← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قوة الإعداد العلمي إن مما يعيننا على أن ننهض بأنفسنا لكي نكون على مستوى هذا الدين: الإعداد، والإعداد يكون بالعلم، والتفقه، والجهاد في سبيل الله. فحينما نكون على مستوى قوي واضح من العلم فلا تنتشر بيننا البدع ولا الخرافات، ولا تسري بيننا الأقوال الشاذة والأباطيل والخرافات، ولا يمكن أن يكون اضطراب أقوال الذي هم على هامش الإسلام أو يُنسبون إلى الإسلام لا يمكن أن تكون مصدر خلافٍ أو زعزعة بيننا، ولا يكون ذلك إلا بالقوة والإعداد، بقوة العلم وبقوة الفقه في دين الله، وهذا لا بد له من وسائل، يحتاج إلى طلب العلم، ويحتاج إلى حلق العلم، وإلى المزاحمة بالركب على المشايخ في حلق الذكر في المساجد، أو في بيوتهم، أو في مجامع الخير، ويحتاج إلى القراءة، وإلى البحث، والاستماع، ويحتاج إلى التنقيح والتحليل والتفكير. كثيرٌ منا قد حفظ نظام التقاعد كالفاتحة، لأنه يعرف متى ينتهي، ومتى تنتهي الخدمة، وكم خُصِم من راتبه أيام كان يأخذ راتباً؛ لأنه فكر وقدر كثيراًَ في هذا الأمر حتى استوعبه وفهمه؛ لكن الكثير ما فكر كيف ينشر خُلُقاً حميداً أو فكرة نافعة في بيته أو في حارته أو في حيه أو مجتمعه، ولو أهمه الأمر لاشتغل به، لكن للأسف مجرد انتسابٍ، لا توجد عنده حرقة أو لهفٌ وشوقٌ إلى نشر هذا الدين. فلا بد -أيها الأحبة- من أن نُعِد، لا بد من أن نُعِد، بقوة العلم بقوة التفقه بالحجة الظاهرة، والله إن العلم -أيها الأحبة- خير سلاح بعد رحمة الله جل وعلا يحفظ صاحبه من الانزلاق في المعصية، وكم زل وهلك وضاع من العُبَّاد! ولكن ما أندر -يعني: قلة- مِن الذين يحصل منهم الزلل والهلكة من العلماء! لأن العابد يُغْوَى أو يفتن بشبهة فلا يعرف كيف يتصرف، ثم ينساق في معصية لا يعرف أنه منذ بدايتها قد جنح وذهب مسلكاً بعيداً عما يرضي الله جل وعلا؛ لكن طالب العلم، المتفقه يعرف الأمور من بداياتها، فإن كانت بداية حسنة اتخذ سبيلاً مباركاً إليها، وإن كانت بداية مشبوهة، عرف أن الحق أبلج، والحق نظيفٌ عطرٌ طاهر لا يمكن أن تكدره شوائب. وكم عجبت ذات يومٍ من شاب وقف بعد صلاة العشاء في يومٍ من الأيام يريد الحديث معي، فلما التفتُّ إليه أكلمه، أخذ يبكي وانهمرت دموعه غزيرة وانساق في بكائه، فقلت: أكيد في نفسه عبرات يريد أن يخرجها، لا نستعجل بالحديث معه دعه حتى يخرج بقية عبراته، فلما انتهى من بكائه التفتُّ إليه وقلت: ما الذي بك؟ قال: والله أنا مستقيم وكنت أشهد الصلاة في هذا المسجد وصلاة التراويح وو إلى آخره؛ إلا أني سافرت مع صديقٍ أراد مني أن أرافقه في السفر إلى مدينة ما، وسافرت معه وحصل مني الزنا -والعياذ بالله-! قلت: سبحان الله العلي العظيم! صدق الإمام الشافعي: لا تنظرن إلى بكائهم في السجود، ولكن انظرهم عند الحلال والحرام. كثرة الصياح والنواح والبكاء ليس بعلامة فارقة مميزة، لا شك أنها دليل على حضور القلب والإخبات والخشوع لمن خرج منه من غير تكلفٍ؛ لكن المقياس الحقيقي: أين هو عند الحلال والحرام؟ المقياس الحقيقي قول النبي ﷺ في حديث النعمان بن بشير: (ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة) إلى آخر الحديث. فالإنسان تعرفه جيداً عند الحلال والحرام، فهذه من الأمور المهمة أيها الأحبة. فشاهد الكلام: هذا الشاب لما بحثتُ معه عرفتُ أنه يحب الخير ويحب الطيبين، يُشكر على هذه المحبة وهذه الموالاة؛ لكنه ما زود نفسه بالعلم، ولو زود نفسه بالعلم ما زَلَّ هذا الزلل، ولكان العلم بإذن الله وبمشيئة الله ورحمته عاصماً يعصمه من الوقوع في الخنا والرذيلة والفاحشة. فالعواطف -أيها الأحبة- لا تقوم عليها أمم، ولا تنتشر بها دعوات، ولا ينتشر هذا الدين ويتأثر الناس به إلا إذا رفعه علماء لديهم من العاطفة والحرقة ما يؤثر على الآخرين، لكن العلم العلم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] الله جل وعلا في شأن توحيده وألوهيته لم يرضَ بالمعرفة، أو تفكرْ أو تأملْ أو تثقفْ أو تعرفْ، ولكن، ﴿فَاعْلَمْ﴾ [محمد:١٩] فلا بد من العلم والعلم بالله أولاً ثم العلم بنبيه والعلم بأحكام الله جل وعلا، هذا مما يعصم الإنسان ويرفع منزلته ومكانته إلى خير حالة أو خير درجة تُرجى أن تكون للمسلم الذي يرجو ما عند الله جل وعلا.

стр. 72

قوة الوعي والفهم والاطلاع كذلك -أيها الإخوة- من القوة في الإعداد: الوعي والفهم والاطلاع، ومن الناس من يعتبر دار الإذاعة البريطانية بالنسبة له متفقٌ عليه، يعني: ما تقوله هو الصحيح، لا يعرف أن الذي يدير هذه الإذاعة رجلٌ يهوديٌّ حاقدٌ مارقٌ فاجر، من الناس من تجد عنده اطلاع لكن من غير وعي، ما تقوله الجرائد والمجلات هو الحجة، وما يقوله أصحاب الكلمات الزائفة والعبارات الجوفاء هو الحجة، لا. لا بد أن يكون لديك وعي، لا بد أن يكون للمسلم فهم، والمسلم الذكي هو الذي إذا قرأ سطراً قرأ ما وراء السطر، وما تحت السطر، وما خلف الأحرف، هو ذلك الواعي الذي يعرف أبعاد الكلمة وأهدافها ومقاصدها، ليس ذلك المسكين الذي تقال له العبارة ولا يفهم ما فيها، ومن جميل ما يذكر في ذلك أن الحطيئة لما رأى الزبرقان بن بدر قال: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فالرجل شك هل هي مديحة أم ذمة؟ ثم شكا إلى عمر بن الخطاب، فسأل عمر حسان بن ثابت قال: [أتظنه هجاه؟ قال: بل سلح عليه]. دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي يعني: فهم الإنسان للعبارة لابد أن يكون فهماً ذا أبعاد، هذا أمر مهم بالنسبة لشباب المسلمين، وأنا أعلم أن الذين يكرمهم الله بالوعي هم ثلة وقلة، لكن لا يمنع أن تكون هذه الوجوه الطيبة وإخواننا في هذه القاعة ممن يكرمهم الله جل وعلا بالوعي والفهم ودقة التأمل فيما يكتب ويدور حول هذا الدين.

стр. 73

ترتيب الجهود وتوحيد الصف من الأشياء التي تعين على حمل رسالة الدين كذلك -أيها الإخوة- مما يعيننا على حمل رسالة هذا الدين وواجبنا نحوه: أن نرتب جهودنا، وأن نوحد صفوفنا، لو أن رجلاً عنده أرض زراعية مساحتها: (كيلو×كيلو)، وأحضر مائة عامل لكي يحرثوها، فعامل أخذ يحرث في الزاوية الشمالية، وعشرون يحرثون في الجنوبية، وواحد في الوسط، لأصبحت مقابر وليس أرضاً زراعية، كل يحفر في طريق وفي مكان لم تنسق ولم تنظم ولم ترتب هذه الجهود في الأرض، ولو ترتبت جهود هؤلاء العمال لاستطاعوا أن يمشطوا هذه الأرض وأن ينظفوها من الأحجار والأشواك، وأن يعدوها وأن يبذروها بأيسر جهدٍ وأقل وقت. فأقول: ومما يؤسف له أن جهود المسلمين في هذا الزمان جزءٌ منها مبعثر وغير مرتب يجعلهم كالذي نثر عمالاً من غير ترتيب ولا إعداد ولا كيفية منظمة، هذا يحفر وادياًَ، وهذا يحفر خندقاً، وهذا يحفر بركة، وهذا يحرث، وهذا يمشط، ربما تمضي سنة وتفوت مواسم الزراعة ولم يزرعوا شيئاً، والأرض قد خُرِّبَت، لكن لو كان هناك ترتيب في هذه الجهود، لكانت في وقتٍ قليل وجهدٍ أقل قد أصبحت خضراء مصانة مورقة، وجنى الناس ثمار زراعتها، لكن نتيجة لخبطة الجهود التي تحصل في كثيرٍ من أبناء المسلمين هي التي تجعلهما -وللأسف- جهوداً ضائعة وأشد من هذا: التنافر أو البغضاء ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 74

معرفة أن أعداء الإسلام لا يملون في حربهم على الإسلام وأهله أخيراً أيها الأحبة: ينبغي أن نعلم أن أعداء هذا الدين لا يفترون، ومع علمهم أنهم على الباطل، وعلى ما يسخط الله جل وعلا، وأنهم على الضلال المبين، يحترقون لعقائدهم الباطلة، ومذاهبهم الهدامة، وهذه والله مصيبة، كم منظمة تنصيرية تعمل بين المهاجرين في أفغانستان؟! قرابة خمس وسبعين منظمة، تملك سيارات الإسعاف، وتملك الوسائل، والمطبوعات، والغذاء، واللباس وأشياء كثيرة كثيرة، المنصرون يدخلون في أدغال أفريقيا، وأحدنا نقول له: يا أخي! ادعُ إلى الله جل وعلا بما يسر لك. قال: أتريد أن يضحك الناس علي؟! ما قالها ذلك المنصر، ولم يحتقر جهده في الضلالة والباطل، بل أخذ يدعو بما استطاع. آخر تقول له: ادعُ إلى الله. فيقول: من يستقبلني؟! ومن يقف بالمدخنة؟! ومن يعطيني كرامة؟! ومن يصرف لي انتداباً؟! لا يا إخوان! هذا الدين يريد احتساباً، ولا يريد انتداباً. فجهود أعداء الإسلام عجيبة جداً، وكما يقول عمر: [اللهم أشكو إليك جلد الفاسق وضعف الثقة]، (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف). فحينما ننظر إلى جهود هؤلاء الأعداء، سواءً في ترتيب جهودهم، أو تنظيمها أو تخطيطها نتعجب، نحن نفكر كيف نواجه الخطر الداهم الموجود الآن، وأولئك يفكرون فيما بعد عشرين وثلاثين سنة قادمة، أين المسلم الذي يفكر لهذا الدين والدعوة إلى الله والعمل للإسلام بعد عشرين سنة؟! كيف سيكون حال الدعوة إلى الله جل وعلا؟! الناس كانوا فيما مضى لا يعرفون إلا واعظاً يقوم فيتكلم بعد الصلاة في المسجد وتنتهي، هذا أسلوب الدعوة المنتشر عند كثير من الناس، لما بدأ الناس يستخدمون التسجيل أنكر طائفة: مَن هذا المجنون الذي يأتي بمسجل في المسجد، صار هناك نوع من الإنكار، استخدمت وسائل جديدة في الدعوة، (ومن جهل شيئاً عاداه). وقدر كل امرئٍ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداءُ فطائفة جهلوا بعض الوسائل وعادوها في حين أن أعداء الإسلام سبقوا هذه الوسائل بمئات المرات لكن صدق الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. والله ما دار بخلدهم أن هذه المكبرات ستكون في مساجدنا، ما دار بخلدهم أن أجهزة التسجيل ستكون وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله في البيوت والأماكن التي قد لا يصلها حتى الكهرباء، ما دار في خلدهم أن كثيراً من منتجاتهم ستستخدم، لكن لما وعى المسلمون وفهموا واستخدموا مثل هذه الوسائل، احتاجوا إلى مزيد منها، نعم. نحن لا ننتظر الغرب أن ينتجوا شيئاً ثم نحن نبرمجه ونحوله لكي يخدمنا، نحن بحاجة -أيضاًَ- إلى أن نطرح وسائل تخدمنا نحن، الذين صنعوا التليفون أول ما بدءوا في صناعته كان مبرقة، وبعد ذلك طاحونة يفرها حتى تَصِلَ شُحنةٌ ويكون من خلالها إرسال، وبعد ذلك توصلوا إلى هاتف يدور بالقرص -يعني: أهمهم أمر دنياهم فاشتغلوا- بعد ذلك توصلوا إلى هاتف بالأزرار، ثم بعده هاتف يحفظ الأرقام، ثم بعده هاتف بإمكانيات أكثر، وتوصلوا إلى هاتف يعطيك رقم المتصل أو يخرج صورة المتصل، وما زالوا في سباق متطور؛ لأن أمر دنياهم أهمهم. فنحن معاشر المسلمين هل أهمنا أمر ديننا، هل رفعنا من قدراتنا، ومن ثقافاتنا، ومن وعينا، ومن معلوماتنا، والإمكانيات الموجودة بين أيدينا، من إخواننا وأحبابنا؟! قبل عشر سنوات من تاريخ الآن وهو كما كان لم يتغير، المسلم دائماً في نمو وفي تقدم وفي تطور، فلماذا لا ترفع نفسك؟ لماذا لا تثقف نفسك؟ لماذا لا تزيد حظك من القرآن، ومن السنة ومن الوعي ومن الدعوة ومن الهداية؟ هل يحول أحد بينك وبين هذا؟! أبداً والله؛ لكن المصيبة -أيها الإخوة- أننا لا يهمنا، يعني: الكثير لا يهمه أمر هذا الدين. أحد السلف يقول: وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وأن جسمي قرض بالمقاريض. يعني: فلتذهب روحي فداءً ولو قُطِّع لحمي قطعة قطعة في سبيل أن الناس يهتدون إلى أمر الله ودين الله جل وعلا. فمن منا قدَّم؟! القليل القليل هو الذي يقدم، ومن الناس من يقف موقف المرجف المثبط أو ناشر المقالة السيئة عن إخوانه الطيبين ولا حول ولا قوة إلا بالله! ومن المواقف التي تدل على أن المسلم يحتاج إلى الصبر ويحتاج إلى استعداد للمعاناة التي يمكن أن تمر به من خلال ما يدعو إليه. الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، لما اتخذ الفساد منحىً دخل في العقيدة، القول بخلق القرآن، مسألة ليست مسألة فروع، فوقف وقفة قوية، من العلماء من تأول، ومنهم من تغير، ومنهم من انصرف، لكن الإمام أحمد ثبت، فسُجن وعُذب وأُوذي، ذكر أهل السير أنه رُبِط وعلِّق وانقطع به الحبل، والقيود الثقيلة ترسف في قدميه ﵁، ذكر ابن الجوزي في مناقبه: أنه جلد ثلاثة آلاف سوط. ذلك الإمام الجليل. وقال: والله لستُ أخشى الموت، ولكن أخشى سياطهم -حرارة السوط على الظهر، إذا كُشِف الظهر ثم جاء جلد السوط- فقال أحد تلامذته: يا أبا عبد الله! إنما هما سوطان، ثم لا تدري ماذا يُفعل بك. يعني: يُغمى عليك ثم لا تعرف ما الذي يُفعل بك. يقول الإمام أحمد: ما عزاني أحدٌ مثل رجلٍ سماه قال: كان من العيارين -من اللصوص- قال: يا أبا عبد الله! إني جُلِدْتُ ستة عشر ألف سوط منذ أن بدأت في هذا السبيل، -يعني: في طريق السرقة، وقطع الطرق والعبث والاعتداء على الناس وغير ذلك- وصبرت وأنا على الباطل، أفلا تصبر وأنت على الحق، قال: فما عزاني أحدٌ مثله. فيا إخوان: لنعلم أن سبيل الدعوة إلى الله جل وعلا وحمل هذا الدين لا نقول: إنه مفروش بالورود والرياحين، لا؛ ستجد من يسخر، وستجد من يستهزئ، وستجد من يشكك فيك، وستجد من يرميك بما ليس فيك، ولكن: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨] سيعلمون يوماً من الأيام أنك من الصالحين، أنك من المحبين ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٤] عقول مَن تخاطبهم قد تكون يوماً ما قاصرةً عن إدراك الحق الذي تبينه لهم، لكن في يومٍ ما يعرفون أنك على الحق. فينبغي لنا أن نكون على مستوىً في رفعة أنفسنا بهذا الدين. ولم أرَ في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمامِ والله يا إخوة! من تأمل حال هذا الكون أمواتٌ يدفنون، ومرضى في المستشفيات، وأناسٌ يشردون، وقومٌ يعانون من الجوع والعري، وقومٌ يموتون من العطش، وأقوامٌ في فيضانات، وهذه الدنيا تطوي أناساً ليس لهم ذكر أبداً، أيسرك أن تكون مع الغثاء؟! أم تريد أن يكون لك وجود ومكانة، وأن يكون لك شرف ومنزلة، وأن تبقى لَبِنَتُك باقية؟! كم شهد التاريخ من الأثرياء؛ ومن الملوك والعظماء! هل يُذْكَرون في كل مجلس؟! لا. ما ذكر إلا العلماء فقط، أما الأثرياء وأصحاب الدنيا وما يتعلق بها، لم يذكروا، ذُكِر عالم فقير رباني جليل زاهدٌ ورع، ذُكِر هؤلاء الذين رفعوا أنفسهم بدين الله جل وعلا، وسمت نفوسهم إلى أن ثبت بناؤهم على الأرض، فما مر جيلٌ من الأجيال إلا قال: هذا بناءٌ كان لفلان عليه رحمة الله. يقول إبراهيم بن أدهم في شأن هذا الكون، وشأن هؤلاء الناس الذين تراهم، وهذه أبيات أحب أن أكررها دائماً، أحبها وأحب أن أُسْمِع إخواني بها: إذا ما مات ذو علمٍ وتقوى فقد ثُلِمَت من الإسلام ثُلْمَهْ وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمهْ وموت فتىً كثير الجود محلٌ فإن بقاءه خصبٌ ونعمهْ وموت الفارس الضرغام هدمٌ فكم شهدت له بالنصر عزمهْ وموت العابد القوَّام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمهْ فحسبك خمسةٌ يُبكى عليهم وباقي الناس تخفيفٌ ورحمهْ الخمسة الذين ذكرهم في الأبيات: العالم، المجاهد، العابد، الشجاع، الكريم. فحسبك خمسةٌ يُبكى عليهم وباقي الناس تخفيفٌ ورحمهْ وباقي الخلق همجٌ رعاعٌ وفي إيجادهم لله حكمهْ فيا إخواني الشباب! أيها الإخوة جميعاً: هل نحن من الرعاع، مثل البهائم؛ ثغت ورغت، وأكلت وشربت ثم ثلطت، وأخرجت ونُحرت أو ماتت! أم يكون لنا شأن! كم هدى الله على يدك من ضال؟! كم أسلم على يدك من كافر؟! وكم فرج الله على يديك من كربة؟! أين العمل؟! أين الجهد؟! أين البذل؟! وأقول في المقابل -أيها الإخوة- هناك أقوامٌ رءوسهم لامست السحب عزة وكرامة، وأناسٌ يقولون: نتوب أو لا نتوب! نترك أغاني، أو لا نترك، نترك المعاكسات أو لا؟! نسحب الثوب أو نرفع فوق الكعب لكي نطبق السنة! ننظر للنساء في التلفاز أو لا ننظر! لاحظ! الإنسان يريد أن يشتري الموت شراءً. من مدة كنت في أحد مكاتب الخطوط، جاء إليَّ شاب في وظيفة محترمة ممتازة قال: والله أنا أريد أن أذهب إلى أفغانستان، ولا أريد أن أعود أبداً. قلت: وما معنى هذا؟ قال: قبري هناك. سبحان الله العلي العظيم! بين شابٍ هذا شأنه، وآخر لا يزال في مفاوضات وعقد اجتماعات وقمم مع الشيطان: نترك نصف الأغاني أو ربعها؟ نسحب نصف الثوب أو بعضه؟ نشاهد المسلسلات أو لا نشاهدها؟ نترك الأفلام الماجنة أو لا نتركها؟ نترك الورق والعبث والبلوت والأشياء التي لا تليق أم لا؟ فسبحان الله! هذا المجتمع فيه طبقات متباينة، فانظروا أنتم مع مَن؟ ضعوا أنفسكم في المكان الذي يسركم ويشرفكم أمام الله أن تلقوه به. وختاماً أيها الأحبة: أشكر لله جل وعلا وحده ثم لكم على هذه الفرصة الطيبة المناسبة، وأعتذر أن تحدثت بين يدي أساتذتي، أو ممن هم في مقام الأساتذة والمربين، وما ذاك إلا لتفض

