشاب الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
نريد الشاب الذي أمله في جنة عرضها السماوات والأرض.
نريد نريد إلى غير ذلك، كل هذا هو الذي نتمناه.
وأنا واثق أن كل واحد منا لو نفض عنه غبار النوم وجدد الثقة بنفسه وأنه قادر على أن يحدث شيئاً، والله لَيُحْدِثنَّ، والله لَيَفْعَلَنَّ، والله لَيَعْمَلَنَّ ولَيَسْتَطِيْعَنَّ، ولكن من الذي يبدأ بأول خطوة على الطريق؟! الشباب بين مصيبتين: بين احتقار الذات.
وبين غرور النفس.
فالمغرور مسكين يظن أنه يفعل كل شيء وهو لا يفعل شيئاً.
والذي يحتقر نفسه لا يستطيع أن يتحرك خطوة، ونحن نقول: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء:٢٩].
نريدك وسطاً:
فلا تك فيها مُفرِطاً أو مفرِّطاً كلا طرفَي قصد الأمور ذميمُ
نريد الشاب المعتدل المتوسط الذي يعيش بنفس طويلة المدى.
стр. 161
ظاهرة الانتكاس عند الشباب
بعض الشباب عنده شيء من التدين والاستقامة ولكن مثل علب الجبن والمربى تاريخ الصلاحية منتهية، متدين لمدة سنتين بعد سنتين تلقاه متسكعاً، وهذه مشكلة كثير من الشباب، أنه يوماً من الأيام كان من خيرة الشباب والآن تكاد ترجوه أن يشهد الصلاة مع الجماعة فلا يشهد، فهل وُجِد للتدين تاريخ صلاحية؟! نعم وُجِد عنده تاريخ صلاحية للتدين، من أين جاء تاريخ الصلاحية في التدين؟! فساد البدايات، (من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة) لما كانت البداية فيها خلل ودخن، فيها خور وضعف، فيها حماس وعاطفة من دون علم ومن دون اجتهاد، التزام لمدة سنتين وانتهت مدة الصلاحية وانتهى الموضوع.
بعض الشباب عهدك به كذا ثم تقابله حليقاً، عهدك به كذا ثم تجده -والعياذ بالله- في منتهى ألوان المعاصي، بل وتجده مصراً ولا يعترف بالتقصير ولا يفكر أن يتوب، ما الذي غيره؟! ما الذي أصابه؟! هل نام متديناً فأصبح فاسقاً؟! هل أصبح صالحاً وأمسى مجرماً؟! لا.
لكن هناك أمور ينطوي عليها بعض الشباب في سلوكه، ولا يعلم كالانحراف في المباني الطويلة، الآن عمارة المملكة أو العمارة الخيرية الطويلة التي في شارع الثمانين، لو يوجد انحراف سنتيمتر واحد في القاعدة في الدور رقم (٣٥) أو (٤٠) تسقط، قد لا تسقط في الدور الأول، ولا يظهر الميل والانحراف في البناء في الدور الثاني ولا الثالث ولا الرابع ولا العاشر لكن في الدور رقم كذا، فكذلك بعض الشباب قد يقع في انحراف، منهم مَن أساسه فيه ميل قوي لكنه غير ظاهر ثم ينحرف سريعاً، سنة سنتين وينتهي، والبعض ثلاث سنوات.
يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، نسأل الله بمنه وأسمائه وصفاته أن يثبت قلوبنا على طاعته.
أقول: من مشكلات الشباب: عدم البركة عدم الإنتاج عدم العمل، أيضاً محدودية تاريخ الصلاحية، أو كمسحة طبية قد كُتِب عليها: صالحة للاستعمال لمرة واحدة فقط، بعض الشباب يمكن أ، يقرأ كتاباً واحداً وكفى، ربما يحفظ سورة واحدة وينتهي، جزء واحد وينتهي، دورة علمية واحدة وينتهي، لا يشعر أنه سيستمر في الطلب تلميذاً، ويستمر في الدعوة داعية، ويستمر في التعليم معلماً، ويستمر في الصدقة متصدقاً، ويستمر في المشاركة منتجاً معلماً، في أي مجال لا بد أن تستمر.
كثير من المسلمين اليوم تقول له: يا أخي! المسلمون في كل مكان، المسلمون في كشمير، المسلمون في كذا، قال: يا أخي! أنا تبرعت لـ أفغانستان وانتهت القضية، فعلاً صالح للاستعمال لمرة واحدة فقط.
فأنا أقول لهؤلاء الشباب: اتقوا الله في أنفسكم، واعتنوا بالبدايات فإنها مهمة.
وكل امرئ والله بالناس عالمٌ له عادة قامت عليها شمائلُهْ
تعوَّدها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كلَّ أمرٍ أوائلُهْ
نحن الآن في مرحلة الذي دنا من الأربعين يتذكر أياماً كان عمره فيها ثمان عشرة أو تسع عشرة سنة يقول: يا ليتني ضاعفتُ الجهود في تلك السنوات، قبل أن أُبْلَى بالزوجات والأعمال والمسئوليات والتربية والواجبات الوظيفية، والمهمات الرسمية، وو إلى غير ذلك، الكثير منكم قادر على أن يتفرغ وهي فرصة جميلة، بل إنك تجد نفسك أغلب جوانب العطاء والقدرة على البذل دعوياً وفكرياً وعلمياً وثقافياً هي من حصيلة أيام الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، والخامسة والعشرين، والثلاثين، وغيرها؛ لكن لما كبر الإنسان، وتقدمت به السن وتحمل مسئوليات وغير ذلك يكون العطاء أقل من ذي قبل؛ لكن المهم أن تستمر في العطاء، لكن مشكلتنا مشكلة الذي أعطى مرة واحدة وتوقف: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى﴾ [النجم:٣٣ - ٣٤] أعطى لنا قليلاً ووقف.
يا أخي الحبيب! لماذا تعتبر نفسك كأي منتج غذائي قد كُتِب عليه تنتهي الصلاحية في عام (١٤٢٢هـ) بعض الشباب يظن أن تركه للمعاصي يكفي، لا.
لا بد مع ترك المعاصي أن تفتح صفحات بل مجلدات لتهذيب النفس وطلب العلم والمجاهدة والدعوة إلى الله.
أحد الشباب الذين تركوا الفن ذات يوم كنا معه في مجلس وكان معجباً لثناء الحاضرين عليه أنه ترك الفن، قلت له: أخي الحبيب! لاحظ ترك الفن فقط هي إزالة للحدث، أما الوضوء فلم تتوضأ بعد، الآن واحدٌ نريد أن نأمره ليصلي، ثم قال: عن إذنك، أنا أريد أن أذهب -أجلكم الله والسامعين بالعبارة العامية- أريد أن أذهب لأطيِّر الشرر.
ذهبَ وطيَّر الشرر، رفع الحدث أزال الحدث هل كونه أخرج البول من جسده واستجمر بعد ذلك أو استنجى هل هذا كافٍ للصلاة؟ أجيبوا لا.
لا يكفي، ما الذي بقي عليه؟ بقي الوضوء، كذلك تركه للفن كرفع الحدث وإزالة الخارج من الدبر أو القبل؛ لكن بقي الوضوء، أن تسبغ على نفسك العمل الصالح كما تسبغ الماء على أعضائك بالوضوء، أن تسبغ على نفسك العمل والعلم والعبادة والمجاهدة والصبر والدعوة والاستقامة هذا هو الأمر المطلوب، فكثير من الشباب يقول: الحمد لله، أنا كنت فناناً، وتركت الفن وانتهت القضية، لا.
ما انتهت القضية، أمامك مشوار طويل، ولكن خذ هذا المشوار بهدوء.
стр. 162
أخطاء عند الشباب
стр. 163
اليأس من واقع الأمة عند الشباب
إن التائب يظهر التقوى، ولا يرضى القضاء، تجد بعض الشباب يستقيم ثم فجأة يريد أن يصلح الكرة الأرضية ابتداءً بـ جزر هاواي وانتهاءً إلى مكة؛ لأن طرف الكرة الأرضية: جزر هاواي في المحيط، والطرف المقابل: مكة المكرمة، ونبدأ بـ مكة أكرم نقول: مكة طرف وجزر هاواي ثانٍ، فيريد أن يصلح الكرة كلها بين عشية وضحاها، ثم يقول: لا يمكن أن تصلح الناس تصلح، وجهود الأعداء والكفار والقنوات الفضائية والخلاعة في الإنترنت وو إلى آخره، كيف نستطيع أن نصلح الناس؟! لا يا أخي الحبيب: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] في أيام كنت وأنت غير مستقيم بل كنت من قادات الضلالة، بل كان البعض لا يطمع في استقامتك فانظر كيف مَنَّ الله عليك بالهداية! إن الله قادر -وهو الذي هداك- أن يهدي غيرك، ولا تستبعدنَّ على ضال هداية، ولا تأمننَّ على مهتدٍ ضلالة، قد تجد خطيباً يبكي في المنبر فيكتب الله عليه أن ينحرف، نسأل الله السلامة، ونسأل الله الإخلاص، وسداد القول وإخلاص العمل، والإنسان لا يدري.
يقول أحد السلف: لا تعجب بثناء الناس، فإن الله ينصر الدين بالرجل الفاجر.
وقد قال الله في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤].
لا تغتر بنفسك -يا مسكين- أياً كان موقعك، لا تدري بِمَ يُختم لك، فالإنسان على خطر وعلى مخافة.
الشاهد: لا تستبعدنَّ على ضال هداية، قد تجد واحداً مجرماً في زنزانة انفرادية من أجل مخدرات، فيخرج فيهديه الله وينفع به خلقاً عظيماً، وقد تجد إنساناً ربما يشار إليه بالبنان فيكتب الله عليه انحرافاً ولا حول ولا قوة إلا بالله! يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك.
