Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
التبرج والسفور
إن تدني الأمة في مستواها العلمي والإيماني، وتركها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له آثار عديدة، ومن أكثر هذه الآثار خروج نساء المسلمين إلى الأسواق والشوارع متبرجات سافرات، فعلى الأمة واجب كبير تجاه هذا المنكر العظيم الذي قد تفشى وانتشر بتأثير أعداء الله فيه، ومن هذا الواجب إقامة الندوات والمحاضرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة الفردية والجماعية وغير ذلك.
стр. 1157
ظاهرة انتشار التبرج والسفور
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه ومن استن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اعلموا أن الله ما خلقكم ليستكثر بكم من قلة، أو ليستعز بكم من ضعف، وإنما خلقكم لعبادته فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
معاشر المؤمنين: لا شك أننا نعيش نعمة عظيمة لا يحيطها وصف، ولا يدركها بيان، نعمة في أبداننا، وأمناً في أوطاناً ومزيداً في أرزاقنا وذرياتنا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨].
ومن المؤسف حقاً -يا عباد الله- أن نجني على أنفسنا بالسعي الحثيث لزوال تلك النعمة وذلك بما تكسبه الجوارح من الآثام والمعاصي والمنكرات، التي هي أول معول يقوض أطنابها، ويعجل بزوالها، إنا لله وإنا إليه راجعون! معاشر الأحبة: لاشك أن الطاعات برحمة الله أسباب النعم وأن المعاصي جوالب النقم:
وإن كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم
وإياك والظلم مهما استطعت فظلم العباد شديد الوخم
وسافر بقلبك بين الورى لتبصر آثار من قد ظلم
فتلك مساكنهم بعدهم شهود عليهم ولا تتهم
وما كان شيء عليهم أضر من الظلم وهو الذي قد قصم
فكم تركوا من جنان ومن قصور وأخرى عليها أطن
صلوا بالجحيم وفاتوا النعيم وكان الذي نالهم كالحلم
عباد الله: المعاصي التي نرتكبها ونراها ونبصرها كثيرة جداً، ولكن ستر الله وعفوه ورحمته تهون أمرها على كثير من الناس، ومع عفو الله وستره فلا يعني ألا نمعن النظر أو نقلب البصر في لون من ألوان المعاصي الذي يقع فيها بعض المسلمين بإقرارهم، وبعض المسلمات بفعلهن، تلكم المعصية التي كانت سبباً لضلال كثير من الشباب، وانحرافهم عن جادة الصواب، وانحرافهم عن جادة الصلاح، وانحدارهم في ألوان المعاصي والآثام واحدة تلو الأخرى، أتدرون ما تلك المعصية؟ إنها جريمة التبرج والسفور، جريمة اجتماعية وعصيان لله، وكسر للفضيلة والحياء، التبرج والسفور إظهار المرأة للرجال الأجانب الذين ليسوا من محارمها ما أوجب الشارع ستره من زينتها ومحاسنها، وكلكم -معاشر الأحباب- يلحظ هذا الأمر جهاراً نهاراً في الأسواق وغيرها.
ومظاهر التبرج في هذه الأيام أخذت أشكالاً متناقضة، فترى المرأة قد غطت وجهها بغطاء شفاف، وارتدت عباءة شفافة أيضاً على كتفيها، وثوباً يقطع ويفصل مفاتنها من أعلاها إلى أسفلها، مع إبداء النحر والذراعين محلاة بالذهب، أو شق جانب الثوب يميناً أو شمالاً لتلتهب الفتنة بخروج الساق عارية، ثم تجوب الأسواق معطرة مزينة بمشية مائلة متمايلة، وإذا خاطبت صاحب الحانوت كشفت عن وجهها وحدثته بلسان متكسر، وعبارة تفوح منها رائحة العبث والفتنة، هذا من أكبر الذنوب، وأخطر المعاصي فتكاً بالنساء والرجال بل بالمجتمع بأسره، فكم من شاب وقع أسيراً لنظرته المسعورة لامرأة كهذه! وكم من رجل واقع الفاحشة ولم يقلع عنها إلى يومه هذا وقد يكون متزوجاً! وكم من رجل زهد في زوجته وتمنى أن لو لم يرها بفتنة تلك المرأة في بصره وقلبه! عجباً عجباً -يا عباد الله- أن تؤثر امرأة ضعيفة! وهي كما يقول القائل:
وهن أضعف خلق الله إنسانا
أن تؤثر بفتنتها ومشيتها وتكسرها في مجتمع بأسره ولا غرابة، فالنبي ﷺ يقول: (ما تركت بعدي فتنة أضر على أمتي أو أضر على الرجال من النساء فاتقوا الدنيا واتقوا النساء).
عباد الله: إذا كان القرآن الكريم يخاطبنا بقول الله جل وعلا: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] ذلك في زمان الصحابة وذلك في عصر النبوة والخطاب لنساء النبي ﷺ ، فكيف الحال في زماننا هذا وكيف الأمر في واقعنا هذا الذي تكسرت فيه الأقوال! وتلطف الرجال وتكسروا في مقيلهم وقولهم للنساء! إنا لله وإنا إليه راجعون! فانظروا كم حقق الشيطان من نصر في أولئك بجنديٍ من جنوده وهي المرأة المتبرجة السافرة، ويوم أن نسمع هذا الكلام أو نقوله لا نعني أننا نحكم على النساء قاطبة بالتبرج والسفور؛ بل إن من بينهن من يخرجن لحاجة مقصودة في لبس ساتر، ومشية مستقيمة، قد أسدلت خمارها على وجهها، وأضفت عباءتها على ثوبها الواسع الذي لا يصف مفاتنها، ولبست قفازاً لستر يديها، فهذه لا يجرؤ عابث على ملاحقتها في نظره، ولا يجد الشيطان فيها كميناً ينصبه لفريسته، ولا يملك من رآها إلا أن يدعو لها ولبنات المسلمين بالستر والتوفيق.
стр. 1158
تحريم التبرج والسفور وآثاره على الناس
نعود إلى مشكلة التبرج والسفور لنرى أن القرآن قد ذكر هذا الموضوع في قوله جل وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فالتبرج من عادات نساء الجاهلية، ولا شك أن امرأة تخرج بهيئة متبرجة فإن الشيطان يستشرفها ويعد بها ولها الفتنة والبلاء بخروجها، ولا يشك مسلم في حرمة هذا الفعل الدنيء، فهو حرام بمقتضى مصالح العباد في تحريمه لو لم يرد دليل ينهى عنه، فكيف وقد جاء الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) فلتعلم النساء، علموهن -يا معاشر الرجال- أن هذا الأمر حرام وشر مستطير، وعلموهن بهذا.
ومن مساوئ هذا التبرج والسفور أن يصاحبه اختلاط المرأة بالرجل وانفراده بها في محله أو معرضه أو في الطابق الثاني من المعرض، فإذا جاءت المرأة متبرجة بالصفة التي ذكرنا، وصاحب ذلك الخلوة والانفراد فقد وقع المحذور إلا ما شاء الله، وكيف لا يقع والنبي ﷺ يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه.
ومما يجرح القلب أن ترى صاحب الحانوت أو المعرض لا يتردد أن يلبس المرأة التي جاءت إلى معرضه، لا يتردد أن يلبسها حلياً أو مصاغاً أو ملبوساً بعد أن مدت يديها له بحجة أنه يساعدها في ذلك، وهو يعبث بيديها ويقلبها بين يديه في صورة المعونة والمساعدة، وهذا واقع في كثير من النساء اليوم، فإن كانت لوحدها فمن الملوم هي أم وليها أو كلاهما جميعاً، وإن كان زوجها بجانبها فهو ديوث على رضائه بما يرى، ولا شك أن ذلك التبرج يشعل فتيل النظرات الجائعة التي أعقبت حسرات وأنات ضائعة، بفعل غافل أو جاهل عن ذكر الله وأمره ونهيه، فلم يقدر عاقبة نظره:
وأعقل الناس من لم يرتكب عملاً قد لا يفكر ما تجني عواقبه
إن التبرج والسفور لو لم يأت من مصائبه إلا أن يجعل الناس لا يغضون أبصارهم، وأن يطلقوا نظراتهم في الحرام، فكفى به بذاءة وخسة ودناءة، يقول ابن قيم الجوزية:
وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ويقول الآخر:
كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
ولهذا الجانب من آثار التبرج وهو النظر حديث يخصه إلا أنا ذكرناه بأنه أول مصيبة تنجم عن رؤية المتبرجات السافرات، يقول ﷺ : (إن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني: زانية) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح، وفي رواية: (أن المرأة إذا استعطرت فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية) أعوذ بالله من التبرج والسفور، نعوذ بالله ونعيذ نساءنا ومحارمنا وبناتنا من التبرج والسفور، ونسأل الله على ألا يرينا فيهن عورة مهتوكة أو ستراً منكشفاً.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1159
النساء وخروجهن الأسواق لغير حاجة
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، الحمد لله حمداً يرضي ربنا، الحمد لله حمداً ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، وكلنا لربنا عبد، جل عن الشبيه والمثيل والند والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار.
معاشر المسلمين! لا شك أن ضعف الإيمان في قلوبنا، لاشك أن تقاعسنا عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلة العلم الشرعي، وسوء التربية والتوجيه من الأمور التي أورثت نوعاً من هذا الجيل يجوب الأسواق والطرقات غاديات رائحات، لا مهمة لهن إلا الفتنة والبلاء، ومن أراد أن يتأكد من هذا فليقف في السوق لحظة ليتأكد أن جميع من في هذا السوق ما جاءوا لقضاء حاجة وإنما النسبة القليلة التي جاءت لقضاء شيء من حاجاتهن أو حوائجهم، والكثير منهن لو دقق الإنسان النظر لوجد أنهن يجبن السوق غاديات رائحات، ولكن الإنسان إذا دخل السوق لحاجة فهو تراه يمشي مسرعاً لقضاء حاجته وللخروج من هذا المكان الذي هو أبغض البقاع عند الله، فيظن أن الناس مثله في قضاء حوائجهم، وفي نفس المقصد في الإتيان إلى هذا المكان، والواقع خلاف ذلك، ومن اتصل أو جالس رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو أخذ حديثاً من رجال الأمن لعرف أن كثيراً من المصائب تدبر وتحاك، ويكون موقع العمليات فيها هي الحوانيت، فإن لم تكن فموقع التخطيط والمؤامرة، إن ذلك لا يكون عبثاً، وإنما هو أمر مدبر، ومصيبة تحاك، نسأل الله جل وعلا أن يرينا فيمن يدبرون لهذا المجتمع عجائب قدرته، وأن يفضحهم على رءوس الخلائق أجمعين.
معاشر الأحباب: ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان ﷺ يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس، وقالت عائشة: أما لو رأى النبي ﷺ من النساء أو رأى من النساء ما رأينا -تقوله عائشة في زمانها- لمنعهن المساجد) فتأملوا هذا الحديث وانظروا عظم الفارق بين ذلك وزماننا هذا نسأل الله جل وعلا أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
عباد الله: إن للمجلات الخليعة والأفلام الماجنة لدوراً عظيماً في حث تلك الفتيات إلى أن يجبن الأسواق غاديات رائحات، ومتى عرفنا النساء يتوسطن الشارع ويزاحمن الرجال بأكتافهن؟! ومتى رأينا النساء يرفعن أصواتهن في مجامع الرجال إلا يوم أن انتشر هذا البلاء، ونحن الآن في نعمة عظيمة مع عظم هذه النعم ومع انتشار هذه المنكرات في الجانب المقابل نسأل الله ألا يكون ذلك استدراجاً ونسأل الله ألا يعذبنا بذنوب غيرنا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
стр. 1160
دور الأمة أمام مشكلة التبرج والسفور
معاشر الأحباب: ما هو دوركم أمام هذه المشكلة؟ أيكفي أن تسمعوها أو تحوقلون؟! لا يكفي، فلكلٍ دورٌ ومسئوليةٌ أمام هذا الأمر: أما أول دور: فهو في أنفسنا وأسرنا بالتربية والتوجيه، ومناقشة هذا الموضوع مع محارمنا وبناتنا مناقشة جدية، نبين لألئك الفتيات الغافلات أن هذا أمر مدبر وأن نهايته الانفتاح والإباحية.
الأمر الثاني: أن نبث الوعي بخطورة هذه الظاهرة، وأنها تجني على الأجيال بما تجر عليه من الانحلال والإباحية ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا الدور بالمشاركة في الندوات والصحف والإذاعة وغيرها من وسائل الإعلام، فلا يترددن مسلم يملك أن يقدم نصيحة في هذا الباب، أو في أي وسيلة من الوسائل يقدمها لينفع المسلمين بذلك.
الأمر الثالث من دورنا: أن ننكر هذا المنكر بأنفسنا أن ننكره بألسنتنا؛ لأن الإنسان حينما تتقد في قلبه نار الغيرة فوالله لا يصبر أن يرى امرأة متبرجة، فإن كانت في سيارة مع زوجها وما أكثر انتشار هذه الظاهرة في هذه الأيام، كثيراً ما ترى المرأة قد كشفت عن وجهها متزينة متجملة في السيارة بجانب زوجها، أفنلوم زوجها أم نلومها هي:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
دورنا أمام هذا أن نلتفت إلى زوجها في سيارته، وأن نحدثه حديث المشفق الغيور، اتق الله في زوجتك هذه لو يراها جائع لم ير جمالاً لأصابها بعين فابتليت بها وابتلاها بتلك العين، ولو رآها مجرم لا يهمه في أي وادٍ هلك لتبعك وتبعها مع أعوانه ليفتك بك وبها في مصير أن ينال منها ما تشتهيه نفسه، ولو رآها إنسان حاسد أو فاسق لشنع بها ولذكرك في مجالس الناس وأن زوجة فلان رأيتها في المقام كذا وكذا وأولاً وأخيراً نذكره بأن هذا أمر لا يجوز، فإن كنت مسلماً ومؤمناً وتقول: الإيمان في قلبي فأرنا قليلاً من الإيمان بأمر سهل تأمر به زوجتك، أما إن رأينا امرأة مع سائق من السائقين وما أكثر هذا الأمر! أن تجد المرأة متبرجة كاشفة وولي الأمر في تلك اللحظة هو السائق، لا يملك أن يرد عنها قليلاً حتى لو ضيق ذلك السائق إلى أضيق الطريق، أو يلجأ إلى أن يقف بسيارته لينال أولئك العابثون من هذه المرأة شيئاً، فإنه سائق مسكين لا يملك حولاً ولا قولاً ولا قوة، وبعد ذلك قد تنتهي هذه المصيبة بهذه المرأة بسبب تفريط وليها في هذا الواقع، علينا إذا أمكننا في ذلك إن رأيناها في سيارته أو رأيناها في سوق أو في مجمع أو في مستشفى أو في أي مكان أن نكلمها عبارة لطيفة لا تكسر فيها ولا خضوع؛ لأن المرأة لا تتحمل ما يتحمله الرجال من غلظة القول وغضاضته، علينا أن نقول لها: اتقي الله واستري نفسك هداك الله، اتقي الله، وأنت بهذا تعرضين نفسك ستر الله عليك، بدعاء قليل، وكلمات طيبة، فإنها لا شك أنها تبادر بالخجل، وقد لا تنقاد في المرة الأولى لهذه النصيحة ولكن بتكرار هذه النصيحة منك ومن أخيك ومن غيرك من أبناء هذا المجتمع، فإن النتيجة في نهاية الأمر تكون ولله الحمد ظاهرة منكرة غيرناها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يستر على نسائنا ونساء المسلمين، اللهم يا فرج المكروبين ويا نصير المستضعفين ويا إله الأولين والآخرين! نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى وباسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت أن تستر على نسائنا، اللهم لا ترينا فيهن فضيحة، اللهم لا ترينا فيهن عورة مكشوفة ولا ستراً مهتوكاً.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد المسلمين بسوء، وأراد المسلمين في هذا البلد خاصة وغيرها من البلاد عامة، اللهم من أرادهم بسوء وأراد ولاة أمورنا بفتنة وعلماءنا بمكيدة، وشبابنا بضلال، ونساءنا بتبرج وسفور اللهم فاجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أرنا فيه يوماً أسود، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً اللهم صل وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، نبيك محمد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء، وعن بقية العشرة المبشرين بالجنة، وأهل الشجرة وأهل البيعة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1161
التحليل القرآني للأحداث
إن القرآن الكريم هو منهج المسلم في تفسير الظواهر والأحداث من حوله، وإن فسرها من شاء بما شاء، ولأجل ذلك جاءت هذه المادة موضحة لهذا المبدأ المهم في حياة كل مسلم، ولقد انتقل الشيخ بعد ذكر المقدمة لبيان حقيقة أفكار حزب البعث من الكفر المعلن واتباع مناهج القومية والعلمانية والاشتراكية، وأكد ضرورة الإعداد لمواجهتها.
стр. 1162
القرآن هو منهج المسلم في تفسير الأحداث
الحمد لله الذي جعل العزة والكرامة والأمن والطمأنينة لمن أطاعه وحَكَّم شرعه، وجعل الذلة والصغار والخوف لمن خالف أمره، وخالف تحكيم كتابه وسنة نبيه، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، واحدٌ في ربوبيته وعظمته، الأرض جميعاً قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يعلم جنوده إلا هو، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم وللأولين وللآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
واعلموا أن التقوى مع حسن الخلق أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة، وما ذاك إلا أن التقوى تتضمن مراقبة الله في السر والخفاء قبل العلانية، وفي الباطن قبل الظاهر.