стр. 75

الأسئلة

стр. 76

ثمرة العلم العمل السؤال كثيرٌ من الشباب وخاصة في المجالس يتكلمون عن دور المسلم، ولكن لا نرى منهم تطبيقاً إلا في القليل، وأحياناً يعلقون هذا الدور بالعلماء وكأنهم ليسوا مكلفين، فما هو رأي فضيلتكم أثابكم الله؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. ثمرة العلم: العمل. العلم يهتف بالعملْ فإن أجابه وإلا ارتحلْ لا بد من التطبيق، وكما يقول ابن عثيمين: والعلم إن كان أقوالاً بلا عمل فليت صاحبَه بالجهل منغمر لا شك أن من واجب المسلم أن يدعو إلى كل خيرٍ، وقد يقول البعض: إذا كنت لا أقول إلا ما سوف أطبق إذاً سأقتصر على حدود ما أطبقه أنا وحدي فقط، نقول: لا. أما الواجبات والمندوبات والسنن المؤكدة، فمن واجبك أن تطبقها وأن تعتني بها وأن تدعو لها، وقد يكون هناك من الآداب ما تضعف عن تطبيقها؛ لكن تُوَفَّق إلى تطبيق غيرها، لكن لا يمنع من أن تدعو إليها، فيفتح الله على قلب غيرك فتحاً يهيئ لهم العمل بما دعوت إليه.

стр. 77

أسباب الانتكاسة ووسائل الثبات السؤال يلاحظ أن بعض الشباب يلتزم بطريق الحق بعد أن كان يرتكب بعض المعاصي، ولكن سرعان ما يعود إلى ما كان عليه، فأرجو منك بيان وسائل الثبات على طريق الحق. الجواب والله -يا أحبتي- هذا مثلما قلنا، البداية العاطفية، جاء وأحضر له مصحفاً في رمضان، وقام يصيح، وصاح العالم، وتأثر لمدة وانتهت المسألة على هذا، مجرد عاطفة، أو تعرَّف على شباب: إني أحبك في الله، إني أحبك في الله، الله يجمعنا بك في الجنة، ويجعلني أراك في الجنة، وفقط، هل طلب علماً؟! هل حضر حلقة؟! هل وضع لنفسه منهجاً؟! هل اجتهد في حفظ شيء من القرآن؟! لأن العلم حينما تبدأ وتأخذ بأسبابه تستمر في طريق وفي رحلة طويلة بإذن الله جل وعلا تكون عاصمة من الوقوع في الزلل، لكن مجرد العواطف، الآن لو أعطيتكم قصة مؤثرة لتأثرتم، ولو أعدتها عليكم لكان التأثر أقل، وإذا أعدتها أربع وخمس وست مرات تصبح مملة، فتكرار العواطف شيء ممل؛ لكن حينما يكون العلم، ومع كل بادرة وجديدٍ وجديدة من جديد العلم عاطفة تحثه؛ نكون دائماً على زيادة علمٍ وزيادة عاطفة، فنستمر على هذا (ومن كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة) من الناس من يكون له ماضٍ عفا الله عنا وعنه، وسالف لا يسره أن يلقاه عند الله جل وعلا؛ لكن إذا تاب، فهو مثل قوم جاءوا إلى النبي ﷺ قالوا: نريد أن نسلم لكن لا نقدر على دفع الزكاة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] يعني: إذا تُبْتَ إلى الله فتب توبةً كاملة، وليس هذا نتوب عنه وهذا لا نتوب عنه! وهذا شديد وهذا ضعيف، وهذا وسط وهذا زائد وهذا ناقص! لا. لابد أن تكون بدايتك جادة (من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة) أما أن يكون الإنسان بدايته ضعيفة هزيلة ثم يريد أن ينافس العلماء والدعاة، ويريد أن يكون أقواهم وهو ضعيف، فلا. تسألني أم الوليد جملاً يمشي رويداً ويجيء أولا هذا لا يمكن، لا بد من بداية قوية، بداية محرقة؛ لترى النهاية الوضاءة المنيرة المشرقة، وكما يقول الشاعر: وكل امرئٍ والله بالناس عالمٌ له عادة قامت عليها شمائلُهْ تعودها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كل أمرٍ أوائلُهْ البدايات تحدد النهايات في الغالب، العمارة ذات اثني عشر دوراًَ لو كانت القاعدة منحرفة سنتيمتراً واحداً لاتضح الانحراف جلياً في الدور العاشر، وانهارت العمارة، يعني: الذي يبني عمارة من عشرين دوراً وكان هناك انحراف في القواعد وهو بمقدار اثنين سنتيمتر -مثلاً- فإن الانحراف في الدور الأول ليس واضحاً، وفي الدور الثاني ليس واضحاً، لكن يكون الانحراف في الدور العاشر، حيث يتضح الميل الذي يئول بالعمارة إلى السقوط، فكذلك الذي تكون بدايته ضعيفة أو بداية خلل أو بداية انحراف، في السنة الخامسة في السادسة، بل في الشهر السادس أو الشهر السابع قبل وضع الحمل ينهار سريعاً. فلا بد أن يكون للإنسان بداية جادة، بداية منهجية، وإذا كنا نعرف أن الاقتصاديين، وذوي المشاريع يضعون الخطط الخمسية، والبرنامج الزمني لتنفيذ الخطة الخمسية، فأنت ينبغي أن تضع خطة خمسية وبرنامجاً زمنياً للتنفيذ، يعني عندك عام: (١٤١٠هـ) أو (١٤١١هـ) ما هي قراراتك؟ أنت الآن وزير التخطيط في بيتك، أنت الأمير والملك والحاكم والخليفة ومجلس الوزراء في بيتك، تملك كل هذه الأمور في بيتك؟ الآن أمسك دور التخطيط، ماذا خططت في بيتك خلال سنة قادمة، ربما تبدأ السنة وتنتهي وعامٌ بعد عام، وما كأن الأعوام مرت! من تخطيطك على الأقل لنفسك خلال عام أن تحفظ ثلاثة أجزاء إن لم تكن من المتفرغين للحفظ أو من المهتمين، أو أربعة أجزاء خلال سنة كاملة، لا أظن أن هذا صعباً، اقسم ثلاثمائة وستين يوماً على عدد صفحات الأجزاء الثلاثة، ستجدها شيئاً سهلاً، وكذلك حفظ عشرة أو عشرين أو ثلاثين حديثاً، والصدقة بكذا، وزيارة مقدارها كذا، والارتباط بدرس أسبوعي لأحد العلماء في المسجد، أو درسين، وتجعل الجدول فيه مرونة متوافقة ومتناسبة مع ارتباطاتك وأعمالك الاجتماعية واشتغالاتك، فأنت حينما ترسم الخطة، وتبدأ تعيش في تنفيذها، وتحترم وقتك احتراماً جيداً؛ عند ذلك تخرج بنتيجة، لكن مجرد عواطف مع عواطف مع عواطف لا نخرج بنتيجة، كما قال ﷺ : (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أوَمِن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: أنتم يومئذٍ كثير لكنكم غثاء) والله إنك ترى الغثاء الآن في أبناء المسلمين. شابٌ مسلم قبل يومين كان يسجل في الكلية طلاباً، وإذا بأحد الطلاب الواقفين يقول: أعطِني حريتي أطلقْ يديَّا كان يغني لـ أم كلثوم، سبحان الله العلي العظيم! آتٍ إلى صرح علمي وكان يسجل له مواد تخصص دراسات إسلامية، والرجل مُقْذِع مع أم كلثوم. أمر هذا الدين يحتاج إلى قدرة، وإلى كفاءة وإلى بناء متين، الواقع -لا أقول هذا يأساً أو تيئيساً أو تقنيطاً- الواقع لا شك أن عليه ملاحظات كثيرة، نحتاج أن نرتفع بهذا الواقع، ما هو واقعنا؟ واقعنا الشخصي أضعف من أن نرتفع بواقعنا الحضاري والثقافي والأخلاقي والمعاملات إلى حد كبير، لِمَ هذا الضعف؟! نحتاج أن نبني، نحتاج أن نعمل، باحترامك لوقتك، واحترامك لنفسك، واحترامك لجهدك يجعل منك شيئاً، من الناس من يقول: أنا من أنا حتى أفعل؟! أنت كل شيء يا أخي. دواؤك فيك وما تبصرُ وداؤك منك وما تشعرُ وتزعم أنك جسمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبرُ الإنسان يستطيع أن يحقق، ويستطيع أن يصنع إذا التزم بهذا الدين، وكان فعلاً محترِماً لنفسه ووقته، والله يسمع منه، الكافر إذا احترم نفسه صنع شيئاً، هتلر صرخ بـ النازية وأشغل العالم بها، كان طفلاً صغيراً علق صورته وعليها الزي العسكري والنياشين والبُرَيه، واستيقظ من النوم ووقف وضرب تحية جامدة لنفسه ثم خرج من الباب، احترم شخصه ونفسه، ولا أقول هذا مثلاً لأبناء المسلمين؛ لكن يوجد -أيضاً- هدفٌ للكفار، وهو في المسلمين من باب أولى، وُجِد من أبناء المسلمين من احترموا أنفسهم، واحترموا قدراتهم، وحققوا شيئاً. فلا بد أن تحترم وقتك وتحترم شخصيتك وتحقق، لا تقل: أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً. شرط العمل لهذا الدين: العلم ولو بمسألة واحدة، (نضَّر الله امرءاً سمع منا مقالة -لم يسمع كتاب العبادات كله أو كتاب المعاملات كله، لا، ولا مسألة واحدة- سمع منا مقالة فوعاها فبلغها كما سمعها فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع). من أطرف وأجمل ما عرفتُ ما حدثني أحد الإخوة أن رجلاً كبيراً في السن كان لا يعرف من الحديث إلا أقل القليل، ويحفظ ما صح في آخر صحيح البخاري -وكل صحيح البخاري صحيح لا يشك أحد في هذا-: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) فكان ذلك الرجل الشائب الكبير الطاعن في السن إذا جلس الجماعة عنده في البيت يقول: يا إخوان! اذكروا الله وصلوا على النبي، يقول الرسول ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) فيسبحون الله ويحمدونه وينال أجرهم، يخرج من بيته يقابله أحد يقول له هذا الحديث، ويدخل على البقال، فيقال له: ماذا تريد يا أبا فلان؟ قال: تعال، فإذا دنا منه قال الشيخ: يقول ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) يعني: حيثما ذهب يدعو بهذه الكلمات التي علمها حتى مرض في آخر حياته، وفي مرضه الأخير يغشى عليه من السكرات، فأفاق من سكرة من السكرات، وإذ بالطبيب واقف فوق رأسه فأمسك بيد الطبيب قال: يا دكتور! يقول ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) ثم أدركته المنية وتشهد: أشهد أن لا إله إلا الله، وفاضت روحه إلى ربه، فتأثر ذلك الطبيب والتزم واستقام بسبب ذلك الموقف. فيا إخوان: دعوة الإنسان بما يعلم فيها خير عظيم، لكن مع الحرقة والإخلاص، والله جل وعلا ينفع ويحقق.

стр. 78

ليس من شرط الحق أن يقبله الناس جميعاً السؤال هناك بعض الشباب يقولون: إن توبة الشاب التي ذكرتها في شريط توبة صادقة لا تخلو من الزيادة والمبالغة، وإنه لا يمكن أن يحدث مثل ذلك، أرجو منك يا فضيلة الشيخ أن تجيب عن هذا؛ لأنه لو أن من لا يقتنع بصحته قد يؤثر على مَن سمعها وجزاك الله خيراً! الجواب والله -يا إخوان- ليس من شرط الحق أن يقبله الناس كلهم، يقول النبي ﷺ : (ورأيت الأنبياء، ورأيت النبي ومعه الرجل) نبي مؤيد بالوحي، والمعجزة والكرامة من الله، ما تبعه إلا رجل؟! يعني: أهذا النبي يقول باطلاً، يقول كذباً؟! أيُعْقَل هذا؟! أبداً، هو يقول حقاً؛ لكن لم يتبعه الناس، يعني: ليس من شرط الحق أن يلتزم به الناس كلهم، من الناس من حقت عليه الضلالة، (ورأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد) إلى آخر ما جاء. فحينما نورد قصة من الواقع: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف:١١١] في قصص الأنبياء السالفين عبرة؛ ولكن أمرنا أن نستلهم العبر لما يحدث: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [النمل:٦٩] ننظر ماذا يحدث في هذا الكون ونعتبر بما حل فيه، والله جل وعلا يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١] وضرب المثل من الواقع أمرٌ مشهود: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] فضرب المثل والإخبار بالواقع أمرٌ شرعيٌ لا نزاع ولا جدال فيه. فإذا جاء من يصدق بمخالفات المطربين، وخرافات المشعوذين، أو من عَجَز عقله عن تصور توبة وأوبة وخشوع ورجعة إلى الله جل وعلا؛ إذاً من باب أولى أن يقول: أن قصة الغامدية وقصة ماعز التي حصلت كذب، إذا صح السند فما لك إلا التصديق، وأقل الأحوال إذا لم يطمئن قلبك للشيء فاسكت، اجعل غيرك يعتبر، وانظروا إلى هذه القصة، يعني: لا أنسب لي فضلاً فيها، الفضل لله جل وعلا، ثم لمن أخبرني بها، أنا مجرد ناقل، والذي أخبرني هو الذي عاشر القصة من أولها إلى آخرها، وهو ثقة ورجل صالح مستقيم ولا نزكي على الله أحداً. فيا إخوان حينما يوجد من يقصُر عقله عن تصور حقائق أكبر من شخصيته، هذا لا يلام، مسكين، يبقى على قصوره؛ لكن كم عدد الذين تأثروا؟ كم عدد الذين أعلنوا توبتهم؟ كم عدد الذين استجابوا؟ الحمد لله هم كثير، فلا يكون مثل هذا وغيره سبباً في التشكيك وعلى أية حال ليس من شرط الحق أن يقبله الناس كلهم.