وفي الحديث: (إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وإن القلوب أشد تقلباً من القدر في غليانها) فمن الذي يأمن على نفسه؟! لذا أقول لهذا الشاب: خذ نفسك بالهدوء وبالطمأنينة وبطول النَّفَس، وإياك واليأس والقنوط، وقد يأتيك الشيطان عند أدنى هفوة أو أدنى زلة ويقول: من الآن جادة الطريق طويلة فلن تستطيع أن تستمر، فأرح نفسك من اليوم قبل أن تنحرف بعد سنتين، كما قالوا: (طيِّنها وعطِّنها من الحين)، من أول شهر أو ثاني شهر، لا.
لئن أغواك جليس سوء أو قادتك محنة، أو وقعت بك رِجْل في زلة فعليك أن تبادرها بالتوبة كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
الصحابة الذين جاءوا إلى النبي ﷺ وفيهم أخطاء ما قال: لا أرى وجهك، كفى.
انتهت قضيتك، اخرج من الصحوة، واخرج من الدعوة، واخرج من الصحابة، لا.
بل أمره بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه تعالى، والإكثار من الصالحات والحسنات الماحية للسيئات، هذه من أهم الأمور يا أحبابي، أما أن يريد الإنسان أن يهتدي الكون في لحظة، لو سأل نفسه: ما هو المشوار الذي قطعه حتى يهتدي، إن تجد أخاك في الله جزاه الله خيراً أهدى لك، ثم زارك، ثم سافر بك، ثم حج معك، ثم اعتمر، ثم ثم ورويداً رويداً حتى مكن الله الهداية في قلبك، وقد كنت من قبل تتأذى منك البهائم قبل البشر، فكذلك أعطِ الناس فرصة، المشوار والفرصة التي مررت بها حتى بلغت الهداية أعطِها الآخرين حتى يهتدوا، أما أن تقول: الدنيا خربة ضائعة ما فيها صالح، الدعوة فالتة، لا يمكن أن يهتدي أحد، ثم تذهب وتجلس في شِعبٍ من الشعاب أو جبل من الجبال وتقول: لم يعد في الناس خير، انظر إلى نفسك كيف منَّ الله عليك بالهداية، وأعطِ الناس نفس الفرصة لتجد أن الله سوف يهديهم.
أقول هذا الكلام لأني وجدت بعض الشباب بين اثنين: إما أنه يئس من صلاح الناس فاعتزل وأصبح كما قلتُ حملاً وديعاً وظبياً جهولاً، ما عاد يريد أن يرفع طرفه عن الأرض أبداً، تقول له: يا أخي! مُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر وادعُ إلى الله يقول: يا أخي! ضائعة، فقط، دع المهدي ينزل، دع المهدي ينزل، دع الريح التي تهب وتقبض أرواح المؤمنين وتريحنا من هذا الفساد كله، متى يطلع الدجال ويذبحه عيسى بن مريم وننتهي من القضية؟ لا.
بل لا بد أن تصبر: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] هذا شخص هذا حاله.
стр. 164
اليأس من الاستمرار على الاستقامة
وآخر تجده قال: أوه! المسألة طويلة، وأنا ربما تقع مني زلة، ربما ربما إذا متنا الآن لعلنا نسلم منها.
لا يا أخي الحبيب! استمر والمشوار طويل طويل طويل جداً، الاستقامة ليست مرحلة جامعية (أربع سنوات) وتأخذ شهادة، الاستقامة ليست دورة عسكرية أربع سنوات وتأخذ رتبة أو نجمة، الاستقامة كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] يعني: الموت: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] (سددوا وقاربوا).
انظر سماحة الشيخ ابن باز، هل جاءه الناس بالبشائر والأخبار السارة؟ لا.
يا شيخ المنكر الفلاني.
أعطونا نكتب.
يا شيخ صار للمسلمين مذبحة في الفليبين.
أعطونا نكتب لهم فتوى يُتَبَرَّع لهم.
وربما الشيخ يفعل أموراً لا يطلع عليها الناس، تخص جهات عليا.
يا شيخ، وقع كذا، نُشر كذا، صار كذا.
طول نَفَس.
فأنت أعطِ نفسك الاستقامة والالتزام والنَّفَس، أما أن تتراكم عليك صور الفساد والمنكرات وتتخوف، فيأتي الشيطان ويقول: مساكين، خمسمائة مطوع قاعدون في استراحة والقنوات الفضائية تبث للملايين، شيخ قاعد يصرخ في المنبر والقنوات الفضائية تخاطب مئات الملايين، شبكة الإنترنت تتعامل مع سبعمائة مليون وهذا المطوع أبو شريط، يحسب أن شريطه يصلح العالم، نعم.
إنها كلمة لكن تقلب العالم كله، النبي ﷺ بم دعا الناس؟ بإنترنت؟! بقنوات فضائية؟! بمؤتمرات دولية؟! جَمَعَ مجموعةً من قريش، وناداهم بطناً بطناً، فخذاً فخذاً، قال: (واصباحاه! فجاءوا، وقال: هل جربتم علي من كذب قط؟ قالوا: لا يا محمد! ما جربنا عليك كذباً قط، قال: قولوا كلمة واحدة تملكوا بها العرب وتدفع لكم بها جزية العجم، قالوا: وأبيك عشراً -نعطيك عشراً- قال: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: تباً لك! سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟).
وانطلقت كلمة (لا إله إلا الله)، وما زالت تجوب أقطار الدنيا حتى لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الشرك وأهله، فلماذا تيئس، هي كلمة.
إبراهيم ﵇ لما قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] قال: يا رب! من يسمع؟ قال الله: أذن وعلينا البلاغ، فجاء الناس من كل فج عميق، وعلى كل ضامر، وزرافات ووحداناً.
والله إن الإنسان إذا شاهد في التليفزيون أحياناً مشاهد الباخرات والحجاج ينزلون منها، والطائرات والحجاج ينزلون منها، والسيارات وهي تنزل بالحجاج يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، لقد نادى إبراهيم فتكفل الله بالبلاغ، أنت ادعُ إلى الله والله يتكفل بالبلاغ، لا يأتيك الشيطان ليقول لك: يا مسكين! ماذا تفعل؟! بعض الشباب عنده عدم صبر وإنما النصر صبر ساعة، يعني: حتى الفرح بنتائج الدعوة، والفرح بهداية الناس، والفرح بصلاح الخلق لا يمكن أن يتم خلال يوم وفي عشية وضحاها.
مات ﷺ والمسلمون في عهده يوم موته أقل من عدد المسلمين في عهد أبي بكر، وفي عهد عمر.
إذاً أنت اغرس هذه الكلمة، وبلغ وستجد من يحملها عنك.
اليوم هذا اتصل بي شاب من أمريكا من مدينة اسمها أورنج كاونت في لوس أنجلوس، يقول: أنا سمعت شريطاً لأحد الإخوان، أحد المشايخ جزاه الله خيراً، ومنَّ الله عليَّ بسببه واستقمتُ وتبتُ، وأنا مع فلان وفلان وفلان وفلان من الصالحين -وسَمَّى بعضهم ممن يعيش معهم في لوس أنجلوس - بماذا تنصحني؟ قلت: سبحان الله! هذا الشريط أنا معرفتي به قديمة، نعم.
لأنها كلمة ينفع الله بها، وتبقى الكلمة ولها قوة ولها أثر، ولا تتهاون بالكلمة، شهادة الزور كلمة، والسب كلمة، والشتم كلمة، وإفساد ذات البين كلمة، وتقوى الله وذكره كلمة، وإصلاح ذات البين كلمة، والشهادة بالحق كلمة، والدعوة إلى الله كلمة.
إذاً لا تتساهل بالكلمة، قلها مخلصاً تريد بها وجه الله وينفع الله بها ويبلغ بها أقواماً: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥] وهذا الفرق بين الكلمة الميتة والكلمة المباركة.
حفلة غنائية يجتمع فيها خمسة آلاف، أربعة آلاف، هي كلمات، لكن تنتهي بآثار الفسق عليهم، ولم يكن لها مزيداً إلا في ضلال؛ لكن كلمة الحق بعد حين.
الآن لو تأتي لك بكلمات المفسدين وغيرهم من الكلمات القديمة من أغانيهم، لقيل: أوه، هذا قديم، هذا مات، الآن شبع منه الدود، اليوم تجد هناك أغانٍي جديدة وخرجت استريوهات جديدة، وأشياء لم نعد نعرفها، في الأول كنا نكلم الشباب، يوم أن كنا نعرف، أما الآن كبرنا وعند الشباب أشياء كثيرة الآن لا نعرفها.
لكن انظر كلمات ابن تيمية في القرن السابع ولا تزال تتجدد؛ لأنها كلمة حق وانتشرت في الماضي.
الشيخ ابن باز لما قال له أحد الموريتانيين: يا شيخ! كيف تصبر على هذا الجهد والضيوف والأعمال والفتوى والتعليم والدعوة وأنت في عشر التسعين! يقول: بعد أن ألححتُ عليه، قال: يا بني! إن الروح إذا كانت تعمل فالجوارح لا تكل.
انظر نفسك الآن حين تحضر حفل تخريجك من الجامعة لتكرم بأنك حصَّلت الدكتوراه أو الماجستير، وتقف ويُشار إليك ويقال: والله هذا فلان بن فلان يتخرج إلى آخره والله تقف ساعة لا تشعر، لأن روحك هي الواقفة وليست أقدامك، فلا تشعر بالتعب، لكن دع الإمام يقرأ: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ [الذاريات:١] في الفجر، ستقول: لا نريد، وربما تترنح في الصلاة، لماذا؟ لأن الروح ما وقفت، وقفت الأقدام فترنَّح، نحن نريد أن تقف الروح وأن تعمل.
