← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

تأمل في عظم خلق الله أيها الأحبة في الله: إن المتأمل في كتاب الله جل وعلا خاصة في ما يتعلق بالنفس الإنسانية التي تدب على وجه الأرض، وما جمعت من الصفات والعجائب في دقيق الخَلق والخُلق ومراحل النمو والتطور، وتعدد الغرائز والحواس، ليجد الخضم المتلاطم في بحر عظيم خلق الله وقدرته، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. إن هذه النفس البشرية التي تجادل وتنازع في خالقها وبارئها لهي أكبر دليل على ربوبيته ووحدانيته وكمال قدرته ومشيئته: فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد أنت أيها الإنسان لم تكن شيئاً يذكر أو يعرف لولا تقدير الله في خلقك وإيجادك ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢]. تفكر يا بن آدم! من الذي أوجدك من عدم من ماء مهين في صلب أبيك ثم نطفة في رحم أمك ثم يسر لك السبيل إلى هذه الدنيا؟ إنه الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وصدق الله العلي العظيم حيث قال: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٢]. يا بن آدم! من الذي هداك إلى ثدي أمك تشرب منه لبناً خالصاً سائغاً؟ ومن الذي هيأ هذا الثدي بهذه الطريقة الملائمة لخلقك، المتلطفة بضعفك وعجزك؟ إنه الله الذي أحسن كل شيء خلقه وقدر فهدى. يا بن آدم: من يحفظك في صغرك وشبابك وشيبتك وكهولك وهرمك؟ من الذي يحفظك من مصائب الليل والفلق ومن شرور ما خلق من الجن والإنس والبهائم والسباع والهوام؟ إنه الله الذي يحفظك بحفظه وإرادته، ولولاه جل وعلا لتسلط مارد من الإنس على بدنك ومالك أو شيطان من الجن على عقلك ونفسك، أو حية أو هامة أو غير ذلك يؤذيك في بدنك، ولو أصابك شيء من ذلك لما استقر لك قرار، وما تلذذت بنعيم في هذه الدار، وصدق الله العظيم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق:٤].

стр. 1192

تأمل في نعم الله قف متأملاً في هذه اللطيفة من جليل خلق الله ورأفته بعباده خاصة في هذا الزمان الذي تعددت فيه سبل الراحة والأمان، وتنوعت فيه أسباب الهلاك، هذه السيارة التي تركبها في كل ساعة ولحظة، من سخرها لك؟ تحث حديداً كيفما شئت، وتوقف حديداً متى شئت، من هيأ لك أسباب التمتع بها؟ ومن سخرها في حاجتك؟ ولو شاء ربك لانقلبت هلاكاً عليك وعلى غيرك لعطب أصغر آلة فيها. هذه الطائرة التي تركبها، من يحفظك فيها وأنت بين السماء والأرض؟ ولو شاء ربك لهوت بك في مكان سحيق، فسبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون. يا بن آدم! هأنت تتمتع بسمع وبصر وجوارح، من آتاك سمعاً تسمع به، وبصراً تبصر به، وعقلاً تعقل به، ويداً تبطش بها، ورجلاً تمشي بها؟ يا بن آدم! كم من عرق ساكن في بدنك والله لو تحرك ما تلذذت بعيش، وما تهنأت بنعيم. يا بن آدم! كم من عرق متحرك والله لو سكن لتمنيت الفراق عن الدنيا إن لم تكن فارقتها. يا بن آدم! تصبح وتمسي معافىً في بدنك، آمناً في وطنك، عندك قوت سنيك ودهرك. يا بن آدم! أطعمك ربك وسقاك وكفاك وآواك وهداك، ومن كل شيء سألته أعطاك، فهل بعد هذا إلا شكر نعمته، وأن تقول: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي إن تبت إليك وإني من المسلمين. ماذا بعد هذه النعم التي لا تحصيها ولا تدرك منها إلا القليل؟

стр. 1193

شكر النعم سبب لبقائها فتفكروا يا عباد الله! وتذكروا هذه النعم التي تتقلبون فيها مصبحين وفي الليل، وبادروها وقيدوها بالشكر والطاعات، فإن النعم يا عباد الله! كالإبل المتفلتة فاعقلوها بذكر الله وشكره، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الذاكرين الشاكرين. إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم وحطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم وإياك والظلم مهما استطعت فظلم العباد شديد الوخم وسافر بقلبك بين الورى لتبصر آثار من قد ظلم فتلك مساكنهم بعدهم شهودٌ عليهم ولا تتهم وما كان شيءٌ عليهم أضر من الظلم وهو الذي قد قصم فكم تركوا من جنان ومِن قصور وأخرى عليها أُطم صُلوا بالجحيم وفاتوا النعيم وكان الذي نالهم كالحلم إذ تأملتم هذا يا عباد الله! فلينظر كل واحد منا إلى نفسه، ولينظر إلى ضعف نفسه، ولينظر إلى عظيم نعمة ربه، ولينظر إلى جزيل فضل خالقه في هذه النفس الإنسانية على ما فيها من الضعف والجزع والهون وسرعة الزوال والفناء والفراق، كيف تشمخر نفس بني آدم؟ كيف ترتفع وتكابر وتفاخر وتدافع وتنازع؟ وكم تبني من الدور والقصور وتزرع الضياء والبور؟ وفي خضم هذا كله يصيبها الكبر في لذاتها، والعجب في ملذاتها؛ فتغمط الناس حقوقهم وأشياءهم، وتحسدهم على أرزاقهم فيها كأن الدنيا لها وليست لهم، وينسى الواحد شكر نعمة ربه عليه في ما هو ماثلٌ واضحٌ أمام عينه، وكأن الإنسان يقول: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] فإذا مس هذه النفس طائف من قدر الله بمصيبة صغيرة أو مرض أو فاجعة، تذكر الإنسان وصاح: يا الله! ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس:١٢] عند هذا يعود، وعند هذا تعود كل نفس، وقبل ذلك كم نسيت من الآلاء التي عقدت على حصولها بالطاعة أصدق العهود.

стр. 1194

وصف النفس من كتاب الله يا بن آدم! إذا تكبرت نفسك، وتجاهلت حقيقة قدرك؛ فتذكر أصل خلقتك من أي شيء خلقت؟ هل خلقت من جواهر الجنة أم من خالص ذهب الأرض، أم من ماذا؟ خلقت من ماء مهين، من مني يمنى، من نطفة قذرة، وتحمل في جوفك الخراءة والعذرة، وتدميك بقطة وتقتلك شرقة، فعلام الكبر إذاً؟ ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧]. اقرءوا كتاب الله، وتأملوا قوله عن هذه النفس الإنسانية في مواضع شتى من كتابه الكريم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨] ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء:١١] ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤] ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج:١٩ - ٢١] ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة:٥] ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦] وغير ذلك كثير في كتاب الله العظيم، فيه من العظة والعبر والدروس والفكر لمن ألقى السمع وهو شهيد. فهل بعد هذا أيها الإخوة! هل بعد اطلاع الإنسان على حقيقة نفسه الإنسانية وضعفها وعجزها وقصورها وفنائها وسرعة زوالها وسرعة تغيرها، هل بعد هذا يبقى في النفوس شيء؟ هل بعد هذا يبقى في النفوس شر؟ هل بعد هذا تحمل النفوس حسداً؟ هل بعد هذا تحمل النفوس أحقاداً؟ كلا، لا والله، من أدرك ذلك وعلمه علم اليقين، علم أنه ضعيف إلا بقوة الله، ذليل إلا بعزة الله، مسكين إلا برحمة الله، ضائع إلا بحفظ الله. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1195

بدعة المولد النبوي الحمد لله، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار.

стр. 1196

أدلة بدعية المولد معاشر المؤمنين: نحن في شهر ربيع الأول، وهو شهر قد ولد فيه النبي ﷺ ، ولقد تعلقت طائفة من أهل البدع والمنكرات الذين يحدثون في الشرع ما لم يشرعه الله، وما لم يشرعه نبيه ﷺ ، وتعلقوا بيوم المولد هذا فأنشأوا حفلات ومناسبات وأهازيج وغير ذلك، يقولون: هذا احتفال بمولد النبي ﷺ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ [مريم:٨٩] لقد افتروا إثماً عظيماً، أهم أعلم برسول الله من سنته؟ أهم أعلم من رسول الله فيما أوحى الله إليه؟ لو كان هذا المولد خيراً، لو كان هذا المولد شرعاً، لو كان هذا المولد صلاحاً، لقال النبي ﷺ : اجعلوا لي في يوم ولادتي أو في يوم ميلادي عيداً، لكن النبي ﷺ حذر من ذلك، ونهى من ذلك، وقال ﷺ في الحديث الصحيح الذي ترويه عائشة: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). هذه الموالد التي يقومون ويطيرون ويصفقون ويطبلون ويتأثرون فيها، أهي أفضل من يوم عرفة؟ أهي أفضل من أيام العشر؟ أهي أفضل من يوم الجمعة؟ أهي أفضل من آخر ساعة من يوم الجمعة؟ أهي أفضل من آخر الليل الذي يتنزل الله فيه نزولاً يليق بجلاله، فيسأل عباده: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل هذا المولد خير من هذه المناسبات وهذه الفرص الخيرة للطاعات؟ لماذا يهملون هذه المناسبات الجميلة التي شرعها الله وخصها بمزيد فضل في العبادة؟ ولماذا يخصون هذا الميلاد بيوم؟ إننا تعبدنا ببعثة النبي ﷺ ولم نتعبد بيوم ميلاده، فلو كان الأمر كما يقولون، ولو فرضنا معهم جدلاً أو على حد زعمهم وخرافتهم وشططهم لكان يوم البعثة أولى بالاحتفال من يوم الميلاد، لكن علمنا بردنا الأمور إلى الله وإلى نبيه ﷺ أن هذا شيء لم يشرعه الله سبحانه، ولم يأمر به نبيه ﷺ ، فلم نفعله ولن نفعله.

стр. 1197

ظهور البدعة وانتشارها أول ما ظهرت هذا البدعة ظهرت من ملك الأردن في القرن الرابع أو الخامس، وكان يسمى" كنكبوي "رأى النصارى يقيمون عيد ميلاد لعيسى بن مريم، فقال: نحن أحق بهذا العيد منهم، فقام وأنشأ هذا العيد وتبعه المبتدعة إلى يومنا وزماننا هذا. أولئك الذين يقيمون الأعياد أحمق وأشد جهلاً وجرأة على الله وعلى رسوله من ذلك: أنهم ينصبون الأدلة على شرع هذه الموالد، أهم أعلم من رسول الله بسنته؟ أأولئك خيرٌ من خلفاء الله الراشدين الذين هم أعلم بنبينا ﷺ وبسنته، والذين هم أقرب لنبينا ﷺ ، الذين هم أخذوا شرعه وطبقوه وجاهدوا معه حق الجهاد؟ أأولئك المبتدعة خيرٌ وأعلم من صحابة رسول الله ﷺ ؟ هل جهله الصحابة وعلمه أولئك المبتدعة؟ هل علمه الصحابة وسكتوا عنه أو علمه أولئك ودعوا إليه؟ لقد افتروا شيئاً عظيماً، وتجرءوا على الله وعلى رسوله، إن ربنا يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فقد أتم الله النعمة وأكمل الدين ورسالة النبي خاتمة مهيمنة، فمن جاء بعد ذلك فكأنه يقول: إن هذا شيء جديد في الدين لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وإن أولئك الذين هم من أهل الموالد يضيفون هذا الأمر الجديد إلى شريعة الله وإلى سنة نبيه ﷺ ، هذا افتراء وجرأة على الله وعلى نبيه ﷺ . والعجب العجاب أن هذه الموالد تعطل لها مصالح المسلمين في كثير من البلاد المجاورة، ويجعل لها عيداً كاملاً، وإذا عرفتم وأردتم حقيقة هذه الموالد وأنها لا تقدم في دين الإسلام شيئاً ولا تؤخر وأنها لا تثير في المسلمين حماساً ولا جهاداً، بل هي من تضييع عاطفتهم وحماسهم في شيء من هذه الطقوس والعادات التي لم يشرعها الله، إذا تأملتم ذلك، أدركتم أن أعداء الإسلام لا يعترضون على هذه الموالد، في البلاد التي يحارب فيها الدعاة ويحارب فيها المسلمون ويحارب فيها المصلون إذا جاء يوم المولد سمحوا لمن أراد أن يقيموا مولداً بعيده هذا ومولده هذا، لماذا؟ لأنه في الحقيقة حيلة على عامة الناس الذين في قلوبهم شيء من الغيرة والشمم والإباء، وفي قلوبهم شيء من الآمال والآلام التي سرقها الطواغيت في بلدانهم هناك، فيرون في هذه الموالد شفطاً وسحباً لهذه النقمة التي في نفوسهم، فتضيع في وسط هذا العيد، وبعد ذلك تنقلب حماسات المسلمين، وعواطفهم تجاه دينهم تتبلور وتصب في قوالب هذه الطقوس التي لم يشرعها الله ولم ترد عن نبيه. هذه الموالد التي يطبلون فيها ويزمرون صدق فيها ابن القيم في ما أورد في كتابه حيث قال: تُلي الكتاب فأطرقت أسماعهم لا خيفةً لكنه إطراق ساهٍ لاهي وأتى الغناء فكالحمير تراقصوا والله ما طربوا لأجل الله دفٌ ومزمارٌ ونغمة شاذن فمتى رأيت عبادة بملاهي ثقل الكتاب عليهمُ لما رأوا تقييده بأوامر ونواهي ورأوا أعظم قاطعٍ للنفس عن لذاتها يا ذبحها المتناهي في هذه الأعياد وفي تلك البدع يهزون الرءوس ويصفقون ويطربون ويتغيرون ويغنون وما ذاك أمر شرعه الله، وما ذاك أمر أقره الله، بل هو مما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله ﷺ ، فاحمدوا الله يا معاشر المسلمين! يا معاشر المؤمنين! ألا موالد في بلادكم هذه، ولا أعياد في بلادكم هذه، وإن كان بعض أذناب الصوفية يجتمعون سراً وخفية في السراديب ويقيمون شيئاً من هذه الموالد، لكن ما داموا في درجة من الذل والمهانة والخفية والتستر، فإنهم ولله الحمد في ذلة وفي انكسار وفي سقوط، ولن تقوم لهم قائمة، ولن يقوم لهم رأس بإذن الله جل وعلا ما دام فضل الله قائم علينا، وما دامت شريعة الله تحكمنا، وما دام هذا الحب والإخلاص والوفاء بيننا وبين ولاة أمورنا نمحضهم النصيحة، ونخلص لهم الدعاء، وندين الله جل وعلا بمحبتهم وطاعتهم في المعروف. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد ولاة أمورنا بفتنة وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا بضلال، وأراد نساءنا بتبرج وسفور اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك. اللهم عليك بالإيرانيين الفرس، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، اللهم اجعلهم بدداً، واهلكهم عدداً، ولا تبق فيهم أحداً، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم أنزل سوط عذابك بهم، اللهم اضرب بعضهم ببعض، اللهم اضرب آياتهم بآياتهم، وشياطينهم بشياطينهم، وطغاتهم بطغاتهم، وفجرتهم بفجرتهم، اللهم أهلكهم وأخرج أمة محمد بينهم سالمين غانمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم وفق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم وفق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم سددهم، اللهم وفقهم، اللهم ارزقهم العلم النافع والعمل الصالح، اللهم اجزهم عنا خير الجزاء، اللهم اجعل أعمالهم خالصة لوجهك، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أسيراً إلا فككته برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم اسق البهائم الرتع، اللهم ارحم الأطفال الرضع، والشيوخ الركع، اللهم لا تعذبنا بذنوبنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، لا إله إلا أنت الحليم العظيم، لا إله إلا أنت رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم. اللهم إن عظمت ذنوبنا فإن فضلك أعظم، وإن كثرت معاصينا فإن رحمتك أكثر وأكبر بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1198