معاشر المؤمنين: يظن كثيرٌ من المسلمين في خضم هذه الأحداث المتلاطمة التي أصبح يتكلم فيها كلٌ في منهجه، وكلٌ بمنظاره، وبطريقه، فالذين يؤمنون بأن الغلبة والقوة لمن ملك القوة المادية والسلطة العسكرية، والآخرون الذين يظنون أن من ألف الشعوب وجيَّش العواطف، أنه سيكسب هذه الجولة، وقليلٌ من أولئك الذين يظنون أو يعلمون أو يتيقنون أن الأمر لمن كان قريباً من الله جل وعلا بصريح قوله سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]، ولقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
في خضم هذه الأحداث، وفي هذه الأمواج المتتالية من التحليلات والتوقعات، والأنباء والأخبار وغير ذلك، ليس لدينا إلا منظار واحد، سواء حلل الغربيون بطريقةٍ معينة، أو حلل الشرقيون بطريقة معينة، أو ذهب أرباب الفكر والسياسة إلى منهجٍ معين، اعلموا أن منهج المؤمن وتحليله للأحداث لا يتغير؛ لأنه مرتبطٌ بمرجعٍ واحد ألا وهو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ومتى أصبح هذا الحدث أو غيره من الأحداث أعظم من أن يكون موجوداً في كتاب أو في سنة نبيه ﷺ ، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]؟ إن أي واقعةٍ، أو نازلةٍ عسكرية، أو سياسية أو اقتصادية، أو أي ظاهرةٍ من الظواهر كما يسمونها، وإن للمسلم فيها منهجاً واحداً يعود إليه في كل حال، ألا وهو هذا الكتاب الذي حوى كل شيء، وما فرط الله فيه من شيء، ولكن من الذي يستطيع أن يفهم هذا الأمر، ويستنبط هذا التحليل، ويدرك هذه الحقيقة؟ إنهم أولو الأمر منهم كما يقول جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] إن أقواماً عجزت عقولهم أن تدرك استنباط تحليل الحدث من القرآن، فذهبوا يستلهمون استنباط الأحداث وتحليلها من إذاعة لندن أو من رويتر، أو من أي وكالة من الوكالات، وعجزت عقولهم أن تدرك معنى القرآن والسنة ذهبوا ليقبلوا أقوال وتحليلات البشر، وبنوا على هذا كل أمر، وتصرفوا على هذا في كل وجهٍ ومسلك.
إذا كان ذنب المسلم اليوم جهله فماذا على الإسلام من جهل مسلم
إذا تخلفت عقول بعض المسلمين أن يعرفوا كيف يحللون الأحداث، وكيف يفسرونها، وعجزت عقولهم عن تفسير ومعرفة ذلك من القرآن فليس الذنب على القرآن أو السنة، بل العتب واللوم والملامة تقع على هذه العقول المتخلفة التي عجزت عن فهم الأمور القرآنية وقبلت تحليل البشر من كل جانب، نحن لا ننكر أن نتسمع الخبر أو أن نعرف الخبر، فالخبر واقعةٌ ندركها من خلال هذه الوسائل، لكن المصيبة المرة أن نذهب ونقبل تفسير الخبر من كل ناعق، ومن كل ببغاء، ومن كل مقلدٍ ومردد، متى أصبح المسلم يفقد ميزانه؟ متى أصبح المسلم لا يملك ميزاناً يقيس به الأحداث، ويرد إليه الأمور كلها؟ ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء:٨٣].
أقول: يا معاشر الأحبة! هذه المقدمة؛ لأن في هذه الأيام راج سوق أجهزة الراديو التي تقرب الإذاعات البعيدة، والتي تصفي الإذاعات المشوشة؛ لكي يسمع الناس الأنباء صباح مساء، فإن سمعوا نبأً وتحليلاً مُطَمْئِنَاً ناموا مطمئنين، وإن سمعوا نبأً وتحليلاً مروعاً ناموا خائفين، وبالصباح مرجفين، وتراهم متقلبين، أي مسلمٍ يعير عقله إذاعةً أو يعير عقله تحليلاً لكافرٍ أو لمسلم؟ ليت عنده ذلك البعد القرآني، والفهم النبوي الذي ورد في الكتاب والسنة.
معاشر المؤمنين: هذه مسألة ينبغي ألا تغيب عن البال، وينبغي أن نعلم أنهم وإن أطبقوا وجمعوا وحللوا وأرادوا، أو توافقت وتواترت تحليلاتهم وتوقعاتهم في أمرٍ من الأمور هل سيكون غداً؟ فإن مسلماً بلغ من الجهل والغباء منزلة أن يظن أن ما توقعوه يتحقق غداً، وحتى أثبت لكم أن بعض المسلمين وقع بهم الغباء والسذاجة، والبساطة والغوغائية إلى حدٍ بعيد، خذوا هذا المثال: لو سمعنا الآن تصريحاً لأربعة من الوزراء، أو الرؤساء، أو من العسكريين، أو من المحللين والإخباريين، توافقت فيه آراء أربعة أو خمسة لانتظرنا نتيجة وتحقق هذا الحدث في الوقت والساعة واللحظة التي حللوا وقدروا أن يكون الحدث فيها، ويوم أن يقال لمسلم: إن الله يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] تجده يتردد هل يرفع يديه أم لا؟ وهل يدعو؟ وإذا دعا هل يستجاب له أم لا؟ هنا تخرج العقيدة، وهنا يظهر جهل كثير من المسلمين أن يعتقدوا تماماً أن ما يحلله ويقوله البشر ينطبق لا محالة، وأن ما يقوله الله وإن بيتوا في نفوسهم أنه لا شك في صدق الله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] تجد أحدهم يتشكك ويتردد هل يقع أم لا؟ لماذا هذا اليقين والاعتقاد والجزم الكامل بوقوع ما تنبأ به البشر؟ وذلك الشك والتردد في حدوث ما حكم به رب البشر، أليس هذا خللاً في العقائد؟ والله إنه لخلل.
والله إننا -أيها الأحبة! - نشهد حالةً من ضعف التوكل على الله، وإن كنا نقول بألسنتنا: نحن متوكلون على الله، لكن حقيقة التوكل لم تظهر جليةً في السلوك والتصرفات والعلاقات.
مثالٌ آخر: لو قلنا لبشرٍ: كل السم، لقال: لا آكله؛ لأن السم قاتل.
ولو قلنا: ادخل النار، لقال: لا أدخلها؛ لأن النار محرقة.
ولو قلنا: ادع ربك حتى يستجيب لك في هذه النازلة والواقعة فإنك تجد الدعاء آخر سلاحٍ يفكر به، لماذا؟ لأنه يعتقد جزماً ويقيناً أن السم قاتل، وأن النار محرقة، وليس اعتقاده بنفس الدرجة في الدعاء، لماذا يا عبد الله؟! أليس هذا دليلاً على خداع النفس وضعف التوكل على الله؟ بلى والله.
وإن مثل هذه الأمور أظهرت خلل بواطن الناس وضعف قوة تنكر العقيدة في قلوبهم، يوم أن التهبت التحليلات والأنباء والأخبار في هذه الواقعة، ولا تجد أحداً إلا وجهازه عند أذنه، يسمع وينصت وإذا تكلم ولده أو زوجه سكته حتى لا يفوت قليلٌ ولا كثيرٌ من الحدث، ولو أن ذلك الوقت الذي صُرف في تتبع الإذاعات والموجات صُرف في التضرع والدعاء والخضوع لله لرد الله هذا البلاء عنهم جميعاً: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] لكن ماذا حصل؟ لم يتضرعوا: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام:٤٣] فقسوة القلوب، وضعف تمكن العقيدة فيها هو الذي جعل كثيراً من المسلمين يتخبطون حيص بيص، ويمنةً ويسرة، ويا أسفاً على أمةٍ رجالها بهذا المستوى من ضعف تنكر العقيدة!! ولا أقول كلهم، بل أقول بعضاً قليلاً حتى لا يعم شؤم الأمر عامة المسلمين.
أيها الأحبة في الله: ينبغي أن نحلل كل واقعة تحليلاً قرآنياً نبوياً قبل أن نسمع تحليل الأنباء والأحداث من مختلف وكالات الأنباء العالمية وغيرها، ينبغي أن نرد الأمور إلى الله، أن نرد الأمور إلى العلماء الذين يدركون العبر، وما ذكر الله في كتابه، ويدركون حقائق الأمور مربوطةً بالقواعد الشرعية، والمصالح العامة التي تضمنها هذا القرآن وهذه السنة.
стр. 1163
حقيقة أفكار حزب البعث
أنتقل بكم إلى أمرٍ آخر أيها الأحبة! إن تزاحم الأحداث في هذا الزمان، وما نلاحظه من تفاعل الناس مع الأحداث يدعونا إلى أن تكون الخطب متعددة المواضيع حتى تغطي أكثر من أمر، وتعالج أكثر من مشكلة تدور في أذهان الكثير من الناس، يظن بعض السذج والبسطاء أن الحملة التي قامت لتكفير البعثيين إنما هي عاطفةٌ وطنية، يظن الكثير أننا يوم أن قلنا: إن البعث ومن اعتقد أفكاره كافرٌ ملحدٌ لا محالة، أن هذا نتيجة الموجة السياسة، أو نتيجة العاطفة الوطنية التي قادتنا ودعتنا إلى هذا الأمر، كلا والله.
ولكن كما قلنا: إنما ندين القوم من أفواههم (وعلى نفسها جنت براقش) أعيد لكم أفكار حزب البعث، وحقيقتها، وما يظهر جلياً في بعدها عن كتاب الله وسنة نبيه، وبعد ذلك لا أحكم أنا، بل أنتم الذين تحكمون:
стр. 1164
الكفر المعلن
إذا كان شعار البعث:
آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني
هل يبقى على الإسلام من يعتقد غير الله رباً؟ لا والله.
إذاً ما كفرنا البعثيين عاطفةً وطنية، وما قلنا بكفر البعثيين عن عاطفةٍ أو موجةٍ سياسية، وإنما نقول ذلك من صريح ما عرفناه من العقيدة، وما درسناه من التوحيد، وما عرفناه من الشريعة.
وآخر يقول، وهو من أساطين البعث ورجاله المقدسين: (بلادك قدمها) هذه دعوى القومية في الحزب العربي البعثي.
بلادك قدمها على كل ملةٍ ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم
هبوا لي ديناً يجعل العُرب أمةً وسيروا بجثماني على دين برهم
سلامٌ على كفرٍ يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
(فقد مزقت هذي المذاهب) يعني مذاهب الفقه ومذاهب الاتباع للدين.
فقد مزقت هذي المذاهب شملنا وقد أودعتنا بين نابٍ ومنسم
هل يبقى على الإسلام من يقول ويعتقد هذا الكلام؟ لا والله.
إذاً ما كفرنا البعثيين عن عاطفة، أو عن موجةٍ سياسية أبداً.
стр. 1165
قيامها على فكرة القومية العربية
تقوم أفكار البعث على القومية وهي الوحدة، وعلى الاشتراكية ويسمونها المساواة، وعلى العلمانية وهي الحرية، أما القومية: يريدون -كما قلت- أن يجمعوا العرب في إقليمٍ واحد، في إطارٍ واحد، في نظامٍ واحد، أياً كان أولئك العرب؛ نصارى أو مجوساً، أو بعثيين أو نصيريين أو جرذيين، أو أي فئة كانوا، يريدون أن يجمعوا العرب في مكانٍ واحد، إن البهائم وهي بهائم لا تستطيع أن تجمع أصنافها في حظيرة واحدة، فما بالك بالبشر الذين تتباين وتختلف عقولهم وسلوكهم وتصرفاتهم، كيف تريد أن تجمعهم في إطارٍ واحدٍ اسمه إطار القومية العربية، والوحدة العربية جمعاء؟ ثم أين الوحدة؟ أرونا براهين هذه الوحدة؟ نعم، ظهرت براهين الوحدة في قتل الدعاة من العرب المسلمين، ظهرت براهين الوحدة في قتل أفراد السنة، ظهرت براهين الوحدة في الاجتياح لدولةٍ عربية مسلمة، ظهرت براهين الوحدة في اعتقال وتعذيب كل من عرف بالدعوة إلى الله، والصدق في كلامه، أهذه براهين صادقة، أم براهين على تكذيب دعوى الوحدة والقومية العربية التي يدعونها؟ وهذا الشعار الذي يرفعونه يتضمن ما يتضمنه من الكفر والفواحش، والكبائر والآثام والمصائب العظيمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فهل بعد هذا يبقى مسلمٌ يظن أن من اعتقد أمور البعث وعمل بها كما هو الحال في هذه الطغمة الباغية، يبقى على الإسلام؟! والله إن النصراني يجوز أن تأكل ذبيحته، وتتزوج أخته، وتأمنه، ولا تستطيع أن تأمن بعثياً ملحداً لا يجوز أكل ذبيحته، ولا يجوز أن تتزوج منه، لا نفرق بين غربيٍ وشرقيٍ، وأوروبي وعربي، الكفر كله ملة واحدة، والعقيدة أمرها واحد؛ سواء كانت محليةً، أو إقليميةً، أو عالمية دولية، لا فرق بين كفر العرب وكفر العجم، لا فرق بين كفر العرب وكفر الأوروبيين وغيرهم، فالكفر ملةٌ واحدة.
стр. 1166
قيامها على دعوى العلمانية
كذلك أيها الأحبة! في دعوى العلمانية التي يقوم عليها هذا الحزب: لا دخل للدين بالدولة، لا علاقة للدين في الدولة، كلٌ يعمل ما يشاء، كلٌ يتصرف كيفما يحلو له، لا سلطان، ولا أمر ولا نهي، ولا قليل ولا كثير للدين في أمور الحياة، سواء الشخصية أو الاجتماعية، أو الاقتصادية والسياسية والدولية وغيرها، ما فائدة هذا القرآن إذاً؟ إذا كان عمالقة بل أقزام البعث الكفار الملاحدة يعطلون القرآن، وماذا يقولون في القرآن؟ يقول طاغوت البعث مؤسس الحزب، ومن حذا حذوه ممن يسمون بالسنة، وقد خرجوا من الدين، كما يقول أحدهم لما نوقش في أمر البعث، قال: ليس ميشيل عفلق هو مؤسس البعث وحده، بل هناك صلاح البيطار مثلاً، هناك فلان وفلان مثلاً، وهم من السنة، قال: نعم.
صدق هذا سني كافر.
فعلاً، كيف تضيق عقولنا عن رؤية الجبال، ولا تبصر إلا أدنى الأمور، وليست في محلها ولا في موقعها؟!! يقول أولئك من كافرهم وسنيهم الذي يزعم هذه السنية، والسنية منه براء: القرآن تاريخٌ وكتابٌ أدبي جيد.
يعني: أن القرآن كلام الله المنزل من فوق سبع سماوات هذا أمرٌ لا اعتبار به! أن القرآن المعجز في نبئه وخبره، وحكمه وعباراته لا عبرة له! القرآن المتعبد بتلاوته لا عبرة له! القرآن الذي يجب الرجوع والتحاكم إليه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] أيضاً هذا لا عبرة له! إنما نعترف بالقرآن، يقول البعثيون: نعترف بالقرآن؛ لأنه عربي اللغة، ولأنه كتابٌ أدبيٌ جيد.
والله إن بعض النصارى لأفضل في معتقدهم من هؤلاء البعثيين؛ لأن بعض النصارى يقولون: الإنجيل كلام الله، والقرآن كلام الله، والتوراة كلام الله، وليس أحدهم أفضل من الآخر.
ونحن ولا شك نعتقد أن القرآن خاتمٌ مهيمنٌ حاكمٌ ناسخٌ للرسالات السابقة، لكن أولئك لا يعترفون حتى بأن سندية هذا القرآن في كونه كلام الله، بل لكونه كتاباً أدبياً جيداً، ويقولون: إن محمداً بطلٌ عربي.
إذاً، ليست الأمة ترفع رأسها بالنبي ﷺ لأجل نبوته، وإنما لأجل عروبته، إذاً لماذا لا نرفع الرأس بـ أبي لهب؟ لماذا لا نرفع رءوسنا بـ أبي جهل؟ لماذا لا نرفع رءوسنا بأشقى القوم عقبة بن أبي معيط؟ لماذا لا نرفع رءوسنا بـ كعب بن الأشرف اليهودي، وسلام بن أبي الحقيق؟ إذا كان شرف الأمة في محمدٍ بعروبته فليس محمد وحده عربياً، بل هناك من العرب الكثير؛ عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين أيضاً عربي، لماذا لا يرفع به الرأس؟ لكنهم لم يستطيعوا أن يقولوا هذه الأفكار صريحةً، وإنما خرجوا أو ظهروا بشيءٍ يفهمه من يفهمه ويجهله من لا يعلمه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] والله إن من تأمل أفكارهم وقرأ شيئاً من كتاباتهم علم كل العلم منتهى وإغراق الإلحاد والكفر والمروق والخروج من الدين والشريعة فيما يعتقدونه، فهل بعد هذا يا عباد الله! نظن أن تكفيرنا للبعثيين الملاحدة هو عن موجة عاطفية أو نخوةٍ وطنية؟! لا -والله- نجرؤ على تكفير مسلمٍ إلا بما نطق به، وشهد به على نفسه مما يخرجه من الدين ويظهره من الملة، فقد كفروا ولا شك في كفرهم معاشر المؤمنين.
نعم.
قد يكون معهم من السذج والبسطاء، والجهلاء والغوغاء، لكن إذا أصبح الكافر وزمرته الملاحدة يستخفون بهذه العقول، والنهب والسلب لكي يجتاحوا أرض المسلمين وأموالهم وأعراضهم، هل عند ذلك أكف عن قتالهم لأن في جيش البعث وطغمته عربيٌ مسلمٌ جاهل؟ لا.