كلام ابن تيمية، وكلام الإمام أحمد، وكلام الحسن البصري، وكلام الله كَلِمُه طيب، أطيب الكلام (إن خير الكلام كلام الله) - باقٍِ ومعجزةٌ تتجدد وتفجر في الناس الطاقات، وتقمع الباطل، وتحرك الشعوب، وتخمد شعوباً وتحرك أمماً، وتطفئ أمماً؛ لأنها كلمة حق.
فأنت -أخي الكريم- إياك أن تتهاون بالكلمة أو تظن أن الكلمة لا تنفع، رُبَّ مدرس يلقي كلمة في فصل فيه عشرون طالباً ثم يخرج الله من هؤلاء الطلبة داعية يغير الله به وجه أمة، وهي كلمة، وما كان لهذا الداعية أن يغير وجه أمة إلا بكلمة من هذا المدرس، فلا تتساهل أو يغلبك الشيطان في الباطل.
الحديث ذو شجون، ووجوهكم بعد فضل الله يستلهم منها المتحدث كثيراً من الأفكار والأحاسيس الطيبة.
وسؤالي وإلحاحي على الله بمنِّه وكرمه وجوده وأسمائه وصفاته أن يبسط لي ولكم في عافية أبداننا، وسداد أقوالنا، وإخلاص أفعالنا، وسعة أرزاقنا، وصلاح ذرياتنا، وسداد أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وأسأله سبحانه أن يثبتنا وإياكم على طاعته.
ونسأله سبحانه ألا يزيغ قلوبنا بعد إذا هدانا.
ونسأله سبحانه أن يتوفانا على أحسن حال ترضيه عنا.
اللهم توفنا على أحسن حال ترضيك عنا، شهادةً وسجوداً وركوعاً، وعبادةً، وطاعةً لك يا رب العالمين.
اللهم لا تقبض أرواحنا على فاحشة ولا تقبضها على خزي ولا تقبضها على معصية.
اللهم من كان فينا مذنباً فاغفر ذنبه واستر عيبه، ومن كان تائباً فاقبل توبته، ومن كان مفرطاً فأعنه على نفسه يا رب العالمين، ومن كان داعياً فسدده، ومن كان صادقاً فثبته يا رب العلمين.
اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.
وجزاكم الله خير الجزاء.
стр. 165
الأسئلة
стр. 166
الفتور وعلاجه
السؤال
ما هو علاج الفتور؟
الجواب
الفتور يطرأ على كثير من الناس، بل قلَّ أن يسلم منه أحد، ولكن للنفس نشطة وفترة.
وينبغي للإنسان -إذا فتر- ألا يسمح للفتور أن يتجاوز حد ترك الواجبات، بمعنى: أنه قد يفتر الإنسان؛ لكن لا يكون هذا الفتور إلى حد ترك الصلاة مع الجماعة، أو ترك السنن المؤكدة، كالوتر، والرواتب، أو الوقوع في الفواحش والمنكرات والمعاصي.
لكن في النشاط بعض الليالي يجد في نفسه نشاطاً فيصلي أحدى عشرة ركعة، بعض الأيام يصوم كثيراً أو يقرأ من القرآن كثيراً لكن قد يفتر.
وخير ما يعينك على مجاهدة الفتور: هذه الوجوه الطيبة: قد يقول بعض الشباب: أنا أخشى على نفسي النفاق.
نقول له: كيف؟ يقول: يا أخي! إذا جئت مع الطيبين أجد نفسي متحمساً، ولو قالوا نصوم السِّنة كلها لصمنا، ولو قالوا: نقوم الليل كله لقمناه، وو إلى آخره، ولكني آتي في البيت ربما لا أصلي كذا، ولا أوتر بكذا، وربما يجاهدني أهلي في بعض الصيام، أو في بعض العمل.
أقول لك: لا يقولن لك الشيطان: هذا نفاق، بل ذلك من تشجع النفس وحماسها ورغبتها في الحق، إذا كثر الأخيار خنس الشيطانبإذن الله من مجالس الذكر، لكن الإنسان حينما يخلو يجثم الشيطان عليه.
فخير ما لك هو قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨].
يا إخوان! لا تظنوا أن أحداً يسلم من الفتور خاصة إذا بَعُد عن أحبابه في الله، حتى الدعاة إلى الله الذين قد يدعون ويذكرون الناس هم أنفسهم لو انقطعوا عن الناس في أمر الدعوة لأصابهم من الفتور ما يصيبهم، ولذلك لا تقل: أنا سأذهب أقول للشيخ الفلاني: تعال لتلقي علينا محاضرة، وهو راعي الفضل، لا.
اذهب قل له يلقي محاضرة وأنت راعي الفضل عليه بعد الله، لأنك كما يُذَكِّرك أنت تذكره، كما يدعوك أنت تدعوه، كما يعينك أنت تعينه، وإن كانت القضية قد لا تكون ظاهرة لديك.
المسألة الثانية: كثرة ذكر الله :- أكثر من ذكر الله، أكثر من الاستغفار، أكثر من التسبيح، أكثر من التهليل، حتى لو جعلت في يدك شيئاً يذكرك بالله.
الشيخ ابن عثيمين سئل ذات مرة في (نور على الدرب) -وأوصي الشباب أن يستمعوا لهذا البرنامج كثيراً- سئل سماحة الشيخ ابن عثيمين عن رجل يستخدم السبحة، يقول: وأنا لا أعتقد أن فيها مزيد فضل؛ ولكنني أعدُّ بها العدد.
فقال الشيخ: لا بأس باستخدامها، والتسبيح بالأنامل أولى، إذا كانت هذه السبحة -مثلاً- تذكرك، بعض الناس يدخل يده يجد السبحة يخرجها، ثم يقعد يسبح: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، طبعاً التسبيح ليس بالحبوب، التسبيح باللسان والقلب، لكن وجودها في يديك يذكرك التسبيح، فلا حرج، وكثير من الشباب ينكر على الذين يأخذون السبحة، وهذا من الجهل، وينبغي ألا ننكر على أحد إلا ومعنا دليل، أو نعرف فتوى من إمام يحتج به في الإنكار، أما أن ننكر ونتعوذ منه! ونظل ننكر عليه، فلا.
يقول الشيخ: إلا أن تخشى على نفسك الرياء.
ابن حجر العسقلاني ﵀ تكلم عن (لا إله إلا الله) قال: وهي الكلمة التي تستطيع أن تقولها دون أن يدرك جليسك حركة شفتيك.
أطبق الآن بين شفتيك، وقل: (لا إله إلا الله)، يمكن أن تقولها دون أن يشعر الذي بجوارك أنك تقول: (لا إله إلا الله)، وهذه من نعم الله أنك تستطيع أن تستمر في الذكر، وكلمة (لا إله إلا الله) من أجلّ الذكر، بل لو وُضِعت السماوات وعامرهن غير الله في كفة والأراضين معها، و (لا إله إلا الله) في كفة لرجحت بهن (لا إله إلا الله).
فالذكر مما يعين القلب على الحماس واللذة والأنس بالطاعة والعبادة مع مجالسة الأخيار ففيها -بإذن الله- خيرٌ كثير.
لعلي أكتفي بهذا السؤال.
واستأذنكم للسلام على بعض الإخوة.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 167
فلتكن أعيننا باصرة
إن لكل أمة أعداء وأصدقاء، وفيها منافقون هم شر الخلق قاطبة، يندسون في الصفوف فيهلكون الأمة ويدمرون ثرواتها، ويضيعون أمنها، ويهدمون بنيانها، ويفرقون جمعها، ويشتتون شملها، هم أساس الخراب والوبال في المجتمعات والشعوب، لهم أساليب ملتوية وطرق عدة في الدسيسة، يلبسون لكل حادثة لبوساً، وعند ذلك يجب على الأمة الإسلامية أن تعي خطر هؤلاء؛ لتكون حذرة يقظة من كيد أعدائها.
стр. 168
المنافقون شر الخلق قاطبة
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله على نعمٍ لا تحصى وآلاءٍ لا تنسى، الحمد لله الذي خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، وأطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مئوي، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢].
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر:٢٣].
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر:٢٤].
هو الله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير، هو الله الخالق الرافع الباسط، هو الله الذي لا إله إلا هو لا شريك له في ربوبيته فلا مدبر لهذا الكون معه، هو الله الذي لا إله إلا هو لا شريك له في ألوهيته، فلا تجوز العبادة إلا له، ولا التوكل إلا عليه، ولا الاستعانة إلا به، ولا الحاجة إلا فيما عنده، ولا الذبح إلا له، ولا النذر إلا له، ولا الحلف إلا به، ولا يجوز صرف صغيرٍ ولا كبيرٍ من العبادة إلا له، هو الله الذي لا إله إلا هو واحدٌ في ألوهيته فلا يجوز التحاكم إلى غير شرعه، هو الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، ليس كمثله شيء هو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من وطأت قدمه الثرى، وخير من ركب المطي وخير الخلق قاطبة، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، لم يعلم سبيل خيرٍ إلا دلكم عليه، ولم يعلم سبيل شرٍ إلا حذركم منه، ترككم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أشهد الخليقة عليكم أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأشهد الخلق يوم الحج فقال: (ألا هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: اللهم فاشهد) أعادها عليهم ثلاثا.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى واعلموا أن الخلق أهون على الله إن هم كفروا بنعمه وإن كانوا في أعظم منزلة عنده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] معاشر المؤمنين! يا رجال العقيدة يا شباب الأمة! أيها الغيورون على بلادكم! أيها الغيورون على أمتكم! اعلموا أن لكل أمة أعداء وأصدقاء وبينهما منافقون، إن لكل أمة أحباء وأهل ضغينة وأحقاد وبين هؤلاء منافقون، والمنافقون هم شر الخلق قاطبة، إن الذي يظهر عداوته صراحة لا تحتاج إلى دليلٍ لتحديده ومعرفته، لكن المصيبة مصيبة المنافقين الذين ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٦] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣].
إذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض، لا تفسدوا الأرض بعد إصلاحها: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢] أولئك المنافقون لا سبيل لكم إلى معرفتهم؛ لأن الله وحده هو الذي يعلم السرائر، لأن الله وحده هو الذي يعلم بواطن القلوب، فليس بسهولة الأمر أن تعرف من هو المنافق بين الناس ولكن لهم علاماتٌ وأمارات ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] كان النبي ﷺ يعلم المنافقين في المدينة، ومع ذلك كان يعاملهم بالظاهر، بظاهر ما يعلنون ويترك سرائرهم إلى الله جل وعلا، وكان أمين سره ﷺ في معرفة المنافقين حذيفة بن اليمان، وأعجبوا يوم أن جاء عمر بن الخطاب ﵁ يلحق حذيفة يرجوه ويسأله: [يا حذيفة! أسألك بالله هل عدني رسول الله من المنافقين؟].
الله أكبر -يا عباد الله- رجلٌ يسلك وادياً فيسلك الشيطان وادياً غيره، رجلٌ يوافق قوله حكم كتاب الله، رجلٌ يفرق الشيطان منه، رجلٌ أعز الله به الإسلام وأهله يسأل حذيفة خوفاً على نفسه، ليس في نفسه عجب ليس عنده إعجاب بنفسه يسأل حذيفة أمين سر رسول الله ﷺ فيقول: [أسألك بالله يا حذيفة هل عدني رسول الله من المنافقين؟ ويقول حذيفة: لست منهم يا عمر ولا تسألني بعدها ولا أخبر أحداً بعدك].
стр. 169
خطر النفاق على الأمم والمجتمعات
عباد الله! إذا علمنا أن لكل أمةٍ أحباباً أهل ولاء وصدق، وأهل دعوة وإخلاص، وأهل معاملةٍ صادقةٍ مع الله جل وعلا، ولكل أمةٍ أعداء قد ظهرت عداوتهم وبانت وانكشفت وسفرت، ومنافقون يندسون بين هؤلاء وهؤلاء.
إن الله جل وعلا ذكر المؤمنين في أربع أو خمس آيات، ثم ذكر الكافرين في آيتين، ثم ذكر المنافقين في ثلاثة عشر آية، لأن النفاق أخطر شيءٍ على الأمة، وأفتك داءٍ يهلك الأمة، يدمر ثرواتها ويضيع أمنها ويهدم بنيانها ويفرق جمعها ويشتت شملها.
فيا عباد الله: انتبهوا لأنفسكم ولمجتمعكم جيدا، وانظروا بثاقب البصر والبصيرة ولا تظنوا أن مسئولية الحفاظ على أمن المجتمع وأمن الأمة، الأمن النفسي والأمن الفكري، والأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي، لا تظنوه مسئولية فئة معينة بل هو مسئولية كل واحد منكم: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته) فإذا كل واحدٍ منا قام بما عليه حينئذٍ عم الرخاء، وشمل الأمن، وشاعت الطمأنينة، وحينئذٍ يخنس المنافقون فلا يستطيعون أن يتنفسوا على السطح، لا يستطيعون أن يظهروا، لماذا؟ لأن الحجة بينة والمحجة واضحة ولا يستطيع أحدٌ أن يخالف ما اجتمعت عليه الأمة عامتها وعلماؤها وأمراؤها وولاتها، لا يستطيع أحدٌ حينما يجد الأمة على قلب رجلٍ واحد، لا يستطيع أن يتسلل في صفوفها، ولكن يوم أن تكون الأمة على فئاتٍ وطبقاتٍ ومستوياتٍ واتجاهاتٍ ومذاهب شتى، حينئذٍ يدخلون من كل باب، ما دخل الأعداء من أبوابنا وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا وأخطائنا.
فيا معاشر الأحباب! أوصيكم في أنفسكم وفي مجتمعكم خيراً، ألا تجعلوا لمنافقٍ دسيسةً في صفوفكم.
أيها الأحبة في الله: حينما يريد المنافقون أن يحدثوا أمراً فلا يستطيعون أن يعلنوا هذا الأمر بصريح العداوة وبصريح البغضاء والكراهية للأمة، وإنما يلبسون لكل حادثةٍ لبوسا؛ يلبسون أموراً لعلها أن تبهرج على أبصار بعض السذج والغوغاء، وحينئٍذ تقع المصيبة في أن المجتمع يبقى ساذجاً بسيطاً أبلهاً عن حقائق ما يراد وما يدبر له.
إن أعداء المجتمع وأعداء الأمة في كل زمنٍ موجودون من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة، وهؤلاء الأعداء يوم أن يُحدثوا في المجتمع حدثا ًيجعل الأمن النفسي في أخذٍ ورد، ويجعل الطمأنينة تتغير، ويجعل أحوال الناس في أحاديث شتى، بدلاً من أن تكون أحاديثهم وهمومهم وأفكارهم، وتوجههم وأنشطتهم، منسجمةً متمازجةً متناغمة مع هموم مسئوليهم، وولاة أمرهم؛ يصبح المجتمع على فئاتٍ وعلى أحزاب شتى.
أقول أيها الأحبة! حينما تخرج في المجتمع ظاهرةٌ من ظواهر الفساد يتحرك الأغيار، الذي في قلبه غيرة، الذي يقول: كيف نعصي الله وقد أنعم علينا بهذه النعم؟ الذي يقول: كيف نرضى بالمعصية ونحن نرى الناقلات والشاحنات تتسابق إلى أسواقنا لتنثر فيها خيرات بلدانها؟ الذي يقول: كيف ونحن نرى هذه النعم في مختلف المجالات؟ هل نقابلها بالمعصية؟! هل نقابلها بالمنكر؟! هل نقابلها بما لا يرضي الله جل وعلا؟ يتحرك الأغيار يتحركون غيرة لله فيتصلون بولاة أمرهم، ويتصلون بعلمائهم، ويتصل بكل مخلصٍ في أمتهم لا يخفون شيئاً تحت الظلام أبداً، وإنما يظهرون أمام الخليقة أجمع؛ لكي يعالجوا أمرهم فيما بينهم ولا حاجة إلى إعطاء أي أمرٍ أكبر من حجمه، فلكل أمرٍ ما يناسبه من الاهتمام والإنكار.
نقول أيها الأحبة: حينما يظهر مظهرٌ من مظاهر الفساد والمنكرات إلى درجةٍ يكون خطراً على الأمة؛ يتحرك الأغيار والصالحون، وليس الصالحون وحدهم يتحركون، بل ولاة الأمر أول من يتحرك، وأجهزة الأمن أول من يتحرك، وكل من يرى في نفسه مسئولية أمن مجتمعه يتحرك أيضاً، ليس حركةً فوضوية عشوائية، وليست حركة متهورة متشنجة، بل حركة طبيعية، لبيان هذا المنكر ولبيان مخاطره وعلاجه، وإيجاد البديل المناسب من شرع الله الذي ما فرط الله فيه من شيء، وحينئذٍ حينما تتحرك العواطف ويلتهب الحماس في تغيير أمرٍ من الأمور يندس المنافقون في هذه الصفوف، لماذا؟ لكي يستفيدوا حتى من هذا التفاعل يريدوا أن يسجلوا على المجتمع أمراً مما يريدون، وحينئذٍ أقول لشباب المجتمع أجمع، وأقول لكم يا رجال الإسلام أخاطب كل واحدٍ منكم ولا أفرق بين صفٍ وصف، ولا أفرق بين من كان في أول هذا المسجد وآخره، أخاطبكم جميعاً فأقول: قد يندس بين الصالحين والغيورين من يلبس لباسهم، ويتزيا بزيهم، يريد أن يحقق فساداً حتى يبقى الأغيار في حرج، ويبقى المخلصون في حرجٍ أمام المجتمع بأسره، وإن كنت صريحاً سأضرب المثل بالمنشورات، إنما يفعله الذين يكتبون أول ما يكتبون، ويسجلون أول ما يسجلون ويبدءون أي ظاهرةٍ من الظواهر التي تحتاج إلى علاج، يبدءون علاجها بكتابة المنشور ثم دسه تحت الأبواب أولئك لا يعرفون عزة الحق، ولا يعرفون نور السنة، ولا يعرفون مكانة الإسلام، فهم على خطرٍ عظيم لأن المنكر منكرٌ في كتاب الله جل وعلا، والحق حقٌ في كتاب الله جل وعلا، فما كان حقاً فليس الطريق إليه أن يدس تحت الأبواب، وليس الطريق إليه أن يوضع في بعض الأماكن التي لا يليق ذكرها، وإنما الحق مكانه على الرءوس والمقل على الصدور، أن يقدم جلياً عزيزاً واضحاً، لا أن يقدم بسرٍ وخفية.
стр. 170
المنشورات أسلوب من أساليب النفاق
أقول أيها الأحبة: إن من المخاطر التي يتجسس بها المنافقون: قضية المنشورات هذه، نعم، قد يوجد من يظن أنه يخدم الإسلام والمسلمين ولا يعد هذا من المنافقين، أقول: قد يوجد وهم ندرةٌ وقلة، من يظن أنه يحسن صنعاً فيطّبق هذا العمل أو يسلك أسلوب المنشور كطريقٍ إلى إنكار المنكر، قد يوجد من يفوته وضوح الحق في هذه المسألة وحينئذٍ نقول لكل مسلمٍ ولكل غيورٍ ولكل حبيبٍ وعزيز: ينبغي أن تعرف عن الطريق إلى الحق أنه على الرءوس والمقل، وليس بالدسيسة والخفية، هذه مسألة مهمة، ولماذا أيها الأحبة نصرح بهذا الأمر؟ والله ثم والله ما قلت هذا إلا غيرةً على أحبابي ونفسي وإخواني وجميع أفراد مجتمعي، حتى لا يسلك أحدهم سلوكاً يظن أنه يحسن صنعاً وهو يخطئ فعلا، يظن أنه على جادة من الصواب وهو على غير الصواب، يظن أنه على الحق وهو على غيره.