التهاون بترك أمور الشريعة جاءت هذه المادة لترد على القائلين بتقسيم الشريعة إلى قشور ولباب، مما يفتح باب التهاون بأمور الشريعة، وادعاء أن الإيمان في القلب، والتجرؤ على فعل المحرمات، وأوضح الشيخ وجوب الأخذ بجميع عرى الإسلام وشرائعه، ثم بين مفهوم سماحة الإسلام ويسره وخطأ الناس في تفسير هذا المفهوم.

стр. 1199

وجوب الأخذ بجميع عرى الإسلام وشرائعه الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين: تعلمون أنه كلما ابتعد المسلمون عن السنن فإن البدع تقترب منهم بحسب ما ابتعدوا عن دينهم، وما تركوا أمراً حسناً إلا وحل محله أمر قبيح، وهكذا النفوس إن لم تنشغل بالطاعات انشغلت بالمعاصي، وإن من الأفكار السامة الخبيثة التي حلت في قلوب بعض المسلمين المغترين ببريق الحضارة دون معرفة لحقيقة خوائها الروحي، وما تنطوي عليه من ألوان الدمار الاجتماعي والاقتصادي والتسلط السياسي، فكرة خبيثة يرددها بعض الناس ومن الشباب على وجه الأخص، تلكم هي فكرة تقسيم أمور الشريعة وأحكامها إلى قشور ولباب، ومظاهر وحقائق، وتراهم يبنون على هذا تهاونهم بترك أوامر الشريعة وتساهلهم بها بحجة أن الأهم والأعظم أكبر من هذا، وقضية الدين هي العقيدة والإيمان الذي هو في القلب، وأن الشريعة سمحة ميسرة، فلو جادلت أحدهم بالتي هي أحسن أَجْلَبَ عليك بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ، بأحاديث أو بكلام يظنه من الحديث ويفهمه فهماً سقيماً، ويضعه في غير مواضعه، فيقول لك: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم) وإذا ناصحته أو دعوته أشار بيده إلى قلبه، وقال: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا. وقد تراه حليقاً مسبلاً، متهاوناً بالصلاة مع الجماعة، مداهناً في أمر دينه، أو متساهلاً في أكل الربا، أو نيل المال بالباطل، ولو دار بينك وبينه حوار وأقمت الحجة عليه بوجوب متابعة الرسول ﷺ في الأصول والفروع في العقائد والأحكام لانفض النقاش بينك وبينه، متهماً لك بالسطحية والقشورية وعدم الغور في أصول الشريعة أو إدراك مقاصدها. وهكذا يا عباد الله! تنقض عرى الإسلام وأحكامه عروة عروة، وكثير منهم يردد من حيث لا يدري أو من حيث يدري تلك الحجج الواهية والأفكار السقيمة التي استوردها من أعدائه جهلاً وغفلة، وصدرها الأعداء إليه حقداً وحسداً ومكيدة، تقول لأحدهم: صل مع جماعة المسلمين، وإياك والربا، أو وفِّر لحيتك وارفع إزارك، أو تنكر عليه صوراً يعلقها في بيته، أو تماثيل مجسمة وأصناماً لأشخاص أو أفراد في مجلسه، أو تحذره من سماع الأغاني الماجنة، أو تنهاه عن شرب الدخان ومجالسة جلساء السوء، ومع ذلك تراه غارقاً في كل هذه المعاصي والمنكرات، ويرد عليك مرة أخرى بكل جرأة قائلاً: لا تكن سطحياً متشدداً أو معقداً، الأمر أهم من ذلك، القضية قضية عقيدة، القضية قضية أمة إلى آخر هذا الكلام الذي لم يدرك حقيقته، ولو أدرك حقيقته لانبعث سلوكه طيباً سليماً من هذه العقيدة التي يدعو أن القضية إليها، والأدهى والأمَرّ من ذلك -يا عباد الله- أن ترى بعض أولئك راضياً عن نفسه، ويجعلها في عداد الصالحين رغم تلك المنكرات التي يرتكبها، ويزيده ضلالاً ووبالاً أنه يشعر بالرضا عن نفسه لماذا؟ لأنه يقارن نفسه بأولئك الذين يشربون الخمر ويسرقون ويرتشون، فيرى نفسه أحسن حالاً منهم، وقد نسي المسكين أنهم إنما وقعوا في الكبائر والفواحش يوم أن تهاونوا بالصغائر وأصروا عليها. أيها الأحبة في الله: لا يخفاكم أن الذين يدعون هذا الأمر ويتساهلون ببعض أمور الدين بحجة أن التقوى هاهنا، أو أن الشريعة سمحة ميسرة، لا شك أنهم هم المحجوجون بقولهم وما يرددونه بأن مقتضى الإيمان والتصديق العمل والتطبيق، وثمار التقوى التي في القلوب العمل بالمأمور وترك المحظور، والدين كلٌ لا يتجزأ، وليس في الدين قشور ولباب، ويوم أن نصغي لقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨] يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: هذا أمر من الله لعباده المؤمنين به، المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ومعنى قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: في الإسلام جميعاً كما قال ابن عباس. وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر، أما دعوى أولئك الغافلين بقولهم: إن الدين والإيمان في القلب، لو سلَّمنا بهذا القول -أن الإيمان في القلب- على إطلاقه لجعلنا فرعون وأبا لهب وغيرهما من الطواغيت في عداد المؤمنين؛ لأنهم يؤمنون بالله، ويوقنون بوجوده وتصرفه في الكون، ولكنهم ضلوا وأضلوا يوم أن تكبروا وتجافوا عن عبادة الله والانقياد له، إذاً فلا يكفي في الإيمان أن يدعيه الإنسان دعوى من دون تطبيق وبرهان صادق على دعواه. ثم إن الحس والملاحظة يشهدان بالارتباط الوثيق بين الظاهر والباطن، فمن صلحت سريرته استقامت علانيته، ومن ساءت وحادت عن جادة الصواب علانيته كان ذلك دليلاً على فساد باطنه، وهذا أمر ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رحمة واسعة في كثير من كتبه حول كلامه عن هذا الموضوع، وفي اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم بين ذلك ﵀ بقوله: والأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أموراً ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب بالقلب شعوراً وأحوالاً. فالمشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. أسأل الله أن يجنبنا وإياكم التساهل بأمور دينه وأحكام شريعته، وأن يجعلنا من الذين يمسِّكون بالكتاب ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1200

بيان مفهوم سماحة الإسلام ويسره الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فإن جسومكم ووجوهكم على وهج النار لا تقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعملوا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: إن التساهل بأمور شريعة الإسلام وقولنا لبعض الأمور: هذا أمر يسير، وهذا أمر ليس من القضايا الأساسية، وهذا أمرٌ من سماحة الإسلام ويسره قد يتهاون به أو قد يجعله في ضمن الأمور المعذور عنها، جهلاً وفهماً خاطئاً من القائلين بهذا الكلام، إن هذا يجر إلى سقوط عرى الإسلام عروة عروة، وما وقع الناس في المصائب العظمى والبلايا الكبرى إلا يوم أن تركوا شيئاً من هذه الأمور، وتهاونوا واستساغوا ترك الواحدة بعد الأخرى، حتى وقعوا في الأمور العظمى وتساهلوا بالأمور الكبرى، ومن ثم ترى الواحد منهم قد أفلت جانباً كبيراً من جانب الدين بحجة اليسر والسهولة والمسامحة، وإن كثيراً من المسلمين ليفهمون سماحة الدين ويسر الشريعة فهماً سيئاً خاطئاً؛ بعض الناس يظن أن سماحة الدين ويسر الشريعة إنما هي أن يترك الإنسان شيئاً من المأمورات، أو أن يتهاون بفعل بعض المحظورات أو أي شيء من هذه الأمور، كلا والله. ما أنزلت الشريعة وما أنزل القرآن إلا ليعمل به، إلا ليطبق جملة، وليتقي الله في فعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، أما ترك بعض الأمور بحجة أن الشريعة سمحة ويسيره، فهذا جهل لا حد له. إن يسر الشريعة وسماحة الدين يرد في أمور: كقصر الرباعية حال السفر، وكالأكل من الميتة حال المخمصة، وكاستعمال التراب حينما يتعذر استخدام الماء، هذا مما يدل على يسر الشريعة، أما أن يتساهل الإنسان بأمور الدين ويظن أن هذا من يسر الشريعة فهذا جهل عظيم، قال مفتي المملكة الراحل الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ رحمة واسعة، وأعلى منازله في الجنة، ونور ضريحه: إن يسر الشريعة وسماحتها أي: أن مفردات الشريعة جاءت على السهولة كقصر الرباعية ونحو هذا، هذا معنى يسر الشريعة -ليس معناه ترك الواجبات، أو فعل المحرمات- بل يجب القيام بما أمر الله به من إقامة الحدود، فإن بعض الجهلة يظنون ويجعلون هذا تشديداً، وهذا من خداع الشيطان وما ابتلوا به، فإن ذلك قد بُين في الأحاديث وقد تبين معنى يسر الشريعة هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: عندما يتضايق الحال كالرخص الشرعية كأكل الميتة حال المخمصة. انتهى كلامه ﵀ رحمة واسعة. واعلموا يا عباد الله: أن دين المرء هو ما يملكه ويقدمه يوم القيامة، فمن تساهل بدينه أقبل على ربه ضعيفاً فقيراً إلى الحسنات قد أثقل كاهله، وحمل عبئاً عظيماً من الأوزار والسيئات، وإنه ينبغي للإنسان أن يحتاط لدينه، وأن يعلم أن الأمور مقيدة محسوبة مسجلة عليه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ويقول جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، ويقول سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] فإن من تساهل بأمر دينه فإنما ذلك على حساب نقص حسناته وزيادة أوزاره وسيئاته، فاتقوا الله يا عباد الله واحتاطوا لدينكم. عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) فأصلحوا مضغ قلوبكم يا عباد الله! وانتبهوا لأنفسكم، وحاسبوا وراقبوا أنفسكم وأعمالكم، فغداً تقدمون على الله جل وعلا إن شاء الله بأعمال يسركم أن تروها في الموازين بمن الله عليكم وفضله، وتوفيقه إياكم في فعل الواجبات، وترك المحرمات، والعناية بأمر الدين والشريعة، لا التساهل بها.

стр. 1201

حال المجاهدين في أفغانستان اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان. عباد الله: نسيت أن أنقل وأزف إليكم بشارة عظيمة محبوبة إلى نفوسكم، أذكركم قبلها بما كان منكم جزاكم الله خير الجزاء من تبرعكم ودعمكم، وبذل أموالكم لإخوانكم المجاهدين، والدعاء لهم في صلواتكم، والقنوت لهم أياماً معدودة في الصلوات، أبشركم بأن عدوهم قد أخزاه الله فانسحب من تلك الموقعة خاسئاً ذليلاً، مهزوماً منكسراً، قد خسر في ذلك عدداً من الطائرات والناقلات والدبابات، وقُتل منهم جمع كثير لا يحصيه إلا الله، كان هذا الانسحاب يوم الخميس أو الجمعة الماضية فالحمد لله رب العالمين، وبهذا دلالة عظيمة على أن الله جل وعلا لا يرد عباده خائبين ولا يردهم محرومين. انظروا يا عباد الله: يوم أن لجأ المسلمون إلى ربهم ثم قنتوا لإخوانهم وألحوا في الدعاء لهم في صلاة تشهدها ملائكة الليل والنهار، وبذلوا سبباً يدل على المشاركة، ويدل على حب الجهاد بالمال والنفس وغير ذلك، استجاب الله ذلك، والله جل وعلا قادر بكلمة (كن) فقط على هزيمة الكفار، ولكن ليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً، فالحمد لله على هذه الحال، ونسأل الله أن يكلل نصرهم وفوزهم بعز أولئك المجاهدين واستلامهم سلطة بلادهم، وأن يطرد الشيوعيين من أرضهم إنه جواد كريم، وبالإجابة جدير، وعلى كل شيء قدير. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم مسك إمام المسلمين بكتابك وسنة نبيك، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على الحق يا رب العالمين، اللهم لا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً، اللهم ربنا أصلحهم على كتابك وسنة نبيك، فإن بصلاحهم صلاحنا، وبفوزهم فوزنا، وبنصرهم نصرنا يا رب العالمين. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا أسيراً إلا فككته. اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم من كان حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم نور عليه ضريحه، وافسح عليه قبره، وافتح له أبواباً إلى الجنة. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً، سحاً طبقاً، نافعاً مجللاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم لا غنى لنا عن فضلك ورحمتك، فلا تمنعنا بمعاصينا فضلك، ولا تحرمنا بذنوبنا رحمتك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1202

التوسل والوسيلة خلق الله الخلق ليفردوه بالعبادة دون غيره، لذا كانت عقوبة المشرك من أشد العقوبات، لأنه قد خالف الحكمة العظمى من خلقه، والرسول ﷺ إنما بعثه الله لكي يزيل هذا الشرك، ولكن ظهر كفار في زماننا يدعون الإسلام وقد وقعوا في أعظم مما كان عليه المشركون من توسل واستعانة واستغاثة بغير الله، وتركوا النصوص الواضحة الدالة على تحريم ذلك، وغفلوا عن التوسل المشروع، والذي ينبغي للعبد أن يتوسل به إلى ربه.