بل لا بد من مقاتلة الطاغية ومقاتلة جنود الطاغية وأذنابه، أياً كانوا على علم أو على جهل؛ لأن الذي يصل إليك يريد قتلك، وانتهاك زوجك، وأخذ مالك، وتدمير بيتك ليس من المعقول أو من المنطق أن تقف وتقول: أتأكد هل هو بعثي كافر ملحد حاقد، أو مسلم من السذج والبسطاء، أتناقش معه قليلاً ثم نبدأ السلاح؟ لا.
هذا من الجهل والغباء، وممن يروجه بعض ضعاف العقول في المجالس.
يقول بعضهم: إن في الجيش من البسطاء والضعفاء والعقلاء؟ نعم.
كونهم في جيشهم وعلى أرضهم وفي بساطتهم وعقلهم فهم يتحملون ما يفعلون ويقفون فيه، وأما إذا تحركوا نحوك شبراً واحداً فاقتل مسلمهم وكافرهم، لماذا؟ لأن القاتل يقتل بكفره، وهذا المسلم يقتل لرد عدوانه، واعلم أنك يوم تقاتله وإن كان مسلماً في جيشٍ عراقي إنما تقاتل دون مالك: (ومن قتل دون ماله فهو شهيد) وتقاتل دون عرضك: (ومن قتل دون عرضه فهو شهيد) والله تعالى قال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:٩] وقد سماها في الآية التي قبلها من الطائفة المؤمنة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات:٩] لم يقل: واحدة مؤمنة وأخرى كافرة؛ بل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ [الحجرات:٩] يعني: واحدة من المؤمنين، فإن بغت مؤمنة على مؤمنة: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] فهل بعد هذا يبقى مسلم يقول: أنا لا أدري، أخشى أن أقابل عراقياً مسلماً فأقتله، ما دام متوجهاً ومتسلطاً بسلاحه، سواء كان ذَنَباً للبعث، أو طامعاً في مالك أو عرضك، فاقتله ولا تخف، ولا بد من ذلك.
جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ قال: (إذا جاء رجلٌ يريد مالي، أفأقتله يا رسول الله؟! قال: اقتله) ما قال الرسول قف واسأله: هل هو مؤمن أم كافر؟ هل أحد أرسله أم أنه جاء باختياره؟ بل قال: اقتله، قال: قاتله (قال: فإن قتلته يا رسول الله؟ قال ﷺ : هو في النار، قال: فإن قتلني؟ قال: فأنت إذاً في الجنة) (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد) وإن من يقاتل هذه الأمة الباغية إنما يقاتلها دِيناً قبل أن يقاتلها عرضاً ومالاً، والله لو حكم العراقيون شبراً من الجزيرة ما رفعوا فيه منبراً، ولا أقاموا فيه مسجداً، ولا حَكَّمُوا فيه كتاباً ولا سنة، فهل بعد هذا يظن بعضنا أن من التساهل والبساطة أن نقف أمام الحدث ضعافاً سذجاً بُسطاء مكتوفي الأيدي؟ لا والله.
تلك مصيبةٌ وفتنة لا شك فيها، ولكن كما جاءت الشريعة بقاعدةٍ جليلة: (نرتكب أدنى المفسدتين دفعاً لأعلاهما) لا بد أن نمشي قدماً مضياً على القواعد الشرعية التي جاءت في الشريعة.
стр. 1167
قيامها على مبدأ الاشتراكية
ومن أركان البعث أيها الأحبة: الاشتراكية، فما هي الاشتراكية؟ لا يمكن أن يوجد رجلٌ محدود الدخل بجوار رجلٍ غني ثري، ولو كان ذلك المحدود نواماً عاطلاً باطلاً كسولاً، وذلك الثري حركاً نشيطاً جواباً متنقلاً، لا يمكن أن يستوي هذا مع هذا في الدخل.
إن أول ما جاء به أرباب الشيوعية بأفكارهم كـ كارل ماركس، وفردريك إنجلز، ولينين، واستالين وغيرهم، لما قرروا هذه النظرية الشيوعية طبقوها في الاتحاد السوفيتي، قالوا: لا بد أن نأخذ من كل واحد طاقته، وأن نعطي كل واحدٍ حاجته، وما فاض نرده إلى خزينة الدولة فنقسمه على احتياجات الشعب، وإن أغنى فئة وملة وطائفة وفرقة الحزب الحاكم في الاتحاد السوفيتي الذين ينادون بـ الاشتراكية، يملكون قصوراً باللَّونية من أولها إلى آخرها، الذين ينادون بـ الاشتراكية ألا يكون أحد إلا وهو متساو مع غيره، وألا يتفاضل أحد على أحد أبداً.
ما الذي حصل؟ جاءوا لتطبيق هذه النظرية فدخل العمال، وتسمى ثورة العمال وغيرها في المصانع، فإذ بالعامل النحيل الهزيل الضعيف، لكنه قويٌ في العمل، ضعيف في البنية، قليل الشهية، جادٌ في العمل ينتج في المصنع ما يساوي عشرة كراسي أو أكثر من ذلك في يومٍ واحد، ويأتي العامل البدين السمين، الذي يأكل شيئاً كثيراً لا ينتج إلا كرسياً واحداً، فهذا أخذ جهد يومه، وهذا أخذ جهد يومه، هذا إنتاجه عشرة كراسي، وهذا إنتاجه كرسي واحد، وأعطي هذا فقط حاجته، وأعطي هذا فقط حاجته، فضلوا في ذلك ضلالاً بعيداً، وأوشكت مصانعهم بالخراب، قالوا: لا بد أن ندخل نظام الحوافز، هذا ما ينادي به البعث الآن، يريدون أن يجعلوا أفراد الأمة كلهم خدماً للخزينة العامة، يعملون كلهم ويعود ريع أعمالهم إلى الخزينة، وماذا بعد ذلك؟ يعطى كل واحدٍ منهم حاجته، سواء صرحوا بهذا الآن أم كان مما تدل عليه أفكارهم.
ولذلك نطقوا وأنطقهم الله الذي أنطق كل شيء، ماذا قالوا؟ قالوا: الكويت صغيرةٍ غنية، والعراق كبيرة فقيرة، فلا بد أن نقتسم المال معهم، وسيأتي يومٌ يقولون: السعودية متوسطةٌ أو كبيرةٌ ثرية فلا بد أن نتقاسم معهم الأموال، ثم يأتون إلى بقية دول الخليج بحجة دعوى الاشتراكية.
إن العراق ليس فقيراً، ليس مسكيناً أو ضعيفاً، ولكن الفقر والمسكنة والضعف أصابه يوم أن صرفت أمواله على العدوان والحروب والعداوات مع البشر، ثمان سنوات استهلكوا دخل البلاد ودخل من جاورها معه أيضاً، في حربٍ مع الإيرانيين، من الذي سلب خيرات البلاد؟ إنها القيادة الغاشمة الغوغائية التي سلبت ثوب العاري، وطعام المسكين، وشراب الفقير، وحليب الرضيع، وطعام الكهل والعجوز، صرفت كل هذا لمقاتلة إيران، وماذا بعد ذلك؟ هل قاتلوهم لإعلاء كلمة الله؟ أو للاإله إلا الله؟ لا والله.
ثمان أو تسع سنوات مضت وفي النهاية أعجب بالنصر؛ قتال ينتهي بخضوع القادة المنتصرين، ظن أن العراق خرجت منتصرة على إيران، وإذ بها تقدم أرضاً كلها مخضبة بدماء أبناء العراق وشبابها ورجالها، تقدم أرضاً مليئة بجثث العراقيين، تقدم أرضاً مليئةً بأفئدتهم وجراحاتهم وأشلائهم وتقول لـ إيران من جديد: تفضلي هذه الأرض وفيها منبعان من منابع النفط الكبيرة.
أي أمرٍ يحدث في هذا الكون؟!! إن الشعوب هي المسكينة التي تتقلب في أحوال الجوع والضعف، والهلع والخوف تحت رحمة هؤلاء القادة.
ورحم الله الشيخ/ عبد الله بن حميد يوم أن كان في مقابلة مع الملك فيصل ﵀ رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جناته، بعيني رأيتهم في فيلمٍ مصور وهو يحرك لحيته ويلتفت إلى الملك فيصل ﵀ ويقول: الشعوب فيها خيرٌ كثير، لكن الفساد في القادة، فقال فيصل ﵀: صدقت! الفساد في القادة.
نعم.
إن الشعوب هي المسكينة التي يصرف لباسها وكساؤها، وطعامها وشرابها في العداوات، وتبقى جائعة مريضة؛ لا دواء ولا طعام، ولا سكن ولا شراب؛ لكي يصرف على هذا العدوان، ومن هنا احتاجت الأمة إلى صمام الأمان؛ وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يتسلط أحد على رقاب أحد.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1168
أهمية التجنيد والتدريب لصد العدوان البعثي
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله: عملاً بقوله جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
إن بادرة التجنيد والتدريب التي دعت إليها هذه الحكومة أسأل الله أن يجمع شملها على طاعته، وأن يثبت أقدامها على دينه، وألا يفرح عليها عدواً، وألا يشمت بها حاسداً، إن هذا البادرة العسكرية الطيبة لمن البشارات التي نزف ونتبادل التبريكات والتهاني بها؛ لأن من واجب الأمة أن تكون على مستوى من القوة والإعداد، إن من واجب كل مسلم أن يكون عسكرياً في أي لحظة، خطيباً، أو مهندساً، أو مدرساً، أو ضابطاً، أو إماماً، أو تاجراً، أو موظفاً، أياً كان، لا بد مع كونه مسلماً ومع وظيفته يجمع بعسكريته وجنديته وعمله العسكري، في أي لحظة لا بد أن نكون على هذا المستوى، إن هذا زمن القوة بالله جل وعلا، ثم بإعداد الوسائل وإن من أعد نفسه هابه الأعداء، لو علم اللص أن أهل الدار مسلحون ما استطاع وما تجرأ أن يداهمهم، ولكن يوم علم أنهم ليس عندهم إلا الغناء واللهو والطرب استطاع أن يجتاحهم بلحظاتٍ ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلا ما شاء الله منهم وقليلٌ ماهم.
فيا معاشر المؤمنين: هذه بادرة نحييها ونباركها، ونسأل الله جل وعلا أن يوفق ولاة الأمر عليها، وندعو شبابنا إلى أن يتدربوا، ويتجندوا، ويتعلموا كيف يحملون السلاح، وكيف يطلق النار، وكيف يذبون على الأقل عن أعراضهم وبيوتهم وأموالهم، من المصيبة أن تجد أسرةً فيها اثنا عشر شاباً ليس فيهم من يفهم في السلاح وكيف يفكه أو يركبه أو يصلحه، أي رجولةٍ هذه؟!! لا فروسية، ولا سلاح، ولا إطلاق نار، ولا عسكرية، إذاً أي رجولةٍ هذه؟! رجولة في الفرش، مصيبة هذه!! ينبغي أن نتعلم هذا الأمر، وأن ندركه، واعلم أن ذلك لا يقدم من أجلك شيئاً ولا يؤخره؛ لأن الآجال بيد الله، وحينئذٍ تبقى هذه الجزيرة صداحةً بالحق، حاميةً بإذن الله للحرمين، رافعةً لواء الدين والشريعة، والسلاح على أكتاف رجالها وشبابها، والويل كل الويل لمن أراد أن ينال منها قليلاً أو كثيراً، لقد أثبت شبابنا رجولةً وبطولةً وقيادةً في أفغانستان، أغلب الشهداء من هذه المملكة، من المملكة العربية السعودية من شهداء أفغانستان الذين يقاتلون مقبلين غير مدبرين ويستشهدون في ساحة الحرب.
شابٌ يقاتل في أفغانستان حباً للموت، بحثاً عن الموت، هل يعجز الآن أن يتدرب في بلاده والتدريب مفتوحٌ بين يديه؟! لا والله.
بل إن من استطاع أن يصل القمة فهو على ما دونها أقدر، وكلا الأمرين في باب الجهاد قمة.
أسأل الله جل وعلا أن يهدي شبابنا وأن يوفقهم أن ينضموا لهذه المراكز، وأن يعرفوا قيمتها ودورها.
إن مما يحز في القلب ويجعل الأسى يبلغ بالنفس ما تراه من شبابٍ لا يجيدون إلا التفحيط:
عربات تدفقت تشبه الهائج الخضم
وعلى كل ساعدٍ رايةٌ زاحتة علم
ماجت الأرض بالجموع وداء الفحيط عم
تفحيط، مصائب، يفعلون حركات ما وجدت في الخدع السينمائية، أولئك الذين بلغوا هذه الدرجة من الانتحارية في العبث، إن ساحات القتال تبرهن تفوقهم وقدراتهم ومهاراتهم في باب القتال، وليس ذلك على الله بعزيز، وليس ذلك على الله ببعيد، لكن يوم أن ندعو شبابنا إلى التدريب بالحكمة والموعظة والدعوة، وأن يلتفت طلبة العلم من الآن، ولا بد على طلبة العلم أن يشاركوا في مراكز التدريب حتى تملأ بذكر الله والتكبير، حتى تملأ بالصلاة والخشوع، حتى تملأ بالذكر والإرشاد، عند ذلك فعلاً تكون هذه المراكز مراكز دعوةٍ إلى الله، وحراسة لدين الله ومقدسات هذه الأمة، أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين.
معاشر المؤمنين: أعود فأذكر -ولا نمل من الذكرى-: إن ما حل بـ أفغانستان وبـ الكويت، ليس على الله ببعيد أن يحل فينا، كونوا صرحاء مع أنفسكم، إن كان في الكويت من يترك الصلاة فإن هنا من يتركها، وإن كان في الكويت من يفعل الفواحش فإن هنا من يفعلها، وإن كان في الكويت من يفعل المنكرات فإن هنا من يفعلها، وإن كان في الكويت من انشغل عن ذكر الله فإن هنا من انشغل عن ذكره وإن اختلف الأمر، وهذا فارقٌ مهم بين السر والعلانية، لكن إن استمرينا على غفلةٍ مضت، فوالله لندفعن الثمن من زوجتي وزوجتك، ومن ابنتي وابنتك، ومن أمي وأمك، من عرضي وعرضك، ومن مالي ومالك، إذا لم ننتبه لهذا الأمر فإننا سندفع الثمن غالياً، ولكننا نسأل الله جل وعلا أن يهيئ لنا عودةً ورجعةً، وتوبةً وأوبةً صادقةً إلى الله وإلى مرضاة الله، وإلى طاعة الله والخضوع والانكسار بين يدي الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1169
التربية بين المدرسة والبيت [٢،١]
إن الناظر في حياة الفرد المسلم بمراحله المختلفة من نطفة، إلى جنين، إلى طفل، ثم شاب، ثم شيخ كبير، يجد أن هناك وسائل عديدة تؤدي دورها في التربية إما سلباً أو إيجاباً، وقد تحدث الشيخ عن ثلاث وسائل مهمة لها دورها الفعال في التربية وصياغة الشخصية عند الأبناء.
стр. 1170
نعمة الحياة والعيش في المجتمع المسلم
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله! أحمد الله وحده لا شريك له الذي منّ علينا وعليكم بالإسلام، وقد ضل عنه خلق كثير، وكتب لنا أن نولد ونعيش ونتربى في مجتمعات المسلمين، فهذه والله نعمة عظيمة، وما ظنكم بواحد منا لو عاش في مجاهل الصين، أو في أفريقيا، أو في دول الإلحاد والإباحية والكفر، لا ينجو من الكفر إلا القليل القليل، فكانت من أعظم المنن وأجل النعم من الله جل وعلا أن عشنا وولدنا وتربينا في هذه المجتمعات الإسلامية، نسأل الله جل وعلا أن يجعل الإسلام قواماً لها في جميع أمورها دقيقها وحليلها.
ومن نعم الله أيضاً أن منَّ الله على هذه الأمة بنعمة التوحيد، وقد ضلت كثير من الأمم والخلائق عنه، فما أكثر الأمم والدول التي تنتسب إلى الإسلام، وتعد نفسها في قائمة العالم الإسلامي والإسلام منها براء، تحكم غير شرع الله، وتذبح لغير الله، وتدعو غير الله، وتقيم مناسبات بدعية يشرك فيها بالله جل وعلا، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
يظنون أنهم على إيمان، ولكنهم في الحقيقة قد وقعوا في الشرك، ونسبة الإيمان أو الشرك أمر يعود إلى الجملة والفئة العامة، ولا عبرة بالنوادر والقليل، إذ لا تخلو أمة أياً كانت بعيدة أو قريبة من موحد من الموحدين.
كانت العرب تقر بأن الله هو الخالق وهو البارئ وهو المهيمن وهو المتصرف، وقد ورد ذلك في كلامهم وفي أشعارهم، يقول أحدهم:
وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
فالأمر لله نافذ في كل دقيق وجلي، ويقول الآخر منهم:
ألا قبض الرحمن ربي يمينها
إذاً فهو يعرف أن الرحمن هو الذي بيده الأمر النافذ والحكمة البالغة، وإذا قدر أمراً فقدره نافذ ، لكن مع ذلك يشركون مع الله في عبادتهم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ووداً وسواع ويغوث ويعوق ونسراً وغير ذلك من أوثان وأصنام الجاهلية.