فلنفرض مثلاً: أن ظاهرةً من الظواهر بدرت فظن البعض أن المنشور يعالجها، فأخذنا ننشر هذا الأمر وكان المنشور فيه معلومات صحيحة، ثم ظهرت ظاهرةٌ ثانية فنزل المنشور فيه معلومات صحيحة، ثم ظاهرةٌ رابعةٌ وخامسةٌ وسابعة وكلها فيها معلومات صحيحة، حينئذٍ الذين يرصدون حركة الأغيار في المجتمع، والذين يرصدون حركة الغيورين المخلصين في المجتمع، يعرفون أن المجتمع قد تهيأ نفسياً لما يسمى بالمنشور، وأصبح المنشور هو الذي يوجههم؛ أصبح المنشور هو الذي يوجهني ويوجهك حينما نرى سبعة أو ثمانية من المنشورات كلها صحيحة، حينئذٍ يأتي المنشور الثامن أو المنشور التاسع بمعلومات كاذبة، وتوجيهاتٍ خطيرة، فحينئذٍ لما تعودناه من أن المنشورات السابقة كانت صحيحة وسليمة، نظن أن المنشور الثامن والتاسع الذي فيه معلومات خاطئة وتوجيه خطير نظن أنه منشورٌ سليم أيضاً، فحينئذٍ قد يبادر إلى تطبيقه والاستجابة له من لا يفقه أبعاد هذا الأمر، ثم تحدث الكارثة، ويصبح بعضنا يؤذي بعضاً، صالحٌ يؤذي صالحاً، مواطنٌ يؤذي مواطناً؛ بتدبير دسيسة منافق من المنافقين عود من حوله على أسلوب المنشور سبع مرات وثمان مرات تعويداً وتهيئة نفسية بمعلومات صحيحة ثم جاء المنشور التاسع والعاشر بطامةٍ خطيرة، وحينئذٍ لا تسأل عن هلكة أفراد المجتمع.
стр. 171
أهمية معرفة طرق الحق
ومن هنا نقول: لا بد أن ننضبط، ونعرف للحق طرقه، وما عرف أن المنشور من سابق عهد الدعوة إلى يومنا هذا إلا أسلوب من أساليب الدعوة، نعم، قد يقول بعضكم: لا بد من التشهير بأهل الفسق، والفاسق لا غيبة له، أقول: أنا أوافقك على أن من عرف بفسقه وعرف بإفساده سواءً في فكره وفي كتاباته وفي تحركاته، من عرف بفسقه وعداوته للمجتمع أوافقك أنه لا بد من تشهيره ولا بد من التحذير من فسقه، ولكن من الذي يقرر هذا؟ هل أقرره أنا؟ أم تقرره أنت؟ إذا قرر عالمٌ من علماء المسلمين الذي يعتد بعلمهم وفتواهم في هذا الأمر، حينئذٍ نقول: نعم يشهر بهذا، أما أن أحكم أنا بأن فلاناً فاسق وإن كان فاسقاً، وليس عندي فتوى تجعلني أشهر وأحذر من فسقه على الملأ، وقد أحذر من فسقه في أمري بخاصة نفسي فيمن دوني، لكن أن أنشر عنه منشوراً أو أتكلم به على المنبر، لا.
لا بد من فتوى، فلو أفتى سماحة مفتي الديار السعودية أن فلاناً بن فلان فاسقٌ يشهر به، والله لمزقنا جلده أمامكم وأمام كل مجتمع، لكي نبين خطره وفساد مذهبه، وخبث طويته وفساد عقيدته وأسلوبه.
أما أن نجعل أنفسنا باجتهاداتٍ ضعيفة وعلمٍ قليل، وتجربةٍ قصيرة، أن نجعل أنفسنا حاكمةً على البشر فنشهر بمن نريد، هذا أمرٌ لا يصح أبداً، وأقول هذا الكلام وأنا أعرف -أيها الأحبة- أن مجتمعنا لم يصل إلى هذه المرحلة، أقول هذا الكلام وأنا أعرف أن الصالحين وعامة أفراد المجتمع لم يصلوا إلى هذه المرحلة، ولكن نحذر أنفسنا قبل أن ينجح المنافقون في تحقيق ما يدبرونه وما يريدونه، قبل أن نقع كما يقول القائل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
أيها الأحبة: نحذر من الشر قبل وقوعه، والوقاية خير من العلاج.
أيها الإخوة في الله: إن من واجبنا تجاه الأحداث التي تخالف شرعنا وتخالف قرآننا، وسنة نبينا، من واجبنا أن ننكرها، ولا يجوز لمسلمٍ أن يحب ما حرم الله، ولا يجوز لمسلمٍ أن يكره ما أحب الله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] إن محبة ما يكرهه الله، وكراهية ما أحبه الله من الأمور العشرة التي تخرج من الملة، كما ذكرها إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نور الله ضريحه وجمعنا به في الجنة.
أيها الأحبة في الله! يوم أن نقول: إن من واجبنا أن نكره ما كره الله، وأن نحب ما أحب الله، وأن نجرم ما جرم الله، وأن نستحسن ما ندب الله إليه، من واجبنا تجاه أي مخالفة أمام هذا الأمر ألا نتصرف تصرفاتٍ فردية، نحن مجتمعٌ مسلم، وحينما أقول: صحوةٌ مسلمة فإني أقصد المجتمع كله؛ لأن مجتمعنا بفضل الله جل وعلا وإن وجد في بعض أفراده شيءٌ من الذنوب أو المعاصي أو التقصير فإنه لم يبلغ مبلغاً أصبح فيه ديوثاً، أو يرضى بالعار والمجاهرة بالفسق في بيته وأهله.
أقول: لا نزال بخير فحينما نكون يا أهل الصحوة صحوة الأمة الإسلامية في شعب هذه الجزيرة وفي بقية المسلمين في العالم، صحوة الأمة الإسلامية يوم أن تنكر أمراً أنكره الله، إنها لا تبادر بتصرف فرديٍ من ذات نفسها، وإنما ترفع هذا إلى علمائها لتعرف ما الطريق إلى علاج هذا الأمر؟ إن الإستحسان ليس من أدلة التشريع ولا يلزم وخاصةً في أمور الشريعة، قد تستحسن أمراً من أمور الدنيا فتطبقه، أما أمور الشرع فليس استحسانك لشيء دليلك على جوازه، ليس استحسانك لشيء دليلٌ لك على الإذن بفعله والتصرف فيه إذاً ما الذي يأذن لي بالتصرف فيما أريد؟ يأذن لي العلماء الذي يقولون: إن هذا أمرٌ واجب، أو أمرٌ يجوز أو أمرٌ لا يجوز.
إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في بعضها خللا
أخشى -أيها الأحبة في الله- أن نكون كمن قال فيه القائل:
رام نفعاً فضر من غير قصدٍ ومن البر ما يكون عقوقا
فمتى يكون العمل والتصرف في محله؟ إذا كان عليه نورٌ من الكتاب والسنة، واجتهاد أهل العلم.
أحبتي في الله! يوم أن استقمت على دين الله أو استقمت أنت على دين الله من خمس سنوات، أو سبع سنوات، أو عشر سنوات هل ستكون أتقى لله وأعلم بالله وأغير على دين الله من سماحة مفتي هذه البلاد الذي شابت لحيته في الإسلام؟ الذي بلغ الثمانين من عمره؟ أسأل الله أن يمد لنا في عمره، أسأل الله أن يبقيه رحمةً للمسلمين، أسأل الله أن يتمم النعمة على الأمة به، أسأل الله أن يمتعه بالصحة والعافية، اللهم بارك في وقته اللهم بارك في ذهابه، اللهم بارك في إيابه، اللهم بارك في حركاته وسكناته وفي صمته ونطقه، اللهم بارك في إشارته وكلمته وفي كل حالٍ من أحواله.
ويا أهل هذه البلاد! والله إن من نعم الله عليكم هذا العالم الجليل، وهذا الرجل الذي أنعم الله به على الأمة وبغيره قبله، ومن نعم الله على هذه الأمة أن أنعم عليها بولاة أمرٍ يخافون الله، وأنعم الله على هذه الأمة بمجتمعٍ لا يزال يرفع الإسلام وبولاة أمر لا يزالون يعلنون العقيدة ويعلنون الشريعة بدلاً من أولئك الذين يحكمون الكتاب الأخضر، والنظرية الاشتراكية، والفكر البعثي، والنجاسة الثقيلة، إنها من أعظم النعم علينا في هذا الزمان.
أقول أيها الأحبة! إن من واجبنا ومن واجب الغيورين والمخلصين منا ألا يبقوا جامدين أو كسالى، لا أقول هذا الكلام؛ لكي يضع كل منا يده تحت رأسه أو يتوسد وسادته ثم يقول: قد انتهى الأمر وليس لي، لا، نريدك أن تعمل وكأن ليس في المجتمع إلا أنت من حيث الحماس والمتابعة وعدم البرود، وعدم الفتور، ولا نريد أن تتصرف إلا بإذن شرعي وبفتوى شرعية؛ حينئذٍ تكون حركة كل واحدٍ منا تخدم أهدافنا والأسس التي قامت عليها بلادنا، وتخدم ما نريده وما نصبوا إليه من تحقيق الأمن والطمأنينة في هذا المجتمع.
أيها الأحبة في الله! أوصيكم ونفسي بالالتفاف حول العلماء، الذين بلغوا في السن عتيا، أوصيكم ونفسي بالالتفاف والقرب والدنو والصلة بالعلماء؛ فإن أولئك لا يصدرون الفتوى إلا عن أمرٍ أو نهيٍ أو دليلٍ من عند الله جل وعلا، ولا يمكن أن يستحسنوا إلا ما استحسنه الله، ولا يصوبوا إلا ما صوبه الله، ولا يخطئوا إلا ما خطأه الله؛ وحينئذٍ نعبد الله على بصيرةٍ وندين الله بكل عملٍ من الأعمال التي نعملها.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 172
الحذر واليقظة من كيد الأعداء
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله! قد يسأل بعضكم فيقول: هل نفهم من كلامك أنه حينما نرى كلاماً يخل بالدين والعقيدة في مجلةٍ نتركه ولا نذكره؟ هل نفهم من كلامك حينما نرى كاتباً أو مفكراً أو فاجراً أو فاسقاً كتب شيئاً يخل بأركان الدين وأصول العقيدة، وخصائص الأمة أن نسكت عليه ولا نذكره؟ لا.