стр. 1203

القبوريون ومخالفتهم الشرع الحمد لله، الحمد لله الذي لم يزل بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، أرسله ربه إلى الإنس والجن بشيراً ونذيراً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله جل وعلا فهي وصية الله لكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، ويقول جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين! مر بنا في الجمعة الماضية ما وقع فيه كثير من الضعفاء والجهلة والمصرين على الضلالة أولئك الذين يعتقدون في القبور وسكانها واللحود ونزلائها، أولئك الذين يعتقدون فيهم دفعاً أو نفعاً أو إجابة دعوة أو كشف كربة، وأولئك لا يملكون لأنفسهم شيئاً قليلاً ولا كثيراً، صغيراً أو حقيراً أو كبيراً، فكيف يدفعون عن غيرهم؟ وكيف يجيبون من دعاهم؟ وكيف يسمعون من ناداهم؟ ولكن ضلال القبوريين المنتسبين إلى طائفة القبورية، ومن حذا حذوهم وسار سيرهم يشركون بالله وهم لا يعلمون، وصدق الله جل شأنه حيث قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] هذا في شأن من يدعون الإيمان، ومنهم من يكفرون بالله جل وعلا على بصيرة.

стр. 1204

ما يستدل به القبوريون والرد عليهم وحديثنا اليوم عن التوسل والوسيلة وما كان قريباً منها وفي حكمها من الاستغاثة والاستعانة. فاعلموا يا عباد الله! أن من ضلال أهل الضلالة، ومن جهلاء أهل الجهالة من يحتجون بكتاب الله على باطلهم، فتجد منهم من يحتج بقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧]، ويحتجون بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] فيجعلون هذه الوسيلة التي وردت في الآية حجة لهم باتخاذ من يتوسلون بهم من الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله، ومن الأموات الغائبين المغيبين في اللحود والقبور يجعلون هذه الآية يستدلون بها استدلالاً ضالاً ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويوردون الكلام في غير ما يستدل به، ويحتجون بها لأنفسهم، وقد أجمع العلماء وعلماء التفسير ﵏ أن المقصود بالوسيلة في هاتين الآيتين: (العمل الصالح) والمعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٣٥] نداء للمؤمنين، أن اتقوا الله، واجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية، ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] أي: اطلبوا عملاً صالحاً يقربكم إلى الله جل وعلا. وكذلك ما جاء في الآية الأخرى في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧] يبتغون العمل الصالح سلماً لرضا الله جل وعلا، وما سوى ذلك من استغاثة المخلوق بالمخلوق الحي فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو استغاثة المخلوق بالمخلوق الميت فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه، فإن ذلك أمر لا يجوز، بل هو شرك لا شك فيه.

стр. 1205

أنواع من الاستعانة والاستغاثة الجائزة والاستغاثة والاستعانة إما أن تكون في أمر يقدر المخلوق عليه فهي جائزة، وإما أن تكون في أمر لا يقدر عليه إلا الله فهي شرك لا شك فيه. ومن أنواع الاستغاثة الجائزة: ما ورد في كتاب الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] فهذا يستغيث بموسى ﵇ ليعينه على قتل عدوه. وكذلك استغاثة الإنسان بمن يعينه على رد صائل أو إطفاء حريق ونحو ذلك، فهذا من الاستغاثة ومن الاستعانة الجائزة، وأما ما سوى ذلك كمن يستغيث بحي في شفاء مرضه، أو يستغيث بحي في تفريج كربته، أو يستغيث بحي في حصول خير له، فإن هذا لا يجوز. نعم. الأسباب واردة، والله جل وعلا يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥]، وقال ﷺ : (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) فإن الإنسان إذا نزلت به كربة فسأل الله جل وعلا أن يدفع عنه وأن يسخر له، ثم طلب سبباً من البشر لوجاهته أو لمنزلته أو لأمر يختص به دون غيره، فقال: يا فلان اشفع لنا عند فلان في أمر يقدر عليه الشافع والمشفع عنده أو المشفوع عنده، فليس هذا من الاستغاثة أو الاستعانة المحرمة، لكن المحرم هو أن يستغيث المخلوق بمخلوق ضعيف مثله في أمر لا يقدر عليه الأحياء، أو أن يستغيث بغائب، فترى رجلاً مثلاً في مكة، وآخر في الرياض، فإذا أصاب الذي في الرياض سوءٌ أو مكروهٌ نادى فلاناً وهو بـ مكة وقال: يا فلان ادفع عنا ما نحن فيه، فإن الاستغاثة بالحي على ما يقدر عليه إذا كان غائباً فإن هذا لا يجوز أبداً، وهو الذي وقع فيه كثير من هذه الأمة، حيث ضلوا وأضلوا كثيراً منهم بغير علم. فترى أناساً يستغيثون بالأموات في قبورهم، وأناساً يستغيثون بالأحياء الذين عندهم فيما لا يقدرون عليه ولا يقدر إلا الله، أو يستغيثون بالأحياء فيما يقدرون عليه ولكنهم غائبون عنهم، فحينئذٍ أيها الأحبة ذلك مما لا يجوز، إذ إن الاستغاثة من المخلوق بالمخلوق ومن الحي بالحي في أمر يقدر عليه يشترط له أن يكون موجوداً وأن يكون قادراً على فعل ذلك. فالله جل وعلا يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قدم اللفظ ﴿إِيَّاكَ﴾ لحصر العبادة لله جل وعلا، وقدم لفظ (إياك) لحصر الاستعانة بالله جل وعلا، وقد قال النبي ﷺ : (يا غلام! إني أعلمك كلمات: إذا سألت فاسأل الله).

стр. 1206

ما يفعله من يعرف حقيقة العبودية عند المصائب وهنا مسألة جليلة أيها الأحبة: فإن من واجب العبد المتعلق بربه، العارف بحقيقة وحق العبودية أن يسأل الله قبل أن يسأل غيره، فإذا نزل بك مرض من الأمراض وأنت تعرف أن المستشفى بجوارك، فاسأل الله جل وعلا قبل أن تلتفت إلى سبب الطبيب الذي قد ينفع وقد لا ينفع، وقد يوفق إلى الدواء الذي يصيب الداء وقد لا يوفق، وإذا نزلت بك كربة مالية وأنت تعلم أن جارك فلان غني ثري قريب حبيب إليك، لا يتردد في بذل ماله، فقبل أن تسأله اسأل الله جل وعلا، حتى ولو كان الذي بجوارك قادراً على أن يقرضك من ماله، أو يهبك من متاعه، أو ينفعك بجاهه، ولكن تعلق بالله قبل أن تتعلق بخلق الله. من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب أيها الأحبة: إننا نرى كثيراً من أحبابنا وإخواننا إذا نزلت الحاجة بأحدهم أو حلت بأحدهم الواقعة وهو يعلم أن من عباد الله من يقدر على معونته فيها، تجده أول ما يفزع إلى دليل أرقام هاتفه، أو إلى أرشيف معلوماته وصداقاته وعلاقاته، ثم يقلب الأوراق ورقة ورقة، هذا ينفع وهذا لا ينفع، وهذا ينفع قليلاً، وهذا ندعه للمهمات الملمات، ونسي المسكين قبل أن يتناول الدواء، وقبل أن يلتفت للصديق، وقبل أن يتحول إلى الرفيق؛ نسي أن يسأل الله جل وعلا. فالواجب علينا تحقيقاً للعبودية أيها الأحبة أن نبدأ بسؤال الله، وأن نحتاج إلى الله قبل الحاجة إلى غيره: لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضب ثم إن الله جل وعلا يحب من تضرع إليه، ويحب السائلين بين يديه، أما العباد فإن أعطوا مرة يسأمون الأخرى، ثم يطردون الثالثة. سألنا فأعطيتم وعدنا وعدتم ومن أكثر التسآل يوماً سيحرم وإذا رضيت ببذل وجهك سائلاً فابذله للمتفرد المفضال اسأل الله قبل أن تسأل عباد الله، واسأل الله قبل أن تسأل خلق الله، وتضرع إلى الله، وتملق إلى الله، وقف واسجد واخشع وتضرع ومرغ أنفك وجبهتك على التراب بين يدي الله قبل أن تقدم على واحد من البشر، خاضع الطرف، مطرق الرأس، تمشي على استحياء خجلاً من عرض حاجتك أمام هذا المخلوق الضعيف، لكن أمامك ساحة العزة وفرصة الكرامة، أن تخضع وأن تسجد لله، وما يدريك لعل الله أن يقضي حاجتك قبل أن تذهب أو تحتاج إلى فلان. أيها الأحبة في الله: يقول النبي ﷺ لابن عباس: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف) هذا فيما يتعلق بهذه المقدمة.

стр. 1207

الفرق بين تكفير المعين وتكفير فاعل الفعل أيها الأحبة! فإذا علم ذلك وأيقنه المسلم، أدركنا ضلال وجهل بل ربما شرك المستغيثين والمستعينين بغير الله، والمتوسلين بغير الله، بل يقع أحدهم في هذا الشرك إن كان عالماً ويقع الكثير منهم بهذا، أو إعراضه عن العمل بالتوحيد بعد بلوغه، يحقق فيه الشرك. وهنا مسألة أيها الأحبة! فربما رأيت مخلوقاً ضعيفاً عند قبر من القبور يدعو الله جل وعلا، فلا تعجل بتكفيره، ولا تعجل بإطلاق لفظ الشرك عليه، فهناك أحوال: فقد يكون ذلك السائل عند القبر يدعو الله جل وعلا ولا يدعو القبر، لكنه مبتدع باختيار مكان الدعاء عند القبر، واختيار زمان الدعاء في زمن معين بجوار القبر، فهذا مبتدع ومرتكب كبيرة، وفاسقٌ فسقاً عظيماً، لكن لا يكون مشركاً ولا يكون كافراً إلا إذا اعتقد أن الدعاء لصاحب هذا القبر أو أن الدعاء ببركة صاحب هذا القبر ينفع ويدفع الضر ويجلب الخير، وأنه بالبعد عنه لا يستجاب الدعاء فحينئذ يتحقق، ثم إننا أمة لم يطلب منا أن نكفر الناس بأعيانهم، فهناك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فرق بين تكفير النوع والشخص المعين. فتقول: كل من دعا غير الله فهو كافر، وكل من استعان واستغاث بغير الله فهو مشرك، ولكن إذا رأيت من يدعو عند القبر أو يتوسل، فقبل أن تقول وأن تشير وأن تحدد أن هذا فلان بن فلان بعينه وشخصه كافر لا بد أن تتثبت من ذلك، إذ قد يكون يدعو الله بجوار هذا القبر معتقداً أنه يدعو الله جل وعلا، ولا يدعو القبر لكنه مبتدع ضالٌ ضلالة كبيرة بالدعاء بجوار القبر، فهذا أمر لا يكفره ولا يخرجه من الملة، فواجبنا أن نتثبت، وواجبنا أن نحذر؛ لأن الفائدة العظمى والنصيحة الأولى هي لأنفسنا ولبيان خطر ذلك على أبنائنا ومجتمعاتنا وذرياتنا ومن حولنا، ويا خيبة أولئك الذين يتعلقون بغير الله! ويا ضلال أولئك الذين يستغيثون ويستعينون ويتوسلون بغير الله، أو بغير أسباب التوسل المشروعة! فـ الرافضة مثلاً يرددون في نشيدهم وحدائهم قائلين: لي خمسة أطفي بهم نار الحطيم الحاطمة المصطفى والمرتضى وابناهما والفاطمة يرددون ما معناه: أن خمسة يرجون بهم أن ينجوا من النار ويكونون في الجنة: لي خمسة أطفي بهم نار الحطيم الحاطمة أي: نار جهنم. الحاطمة: الملتهبة. المصطفى: ويعنون به النبي ﷺ . والمرتضى: ويعنون به علي بن أبي طالب. وابناهما: الحسن والحسين. والفاطمة هي الخامسة. أولئك يدفعون بهم عذاب الله ويدفعون بهم النار، كيف يفعلون ذلك، والنبي ﷺ يقول كام أمره الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ [الأعراف:١٨٨]. فالله جل وعلا قد بين على لسان نبيه وجاء هذا في كتابه أن النبي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا، بل يقول ﷺ : إن هدايته ببركة ما أوحى الله إليه، فقال جل شأنه على لسان نبيه: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] والنبي ﷺ يقول لـ فاطمة: (يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئتِ لا أملك لك من الله شيئاً). والله جل وعلا قد بين هذا الأمر لنبيه ﷺ في مواقع كثيرة، فلو كان يملك من الأمر قليلاً أو كثيراً لما قال الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٨]، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وقال الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣]. فلو كان النبي ﷺ يملك لنفسه أو لذريته أو لمن يريد هدايته أو لمن يريد الاستغفار له، لو كان يملك في هذا قليلاً أو كثيراً، لنفعه ولم يرد في القرآن ما يدل على أن ذلك ليس له ﷺ ، فدلالة النبي دلالة الإرشاد، وأما دلالة الهداية والتوفيق فهي دلالة من عند الله جل وعلا. وإذا نوقش بعض هؤلاء الضّلال، قالوا: إنا لا نعبد من نتوسل به، ولا نعبد من نستغيث به، ولا نعبد من نستعين به، وإنما نجعله بجانب الله، وذلك والله هو عين كفر الجاهلية الأولى الذين يقولون في الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] إن مشركي قريش وكفار الجاهلية ما قالوا: إن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى هم الذين خلقوا، وما قالوا هم الذين يميتون، بل قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] ولكنهم يعتقدون شيئاً من بركة ونفع وشفاعة هذه الأصنام عند الله جل وعلا، ومع ذلك ما عصم ذلك دماءهم ولا أموالهم ولا أعراضهم من أن يقاتلوا وأن تسبى ذراريهم وأن تؤخذ أموالهم. فإذا أدركت ذلك، تأمل قول الله جل وعلا: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]، وقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] فضعفهم مع اجتماعهم كضعف الذبابة في هوانها وحقارتها. فإذا تأملتم هذا يا عباد الله! كيف يتعلق مخلوق بمخلوق؟! كيف يتعلق بشر ببشر؟! كيف يتعلق ضعيف بضعيف؟! كيف يتعلق مسكين بمسكين؟! كيف يتعلق حقير بحقير؟! والله إن التعلق بالبشر هو غاية الضلالة والهوان، وأما الكريم الشريف العزيز في نفوسنا حبيبنا الطاهر المطهر نبينا ﷺ فتعلقنا به هو بحبنا لشخصه ﷺ ، وتعلقنا به هو باتباعنا أمره حيث نهانا أن نعتقد في شخصه نفعاً وضراً بعد موته، وتعلقنا به أن نتبعه استجابة لما أمرنا به: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ومن أحب الله أحب نبيه ﷺ لا محالة.