ما أشبه الليلة بالبارحة! الكفر الذي مضى والوثنية التي سلفت في الأمم الماضية، هو موجود في هذا الزمان، لكن الذي لا يعلم يظن أن الناس كلهم مثل حاله، ولو قدر له أن يرى ما رآه غيره، لرأى الجاهلية الأولى بل أشد منها؛ لأن أهل الجاهلية الأولى كانوا إذا حزبتهم الأمور، واشتدت بهم الكربات، وضاقت عليهم المذاهب، دعوا الله مخلصين له الدين: وإذا ركبوا في الفلك ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢] أما كفار هذا الزمان فالأمر يشتد بأحدهم وبأفرادهم وبأممهم وبجماعاتهم، ومع ذلك يقولون: دعونا نجرب مذهباً رأسمالياً، دعونا نجرب مذهباً اشتراكياً، دعونا نجرب مذهباً بعثياً، دعونا نجرب طريقة بدعية، يجربون ويجربون وما يزيدهم إلا ضلالاً وخساراً وبواراً.
فرغم ما حل بهم من المحن والمصائب، ما فكروا يوماً من الأيام أن يتجهوا إلى الله مخلصين له الدعاء، والله يجيب المضطر ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] فالحاصل أن من نعم الله علينا في هذه الدولة ولله الحمد والمنة أن عشنا في مجتمع مسلم.
стр. 1171
واقع التربية في مجتمعاتنا
يا أيها الأحبة! إن الحديث في هذه الكلمة المتواضعة يدور حول التربية، والتربية في واقعنا وفي أرضنا، وفي كل مكان وما أجمل الصراحة في الحديث حتى تكون الأدوية على عين المرض! التربية في واقعنا وفي مجتمعنا تتنازعها مؤسسات عديدة، وشأن التربية لا يخلو بين الولد وأمه وأبيه ومجتمع قريته المتواضع الصغير، فلا يمكن أن يوجد شذوذ أو جنوح أو نشاز في طريقة التربية، أو في منهجها ووضعها، لأن الذي يصنع شخصية الفرد كان فيما مضى إمام المسجد، جو المسجد، بيئة المسجد، جو القرية، المزرعة، المدينة المحدودة المتواضعة.
أما الآن فالناس قد انفتحت عليهم السبل، وانفتحت عليهم أمور جديدة، شنّفوا لها الآذان، وفتحوا لها الأسماع، فكان لها دور عظيم في صياغة شخصياتهم، وفي صياغة أنماط حياتهم، ومن ذا يقول: أرى شيئاً فلا أتأثر به؟ ومن ذا يقول: أسمع لهواً فلا أتأثر به؟ ومن ذا يقول: أرى أوضاعاً فلا أتأثر بها؟ والله إن كل واحد منا ليتأثر، سواءً شعر بهذا التأثر أو لم يشعر، لكنه في حقيقة أمره متأثر، لا عصمة إلا للأنبياء، أما سائر البشر فإنهم يتأثرون حتى ولو لم يقارفوا الذنوب والمعاصي، فإن عيشهم في مجتمعٍ تنفتح فيه الذنوب والمعاصي، يؤثر على مدى غيرتهم وإنكارهم للمنكرات.
ذكر أن واحداً من السلف، كان قافلاً من المسجد عائداً إلى بيته، فرأى في طريقه منكراً، فاشتد غضبه، وانتفخت أوداجه، واحمر وجهه، فلما عاد ما طاق أن يبول إلا دماً، من شدة تأثره، من شدة الهزة العنيفة التي أدركت أعماق أجهزته الباطنية من هذا الجسم، ثم رأى ذلك المنكر فتأثر تأثراً دون الأول، ثم رآه مرة ثالثة ورابعة، فأصبح الأمر عادياً طبيعياً.
فالإنسان يتأثر، ولو كان لا يقع في أي شيء مما نهى الله عنه، إلا أن الإنسان بحكم اجتماعيته ويتأثره بمن حوله، لا شك ولا ريب ولا محالة أنه يتأثر بالأوساط التي يخالطها.
стр. 1172
معنى التربية وجوها
وما دام أن الحديث عن التربية أيضاً، فما هو جو التربية؟ وما الذي نعنيه بقولنا: التربية؟ لن ندقق في التعاريف، فالذي نعنيه في هذه الكلمة بالتربية، هو الجو والحيز الذي يصنع أنماطاً معينة في سلوك الشخص.
ما الذي يؤثر على هذا فيجعله صادقاً، ويؤثر على هذا فيجعله كاذباً؟ ما الذي يؤثر على هذا فيجعله أميناً، ويؤثر على هذا فيجعله خائناً؟ ما الذي يؤثر على هذا فيجعله ورعاً تقياً، وما الذي يؤثر على هذا فيجعله مجرماً لصاً، لا يحلل حلالاً ولا يحرم حراماً؟ الوسط الجو البيئة لها دور في هذه التربية، والتربية -كما قلنا- نعني بها سلوك الشخص وتصرفاته فحينما نرى شخصاً قد اتسم حديثه بالصدق، واتسمت معاملته بالأمانة، واتسمت عهوده ومواثيقه بالوفاء، نقول: هذا رجل تربيته حقاً إسلامية، حكمنا على هذه التربية من واقع سلوكه وتصرفاته، فهذا هو ما نعنيه بالتربية.
стр. 1173
المسئول عن التربية
إن المعني بالتربية خاصة، وبالدرجة الأولى في هذا التربية هم نشأنا وأبناؤنا وصغارنا، كيف نربيهم؟ من يتحمل مسئولية التربية؟ هل هو الأب؟ هل هي الأم؟ هل هي المدرسة؟ هل هي وسائل الإعلام؟ هل هي الإذاعة؟ هل هو التلفاز؟ هل هي الصحف والمجلات؟ من هو المسئول عن صياغة هذه الشخصية التي هي بمثابة العجينة اللينة الطرية، من خلال ما نسلطه عليها، عبر أي جهاز وعبر أي وسيلة، فإننا نستطيع أن نصنع شخصية بعد مدة، ولو ليست بالكثيرة، وسنراها ماثلة أمامنا.
إن الذي يحكم هذا الأمر ليس الأب وحده، وليست المدرسة ممثلة في المدير أو في المدرس، وليس جهاز الإعلام، وليس التلفاز وحده، وليست الإذاعة وحدها، وليست الجريدة أو المجلة وحدها، إن الذي يتحمل مسئولية التربية هو مجموع هذه الأجهزة مجتمعة، وأذكر في ندوة سلفت، ولعلها حررت وطبعت، ماذا يريد التربويون من الإعلاميين؟ لإدراكهم أن التربية مهمة حساسة وللإعلام فيها دور، ومن هنا وقف التربيون وقالوا: معاشر الإعلاميين قفوا معنا نناشدكم وتناشدونا، نحدثكم وتحدثونا، ماذا نريد منكم؟ إن جميع الأجهزة التي بين أيديكم ينبغي أن تخضع لنا معاشر التربويين.
لا شك أن جميع ما نراه من الأجهزة والدوائر، ومن المصالح والمؤسسات، كلها بمجموعها تسعى إلى إيجاد شخصية صالحة، أو ما يسمى بالمواطن الصالح، وإن كانت كلمة الإخلاص والنصيحة قد تغني، وهي أوسع من هذا الأمر، لكن لا مشاحة في الاصطلاح، ما دام أن جميع الأجهزة والدوائر والمؤسسات كبيرها وصغيرها معنية بصناعة هذا المواطن وهذه الشخصية.
إذاً فإن التربويين هم وحدهم بما لديهم من علوم شرعية، وليس الأمر في قطار التربية وحدها، الذين يقولون: ينبغي أن يوجه هذا الدرس بهذه الطريقة، وينبغي أن يوجه هذا الإعلام بهذه الطريقة، وينبغي أن توجه المجلة والمسلسل والفلم بهذه الطريقة.
إذاً فالتربية لها دور، ومكانتها والمسئول عنها ليس المدرس وحده، أو الأم أو الأب وحدهما، أو جهاز معين بحد ذاته، لا، الجميع مسئولون عن قضية التربية هذه.
стр. 1174
دور المجتمع المحيط بالفرد في التربية
حينما نرى جنوحاً أو شذوذاً في تصرفات طفل من الأطفال، هذا التصرف هل هو مولود معه؟ حينما يكون التصرف شاذاً، حينما يكون سلوكه نشازاً بين سائر زملائه وإخوانه، هل يمكن أن نقول: إن هذا التصرف الذي فيه جنوح، ولد مع هذا الطفل الذي بلغ السادسة أو السابعة أو العاشرة، أو دون المراهقة؟ كل مولود يولد على الفطرة، كما قال النبي ﷺ : (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة) والفطرة بمعناها الصحيح هي فطرة الإسلام بكل ما جاء به الإسلام من الآداب، الفطرة على توحيد الله جل وعلا، وما ينبني على ذلك من آداب وأحكام (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه) إذا كان يهودياً فالولد ينشأ ويتخرج ويكبر يهودياً: (فأبواه يهودانه أو يمجسانه) إذا كان يعيش في أسرة مجوسية، فالشاب يكبر وينمو مجوسياً (أو ينصرانه) فإذا كان المجتمع نصرانياً؛ فإن هذا الشاب يكبر وينمو نصرانياً، ولم يجئ في الحديث قوله: أو يسلمانه أو يمسلمانه، لأن الإسلام هو أصل الأمر الذي نشأ عليه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠].
الناس فطروا حنفاء، يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: (خلقت عبادي كلهم حنفاء) على الحنيفية التي تقر بوحدانية الله ووجوده، وصرف جميع أنواع العبادة له لكن: (فاجتالتهم الشياطين) إذاً الأجواء والأوضاع التي تحيط بمجتمع أو فرد أو أمة من الأمم لها دور في تغيير سلوكها وتصرفاتها ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] في تفسير الحديث، وفي بيان هذه الآية، إن الله جل وعلا أخرج ذرية آدم من أصلاب الرجال كأمثال الذر، واستشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا.
إذاً فكل واحد منا قد شهد سلفاً، وفطر -أيضاً- على وحدانية الله جل وعلا، وعلى هذا الدين، لكن من قدر له أن يعيش في مجتمع المسلمين تكون حياته إسلامية، ومن قدر له أن يعيش في مجتمعات اليهود أو النصارى أو المجوس أو غيرهم، فتكون بيئته وسمته وصبغته مجوسية أو يهودية أو نصرانية.
هذا فيما يتعلق بالأصل، وبالقاعدة العريضة أن الجميع حنفاء وأهل فطرة وموحدون، لكن ما الذي طرأ؟ ما الذي حدث؟ هذه الأسرة التي احتضنت تلك النطفة، إما أن تكون أسرة احتضنت النطفة من أول يوم ألقيت في رحم أم مؤمنة، إما أن تكون وضعت على ذكر لله جل وعلا: (اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) من تلك اللحظة، وأثر الشريعة والملة والدين يبدو جلياً واضحاً على هذه النطفة التي تنمو في جوف تلك المرأة، والتي وضعها ذلك الرجل حلالاً، قد اتبع ما جاء وما طلب في ذلك من أوراد وأذكار.
ثم ماذا؟ هل غذيت هذه النطفة بالحلال أم بالحرام، فإن غذيت بالحلال، فهي لازالت تسير على خط سليم، فإذا ولدت فأول من يصرخ في وجه المولود الشيطان، ولذا يستهل المولود صارخاً، ثم بعد ذلك لا يترك فقيل في يومه أو في ثالثه، وعلى أكثرها في يوم سابعه، يؤذن في أذنه اليمنى ويسمى، وقضية الإقامة محل بحث ونظر.
إذاً منذ نعومة الشعر والأظفار، وهذا الجنين وهذه النطفة ترعى رعاية دقيقة حتى تكبر رويداً رويداً، والطفل أيضاً يكتسب اللغة اكتساباً، ويكتسب أيضاً جملة من الأمور التي يشاهدها، لذا ترى كثيراً من أبناء المسلمين ليس أمر الصلاة عجيباً أو غريباً لهم؛ لأنه على فطرة في مجتمع مسلم، ومنذ أن ينشأ وهو يرى أمه وأباه وإخوانه في صلاة وعبادة.
إذاً فهو ينشأ على هذا المنوال، وعلى هذا المسلك، فلا حاجة إذا بلغ أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، في حين أن التكليف والمحاسبة والحساب على الذنوب، والحساب على ما يؤمر به وينهى عنه، إنما يكون بالبلوغ، بعلاماته المختلفة بين الذكور والإناث، لكن لا نحتاج في يوم من الأيام أن نقول له: اشهد أن لا إله إلا الله فقد بلغت التكليف؛ لأن هذه الشهادة وجملة من الأمور والواجبات والمنهيات قد اكتسبها وعرفها، وحصل عليها من واقع الأسرة التي يعيش فيها، فإذا عاش حميداً في أسرة مؤمنة صادقة، بدأ يكتسب إلى جانب اللغة الطباع والأخلاق والمعاملة.
اللغة اكتساب: أنتم تلاحظون في أي بيت فيه خادمة، فإنها تحدث الطفل بالإندونيسية فيفهمها، ونحن لا نعلم، كلم أي طفل من الأطفال بالفليبينية أو بالإندونيسية: أغلق الباب تجده يغلق، افتح الباب يفتح، افعل كذا يفعل، لا تفعل كذا لا يفعل.
الطفل لديه اكتساب على أدق دراسة ثلاث لغات في مرحلة واحدة.
إذاً فليس عجيباً أن تكون قدرة الاستيعاب والاكتساب لدى الأطفال قوية، فمادام يكتسب ثلاث لغات في آن واحد، والعجيب أن الطفل حينما يأتي عند أمه وأبيه يعرف ماذا يصلح لهم من اللغات فيكلمهم، وقد تخاطبه الخادمة أو يخاطبه السائق بلغة أخرى معينة فتجده يتخاطب معه، ويعرف أنهم لا يتحدثون إلا بهذا، وهؤلاء لا يتحدثون إلا بهذه اللغة.
إذاً نحن نظن أن هؤلاء الأطفال بلهاء، وأنهم عاجزون عن كثير من الأمور، والله الذي لا إله إلا هو إن الأطفال ليدركون أموراً قد لا يدركها بعض كبار السن، مادام الأمر كذلك ولديهم القدرة على استيعاب هذا المقدار المتباين في الخطاب واللغة والضمير والعبارة، إذاً فالطفل قادر على أن يكتسب ما هو أكبر من ذلك.
стр. 1175
دور الأب في التربية
إذا شب الطفل رويداً رويداً، تجده يتأثر بأبيه.
صديق لي مؤذن أولاده دائماً في البيت يؤذنون، وآخر والده خطيب ولده دائماً يرقي على كرسي، والآخر يصعد على وسادة، إن الحمد لله إن الحمد لله إذاً الطفل يتأثر بوالده حتى فيما قبل مرحلة الدراسة.
الطفل الذي تجد بيته قريباً من المسجد، تجده أكثر قدرة على الإنصات والمتابعة، والإلقاء وإعادة الأذان من غيره، لما يحيط به.
يهمنا في الدرجة الأولى أن نعرف وضع الطفل مع والده، شخصية الطفل تكتسب التأثير بالدرجة الأولى من شخصية والده، ولذلك فإن أكبر الجرائم أن يسعى أب من الآباء في إفساد أولاده، وذلك بعدم اجتنابه للمعاصي والمنكرات، وعلى أقل الأحوال حنانيك، فبعض الشر أهون من بعض ألا يرتكب المعصية أمامهم إذا كان واقعاً لا محالة، في حين اتفاق الجميع أن المعصية منبوذة ومرفوضة من صغير وكبير.
إن الأب من أكبر المؤثرين على ولده، وله أكبر دور في صناعة شخصية ولده، أتلاحظون أباً في مجتمع لا يهمه إلا التدخين ولعب الورق وأمور أخرى، تجد الأطفال يقلدون هذا السلوك بكل دقة.
يحدثني شاب يقول: كنا صغاراً إذا خرج أبي وأصدقاؤه من المجلس جلسنا وكل واحد منا واضع رجلاً على رجل، واتكأ وأخذ الشيشة، وأخذ بعضنا يتكلم مع بعض، ويضرب الذي بجانبه برأس الشيشة يا فلان! بنفس الطريقة يسترقون الطباع استراقاً شديداً.
والطفل قد يكون أبوه من أهل الطرب والفن، فتجد الطفل يتقن كيف يمسك العود، وانظر إلى شاب والده ذي صناعة معينة، انظر كيف يستطيع أن يحكم طريقة هذه الصناعة وبكل دقة.
أعرف رجلاً صرافاً في مكان ما، رأيت مجموعة من أولاده يعدون عملة معدنية بكميات كبيرة، فيعدون بطريقة عجيبة، أحاول أن أعد معهم بنفس الطريقة فلا أعرف، يمكن أنثر هنا ريالاً وهنا ريالاً، أما أولئك فيعدون بطريقة غريبة وسريعة أيضاً، كان والدهم صرافاً، ومنذ الصغر كان يصحبهم إلى محله أو مكان صيرفته، فتأثروا بأسلوبه وطريقة تعامله.
إذاً أكبر من يصنع شخصية الطفل هو الأب؛ فإذا كان الأب ممن يعتنون بزي معين، ستجد الابن بالضرورة يريد من أبيه أن يعطيه مثلما يلبس، طفل يرى أباه مغرماً بالبنطلون والجاكيت والقميص، يقول: اشتر لي مثل هذا يا أبي، وتجد طفلاً أبوه عالم بطبيعة عمله يلبس المشلح أو شيء من هذا، اشتر لي مثل هذا بالضبط، يأتي له ببنطلون يقول له: لا أريد، أريد مثل هذا الذي أنت تلبسه، ولو أعطيت المشلح الصغير لابن صاحب البنطلون أو العكس، لا أحد من هؤلاء يقبل؛ لأن كل صغير يرى أن صورة والده هي الصورة الأكمل والأسمى والمثلى.