لا تفهموا من كلامي هذا وإنما نريد أن نفهم أن نبقى أعيناً ساهرةً، وعيوناً باصرة، وجهداً متأملاً متثبتاً لمعرفة ما يراد بنا، وما يراد بأخواتنا وبناتنا، وما يراد بشبابنا، وما يراد بثرواتنا، وما يراد بأمتنا ما الذي يكاد لنا ولعلمائنا ولولاة أمرنا، نريد أن نبقى أعيناً ساهرة، وأعيناً باصرة، فإذا وجدنا ما يخل بذلك من شيء أخذناه ورفعناه إلى عالمٍ من العلماء، وحينئذٍ تبرأ الذمة.
وأقول لكم: يا شباب الإسلام! قد يظن البعض أن العلماء لا يقدمون شيئا، قد يقول البعض: إن العلماء لا يفعلون شيئا.
والله أيها الأحبة -وهذه نعمة من الله- إن علماءكم لعلى صبرٍ وجلدٍ، وعلى تحملٍ فيما يلقون ويسمعون ويرون من كثير من يتصل بهم من الغيورين والمخلصين، وهم يبذلون بذلاً حثيثاً لمعالجة هذه الأمور بالطرق الشرعية، ولكن هل من شرط ما يعمله العلماء أن يعلمه العامة؟ هل من شرط كل عملٍ يعمله العالم أن يعرفه العامة والخاصة، والصغير والكبير على حدٍ سواء؟ لا، يكفي منك إذا وجدت ما يخالف أو يناقض أو يخل أن تذهب بما رأيته -في أي شيءٍ كان- ثم تعرضه على عالمٍ من العلماء وتقول له: اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد اللهم إنها من رقبتي إلى رقبتك، وحينئذٍ تبرأ ذمتك بإذن الله إذا كان هذا غاية ما تستطيعه وإن كان بمقدورك أن تتصل بمسئولٍ أو وليٍ من ولاة الأمر، أو علمت أن غيرك قد كفاك أو بلغ عنك هذا الأمر فحينئذٍ بلغ الأمر وقامت الحجة وبقيت في رقاب العلماء.
الذي نريده أيها الأحبة: ألا نكون في خللٍ من تصرفاتنا وسلوكنا وفي المقابل أن نكون على برودٍ وجمود، لا نريد هذين الأمرين أبداً، إنما نريد عملاً دءوباً ورصداً مستمراً، وأدعوكم أن تفتحوا أبصاركم جيداً لكل ما يدبره أعداؤكم، ولكل ما يخطط الأعداء؛ لأننا لا نشك أن في كل مجتمعٍ عدوٍ وصديقه منافق، فلا بد أن تنتبهوا لهذا الأمر وحينئذٍ أيها الأحبة: بلغوا ما ترونه إلى العلماء وإلى ولاة الأمر، هذا سبيل عليه من الحق دليل، وعليه من الشرع برهان، وما سواه فإنا نشك في وجود ما يدل عليه، ائتوني بدليلٍ على المنشورات، أعطوني دليلاً على هذه المنشورات! لا دليل عليها أبداً، وأقول هذا الكلام وأعيد وأزيد أننا ما بلغنا هذه المرحلة، ولكن أحذر من أن يندس في صفوفنا من يجعل أسلوب المنشور من أساليب الدعوة، لا وألف لا، ليس من أساليب الدعوة إلى الله، وإذا احتاجت الأمة أن تشهر بفاسقٍ من الفاسقين أو أن تحذر بمجرمٍ من المجرمين فحينئذٍ حينما يظهر عليه فتوى، والله لا يرحم عرضه في مجلسٍ ولا منبرٍ أبدا، ولكن من الذي يفتي بتشهيره من الذي يفتي بالحديث عنه، من الذي يتكلم عنه؟ من عرفناه بعلمه وتقواه وسابقته في دين الله جل وعلا.
أيها الأحبة في الله! أسأل الله أن يرشد هذه الصحوة وأن ينفع الأمة بها، وأسأل الله أن يبارك فيها إننا لفي خيرٍ عظيم، وعلى خطرٍ عظيم، فنحتاج أن نجعل خيرنا في مواجهة هذا الشر، وأن نجعل صلاحنا في مواجهة الخطر، بالأساليب التي تحفظ لأمتنا ولمجتمعنا التوازن الذي نريده ونرغبه فيه على كل حالٍ من الأحوال.
стр. 173
المعركة بين الحق والباطل صريحة وطويلة
أيها الأحبة في الله: أيها الإخوة الغيورون! يا رجال الإسلام! ويا حماة العقيدة! آن لكم أن تعرفوا الحرب صريحة، آن لكم أن تعرفوا أن العداوة عداوة العقيدة، آن لكم أن تعرفوا أن أعداءكم والله لا يغبطونكم على سياراتكم، ولا يغبطونكم على قصوركم، ولا يغبطونكم على مفارشكم ومآكلكم ومطاعمكم وإنما ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥] ود الذين كفروا: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران:١١٩].
أنتم أمام الأعداء، وأمام المنافقين، فإن مسئولية الوقوف ووحدة الصف واجتماع الشمل ووضع الأيدي مع العلماء وولاة الأمر وتثبيت الصف من واجبات كل مسلمٍ منكم، ولا تظنوا أن الغيرة على المجتمع وظيفة من لبس مشلحاً أو تخرج من كلية الشريعة، أو أصبح داعيةً، أو خطيبا، إنها مسئولية كل واحدٍ منكم، إنه مسئولية من كان ملتحياً ومن كان حليقا، مسئولية من أسبل ومن قصر، مسئولية من كان سابقاً بالخيرات ومن كان ظالماً لنفسه، ومن كان مقتصدا، إننا لا يمكن أن نجمع مع تقصيرنا في حق أنفسنا تقصيراً في حق أمتنا، وفي حق ولاة أمرنا من علمائنا ومسئولينا، لا والله لا بد أن نكون على مستوى الصراحة، وأن نكون على مستوى القوة وأن نحذر من كل ما يدبر ومن كل ما يحاك لهذه الأمة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك وباسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تحفظ علماء المسلمين وأن تحفظ ولاة أمر المسلمين.
اللهم اجمع شملنا، اللهم لا تفرق جمعنا، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمعنا وإياهم على ما يرضيك يا رب العالمين.
اللهم اجعلهم ممن قال فيهم نبيك: (خير أئمتكم الذين تدعون لهم ويدعون لكم) اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأراضين بقدرتك.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تحمي أعراض المؤمنين، اللهم احفظ أعراض المؤمنين، واحمِ حوزة الدين، واهد شباب المسلمين، واستر على بنات المؤمنين، واستر زوجات المؤمنين يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان.
أيها الأحبة! عودٌ على بدء، إنما يدور وما يتفجر من البلونات الشفافة أمام المجتمع؛ لتشغل أنظاركم وأنظار الغيورين عن القضايا الخطيرة والقضايا الكبرى لأمرٌ مستهدف، وأريد بهذا أن أقول: إن معركة الحق طويلة مع الباطل وقديمة أيضاً، وليست مواقفنا مع الباطل ومع الأعداء ومع المنافقين في موقفٍ أو موقفين، بل لا نزال في مواقف مع الأعداء إلى أن نموت ونلقى الله جل وعلا.
فينبغي إذا عرضت لنا مشكلة أو ظهرت لنا ظاهرة ألا ننصرف بكليتنا وبجهدنا، وصغيرنا وكبيرنا، فننشغل بها عن غيرها من الأحداث والمخاطر.
إن الذين يتفننون في الجريمة، إذا أرادوا أن يسرقوا بنكاً فجروا سيارةً فانشغل الشارع بهذه السيارة المتفجرة واتجهت الأنظار إلى هذه السيارة المتفجرة ثم ذهب اللصوص وسرقوا البنك بأكمله، فلا نريد أن ننشغل -أيها الأحبة- بقضيةٍ جانبيةٍ، وإن كانت مهمة، لا نريد أن ننشغل بها انشغالاً كاملاً، فتأخذ جهدنا ووقتنا وتفكيرنا وننسى ما أمامنا من المعارك القادمة مع الباطل والمنافقين، أريد أن نكون على مستوى الوعي، نريد أن نكون على مستوى الفهم وأن نتعامل بطول النفس وطول الحبال، والمدى الطويل، والمعركة الطويلة إلى أن نلقى الله جل وعلا وما غيرنا وما بدلنا وما أشركنا، فلا يفوتنكم هذا الأمر يا شباب الإسلام، ويا رجال الإسلام لا ننشغل بكليتنا في أي قضية، وإن كانت مهمة فننشغل بها وحدها عن سائر ما يدبر ويخطط للأمة.
هل ما يراد بكم من قبل أعدائكم ومن قبل المنافقين هو حدثٌ واحد وسلمتم فيما بقي؟ هل تظنون أن الحياة مجرد هذه المشكلة وما بعدها كلها زهورٌ وأنهار ولن يكون فيها حدثٌ أو مشاكل؟ لا.
والليالي من الزمان حبالى مثقلاتٍ يلدن كل عجيب
طبعت على كدرٍ وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلبٌ في الماء جذوة نار
لا نظن أن الحق والباطل يقومان في معركةٍ واحدة ثم ينتهي النصر للحق ولا يعود للباطل حركةٌ من جديد، لا، فلا نريد أن نشغل بمسألة وإن كانت مهمة فننشغل بها كلنا.