стр. 79

حكم الوديعة إذا كانت منكراً السؤال هذا شابٌ يقول: إنه يستمع إلى الأغاني وقد تركها على إثرِ سماع موعظة لأحد المشايخ -أثابهم الله- ولكنه محتفظٌ بالأشرطة ولم يكسِّرها، وقد أودعها عند أحد أصدقائه أمانة فيقول: هل عليَّ إثم بذلك؟ الجواب لماذا أودعها؟! هل وضع له خط رجعة؟! تعرفون أن الأشرطة أمرٌ سهل، مجرد جهاز مغناطيسي يدخل الشريط من هنا ويخرج من هنا وجميع المادة الموجودة فيه تكون قد محيت وانتهت، فما عليه إلا أن يسجل على جميع المواد التي عنده مادة نافعة من كلام الله جل وعلا وسنة نبيه ﷺ ؛ من المحاضرات والخطب والندوات، والأمور النافعة، والأناشيد الإسلامية، كل هذا فيه خير ويسمعه ويستفيد، أما أن يكسرها أو أن يتركها، فقد يأثم أنه أودع أمراً فيه منكر وقد يسمعه هذا، فعليه أن يستردها، وأن يحل محل المادة السيئة مادة طيبة نافعة، سئل فضيلة الشيخ عبد المحسن العبيكان في مسجدنا في درس أسبوعي له بعد صلاة العشاء من يوم السبت، قيل: يا شيخ! إن صديقاً لي أودعني أشرطة فيديو خليعة -وكان درس الشيخ في كتاب العدة في باب الوديعة- وأنا التزمت الآن ولا زالت الأشرطة عندي، تبتُ إلى الله واستقمت والأشرطة عندي، وهذه وديعة، فقال الشيخ: امسحها وردها عليه، يعني: المنكر يُزال، والأمانة تعود، فهذا من أجمل ما سمعت.

стр. 80

بر الوالدين وحسن معاملتهما السؤال يلاحظ على بعض الشباب الملتزم حسن أخلاقه ومعاملته لزملائه وأصدقائه، إلا أنه مع والديه سيئ المعاملة غير مبالٍ بهم، فهل من كلمة توجه بها أمثال هؤلاء ممن فرطوا في بر والديهم وبيان عاقبة العقوق الوخيمة أثابك الله؟ الجواب والله يا أحبابي إن مَن وُجِد أبوه أو أمه وهما في حال الكبر؛ خاصة إذا كانا عنده في بيته والله إنها كرامة ونعمة وفضل لا يحلم به، ولن يعرف ذلك إلا إذا فقدهما، هما بابان من أبواب الجنة، فمن شاء فليلزم ومن شاء فليترك، في بعض الآثار أن الأم إذا ماتت نادى منادٍ: ماتت التي كنا نكرمك لأجلها فاعمل صالحاً تكرم به. يا إخوان: الوالدان شأنهما عظيم، وقد قُرن حقهما بحق الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] شأنهم عظيم جداً جداً، والبعض يتعامل مع أبيه كمن يتعامل مع تحفة، على مرور الزمن أصبح شيئاً عادياً بالنسبة له، كما قيل لأحدهم: هذا أبوك؟ قال: من زمان وهو عندنا، يعني: مليت منه؟! لا. يا أخي نعمة من الله جل وعلا، أن تصبح كل صباح فتقبل جبينه وأنفه، أن تقبل حذاءه، أن تقبل ظهر كفه، أن تتلطف معه، وتخفض الجناح، وتليِّن العبارة له، وتقدم الطعام، ألذ ما تشتهيه إذا وقعت عينك عليه ووالدك معك في مائدة، أو على إناء، أن تأخذه وتقدمه له، وتقدمه لأمك، إذا اصطُفِيتَ بشيءٍ أو مُنِحتَ شئاً جميلاً فتذكر نصيب والدك ونصيب والدتك منه، يعني: تتبع هذا الرضا حتى تلقى الله جل وعلا بهذا البر، وما من عملٍ أسرع من أن يرى الإنسان بركته في الدنيا مثل بر الوالدين، وصلة الرحم، وما من عملٍ أسرع من أن يرى الإنسان شؤمه وعقوبته في الدنيا مثل: عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم. أنا أذكر من مدة أن رجلاً جاء إلى المسجد فقال: يا أخي! أنا ولدي فلان مع الملتزمين وفيه خير وديِّن. وما هي المشكلة؟ لكن لا أراه، لم يعطنا وجهه أبداً، ما هذا الدين الذي عنده! أنا أعرف أن الدين بر ولطف ومعاملة. لكن لا بد أنك تحلم عليه وتصبر عليه، والحمد لله ولدك خيرٌ من كثير من الفساق الفجرة، أو من الذين تورطوا وشوهوا سمعتهم وأسرهم بالمخدرات والفساد والأمور الخبيثة؛ لكن عليك أن تنصح بالتي هي أحسن، أو توجه من حوله لأنه لا يزال تحت تربية مَن يؤثر عليه، فتنال إن شاء الله حسن بره وحسن صلته. فأوصي نفسي وإخواني: عاملوا آباءكم وأمهاتكم كما يعامل خدم الملوك الملوك، إذا أراد الملك أن يخرج من الباب تجد ستين ممن يقدم حذاءه، أنت قدم حذاء والدك، قبِّل يده إذا سلمت عليه، إذا كان في مجلسٍ إياك أن تكون في الصدر وهو في طرف المجلس أو في جنبات المجلس، هو الذي يكون في الصدر، تُفْسح له، تقدمه في خروجك، تحمل الثقيل عنه، لا يمكن إلا أن تعامله كما يعامَل الملوك في الحاشية، هذا خيرٌ لك، وستجد ذلك عند الله جل وعلا.

стр. 81

الوسائل المساعدة على قيام الليل السؤال وهذا سائلٌ يسأل عن الوسائل المساعدة على قيام الليل يقول إنه حاول لكنه لم يتمكن! الجواب والله يا أخي! لا أقول: (فاقد الشيء لا يعطيه) لكن الله يرحم الحال! لكن هنا سؤال لمن يسأل عن هذا الأمر: هل يشعل النار بعد صلاة العشاء ويقطع الصدر، ويشوي، ويلاحِظ هل أنه استوى من هنا أو من هنا؟ يعني: أن الذي يريد أن يقوم الليل عليه أن ينام مبكراً، ويستعد لقيام الليل، تجد الواحد من السهولة عليه أن يجلس ساعة وساعتين يحدث فلاناً وفلاناً، والله يا إخواني نتحدث عن عيوب أنفسنا، وإذا جاءت ساعة يريد أن يصلي فيها ركعتين، أو يوتر قبل بزوغ الفجر، أخذ يتقلب ستين قلبة على فراشه القطيفة، ما طلع ليصلي، وما قام ليصلي، مصيبة والله! ولو نام مبكراً متوضئاً طاهراً استعان بالله جل وعلا، لكن أصبح السهر بعد العشاء مصيبة لا يمكن أن ننفك عنها أبداً، حتى أن البعض لو أراد أن ينفك ما تركه الناس، يُعَلَّقُ هذا البوري قليلاً، مرتين وثلاث فتبلغ هذه الضربة نشوة في نفسه فينزل فوراً ناسياً ما أراد وما خطط أن يفعله. فالذي يريد أن يقوم الليل -لا شك- الذي أراد أن يقوم من باب أولى أن يكون حريصاً على صلاة الفجر مع الجماعة، وهذا أمرٌ مفروغ منه، لكن أقول: إذا نام مبكراً فإنه سيحصل خيراً إن شاء الله، وعليه أن يهيئ الجهاز المنبه وأن يستعين ببعض العبادات إذا عجز عنها، وأن يتعاون مع بعض إخوانه، يعني: إذا لم يحب أن يصوم وحده ويصعب عليه فحوله أربعة أو خمسة من الجيران والشباب: يقول لهم: ما رأيكم أن نصوم الإثنين القادم؟ اتفقنا، استعنا بالله. فاجتماعكم على هذه العبادة لا يُعَد رياءً ولا يُعَد بدعة، أعان بعضكم بعضاً على عبادة مشروعة، كذلك قيام الليل، إذا أردت قيام الليل وتريد من يعينك على هذا ابحث عن أقرب أحبابك وإخوانك في الله، فتتعاون أنت وإياه على ذلك، إذا جاء قبل الفجر بساعة؛ كلٌّ نزل والتقيتم بالمسجد المجاور أو في مكان أحدكم، وصليتم لله جل وعلا ما قُسِم لكم، هذا فيه خير عظيم.

стр. 82

التحذير من الفتن لا تخفى على مسلم تلك الفتن التي انتشرت في الأسواق، بل ودخلت إلى أعماق البيوت، حتى صار القابض على دينه كالقابض على الجمر، وفي هذه المادة زجر عن أسباب الفتن، وذكر لما يخرج الناس منها أو يقيهم الوقوع في أوحالها، فاقرأ لعل الله يوفقك إلى الخير.

стр. 83

معاني الفتنة لغة واصطلاحاً الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، وإن من أجل نعم الله علينا أن تجتمع هذه الوجوه في هذا المكان الطيب المبارك لا ينتظر أحدنا ريالاً ولا ديناراً ولا درهماً (فتقول الملائكة: يا ربنا! اجتمع عبادك هؤلاء يذكرونك، ويسبحونك، فيقول الله جل وعلا: ماذا يسألون؟ فتقول الملائكة: يسألونك الجنة -والله ما جئنا إلا نريد الجنة، والله ما اجتمعنا إلا طلباً للجنة، والله ما ركعنا وسجدنا إلا ابتغاء رضوان الله في الجنة والنجاة من النار- فيقول الله جل وعلا للملائكة: وهل رأى عبادي جنتي؟ فتقول الملائكة: لا يا ربنا ما رأوها، فيقول الله جل وعلا: كيف لو رأوا جنتي؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد طلباً لها، فيقول الله جل وعلا: ومما يستعيذ عبادي هؤلاء؟ فتقول الملائكة: يستعيذون بك من النار، فيقول الله جل وعلا: وهل رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: لا يا ربنا). ووالله ما اجتمعنا هاهنا إلا لنسأل ربنا النجاة من النار، نسأل ربنا النجاة يوم العرض الأكبر على الله، نسأل ربنا النجاة يوم يمر العباد على الصراط؛ منهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم من تدركه كلاليب جهنم فتخطفه إلى النار ولا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم يا مطلعاً على ما يعمل عبادك نشهدك ربنا أنا ما اجتمعنا هنا إلا لنستعيذ بك من النار ولنسألك الجنة، إنك هديتنا إلى الإسلام وما سألناك، فأعطنا الجنة وقد دعوناك، ونجنا من النار وقد رجوناك. تتمة الحديث -أيها الأحبة- يقول الله جل وعلا للملائكة: (وهل رأى عبادي ناري؟ فتقول الملائكة: لا يا ربنا، ما رأوها، فيقول الله جل وعلا: كيف لو رأوا ناري؟ -كيف لو رأوها وهي تجر بسبعين ألف زمام، لكل زمام سبعون ألف ملك، ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢]- كيف لو رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد خوفاً وهرباً منها، فيقول الله جل وعلا: أشهدكم أني غفرت لهم). الله أكبر يا عباد الله! الله أكبر يا إخواني في الله! ليخرجن برحمة الله هذه الساعة من هذا المسجد شباب ورجال لم يكتب عليهم سيئة وقد غفرت لهم خطاياهم التي مضت (أشهدكم أني غفرت لهم) فتقول الملائكة: من بينهم في هذا المكان، وفي هذا الصف، وفي تلك الناحية، قوم ما جاءوا يستمعون الذكر، وإنما جاءوا لأغراض أخرى، فيقول الله جل وعلا: (ولهم غفرت أيضاً، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم). الله أكبر يا عباد الله! ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] من ذا الذي يتعرض لها؟ من ذا الذي يتعرض لنسماتها ونفحاتها؟ إن كثيراً من العباد عنها لفي غفلة. أيها الأحبة! لا أزال أكرر وأردد في كل مناسبة، أن حضور الندوات والمحاضرات في المساجد له شأن أبلغ من استماعها في الأشرطة والمسجلات، نعم، إذا فاتتك الموعظة، فينبغي لك ألا تفوتك الفائدة من سماعها، فتشتري شريطها فتسمعه، ثم تهديه وتدفعه إلى من لم يسمعه، ولكن الحضور له شأن آخر حيث تحضره الملائكة، ويذكر الله من حضره في ملأ أزكى وأعظم منهم، وتغشاهم السكينة، وتتنزل عليهم الرحمة، هذا أمر لا يكون في سماع الأشرطة في المسجلات، وعلى أية حال ففضل الله واسع. أيها الأحبة! الحديث كما تفضل الشيخ مقدم هذه المناسبة الطيبة جزاه الله خير الجزاء عن الحذر من الفتن، والفتن -أيها الأحبة في الله- تطلق ويراد بها معان عدة، يقول ابن منظور في لسان العرب: فتن من الفتنة، وهي: الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها مأخوذ من قولك: فَتَنْتُ الذهب والفضة إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد، ويقال: دينار مفتون، أي: مميزٌ، والله جل وعلا قد ذكر الفتنة في مقامات مختلفة، ومواضع عدة من كتابه، فمنها قول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات:١٣] أي: يحرقون. وترد الفتنة بمعنى الاختبار، وترد بمعنى المحنة، وترد بمعنى المال، وترد بمعنى الأولاد: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] وترد الفتنة بمعنى الكفر: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١] وترد الفتنة بمعنى الناس، وترد الفتنة بمعنى المغالاة في الطلب، كقولهم: فلان رجلٌ مفتون بالدنيا، أي: مغال في طلبها، وترد الفتنة بمعنى الإعجاب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:٨٥] أي: لا تجعل لهم نصراً علينا فيعجبون بهذه الفتنة وهي نصرهم علينا، وترد الفتنة بمعنى الوله والمحبة، إذا فتن الرجل بالمرأة وشغف بها حباً. فالفتنة يراد بها معان عدة من حيث اللغة، وإذا أردنا بحثها في مجال الاصطلاح والشريعة، فإنها تكاد تنحصر حصراً اجتهادياً في أمرين: فالأمر الأول: فتنة الرجل في ماله وأهله وولده، وما يعرض له في هذه الدنيا. والأمر الثاني: الفتنة بمعناها الأعظم وهي: ضياع الناس وهرجهم ومرجهم، وتخبطهم في بعضهم، وسفك دماء بعضهم لبعض، وغياب الإمامة العظمى، أو ضياع الخلافة أو الرئاسة والملك، فإذا وجد قوم بلا خليفة أو رئيس أو ملك، ثم تخبط بعضهم في بعض يقال: هؤلاء في فتنة، أي: أنهم ضاع أمرهم، وفتن بعضهم ببعض ولا حول ولا قوة إلا بالله، والفتنة واردة لهذه المعاني المجتمعه.