إذاً فنحن لنا دور في صناعة شخصيات أبنائنا وأولادنا، ولذلك إياك أن يراك ولدك ذليلاً فيتعلم منك الذلة، إياك أن يراك ولدك جباناً أو خواراً أو ضعيفاً فيتعلم منك ذلك، إياك أن يراك ولدك خائناً أو مخادعاً فيتعلم منك ذلك، لو رأى الخيانة والخداع من الآخرين لجاء يخبرك مستنكراً، أما وقد رآها منك فسوف يقلدك مفتخراً.
إذاً فللأب دور كبير وعظيم في صناعة شخصية ولده، والكثير منا لا يعرف، وإن كان يعرف لا يبالي أن شخصيته لها دور في صناعة ولده، إلا من رحم الله، وقليل ما هم.
ونتيجة للجهل بهذا الأمر لا تجد الأب حينما يكون لديه رجال في مجلس علم لا يدعه يجلس، بالعكس دعه يجلس، حينما يرى طريقتك في إدارة حوار، أو طريقتك في إمساك كتاب، أو طرح نقاش، أو طريقتك في طرح قضية معينة، وإن كان لا زال صغيراً على الدخول في أعماق الفكرة، لكن حقيقة الأمر أنه يكتسب رويداً رويداً.
وأضرب لكم مثالاً عن نفسي، ودائماً الذي يرزق بأول مولود يحتار لا يعرف كيف يربي، حتى وإن درس التربية، لا بد له من نماذج عملية يقتدي بها ويعرفها، لي ولد صغير أسأل الله له الصلاح، ما كنت أعرف كيف أتعامل معه إذا خرج من البيت بدون إذني، لا زال صغيراً عمره أربع سنوات، وبجوارنا في بيت الجيران لعبة يلعب الأطفال بها، لكني لا أريد أن يكتسب هذا الطفل من الخارج شيئاً.
أعرف أهداف التربية، لكن لا أعرف كيف أتعامل معه، تارة أضرب، وتارة أرفع الصوت عليه، وتارة أهدده بالحرمان، وتارة وتارة، قدر لي أن أزور أحد الأصدقاء في دولة ما، ووجدت أطفاله في سن ولدي بالضبط، فكنت جالساً معه في بحث موضوع لا أريد أن يجلس معنا أحد فيه، فقال لأولاده الصغار: لو سمحتم يا فلان وفلان! أنا عندي اجتماع خاص مع عمكم فلان، ورجائي تتيحوا لنا الفرصة نتحدث لبحث الموضوع بصورة من الهدوء، ولو تكرمتم تفضلوا، فهزوا رءوسهم وخرجوا.
أنا واثق أنهم لم يفهموا شيئاً، لكن أسلوب المعاملة دل على أن هناك نوعاً من الاحترام، لكن المحصلة النهائية نريد منكم أن تتفضلوا مشكورين، ففهموا هذه القضية وخرجوا، أما تفاصيل الكلام ما فهموا منه شيئاً، فقلت له: أنت تتعامل مع الأولاد بالطريقة هذه، قال: بغير هذه الطريقة لا يمكن أن تتعامل مع الطفل، وفعلاً جئت وعدلت أسلوب التربية، الولد مستغرب جداً.
أبي ما هو بصاحي!!
قسا ليزدجروا ومن يك راحماً فليقس أحياناً على من يرحم
أحياناً قد تقسو وقلبك كله يتقطع حسرة وشفقة على ولدك، لكن أحياناً تظن أن هذا هو أقرب ما تملك لتوجيه الطفل من مراحل مبكرة، يستغرب ويعجب، خلال فترة معينة استطاع هذا الولد اسأل الله أن يديم علينا وعليكم وعلى ذرية المسلمين الصلاح والهداية والاستقامة، بمجرد الخطاب العادي، يا بني تفضل يتفضل، يا بني نصلي نصلي، اجلس يجلس، اذهب معنا يذهب.
السبب أن البعض لا يستطيع أن يتعامل مع ولده بهذا الأسلوب، وبهذه الطريقة، لماذا؟ مادام لك أكبر أثر في صناعة شخصية ولدك، فثق تمام الثقة أن لديه الاستعداد أن يتقبل منك في المراحل المبكرة، ولا يعني ذلك أن الطفل سيكون ملاكاً لا يخطأ، لا، سيكون عنده أخطاء، وستكون عنده نوع من الغرائز التي تنمو مبكرة، غريزة الاعتداء على الأطفال، وأخذ اللعب التي في أيديهم، غريزة الطمع، يريد أن يكون نصيبه أكثر من نصيب أخته، يريد أن يكون الأول في الخروج والدخول قبل إخوانه.
مجموعة غرائز معينة، قضية كونه يريد أن يكون الأول، وإذا ركبت السيارة يريد أن يركب في المقدمة، وإخوانه كلهم في الخلف، هي غريزة حب الشهرة، لكنه في هذه المرحلة يترجمها بهذا الوضع، في مرحلة معينة لها صورة، في مرحلة أكبر لها صورة، لكن أصل الغريزة موجودة، غريزة أخذ ما في أيدي الأطفال، حب التملك، وهذه الغريزة تختلف في صورتها بحسب مراحل نمو الإنسان.
والإسلام بالمناسبة، وهذا كلام جميل قاله الشيخ مناع خليل القطان، في رسالة أنصح الجميع بقراءتها وأسمها تهذيب الغرائز في الإسلام، قال: إن الإسلام لا يكبت الغرائز، ولا يكبح الغرائز، ولكن يهذب الغريزة، توجد غريزة تملك تفصل أبواب التملك في الإسلام مفتوحة، لكن عليها ضوابط، ولها أمور تقيدها، حتى لا تكون حرية التملك سبباً في الاعتداء على حقوق الآخرين، خلافاً للأنظمة الشيوعية التي منعت الإنسان أن يتملك، تقول: أنت إنسان تريد أن تأكل وتشرب، خذ وكل واشرب وأما التملك فليس لك فيه حاجة.
ولذلك في فترة من الفترات، لاقت الشيوعية عنتاً من إضراب العمال؛ لأنها كبتت هذه الغريزة، يأتي العاملان في مصنع واحد، تجد عاملاً سميناً طويلاً يأكل أربع دجاجات، ويستهلك كذا رطل من الماء والعصير، وثلاثة تباسي رز الخ وفي النهاية يصنع كرسياً واحداً في اليوم، ويأتي عامل نحيل، لا يشتهي الأكل، يأكل نصف دجاجة، ويشرب كأساً واحداً من العصير أو الماء، وينتج نفس الكرسي، عجيب! هذا ينتج نفس الإنتاج وهذا يأكل أكثر من هذا! ذلك العامل يرى أنه مظلوم، فأضرب عن العمل، وأضربت طوائف كثيرة من العمال عن العمل؛ لأن قضية التملك مكبوتة، كونك تعطيني آكل واشرب وألبس هذا لا يكفي، عندي غريزة أحب أن أتملك، أريد أن يكون لي رصيد، وأريد أن يكون لي سيارة أملكها، أريد أن يكون لي بيت أتملكه، ذلك ما بدأت تتنازل الشيوعية عنه.
أخيراً ولعلهم -كما يزعمون- في عهد هذا المجرم جورباتشوف هو أوسع من فتح النظم الشيوعية على الإطلاق، ولكن دندنة وشنشنة أخزمية، يراد بها في يوم من الأيام ضربة للمسلمين، أو تصوير جديد للشيوعية بمنطلق أو بصورة جديدة حتى ينخدع المسلمون بها، لكن أما وقد أسفر الصبح لذي عينين، وقد علم الناس وعرفوا مساوئ هذه الشيوعية، وما فيها من كبت للحريات وللحدود وللتملك.
الأنظمة الرأسمالية تملك ما تشاء، وكانت قبل قضية الرأسمالية في أوروبا أنظمة الإقطاع، أي: أنك تملك مزرعة كبر السويدي والبديعة وشبرى بمن فيها من الناس والبشر، البشر مسخرون والإقطاع تملكه، وكل هؤلاء يكونون عبيداً تحت هذا المالك، أما الإسلام فما فتح هذا الباب على مصاريعه، تملكوا الناس وتملكوا الأرض وتملكوا كل ما فيها، لا، وما حجب الناس أن يتملكوا، بل لهم أن يتملكوا، وقد جاء من الصحابة تجار أثرياء كبار جداً كـ عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان وكثير منهم.
الإسلام لم يكبت هذه الحرية ولم يفتحها، بل هذب غريزة حب التملك، الغريزة الجنسية، الرهبنة النصرانية القسس -كما يزعمون- أنهم يحرمون ويتبتلون ذكوراً وإناثاً عن الزواج، وفي المقابل الآخر انفتاح لا أخلاقي وإباحية مطلقة، وأما في الإسلام فنحن لا نطلق هذه الغريزة الجنسية، ولا تكبت كبتاً كما يفعله اليهود والنصارى، لكن تهذب الغريزة الجنسية بالزواج، وبما تملك الأيمان إلى آخر ذلك.
إذاً الإسلام يهذب الغرائز، ولا يكبتها، وثقوا أن هذا الغرائز أيضاً غرائز فطرية، فيولد الطفل ومعه مجموعة من الغرائز، فإياك أن تكبت الطفل من غريزة، لكن ينبغي أن تهذبها وأن توجهها، ولو انطلقت غريزة من غرائزه في وقت مبكر؛ فعليك أن ترعاها بدقة حتى يحين الوقت المناسب لتحقيق رغبته الغريزية في إطار حدود الشريعة.
إذاً ينبغي ألا نتجاهل في قضية التربية أن الأطفال والصغار لديهم غرائز فينبغي أن يكون لهم دور، لو سألت الكثير هل
стр. 1176
دور الأم في التربية
البنية تتأثر بوالدتها أكبر تأثر، أنا أرى بنيات صغاراً تلبس حجاباً، وعندما يمر رجال تتغطى وهي طفلة صغيرة جداً، لكن أنوثتها مبكرة، ولديها توجه نحو اكتساب صفات الأنوثة، لاحظ هذه الطفلة، إما أن تلف غطاء الرأس بطريقة ما يسمونه الروز، وهي بذلك قد رأت أمها أو أختها تفعل هذه الطريقة، فقلدتها بالضبط، وإما أن تجد الصغيرة تشغل أمها: أعطيني قفازاً مثلما عندك قفاز، وتلبس العباءة بنفس طريقة الحجاب؛ طريقة الستر التي تفعلها أمها.
إذاً الفتاة معجبة بأمها غاية الإعجاب، وتتأثر بأمها غاية التأثر، إذا كانت الأم من ذوات الموضات والموديلات إلى حد يشغل غالب أوقاتها، لا يهمها في كتاب أو مجلة أو جريدة إلا صفحة الأزياء وعروض الأزياء، ستكون هذه الفتاة أيضاً متأثرة بنفس وضع أمها، ولذلك تلاحظ الطفلة تلف فوطة صغيرة وتضعها في السرير هذه بنتي، تقليداً لأمها، الدور الذي مارسته الأم معها، تريد أن تمارس هذه الطفلة ولو في الخيال، استعداداً لاكتساب صفات الأنوثة.
الأمر الآخر: تجد لها تصرفات وسلوكيات مكتسبة من واقع أفعال المرأة أو أفعال النساء، فإذا كان الفعل الذي تراه في بيتها مع أمها فعلاً سليماً؛ رأيت من الفتاة فعلاً سليماً، وإن كان الفعل خاطئاً رأيت تصرفاً من الفتاة خاطئاً، وعلى أية حال:
ربوا البنات على الفضيلة إنها في الشرق علة ذلك الإخفاق
الأم روض إن تعهده الحيا بالري أيرق أيما إيراق
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
الأم والأب كل منهما له أثر على أطفالهما، فإن كانا مثلين ساميين ملتزمين؛ سيكون الأطفال بإذن الله بنفس المستوى، وإن كانا خلاف ذلك، فإنك لا تجني من الشوك العنب.
تريد الأب مطبلاً والأم رقاصة والولد إماماً! لا يمكن إلا بمنّ من الله وهداية، فإن الله يخرج الحي من الميت، لكن بالصورة العامة والطبيعية العامة هذه هي النتيجة المتوقعة، ولذلك يعجب الناس حينما تخرج فتاة متحجبة من بيت منفلت؛ لأن الثمرة الطبيعية أن تكون الفتاة منفلتة، فلما خرجت فتاة محجبة ملتزمة كان هذا أمراً داعياً إلى العجب والدهشة والاستغراب.
ومن العجب أيضاً أن شاباً ملتزماً مستقيماً، محافظاً على الصلاة، في أسرة كلها تفلت وتداخل وفوضى لا انضباط فيها، لا في عبادة ولا في صلاة ولا في مذياع ولا في صوت ولا في موسيقى ولا في غيره، في كل شيء تجد الأمر مفتوحاً على مصاريعه، إذاً تعجب، تقول: كيف خرج هذا الشاب؟! لأن النتيجة المتوقعة أن يكون هذا الشاب كمثل أبيه بلا شك، فلما خرج شخصية أخرى، كان ذلك داعياً إلى الدهشة والعجب والغرابة.
стр. 1177
دور المدرسة في التربية
قد يوجد الشاب وتوجد الفتاة في أسرة ملتزمة مستقيمة، نستطيع أن نقول: إننا نحكم ونجزم بإذن الله جل وعلا، أن يكون الشاب والذكر والأنثى على أحسن صورة، لكن هذا لو قدرنا أن البيت وحده هو الذي يحكم عملية التربية، لكن هناك متحكم آخر في التربية ألا وهو المدرسة.
المدرسة سواءً كانت مدرسة بنات أو مدرسة بنين، فلا بد أن يكون لهذه المدرسة أثر عظيم.
أولاً: أول من يكون له أكبر الأثر بعد أثر الأب المدرس، والمصيبة العظمى والداهية الدهياء في قضية المدرسة، أن تكون المدرسة صورة مخالفة لما يدرسه الطالب وما يتعلمه وما يتلقاه من التعاليم، الابن الملتزم أو الابن الذي في أسرة مستقيمة صالحة، يجد جل وأغلب أصدقاء أبيه من الملتزمين والمستقيمين وممن عليهم مظاهر السنة، من إعفاء اللحى والالتزام بالزي الإسلامي.
فيجد أن مدرس الدين الذي يدرسهم التوحيد والفقه، هو مدرس حليق، هو يسمع والده يقرأ مع زملائه عن حرمة التدخين وأضرار التدخين، أنتم لا تظنون أن الأطفال لا يفهمون -كما قلنا- حتى الذي في أول ابتدائي في قرارة نفسه أنه يدور موضوع حول قضية معينة، هو لا يفهم القضية كاملة، لكن لو جلس مجلساً مع أبيه ومع أصدقائه فالمحصلة التي يخرج بها هذا الشباب أن التدخين سيئ، لكن أكثر من هذا لا يعرف، فإذا به يجد الباكيت في جيب المدرس، ويا للأسف إنه مدرس المادة الشرعية، ومن هنا يبدأ الانفصام.
الأمر واحد من اثنين، إما أن يفهم الطفل أن المدرس مخطئ، وإما أن يفهم الأمر الآخر وهو أنه يمكن أن نفرق بين ما نتلقاه، وبين ما نطبقه، وهذا عين الانفصام الذي دعت إليه النصرانية، وقالوا: لا مانع لدينا أن نتلقى تعاليم الكنيسة في يوم الأحد، في إطار الأحوال الشخصية، لكن ليس للكنيسة سلطان على الأفراد فهم أحرار يفعلون ما يشاءون.
إذا وجد هذا الانفصام من مدرس المادة الشرعية، فذلك أكبر خطر على الطالب، ومن واجب الآباء والأمهات أن يطمئنوا على قضية التلقي، من هو الذي يلقن ويجعل أولادك يتلقون؟ البنية عندما تكون في المدرسة عندها المعلمة هي أفضل صورة بعد أمها، أي شيء المعلمة، قالت المعلمة، فعلت المعلمة، لا تعرف إلا هذا المدرسة، الابن لو خالفته في قضية معينة، يقول: أستاذي يقول هكذا، من أنت حتى تخالف الأستاذ؟ الأستاذ له مكانة وله دوره في نفس الصغير، له أكبر الأثر بعد دور الأب.
إذاً إذا كان دور المدرس مكملاً لدور الأب، كان الابن بإذن الله إلى درجة سبعين في المائة أو ثمانين في المائة، ينال حظه من الاستقامة والصلاح، وتركت العشرين أو الثلاثين في المائة الباقية لوسائل الإعلام، فلها دور في التأثير وفي التوجيه.
المسألة الأخرى في قضية البنت، إذا كانت ترى من معلمتها سلوكاً وتصرفات جيدة، ترى أن المعلمة حريصة ألا تخرج من المدرسة إلا وقد اعتنت بالحجاب، حريصة ألا يكون منها أي تصرف خاطئ، رأت المعلمة حريصة على الاهتمام بأمور معينة، ولا تعطي الأمور التافهة ذلك الاهتمام، فإن هذه البنت تتأثر بها غاية التأثر، وبالعكس إذا رأت المعلمة بشكل مخالف -لا حول ولا قوة إلا بالله- إذا جاءت المدرسة متغيرة بألوان ومساحيق وأشكال، لا تعجب الصغيرة إلا بهذه المساحيق والألوان، وأول ما ترجع إلى البيت تدخل إلى حجرة أمها، وتجلس عند التسريحة، وهات يا مكياج وعدل وشكل ولون! لأنها أعجبت بهذا المنظر وبهذا الشكل وبهذه الشخصية من معلمتها، ومن ثم فالتقليد طبيعة في الصغار.
ثم أيها الإخوة! المدرسة قد تشاطر، أو يغلب حظها حظ الأسرة من التربية لماذا؟ أنا أسألكم الآن، هل صافي ما تجلس مع ولدك أربع ساعات في اليوم؟ ثلاثة ساعات صافية؟ ساعتين؟ لا أظن، بالأكثر ساعتين وكثر الله خيرك، المدرسة كم يجلس فيها الطفل؟ ست ساعات متواصلة، مدرس يخرج ومدرس يدخل، مدرس يدخل ومدرس يخرج، كذلك البنية معلمة تخرج معلمة تدخل وهلم جرا.