انظروا ماذا شغلت به الأمة، لقد شغلت عن المجاهدين، شغلت عن الجهاد في أفغانستان، وشغلت عن قضايا كبيرة وخطيرة، وشغلت عن البحث والاستمرار في معرفة الفكر البعثي، وأذناب البعث ومن ينتسبون إلى البعث، ومن يتسللون في الصفوف من البعثيين، قد شغلت الأمة بظاهرةٍ معينة عن خطرٍ كبير.
وهل الأعداء البعثيون وحدهم؟ لا.
الأعداء أصنافهم كثيرة، درجاتهم مختلفة، مراتبهم مختلفة، إذاً فلا ينبغي أن ننشغل بظاهرةٍ معينة، ولنجعله نظاماً كما تجري المعاملة في الدائرة الحكومية، ظهرت ظاهرة تقدم إلى العلماء وإلى ولاة الأمر، ويتخذ بشأنها ما يتخذ، ثم نستقبل أي جديدٍ أمامنا.
стр. 174
التثبت والبينة قبل الحكم
نسأل الله أن يجعل بلادنا هادئةً آمنةً مطمئنة، ولكن لا يمكن أن يتحقق لكم هذا وهو لم يتحقق لرسول الله، لم يتحقق هذا لرسول الله ﷺ ، إذ كان الرسول ﷺ منذ أن قامت دولته إلى أن مات والمؤامرات تلو المؤامرات على دولته، والوحي يتنزل عليه والله يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
لقد أعطاه الله ضماناً بأن يعصمه من الناس ومع ذلك والوحي يتنزل والمعجزات قائمة والله حافظه ومع ذلك فلا زالت المؤامرات تلو المؤامرات في دولته وفي بلاده، أفتريدون أن تبقى أمتكم وأن يبقى مجتمعكم بحالٍ أفضل من حال الرسول ﷺ ، فيبقى سليماً نظيفاً نقياً من أي صغيرةٍ أو متوسطةٍ أو كبيرةٍ من الجرائم والمصائب؟، لا، ولكن إذا أردنا أن نقول لا نريد جريمة في المجتمع، ولا نريد أن تظهر في المجتمع جريمة فقد طلبنا مجتمعاً أفضل من مجتمع النبي، لأن مجتمع الرسول ﷺ ظهرت فيه الجريمة وظهرت فيه المشكلة وظهرت فيه الأمور الخطيرة وعالجها النبي ﷺ واستقبل ما بعدها، فنحن لا نقول أو نطلب مستحيلاً نقول: نريد مجتمعاً لا يوجد فيه جريمة ولا مشكلة ولا ظاهرة خطيرة، بل نريد مجتمعاً رجاله يقظون نريدكم على أتم حال الأهبة والاستعداد واليقظة، نريد العين الساهرة لمتابعة كل دقيقةٍ وجليلة، وما عرفتموه خاصةً بالوثائق والبيّنات، نعم يوجد في المجتمع من يندس، لكن من يقيم للبينة على أن هذا كذا؟ من يقيم للبينة على أن فلاناً شيوعي؟ من يقيم البينة على أن فلاناً كافر؟ من يقيم البينة على أن فلاناً عنده وعنده؟ لا أقبل كلام المنشور فيه، ولا تقبلون أنتم كلام المنشورات فيه، لكن نريد البينة فإذا ثبتت البينة من شهود العدل أنه قال أو تلفظ أو نطق أو كتب في رسالته الجامعية أو قرر أو كتب كتابةً ووقع عليها فحينئذٍ تثبت وتحكم وتجزم بأنه يعتقد ما يقول، وتجزم بعد مناقشته ومناقشه من لهم الفكر والعلم والتقى والسابقة، يحددون موقفه ويصنف وحينئذٍ شأنه مع المحاكم الشرعية، نريد أن نتثبت في كل حكمٍ نطلقه وفي كل أمرٍ نطلقه، أعيد وأزيد، هذا لم يقع منكم ولم يقع من شباب الإسلام، وإنما نراه من منشورات ظهرت بأسماء أو بغير أسماء إني أبرئ نفسي وأبرئ شباب الصحوة، بل إن التهمة أصلاً أو إن الفكرة أصلاً لا تتوجه على الشباب الغيورين فيها وإنما على مفسدين قد يشعلون الفتيل حتى يأتي ساذجٌ يوصل آخره إلى محل الانفجار.
فأقول: احذروا من هذا ولا تجعلوا القرود التي تتقلب على أغصان الأشجار بالغابة تمتطي صهوة الحصان الأصيل، صحوتكم حصانٌ أصيل، قد يمتطيها قردٌ على غصن شجرة، فانتبهوا ألا يقف على سروج الخيل الأصيلة من القرود والمنتفعين والانتهازيين والمستغلين.
اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك أن تحفظنا وأن تبصرنا وأن ترزقنا خير العمل وخير الاستقامة.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعا سحاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار، اللهم اسقِ العباد والبهائم والبلاد.
اللهم إن كثرت ذنوبنا فإن عفوك أكثر، وإن كبرت معاصينا فإن رحمتك أكبر.
اللهم تغمدنا برحمتك، اللهم بعفوك لا بأعمالنا، اللهم بمنك لا بسعينا، اللهم بجودك لا بمساعينا، نسألك اللهم أن تتغمدنا برحمتك يا ربنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.
عباد الله! إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 175
دروس وعبر
الأمن نعمة من نعم الله العظيمة، ينتج عن اختلاله كثير من المفاسد، لذا كان من الواجب على الناس حمد الله وشكره على نعمة الأمن.
وهذه الدروس والعبر مأخوذة من حرب الخليج، حيث ألقيت هذه المحاضرة بعد هدوء عاصفتها، فجاءت هذه المادة لتسلط الضوء على ما جرى، ولتؤصل لبعض ما حدث.
стр. 176
نعمة الأمن وأثرها على الناس
الحمد لله منشئ السحاب، منزل الكتاب، وهازم الأحزاب، وخالق خلقه من تراب، الحمد لله حمداً طيباً مباركاً كما ينبغي لجلال وجه الله وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي كشف الغمة عن المسلمين، الحمد لله الذي تتابعت نعمه على عباده المؤمنين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا معبود بحقٍ سواه، نحمده سبحانه على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، بالأمس كنا خائفين واليوم نصبح مطمئنين من الذي جعل هذه الحالة في القلوب يا عباد الله؟ أليس ربكم جل وعلا؟ اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد وحدك لا شريك، اللهم لك الثناء الحسن، اللهم لك الشكر وحدك لا شريك لك.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فلا نجاة والله إلا بها، ولا طمأنينة إلا بها، ولا عز ولا تمكين إلا بها، اتقوا الله تعالى حق التقوى، ولا تموتن إلا عليها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
عباد الله: انظروا حالكم بين الأمس واليوم، كثيرٌ من الناس سافر عن أرضه، وترك بيته وودع مهبط رأسه، وذهب يميناً أو يساراً، قريباً أو بعيداً، خوفاً على نفسه، لقد انتهت تعلقاته وارتباطاته بثروته وماله وبيته وداره، وأصبح لا يفكر إلا بنفسه ترك بيته، ترك قصره، ترك ذلك المكان الذي مكث مدة طويلة وهو يشاور الأصحاب، ويستشير الأحباب، من أجل تحديد موقعه، على ربوة أم هضبة، على جهة أم جهتين ما واجهاته، ما أنواع الرفاهية فيه، تركها لكي يعيش في شقة ضيقة؛ لأن نعمة الأمن في نفسه تزعزعت قليلاً، والآن بحمد الله جل وعلا عاد الذاهبون آيبين، ورجعوا إلى بيوتهم مطمئنين.
من الذي قذف الطمأنينة في القلوب؟ أليس الله جل وعلا؟ اللهم لك الحمد على كل حال.
والله لقد مرت بالناس أيام وليالي ما كان الناس يفكرون إلا بأنفسهم، وإذا سمعوا صيحة صاحت قلوبهم واختلفت أفئدتهم النوافذ مغلقة، والأبواب محكمة، والأعناق مشرئبة، والأفئدة تنظر، والأعين تبصر، هل يزول الخطر أم لا؟ ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] نسأل الله جل وعلا أن يكون كشف هذه الغمة سبباً في مزيدٍ من الذلة بين يديه، والانكسار إليه والحاجة إليه، والخشوع له، والتضرع بين يديه .
стр. 177
الذكر والشكر عند حلول النعم
أيها الأحبة: إن في هذا الدين سنة عظيمة وهي أن تختم العبادات بالذكر والشكر والتسبيح، فما بالكم باندفاع النقم وحلول النعم! فهي أولى بالشكر والتسبيح، يقول الله جل وعلا في صيام شهر رمضان: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] تختم العبادة بالذكر والتكبير، ويقول جل وعلا في الحج: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة:٢٠٠] وفي المجالس في ختامها تختم بالكفارة (سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك) وإذا عاد الإنسان من سفره كبر مهللاً وحمد الله: (آيبون تائبون لربنا حامدون) فما من أمرٍ من أمور العبادة فضلاً عن أمور الدنيا إلا ونجد أن الشريعة قد وجهتنا إلى أن نختمه بالذكر والشكر، والتكبير والتعظيم، والتسبيح والثناء، والتمجيد لله جل وعلا وحده لا شريك له، فما بالنا وقد دحر الله أعداء المسلمين من البعثيين! ونسأل الله أن يدحر بقية أعداء المسلمين على وجه هذه الأرض، وألا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، وألا يجعل للفاجرين على المتقين دليلاً.