стр. 1208

حماية النبي لأصحابة من الشرك أيها الأحبة! إن المتأمل في نصوص السنة يدرك أن خطر التعلق بغير الله حتى ولو كان تعلقاً فيه أدنى شبهه يفضي إلى الشرك بل قد يكون شركاً أعظم، فعن أبي واقد الليثي -والحديث في الصحيح- قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها، وينوطون -أي يعلقون بها أسلحتهم- فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط!) أراد الصحابة فقط، أراد أولئك الذين كانوا حديثي عهد بكفر، أرادوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم شجرة يعلقون بها سيوفهم لاعتقادهم النفع فيها، فقال لهم النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ((اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)) [الأعراف:١٣٨]). وهؤلاء تكون أعمالهم كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] إن أعمال كثير من الناس في عددها قد تكون أكثر من عمل بعض الصحابة والتابعين، أقول في عددها لكن أعمال كثير من الصحابة والتابعين على قلتها فيها من التعظيم، وفيها من الإخلاص، وفيها السلامة من الشرك، وفيها التعلق بالله، وفيها التوحيد النقي الخالص الذي لا يتطرق إليه ذرة أو شعيرة أو قليل أو كثير من التعلق بغير الله سبحانه، فحينئذٍ بفضل الله وبرحمة الله نفعتهم أعمالهم، وكثير من العباد قد يحبط عمله وهو لا يدري، بل كان الصحابة يتعلقون بالله ويرجون الله ويخشون مع أعمالهم ولا يدلون بها على الله، يخشون من عذاب الله.

стр. 1209

خوف أبي بكر على نفسه من المعاصي كان أبو بكر الصديق يبكي وهو يرى عصفوراً يطير من غصن إلى غصن، ويقول: [هنيئاً لك يا طير! تطير من غصن إلى فنن، ثم تموت لا حساب ولا عذاب] وهو أبو بكر الذي قال الله فيه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] ذكره الله في القرآن، وهو أبو بكر الذي قال الله فيه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] سيجنب النار، مبشراً بالجنة، ومع ذلك يبكي ويخشى ويخاف ويرجو رحمة ربه ويخشى عذابه، ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١] أي بشارة ل أبي بكر أن يقول الله له: (ولسوف ترضى يا أبا بكر) إذا أرضاك الله فمن يسخطك؟! إذا أغناك الله فمن يفقرك؟! إذا أمنك الله فمن يخوفك؟! (ويقول أبو بكر لما سمع قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] فيقول أبو بكر ﵁: يا رسول الله! ما أسعد من يقال له هذا؟ فيلتفت الحبيب إلى رفيقه الصديق، ويقول: يا أبا بكر! إنك ممن يقال لهم هذا) يا أبا بكر! إنك ممن يقال لهم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. وليس الأمر كما نراه الآن في كثير من الصحف والجرائد والمجلات إذا مات ميت، وقد يكون من الفساق، وقد يكون من الفجار، وقد يكون من مستوري الحال، وقد يكون من الصالحين، وقد يكون من الذين لا يشهدون الصلاة، ثم يكتب تحت نعيه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨] وما أدراكم أنها اطمأنت؟ وما أدراكم أنها رجعت إلى ربها راضية مرضية؟ فهذا من الجهل، وهذا من الضلال، وهذا من الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس.

стр. 1210

النصوص الدالة على تحريم الشرك أيها الأحبة! أخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد لا بأس به عن عمران بن حصين ﵄: (أن النبي ﷺ : رأى رجلاً بيده حلقة من صفر، فقال الرسول ﷺ : ما هذه؟ قال الرجل: من الواهنة، فقال ﷺ : انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، ولو مت وهي عليك ما أفلحت). وأخرج أيضاً عن عقبة بن عامر مرفوعاً: (من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له) وفي رواية: (من علق تميمة فقد أشرك). ولابن أبي حاتم عن حذيفة: [أنه رأى رجلاً في يده خيط -خيط للحمى- فقطعه وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]] وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁: (أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولاً ألا يبقى في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت). وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك). وأخرج أحمد والترمذي عن عبد الله بن حكيم مرفوعاً، أي مرفوعاً إلى النبي ﷺ : (من تعلق شيئاً وكل إليه). وأخرج أحمد عن رويفع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمداً بريء منه). فانظروا يا عباد الله! كيف جعل الرقى والتمائم والتولة شرك، وما ذاك إلا لكونها مظنة أن يصحبها اعتقاد أن لغير الله تأثير في الشفاء من الداء وفي المحبة والبغضاء، فكيف من توسل بغير الله؟ وكيف من طلب غير الله؟ وكيف من ناجى غير الله؟ ولا يسلم للعوام قولهم: نحن لا نعبدهم وإنما نستعين بهم. أسأل الله جل وعلا أن يحقق لنا ولكم التوحيد النقي الذي يرضي ربنا عنا، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا غير مبدلين ولا مشركين ولا مغيرين. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1211

الأمور التي يتوسل بها إلى الله الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى. اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. إذا علمنا أيها الأحبة! أن التعلق بغير الله في كبير وصغير واعتقاد أن غير الله يدفع أو ينفع، فهذا من الشرك، آن الأوان للشروع في المقصود وأن نعلم أنه لا يتوسل إلى الله إلا بواحدة من ثلاث:

стр. 1212

الأولى: أن يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته وهي أجل وأسمى وأنفع وأفضل أنواع التوسل، وفيها توحيد المسألة، فتقول: يا رحمن ارحمني. تتعلق برحمة الله طالباً من ربك الرحمة، فأنت تتوسل بأسماء الله وصفاته، وتقول: يا منان مُنَّ علي برحمتك، ويا غفور اغفر لي، ويا جبار امنعني، واحفظني ممن أراد بي سوءاً، ويا قيوم أسألك الفوز بالجنة، وهكذا أن تسأل الله بأسمائه وصفاته، وإذا سألت ربك مطلوباً فاسأله باسم يوافق هذا المطلوب ليكون أدعى إلى تحقيق المسألة.

стр. 1213

الثانية: أن يتوسل إلى الله بالعمل الصالح فتقول: اللهم إني أسألك بصيامي شهر رمضان، ما نظرت فيه إلى محرم، وما استمعت فيه غيبة، واجتهدت في الصلاة خلف الإمام، وما انصرفت من التراويح إلا مع الإمام، أسألك اللهم إني عملت ذلك خالصاً لوجهك أن تحقق لي ما أرجو، تقول ذلك سراً بينك وبين الله، تتوسل إلى الله بعملك، فإن هذا من التوسل المشروع. ودليله ما جاء في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فدخلوا وباتوا فيه، فانحدرت صخرة من الجبل فأطبقت عليهم الغار، فقال بعضهم لبعض: إنه لن يخرجكم ولن ينجيكم مما أنتم فيه إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال الأول: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم، وكنت أراودها فتتمنع علي، فجاءتني في عام سنة وجدب وقحط وطلبت مني المال، فقلت لها: لا أعطيك المال حتى تمكنيني من نفسك، فقبلت محتاجة، ثم إني لما دنوت منها، وتمكنت منها تمكن الرجل من زوجته، وقبل أن أفعل بها بكت وقالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها خوفاً منك وخشية لك، اللهم إني إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك وخوفاً منك ورغبة فيما عندك فافرج عنا ما نحن فيه، وهي حال عجيبة أن يكون الإنسان في ذروة تلبسه بالمعصية وقبل الشروع المباشر في حقيقتها، يخوف بالله، فينزعج ويضطرب خوفاً من الله ويترك ما هو عليه. قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك وخوفاً منك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة قليلاً عن الغار، إلا أنهم لا يستطيعون أن يخرجوا منه. فقال الثاني: اللهم إنك تعلم أن لي والدين لا أغبق قبلهما ولداً ولا صاحباً، وإني خرجت عشية في طلب الغبوق فتأخرت عليهما، فجئت ووالدي قد ناما، قد باتا، والصبية يتضاغون يبكون يصيحون يتصايحون من العطش والجوع فقلت: والله لا أغبق قبل والدي ولداً ولا صاحباً، فترك الصبية يبكون براً بوالديه ألا يغتبق أحد قبل والديه. انظروا بركة بر الوالدين يا عباد الله! وليسمع هذا أولئك الذين يبرون في زوجاتهم ويعقون آباءهم وأمهاتهم، وليسمع هذا أولئك الذين يتهربون عن والديهم ويبتعدون عن آبائهم وأمهاتهم، متى؟ في وقت العطاء والخير، حينما يقبل خير الفتى ويدبر شره، ويكثر صلاحه ويقل فساده، يقع في فساد عظيم يدبر عن والديه، ليتخلى ويتفرد بابنة الناس ليعطيها بره وخيره، ويغفل عن والديه الأيام والليالي ذوات العدد، فإنا لله وإنا إليه راجعون! قال: فإني ما غبقت قبلهما ولداً ولا صاحباً، حتى أصبح والدايَّ فاغتبقا وشربا من الحليب، ثم بعد ذلك أطعمت زوجي وولدي، اللهم إني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. توسل إلى الله ببره بوالديه، والأول توسل إلى الله بتركه المعصية. فانفرجت الصخرة شيئاً أكثر من الأول إلا أنهم لا يستطيعون أن يخرجوا منه. فقال الثالث: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجيراً فولى ولم يقبض أجرته، ثم إني نميتها وحفظتها له، فجاء إليَّ بعد زمن وقال يا فلان: أعطني أجرتي؟ فقلت: أتنظر ما في هذا الوادي من النعم أو من المال؟ فقال: نعم، فقلت: هذه أجرتك فخذها، فقال: أتهزأ بي؟ أتسخر بي؟ لأن الأجير ذهب وأجرته شيء قليل، لكن ذلك نمّى الأجرة وحفظها لصاحبها، وقال: هذه أجرتك خذها واستقها، فأخذ الرجل أجرته داعياً وشاكراً، قال الثالث: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء ما عندك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة حتى خرجوا جميعاً. فانظروا بركة التوسل إلى الله بالعمل الصالح، والنبي ﷺ قص هذه القصة لأصحابه، ولو كان التوسل إلى الله بالأنبياء أو بالصالحين أمراً مشروعاً لقال: توسلوا إلى الله بي بعد موتي، أو لقال ﷺ : توسلوا بحبيبي أبي بكر الصديق، وتوسلوا بشهيد المحراب، والإمام الأواب عمر بن الخطاب، ولكنه ﷺ ذكر لهم أن التوسل يكون بالعمل الصالح، ولو كان التوسل بالأنبياء أو بذاته أو بشخصه أو بجاهه، كما يقول كثير من الناس: أسألك بجاه النبي، أسألك بجاه النبي، أسأل الله جل وعلا، وإن كنت صادقاً في حب النبي فاتبع ما يقول النبي ولا تتقدم عنه ولا تتأخر.