إذاً فللمدرسة دور عظيم في التأثير على صناعة شخصية الأطفال من البنين والبنات، ولذا فإني أدعو كل أم أن تتعرف على من يدرس أطفالها، وأدعو كل أب أن يتعرف على من يدرس أطفاله، إذا ذهبت إلى المدرسة ورأيت المدرس غير ملتزم فليس بيدك أن تعدل أو تغير، هذا هو الذي يدرس ولدك، لا ينبغي أن تقول لولدك: المدرس فيه كذا وكذا، هذا أيضاً خطأ؛ لأنه إذا اتخذ من المدرس موقفاً لم يعد لديه أي استعداد أن يقبل العلم منه حتى واحد زائد واحد، خمسة ضرب اثنين، أ- ب - ت - ما عنده استعداد أن يتقبلها ما دام جرحت في شخصية المدرس فإنه يبدأ ينظر إلى المدرس باحتقار، وليس عنده استعداد أن يتقبل منه.
لكن أنت انظر الأوضاع والصور المخالفة لما ينبغي أن يكون عليه المسلم في شخصية المدرس، والأم تنظر الصور والأوضاع المخالفة لما ينبغي أن تكون عليه المسلمة في شخصية المعلمة، ومن بعيد إلى بعيد تقول: إن الإسلام يأمر بكذا، ويحض على كذا، وينهى عن كذا، ويحث على كذا، يحرم كذا، يوجد كذا، من دون جرح لشخصية هذا الرجل؛ لأن القضية قضية تلقي فهي قضية حساسة، فقد تكون سبباً في حرمان ولدك من قبول العلم والفائدة، لو أسأت تفهيم ولدك هذا الدور المناسب، أو هذا الدور الذي ينبغي أن تقوم به أنت وبكل دقة.
هذه من أهم المسائل التي لها أثر عظيم وكبير، والحمد لله فالكثير منا طلبة علم؛ خاصة لو أن الواحد يدرس مواد شرعية، أو يدرس حتى الأطفال، بقدر ما يكون لك دور في التأثير على شخصية المدرس، فإنك بإذن الله تنال أجر التأثير على مئات الطلاب الذين يدرسون تحت يدك، ولذلك كان الاهتمام بالعملية التربوية، والاهتمام بالتربويين والمدرسين من أعظم ما ينبغي أن توجه إليه جهود الدعاة بالدرجة الأولى؛ لأن أولئك لهم دور عظيم في صناعة الأجيال.
وكم عرفنا من الشباب الصالحين الأتقياء الأبرار، الذين تبوءوا أماكن طيبة في مجالات علمية ومهنية وتقنية وميدانية وغيرها، بسبب دور قام به المعلم فأثر عليهم فاستجابوا له، فمضوا بقية حياتهم على هدى واستقامة، وانقلبوا بنعمة من الله وفضل على أنفسهم وعلى مجتمعهم وعلى أفراد أسرهم.
أما الطفل الذي تراه يقلد من المدرس شكل سيارته، يتمنى أن تكون له سيارة مثل سيارة هذا الأستاذ، مصيبة المصائب إذا كان مثل هذا مدرس، قد يستغرب البعض هل يوجد؟ أقول: نعم، وجد في فترة ما، ولكن ولله الحمد والمنة بدأت هذه الظاهرة تتلاشى، لكن في الحقيقة والله يؤلمك أن يقف المدرس أمام الطلاب، لا ينطق القرآن جيداً، ثوبه مسبل، حليق، الباكيت في جيبه، أشياء كثيرة وكثيرة كلها من المظاهر الخاطئة.
هذا والله يحز في النفس؛ لأن الطفل يرى المدرس هكذا فلا دام المدرس فعل، إذاً لا إنكار ولا غرابة ولا مخالفة فيما فعله المدرس، ومن هنا كان توجيه الدعاة إلى الاهتمام بالمدرسين والمدرسات والمعلمين والمعلمات، وإعطائهم أكبر الأثر وأكبر النصيب من جهود الدعوة، إنهم بذلك يصنعون أفراداً أتقياء أبرار مخلصين لله ولكتابه ولرسوله وللأئمة المسلمين ولعامة المسلمين أيضاً.
стр. 1178
دور وسائل الإعلام
الدور الأخير في التأثير في العملية التربوية هو دور وسائل الإعلام، فإن وسائل الإعلام لها دور كبير ليس فقط في صناعة السلوك، بل في صناعة المعتقدات.
هناك في فلم كرتون يقول: إنسان زرع بذرة فول ونمت هذه البذرة، وشقت السماء، واخترقت السحب، حتى وجد هناك مكان فيه قصر عامر، وهناك دجاجة تبيض ذهباً، وبين فترة وفترة هذه الدجاجة ترسل الذهب، فحاول أن يسرق الدجاجة ما استطاع، في يوم من الأيام أتى بحيلة واستطاع أنه يسرق الدجاجة.
هذا يكون لدى الأطفال أنه يمكن الذي في السماء إنسان له قصر عامر بهذه الصيغة، وقد يظن أن الشخص صاحب الدجاجة التي تبيض هو الإله، في صورة من الصور.
مشهد من مشاهد أفلام الكرتون: رعود معينة، ثم ينكشف الأمر فوق السحب، وإذ هناك اثنين يمسكون عصيان ويضربون طبول شديدة، والناس يسمعون الرعود.
إذاً الطفل في وقت مبكر، يظن أنه إذا كان هناك رعود، فأكيد أن هناك ملائكة تطبل في السماء، فهكذا يدخل في اعتقاده، قلت: نعم، أو قلت: لا، لا يهم، المهم أن هذا هو ما يوجد فعلاً في تصور هذا الطفل، بعد ذلك يأتي واحد معه صحنان يضرب أحدهما على الآخر، فيكون ذلك هو البرق.
قضية ما يتلقاه الأطفال عبر الشاشات والمسلسلات والأفلام، ليس له دور فقط على سلوكهم وتصرفاتهم، بل له دور على معتقداتهم، وأذكر ذات مرة أنني في خطبة من الخطب، وبصريح العبارة ذكرت اسم المسلسل والحادثة التي حدثت، ذئب أو غيره -كل الحيوانات في الأفلام متكلمة- لما شفي من مرض فيه، قال: تعويذة فلان هي التي شفتني.
وبالمقابل تجد الأطفال إذا وقع أحدهم منكسراً، يدرون عليه الماء، ويعملون له تعويذة من أجل أن يشفى.
إذا الأطفال يتأثرون ويكتسبون، والبيت والمدرسة ووسائل الإعلام أياً كان نوعها هي التي تنازع في قضية التربية، لا أقول: تنازع، أي: تجادل، لكن كلٌ ينال نصيبه وينتزع حصته من قضية التربية، ولهذا ما لم تكن وسائل الإعلام بناءة وخيرة، وموجهة إلى ما يبني الفرد بناءً صحيحاً، وإلا فاعلم أنك لن تجني من الشوك العنب.
ذكرت إحدى المجلات في الكويت أن مسلسلاً فيه أن رجلاً أراد أن يسرق بيتاً، فما استطاع؛ لأن أهل البيت كانوا متيقظين، فأتى ببخاخ مخدر وفي غفلة من أهل البيت استطاع أن يبخ كمية كبيرة عبر النافذة تسللت إلى داخل البيت، حتى نام أهل المنزل، واستطاع أن يدخل المنزل ويسرق ما يشاء.
بعدها بفترة بسطية حدثت جريمة فيها نوع اغتصاب بنفس الطريقة، شاب جاء وبخ هذا المخدر، ونام أهل البيت واستطاع أن يدخل ويفعل ما بدا له ويخرج حتى أذكر أن المجلة قالت: إن التلفزيون يعلمنا الجريمة.
إذاًً الأفلام والمسلسلات العملية لها أكبر الأثر وأكبر الدور في صناعة السلوك والشخصيات، وبالمناسبة ومادام الحديث أيضاً عن التربية، وأوجه هذا الحديث إلى الأستاذة خاصة، وأيضاً يوجه الحديث للطلاب، أنك في أي مرحلة من مراحل تعليمك أنت لا تزال تربي وتتربى، فضيلة الشيخ عبد الله بن غديان حفظه الله وحفظ علماء المسلمين أجمعين، كنت مرة أسأله في مسألة معينة، قلت له: أنا أدرس في الكلية وأحد الطلاب سألني كذا، وأجبته بكذا وكذا وكذا، فقال لي: ينبغي أن تعلم أنه في أي مرحلة من مراحل التعليم، أن الإنسان يربي قبل أن يعلم، ولذلك لم يكن منهج النبي ﷺ في كل سؤال هو الإجابة، بقدر ما يكون للتربية دور في جواب السؤال.
جاء رجل وقال: (يا رسول الله متى الساعة؟)
الجواب
بعد كذا سنة، لا،
الجواب
( وماذا أعددت للساعة؟) توجيه القضية التعليمية إلى تربية في مرحلة من المراحل، قال: (والله ما أعددت كثير عمل، أو صلاة أو صيام، لكني أحب الله ورسوله، فقال ﷺ : أنت مع من أحببت) إذاً النبي ﷺ وجه هذا الرجل بجواب تربوي، إذاً فالتربية أمر ينبغي أن يكون موجوداً في أي مرحلة من مراحل الحياة، وكل منا لا يزال يتربى، يبلغ الواحد من العشرينات والثلاثينات، ويظن أنه قد اكتسب خبرة في الحياة، وفي يوم من الأيام يمر لك موقف وتعرف أنك أجهل الناس في هذا الموقف.
إذاً لازلت تتربى، ومن بعد أسبوع يقابلك موقف جديد، فتقول: هذا درس جديد، وبعد أسبوع تأخذ درساً وتقول: هذا درس جديد، وما تزال تتربى حتى يضعك الناس في قبرك، لأن هذه أمور سلوكية، والإنسان لا يمكن أن يحيط بجميع سلوك الناس وتصرفاتهم، ولا يمكن أن يخبر الناس ويحيطهم في إطار التجربة، ولذلك فكل جديد بالنسبة له يمكن أن يستفيد من خلاله قضية أو عملية تربوية.
стр. 1179
مدى دور المدرسة والبيت ووسائل الإعلام في التربية
أيها الأخوة! لو أردنا أن نحدد إلى أي مدى تؤثر هذه الوسائل الثلاث في التربية فنستطيع أن نقول:
стр. 1180
مدى دور الأسرة
الأسرة لها أكبر دور في التربية وذلك في مراحل الطفولة، المدرسة تشاطر الأسرة هذا الدور أو تماثلها، وكذلك في مراحل ما قبل المراهقة، وبعد ذلك ما لم يكن للمدرس دور عظيم في توجيه المراهقين، في المرحلة الثانوية ونهايات المتوسطة، فتكون هناك تصرفات غريبة وعجيبة.
أما وسائل الإعلام فلها أثر في قضية التربية منذ الطفولة حتى أكبر سن، الجهات التي تتنازع حصتها في التربية أيضاً دورها محدود في زمن معين، لكن وسائل الإعلام -ولست بهذا أشتم في الإعلام أو أتكلم في الإعلام- لكن أقول: للإعلام دور إما أن يوجه نحو الصلاح، وإما أن يوجه نحو الخراب، إما أن يوجه نحو الخير أو نحو الشر، ودور الإعلام لا يقف عند مرحلة معينة، بل دور الإعلام منذ الطفولة حتى سن متقدمة ومتأخرة.
يحدثني شاب يقول: والله أخي ليس عنده استعداد أن يتزوج، يقول: لازم أحب قبل أن أتزوج، جاءه هذا الحب من فيلم فيديو أو مسلسل رآه، المهم هو لا يرى عملية الزواج تتم إلا بحب، بغرام، باتصالات إلى آخره، وبعد ذلك تحصل قضية الزواج.
يابن الحلال تزوج، يقول: سأصبر وأحب ومن ثم أتزوج، ومن هي شقية الحظ التي ستحبك على هذا الوضع، وقد كبر الرجل في السن، لكن لا يزال للإعلام دور مؤثر في شخصيته.
تصوروا مجتمعاً من المجتمعات؛ مجتمع عفة وطهارة يغزى بالأفلام والمسلسلات، يرى من خلال هذه النافذة العالم المنفتح كما يسمى، وهو العالم المنفلت وليس المنفتح، يرى هذا الوضع المتدهور، يريد أن يقضي هذه الغرائز في إطار معين، يقف أمام أمرين: إما أن يسافر ويفعل ما بدا له، لا أحد يخاف على نفسه ما دام بعيداً، يريد أن يفرغ ما في رأسه، وفي موقعه هنا يخاف، لأن الشريعة مطبقة والحدود تقام.
يا أخي كم تنفق في سفراتك؟ كم تنفق في كذا؟ ينفق الكثير الكثير، يا أخي ألا ندلك على فتاة بلغت ثلاثين سنة من عمرها تتزوجها، يكون لها دور في الحياة، يعطيها الله جل وعلا ذرية بسببك، يكون لك دور في تكثير نسل أمة محمد، يمكن أن يهب الله لك منها بنتين: (من عال جاريتين حتى تبلغا كانتا له ستراً من النار يوم القيامة) يصيبك خير عظيم من جراء تطبيق قضية شرعية، وقضاء الحاجة والغريزة في إطار بناء الأمة والمجتمع.
يقول لك: لا، التعدد! مجنون أنت! التعدد مصيبة! وكل ذلك نتيجة الأفلام والمسلسلات التي رآها.
نقول أيها الإخوة: خلاصة للفكرة أن الجهات التي تتنازع حصتها في قضية التربية من الفرد في المجتمع، البيت والمدرسة والكلية ووسائل الإعلام، البيت له دور محدود، وما لم يضبط هذا الدور بهذه المرحلة، فبعد ذلك لن يستطيع الأب أن يوجه إلا برحمة من الله.
إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ولا يلين إذا لينته الخشب
ما دام هذا الطفل غصناً غضاً طرياً، تستطيع أن تثنيه كيفما شئت، فيمكن أن توجهه، لكن عندما تهمل فإنك ستفاجأ بالجريمة التي حصلت من الولد، لا حول ولا قوة إلا بالله، في هذه المرحلة الوالد فوت قضية التربية، ومن ثم يريد أن يوجهه، ولكن إن شاء الله وهو لا يعطيك وقتاً؛ لأنك ما أعطيته وقته في طفولته، حتى يعطيك وقتاً في شبابه، فهذه مرحلة قصيرة لكنها حرجة وحساسة، ويمكن أن تصنع شخصية الطفل حتى يكون رجلاً أو قائداً عسكرياً أو تاجراً، أي شخصية تريد أن تصنع من الطفل في تلك المرحلة.
стр. 1181
مدى دور المدرسة والكلية
المدرسة -كما قلنا- لها دور في مرحلة معينة، فإذا جاوز الطالب المراهقة، فمن النادر أن تبقى تلك الهيمنة أو ذاك الدور الذي يملكه مدرس المرحلة الابتدائية يؤثر به مدرس الثانوي أو المتوسط على طلابه، بل إن فتح الله قلبه وسمع منك فذانك، وإلا ما لم يكن المدرس ماهراً في الدخول إلى نفوس الطلاب، وتحسس مشاكلهم؛ خاصة في مراحل المراهقة التي تشهد تقلبات نفسية، يوم فرحان، ويوم غير ذلك، ويوم يضحك، ويوم عنده تصرف معين، ويوم ضد ذلك، ويوم تلقاه مبكراً إلى المسجد، ويومين لا يصلي، ونوع من المراهقة كالجنون.
فإذا وجد مدرساً ماهراً للدخول إلى قلبه في هذه المرحلة الحساسة، واستطاع أنه يستوعبها، عند ذلك ننال خيراً عظيماً، أما إذا كان المدرس غير ماهر فثق تمام الثقة أنه لن يكون للمدرس دور على الطالب في هذه المرحلة، ومن باب أولى ألا يكون للمدرس هذا الدور في الكلية، بما أن الرجل قد شب عن الطرق وأصبح كبيراً، ولم يعد أحد يستطيع أن يقول له اذهب يميناً أو يساراً، أيضاً ما لم يكن المدرس في الكلية ماهراً في الدخول إلى قلوب الطلاب، ومحاولة احتواء مشاكلهم، وتحسس المداخل والمنافذ اللينة التي تصل إلى قلوبهم، وعند ذلك قد يوفق للتأثير عليهم.
стр. 1182
مدى دور وسائل الإعلام
إن التأثير الذي يدوم ولا ينتهي هو تأثير الإعلام، تجد رجلاً كبيراً في السن، نتيجة لمجموعة من الأفلام والمسلسلات، يأخذ من هذا الفيلم نمطاً معيناً في سلوكه، يقول أحدهم: أنا أتابع الأفلام والمسلسلات بكل دقة، ما رأيت إلا ما لا يجوز، صور نساء، مقاطع موسيقية إلى آخر ذلك، قال: لا، أنا آخذ منها الدرس والعبرة، الله أكبر! متى علمتنا الثعالب النصيحة؟ متى عهد أن المنتج أو المخرج الذي ينتج فيلماً فيه اختلاط وعري وترك للحجاب وسفور يمكن أن يعطيك درساً؟ نعم قد يوجد، لكن: وإثمهما أكبر من نفعهما بمراحل كبيرة كبيرة جداً.