стр. 84

الأحاديث الواردة في الفتن تفضل مقدم هذه المحاضرة جزاه الله خيراً، بإيراد الحديث الصحيح، وهو قول النبي ﷺ : (إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل) هذا مما أخبر به النبي ﷺ ، وقوله ﷺ : إن بين يدي الساعة، أي: إن من مقدماتها، وإرهاصات ومقدمات نزولها وقيامها، أن توجد هذه الفتن، وهي الفتن التي نراها في زمننا هذا، فتن ماجت في الناس واضطربت، وتلاطمت أمواجها فيما بينهم، في أرحامهم، في آبائهم وأمهاتهم، في منازلهم، في أسواقهم، في مجتمعاتهم، فيما يسمعون، فيما يأكلون وفيما يشربون، فتن الناس بأعظم فتنة حتى شاع المتشابه بينهم، وقل الحلال عند كثير منهم، وأصبح الحرام سهلاً ميسوراً عند بعضهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! يقول النبي ﷺ : (إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) وهذه الفتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فاكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم، أي: فليكن كهابيل الذي تهدده أخوه قابيل بالقتل، فقال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة:٢٨ - ٢٩] ولا حول ولا قوة إلا بالله! ويقول النبي ﷺ : (ألا ستكون فتن، ألا ستكون فتن، ألا ستكون فتن، فمن كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، قيل: يا رسول الله! فمن لم يكن له إبل ولا غنم؟ قال: يعمد إلى صخرة فيدق سيفه عليها -أي: يكسر سيفه- ويعتزل هذه الفتن أجمع) وكان الصحابة رضوان الله عليهم وهم قريبون من عهد النبوة، وهم حديثو عهد بالنبوة يتساءلون فيما بينهم عن شأن هذه الفتن وعن أمرها. جلس عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم، فقال: (أيكم يحفظ حديث النبي ﷺ في الفتن؟ فقال حذيفة بن اليمان، وهو أمين سر رسول الله ﷺ : أنا أحدثك عنها يا أمير المؤمنين! فقال عمر: والله إنك لجريء، حدثنا عنها، فقال حذيفة: سمعت الرسول ﷺ يقول: فتنة الرجل في أهله وولده وماله يكفرها الصلاة، والصيام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال عمر: ما عن هذا سألتك، وإنما سألتك عن الفتن التي تموج كموج البحر، فقال حذيفة: نعم يا أمير المؤمنين! وإن دونها باباً، قال عمر: أيكسر أم يفتح؟ فقال حذيفة: بل يكسر يا أمير المؤمنين! فقال عمر: لا أبا لك) وهذه الكلمة مما يرددها العرب ولا يقصدون معناها، كقولهم: تربت يمينك، أو ثكلتك أمك، أو لا أبا لك، مما يقال لفظاً ولا يقصد معنى. قال حذيفة: بل يكسر يا أمير المؤمنين! فعلم عمر بن الخطاب ﵁ أنه بموته يقع في الأمة فتنة عظيمة، وسئل حذيفة ﵁ هل كان عمر بن الخطاب يعلم أنه هو الباب؟ فقال حذيفة: نعم. إن عمر يعلم أنه هو باب الفتنة، أي: إذا قتل عمر فبعده ينفتح باب الفتنة، ثم بعد ذلك يموج الناس ويكون في شأنهم ما يكون، وفي هذا عبر ومواعظ، إذا حصلت الفتنة والناس بعد خليفتين من خلفاء رسول الله ﷺ ، فما ظنكم بالفتن في زماننا هذا. ولا أزال أسرد عليكم مزيداً من الأحاديث التي اخترتها في باب الفتن، قال حذيفة ﵁: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، قال حذيفة: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف فيهم وتنكر. فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم -هذا هو باب الفتنة- قال رسول الله ﷺ : نعم. دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا، فقال: نعم. أصفهم لك -يقوله النبي ﷺ قال: إنهم من جلدتنا -يلبسون هذه المشالح، ويلبسون هذه الثياب، وهذه الغتر والعقل، أو من سائر ما يلبس الناس من القمص وغيرها- ويتكلمون بألسنتنا. فقلت: يا رسول الله! فما تأمرني؟ قال ﷺ : عليك بجماعة المسلمين، واعتزل تلك الفرق، قلت: فإن لم يكن للمسلمين يومئذ جماعة ولا إمام، قال: تعتزل تلك الفرق، ولو أن تعض بأصل شجرة) هذا حديث عظيم في باب الفتن. وكذلك الحديث الآخر الذي يرويه حذيفة أيضا لما سأله عمر في رواية أخرى عن شأن الفتن، فقال حذيفة: سمعت النبي ﷺ يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها -أي أنكر الفتن- نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر -أي: والقلب الآخر- أسود مرباداً، كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً). أيها الأحبة في الله! الأحاديث في شأن الفتن كثيرة جداً، ولكن حسبنا أن نتأمل فقه ما أوردناه من هذه الأحاديث، أما الأحاديث الواردة في الفتن العظمى، فأنتم ولله الحمد والمنة في هذا المجتمع الذي تعيشون فيه لستم إلا في باب الفتن التي تعرض على قلوبكم في أعمالكم، وأولادكم، وأسواقكم، وأموالكم، ومآكلكم، وفي مشاربكم، أما الفتن بمعناها الأعظم وهو: القتل والهرج، وتخبط الناس في دماء بعضهم، هي واقعة في هذا الزمان، لكن هذا المجتمع بفضل الله قد سلم منها، ولا يشترط أن تكون السلامة برهاناً أو ضماناً لدوام سلامة المجتمع، فكل شيء جائز، وإن الأمور بأسبابها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فإذا أخذ الناس بالأسباب التي تبعدهم عن الفتن حفظهم الله منها، وإن أهمل الناس شأنها تورطوا ووقعوا فيها، والأمثلة في ذلك كثيرة، انظروا الآن ما يدور في لبنان، والله إن الذي يحمل السلاح ويطلق النار لا يعرف لماذا يقتل؟! والمقتول لا يعرف فيم يقتل؟! وفي أماكن كثيرة من بلاد المسلمين القاتل لا يدري لم قتل، والمقتول لا يدري فيم قتل، وهذه من الفتن العظيمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وفي بلاد المسلمين أمثالها كثيرٌ، إلا أن الله قد نجى هذه الرقعة وهذه البلاد من هذه الفتنة، ولا نقول ذلك مديحاً أو ثناء، وإنما هو إخبار بالواقع، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. ليس على الله ضمان للعباد أن يبقوا على ما هم عليه، بل إن الله جل وعلا جعل الأمور بأسبابها، بسنن كونية، فإن هم أطاعوه حفظهم وأعزهم، وإن هم ضيعوا أمره وكلهم إلى أنفسهم، وحسبك بامرئٍ هلاكاً أن يكله الله إلى نفسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

стр. 85

تفاوت الناس في الإيمان أيها الأحبة! ثم ندخل في باب الفتن التي تعرض لكل واحد منا في نفسه وأهله وماله وبيته، الفتنة كما قلنا في المقدمة هي من باب الامتحان، ومن باب الاختبار، ومن باب الابتلاء لكي يثبت من يدعي صدق الإيمان ممن يتزيا ويتزين به، ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، لو قلنا: من المسلم فينا؟ كلٌ يرفع يده، ونحن إن شاء الله مسلمون على التحقيق والتصديق. من المؤمن فينا؟ كلنا مؤمنون، الذي يثبت ويصدق برهان إيمانه أدنى فتنة؟ والله لتجدن القليل من البشر هم الذين يبرهنون على صدق إيمانهم عند الفتن. أيها الأحبة في الله! أبسط الأمثلة على ورود الابتلاء والامتحان والفتنة، كما في الحديث (تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً) وفي رواية: (عَوداً عَوداً) أي: مرة بعد مرة، هذه الفتن شبهت في صغر حجمها ودقتها، وتراص بعضها ببعض، كما يتراص أعواد الحصير في نسجه المتكامل، تعرض الفتنة على الواحد من بداية يومه حتى يمسي، فأول ذلك يوم أن يسمع داعي الله: حي على الصلاة حي على الفلاح، هذا نوع ابتلاء وامتحان، من الذي يغلب إيمانه وسادته وفراشه؟ إيمان لا يغلب الوسادة أحقٌّ أن يدعى إيمانا؟ إيمان لا يغلب الفراش والوسادة أيسمى إيماناً ويدعي صاحبه به ويتزين؟! كلا والله -يا عباد الله- هذا إيمان ضعيف جداً. نحن لا ننفي الإيمان بالكلية عن مؤمن من المؤمنين، أو مسلم من المسلمين؛ لأنه مهما ارتكب من المعاصي فلا يزول عنه الإيمان بالكلية، وإنما يقل الإيمان عنده إلى درجة قليلة جداً جداً، وهذا ما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما تكلم عن حديث النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) قال: هذا الحديث لا يدل على أن الإيمان يزول بالكلية، أي: يصبح الإنسان فاسد الإيمان؛ لأننا لو قلنا: ضاع الإيمان بالكلية فمعناها أنه لم يعد يؤمن بالله ولا برسول الله ولا بالقدر والبعث، ولكن يقل الإيمان عنده إلى درجة قليلة قليلة جداً. فالناس يتفاوت الإيمان في قلوبهم بحسب نور لا إله إلا الله في قلوبهم ذاتها، بحسب نور هذه الكلمة في قلوبهم، فمن الناس من يغلب إيمانه على نومه، فإذا سمع داعي: حي على الصلاة حي على الفلاح: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] كان الفراش حريراً وثيراً، كان الفراش ناعماً، كان الضجيع جميلاً، فلما سمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح، انقلب الحرير جمراً، والنعومة خشونة؛ لأنه دعي إلى ما هو ألذ وأطيب، دعي إلى ساحات السجود والركوع، وإلى أماكن التسبيح والتهجد لله جل وعلا، وحضور الصلاة مع الجماعة: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].

стр. 86

نماذج من السلف في صدق الإيمان والثبات عند الفتن نعم يا عباد الله! نحن ندعو ربنا خوفاً منه، وطمعاً في جنته، لا كما يزعم مخرفة الصوفية، يقولون: أنا أعبد الله؛ لأنني أحبه هو، ليس حباً في جنته أو خوفاً من ناره، بل أنا أحبه!! لا، لن نكون بأي حال من الأحوال أكرم وأطوع لله وأقرب من أنبيائه الذين أثنى عليهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] رغبة فيما عندنا من النعيم، ورهبة فيما أعددناه للعصاة من الجحيم والعذاب. جاء أعرابي إلى الرسول ﷺ فقال: (يا رسول الله! أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ؛ لكني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، فقال ﷺ : يا أعرابي! أنا ومعاذ حولها ندندن) نسأل الله الجنة وتعوذ بهم من النار. فيا أيها الأحبة في الله! من الناس من تغلبه فتنة النوم والفراش والضجيع، فلا يقوم ليسجد لله مع المصلين صلاة الفجر، أين دعوى الإيمان؟ أين الذين يرغبون في الجنان؟ أين الذين يريدون الفردوس؟ أين الذين يريدون لذة النظر إلى وجه الله الكريم؟ أين الذين يريدون شربة لا يظمئون بعدها أبدا؟ أين الذين يريدون أن يكونوا في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله؟ تريدون هذا كله ومع ذلك تأتون بإيمان يعجز أن يقاوم فراشاً ووسادة، غلبت فتنة النوم والوسادة والفراش على هذا القلب، حتى لان لها، وترك أمر الله تحت وسادته وظهره ظهرياً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! ثم بعد ذلك يصبح أحدنا ليتوجه إلى عمله أو إلى أي مكان آخر، فيدير مذياع سيارته، فإما أن يسمع كلام الله، وإما أن يسمع الغناء والطرب واللهو ومزمور الشيطان، هذه ثاني فتنة تقابلك، الفتنة الأولى جاءت إليك في الفراش، الفتنة الثانية موجودة في السيارة، أدرت مذياع السيارة، إما أن تسمع غناء، وإما أن تسمع دعاء وقرآناً وكلاماً يرضي الله جل وعلا، تبدأ الفتنة، الاختبار، الابتلاء، الامتحان، هذا الإيمان الذي ندعيه في القلوب، هل يستطيع أن يغلب موجة الإذاعة إلى إذاعة القرآن الكريم، أم أن الشيطان يغلب بهذه الفتنة صاحب القلب المريض؛ فيعود بهذه الإذاعة يمنة أو يسرةً حتى يبحث عن المزمار والطرب، وعن الملهاة عن ذكر الله جل وعلا؟ في الغالب عند كثير من الناس لا يحلو له النوم إلا على أنغام الموسيقى الهادئة، ولا يحلو له ركوب السيارة إلا على أوتار الأنغام الخالعة، ولا يحلو له النزول إلا على مثلها. الفتنة الثانية سهلة وبسيطة ويسيرة، ومع ذلك يدعي الإيمان ويعجز أن يختار كلام الله على كلام المطرب والمطربة والمغني والمغنية، فأين الإيمان؟ هل ثبت الإيمان أمام هذه الفتنة؟ هل ثبت الإيمان أمام هذا الابتلاء؟ لا والله هذا إيمان ضعيف، هذا إيمان مدخول، هذا إيمان فيه دخن ودخل. ثم بعد ذلك ينزل صاحب هذه السيارة إلى متجره أو سوقه أو عمله، فتقوده نفسه اللوامة إلى أن يخلص في العمل، إلى أن يغض بصره، إلى أن يحسن معاملته، إلى أن يتقي الله فيمن يقابلهم، لكن نفسه الأمارة بالسوء مع هذه الفتنة تغلبه، فلا يغض بصره، فأين الإيمان وهو لم يستطع أن ينتصر على نظرة، الفتنة غلبت دعوى الإيمان: والدعاوى إن لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء كلنا ندعي الإيمان، لكن أين الذي يثبته ويبرهنه؟ أين الذي يصمد إيمانه أمام المحنة؟

стр. 87

سعد بن أبي وقاص وثباته على الدين عند إسلامه آمن أحد الصحابة رضوان الله عليهم بنبوة النبي ﷺ لما بلغته، وكانت أمه عنيدة، كانت عجوزاً كبيرة شمطاء، فلما علمت أنه آمن أرادت أن تفتنه وتصرفه عن الإيمان بالنبي ﷺ ، فقالت: يا ولدي! والله لا أستظل بظل، ولا أسيغ شراباً، ولا أذوق طعاماً، ولا أمشط شعراً، حتى تترك دين هذا الصابئ، أو أمضي على ذلك، أي: إما أن تترك دين محمد، وإلا فسأظل في الشمس، ولن أشرب شيئاً، ولا آكل شيئاً حتى تترك دين محمد، فالتفت إليها وقال: يا أماه! والله لو أن لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً، ما تركت هذا الدين، ولكن عودي إلى الظل فاستظلي، وكلي واشربي وامشطي شعرك، هذا أفضل لك أنك تعودين إلى الظلال وتأكلين وتشربين، وتربحين العافية، أما أنك تظنين بهذا الأسلوب أني سأترك دين محمد، والله لو كان لك مائة نفس ما تركت دين محمد. هكذا يصمد الإيمان أمام الفتن، هكذا تظهر دعاوى الإيمان ويظهر صدقها وبرهانها أمام الكير وأمام النار، أمام الصقيل الذي يظهرها ويميز صحيحها من سقيمها، وزائفها وصادقها من كاذبها.

стр. 88

خبيب بن عدي وثباته أمام فتنة قريش حتى قتل جيء بـ خبيب بن عدي، وصلب على خشبة، وجعلت سهام قريش تخطيه يمنة ويسره، يريدون أن يخاف، شخص لا حول ولا وقوة إلا بالله لو يصلب في هذا العمود، ثم يؤتى بأربعة جنود يطلق أحدهم رصاصة عن يمينه، ورصاصة عن يساره، ورصاصة فوق، ورصاصة تحت، هاه أتترك هذا الدين أو لا تترك هذا الدين؟ سيقول: يا جماعة موافق أطلقوني فقط، تجده ولا حول ولا قوة إلا بالله ممن لا يصدق في دعوى إيمانه، بل يتنازل عند أتفه شيء. جيء بـ خبيب بن عدي وصلب على خشبة، وجاءت قريش برجالها ونسائها وسفهائها، وجعلت السهام تتخطاه يمنة ويسره، فقيل له: أيسرك أن محمداً مكانك؟ معناها: دع محمد ينفعك، انظر ما أنت الآن فيه، وهكذا يأتي المرجفون المثبطون إذا وقع أحد الصالحين في نوع من البلاء أو الفتنة، إنسان قد يكون عنده أسهم ربوية، إنسان قد يكون عنده تجاره محرمة، ثم يأتي من ينصحه يقول له: يا أخي! اتق الله! فتنة المال لا تغويك، فتجد هذا الشاب أو هذا الرجل يبرأ إلى الله من الحرام، ويقنع بالحلال فيفاجأ بنوع ابتلاء وامتحان، فتصيبه فاقة وفقر، وقلة ذات اليد، فيأتي المرجفون الذين يتحدثون، دع دينك ينفعك، لو عندك أسهم في البنك، وأنت كل سنة تأخذ أرباحها، وتصرف على نفسك، وتسدد الكهرباء والماء والهاتف، وتصلح جميع هذه الأمور من هذه الأسهم، لكن دع هذا الذي ينصحك ينفعك الآن. جاءت قريش تقول لـ خبيب: هل يسرك أن محمداً مكانك؟ يختبرونه وفي نفس الوقت يعرضون بالنبي أمامه، فأخذ يضطرب ويبكي ويقول: لا، لا. ولا أن يشاك بشوكة في بدنه ﷺ ، لا أرضى أن يكون محمد مكاني، ليس في القتل بل في شوكة يشاكها في بدنه لا أرضى، وكان أول من سَنَّ سُنة ركعتي الشهادة؛ لأنه لما أرادوا أن يصلبوه، قال: اتركوني، ثم صلى ركعتين، تجوز فيهما، أي: أسرع، فقال: لولا أن تقول قريش: خاف من الموت، لأطلت في ركعتي هاتين، ثم قال أبياتاً: لقد جمع الأعداء حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمعِ ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع نعم يا عباد الله! ثبت ذلك الصحابي حتى تخطفته الرماح والسهام، وأفضت روحه إلى بارئها، ثبت إيمانه، دعوى الإيمان خرج صدقها، وظهر برهانها، وهكذا ربى النبي ﷺ صحابته على إيمان يقاوم الفتن، أما إيماننا -أيها الإخوان- نسأل الله ألا يفتننا في ديننا. يا إخوان! مثلما يقول العوام: "الإيمان في القلوب" والله إن فُتِن لرأيت العجائب والمصائب ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا بليتم فاصبروا، لا تتمنوا الفتنة واسألوا الله العافية، لا ينبغي لأحد أن يعرض نفسه للفتنة ليقول: أنا أريد أن أعرف درجة نجاحي في الإيمان، لا، لكن الإنسان يصدق في دعواه مع الله جل وعلا، وينتبه لنفسه فذلك خير له.