стр. 1214

الثالثة: أن يتوسل العبد إلى الله بدعاء رجل صالح فهذا يدخل في أحكام التوسل، وشاهده ما كان في زمن عمر بن الخطاب ﵁، لما أجدبوا وقحطوا وأصابتهم السنة، قال عمر بن الخطاب وقد خرجوا يستسقون: [اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإن نبينا قد مات، اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا، قم يا عباس فادع الله لنا!]. ففي هذا بيان أن الدعاء نوع من الوسيلة، وأن الداعي لا يعطي من نفسه، وإنما يدعو الله جل وعلا، فأنت إذا كانت لك حاجة وعرفت رجلاً من الصالحين، وقلت له: يا فلان ادع الله لي أن يرزقني ذرية، ادع الله لي أن يبارك في مالي، ادع الله أن يرزقني حفظ القرآن، فذلك يدخل في حكم التوسل المشروع، وأما ما سوى ذلك فممنوع لا يجوز أبداً، وقد احتج من احتج بما ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وقالوا هذا إمام التوحيد يقول في آداب المشي إلى الصلاة في أن الماشي يقول في طريقه: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، أني ما خرجت بطراً ولا أشراً، فيقولون: إنه ذكر الحديث، مع أن في الحديث ما فيه، أو قد تكلم فيه، ولكن لو صح واستدل به ففي ذلك دلالة على أن ما ورد في الحديث هو توسل إلى الله بأسمائه وصفاته لأن حق السائلين على الله إجابتهم، وإجابة الداعي صفة من صفات الله، وحق العابدين على الله أن يجيب دعاءهم، فحقيقة التوسل هنا هو توسل إلى الله بما يفضي إليه هذا الحق من السائلين وهو الإجابة، فلا حجة لمن أراد أن يستدل بهذا على جواز التوسل ببشر، أو بجاه بشر، أو بحق بشر. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم اغفر لنا ولوالدينا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً ومناً وغفرانا، برحمتك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداء الدين، اللهم انصر المجاهدين في البوسنة والهرسك، اللهم انصرهم وأيدهم وثبتهم، وانصرهم على عدوهم، اللهم أهلك الصرب أعداءهم، اللهم أحصهم عدداً، واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم ارحم المستضعفين في كل مكان، اللهم فرج عن أهل الزنازين، اللهم فرج عن المستضعفين والمحبوسين والمأسورين، اللهم فرج لهم، اللهم انقطعت بهم السبل ولا سبيل إلا ما عندك يا حي يا قيوم، اللهم نزل عليهم فتحاً من عندك، وثبتهم بتثبيتك، وأيدهم بتأييدك، وارحمهم وفرج عنهم ما هم فيه يا رب العالمين. ربنا لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا أيماً إلا زوجته وأسعدته، ولا ضالاً إلا هديته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم خذ بأيديهم إلى ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، يا حي يا قيوم. اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1215

الحزم أو الضياع الحزم أو الضياع عنوان شمل العديد من الموضوعات المهمة في هذه المادة، منها أهمية الحزم والعمل، وأنه أصل من أصول الدين، وأنه مجلبة لاحترام الآخرين، وأنه مطلوب في جميع الجوانب. وقد تحدث الشيخ عن كيفية اكتساب الحزم والذي بدونه ستئول الأمة إلى الضياع، وختم هذه المادة بذكر بعض صور ضياع الحزم.

стр. 1216

سبب طرق موضوع (الحزم والضياع) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم إنا نسألك السداد في القول، والإخلاص في الفعل، اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى، وآتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وفي مستهل هذا اللقاء الذي أتشرف بلقياكم فيه -وأسأل الله جل وعلا أن يجعل جلوسكم والقول بين أيديكم خالصاً لوجهه الكريم- أود أن أزجي الشكر مثنى للقائمين على هذا القطاع المهم الحيوي المتعلق بأمور الشباب، وأسأل الله جل وعلا أن يجعل عملنا وعملهم خالصاً لوجهه، وأخص بالشكر الأستاذ: ناصر المجحج مدير مكتب رعاية الشباب، والمسئول عن هذه الأنشطة وهذا القطاع المهم، أسأل الله جل وعلا أن يجعله من الدعاة إلى دينه، وأن يجعله مباركاً أينما كان، وأن يوفقه وأمثاله وكل مسلم إلى فعل الخير والدعوة إليه وتسهيل أمره. أيها الأحبة: تعلمون أني لست بشاعر ولكني أحب مداعبة الشعراء والسامعين بشيء من الحديث، وفي الطريق أخذت أهمهم وأنمنم بكلمات تجول بخاطري أقول فيها: الحزم وسط المعمعة على جبين المجمعة والجد حال المعضلات يبغي اليقين أجمعه يا فتية الحق اعملوا وليس فيكم إمعة إنا نروم وثبة شما بغير جعجعة فلينأ عن درب الهدى من هاب أرض المسبعه كل جبان لا يجيـ ـد اليوم إلا الفرقعة وليرق نحو المكرما ت رضيع مجد أكتعه بلاؤنا من فارغ في كل جمط لمعه فحقه يا إخوتي كسوته بالبردعة والبردعة: كساء يوضع على ظهر الحمار. فإن أبى معانداً لا بأس في أن نصفعه أيها الأحبة: أما الحديث في هذه الكلمة فموضوعه: (الحزم أو الضياع) ولعل المعنى واضح من العنوان، والداعي إلى طرق هذا الموضوع: أنني رأيت عدداً لا يستهان به من الشباب لا هم لهم إلا التسكع في الشوارع، والتجوال في الطرقات، والجلوس على الأرصفة، وتبادل الأنفاس المشحونة المليئة بسحب الدخان، واجترار الأحاديث التي لا فائدة منها، وتناقل الأقوال التي لا طائل من ورائها، والحقيقة أن نفس كل غيور حينما يرى هؤلاء الشباب يتسكعون على أقدامهم، أو يتجولون بسياراتهم، أو يجلسون على الطرقات والأرصفة، لا هم لهم إلا الدندنة والطنطنة والحملقة بالأبصار في الغادين والرائحين، والغاديات والرائحات، أن القلب والله ليتقطع أسى، وإن الفؤاد ليتألم من شدة ما يرى من مصيبة الأمة في هؤلاء المتسكعين، ومصيبة الأمة من هؤلاء الضائعين، في مصيبة الأمة من هؤلاء الفارغين، الذين لو كانوا عناصر فعالة، أو مواهب منتجة، أو طاقات واعدة لرأينا فيهم خيراً، لكن البلاء كل البلاء أن بعضاً من أولئك كالأنعام؛ يأكلون ولا ينفعون، ويستهلكون ولا ينتجون، وأمة الإسلام تنحر وتذبح، والجرح نازف، والدماء تسيل، والرقاب تقطع، والحوامل تجهضن، والأعراض تنتهك، والبيوت تدمر، والمدن يشرد أهلها منها، ولا حرمة لمسلم. وأنتم ترون هذا كله جلياً فيما نسمعه، ونراه ونقرؤه، وينقل لنا عن أحوال إخواننا في البوسنة والهرسك، وهو مثال من الأمثلة، إذ ما هو في كشمير ما هو أفظع وأشد من هذا، لكن وسائل الإعلام لم تلتفت إليه، وفي بورما ما هو أشد من هذا ووسائل الإعلام لم تلتفت إليه، ولا حجة لنا أن نتعلل بأن وسائل الإعلام لم تطرح هذا، وليس بحجة للمسلم أن يقول: إن هذا أمر لم تطرحه الوسيلة الفلانية، إذ أن الأصل في كل مسلم أن يهتم ابتداءً لا أن نطالبه بالاهتمام بعد بلوغ الخبر، إذ بعد بلوغه الخبر عن أحوال المسلمين لا عذر ولا حجة له ولا يقبل منه قول أبداً، لكن المطلوب أن يبدأ الاهتمام ابتداءً، وأن يكون الباعث هو الغيرة على أحوال المسلمين وأعراضهم. أيها الأحبة في الله: أتسبى المسلمات بكل أرض وعيش المؤمنين إذاً يطيب فكم من مسجد جعلوه ديراً على محرابه نصب الصليب وكم من مسلم أضحى سليباً ومسلمة لها حرم سليب دم الخنزير فيه لهم خلوق وتحريق المصاحف فيه طيب أحل الكفر بالإسلام ضيماً يطول عليه في الدين النحيب فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكم أجيبوا أيها الإخوة! هؤلاء الذين نراهم يتسكعون ويدورون لو أن مع كل واحد منهم بندقية، أو لو أن في كل منهم نفساً أبية لما وجدناهم بهذه الحال، مسلم يقتل، ومسلم ينتسب إلى الإسلام، ولا هم له إلا المعاكسة والمغازلة!! مسلم يذبح ومسلم آخر لا هم له إلا النوم على الأرصفة!! مسلم ينتهك عرضه وآخر لا هم له إلا أن يلاحق آخر فيلم خرج وآخر تمثيلية خرجت، وآخر نجم اعتزل، وأول ممثلة ودعت أو غيرت؟!! هذه والله بلية ومصيبة، ولكن أيها الأحبة: هو الحزم أو الضياع، النفس الإنسانية بطبعها ميالة إلى الراحة والكسل، وقديماً قال القائل: والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم فخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضاك النصح فافتهم ولا تطع منهما خصماً ولا حكماً فأنت تعرف كيد الخصم والحكم

стр. 1217

الحزم في العمل أيها الأحبة: إننا لا ننتظر أن تقودنا أنفسنا بطبعها إلى الجد والمكرمات، والمعالي والحزم والقمم، والشجاعة والكرم، والتدين والالتزام والاستقامة، هذه درجات لا يبلغها أحد إلا بالمجاهدة؛ فلكي تكون كريماً لا بد أن تجاهد النفس في بذل المال، ولكي تكون شجاعاً لا بد أن تجاهد النفس في الاستهانة بالموت، ولكي تكون طالب علم لا بد أن تجاهد النفس في سهر الليل بالقراءة والكتابة والمراجعة، ولكي تكون نافعاً لا بد أن تفوت كثيراً من الملذات والمباحات من أجل أن تبلغ هذه القمة التي تريدها. أما أن يريد الإنسان أن يكون قمة بدون بذل، ويريد أن يكون رأساً بدون سعي، ويريد أن يكون جبلاً بدون همة، فذاك كما قال القائل: تسألني أم الوليد جملا يمشي رويداً ويجيء أولا أم الوليد امرأة تقول لأحدهم: لو تكرمت انظر لي جملاً يمشي ببطء -مثلما يقال: على أقل من مهله- ولكن يصل أول واحد. تسألني أم الوليد جملا يمشي رويداً ويجي أولا لا يمكن هذا! تريد كسلاً ونوماً، ومتابعة للنفس؛ النفس تريد مشاهدة فيلم فشاهد فيلماً، النفس تشتهي جلسة مع شباب ضائعين فارغين فتجلس معهم، النفس تشتهي أن تشبع من النوم فتدعها تشبع من النوم، ثم تطالب النفس أن تكون نفس كريم، ونفس شجاع، ونفس داعية، أو نفس معلم أو نفس عالم، هذه مسألة صعبة جداً. لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال المسألة: كل يتمنى أن يكون عالماً، لكن من فاز بالعلم؟ أولئك الذين رأوا فيلماً فأعرضوا عنه وسهروا الليل على القراءة، كل يتمنى أن يكون تاجراً لكن من نال التجارة؟ ذاك الذي هجر الفراش وقام مع الطير: قام مع الطيور صباحاً، وأخذ يسعى في طلب الرزق، ولم يؤب إلى بيته إلا حينما أعشاه المبيت. كل يتمنى أن يكون طبيباً جراحاً، لكن الذي لا يريد من التخصصات إلا أدناها ومن الهمم إلا أقلها، وتجده يغيب في الأسبوع ثلاثة أيام، واليومين الآخرين لا يحضر إلا من الساعة التاسعة والنصف، ويجلس في آخر الفصل، وتقديراته مقبول وأقل من مقبول أو راسب ضعيف، ويريد بعد ذلك أن يكون طياراً، أو أن يكون طبيباً، أو أن يكون أستاذاً، وآخر يريد أن يتفوق في العلوم الشرعية ولكن قد أشغلته المباريات الأولمبية وكأس العالم، لا يا أخي. المسألة لو كانت بالتمني لرأيت كل من حولك علماء، وسادة، وقادة، وأساتذة، وأطباء، وموجهين، ولكن من فاز بهذه الأماني؟ من أمهر الأمنية عملاً، الأمنية: عروس يبذل مهرها بالجد والاجتهاد، والعمل والمثابرة، فمن حزم أمره، وجمع همته، واجتهد في قصده وجد الخير بإذن الله. ومن زرع البذور وما سقاها تأوه نادماً وقت الحصاد أيها الأحبة: ينبغي أن نعرف جيداً أن الحزم أصل من أصول الدين، الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣]، وقال جل وعلا: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] إذا أردنا أن نكون أمة ملتزمة مستقيمة، وأردنا أن نكون شباباً على مستوى من العلم والفهم والوعي، والتأثير والإفادة، وتحريك طاقات المجتمع ونفع المسلمين لا بد أن نأخذ الأمور بحزم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] فلا نريد مسلماً يأتي يقول: أنا مسلم لكن هذه المسألة يقول الطنطاوي الذي في مصر: إنها مختلف فيها، والمسألة هذه يقول الباقوري الذي في لبنان: إنها مختلف فيها، والمسألة هذه يقول الفاخوري الذي في موزمبيق: مختلف فيها، والمسألة هذه يقول فلان الذي في السلفادور: مختلف فيها، إذاً اختر من الدين أربع مسائل تمسك بها وضيع بقية مسائل الدين؛ لأن هذه فيها خلاف، وهذه فيها أقوال، وهذه فيها سين وجيم، ومن ثم لا تتمسك من دينك إلا بشيء قليل، وضيع ما بقي من دينك بحجة الرخص التي أفتى بها فلان وعلان، وقديماً قال الفقهاء: (من تتبع الرخص تزندق). وإني أعجب -أيها الإخوة! - من رجال وشباب يوم أن تناقشهم في أمر من أمور الدين، يقول أحدهم: يا أخي! ليس في الدنيا إلا مشيختكم في نجد أو في المملكة؟! هناك شيخ في الديار الفلانية يقول: هذا ليس فيه شيء، وهناك شيخ أفتى أن الربا حلال، وهناك شيخ يقول: المرأة أن تكشف وجهها وتخرج مع السائق حلال، وهناك شيخ يقول: ليس من داعٍ أن تصلي مع الجماعة صلِّ في البيت حلال، وهناك شيخ يفتي أن الربا في القروض الإنتاجية حلال، وهناك شيخ يقول: كذا وكذا، و السؤال افرض أن عندك سيارة من السيارات الفارهة الفاخرة، ولتكن من نوع (لكسز) وحصل في هذه السيارة عطب أو خراب أو خلل، هل تتوقع أن صاحب هذه السيارة التي أعدت وصنعت على أعلى مواصفات التقنية والتطور، والكفاءة والأداء فهل تظنون أن صاحب السيارة يذهب بها إلى بنشري، ويقول: ما هو رأيك في السيارة هل فيها خراب؟ أو يذهب بها إلى إنسان تخصصه دراجات نارية (سوزوكي) أو (هوندا)؟ لا يذهب إطلاقاً، هذه اسمها (لكسز) ولا يمكن لأي مهندس أن يعبث فيها، ولا يمكن لأي واحد حتى ولو كان تخصصه سيارات يابانية أو أمريكية أو سويدية أن يعبث بها محاولاً إصلاحها، لا. القضية تحتاج أن يذهب بهذه السيارة الثمينة إلى الوكيل المعتمد، إلى الوكالة، فإن الوكالة التي صنعت هذه السيارة أدرى بما يصلح لها، وأدرى بالشيء الذي ينفع لها حين خرابها. كذلك إنسان لو أصابه تسوس في سن من أسنانه، أو يريد حشو عصب، أو مشكلة من مشاكل الأسنان، هل يذهب ويطرق على ولد الجيران الذي يدرس في المعهد الصحي الثانوي، ويقول: تعال أصلح لي أسناني؟ وهو أيضاً لا يقبل أن يذهب إلى إنسان يدرس في سنة أولى أو سنة ثانية طب أسنان، يقول: لا. هذا سن مهم، لا بد أن أذهب إلى المركز التخصصي للأسنان، الذي فيه أفضل الخبرات التي استوردت، وتعمل على أحدث أساليب علاج وطب الأسنان. فلما جئنا إلى السيارة ما قبلنا أن يصلح فيها أي واحد، بل ذهبنا إلى الوكيل المعتمد والوكالة التي صنعت هذه السيارة، ولما جئنا إلى سن من الأسنان ذهبنا إلى مركز متخصص في الأسنان، لكن لما جئنا إلى مسألة الدين تلقى الواحد يقابل له واحداً في سوق الخضرة يبيع فجلاً، يقول له: ما هو رأيك في هذه المسألة: حلال أم حرام؟ يقول له بائع الفجل: لا. هذه حلال، يقول له: (الله يوسع عليك هذا الشيخ وإلا بلاش). فتجد من الناس العجب في أمر نفسه، وفي أمر سيارته لا يقبل إلا كلام المتخصصين الوكلاء المعتمدين، وأما في أمر الدين فإنه يقبل قول من هب ودب، هل هذا أمر يقبل؟! سبحان الله! لما كان أمر الدنيا ما قبلت إلا أعلى المستويات خبرة وعلماً في الإجابة عنها، ولما جاء أمر الدين جئت تقول لي: قال فلان الفلاني في مصر، وإلا في السودان، وإلا في البلد الفلانية: هذا حلال! سبحان الله العلي العظيم! لماذا لا تأخذ بقول الشيخ ابن باز، الذي لا نعلم على وجه الأرض أتقى وأعلم بالله ولله منه إلا من لا نعلم، المهم هؤلاء الأتقياء ينبغي أن يؤخذ منهم الدين كما أنك ترجع إلى الوكلاء في أمور دنياك.