تخاطب رجلاً آخر وقد تجده يتحسر بسبب ظروف معينة لزوجته فهو يريد أن يتزوج، لكنه بين نارين، يقول: أخاف أن يثور المجتمع ضدي، من الذي يثور ضدك؟ إذا كان المجتمع قد تأثر بما يدور في الأفلام فلا شك أنه سيثور ضدك، نتيجة مجموعة أفلام ومسلسلات متتابعة تعرض قضية المرأة، وقد تعرض أيضاً قضية امرأة معينة في ظروف معينة، يتزوجها رجل فتكون زوجة ثانية له، يخفي الأمر في بداية الأمر، أو يتستر عليها في أيام معينة، ثم يكشف فجأة وتقوم القيامة التي لا تقعد.
فحين تعلم الزوجة تسقط على الأرض مغمى عليها، أو تصاب بالشلل النصفي، أو تفقد الذاكرة لمدة كذا يوم، إذاً لدينا شحنات من مجموع الأفلام والمسلسلات ضد قضية التعليم، وأقول وبصريح العبارة، وقد يوجد من لا يعجبه القول: إنه ما لم نؤمن بهذا المبدأ، وإلا فثقوا أننا سنحرم المئات من الطاهرات العفيفات ممن يرغبن في هذا الشيء، ولا يحققنه بالطريقة المشروعة، سيحرمهم من دورهم في الحياة، ومن الذرية الصالحة، وسيحرم الأمة أيضاً من ذرية يمكن أن توجد منه.
ثم يا أخي! استكثر من الولد الصالح ما استطعت، وما دمت قادراً على التربية، لكن الإطار العام لكثير من الناس، أنا أريد سيارة، وزوجة وثلاثة أطفال فقط، هذا المبدأ يا إخوان والله شاع في أوروبا مدة معينة، وأصبحت الآن ألمانيا نسبة الكلاب فيها أكثر من نسبة الأطفال، يوجد لكل أسرة في بلجيكا ما يقارب كلبين ونصف في النسبة، وتموت الأسرة وما تجد من يرثها، ولا تجد من يدعو له، نتيجة مبدأ طفل طفلين ثلاثة.
أفغانستان لما خاضت قضية الجهاد، واعتدي على العقائد وعلى مقدسات العبادة وعلى الأعراض، وقام الجهاد، لو كانت أفغانستان على طفل طفلين، هل تظنون أن يبقى في أفغانستان رجال، الشباب ماتوا وانتهت المسألة، لا يوجد إلا أطفال صغار، وعجائز وشيوخ كبار، لكن لأن الأسرة الأفغانية أقل ما تجد عند أحدهم ثمانية تسعة عشرة أولاد، وبصريح العبارة صرح بهذا جورباتشوف ل نجيب حاكم أفغانستان العميل الشيوعي، في بداية التلميح في قضية الانسحاب، تفعلونها فينا، في البداية نخوض ونقاتل، وفي النهاية تبدءون تعلنون الانسحاب.
قال: لا نستطيع، الوضع في أي ضاحية وفي أي مدينة من مدن الاتحاد السوفيتي، كل أسرة لا تكاد تملك إلا طفل أو طفلين، واحد يكفي، لم يعد هناك هذا يكبر وهناك طفل جديد، لا.
هو واحد، في فترة طفل، وبعد فترة رجل يدخل الجندية، إذا مات، يقول: ليس المأتم يقام في البيت، يقام المأتم في البيت وعند الجيران وتعلق الضاحية الأنوار الخافتة، والحزن والتأبين، وأمور عجيبة جداً، لا يوجد إلا واحد أو اثنين.
لكن الأسرة التي لديها مجموعة من الأولاد إذا كتب الله لهذا قدراً في وفاته: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] والحمد لله على ما قضى وقدر، فبدله في البيت ستة، يموت هذا في الجهاد فيحل الثاني محله، يموت هذا في الجهاد فيحل الثالث محله.
إذاً الأسرة المسلمة هي أكثر عنصر من عناصر قوة الدولة أيضاً، لكن حينما تكون الأسر على واحد اثنين، خوفاً على الدخل القومي، خوفاً على الناتج القومي، خوفاً على قضية من أين نمكن لهم حياة رفاهية معينة، نقول: لسنا نحن الذين نرزق عباد الله، اقسموا مجموع ما في الأرض من خيرات على عدد السكان، في العملية الحسابية النتيجة خسارة، لكن الله الذي يزرق العباد سبحانه.
والله غني عن العباد، وخزائنه ملأى، يده سحاء الليل والنهار، يده لا تغيظها نفقة، إذاً فثق بالله وارتبط بالله، حينما يوجد هذا المبدأ لدى الأسرة المسلمة؛ فسيكون أثره عظيماً.
هذا الاستطراد قادنا إليه البيان في مسألة أن وسائل الإعلام لها دور مؤثر، ودورها لا يقف عند حد الطفولة أو المراهقة، بل لها دور عظيم، ومن هنا فإني أسأل الله جل وعلا أن يمن على العاملين في هذه الأجهزة الإعلامية، أن يوجهوها لخدمة الإسلام والمسلمين، ونفع أبناء المسلمين، وإذا كان قد عرض أو يعرض شيء يخالف شريعة الله جل وعلا، فالذي نقترح أن يقال للخطأ: هذا خطأ، هذه صورة مجتمع غير مسلم، بهذا الوضع تبرأ الذمة، وإلا فإن الجميع مسئولون أمام الله جل وعلا.
وأيضاً أناشد جميع هؤلاء الشباب، أن يساهموا بدورهم الفعال، سواءً في التلفاز أو في الإذاعة أو في الصحافة، في تقديم النافع المفيد، في مناسبات كثيرة الجميع يفتح صدره ويديه، قدموا مفيداً وانظروا من الذي يرفضه، وفعلاً نجح لبيان تقصيرنا، أنه لا تكاد تجد مسلسلاً إسلامياً أو إنتاجاً إسلامياً على مستوى فيلم أو على مستوى أدبي رائع.
بعض الإخوة تفكيرهم كلاسيكي لا يعجبهم هذا الكلام، لكن حقيقة الأمر أنه لا بد أن نواجه أي أمر أمامنا، إما أن نشارك بكل ما نستطيع على مختلف الأصعدة والمجالات، وعند ذلك إذا أثبتنا بالتجربة، أن الخير والدين والشريعة قادرة على استيعاب الجميع، وإلا عند ذلك فسيقول الآخرون: هل يوجد فيلم إسلامي؟ هل يوجد إنتاج إعلامي إسلامي؟ هل توجد صحافة إسلامية؟ فما لم نقدم البديل فنحن محاسبون في هذا الأمر على تقصيرنا، وأيضاً عدم وجود البديل ليس مبرراً للوقوع في المنكرات، أو في استباحة ما حرم الله.
هذه قاعدة ينبغي أن تعرف، ولا أود أن أطيل أكثر من هذا، أسأل الله جل وعلا أن يجعل فيما سمعتموه خيراً لي ولكم، وإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمن نفسي الأمارة ومن الشيطان، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٢].
أود أن أنبه الإخوان جزاهم الله خير الجزاء، إلى قضية الجهاد في أفغانستان، وأنتم تعلمون أن الجهاد في أفغانستان في مراحله الأخيرة، وكابل تستعد لتلقي ضربة حاسمة، لعلها أن تكون فتحاً كفتح مكة في رمضان إن شاء الله، ولا شك أن هذا يحتاج إلى دعم قوي ومضاعف؛ لأن القضية ستكون يا منصور أمت أمت، ليس فيها إلا موت، وسيكون استبسال.
وجميع جهود الحكومة العميلة الآن فقط مركزة في كابل، مع وجود بعض العمليات الاستشهادية في قندهار وفي بعض المناطق، وأبشركم أيضاً باستشهاد بعض إخوانكم من مختلف الدول العربية، ولا زال الشهداء على أرض أفغانستان يروون الأرض بدمائهم، فأسأل الله أن يجمعنا بهم في جناته، لكن لا زالت أفغانستان بحاجة وستظل أفغانستان بحاجة؛ لأن الروس لن يخرجوا منها قصراً عامراً، أو دوحة غناء، أو بستاناً رائعاً، خرجوا عنها إحراقاً للحرث والنسل والزرع، أشلاء متطايرة، أطرافاً متكسرة ومقطوعة، أراضي مزروعة بثلاثين مليون لغم، الآن من أكبر المشاكل التي تواجههم كيف تعود هذه الملايين المهاجرة خارج أفغانستان إلى أرضها، والأرض كلها مزروعة بالألغام.
القضية محتاجة إلى دعم قوي وقوي جداً، ومن فضل الله على هذه الدولة أنها قد كلفت الهيئة العامة لاستقبال تبرعات المجاهدين، وهي لجنة أنا بعيني رأيت مكتبها في بيشاور، ومكتب طيب ولله الحمد والمنة، والتبرعات تصل والله ثم والله ثم والله، لا نشك إن قرشاً واحداً أو ريالاً واحداً يخرج بفضل الله جل وعلا، الأيدي أمينة يا إخواني فاطمئنوا، وهذه الهيئة انتشرت مكاتبها ولله الحمد وجهودها ملموسة، أرجو من الجميع التبرع والدعم لإخوانهم، وجزاكم الله خير الجزاء.
стр. 1183
الأسئلة
стр. 1184
نصيحة أخي الذي له رفقة سيئة
السؤال
لي أخ نشأ في بيئة خيرة، ولكن فجأة تغير سلوكه وأخلاقه ومستواه الدراسي، ويبدو أن السبب هو رفقة السوء وهم كثيرون، أرجو التوجيه في طريقة التعامل معه خاصة وهو في سن المراهقة، وإبعاده عن هذه الرفقة، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
غالباً الإنسان لا يتأثر إلا بشيء استحوذ على قلبه، أحب شيئاً، أعجب بشيء، فما لم تكن قادراً على أن تقدم خيراً بأسلوب يأخذ بلبه، ويستطيع أن يكون له أثر طيب في كسب نفسيته، وإلا فلن تستطيع أن تؤثر عليه، أو يكون هناك موقف معين من المواقف قد يكون سبباً في هدايته، وعلى أية حال فالواجب من الجميع: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٢٠] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] المطلوب منك النذارة والدعوة، والباقي بيد الله ، هذه قاعدة.
الأمر الثاني: لن يسمع أحد مني ومنك شيئاً إذا كان يبغضنا أو يكرهنا، الذي يبغضك لا يقبل منك صرفاً ولا عدلاً، لو تقول له: اصبر لأقرأ عليك صفحة من القرآن، يقول: أرجوك ابعد عني، لا يقبل منك صرفاً ولا عدلاً، لكن حينما يكون لك أثر في قلبه؛ فلا بد أن يتأثر منك.
فهذا الأخ الذي ذكرت من حاله، لا بد أن تكسبه بالهدية، وبالتواضع، وبأيضاً السعة في البرنامج، قد يكون بعض الشباب دائماً وقته قراءة وتخريج وبحث، هذا خير عظيم، هذا عمل لا يقوم به إلا علماء الأمة، لكن لا يطيقه عامة الناس، وعامة الشباب، ساعة وساعة بالنسبة لبقية الناس، ليس الجميع يتحمل هذا الأمر.
إذاً فأنت تنظر إلى أي مستوى وصل هذا الشخص، ولذلك ينبغي أن تعامله، أما شاب كان أمس في الشارع، ومن ثم تأتي به أربعة وعشرين ساعة حدثنا حدثنا حدثنا، من هو الذي حدثك حتى تشغلني به؟ فيمل منك، لم يعد يقبل منك صرفاً ولا عدلاً، لا أقول يقال، بل بعيني رأيت، كان يوماً من الأيام يحمل كتب الحديث، ويحسن الرواية، وبعد ذلك انقلب ولا حول ولا قوة إلا بالله، السبب، أصبح منبتاً، إن المنبت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، شد على نفسه حتى هلكت الناقة في الصحراء، فما استطاع أن يصل بالناقة سليمة ومات في الطريق.
لكن مثل هؤلاء الشباب يأخذون، ويدعون بالتي هي أحسن، ويمكنون ما بين الأوقات فيما فيه فسحة لهم، ولذلك دائماً أدعو إخواني الشباب إلى استغلال الأندية الرياضية؛ لأن فيها أماكن تستطيع من خلالها إذا كنت نشيطاً واعياً بمجموعة من إخوانك وزملائك، تستطيع أن تجد المكتبة فتقرأ، وتجد المسبح فتسبح، وتجد صالة التنس فتلعب، وتجد المسجد فيكون هناك درس في المغرب، ويجتمعون على صلاة العشاء، تستطيع أن تستوعب الشاب بجميع مراحل وقته.
عند ذلك إذا بلغ حداً معيناً، هو نفسه يعرف ما يضره وما يسره، ولا تخشى عليه شيئاً كثيراً، بإذن الله يتوجه، لكن شاب عادي دعوته؛ فاهتدى واستقام، حدثته اليوم يقبل، بعده يقبل، ثم يمل، ولذلك أوصيكم ونفسي يا إخوان! بأن نأخذ النفوس بما تطيق، يقول ﷺ : (عليكم من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا) أي: لا تضغط على نفسك، وبعض الناس يفهم كلمة لا تضغط نفسك، لا تشدد يا أخي، أن المعنى: اسمع أغاني، واسحب ثوبك، وعدل واصنع، لا، أعني بكلمة لا تشدد على نفسك، أي: أعط نفسك راحة، امرح مع زملائك، العب معهم كرة، يمكن أن تسبح معهم، يمكن أن يصبح بينك وبينهم أنشطة رياضية، وفي نفس الوقت لا يمرن يوم عليك إلا وقد نلت حظك من كتاب الله، من فقه وسنة رسول الله ﷺ ، من الأمور النافعة الخيرة.
стр. 1185
مصادقة من يستهزئ بالمسلم الناصح
السؤال
أنا أرى بعض الناس يستهزئون بأي مسلم إذا نصحهم إلى العبادة، وإذا قلت لهم: هذا حلال وهذا حرام، قالوا: إنك مطوع وهكذا فهل أصادقهم؟ أم أقطع صداقتهم برغم أن بعضاً منهم لا يصلون؟
الجواب
يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] الفاسق لا يرى المؤمن والمستقيم والملتزم فيتركه يمر دون أذية، بل لا بد أن يفلت عليه واحدة أو اثنتين من بضاعته، والألسنة مغاريف القلوب، ولا يأتينك من واد إلا سيل، كل ما في هذا الوادي سوف يصعد، وما في بطن وجوف هذا الرجل سوف يخرج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠] مطوع معقد ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٣١ - ٣٢].
دائماً يجد الشاب الملتزم من يتسلط عليه.
وبالمناسبة يا شباب الصحوة! يا أيها الجيل المعاصر! من نعم الله عليكم أنتم ما مررتم بعصر كان الملتحي فيه غريباً، الآن شيء طبيعي أن تجد الشباب الملتزم المستقيم في أي دائرة من الدوائر، والله مر وقت إن الإنسان إذا التحى يتلطم من أجل لا يستمر الناس في السخرية، لا أقول: بتسلط، بالعكس كان الناس فيما يتعلق بعدم انفتاحهم أحسن أحوالاً من الآن، لكن مر بالناس زمن كان الالتزام فيه أمراً غريباً.
أما الآن ولله الحمد، في الزواج تجد الشيخ الفلاني يقوم يلقي كلمة، في مناسبة بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، تجد الحديث يبدأ، في كل مكان الخير موجود معك، الشريط تجده دائماً معك في سيارتك وغرفة نومك، وفي أي محل من المحلات، قديماً كنت لا تجد شريطاً واحداً، والآن تجد الأشرطة بالمحاضرات والندوات والفتاوى والأمور الخيرة.
إذاً لا تعجب، البقية القليلة من المستهزئين، وبحمد الله جل وعلا نحن لا نرى شيئاً يذكر، ما رأيكم بإخوانكم في مصر يستهزأ بهم في الكاريكاتير، ومنكم من سمع أشرطة الشيخ أحمد القطان العفن الفني، والذي لم يسمعها أنصحه أن يسمعها، يقول: من الكاريكاتيرات المعلقة عليهم، يقول: أن هناك مسرحاً، وفيه مجموعة من المطاوعة، وراسمهم رسام وواضع لهم لحى، ويقولون بعبارتهم مستهزئين: ينبغي ألا نكون سطحيين، وينبغي أن يكون البحث في حقائق الأمور، ما حكم اللمبات الحمراء على المسرح، هل هي بدعة أم لا؟ ما حكم الموسيقى الهادئة قبل فتح الستارة؟ استهزاء بالدين إلى حد بعيد، واستهزاء بالشباب الملتزم.
فالحمد لله هنا، هات لي شخصاً يستهزأ بمسلم، لا يستطيع أحد أن يستهزأ بك، بالعكس وأنت ملتزم ترفع رأسك ولا يردك أحد، والخوف على المخالف والذي عنده دخن أو خلل أو معصية، إذاً نحن في هذه البلاد في نعمة وعزة وقوة، أسأل الله جل وعلا أن يزيد الذين اهتدوا هدى، وأن يهدي الضالين إلى الطريق المستقيم.
فينبغي أن نعامل أولئك الذين نرى منهم شيئاً من الاستهزاء والسخرية باللطف، لو مررت فنهق حمار عليك، هل تنهق عليه؟ لا، بل تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولو انطلق كلب وعض رجلك فهل تعضه؟ لا أيضاً لأنه غير لائق، معاملة السفيه بمثله.
إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت
فإذا لم يكن عندك بضاعة جيدة تردها عليه وتقدمها له بخير، فلا أقل من أن تسكت.