стр. 89

عبد الله بن حذافة وثباته أمام مغريات ملك الروم أحد الصحابة أسره أحد ملوك الروم أو الفرس وهو عبد الله بن حذافة السهمي فلما جيء به أرادوا أن يفتنوه، قبضوا عليه، وهذا من لؤم وشؤم وخبث الكفار؛ لأنه كان معروفاً أن الرسل لا تقتل، المرسول والمندوب والسفير لا يتعرض له أحد، فجيء به ليفتن في دينه، قالوا له: تترك دين محمد؟ قال: لا. فحثوا التراب على رأسه إهانة له، ومن الناس من تؤذيه الإهانة المعنوية أشد من الإهانة الحسية، ومع ذلك رفض، أخذوا يعرضون عليه المال، النساء، المنصب إلى غير ذلك، فرفض، فأمر ذلك الملك رجاله بأن يجمعوا ناراً عظيمة، ويضعوا فوقها قدراً كبيراً فيها زيت يغلي، قيل: ارموا بهذا الرجل في هذا القدر الذي يغلي بالزيت، إما أن يتنازل عن دين محمد وإلا فارموا به في هذا القدر الذي يغلي بالزيت، فلما جيء به إلى هذا القدر الذي يغلي بالزيت ويتقلب، بكى ذلك الصحابي رضوان الله عليه. فقال الملك: قفوا لا ترموه، ائتوني به، قال: بلغنا أنك بكيت، أترجع عن دين محمد؟ قال: لا والله، قال: إذاً لماذا بكيت؟ قال: تمنيت أن لي مائة نفس كلها تموت هذه الميتة! الله أكبر، انظروا عظم الإيمان. وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام النفس الكبيرة عنيدة عظيمة قوية، لا يمكن أن تتنازل على مكافئات أو أموال أو نقود أو سيارات أو مراكب أو توافه، لا. فلما سمع الملك قول عبد الله بن حذافة، مائة نفس تتمنى أن ترمى في القدر نفساً بعد نفس قال: إذاً تقبل رأسي وأعفو عنك، فقال عبد الله بن حذافة: وتعفو عن أصحابي؟ قال: نعم، فوافق على أن يقبل رأسه، فلما عادوا إلى عمر بن الخطاب، علم أن عبد الله بن حذافة ما قبل رأس هذا الرجل وهو يريد السلامة لنفسه، وإنما قبل رأسه من أجل إخوانه من الصحابة، فقال عمر: حقٌ على كل واحد منا أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، فجاء الصحابة رضوان الله عليهم، وقبلوا رأسه واحداً بعد الآخر. أيها الأحبة! الإيمان يثبت عند المحن، يظهر عند الابتلاء، وانظروا الفارق؛ رجل يمتحن إيمانه عند قدر يغلي بالزيت والماء، وآخر يبتلى في إيمانه إلى حد قطع الرقبة وتناوش السهام والرماح له يمنة ويسرة، وآخر يبتلى ويفتن في إيمانه عند وسادة وفراش، فهذا يغلبه الفراش والوسادة، وهذا ينتصر على القدر والعذاب والترغيب والترهيب! أيها الإخوة! الفتن ماضية، والواقع مليء بهذه الفتن، يفتن الرجل الآن في ماله، يقال له: تعال يا فلان! ومن قال لك إن الربا حرام؟ لقد لقينا الدكتور: فلان بن فلان وهو سعودي يقول: إن الربا حلال، فلا تصدق هؤلاء العلماء والمشايخ؟ فيبدأ الرجل تدخله الفتنة، فيقول: إي والله الدراهم المودعة عند المصرف الفلاني، لماذا نودعها بدون فوائد؟ فلابد من أن نجعل لها فوائد، وكما يقول الناس: (ضع بينك وبين النار مطوع) ألم يفت بجوازها الشيخ الفلاني من الأزهر وبهذه الطريقة يفتن الرجل في هذا الباب، فتغلبه فتنة الريال والدينار والدرهم، فيضع أمواله في حساب الفوائد، يصبح حساب وديعة لأجل، إما وديعة متوسطة الأجل، أو وديعة طويلة الأجل، أو وديعة قصيرة الأجل، ونسبة الفائدة بحسب مدة الوديعة، ثم بعد ذلك يأخذ منها. ثم يقال: أي نعم، هذه هي الحياة؛ لا تتعب نفسك ولا هم يحزنون، إذا دارت السنة فاذهب لتأخذ أرباحك، واصرف على أولادك، وجدد سيارتك، وافعل هكذا وهكذا، ثم يفتن الرجل في هذا المال، فينساق لهذه الفتنة ولا حول ولا قوة إلا بالله! فتن عظيمة جداً، يفتن الإنسان فيما يعرض له في هذا الزمن -خاصة الشباب- بأمور المنكرات ومقدمات الفواحش، لا نقول الفواحش مباشرة، مقدمات الفواحش؛ لأنه لا يمكن أن يقع الإنسان في الفاحشة مباشرة، وإنما تكون درجات، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] لماذا؟ لأن الزنا لا يمكن أن يقع فيه الإنسان فوراً، وإنما درجات؛ مكالمة، ابتسام، غمز، التفات، كلام، سلام، اتصال، لقاء، ثم تقع الفاحشة ولا حول ولا قوة إلا بالله. يعرض على بعض الشباب فتنة بأن يسافر للدراسة في الخارج، يكون في إحدى الدول العربية في تجارة أو في علاج، يطرق الباب عليه، ثم بعد ذلك من عند الباب؟ فيسمع صوتاً ناعماً، ويعرف أنها باغية من البغايا، زانية من الزواني، فاجرة من الفاجرات، أفتح لها أو لا أفتح؟ سوف أفتح لها لأنظر ماذا تريد، أنت تعرف أساساً ماذا تريد بالضبط، يبدأ الإنسان يقلب إيمانه على جمر الفتنة، فإما أن يثبت إيماناً صحيحاً، وإما أن ينهار الإيمان، فينساق وراءها حتى يقع في الفاحشة إلى أقصى درجاتها وغاياتها. وقديماً قيل: الزنا أول امرأة، إذا وقع الزنا بالمرأة الأولى، صار أمر الزنا هيناً، وأصبح يتفنن صاحبه فيه، ويتفنن في تدبيره والتخطيط له، والإيقاع بالنساء فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله، ما لم تدركه توبة صادقة نصوح، والخمر أول كأس، يجلس الإنسان مجلس رجال أعمال، كبار شخصيات، ثم تدار الكأس، يا أخي! على الأقل فقط ضعها أمامك، من أجل لا يقولون: هذا معقد، أنت لا تلاحظ أنهم ينظرون إليك، يا أخي! خذ ولو رشفة واحدة مجاملة، اليوم الناس (اتكيت وعلاقات) اليوم الناس مصانعة إلى غير ذلك، وهكذا قليلاً قليلاً حتى يهون عليه أمر الله من أجل إرضاء الفساق والفجار الذين هان عليهم أمر الله، ثم بعد ذلك نسوا الله فنسيهم. إذا نسي الله وذكر الذين أمامه أوكله الله إليهم، فقادوه إلى واد سحيق، وقادوه إلى هوة سحيقة من المعصية والضلالة، ولا حول ولا وقوة إلا بالله العلي العظيم! يوسف ﵇: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] امرأة ملكة عزيزة ذات منصب وجمال، هي سيدة القصر، تقفل الأبواب فلا يمكن أن يطلع أحد، هي التي طلبته وأرادته، لو امتنع تهدده، ومع ذلك غلقت الأبواب وتهيأت وأعدت كل شيء، قال: معاذ الله! لا يمكن أن أفعل ذلك، ولذلك: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلى ظله -وذكر منهم- شاب دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله) ثبت الإيمان على جمر فتنة الجمال والإغراء والفاحشة، وغلب وسيطر فانتصر، فكان جزاؤه برحمة الله أن يكون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 90

محمد المسكي وثباته أمام فتنة الزنا ومما قرأت من قصص التاريخ الواقعية أن شاباً يسمى بـ محمد المسكي، هذا الشاب كان شاباً وسيماً جميلاً، وكان يبيع المراوح التي تصنع من القش وغيرها، وكان يدور في السوق، فرأته امرأة وأعجبت به، وهي امرأة جميلة وغنية، فصاحت إليه: أعندك مراوح، قال: نعم. وكان شاباً تقياً يصنع هذه المراوح، ويبيعها ويأكل من عمل يده، فقالت: ادخل وأعطنا ما عندك، فلما دخل أغلقت الباب دونه، قالت: إما أن تفعل الفاحشة الآن، وإما أن أصيح بأهل السوق أجمع بأنك دخلت علي وهتكت ستري، وأردت الفاحشة بي، ثم بعد ذلك لا تخرج حياً أو ميتاً. فأصبح الرجل في مصيبة عظيمة، ولما أراد الله أن ينجيه، فتح له باب الصبر؛ لأن الصبر على المعصية أن تصبر حتى تتجافى وتبتعد عن المعصية، قال: نعم. إذا كان ولا بد فافتحي لي الحش حتى أتهيأ، لم يكن هناك حمامات، بل برج ويوضع فيه مخلفات الإنسان، وكان معروفاً قديماً، فلما فتحت الحش ودخل أخذ يفكر: إن زنيت بها فهي فاحشة وعصيان لله، وإن رفضت فضحتني أمام الأولين والآخرين، ومن الذي يصدقني وأنا الآن في بيتها، فجال بخاطره أن يفتح غطاء البرج والحش فيغرف من الغائط بيده، ويلطخ على رأسه وبدنه، فيخرج إليها بنتن الغائط حتى تتقزز منه، وتفتح الباب له وتجعله يخرج. ولما هم بذلك أصبح الأمر بالنسبة له صعباً، كل إنسان بطبيعة الجبلة يأنف من الروائح الخبيثة، فضلاً عن أن يمسها بيده، فضلاً عن أن يجعلها على رأسه وبدنه، ولكن غلب نور الإيمان على جمر الفتنة، فمد يده وأخذ يغرف من هذا الغائط، فلطخ رأسه وثيابه وبدنه، ثم فتح الباب وخرج فإذا هي تنتظره متزينة متعطرة، فلما رأت هيئته بهذه القذارة من الغائط والأوساخ، طردته ونهرته وفتحت الباب وأخرجته، فعاد متسللاً إلى بيته يسأل الله الستر ألا يراه أحد، وفعلاً وصل إلى بيته وأزال الغائط والأوساخ، فما أن انتهى حتى فاحت رائحة المسك من بدنه، وبقيت هذه الرائحة فيه حتى مات، واشتهر باسم: محمد المسكي؛ لأنه عوضه الله جل وعلا على أن تحمل هذا الأمر الذي لا ترضاه النفوس في سبيل ألا يقع في معصية الله، وألا يرتكب فاحشة من محرمات الله، فعوضه الله في ذلك عوضاً عظيماً، ولأجر الآخرة أكبر وخير.

стр. 91

سبيل النجاة من الفتن أيها الأحبة! الفتنة متهيئة للنفوس، النبي ﷺ علمنا أن نستعيذ بالله من فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، يقول البعض: أنا لو يخرج المسيح الدجال الآن عرفته ولا أصدقه، والله لو خرج المسيح الدجال ليتبعنه أقوام كنا نظنهم من الصالحين، نسأل الله أن يثبتنا وألا يفتننا. أضرب لكم أمثلة، رجل يقال أنه يداوي، يجعل طلاسماً وأوراقاً وأشياء، تجد الناس طوابير على بيته، يفتن الناس بالشعوذة، ويقبلون والعياذ بالله أموراً تخالف التوحيد، وتنافي كمال التوحيد، حبهم في العافية، وما جعل الله عند المشعوذين عافية، يجعلهم يفتتنون، ولا تثبت دعوى إيمانهم على نار الفتنة؛ فيصدقون بهذه الشعوذة؛ وهذه الأمور الشركية، ويقعون في ذلك ولا يمتثلون. أنتم تسمعون قصة البئر التي في حائل، هاجر الناس إليها أفواجاً وفئاماً وجماعات منهم من اعتقد بها، ومنهم من ظن أن بها جناً، ومنهم من ظن أن بها شخصاً، وأناس سافروا إلى شخص يدعى فلان بن فلان يداوي الناس، الناس عقولهم -إلا ما رحم ربك- عقول سخيفة، لا أقول سخيفة من باب الاستهتار والاستهزاء، لا، أي: يقال ورقة سخيفة، أي: ضئيلة، يصدقون ويتعلقون بأتفه شيء. إذا خرج الدجال ومعه من المعجزات كأن يقطع الرجل نصفين ثم يعيده يمشي من جديد، ويقطع رقبة الرجل فيريك الرقبة في مكان والجسم في مكان، ثم يدعوه ويقول: يا فلان! قم، فتقوم الرقبة والرأس إلى الكتف، ويقوم الرجل يمشي، يأتي إلى الخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، الأمر عجيب. إذاً الناس قد تهيئوا للفتنة، ولا سبيل إلى الحذر من الفتن، إلا بالتمسك بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، عضوا عليه بالنواجذ، عن العرباض بن سارية ﵁، قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بلغية ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصينا قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ عضوا عليها بالنواجذ) تمسكوا بها (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله). فتمسك الناس بالكتاب، وتطبيقهم للسنة، وتمحيص دعوى الإيمان عند المرتشين أين هي؟ دعوى الإيمان عند الذين لا يحضرون الجماعة أين هي؟ دعوى الإيمان عند الذين يأكلون الربا أين هي؟ دعوى الإيمان عند أفلام الفيديو الخليعة، أفلام المصائب والعري والكشف أين دعوى الإيمان عندهم؟ دعوى الإيمان عند من يعاقرون الخمور ويحضرون مجالسها أين هي؟ دعوى الإيمان عند من يرابون أين هي؟ دعوى الإيمان عند من يعقون أين هي؟ دعوى الإيمان عند الذين يعادون الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أين هي؟ دعوى الإيمان عند الذين يبغضون الدعاة ويتقربون بسبهم وشتمهم والاستهزاء بهم أين هي؟ يا إخواني! والله إن الإيمان في هذا الزمان يكاد يكون دعوى لا صحة لها؛ لأن أفعال العباد تخالف وتناقض، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 92

الأسئلة

стр. 93

فتنة الرياضة وكرة القدم السؤال يقول السائل: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والله إني لأحبك في الله، ما رأي فضيلتكم في فتنة الرياضة وبالأخص كرة القدم، وأيضاً مشاهدتها أثناء تأدية الصلوات، أفيدونا أثابكم الله ؟ الجواب لا شك أن الرياضة في هذا الزمان فتنة، وكل شيء يخرج بصاحبه عن حده فهو فتنة، وإذا كان تعامل الإنسان معه على حد معقول مسموح به شرعاً فلا حرج إن شاء الله، فتن كثير من الشباب في الرياضة إلى حد أنهم تركوا الصلاة، ينظرون على المدرجات، تحرق الشمس وجوههم وجباههم، والعرق يتقاطر على أبدانهم، ومع ذلك يتركون الصلاة من أجل الرياضة، لكن هذا والله هو عين الفتنة. لكن أيها الأحبة! لنا تعليق على مسألة الرياضة، نحن لا نقول: الرياضة حرام، حتى لا يظن بعض الذين يستهزئون بالملتزمين الصالحين أن المطاوعة معقدون كما يقال أو متشددون، أو لا يعرفون لعب الكرة، أو يحرمونها، لا أحد يحرم عليك شيئاً أباحه الله أو الأصل فيه الإباحة، ولكن الرياضة نافعة، وعلى الأقل فإنها مشغلة للوقت خير من أن ينشغل الإنسان بالفساد والمخدرات والانحراف والاختطاف والجرائم والإفساد والتخريب، ومع هذا أيضاً إذا قعدت بك من أجل أن تتابع الهدف الثاني من الذي يسجله عن الصلاة فهذه فتنة، إذا عرضت وقت الصلاة فهي فتنة، إذا جعلتك تطلق زوجتك من أجل هذا الفريق وهذا الفريق فهي فتنة، وهذا حصل. إذا جعلت الإنسان يحدث السباب والفسوق بينه وبين إخوانه المسلمين فهذه فتنة، فالرياضة كغيرها من الوسائل التي يقضى فيها الوقت، لا يمكن أن نقضي الوقت كله في الرياضة، ولكن لها وقتها المحدد، ترويح عن البدن لا بأس، لكن باللباس الساتر، في الوقت المناسب، من غير تضييع للعبادة، بالآداب والأخلاق الإسلامية، لا أحد يمنع من ذلك، وكل شيء خرج بصاحبه عن حده فهو فتنة ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 94