стр. 1218

الحزم أصل من أصول الدين أيها الأحبة: أقول: إن الحزم أصل من أصول الدين، والله جل وعلا قال: ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: اعملوا بالإسلام في كل جوانبه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢] والآية الأخرى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩] يأخذون شيئاً من الدين ويتركون غيره ثم بعد ذلك يقولون: إن الله غفور رحيم. وفي الحديث عن النبي ﷺ : (اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والعزيمة على الرشد) الرشد والرشاد، والخير والفلاح يحتاج عزيمة، يحتاج قوة، يحتاج نفساً قوية جداً. وإن كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الأمر أن تترددا

стр. 1219

الحزم والجد مجلبة للاحترام أيها الأحبة: إن من سنن الله أيضاً: أن الجد والعمل نتيجته محمودة، فلو أن مائة عامل مسلم كل منهم يصوم الإثنين والخميس ويتهجد الليل؛ لكنه كسول بطال، ومائة عامل بوذي كافر لكن يعملون في الصباح والمساء لأنتج البوذيون عملاً ينفعهم، ولم يستطع ذلك المسلم أن ينفع نفسه بشيء، كثير من الناس يخلط بين قضية التدين والعمل، أو الاستقامة والسلوك والعمل، انظر يا أخي الكريم! فيما يتعلق بسلوكك الشخصي، هذا أمر ترجو به الجنة وتنجو به من النار بإذن الله جل وعلا، وترجو به رضا الله، لكن لا يلزم إذا كنت متديناً أن تفتح لك أبواب السماء ذهباً وفضة. إن النبي ﷺ لما جاء رجل يسأله وأعطاه درهمين أو أقل أو أكثر، فقال: (لو أن أحدكم اشترى حبلاً فاحتطب فباع خير له من أن يتكفف الناس أعطوه أو منعوه) ما قال النبي: أنت من الصحابة ولن يضيعك الله وسيَنزِّل عليك رزقاً من السماء، لا. القضية قضية العمل، العمل للإسلام مطلوب، والعمل بجدية مطلوب، ومن هنا أطالب كل الشباب المسلم؛ ولا أخص الملتحي وأترك الحليق، أو أخاطب الذي لا يدخن وأترك المدخن، أو أخاطب الذي اتبع السنة في ثوبه وأترك المسبل، أقول: نحن جميعاً يا معاشر الشباب المسلم! سواء فينا السابق بالخيرات؛ المهتم المعتني بالطاعات، أو الظالم لنفسه بالمعاصي، أو المقتصد، أخاطب الجميع بأن يجدُّوا في أعمال دنياهم، وأن يجدوا قبل ذلك في أمر دينهم، لا أن تظن أن كونك تدينت أو التزمت واستقمت فإن المسألة قد انتهت، لا. ولذلك قال عمر: [إني أرى الرجل فيعجبني فأسأل هل له من عمل فيقال: لا. فيسقط من عيني] لأنه عنصر مستهلك في المجتمع؛ ولا ينفع ولا ينتج. لذلك -أيها الأحبة! - ينبغي أن نؤكد جيداً أن مسألة الجد والصبر والعمل ينتج في العامل أياً كان نوعه؛ يهودياً، أو نصرانياً، أو بوذياً، ولا تظن أن السماء سوف تنفتح لك، لا بد أن الله جل وعلا وعد المتقين بالخير لكن مع بذل الأسباب، ولو كان مجرد الإسلام والإيمان والإحسان يحقق النصر ويجلب الخير لكفى الله نبيه ﷺ مؤنة القتال في بدر، ومشقة القتل لأصحابه في أحد، وكسرت رباعتيه، وشج وجهه الكريم ﷺ ، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في رأسه الكريم ﷺ . إذاً: لا تظن أنك إن تدينت انتهت المسألة، نريد منك عملاً، ونريد من الذي لم يستقم بعد أو لم يتدين أن يستقيم وأن يتوب وأن يعود إلى الله، وأن يستحي على وجهه بكل معانيها التي يعرفها والتي لا يعرفها، نقول: استحِ على وجهك وكفاك ضياعاً أن بلغت العشرين أو قاربتها أو جاوزتها، أو قاربت الثلاثين وأنت لا تزال لا هم لك إلا ملاحقة السيقان العارية عبر الفيلم، ورؤية الوجوه المصبغة الملونة بمساحيق التجميل عبر المجلة، وسماع الآهات والأنات الخليعة الماجنة عبر الأغنية. نقول: استحِ! إلى متى هذا الضلال؟ إلى متى هذا الضياع؟ إلى متى وأنت في لغوائك وغفلتك وجهلك والمسلمون يذبحون ويقتلون؟ أما يكون لك باعثاً وحافزاً أن ما آتاك الله من النعم في أمن وطمأنينة أن تقابله بالشكر والجد والاجتهاد في مرضاة الله جل وعلا؟ ثم -أيها الأحبة! - إن الجاد والحازم إذا سعى في أمر من أموره بجدية وبحزم لا شك أنه يناله شيء من التعب أو المشقة، ولكنه يجد راحة وسعادة وطمأنينة، ويجد احتراماً لنفسه لا مثيل له، لكن ذلك الجثة القعدة الرقدة الذي هو كالعنز أو كالنعجة لا تجاوز مراحها، لا هم لها إلا أن يلقى بأكوام التبن عند فمها، ثم تأكل ما تأكل ثم يرفع عنها ذلك ويقدم لها الماء، ذاك الذي يضر الأمة ولا يفلح، ويفسد ولا يصلح، وكما قال القائل: وأنت امروءٌ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع مصيبة إنسان أنه محسوب على الأمة حياته لا منفعة فيها، ولو جاء خطر فجعنا عليه؛ لو أصابه حادث بحثوا له عن أحد يتبرع له بالدم، لو أصابه فشل كلوي بحثوا له عن أحد يتبرع له بكلية، لو أصابته أي مصيبة بحثوا له عن أحد يساعده، فهذه مصيبة ذلك الشاب الذي لا ينفع. أقول: إن الجاد مهما ناله من تعب الجد، ومشقة الحزم فإنه يحترم نفسه، فالإنسان هو الذي يحترم نفسه: أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما من كانت نفسه عزيزة لا تقبل إلا المعالي؛ أكرم نفسه وأكرمه من حوله، وأما من هان على نفسه وهان عند ربه فكما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨]. إن من اختار أن يذل نفسه بالمعصية، وأن يهينها بمخالفة أمر الله، وأن يرى نفسه في ذَنَبِ الركب عصياناً لله جل وعلا، كيف تريد أن تحترمه نفسه؟ ولو قرأتم ما كتبه ابن القيم ﵀ في كتابه الجميل الرائع: الداء والدواء أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، قال: ومن عقوبات المعصية: أن صاحبها يجد ذلاً في نفسه، وظلمة في وجهه، وهواناً على الناس، ويتجرأ عليه أدنى من حوله. وكما قال الحسن البصري: [إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه]. هذا الجاد -أيها الأحبة! - وإن ناله تعب من الجد فإنه يشعر بعزةٍ وإكرامٍ لنفسه، وأما ذاك الذي شبهناه بالعنز أياً كانت استرالية أو مصرية، أو سورية أو عنزاً نجدية، سم ذلك الإنسان بما شئت، الكسول تجده يحتقر نفسه، ويرى على نفسه هواناً، ويجد في نفسه ذلة، وإذا عرضت عليه معالي الأمور وأراد أن يرتفع لها جاءه إبليس وجره من رقبته، قال: اقطع عنك هذه الأفكار، أنت لست بكفءٍ لهذه الأمور، اتركها الآن. الشيطان يعرف صاحبه جيداً، نعم وقت التزيين للمعصية تجد الشيطان يؤز صاحبه أزاً: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ [مريم:٨٣] تدفعهم دفعاً، لكن لو جاء أمر من الخير عند إنسان صاحب معصية، أو مغرق ومصر على المعاصي، أول ما يأتي صاحب الخير ويريد أن يبدأ، وذلك العاصي سابقاً لم يرد أن يتجه إلى الخير يأتيه الشيطان يقول: مازال وجهك وجه محاضرة؟!! اذهب وانظر لك أناساً يشيشون (معسل باعشن) أو انظر أناساً يتنتنون؛ أو أناساً يفحطون، ابق معهم أفضل لك من أن تجعل نفسك في هذا المقام. الشيطان يتجرأ عليك ويجرك بتلابيبك من خلف رقبتك، ويجبذك ويجذبك ويدفعك إلى مهاوي الرذيلة والانحراف والفساد، ويقعد بك عن أماكن الخير. ولذلك نقول: يحتاج أحبابنا الشباب إلى دعوة، يحتاج كثير من الشباب من ينتشلهم من وحل المعصية إلى طهارة الطاعة، يحتاجون من يأخذ بأيديهم من نتن المخالفات الشرعية إلى عز الموافقات الشرعية؛ لأن القليل القليل من الناس من تجده فكر في أمر نفسه من تلقاء نفسه ثم اهتدى بنفسه، وفي الغالب أن كثيراً من الناس كان لهدايتهم سبب؛ إما أن تكون دعوة، أو نصيحة، أو شريطاً، أو معسكراً، أو حجاً، أو أي عمل من الأعمال التي كانت سبباً في دفعه، لكن يأتي شيء يأخذ بيده وينتشله مباشرة، فذاك أمر في النادر والقليل. أقول: إن الكسول يحتقر نفسه، وزيادة على ذلك يمل من نفسه ويكرهها نفسه، خذ مثالاً على ذلك: شاب مجتهد، وليكن هذا المثل في الشتاء لأن ما بين صلاة الفجر والصباح شيء يذكر: ستجد أن ذلك الشاب الجاد صلى الفجر مع الجماعة ثم عاد وتهيأ وأفطر، ورتب دروسه أو أعدها من قبل، ثم أخذ ما عنده من كتب وكراسات وذهب وجلس طول النهار، عينه في وجه المدرس، وقلبه إلى ما يقول المدرس، وفكره منتبه إلى ما يشير إليه معلمه، ثم جاء بعد الظهر متعباً، لكن قليلاً من التعب أورث كثيراً من العزة، والراحة والكرامة في نفسه فتجده معتزاً معتنياً بنفسه، وفي المقابل ذلك الكسول الذي كان البارحة سهران، لكن سهران على ماذا: أيتهجد؟ لا، وبالمناسبة يقول ابن الجوزي: إن رجلاً كان له جار فاسق فسمعه يبكي في الليل، قال: عجبت من بكاء هذا الرجل هل هو يتهجد أم يقرأ؟!! فلما أصبح طرق عليه، قال: يا فلان! سمعتك البارحة تبكي؟ قال: كنت أقرأ آية وأبكي -قال: إذاً فتح الله عليه لعله إن شاء الله تاب- قال: وماذا كنت تقرأ؟ قال: كنت أقرأ قول الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] المصيبة أن ذلك السهران البارحة لم يكن سهران في طاعة، بل سهران على فيلم أو مسلسل أو مجلة، أو كلام فارغ أو أشياء لا تليق، ثم بعد ذلك نام متأخراً وترك صلاة الفجر، ثم إن كان حوله من يوقظه أو لم يوقظه، المهم لم يعبأ ولم يلتفت لدراسته جاء من يوقظه فانقلب على جنبه بريح وبخر نتن، ثم انقلب مرة ثانية على فراشه ونام حتى أذن الظهر أو بعد صلاة الظهر، ثم استيقظ كالشيطان، ينظر إلى الناس قد عادوا من أعمالهم، من مدارسهم، من جامعاتهم، وهو قام يفرك عينيه وينظر في الغادين والرائحين، والغاديات والرائحات، ويحسد هؤلاء الذين آبوا بجد وعلم، وفهم وحلم ومثابرة، ويجد من نفسه هواناً. ذلك الجاد تعب؛ من الصباح ذهب وجلس على كرسي قد يكون مريحاً أو غير مريح، وصبر على تعب الدراسة وطلب العلم، أو على الوظيفة، وثابر، لكن هذا كان على فراشه، ذاك عاد بتعب يسير وراحة كبيرة، وهذا قام بعد أن تقلب على الفراش حتى مل الفراش منه، ووسادته لو تكلمت لقالت: قم قبحك الله. لو كان يدري ما المحاورة اشتكى أو كان لو علم الكلام مكلمي شتان بين عنترة وبين صاحب الوسادة، لكن قام وهو يجد لنفسه هواناً، ويجد في نفسه ذلة وامتهاناً بسبب ذلك الكسل. إذاً: فالجد أيها الإخوة سبب احترام الناس. والله العظيم إن مثل هذا لمصيبة، كان عند أحد الأوائل ولد أبله؛ لا يفقه ولا يعمل، أراد أن يستفيد منه ذات مرة قال: يا ولدي! اذهب واشتر لنا حبلاً طوله متران، وأعطاه ريالين، وراح الولد وراح وراح وأبطأ وخاف عليه الأب: يا ربي! ماذا أصاب ا