يزيد سفاهة وأزيد حلماً كعود زاده الإحراق طيباً
стр. 1186
جهاز التلفاز عند الجيران
السؤال
كما تعرفون أن جهاز التلفاز قد انتشر في البيوت، وهذه بلوى، وهناك الأفلام الخاصة بالأطفال قد تؤثر على تربية الطفل، وحاولت منع التلفاز ولكن دون جدوى، فقد يذهبون إلى الجيران لمشاهدة هذه الأفلام، فماذا أفعل؟
الجواب
الذي أعرف أن هناك فتوى متعلقة بهذا الأمر من هيئة كبار العلماء فلتراجع.
стр. 1187
كيفية التعامل بين الصغير والكبير
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حلقة الصلة بين الصغير والكبير مفقودة لعدم التواضع للصغير، والحرص على تفهيمه قبل نومه، كيف السبيل أكرمكم الله؟
الجواب
يا أخي هذا سؤال وجيه وينبغي أن ينال حظاً طيباً من الكلمة، التأثير على الصغار يا إخواني يحتاج إلى تواضع ورقة، وكثير من الناس حتى أولاده فقط ينظرهم من بعيد ويقبلهم وهو ماشي، الرسول ﷺ في سنته، كان إذا سجد جاء الحسن أو الحسين فركب على ظهره، فربما أطال السجود حتى ينزل الحسن والحسين باختياره، انظر الرقة واللين للصغير: (إن ابني ارتحلني) أي: جلعني رحلاً وركب على ظهري.
جلس النبي ﷺ وفي حجره أحد أبناء بنته، وكان الأقرع بن حابس التميمي أمامه، ورأى النبي ﷺ يقبل هذا الولد، قال: (أو تقبلون صبيانكم يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : عجب! أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، من لا يرحم لا يرحم، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم) يقول أحمد شوقي:
أحبب الطفل وإن لم يك لك إنما الطفل على الأرض ملك
عطفة منك على لعبته تخرج المكنون من كربته
إذا رأيت صغيراً معه لعبة، فبقدر ما تحترمه أيضاً؛ أعط لعبته احتراماً، وامدح لعبته، وسله من الذي أعطاها له، وكيف تفعل بها، وشغلها حتى نراها، ولا بأس.
بعض الناس رسمي في الداخل وفي الخارج، لا.
إذا دخلت بيتك فاترك الألقاب واترك هذه الأمور كلها، وحتى إذا خرجت من بيتك، ولكن كون الناس يطلقون عليك أمراً معيناً هذا ليس بيدك، لكن إذا دخلت البيت فالعب مع الأطفال، اجعل الطفل إذا كان في خاطره شيء يأتي ويلقي بصدره على صدرك، ويقول: يا أبي! عندي كذا وكذا، لا تجعل حاجزاً بينك وبين ابنك.
والله أعرف شباباً يقولون لي: نتطارح نحن وآباؤنا، ونمزح معهم، ونصرعه ويصرعنا، وإذا أمرنا بشيء امتثلنا له، الكلفة منزوعة بين الأب وابنه، لكن أعرف كثيراً من الناس ينبسط آخر انبساط مع الشلة والأصدقاء، ولكن إذا دخل ولده قفلها، فينبغي أن نزيل الكلفة بين الأب وابنه، كثير منا توجد بينه وبين أخته وبناته فجوة عظيمة، لماذا؟ بالعكس أنت أب، هذه خرجت من صلبك، أنت وليها، هي ستر لك من النار برحمة الله جل وعلا.
كثير مما نعرف من المشاكل، فتاة تجيء تقص مشكلتها أو ترسلها في رسالة، أبوها موجود لم تقص مشكلتها على أبيها؛ لأنه يوجد حاجز وفجوة بينها وبين أبيها، قد تضطر إلى شخص بعيد حتى تشكو له المشكلة، بالعكس لو كان منذ وقت مبكر قد عود الأولاد والبنات منذ الصغر على الانبساط ونزع الكلفة بين الأولاد والبنات وبين أبيهم، عند ذلك سيكون هذا الأب قريباً.
إذاً فالتواضع أمر مطلوب، وذكر الحاجات للأبناء أمر مطلوب، وجعل دور للابن في اختيار ما يريد أمر مطلوب، بعض الآباء يدخل ولده عند الحلاق، خذ الماكينة واحلق رأسه أقرع وأخرجه، مسكين الولد الماكينة تشتغل على رأسه والدموع تنهمر، أعطه فرصة يختار الذي يريد، أعطه شيئاً من الحرية، مادام في قضية المباح والمشروع، أما في إطار المحرم فمحل اتفاق أنه لا يمكن، لكن اجعل له حرية الاختيار، لا بد أن تعيطه شخصية واستقلالية، وفرصة يعبر عن رأيه وشعوره في موضوع من المواضيع، ستحقق ما تريد، لكن ما رأيك نفعل كذا؟ أليس الأحسن أن نفعل كذا؟ يقول: نعم.
أحسن، هو يظن أنك عملت بمشورته، وأنت أساساً ستطبق هذا الشيء.
لكن القضية أننا انشغلنا عن أسرنا وأولادنا وبناتنا، ليس عند الواحد استعداد لأن يتفرغ في البيت ولا في اليمين ولا في اليسار، دائماً مشغول عنهم:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من همِّ الحياة فخلفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا
هذا والله هو اليتيم.
إن اليتيم الذي تلقى له أماً تخلت: من مناسبات وروحات وعزائم واتصالات وموضات، أو أباً مشغولاً بتجارته وأصدقائه، والولد من الذي يربيه؟ ويا إخوان! نحن لا نزال في خير في أمر التربية، لو خرج أحدكم من المملكة إلى أي دولة كافرة، تجد كيف الناس يعانون في تربية أولادهم، في الجو العام عندنا الولد يسمع الأذان، ويسمع الصلاة ويسمع التكبير، ويعرف التوحيد عموماً من واقع المجتمع الذي يعيش فيه، لكن في المجتمعات الأخرى، الشخص المسلم والأسرة المسلمة في المجتمع الجاهلي أو الكافر تعاني معاناة عظيمة، فما بالك لو واحد منا على كثر انشغالاته وجد في مثل هذه المجتمعات، والله يتفلت أولاده من بين يديه.
وهناك دراسة نتمنى أن ينتهي إعدادها وتقدم في إحدى الصحف، في كولومبيا في منطقة سانتاماريتا في أمريكا الجنوبية، هناك منطقة معينة يوجد فيها أسماء مسلمين أحمد، نايف، سمير، سارة، أسماء كثيرة موجودة لكن نصارى، ومنهم من هو مسلم، لكن لا يعرف الصلاة ولا يعرف يركع، السبب أن الأب مشغول والأم مشغولة، وقضية الدين آخر قضية يهتم بها.
نحن على انشغالاتنا هذه لو نحن في مجتمع جاهلي، والله يتفلت منا الأبناء والبنات، لكن نعمة من الله أن إطار المجتمع يساهم في بدور التربية، ما هو شعوركم لو أن الابن يخرج فيجد الناس يسكرون في الشارع، ويجد هذا يصاحب من يشاء، ويجد البارة والحانة، كيف تعيش؟! الشاب الذي لا يتلقى أي تربية ينكر الخمر والمظالم، تجده ينكر أموراً معينة، فالمجتمع بدوره العام يسهم بجزء من التربية، والله لو كان هذا الإهمال في المجتمعات الجاهلية لانفلت الأبناء والبنات من آبائهم.
стр. 1188
نصيحة للمدرس المربي
السؤال
بما أن المحاضرة عن أهمية البيت والمدرسة، لذا أطلب منكم بما أن لكم علاقة بالتعليم، توجيه المدرس أن يكون قدوة؛ بأن يتمسك بالشريعة الإسلامية، وحث الآباء على زيارة المدرسة، وتوجيه المدرسين الذين يراهم لم يتمسكوا بالشرعية الإسلامية، وتطبيق سنة الرسول ﷺ ، حتى لا يكون ما نعمله مخالفاً للتطبيق من المدرسين اليوم؟
الجواب
والله ها أنت يا أخي الكريم وجهت عنا بالنيابة، ونحن نعيد التوجيه ونكرره، ينبغي أن يكون المسلم قدوة ما أمكن
وإذا المعلم لم يكن عدلاً سرى روح العدالة في الشباب ضئيلاً
وقد لا يكونون عدولاً إلا برحمة ومنة من الله فيما يؤثر فيهم من جانب آخر، لذا فواجب الجميع إن كانوا مدرسين أن يتقوا الله، وليعلموا أن شخصيتهم وهيكلهم وتجسيمهم أمام الطلاب له في حد ذاته تأثير، فينبغي ألا يتلقى الطلاب منهم إلا كل خير، هذه واحدة.
الأمر الثاني: الاتصال بالمدارس، وحسن الصحبة بالمدرسين، وإهداؤهم الكتب والأشرطة النافعة، والأشياء الرسمية المصرحة، لا بد أن يكون هذا النشاط قائماً بين أفراد المجتمع وبين الأسرة، من أجل أن يكون البيت تتمة للمدرسة، والمدرسة تتمة للبيت، ولا يوجد ذاك الحاجز أو ذاك التضايق بين الشباب من مدارسهم، بالعكس يشعرون أنه وضع جميل وطبيعي، أن ينتقل في بيئة فيها من المدرسين الأفاضل، ويمارس فيها نشاطاً إسلامياً، وفي صحبة مسلمة.
اسأل الله للجميع الثبات، وأسأل الله أن يحرم وجوه الحاضرين على النار، اللهم عاملنا بما أنت أهله، ولا تعاملنا بما نحن أهله، إنك أنت أهل التقوى والمغفرة، اللهم وفق الجميع لما تحب وترضى.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، ولحمد لله رب العالمين.
стр. 1189
التفكر في خلق الإنسان
تحدث الشيخ في الخطبة الأولى عن هذه النفس البشرية التي تجادل وتنازع في خالقها وبارئها، مع أنها من أكبر الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وكمال قدرته ومشيئته.
وقد تحدث في الخطبة الثانية عن أدلة بدعية المولد النبوي الذي تفعله الصوفية، ولو كان خيراً لفعله النبي ﷺ ، ولدلنا عليه ولفعله أصحابه من بعده.
стр. 1190
يا ابن آدم! تفكر قبل أن تندم
إن الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل خير سألناه أعطانا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى اتقوا الله تعالى حق التقوى.
معاشر المؤمنين: يقول الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٦].
стр. 1191
تأمل في عظم خلق الله
أيها الأحبة في الله: إن المتأمل في كتاب الله جل وعلا خاصة في ما يتعلق بالنفس الإنسانية التي تدب على وجه الأرض، وما جمعت من الصفات والعجائب في دقيق الخَلق والخُلق ومراحل النمو والتطور، وتعدد الغرائز والحواس، ليجد الخضم المتلاطم في بحر عظيم خلق الله وقدرته، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
إن هذه النفس البشرية التي تجادل وتنازع في خالقها وبارئها لهي أكبر دليل على ربوبيته ووحدانيته وكمال قدرته ومشيئته:
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
أنت أيها الإنسان لم تكن شيئاً يذكر أو يعرف لولا تقدير الله في خلقك وإيجادك ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢].
تفكر يا بن آدم! من الذي أوجدك من عدم من ماء مهين في صلب أبيك ثم نطفة في رحم أمك ثم يسر لك السبيل إلى هذه الدنيا؟ إنه الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وصدق الله العلي العظيم حيث قال: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٢].
يا بن آدم! من الذي هداك إلى ثدي أمك تشرب منه لبناً خالصاً سائغاً؟ ومن الذي هيأ هذا الثدي بهذه الطريقة الملائمة لخلقك، المتلطفة بضعفك وعجزك؟ إنه الله الذي أحسن كل شيء خلقه وقدر فهدى.
يا بن آدم: من يحفظك في صغرك وشبابك وشيبتك وكهولك وهرمك؟ من الذي يحفظك من مصائب الليل والفلق ومن شرور ما خلق من الجن والإنس والبهائم والسباع والهوام؟ إنه الله الذي يحفظك بحفظه وإرادته، ولولاه جل وعلا لتسلط مارد من الإنس على بدنك ومالك أو شيطان من الجن على عقلك ونفسك، أو حية أو هامة أو غير ذلك يؤذيك في بدنك، ولو أصابك شيء من ذلك لما استقر لك قرار، وما تلذذت بنعيم في هذه الدار، وصدق الله العظيم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق:٤].
стр. 1192
تأمل في نعم الله
قف متأملاً في هذه اللطيفة من جليل خلق الله ورأفته بعباده خاصة في هذا الزمان الذي تعددت فيه سبل الراحة والأمان، وتنوعت فيه أسباب الهلاك، هذه السيارة التي تركبها في كل ساعة ولحظة، من سخرها لك؟ تحث حديداً كيفما شئت، وتوقف حديداً متى شئت، من هيأ لك أسباب التمتع بها؟ ومن سخرها في حاجتك؟ ولو شاء ربك لانقلبت هلاكاً عليك وعلى غيرك لعطب أصغر آلة فيها.
هذه الطائرة التي تركبها، من يحفظك فيها وأنت بين السماء والأرض؟ ولو شاء ربك لهوت بك في مكان سحيق، فسبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون.
يا بن آدم! هأنت تتمتع بسمع وبصر وجوارح، من آتاك سمعاً تسمع به، وبصراً تبصر به، وعقلاً تعقل به، ويداً تبطش بها، ورجلاً تمشي بها؟ يا بن آدم! كم من عرق ساكن في بدنك والله لو تحرك ما تلذذت بعيش، وما تهنأت بنعيم.
يا بن آدم! كم من عرق متحرك والله لو سكن لتمنيت الفراق عن الدنيا إن لم تكن فارقتها.
يا بن آدم! تصبح وتمسي معافىً في بدنك، آمناً في وطنك، عندك قوت سنيك ودهرك.
يا بن آدم! أطعمك ربك وسقاك وكفاك وآواك وهداك، ومن كل شيء سألته أعطاك، فهل بعد هذا إلا شكر نعمته، وأن تقول: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي إن تبت إليك وإني من المسلمين.
ماذا بعد هذه النعم التي لا تحصيها ولا تدرك منها إلا القليل؟
стр. 1193
شكر النعم سبب لبقائها
فتفكروا يا عباد الله! وتذكروا هذه النعم التي تتقلبون فيها مصبحين وفي الليل، وبادروها وقيدوها بالشكر والطاعات، فإن النعم يا عباد الله! كالإبل المتفلتة فاعقلوها بذكر الله وشكره، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الذاكرين الشاكرين.
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم
وإياك والظلم مهما استطعت فظلم العباد شديد الوخم
وسافر بقلبك بين الورى لتبصر آثار من قد ظلم
فتلك مساكنهم بعدهم شهودٌ عليهم ولا تتهم
وما كان شيءٌ عليهم أضر من الظلم وهو الذي قد قصم
فكم تركوا من جنان ومِن قصور وأخرى عليها أُطم
صُلوا بالجحيم وفاتوا النعيم وكان الذي نالهم كالحلم
إذ تأملتم هذا يا عباد الله! فلينظر كل واحد منا إلى نفسه، ولينظر إلى ضعف نفسه، ولينظر إلى عظيم نعمة ربه، ولينظر إلى جزيل فضل خالقه في هذه النفس الإنسانية على ما فيها من الضعف والجزع والهون وسرعة الزوال والفناء والفراق، كيف تشمخر نفس بني آدم؟ كيف ترتفع وتكابر وتفاخر وتدافع وتنازع؟ وكم تبني من الدور والقصور وتزرع الضياء والبور؟ وفي خضم هذا كله يصيبها الكبر في لذاتها، والعجب في ملذاتها؛ فتغمط الناس حقوقهم وأشياءهم، وتحسدهم على أرزاقهم فيها كأن الدنيا لها وليست لهم، وينسى الواحد شكر نعمة ربه عليه في ما هو ماثلٌ واضحٌ أمام عينه، وكأن الإنسان يقول: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] فإذا مس هذه النفس طائف من قدر الله بمصيبة صغيرة أو مرض أو فاجعة، تذكر الإنسان وصاح: يا الله! ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس:١٢] عند هذا يعود، وعند هذا تعود كل نفس، وقبل ذلك كم نسيت من الآلاء التي عقدت على حصولها بالطاعة أصدق العهود.
стр. 1194
وصف النفس من كتاب الله
يا بن آدم! إذا تكبرت نفسك، وتجاهلت حقيقة قدرك؛ فتذكر أصل خلقتك من أي شيء خلقت؟ هل خلقت من جواهر الجنة أم من خالص ذهب الأرض، أم من ماذا؟ خلقت من ماء مهين، من مني يمنى، من نطفة قذرة، وتحمل في جوفك الخراءة والعذرة، وتدميك بقطة وتقتلك شرقة، فعلام الكبر إذاً؟ ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧].
اقرءوا كتاب الله، وتأملوا قوله عن هذه النفس الإنسانية في مواضع شتى من كتابه الكريم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨] ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء:١١] ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤] ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج:١٩ - ٢١] ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة:٥] ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦] وغير ذلك كثير في كتاب الله العظيم، فيه من العظة والعبر والدروس والفكر لمن ألقى السمع وهو شهيد.
فهل بعد هذا أيها الإخوة! هل بعد اطلاع الإنسان على حقيقة نفسه الإنسانية وضعفها وعجزها وقصورها وفنائها وسرعة زوالها وسرعة تغيرها، هل بعد هذا يبقى في النفوس شيء؟ هل بعد هذا يبقى في النفوس شر؟ هل بعد هذا تحمل النفوس حسداً؟ هل بعد هذا تحمل النفوس أحقاداً؟ كلا، لا والله، من أدرك ذلك وعلمه علم اليقين، علم أنه ضعيف إلا بقوة الله، ذليل إلا بعزة الله، مسكين إلا برحمة الله، ضائع إلا بحفظ الله.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1195
بدعة المولد النبوي
الحمد لله، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار.
следующие страницы →