فتنة المجلات الخليعة والأفلام الهابطة السؤال فضيلة الشيخ تكاثرت الأسئلة حول فتنة النساء فحبذا لو أنكم علقتم على هذه الفتنة، وأيضاً فتنة المجلات الخليعة والأفلام الهابطة؟ الجواب أما النساء ففتنة لقول النبي ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) فسماهن النبي ﷺ فتنة، وهن والله فتنة. يفتن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا هن ضعيفات، لكن كيدهن عظيم، يفتن ويفتتن أيضاً؛ لأنهن ضعيفات: فاتقوا الله في قلوب العذارى فالعذارى قلوبهن هواء نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء هن ضعيفات فاتنات مفتتنات، ولكن فتنة النساء هذه من عدة جوانب: الجانب الأول: أما بالنسبة للرجل فالذي ينبغي لك غض بصرك؛ لأن فيه لذة وراحة وعزة، حين أن تدخل السوق أو تدخل المستشفى، فما أن تغض بصرك حتى تشعر أن هامتك فوق مستوى هذه الأجسام التي أمامك، أجسام حرم الله عليك أن تنظرها، فأنت ترتفع بنفسك، تشعر في نفسك بعزة، وتشعر في خطواتك بسمو؛ لأنك اتبعت أمر الله جل وعلا. كذلك ينبغي للإنسان ألا يتهاون بالنظرات؛ لأن فتنة النساء أولها النظرة. كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالضرر ويقول ابن القيم مما أودعه في كتابه: إغاثة اللهفان، قال: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر إذا كنت تقدر على هذه المرأة التي أنت تراها فتذكر أنها ليست بحلال لك، والنظر لا يشفي غليلك؛ إذاً ستتعب قلبك، وتنهك فؤادك، ولا تخرج بنتيجة، وقال عبد الله بن المبارك: اترك فضول النظر توفق إلى الخشوع، وهذا والله حاصل، فمن غض بصره وجد حلاوة في قلبه كما في الحديث (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركه مخافة الله؛ أورثه الله حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم القيامة). فالرجل والمرأة كل منهم مأمور بغض بصره. فإذا عرفت ذلك فإنك تغض نظرك عن المرأة، سواء رأيتها في المستشفى، أو في السوق، أو في أي طريق، أو في التلفاز، بعض الناس يقول: ليس فيها شيء، لا تصبحوا معقدين أنتم يا المطاوعة، ففلم السهرة برنامج ممتاز، وفيه بعض الممثلات، ونحن قاعدين نشرب الشاي أو نتعشى وليس في ذلك حرج، لماذا هذا التعقيد كله؟ نقول: أمر الله ليس فيه تهاون: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣١]. أقول لك شيئاً: لو قلنا لك: إن رجلاً ينظر إلى زوجتك من خلال زجاجة، وابنتك وأختك يتفرج عليها هذا الرجل، فهل توافق؟ وأين الحمية والدين؟! أليس في قلبه إيمان؟ كذلك أنت أين الحمية والدين؟ أما أولئك الممثلات العاهرات الفاجرات، اللائي لا يخرجن إلى مستوى النجوم ومستوى التمثيل إلا بعد أن تباع الأعراض، والله ما تصعد ممثلة ترونها إلا بعد أن يخلو بها المخرج، والممثل، وصاحب السيناريو، والمونتاج، والمكياج، والماكيير، والباذيكير إلى غير ذلك، كل منهم يأخذ نصيبه منها، لو كانت امرأة عفيفة ما عرضت هذا اللحم والزند والساق والوجه والنحر وغيره لآلاف المتفرجين، لكن المصيبة أن هؤلاء ينسبون إلى الإسلام، نسأل الله أن يبصر الجميع بدينهم الحق. فغض البصر ليس فقط في الشارع أو في المستشفى أو عن بنات الجيران، لا، غض البصر عن الصورة في المجلة وفي التلفاز، هذا أمر الله جل وعلا، ومن الشباب من تتعجب منه، يقول: فلان استقام والتزم وهداه الله، يا أخي! هل أنت تصبر، ولا تشاهد التلفاز؟ وهل هو طعامي وشرابي؟ وهل هو نفسي؟ وهل هو تسبيحي؟ وهل هو ذكري وعبادتي؟ لا وألف لا، وإذاً أنا في غنىً عنه بالكلية، إذا حصل لي من هذا التلفاز ضرر فإخراجه من البيت أولى، إذا تحقق لي الضرر من وجوده فإخراجه من البيت أولى، أما إذا كنت تقول: والله أنا محتاج إليه، أتابع الأخبار، لي وضع معين، وأتحكم في الجهاز فأنت وشأنك هو جهاز كسائر الأجهزة، إما أن تسمع محاضرة أو أغنية، فإذا استمعت فيه واستفدت منه فيما ينفعك فأنت وشأنك فيما ذكرت.

стр. 95

المخرج من الفتن السؤال يقول السائل: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فالفتن كثيرة كثيرة جداً، و السؤال وما هو الحل والخلاص من هذه الفتن، سائلك بالله إلا أجبتنا عنها وجزاكم الله خير الثواب؟ الجواب من سألكم بالله فأجيبوه، ولا يسأل بوجه الله إلا الجنة، الفتن لا شك أنها كثيرة، والعصمة منها كما قلنا بالتمسك بكتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، ولا بد من معين يعينك على حفظك من الفتن؛ لأن الفتن متجددة بألوان براقة، دعايات وأشكال وألوان، وزخرفة وبهرجة، وأشياء متقلبة ينساق الناس وراءها، حتى أن بعضهم لا يعود يقيم لدينه وزناً أمام الفتن التي يراها. لذلك ينبغي أن نقول للإنسان: اعلم أن الله خلقك لعبادته، وكل أمر أشغلك عما خلقت له، فاعلم أنه فتنة، واعلم أن كل أمر أعانك على ما خلقت له، أو كل أمر يؤدي بك إلى أن تثبت أو تعين أو تهدي أو تدعو إلى ما خلقت له، فهذا أمر فيه خير إن شاء الله، لكن مع كثرة هذه الفتن لا ينجي منها إلا اعتزالها، ليس أن تذهب تضع لك خيمة في كيلو أربعين على طريق خريس وتقول: أنا معتزل الفتن، هذا من الحماقة، هذا من السفاهة، هذا من الجهل، لا أحد يظن أن هذا هو المنجى الآن، لا يزال في الناس بقية خير، لم ترفع السيوف بعد في وجه البعض، ولن يكون ذلك بمشيئة الله، مادام الناس على إمام واحد، وولاء وسمع وطاعة لكتاب الله وسنة رسوله، وأئمة المسلمين. لكن اعتزال الفتن، مثلاً فتنة الفواحش في دول الخارج، يأتي إنسان يقول: والله أنا سأسافر، فما هو الداعي إلى السفر؟ والله ما لي داعي إلا أن أتمشى، وأنا أحب أن أتعرف على كل شيء، وأنا واثق من نفسي أني لن أقع في فاحشة، نقول: لا. يا أخي، لست أنت الذي تمتحن إيمانك، لكن إذا عرضت المحنة والفتنة والابتلاء على إيمانك فأظهر صدقه، لكن إنسان يقول: أنا أسافر للخارج، إلى دول مشهورة بالدعارة والفساد، ويقول: والله أنا لم أذهب لأفسد؛ نعم. هناك جماعة يفسدون، لكن أنا ليس لي دخل بهم، ثم بعد ذلك تقول: أنا أثبت، لا. العصمة من الفتن بالابتعاد عنها، أنتم أين ذاهبون؟ ذاهبون مكة، الصلاة بمائة ألف صلاة؟! ذاهبون المدينة الصلاة بألف صلاة، ذاهبون لطلب علم! أليس هناك هدف إلا معصية الله جل وعلا؟ عليك الوزر في صحبة من يسافر لذلك، ولا يجوز لك أن تسافر مثل هذا السفر، لأن العصمة من الفتنة أن تجتنبها، وأن تبتعد عنها. أما إنسان يقول: لا، أنا أسافر وأعصم نفسي فحاله: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء شخص جئنا وكتفناه بملابسه، ورميناه في البحر، وقلنا له: لا يأتي فوق ثوبك ماء، أيعقل هذا الكلام؟ لا يعقل هذا الكلام. نلقيه في البحر ونقول له: لماذا في ثوبك ماء؟! وكذلك الذي يزج بنفسه في الفتنة، ثم يقول: أنا ما يأتيني شيء، لا، كثير من الشباب يمن الله عليه بالهداية، ويبقى له شلة من الجلساء السابقين، يقول: أنا لم أعد أدخن مثلهم، ولا ألعب البلوت مثلهم، لكن فقط آتي لأحضر الجلسة، انظر يا أخي! إن المرء من جليسه، والطبع استراق، والله ليعودن تأثيرهم عليك من جديد. فالعصمة من الفتن بكتاب الله وسنة نبيه، واعتزال الفتنة، فبدلاً من الجلوس في الشيشة والقهاوي اجلس في حلقة من حلق الذكر، وروضة من رياض الجنة، وبدلاً من ضياع الوقت في السهر زوجتك أولى بك، أطفالك أولى بك، وحديثك معهم أولى بك وهو عبادة، ورضاً لله جل وعلا، وكسب لسعادتك في حياتك الزوجية، بدلاً من ضياع الوقت واللف والدوران يميناً ويساراً، اذهب فاشتر لك شحنة بطاط أو بطيخ وبعها لتعود بكسب حلال، وقد آجرك الله على ما فعلت، وهذه من أعظم النعم. بدلاً من ضياع الوقت في الأفلام والمجلات الخليعة، استمع إلى الأشرطة النافعة، الجلساء الطيبين الصالحين، المحاضرات، المنتديات النافعة، ففي هذه خير عظيم، فالاعتصام بالكتاب والسنة، والابتعاد عن الفتن كله مما يرضي الله جل وعلا، ولذلك الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، وجاء إلى راهب، وقال: هل لي من توبة؟ قال: لا، فذبحه وقال: وأنت تمام المائة، ثم ذهب إلى آخر، قال: هل لي من توبة؟ قال: نعم. من ذا الذي يغلق باب التوبة؟ لا يمكن أحد أن يغلق باب التوبة، إني أوصيك أن تلحق بأرض كذا وكذا، فإن فيها أقواماً يعبدون الله، جعله يترك أرض الفتن والمعاصي والجرائم، ليلحق بأرض فيها من يطيع الله، فمن ضعفت نفسه عن محاربة ومجاهدة الفتن من حوله؛ فعليه أن يعتزل مجتمعه وجلساءه وأصدقاءه وزملاءه من معاملاته والوسط الذي يعيش فيه. والله إذا كان جيرانك من شلة السوء فلك أن تبيع هذا البيت، وتنتقل إلى حي فيه من الصالحين من تجاورهم فيكون جوارك معهم على ما يرضي الله جل وعلا حتى تلقى الله، وإنما هي سنوات، ونفس يمضي ويعود، حتى تنتهي الحياة، وتتوقف ضربات القلب، وفجأة إذ بالإنسان ينتهي، فاحرص على ألا تكون فجأتك وساعتك في معصية اجعلها في طاعة الله.

стр. 96

حكم اللعب بالبلوت السؤال يقول السائل: فضيلة الشيخ، أما بعد: فأنا أحبك في الله، وأخبرك بأني شاب مغرم بلعبة البلوت، فما حكم لعبة البلوت؟ وما نصيحتك لي بذلك؟ الجواب والله يا إخوان الناس في هذا الزمان فتنوا بما ضيع أوقاتهم، البلوت هذه فتنة، فلم السهرة فتنة، القهاوي هذه فتنة (وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) البلوت تفتتح بحمد الله والصلاة على نبيه؟ أجيبوني -يا إخوان- نعم أو لا؟ لا والله. ألبلوت فيها تسبيح وتهليل؟ لا. لا، البلوت فيها حسنات؟ لا، هل هي حق أم باطل؟ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢]. كأن الإنسان إذا لم يلعب بلوتاً يريد أن يقطع الأبهر، وشريانه الأكبر في قلبه، سبحان الله العلي العظيم! هل لهذا خلقت؟ (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه) يا عبد الله! فلان بن فلان -يوم القيامة- أين أمضيت وقتك؟ يا رب! غلبناهم في البلوت خمسين مرة، أهذا جواب يقال لله؟! أهذا عمل يقابل به الله يوم القيامة؟! والله إن الإنسان ليستحي أن يلقى ربه بخزي من الأعمال، وندامة في خلقه ونفسه إذا قابل ربه بهذا العمل. طول النهار عبادة ولم يبق إلا هذا الوقت لكي يقضيه في البلوت؟!!! (حشفاً وسوء كيلة) طول النهار والإنسان في غفلة وفي بلوت يجعله متأخراً عن صلاة الفجر، زوجته المسكينة تتقلب في فراشها، كلما سمعت الباب قالت: وصل ما وصل؛ مصيبة! يأتي الصباح فتقول: قم اذهب بأولادك المدرسة، فيقول: سهران. أين سهران، أكنت تتهجد؟! لا. في البلوت. هذا الطفل يحتاج مراجعة المستشفى. سهران. أين سهران؟! في البلوت. هذا الأمر في المنزل يحتاج إلى إصلاح. دعوه ينام؛ لأنه أمس ساهر في البلوت. هذا لا يرضي الله جل وعلا. يا إخوان! الكلام في البلوت وفي كثير من التوافه التي وقع فيها كثير من الشباب، والله ليس البحث في جزئية البلوت، وإنما البحث في هذا القلب، هل استعبد القلب لله أم لا؟ هل عبد القلب لله أم لا؟ هل وظفت الجوارح في مرضاة الله أم لا؟ ثم بعد ذلك الكلام في البلوت فرع عن هذا، إذا صلح القلب وسلم وانقادت الجوارح لطاعة الله، لن يوجد عندك وقت لهذا البلوت وغيره، الواجبات أكثر من الأوقات، لكن لأن القلب سقيم، وجدت فجوات ودكاكين مفتوحة في القلب وفارغة، فلا عجب أن يدخلها الشيطان وأن تسكنها الأهواء والفتن. أما إذا امتلأ القلب بطاعة الله، فلا مكان لمعصية الله، إذا امتلأ الكأس بماء عذب زلال، فلا مكان لأن نضيف عليه ماءً أجاجاً ملحاً، لكن إذا كان القلب فارغاً، ضع في القلب بلوتاً وسهراً وشيشةً، وضع كل ما يتعاطاه الناس ويتداولونه في هذا الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 97

حكم المشاركة في الشركات المساهمة السؤال السائل يقول: فضيلة الشيخ! ما حكم الاشتراك في الشركات المساهمة، وهل يدخل فيها الربا، أفتونا أفادكم الله ؟ الجواب الشركات المساهمة أنواع، فأما شركات تتعاطى وتتعامل بأعمال ربوية، فهذه لا تجوز، أو شركات خلت من هذه المعاملات فالمساهمة فيها جائز والله أعلم.