أيها الأحبة في الله: ينبغي أن نعلم أن أيامنا هذه أيام شهرٍ كريمٍ وما بعده أكرم منه، وأيامنا هذه أيامٌ نعمة حلت بالمؤمنين باندفاع واندحار عدوهم البعثي وانهزام فلوله وتحطم راياته، وانكسار آياته، فهي -والله- أحوج بالشكر والثناء والتعظيم لله جل وعلا، أما أن تكون أمة الإسلام كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] غناء وتطبيل وتزمير!! ينبغي للأمة أن تتقي الله في نفسها، وأن تتذكر قبل أيامٍ قليلة كيف كانت الوجوه تتغير، وكيف كانت الأفئدة تتطاير، وكيف كان الذعر والقلق يملأ الرجال والذرية والنساء، ينبغي ألا نكون من أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] نعوذ بالله من ذلك! ونعوذ بالله أن نخادع الله وهو يخدع المنافقين والكافرين والعابثين بأمرٍ يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، كانت مرحلة مشنشنة فاضحة مصفية للنفاق والمنافقين، وظهر الذين يستغلون الفرص، وظهر الذين أصبحت علاقاتهم مصلحية، وظهر ما يسمى بوحدة الأمة العربية
وإخواناً جعلتهمُ سهاماً فكانوها ولكن في فؤادي
وإخواناً حسبتهمُ دروعاً فصاروها ولكن للأعادي
стр. 178
الحاجة إلى فتح صفحة جديدة
والآن تصيح الإذاعات التي كانت بالأمس تقول متفرجة شامتة على المسلمين: ضربت مدينة الرياض بصواريخ أسكود، ضربت مدينة الشرقية بصواريخ أسكود، ضربت مدينة كذا بصواريخ، والآن ينبغي أن نعود إخوة كما كنا، وأن ننسى الماضي وأن نفتح صفحة جديدة، صفحة جديدة على ماذا؟! أن نضع في جعبنا العقارب والحيات، والدواب والثعابين، ثم نقول: نفتح جعبة جديدة أو صفحة جديدة! لا، نفتح صفحة جديدة ولكن على الإسلام، على التوحيد، على تحكيم كتاب الله، على الوقوف لقضايا المسلمين في شرقها وغربها، لا أن تكون المصائب هي التي تكشف الخبايا.
أيها الأحبة في الله: ومرت أيامٌ علم الله أحوال الخلق فيها، وكلٌ منكم قد ناله ما ناله منها، فالخطاب أولاً لكم أنتم أن تتقوا الله جل وعلا، وألا تكون ذنوبنا سبباً في شؤم بني المسلمين أجمعين، وألا تكون غفلتنا سبباً في هلاك الصالحين (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال ﷺ : نعم، إذا كثر الخبث).
أيها الأحبة: هي مسئوليتكم أنتم لكي تفتحوا صفحة جديدة، وتودعوا زمن الهزل والغزل.
اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكر لأيام الصبا فلأيام الصبا نجمٌ أفل
إن أهنا عيشة قضيتها ذهبت لذتها والإثم حل
لا تقل أصلي وفصلي أبدا إنما أصل الفتى ما قد حصل
ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل
стр. 179
أهمية استلهام الدروس والتفكر في النعم
البطولة والنصر بالتقوى واللجوء إلى الله جل وعلا، وحبذا أن تكشف الأمة أوراقها، وأن تدرس ما حصل لها من العبر والعظات في هذه المصيبة التي حصلت لأمة المسلمين أجمعين في هذه الأيام التي مضت.
أولها: لقد ظهر ضعف المسلمين، وهذا أمرٌ لا نسوقه على وجه الشماتة أو على وجه الفرح، وإنما نسوقه لكم لكي يجند كل واحدٍ منكم أبناءه، ولكي يعد كل واحدٍ منكم نفسه، لكي يكون جيشاً احتياطيا، وجندياً على أهبة الاستعداد حال الطلب، لكي تكون أمة الإسلام مستغنية عن غيرها بحالها نعم، ظهر ما نحن فيه، وظهرت علاقاتنا وظهرت صداقاتنا، فحاجتنا أن نستلهم الدرس منها، وقد انتهى ذلك الوقت الذي كان الكثير يخاف على ولده من الجندية والعسكرية، بل لابد ولو بذلنا كل الأسباب من أجل أن يتجند أبناؤنا وأن يتطوع أبناؤنا، ولقد رأينا فيكم وفيهم خيراً كثيراً بإذن الله، لقد ظن أعداء الإسلام أن أبناء هذه الجزيرة لن يستطيعوا أن يقفوا على ميادين التدريب والجندية، أو لن يرغبوا في أن يتسابقوا إلى ميادين الجهاد، بعد أن ملئوا مدرجات الملاعب، أو بعد أن جلسوا على الأرصفة، وهاهم يثبتون خيبة ظن أعدائهم بهم ويقولون: خسر رهانكم، وخابت ظنونكم، وحنثت يمينكم، هؤلاء شبابنا عادوا أقرب إلى الله من ذي قبل، وعادوا أصدق مع الله من ذي قبل.
فيا شباب الإسلام مزيداً من بذل الطاعة لله جل وعلا، والوعي لواقعكم وما يدور حولكم وما يراد بكم.
стр. 180
زوال النعم بالمعاصي
ومن دروس هذه المحنة: أن النعم لا تدوم من سره زمنٌ ساءته أزمان
يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
أي مصيبة حلت بأحبابنا وإخواننا في الكويت، ناموا آمنين، فأصبحوا مشردين، هذه الدنيا لا يعول عليها، ولا يُطمئن إليها، ولا يوثق بها، فاعتبروا يا أولي الأبصار! ليست أمة دون أمة تحرم على الغزو والاجتياح، أو البلاء والعقوبة والمصيبة، نسأل الله ألا يحل بنا ما حل بإخواننا، ونسأل الله جل وعلا أن يجبر كسرهم وأن يشفي مريضهم، وأن يرد أسيرهم، وأن يجبر كسيرهم اعتبروا بهذه الدنيا.
أما الذين يمشون ولا يزالون في ترف المراكب ولهو الدور وعبث الدنيا والغفلة عن عبادة الله، فليتقوا الله جل وعلا، وليتذكروا أن الذنوب لها شؤم، وأن شؤمها يحل عاجلاً وآجلاً، وليس كما يظن بعضهم:
إذا لم يغبر حائطٌ في وقوعه فليس لهم بعد الوقوع غبارُ
لا، الذنوب والمعاصي لها شؤمٌ يحل عاجلاً أو آجلاً، وإن الأمة إذا عصت الله على بصيرة واستمرأ الناس المعصية، ورأوا المعصية، وشاهدوا المعصية، وجالسوا المعصية، وخالطوا المنكر واستمرءوه؛ أوشك أن يعمهم الله بعذابٍ من عنده، وهانوا على الله لما فتحت المدائن بكى أبو ذر، فقيل له: ما يبكيك يا صاحب رسول الله؟ فأخذ يبكي ويقول: ما أهون الخلق على الله إن هم عصوه!
بالأمس كانوا ملوكاً في مناصبهم واليوم هم في بلاد الأرض عبدانُ
إن الأمة إذا عصت الله على بصيرة، فإن سنة الله لا تتغير فيها أبداً، ولنتذكر ما حل بالمسلمين في بغداد، ما حل بالمسلمين أيام التتار والمغول، وتلك الحوادث التي لا يمكن أن ينساها التاريخ، ماذا حل بالمسلمين؟ قال أهل التاريخ: لقد قتل من المسلمين ألف ألف مسلم على أيدي المغول والتتار، أي: مليون مسلم، وقيل: ثمانمائة ألف مسلم، كيف يقتلون وهم يصلون ويسجدون ويصومون مثلكم؟ ولكن لما انتشرت المعاصي وظهرت المعاصي وأصبح الناس يفاخرون بها، وإذا قام قائمٌ لله بحق، أو رجلٌ يدعو إلى الله على بصيرة، أو غيورٌ يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر؛ قيل: اخرج، أنت مطوع، معقد، مسكين، يتدخل في شئون الآخرين، متشدد، لا يعرف أساليب الدعوة، لا يعرف التغيير، وأخذوا يرمونهم بمختلف الأساليب، ولقد جاء إليَّ ذات يوم رجلٌ -أسأل الله لي وله الهداية- يشكو إليَّ شاباً، يقول: هذا لا يعرف الدعوة ولا يعرف أساليب الدعوة، وأصبح يحدثني حديثاً عن شاب في الإسلام وشاب في الدعوة وشاب في تغيير المنكر والأمر بالمعروف، فقلت له: أما تستحي أن تتجرأ بهذا الأسلوب على رجلٍ أنا أحسبه أتقى منك؟ أما تستحي أن تتكلم في أساليب الدعوة وأنت ليس فيك شيءٌ من سمات الدعوة إلا أقل القليل؟ فينبغي -أيها الأحبة- إن لم نكن جنوداً للحق أن نكون أنصاراً له، وإن لم نكن أنصاراً أن نكون مؤيدين بالدعاء له.
لا خيل عندك تهديها ولا مالُ فليسعف النطق إن لم تسعف الحالُ
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
إننا نعلم أن للمصائب ارتباطاً وثيقاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا الأمة لم تكن آمرة أو ناصرة أو مؤيدة أو داعية أو محبة؛ فإنها على خطرٍ عظيم، وكل واحدٍ منا ينبغي ألا يحرم نفسه واحدة من هذه المنازل، إما أن يكون داعياً آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، أو نصيراً أو مؤيداً أو على الأقل صامتاً، ألا يتناول الدين بلسانه، وألا يتناول أهل الدين بلسانه؛ لأن من أحب قوماً حشر معهم، فلا أقل من أن تحب الأبرار والأطهار والأخيار لتكون معهم يوم القيامة جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! المرء يحب القوم ولمَّا يلحق بهم؟ فقال ﷺ : أنت مع من أحببت يوم القيامة).
فهذا درسٌ من الدروس ألا نثق بالدنيا، وألا نطمئن بها وإليها، وأن نعرف أن ترك المنكرات وخذلان أهل الأمر بالمعروف سببٌ من أسباب المصائب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
следующие страницы →