стр. 1220

مطلوبية الحزم في جميع الجوانب أيها الأحبة! الحزم مطلوب، الجدية مع النفس، ويكفينا مضيعة الأوقات والساعات، تجد من الناس من إذا أراد أن يحزم في أمر نصف ساعة قال: إيه! النبي ﷺ يقول: (ولكن ساعة وساعة) [إن النفوس إذا كلت ملت] كما قال علي أو غيره، وكما قال ﷺ : (إن لعينك عليك حقاً، وإن لبدنك عليك حقاً) قام يأخذ من هذه الأحاديث، لكن يضيع عشر ساعات لا يذكر أنه مسئول عن وقته، ولا يتذكر قول النبي ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) ساعة جد تجد فيها هذا الإنسان يتثائب ويتساقط ويميل ما أكمل نصف ساعة، لكن عشر ساعات من الضياع، ومستعد أن يضيع مثلها وأضعافها، فرحم الله ابن هبيرة حيث كان يقول: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أهون ما عليك يضيع إذاً الحزم مطلوب في كل مجال وعلى كل صعيد، الحزم مطلوب على مستوى الفرد، وعلى مستوى الأسرة، الأب لا بد أن يكون حازماً في تربية أولاده، ولا بد في الحزم أن يوجِد نوعاً من القسوة ولا حرج: فقسا ليزدجروا ومن يك راحماً فليقس أحياناً على من يرحمُ بعض الناس الحب العاطفي الزائد عن حده لأولاده جعلهم يضيعوا، وأعرف رجلاً في مدينة الرياض فيه خير كثير يصلي الفجر مع الجماعة لكن (من دلَّع أولاده ودللهم شغل بهم) أصغرهم قال: يا أبي! نريد دشاً، من أجل أن نتابع ألـ ( m b c) وماذا بعد ذلك؟ لكي نتابع قناة القاهرة، وماذا بعد ذلك؟ لكي نتابع قناة كذا، ومازال الولد يصيح عليه ويتعلق به حتى جاء الأب واشترى له دشاً باثني عشر ألف ريال، وركبه على السطح. أين الحزم في التربية؟ سمها قسوة ولا حرج: فقسا ليزدجروا ومن يك راحماً فليقس أحياناً على من يرحمُ لكن هذا الدش لما جاء أفسد الطفل الصغير، وأفسد الفتاة المراهقة، حتى الأب بعد مدة أصبح يسهر أحياناً، وربما تفوته صلاة الفجر ثلاثة أو أربعة أيام متتابعة، بسبب أنه ما كان يجلس عند التلفاز في ذلك الوقت، لكن عندما وضع هذه القناة أخذ تارة يقلب هذه وينظر في هذه والنفس لا تنتهي من البحث عن الملذات والشهوات تقول: هاه! يمكن في تليفزيون القاهرة صور زينة، دعنا نتفرج عليها، ثم يتحول إلى ألـ ( m b c) يمكن نلقى في القناة الثانية الهوائية صوراً أفضل من ذلك، وتجد الرجل يلعب بعيونه كالتنس على الطاولة، يبحث عن شاشة أو قناة فيها عرض لفتاة راقصة، أو لفخذ عارية، أو لجسد بادٍ، ونحو ذلك. ولهذا فالحزم مطلوب، ليس فقط على مستوى تعامل الفرد مع نفسه، بل أيضاً على مستوى التربية، يأتيك واحد من أولادك: يا أبي! أعطني مائة ريال؟ ولماذا مائة ريال؟ بل مائة صفعة!! أنا مستعد أن أصرف عليك ألف ريال؛ لكن مائة ريال بلا سبب لا. قال مثلاً: أريد كتاباً. فهل أذهب به وأدعه يشتري؟ لا. بل أسأله: أي كتاب تريد؟ وأشتريه ما لم يكن فيه فساد، يعني: (بيدي لا بيد عمر) لا تجعل ولدك يعبث بدلالك له، ولا تحرمه حرماناً تضطره إلى الآخرين يستجدي منهم، فربما اشترطوا عليه شروطاً في عرضه وفي أخلاقه وفي سلوكه مقابل ما يعطونه من المال، إذاً فسدد وقارب، واحفظ الأمر واجعله بيدك لا بيد غيرك. كذلك الحزم على مستوى العمل، الإنسان حينما يكون عنده عمل معين ويلاحظ الموظفون من حوله أنه لا يأتي إلا آخر الناس، ولا يهتم، وتتراكم الأعمال حوله -وإن كان هو رئيس هذا العمل- تجد من حوله يعبثون لأنهم يرونه قدوة لهم. إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص المسألة ليست غريبة، فإذا كنت تريد السعادة فكن حازماً في عملك، إذا كان عندك مستودع فكن حازماً مع العمال، عندك مؤسسة كن حازماً في المتابعة، عندك عمل إداري كن حازماً في الانضباط، ستجد أن من حولك يحترمون حزمك، ويحترمون شخصيتك ويحبونك، والناس يحبون الشجاع، ويحبون القوي، فالإنسان حينما يكون حازماً وقوياً جاداً ينعكس ذلك سعادة عليه، وينعكس هذا أيضاً على من حوله وعلى أداء عمله، وهذا الحزم مطلوب في كل مجال وعلى كل صعيد كما قلنا.

стр. 1221

كيفية اكتساب الحزم أيها الأحبة يظن البعض أن الحزم كبسولة تباع في الصيدلية، وبعضهم يظن أن الحزم سلعة تباع في السوبر ماركت، أو في المحلات التجارية، لا. الحزم ليس شراباً يشرب، وليس طعاماً يؤكل، وليس الخلطة السرية (كنتاكي) أو غيرها تُجعل حتى تأكلها، لا. الحزم مجاهدة للنفس: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] الحزم أن تجاهد نفسك، فإن لم تكن حازماً فلا تنتظر أحداً يقول لك: افتح فمك نقطر فيه الحزم، أو أعطنا ذراعك نعطيك إبرة اسمها (فاليوم الحزم) ولا (وريد الحزم) لا. الحزم مسألة تحتاج إلى مجاهدة، والمجاهدة تبدأ من أول لحظة تعرف أنك مقصر، وأنك متهاون، ثم تبدأ تنطلق في معاملة نفسك معاملة جيدة. إذاً: لا ننتظر أن تقدم لنا السعادة، أو أن يقدم لنا المجد، أو أن تقدم لنا القمم، أو أن يقدم لنا النصر في أطباق ذهبية وملاعق فضية، هذا لن يأتي أبداً، ولن نبلغ المجد حتى نلعق الصبر: لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا فلابد أن تجاهد نفسك وربما تذوق شيئاً من مرارة المكابدة والمجاهدة حتى تصل إلى مقصودك، المودودي ﵀، المفكر الإسلامي المعروف، رئيس الجماعة الإسلامية في باكستان، وكان رئيساً لها في الهند قبل انفصالها، يقول رحمه الله تعالى: إن الحضارة الغربية أنتجت من وسائل الرقي والتمدن الشيء الكثير، لكنها لم تنتج شيئاً يصنع الإرادة في الإنسان، إن الحضارة الغربية أنتجت كثيراً مما يحقق الرفاهية والتمدن للإنسان لكنها لم تنتج شيئاً يوجد الإرادة. وخذ على ذلك مثالاً: انظر إلى شاب يريد أن يحفظ القرآن وليس عنده إلا مصحف يمكن أن يكون نسخة باكستانية، لكن توجد عنده إرادة الحفظ، فتجده يقلب النظر في هذا المصحف، وتجده أول ما يؤذن يدخل المسجد ويراجع ويقرأ، ويجلس بعد الصلاة يراجع، وقبل النوم يراجع، وبعد النوم يراجع، وتجده مهتماً بالقراءة إلى أن تمر ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر فتجده قد حفظ القرآن كاملاً، لكن تعال إلى إنسان مدلع، تجده يأتي بمعمل صوتيات يضعه في البيت، ويأتي بالقرآن المرتل بصوت المنشاوي وعلي جابر، والسديس، والعبيكان، والمحيسني، والخامس والعاشر، ويأتي بأشرطة فيها صدى، ومختلف الآلات لكنه كسول، ذاك ليس عنده إلا نسخة من المصحف بالطبعة الباكستانية، حفظ المصحف في أربعة أشهر لكن مع الإرادة، وهذا مع وجود معمل اللغة عنده، مع وجود الصوتيات والمؤثرات والنسخ المختلفة، وكثير من نسخ القرآن المتعددة، تجد عنده مصحفاً في جيبه ومصحفاً في سيارته، ومع ذلك ما حفظ آية ولا حديثاً. القضية ليست قضية أن الإنسان يكدس أشياء، القضية قضية إرادة، إذا وجدت عندك الإرادة فإنك ستفعل شيئاً كبيراً، ولذلك الإنسان قنبلة، لو توجه إلى أمر فهو خطير جداً جداً جداً، ولكن هذه القنبلة قد تكون أضعف من النملة؛ لأن النملة جادة، قد يكون أهون من القملة إذا لم يعتن بنفسه ولم يعمل شيئاً يتدارك هذه النفس من الوقوع في الانحراف. إذاً الحزم مطلوب في مواجهة كل أمر خيراً كان أم شراً، فإن كنت تريد خيراً فاحزم أمرك، وأن كنت تريد أن تدفع شراً فلا بد أن تواجهه بحزم. خذ مثالاً على ذلك: في استخدام الحزم في مواجهة الشر الوافد على المجتمع؛ المخدرات، بما لا يدع مجالاً للشك أن المافيا والألوية الحمراء وكثيراً من العصابات وتجار المخدرات العالميين قد أصدروا كثيراً من القرارات والاتفاقيات على محاربة الجزيرة ودول الخليج بالمخدرات، كيف نحارب فعلهم هذا؟ نقول: قبحهم الله لعنهم الله، قاتلهم الله يريدون أن يخربونا يريدون أن يفسدونا؟! هذه مسألة (أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل) لكن إذا كنا جادين في محاربة المخدرات، كل مروج يقتل كما صدر قرار هيئة كبار العلماء، ومجلس القضاء الأعلى أن المروج يقتل، لا تظل تقول: هذه المرة الأولى أم الخامسة، ما دام ثبت أنه مروج خلِّ رأسه يتدحرج في ستين داهية، نسأل الله ألا يبتلينا، وأن يعافي من ابتلي منا. إن هذه القضية قضية تحتاج إلى حزم. القضية الثانية: آخر عنده مخدرات، لا تقل: هذه والله حبتان أو حبيبات، الحبتان والثلاث تأتي أمامها بنقطتين، ومن الطرائف التي تروى: أن إنساناً أتوا به ليحاكموه، فسأله القاضي: ماذا سرقت؟ قال: سرقت حبلاً، وهل ستقطع يدي لأنني سرقت حبلاً؟ قال: نعم. لأن في طرف الحبل عنزاً، فالمسألة لا تريد تساهلاً، حبتان ثلاث وبعدها تنتهي القضية، وإذا سجنته فليس عندك مشروع تسمين عجول، فبعض المساجين تقول له: اخرج من السجن، يقول: أبداً عَلَيَّ الطلاق لن أخرج، هذه فرصة لا تفوت، أفوت ثلاثة أصناف من الطعام السبت دجاج، والإثنين سمك، والأربعاء لحم، والله لا أخرج من السجن لو تموتوا، من يجد هذا؟!! لكن إذا سجنت مثل هذا فاجعله يبني جداراً، ويحفر بلاعة، ويليس، اجعله ينجر ويصلح، ويلحم ويشتغل وينقل، لكي يصبح من دخل السجن إنما يدخله تأديباً، ويمسه شيء من العذاب، ليس تعذيباً كراهية أو حقداً، وإنما هو من أجل تربيته لينتفع، فهذه المسألة تحتاج إلى حزم. كذلك عندما نكون حازمين أيضاً في معالجة المخدرات: أن كل من يخبرنا ويتابع إخباريته بالمشاركة، والجد والمثابرة، حتى يقبض على مروج، أو إنسان متعاطٍ: خذ هذه المكافأة الكبيرة كما يحصل الآن، وزيادة على ذلك حينما نكون جادين أيضاً في مكافحة المخدرات: إذا كان أفلام الكرتون تستهلك من التلفاز ساعة وربع يومياً نريد أن نجعل ربع ساعة في التحذير من المخدرات بمختلف الوسائل، تارة يحذر من المخدرات في دعاية، وتارة يحذر من المخدرات في قصة، وتارة يحذر من المخدرات في قصيدة، وتارة يحذر من المخدرات في كاريكاتير، وتارة يحذر من المخدرات في أنشودة، وبغير ذلك من الوسائل، تُستخدم كل الوسائل التي يمكن أن تجعلها قناة لتوصيل الفكرة من أجل محاربة هذا الشر. وحينئذ ستجد النتيجة في أن الأمة حينما تتولى هذا الأمر بحزم وعزم، والله إن هذا سوف يقضي بإذن الله على شر وأخطار المخدرات، فالحزم مطلوب في تحصيل خير أو في دفع شر. كذلك -أيها الأحبة! - الحزم مطلوب أيضاً ليس في معالجة الأمور انتهاءً، بل الحزم مطلوب في تكوين الأمور ابتداءً، فأنت حينما تريد أن تنشىء مؤسسة راقية الأداء، عالية المواصفات والمقاييس في إنتاجها وغيره، لا بد أن يوجد حزمك في اختيار النوعيات التي تحقق لك ما تريد، بمعنى: إذا كنت أريد أن أفتح أو أؤسس شركة متخصصة في بناء قصور، فلا أذهب وآتي بأناس يتعلمون بناء طين أو بناء أخشاب، بل لا بد أن آتي بعمالة راقية جداً، لأني أريد أن أنتج شيئاً راقياً، فلابد أن أجعل هذا الأمر محل الاعتبار في التأسيس. خذ مثالاً على ذلك حتى لا نكون بعيدين عن المجتمع ومشاكل المجتمع: قضية هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أننا ولله الحمد والمنة نفخر على سائر دول الأرض جميعاً أنه لا يوجد دولة في دستورها: الدولة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لكن في دستور دولتنا ولله الحمد نص (بند، قرار، فصل) يقول: الدولة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهذا بحد ذاته خير عظيم، وكل ما يُنتظر من الخير أو نرجوه أن يكون قادماً وقريباً، وما هو موجود من الخير نسأل الله أن يبارك فيه ويزيد. لكن مثال على ذلك: حينما أريد أن أكون حازماً في هذا الأمر، أو حينما أريد أن أقدم نتائج راقية وعالية في هذا المجال فينبغي أن أجعل الذين يمارسون الحسبة ويتعاملون مع الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس من هب ودب، إنسان ما لقي وظيفة أدخله في الهيئة!! أنا معاذ الله أن أتهم شاباً من شباب الهيئة، أستغفر الله، بل أحبهم وأذب عن أعراضهم وأدعو لهم بظهر الغيب، لكن أقول كمثال لصورة الحزم في هذه القضية حينما أريد أن أرتفع بمستوى الهيئات إلى أمر راق، أقول: لا ينزل الميدان إلا من كان معه شهادة ثانوية من المعهد العلمي الشرعي، وقد درس دورة متخصصة في الحسبة، وفي الإنكار بالحكمة وغير ذلك، وأجعل الذين يخاطبون الناس في الميدان من الجامعيين، أجعل الوظائف الممتازة؛ وظائف المرتبة السادسة، ووظائف المرتبة السابعة والمرتبة الثامنة للميدانيين، فلا أجعل مركز الهيئة الذي ليس فيه إلا وظيفة واحدة في السابعة والثامنة ثم بعد ذلك أطالب من الذين على بند الساعات وبند الأجور، أو البند الناقص والبند الزائد هم الذين في الساحة، لا، ولست أيضاً أقول: إن القضية تُقَيَّمُ بالشهادات، فإنه يوجد أناس قد درسوا العلم الشرعي على بعض المشايخ عندهم من الحزم، والعلم والحكمة، والقدرة والإدارة ما يفوقون فيه حملة الماجستير والدكتوراه، لكن المهم إذا أردت أن أعطي من جهاز عطاءً نافعاً، وأن أجد منه نتيجة مثمرة، فلا بد أن أقدم عينات على المستوى اللائق. لو أردت أن تفتح مركزاً لجراحة القلب المفتوح أظنك لن تأخذ خريجي المعهد الصحي الثانوي، لا. لابد أن تختار الذي يكون قد اجتاز الزمالة البريطانية للجراحين، وإلا لن تقبله في هذه القضية، فكذلك حينما أريد أن أعطي نتائج جيدة وقوية وممتازة لعمل الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في أي صعيد ومجال، لا بد أن أوجد الكوادر الممتازة الراقية ذات الشهادات العليا والكفاءات الممتازة، هذا إذاً من صور الحزم في تكوين الأمور ابتداءً بإذن الله جل وعلا، وعلى أية حال كل أمر بدايته تحدده و (من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة) والشاعر يقول: وكل امرئ والله بالناس عالم له عادة قامت عليها شمائلهْ تعودها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كل أمر أوائلُهْ فالمسألة مرتبطة بالبدايات.