стр. 98

آخر الأحداث في أفغانستان السؤال السائل يقول: فضيلة الشيخ! بعض الإخوة يطلب من فضيلتكم أن تتكلمو عن آخر مجريات الأحداث في أرض أفغانستان المسلمة، لعل الله أن يفتح بهذه الكلمة قلوباً غلفاً، وآذاناً صماً، فأفتونا أفادكم الله؟ الجواب والله يا إخوان إن الحديث عن الجهاد والمجاهدين قد كثر وطال وتعدد وتنوع، أفغانستان أرض ملغمة، وبستان أُحرق، وبهيمة أُهلكت، ورجل قطعت، وعين سملت، ويد شلت، وطفل يتيم يصيح أين أبوه، وامرأة أرملة، وعجوز ضعيفة، وكهل لا حول له ولا قوة، هذه أفغانستان، زر، اذهب، انظر، اقرأ، هذا وضع أفغانستان، الأراضي مليئة بالألغام، المستشفيات مليئة بالمشوهين والمعوقين ومقطعي الأيدي والأرجل، الأيتام بالمئات بل بعشرات الآلاف، النساء الأرامل، الثكالى الشيوخ البيوت مهدمة، قد أهلك الحرث والنسل، وأفسد في الأرض، هذا وضع أفغانستان. تدبيج الخطب والعبارات، والله يا إخوان: لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان إن كان في القلب إسلام وإيمان، لا يسعنا إلا أن نخصص من رواتبنا دخلاً شهرياً للمجاهدين، الذي يؤلمه ما يدور لإخوانه المساكين في أفغانستان فلا يسعه إلا أن يخصص لهم دخلاً شهرياً في أفغانستان، نخصص راتباً للخادم أو الخادمة على أساس أن يلمع الأبواب والزجاج ندفعه شهرياً، ولا نستطيع أن نلمع قضية إسلامية، لا نثبت ولا نصمد أمام دعم شريعة وعقيدة ونظام ودولة إسلامية تقف أمام المد الشيعي، والشيوعي، والوثني، دولة أفغانستان إذا قامت دولة سنية، تقف أمام المد الشيعي في إيران، والمد الوثني في الهند، والمد الشيوعي في روسيا، مصلحة قيام أفغانستان أعظم مصلحة للمسلمين. فلا أقل من أن ندعمهم بأموالنا، لا أقل من أن نهتم بهم، وبالمناسبة -يا إخوان- ففي هذا الزمان الذي ظن الناس أنه سيضيع فيه الدين بالكلية عاد الناس إلى أصل الدين وهو الجهاد، وعلم الناس وعلمت دول العالم ودول الكفر العظمى أن المسلمين بدءوا يفكرون بالجهاد، وطبقوه عملياً وسيلة لاسترداد أراضيهم، ستين سنة مفاوضات مع بريطانيا وإسرائيل ما أرجعت فلسطين، هل نفعت المفاوضات؟ قرار الأمم المتحدة رقم (٢٤٢) التراجع إلى ما قبل حدود (٦٧م) الاعتراف بحدود (٤٨) إقامة دولة في الضفة والقطاع، كلام جرائد لم نر فعلاً أبداً، لكن الجهاد في سبيل الله هو الذي يفرض. لما قامت حركة حماس في فلسطين انظر العجائب، لكن هناك عدم العلم الإعلامي، نحن لا ندري ماذا يدور الآن في فلسطين إلا من خلال بعض الأخبار البسيطة التي تصلنا، وما سوى ذلك لا نرى كل شيء بالتفصيل، الآلاف والملايين يذبحون ويقتلون في العالم، في دولة شرقية أحد الرعايا الأمريكان صدم كلبه، فتدخل السفير الأمريكي في تلك الدولة، وتابع القضية حتى حوكم الرجل، ودفع الغرامة والعقوبة، لماذا يدهس كلب الراعي الأمريكي، أصبح المسلمون أهون من الكلاب، لا حول ولا قوة إلا بالله! (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها؟ قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا، أنتم يومئذ كثير، لكنكم غثاء كغثاء السيل، يصيبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا) أصبح الريال أهم من عشر رصاصات في قلوب الشيوعيين، الجيب هذا أحب إلينا نسقطه في الخبت، والله لو كان في القلب حياة لأمسكت راتبك وقلت: أين المجاهدون في العالم؟ انطلاق الجهاد في إريتريا المسلمة، إريتريا الآن عجزوا سنين طويلة، بناتهم يشردن ويغتصبن، ونساؤهم ينتهكن، عجزوا وهم يطالبون، يا مجلس الأمن! يا هيئة الأمم! المحافل الدولية! العالم! كلب يتدخل فيه السفير، إن مئات من البشر يموتون ولا أحد يتدخل، لم يلتفت إليهم أحد، فلم يروا إلا الجهاد سبيلاً لنصرة قضاياهم، فانطلقت الآن شرارة الجهاد في إريتريا. في الفليبين من سنوات طويلة، يوجد جبهة إسلامية في مندينار، وفي أفغانستان وفي فلسطين. أعداء الإسلام مستعدون لدعم المجاهدين حتى يقيموا دولة ويقفلوها عليهم، لو كان الهدف إقامة دولة سنية وتقف، انتهى الأمر، لكن الخطورة التي يسعى أعداء الإسلام لمناوأة ومعاداة الجهاد بسببها أن تنتشر عدوى الجهاد في العالم، فـ أفغانستان حدودها الشمالية المتاخمة لـ روسيا، قبائل الأوزبك والطاجيك المنتسبة للدول الشيوعية تقوم بالجهاد ضد الشيوعيين، وجميع الأمم والأقليات والشعوب المستضعفة تبدأ تنادي بالجهاد سبيلاً لتحقيق مطالبها ورغباتها، هذه العدوى الذي يخاف منها أعداء الإسلام. ولذلك يا إخواني ينبغي أن تخصص شهرياً مائة ريال أو خمسين ريالاً للمجاهدين في أفغانستان، وخمسين ريال للمتضررين في أفريقيا، للمسلمين في الفليبين لـ أريتريا، لو كل مسلم يدفع مائة ريال لحققنا شيئاً كثيراً، لو يتعطل المكيف، أو أتفه الحاجات الكمالية في البيت فإننا ندفع الآلاف حتى نصلحه، إذا انطفأت الكهرباء عشر دقائق، خرج الناس إلى الشوارع وأمرهم عجيب، فأين أنت من الذي يعيش بدون كهرباء ولا ماء ولا أمن ولا طمأنينة. فيا إخوان لا أقل من أن ندعم إخواننا في كل موقف ومناسبة، علم أولادك بدلاً من أن تعطيه عشرة ريال، أعطه اثنا عشر ريالاً، تقول له: خذ ريالين للمجاهدين، وعشرة لك، ازرع في قلبه حب الجهاد والمجاهدين، بقي من مصروفه شيء، تبقيه في حقيبتك أم تدفعه للمجاهدين؟ ازرع في قلبه حب الجهاد والمجاهدين، ازرع في قلبه حب البذل في سبيل الله، ازرع في قلبه حب شراء الجنة، بالنفس والنفيس والمال وكل شيء، فبذلك تنتصر الأمة. انتصر الرسول ﷺ بأقوام افتدوا وبذلوا دماءهم وأموالهم وأرواحهم في سبيل الله، نحن نريد الجنة ولكننا لا نريد أن نضحي بأنفسنا، لا، الجنة تريد عملاً وتضحية وأداء، فلا أقل من أن نتبرع لإخواننا، وأرجو أن يقف عند الأبواب من يجمع تبرعاتكم جزاكم الله خيراً، ومن ثم تسلم إلى إمام المسجد وهو بدوره ينسق تسليمها إلى الجهات المعنية وجزاكم الله خيراً.

стр. 99

اعرف عدوك إن العداوة سنة ماضية، ووجود الأعداء أمر محتوم فهناك عداوة الشيطان، وعداوة الإنسان نفسه لنفسه، وعداوة الزوجة والبنين والبنات هذا ما تحدث عنه الشيخ، ثم تحدث عن درجات العداوة، وذكر بعضاً من صورها، ثم ذكر أن وجود العداوة لا يضرنا شيئاً ما دمنا واثقين بالله وبنصره.

стр. 100

التذكير بعظمة الله تعالى وقوته الحمد لله، الحمد لله الذي لم يزل بعباده خبيراً بصيراً، أحمده جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله إلى الثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيراً. أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا أهل هذه البلدة الطيبة! يا أهل القويعية! علم الله أنا نحبكم فيه، وعلامات المحبة بادية واضحة، ولعل التكرار على التقصير منا قد ظهر، وعلى أية حال فأقول كما قال القائل: يا رب لا تحرمني حبهم أبداً ويرحم الله عبداً قال آمينا إني والله أحبكم في الله، وما أرى الخطى في الطريق إليكم إلا كماءٍ عذبٍ رقراقٍ تدفق إلى قاعة من الصفاء والمودة، أسأل الله أن يجعل اجتماعكم وسعينا إليكم وجلوسنا وحديثنا وفائدتنا منكم أن يجعلها خالصةً لوجهه، كما أسأله ألا يجعل عملنا هباءً منثوراً، وأسأله بأسمائه وصفاته ألا يجعل أعمالنا كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، وأسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ألا يجعل أعمالنا كرماد اشتد به الريح في يوم عاصف. أيها الأحبة: لا تَنْفعِ اللهَ أعمالُنا، ولا كلامنا واجتماعنا، فالله غنيٌ عنا، كما قال ربنا في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما ضرني ذلك شيئاً يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما نفعني ذلك شيئاً يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ منكم، ثم اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ، فغفرت لهم، ثم سألوني، فأعطيت كل واحدٍ مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً). الله الغني، الله القوي، الله الجبار، الله القهار، الله المدبر، الله المتصرف، مكور الليل على النهار، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ما يعبأ الله بكم، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:١٤٧]، ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧]، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] وإن تتولوا لا تضروه شيئاً. يا عباد الله! فلنتذكر عظمة الله، ولنذكر عز الله وذلنا، وقوة الله وضعفنا، وغنى الله وفقرنا، وقوة الله ومسكنتنا، فإن هذا من أعظم أبواب العبودية. من أعظم أبواب العبودية -أيها الأحبة- أن نشهد الفرق في عظمة الخالق وانحطاط المخلوق، وقوة الخالق وذلة المخلوق، فمن تأمل هذا استحى من ربه، ومن عرف ذلك استحى من خالقه، ومن عرف ذلك كان لله في قلبه قدر ووقار، ولذلك قال نوح: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] لقد كان عدم الوقار في قلوبهم لله سبباً أدى بهم إلى أن استغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكباراً، ولم يستجيبوا بعد أن دعاهم سراً وجهاراً وليلاً ونهاراً. أيها الأحبة: لا أطيل في هذه المقدمة، ولكن أود أن نشهد في كل مقام عظمة ربنا وذلنا وضعفنا اللهم إنا نتوسل إليك بقوتك وضعفنا، اللهم إنا نرجوك بقوتك وضعفنا، اللهم إنا نرجوك بحلمك وعلمك وقوتك، نسألك اللهم بعلمك الذي لم يسبق بجهلٍ، ولا يلحقه نسيان، ونسألك اللهم بحياتك التي لم تسبق بعدمٍ، ولا يلحقها فناء، نسألك اللهم بقيوميتك التي لا سنة فيها ولا نوم، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى في هذه الحلقة المباركة، والروضة الطيبة من رياض الجنة، إلا غفرت ذنوبنا، وسترت عيوبنا، وقضيت حاجاتنا، وكشفت ضرنا، وأجبت دعاءنا، وهديت ضالنا، اللهم من كان في هذا المسجد على ضلالة فاهده، اللهم من كان في هذا المسجد على بلوى فارفع عنه، اللهم من كان في هذا المسجد على مصيبة فاجعله يقلع، اللهم من كان في هذا المسجد على شر فاجعله ينزع، اللهم من كان في هذا المكان على أمر لا يرضيك فاصرفه عنه، واصرفه إلى مرضاتك يا رب العالمين.

стр. 101

التذكير بنعيم الجنة أحبابنا: من نحن بلا ربنا؟ من نحن بلا ديننا؟ من نحن بلا رسولنا؟ حياتنا هذه اجتماعٌ ينتهي إلى الفراق، ولذة تكدرها الأسقام، العافية والصحة يهدها المرض أرضاً، ويطرحها طولاً وعرضاً، قوتنا تفنى، وتبقى قوة الله لا تفنى أبداً، الشراب الذي نتمناه يتحول بولاً لا نطيق سماعه ورؤيته، والطعام الذي نأكله ينتهي إلى عذرة لا يطيق الرجل سماع اسمها وذكرها. تفكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراً جلل تفكر إذا أردت أن تعرف حقيقتك يا مذنباً يا ضالاً يا مقصراً يا متردداً، يا من تقدم خطوةً في الهداية وترجع خطوتين، يا من تشاور نفسك هل تلتزم أو لا تلتزم؟ هل تدعو أو لا تدعو؟ هل تستقيم أو لا تستقيم؟ تنصر دين الله أو لا تنصر دين الله؟ قبل هذا اسأل نفسك: من أنت؟ وما هي حياتك؟ فحينئذٍ والله لن تستكثر ما بذلته من نفسك ونفيسك، وغاليك ورخيصك، وأنت وأهلك وبيتك ومالك، لا تستكثرها لجنة عرضها السماوات والأرض، يقال لأهلها: خلودٌ ولا موت، ويقال لأهلها: يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، لا يمكن أن يأتي الطبيب ليأخذ عنك الضغط، أو يرى مقياس السكر، أو يرى نسبة الكوليسترول، أو يرى فيك صداعاً، أو يرى فيك فشلاً كلوياً، أو ضعفاً في البصر، أو آلاماً في الرأس، أو ضعفاً في الأعصاب، أو وجعاً في المفاصل، أو بلاءً في فقار الظهر، لا والله يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً صحة دائمة لا تنقطع أبداً، عافية مهما بذلت فيها من العمل وأي عملٍ لك؟ عملك في لذتك، شغلك فيما تتلذذ به، إننا حتى لذاتنا تتعبنا، حتى اللذات تؤذينا، حتى ملذاتنا تقتلنا، لذتنا في الشراب إذا زاد آلم أجوافنا، ولذتنا في الطعام إذا زاد قتلنا، ولذتنا في كل شيء تنتهي إلى ضعف، أما لذاتنا في الجنة -نسأل الله أن نكون وإياكم من أهل الجنة- فلذات لا تنقطع أبداً يا أهل الجنة! إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً لن ترى في الجنة حدباً يتوكأ على عصا، لن ترى في الجنة ضعيفاً قد هدته السنون، مع أن النعيم في الجنة مقيم، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، الله أكبر! سنين طويلة لا يتحول سواد الشعر إلى شيب، ولا طول القوام إلى انحناء وحدب، سنين طويلة لا تتجعد فيها البشرة، ولا تضعف فيها الأبدان أبداً، هذا نعيم أهل الجنة (إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وأن تسعدوا فلا تشقوا أبداً). الله أكبر! اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك ألا تحرمنا الجنة، اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك ألا تحرمنا جنتك يا رب العالمين، اللهم هديتنا إلى الإسلام وما سألناك، فأعطنا الجنة وقد طلبناك ورجوناك. أيها الأحبة: ينبغي أن نعرف مقامنا في ضعفنا وذلنا وهواننا، وأن نعرف مقام الله في عظمته وربوبيته وألوهيته وكمال أسمائه وصفاته.

стр. 102

وجود الأعداء وكثرتهم أحبتنا في الله: حديثنا: اعرف عدوك. من هو العدو؟ لاشك أن الله جل وعلا قد ذكر وسمى جملةً من الأعداء في القرآن، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤]، فجعل من المال والولد عدواً، وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢].

стр. 103

عداوة الشيطان قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ [فاطر:٦]، هذا الشيطان الذي يدعو كل واحد فينا، والله ما فينا أحد ما دعاه الشيطان، أنتَ وأنتِ، ومن يسمع ومن تسمع، كلٌ دعاه الشيطان، إما في ليل أو في نهار، أو في ظلمة أو في ضوء، أو في صيف أو في شتاء دعاه الشيطان، ومنا من لا يزال الشيطان يدعوه، ولكن الشيطان -كما تعلمون- خذول، الشيطان يخذل أصحابه؛ لأن الشيطان حينما يتحاجون في النار يقف خطيباً على أهل النار ويكلمهم، قال جل وعلا: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢]، الشيطان يأتي ويعترف، عدونا يأتي يوم القيامة ويعترف، ويجلس خطيباً عند أهل النار ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]. ولماذا نطيع الشيطان؟ والله يخبرنا أنه سيقف ويقول لمن تبعه، ويقول لمن انقاد معه، ويقول لمن وافقه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢]، والله ما جررت أحداً بحبل حتى أخرجته من المسجد، أو أجلسته في فراشه حتى لا يصلي الفجر مع الجماعة، أو أرغمته حتى يشتري شريط الغناء، أو سقته حتى يتفرج على فيلم الفيديو، أو سحبته حتى يساهم في بنك ربوي: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، مجرد أن عرضت صورة وزينتها في مخيلتكم؛ فقبلتموها وأتيتم إليها، وسعيتم حثيثاً نحوها، نغمة اجتهدتم في طلبها ورددتموها وسمعتموها، وضيعتم كتاب الله من أجلها، يقول الشيطان: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم:٢٢]، وكفى أن هذا الوعد وعد الحق ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] لا أنقذ أحداً أبداً، هكذا شأن الشيطان ﴿قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]، لكن متى؟ عندما يقع الفأس في الرأس كما يقال، بعد أن يقع المحذور، وينتهي المقدور، ولا حول ولا قوة إلا بالله!.

стр. 104

العداوة سنة ماضية أيها الأحبة: إن العداوة موجودة عداوة من الشيطان، وعداوة من الإنسان للإنسان، وعداوة من البنات والبنين والزوجات، وعداوة من الأموال، وعداوة في كل شيء، وإننا يوم أن نقول لرجل: إن عدواً يتربص بك الدائرة عند الباب، ثم ترى هذا الرجل يخرج يقلب كفيه وينظر في عطفيه غير مبالٍ بما حذر منه، نرى فيه لوثة من الجنون، لأن عدواً يتربص به فلا يستعد لمواجهته فما بالنا؟ وأي لوثة بلغت في ضعف إيماننا حتى أصبحنا نتقلب في أحوال ربما قادتنا فوق المعصية إلى فتن عظيمة من غير أن نأخذ سلاحاً نتقي به العداوة؟ أيها الأحبة: لا أحد يسلم من العداوة أبداً، لا تظنوا أن أحداً يسلم من العداوة ليس يخلو المرء من ضدٍ ولو حاول العزلة في رأس الجبل إن نصف الناس أعداءٌ لمن ولي الأحكام هذا إن عدل هذا الكلام يقال للقضاة أيضاً، القاضي العادل نصف الناس أعداءٌ له الذين حكم عليهم. إن نصف الناس أعداءٌ لمن ولي الأحكام هذا إن عدل هذا مع أنه قضى فعدل، ومع ذلك الناس أعداء له. وقال الآخر: لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاً لقالت الناس هذا غير معتدل لو كنت في قمة الاعتدال كالقدح، لقالت الناس: هذا إنسان غير معتدل، وما يسلم أحد من عداوة أبداً، وكما قال موسى ﵇: يا رب! إن بني إسرائيل يؤذونني. فقال له: يا موسى! قد سألت لنفسك ما لم أجعله لنفسي، ألم تقل اليهود: يد الله مغلولة؟ ألم تقل اليهود: إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء؟

стр. 105

العداوة ليست دليلاً على الضعف إذاً: العداوة لا يخلو منها أحد وحتى الله جل وعلا له أعداء، وليس هذا أمراً وقهراً وجبراً عليه، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ولكن لحكمة أرادها الله جل وعلا، إذاً فلا تجزع إذا قيل لك: إن لك أعداء، الله أعلم بأعدائكم؛ ووجود الأعداء ليست مشكلة كبيرة جداً، المشكلة ضعفك أمام الأعداء، المشكلة أعداءٌ يجهزون، ونفسٌ لا تبالي، أعداءُ يخططون، وشخصٌ نائم، أعداءٌ يتابعون، وشخصٌ متساهل، أعداءٌ ينظمون، وشخصٌ متكاسل، هذه هي البلية، أما وجود العداوة فليست بخطر، وليست دليلاً على الضعف، الله جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦٠]، فبين الله أن له أعداءً، وهل يعني كونهم أعداء لله أن الله ضعيف؟! حاشا وكلا! وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. إذاً: فليس وجود العداوة دليلاً على ضعف، بل ربما كانت العداوة دليلاً على قوتك؛ لأن الذي ليس له أعداء هذا دليل على ضعفه، قال القائل: قُبيلةٌ لا يغدرون بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردل إنهم مسالمون، وهذا يدل على أنه ليس لهم أعداء، وهو دليل على ضعفهم، لكن على أية حال الإنسان لا ينزعج من العداوة، فالعداوة موجودة، والعداوة قائمة، والشر موجود حتى في أنفسكم وفي نفسي، كان ﷺ إذا خطب قال: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أنفسنا هذه فيها شر مستطير، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، فالشر موجود، طريق الخير وطريق الشر، والذي يقول: ليس عندي إلا الشر، نقول: كذبت، عندك خيرٌ وشر، فإن أسلمت الزمام لداعي الشر، والنفس الأمارة بالسوء، وجعلت الشح مطاعاً، والهوى متبعاً، والدنيا مؤثرةً، وتبعت ما تزين لك وتزخرف لك؛ أصبح جانب الشر فيك عظيماً جداً، وإن خالفت ذلك؛ أصبح جانب الخير عظيماً جداً.

стр. 106

عداوة الإنسان لنفسه إذاً: فلا تنزعج من وجود العداوة، ولا تعجب، فالعداوة موجودة من نفسك لنفسك عداوة من نفسك لأذنك، وعداوة من نفسك على لسانك، وعداوة من نفسك لعينك، وعداوة من نفسك لفرجك، وعداوة من نفسك لجيبك عداوة من نفسك لأذنك؛ أن تصرفك عن سماع ما ينفعك إلى سماع ما يضرك. حب الكتاب وحب ألحان الغناء في قلب عبدٍ ليس يجتمعان والإناء إذا ملأته تراباً لا مكان للماء فيه، والقلب إذا ملأته بالملاهي لا مكان للذكر فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فإذاً هناك أولاً: عداوة من نفسك لنفسك في أذنك بسماع كل شر، وكما قال ابن القيم في الجواب الكافي: ثم يعقد الشيطان عرشه-أي: كرسيه- ويدعو جنده من الجن والشياطين، ويقول: عليكم بثغر الأذن، فلا يدخل معه شيء يطردكم عمَّا تربعتم إليه، فإن غلبتم، فجاهدوا حتى لا يصل ذكرٌ إلا ضعيفاً لا يؤثر، وعليكم بثغر العين، فاجعلوا نظرها تلذذاً لا تفكراً، واجعلوا نظرها باباً إلى رسم الأماني والخيال، بتصرف وبمعنى كلام ابن القيم ﵀. فإذاً من نفسك شرٌ على عينك أن تنظر إلى هذه الصور، وأن تنظر إلى ما حرم الله جل وعلا، وكم من رجلٍ قتل نفسه بسلاحه، هل رأيت رجلاً أخذ المسدس، ثم قلب فوهة المسدس، أو الرشاش، ثم وجهها إلى قلبه، ثم أطلق النار، نعم، ذلك الذي قتل نفسه بلحظه. يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً أنت القتيل بما ترمي فلا تصبِ فالإنسان هو الذي يقتل نفسه بنفسه، وتعرفون الأبيات التي يقول فيها القائل: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ من الناس من إذا رأى صورة حرام جعل رجله وعينه ويده وشعر رأسه، جعل كل ذلك عيناً تلتهم الصورة، وتتأمل هذا المنظر بفتنة وشهوة واجتهاد، مسكين لا يدري أنه يقتل نفسه، ولو أن هذا المسكين يوم أن رأى صرف بصره، ولو أن هذا المسكين تأمل جميع صنع الله جل وعلا، الله يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [محمد:١٠]، فالنظر مطلوب، الله جل وعلا ما خلق عينك حتى تجعل عليها نظارة سوداء لا تبصر بها أبداً، إنما خلق العين لكي تنظر بها وتتفكر. فيا أخي الكريم! تفكر كيف رفعت السماء بغير عمد؟ ولو دخلت صالة من صالات القصور الضخمة، فوجدت مائة متر بلا عمود واحد، لهالك الأمر في دقة الإنشاء والتصميم، وتقول: كيف وجدت صالة مائة متر مربع ليس فيها عمودٌ واحد؟! فيا حبيبنا! انظر إلى السماء التي رفعت بغير عمد! وإذا رأيت قنديلاً عظيماً جداً يضيء في بلد، ومفتاحه في بلد آخر، تعجب من هذا الأمر! ولكن انظر إلى هذه الشمس التي هي سراج تنير الدنيا كلها، وما جاءت شاحنات تعبيها بالبترول من أجل أن تشتعل، وما جاءت جهات معينة تعطيها الوقود، بل خلقها الله جسماً مضيئاً، فلماذا لا تتفكر وتتدبر؟! ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، لماذا لا تتفكر وتتدبر أيضاً في نفسك؟! أنت يوم أن كنت جنيناً صغيراً في بطن أمك، وأول ما يكون الإنسان في رحم المرأة يكون نطفة، ثم يكون علقة، ثم مضغة، ثم هذه المضغة تبدأ تأتيها الخلايا بأمر الله تتخلق فيها، وإذا بلغت الأشهر نفخت فيها الروح، ثم أخذت تنمو، فذهبت خلايا لتبني الأذن، خلايا مفصلة لإيجاد الزاوية التي فوق الأذن بالضبط، شحمة الأذن وزاوية، وشيء من المادة شبه العظمية الرقيقة جداً، كل خلية تذهب لتعطي هذا الدور في نفس المكان، وخلية تذهب لإنبات الشعر على العين والجفن، وخلية تذهب لإيجاد الطبقة الرقيقة على الشبكية أو القرنية، وخلية تذهب لبناء الشفة الرقيقة، وخلية تذهب لبناء العظم الصلب فيا إخوان: هل رأينا يوماً رجلاً نبتت أذنه في ركبته؟! أو رأينا رجلاً نبتت عينه في ظهره؟! أو رأينا رجلاً ظهرت أنفه في ساقه؟! هذه الخلايا ما الذي دلها وأعطاها مخططاً لكي تتجه الخلية رقم كذا إلى الموقع كذا، وتباشر العمل في مكان كذا! هذا هو التفكر، لكن عداوة الشيطان، والشر والأعداء من نفسك ومن أعدائك، وأولهم الشيطان، يصرفك عن تدبر ما ينفعك إلى إشغالك بما لا ينفعك، وأقل الأحوال أن تشتغل بالتافه عن العظيم، وبالحقير عن الجليل، والآن انظر إلى رجلين: أحدهم قد شنف آذانه، والآخر يسمع أغنية للمطرب الفلاني ويرددها: يا ليل يا عين، يا ليل يا عين، يا ليل يا عين، وانتهى الليل، وما رأينا ليلاً ولا عيناً، وبعد ذلك كتبت سيئات، وقام مهموم القلب في حسرة وقلق، وبمقدار سماع ذاك للأغنية انظر إلى رجل أخذ يسمع كلام الله، أو يتلو كتاب الله، له بكل حرف حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

стр. 107

العداوة الزوجية إذاً: فأعداء الإنسان كثر، وأول العداوة ما كان في النفس، وتحقيقاً لهذا المعنى من العداوة في النفس أيضاً الزوجة فيها عداوة، وكما في الحديث: (إذا بنى أحدكم بجارية أو زوجة أو أمة، فليضع يده على ناصيتها، وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه) أيضاً في الزوجة عداوة، وفيها شر، وربما يتوجه إليك، ويتسلط عليك، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وما أكثر الذين ظهرت عداوة زوجاتهم لهم! وليس من شرط العداوة أن يعلو فيها الصراخ، وأن يطول النياح، وأن يكثر العويل، وأن يظهر البكاء، وأن تصل الخصومة إلى المحاكم، قد تكون العداوة كما قال الشاعر: قد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هي قد تبقى العداوة متمكنة مستحكمة قاتلة مؤذية، وظاهرها جمال، وظاهرها لذة، وظاهرها صحة، ولذلك بعض الأمراض حينما ترى وجه صاحبها، تقول: ما شاء الله ما هذه العافية؟ ومثاله مادة اسمها (الكورتيزون) هذه مادة يحذر الأطباء المتخصصون من الإغراق في استعمالها، أو استعمالها بلا استشارة، هذه المادة عجيبة جداً، وهي مادة عدوة للإنسان، مادة خطيرة للإنسان، بمجرد أن تدخل عضوه تعطي إفرازات وتقوم بوظائف صناعية، وتعطل الجهاز الذي يعطي الوظيفة الطبيعية، ثم بعد ذلك يظهر على الإنسان صحة في الوجه غير طبيعية، يبدأ وجهه كالمشرق، يسمونه في المصطلح الطبي ( Face Moon ) وجه القمر، ثم يكبر يكبر، وينظر إلى الرجل كأنه ازداد عافية، وازداد صحة، وحقيقة الأمر أن الرجل تتعطل أجهزته الصحية الحقيقية التي تؤدي الوظائف الطبيعية، وهذا السم القاتل (الكورتيزون) يعطي نتائج كذابة في الظاهر قاتلة في الباطن. إذاً: ليس من شرط العداوة أن يكون لها صياح وصراخ وعويل وبكاء، ولأجل ذلك كم رأينا من رجل ظهرت عداوة زوجته عليه! وكم من امرأة رأينا عداوة زوجها عليها! مع أن ظاهر عش الزوجية المحبة، لكن دلائل العداوة أن الفتاة دخلت على ذلك الزوج وكانت محجبة، فأصبحت سافرة، كانت عفيفة الأذن لا تسمع إلا القرآن، وكلام الله وكلام رسوله، والخطب والمحاضرات والأمور النافعة، فأصبحت مطربة من المطربات، مغنية من المغنيات كانت حسيرة الطرف كسيرة الطرف لا تمد عينها إلى أحدٍ أبداً، فلما تزوجت بذلك العدو، ليس عدواً بالشجار والقتال، وإنما عداوة نفسها، وعداوة شيطانه عليها؛ جعلتها تنتقل إلى مرحلة ضعف، ومرحلة انهيار، وتحول خطير جداً والعكس كذلك كم من شاب عرفناه كان مستقيماً، فلما تزوج انقلب بعد زواجه بعداوة خفية، وظاهرها التعلق والمحبة والتفاني والتعاطف، انقلبت المسألة إلى أن الشاب أصبح يحلق لحيته، ويسبل ثيابه، ويسمع الأغاني، وقطع جلساءه الطيبين بعد أن كان يجلس مع الصالحين، وأصبح عدواً للأبرار بعد أن كان دفاعاً وحصناً منيعاً يدافع عنهم في كل ميدان.

стр. 108

الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم إذاً: هذا معنى الآية، وما ذاك إلا لوجود العداوات السرية المتمكنة فينا، ولذلك قال ﷺ لما كان خارجاً من معتكفه يقلب صفية بنت حيي إلى منزلها، ورأى اثنين من الصحابة، فقال ﷺ : (إنها صفية، قالوا: سبحان الله! يا رسول الله! -أي: نحن نشك فيك- قال: خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شيئاً، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم). إذاً: فما ظنك بعداوة واحد قد دخل في عروقك، وقد دخل بين عصبك وعظمك، لا تنتظر أن يأمرك بخير أبداً، قال ﷺ : (ما منكم إلا وله قرين، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا إنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم). أيها الأحبة: إذا تحققنا من وجود العداوة في شرور أنفسنا، وأموالنا، وأولادنا، فيمن حولنا، في اليهود والنصارى، في الشيطان، فيمن يزينون شياطين الجن والإنس ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] فكل يشعر أن كل ما حوله عداوة، وقد يقول أحدكم: والله الشيخ حقيقة شحننا شحنة بحيث لو يقرب أحد منا لقال: ابعد يا عدو، لا تقترب يا عدو!! لا، نحن لا نقول: كل من نظرت إليه تقول له: قبحك الله أيها العدو، قاتلك الله! ابتعد وإلا سوف أطلق عليك النار، نحن لا نقول هذا الكلام، لكن أقول: تأكد أن في النفس عداوة كامنة ربما كان حالها معك ظاهرة، وربما كان حالها معك جامدة، وربما كان حالها معك متحركة، المهم أن الفتيل موجود، والمسألة قابلة للاشتعال في أي لحظة، فإذا تحقق هذا الأمر عندك، وأن المسألة موجودة، أخذت حذرك في كل مقام ومكان وزمان.

стр. 109

درجات العداوة

стр. 110

الإبادة بالإحراق في جهنم أخي الحبيب: أما عن درجات العداوة فلا شك أن عدوك يبدأ أولاً بمحاولة إبادتك عن الوجود إبادة كلية، وأي عداوة أخطر من عداوة إنسان لنفسه عداوة شيطان ونفس أمارة بالسوء تجرُّ صاحبها إلى جهنم، هل هناك إبادة أعظم من نار جهنم؟ ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩ - ٢١]، هل هناك عداوة أشد وأخطر من عداوة تنتهي بإحراق الإنسان في جهنم؟ بل عذابٌ متجدد ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]. أيها الأحبة: لندرك جيداً أن الإبادة هي هدف من أهداف العداوة، فشيطانك الذي هو عدوٌ لك لا يألو جهداً في أن تكون نهايتك إلى النار، ليس من شرط الإبادة أن يبيدك الآن برشاش، أو بطلقة نارية، لكن ما كان أخطر من ذلك أن تكون إبادة دائمة ألا وهي إغراق الإنسان في الذنوب، وقبوله بالهوان، وتدحرجه في المعاصي والمنكرات حتى ربما قاده الأمر إلى موت على فتنة وضلالة، أو كفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وحينئذٍ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦]، تصور إنساناً يصيح وينوح ويبكي ويتقطع، زفير وشهيق من شدة العذاب، ومن شدة الألم، قد يتألم الإنسان، ولكن ما يبلغ به الألم، لكن من شدة الآلام ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر:٣٧]، ويصطرخون أبلغ من يصرخون، والزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى؛ لأن الاصطراخ فيه نوع إيحاء، أو فيه نوع وصف بأن النار متجلجلة، والصدى فيها متردد، يصيح ويصرخ ذلك المعذب، ثم يعود إليه الصوت في وقت هو يرفع صرخة جديدة ً، هذا العذاب الشديد الذي هو أخطر شيء، وهو هدفٌ من أهداف العداوة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود:١٠٦]. إذاً: ليس من شرط أهداف العداوة الأولى وهي الإبادة أن تكون الإبادة فورية، لكن أخطر من الإبادة الفورية الإبادة طويلة المدى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧]، قد يعاديك إنسان فيقتلك الآن ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران:١٦٩]، فليست الإبادة الفورية دليلاً على العداوة في كل حال، أو ربما كانت من طرفك دليل عداوة، لكن ليس منتهاها دليلاً أنك بعداوة نفسك قدت نفسك إلى العداوة، أو إلى مؤداها، ربما كانت هذه طريقاً إلى الجنة والخلود في الجنة، لكن قد تعيش حياة في إضاءة، ونور، وقصور، وطعام، وشراب، وأكل، في بيوت، وأمن، وشيء من الرفاهية والنعيم، لكنها هي طريق إلى إبادة طويلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
следующие страницы →