стр. 1222

من صور ضياع الحزم أيها الأحبة: إن تسيب وتسكع كثير من الشباب في استهتار، وتهاون كثير من الفتيات بالأخلاق والقيم والتساهل بالحجاب، كل ذلك ما هو إلا صورة من ضياع الحزم الذي نحتاج إليه في هذا اليوم، ما ترى من شاب متسكع متخلف جالس عن المكرمات وعن القيم وعن الخلق وعن الأمور النافعة، وما ترى من فتاة متساهلة بعفتها وحيائها وصوتها، تتكسر مع البائعين، وتعبث بالهاتف مع المتكلمين، فما ذاك والله إلا صورة من صور فقدان الحزم في شيء من هذه المجالات. وأين ضاع الحزم في أي سلسلة؟ قد يكون ضاع في التربية، قد يكون ضاع في درجة من درجات التعامل والسلوك التي يمر بها ذلك الشاب. على أية حال: كل حازم وجاد ومثابر يحمد العاقبة في نجاح وصلاح أمره، والجاد يحمد الاستقامة والعاقبة في جده، والعابد والعالم وطالب العلم يحمد خير ما يقدم من أمر يرجو به رضا الله جل وعلا، وكل متهاون سيجد الغبن: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩] يوم التغابن: يوم القيامة، سمي يوم التغابن لأن المفرط المضيع المستهتر، المتهاون المتكاسل ضيع فرصة للعمل فوجد الناس يقبضون الصحف باليمين وهو يقبض صحيفته بيساره، ورأى الناس في ظل عرش الله وهو تلجمه الشمس بحرارتها وعرقه بكثرته، يرى أنه مغبون؛ الناس كاسبون وهو من الخاسرين، حتى الذي كان من الصالحين وفرط وتساهل وضيع يشعر بالغبن، كان بوسعه أن يصلي إحدى عشرة ركعة لكنه لم يصل إلا ركعة واحدة، كان بوسعه أن يقرأ جزءاً لكنه لم يقرأ إلا صفحة، كان بوسعه أن يحفظ مائة حديث لكنه لم يحفظ إلا حديثاً واحداً، يشعر بالغبن أنه لم يقدم كل ما بوسعه وكل ما بطاقته. ختاماً أيها الأحبة: أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن أعانهم الله على أنفسهم، ونصرهم على شياطينهم. اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، ونسألك اللهم العزيمة على الرشد، والفوز بالجنة والنجاة من النار، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، اللهم ثبتنا على دينك إلى أن نلقاك، اللهم حبب إلينا الدين والطاعة والاستقامة، وكره إلينا المعصية والفاحشة والمخالفة، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا مباركين أينما كنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1223

الأسئلة

стр. 1224

كتب وأشرطة ينصح باقتنائها السؤال ما هي الأشرطة والكتب التي تنصح باقتنائها؟ الجواب حقيقة المكتبة الإسلامية عامرة بكثير من الكتب، فأول ما أنصح به كتب الفقهاء والمتقدمين من أهل السنة والجماعة من العلماء كل بحسب قدرته واستيعابه، وإن كان الإنسان مبتدئاً فبالمختصرات، ولا بأس أن يقرأ ما بسط ويسر وسهل مما كتبه سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، وسماحة العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وأئمة الدعوة وعلماء الدين مثل الشيخ عائض بن عبد الله القرني، والشيخ سلمان بن فهد العودة، وكثير من العلماء والمشايخ الذين لهم كتب وأشرطة نافعة، نسأل الله أن ينفع بهم وأن يثبتنا وإياهم.

стр. 1225

دعوة للمشاركة السؤال نرجو توجيه دعوة للشباب للمشاركة في الأنشطة الثقافية التي ينظمها ويعلن عنها بيت الشباب للاستفادة من هذا المرفق الهام لأنه منهم وإليهم. الجواب والله -أيها الإخوة! - أنا أقول للشباب الطيب عامة، وأعتبر كل أبناء أمتنا وبلادنا وأبناء المسلمين الذين نتفاءل بهم خيراً أن فيهم خيراً، لكن أنحى باللائمة على الطيبين الصالحين الملتزمين، لماذا لا نشارك في الأندية؟ ولماذا لا نشارك في بيوت الشباب؟ هي لك أو لأخيك أو للذئب، خذها على البساط والمكشوف: يا أخي الكريم! إن هذه المنشآت التي ترونها إما أن تمتلئ بالصالحين وإما أن تكون للطالحين، هذا المسرح أو هذا المكان أو هذه المنصة المعدة إما أن تلقى عليها المحاضرات والبرامج الثقافية الممتعة النافعة، والأمسيات الشعرية الطيبة، وإما أن تكون مرتعاً لكل منكر لا يليق، لا قدر الله ذلك، لكن إذا حصل منكر، قيل: أين الإخوة والدعاة، وأين العلماء؟ أنكروا عليهم؟ لقد فعلوا، لقد خربوا إلخ. والمجال كان مفتوحاً لأن نملأه بالخير. أنا لا أقول: إذا لم يوجد خير فذلك إذن بحدوث الشر، لكن الواجب على كل غيور لم يجد ثغرة يستطيع أن يجعل فيها خيراً إلا أن يبادر بسدها والقيام بها، ومن استطاع وقصر فقد يكون آثماً إذا تعلق به الأمر.

стр. 1226

نصيحة لأب يعاني من أبنائه السؤال والد يعاني من أبنائه الكسل والإهمال، ولقد وقعت الفأس في الرأس، لا حول ولا قوة إلا بالله بسبب تهاونه، ما هي نصيحتك له؟ الجواب النصيحة: أن تعود من جديد لتوجيههم، أنصح هذا الوالد الحبيب إن كان جاداً في علاج بيته من ذلك المرض الذي وقع الفأس في رأسه كما قال: أن يبادر بالعلاج وألا يتردد في تناول الوصفة، لو قيل لأحدنا: إن ولدك فيه حمى شوكية تجده لا يتردد؛ يذهب ويطرق على الجيران: ما رأيك يا أبا فلان! الولد فيه حمى شوكية؟ تعال غداً إن شاء الله نبحث موضوعك، ونرى هل الحمى من النوع الدائم أو المؤقت، فلا يوجد إنسان يجد مرضاً في ولده ثم يقول مثلما يقول العوام: يقدم رجل ويؤخر أخرى: هل يعالجه أو لا يعالجه؟ تجده أول ما يعلم بالمرض يتجه إلى الإسعاف ومعالجته في العناية المركزة، والمبادرة بإصلاح شأنه قبل أن ينحرف ويفسد، قبل أن يموت من المرض، فكذلك أنت إن كنت جاداً في ذلك فانظر إلى أسباب الفساد الموجودة في بيتك؛ دش، مجلات، فيديو، تلفاز من غير رقيب ولا حسيب، أي: في كل وقت، الليل والنهار يسهرون عنده وقد يضيعون الصلاة بذلك إلى آخره، نقول: انتبه! انتبه انتبه!! حتى لا يقع الفأس لا في الرأس بل يقع الفأس في القلب، وكم من بيت تساهل وليه بشأنه فكان الفساد في البداية في الأولاد، ثم انتقل الفساد إلى الأعراض، انتقل الفساد إلى البنات وإلى -والعياذ بالله- المحارم وذلك بسبب تساهله وهو مسئول عنهم يوم القيامة، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] ويقول النبي ﷺ : (وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته). هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1227

الخروج صورٌ وتاريخ منهج أهل السنة في معالجة الأوضاع قائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن طرق معالجة المنكر: الخروج على الحاكم الجائر، ولكن هذه الطريقة تؤدي إلى فتن ومفاسد عظيمة في أغلب أحوالها. وفي هذه الخطبة صور تاريخية تبين عواقب الخروج على الحكام، وما نتج عن تلك المحاولات من خسائر، مع بعض أقوال العلماء في حكم الخروج على السلطان.

стр. 1228

منهج أهل السنة في معالجة الأوضاع إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. معاشر المؤمنين! جرى الحديث من فوق هذا المنبر في جمعٍ ماضية عن منهج أهل السنة في الإصلاح، ومنهج أهل السنة في معالجة الأوضاع وإنكار المنكرات والمحافظة على بيضة الأمة، والعناية بالمجتمع حتى لا تزل قدمٌ بعد ثبوتها، أو يخطئ أحدٌ بقصد الإصلاح، فيكون كمن رام نفعاً فضر من غير قصدٍ، ومن البر ما يكون عقوقاً، وأول مواضيع هذا المنهج ما سبق الحديث حوله في خطبة كان عنوانها (الجور بالقول) ثم لحقه خطبتان الأولى بعنوان: (عندما يختل الأمن) والثانية: (دور الحاكم والمحكوم في الأمن) وهذه الخطبة الأخيرة في هذا الموضوع. أيها الأحبة! تعلمون أن منهج أهل السنة والجماعة قائمٌ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قائمٌ على الغيرة لله ورسوله، والنصيحة لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم قائمٌ على تقدير المصالح، فربما ارتكبت أدنى المفاسد لدفع أعلاها، وربما فوتت أدنى المصالح لتحقيق ما هو أعظم منها، والحديث اليوم عن صورٍ من التاريخ، اجتهد فيها المجتهدون، وكان بعضهم لا شك مريداً وجه الله والدار الآخرة، لأجل الإصلاح وإنكار المنكر، وقطع الشر ودابره، ولكن يبقى منهج أهل السنة والجماعة هو المنهج الذي ينبغي لزومه في كل منشطٍ ومكره، وفي كل عسرٍ ويسر، وفي كل صغيرٍ وكبير إذ أن الخروج عن المنهج مهما كان صلاح الخارجين عنه، ومهما كان قصدهم وتأويلهم في ذلك، سواء علموا أنهم في خروج عن المنهج أم لم يعلموا، سواءً اجتهدوا فأصابوا أو أخطئوا، المهم أن ندرك أن الالتزام بهذا المنهج يحفظ للأمة مصالح عديدة، وإن الإخلال بتطبيقه أو بمفرداته ربما أدى وأفضى بالأمة إلى هلاكٍ وعاقبة لا تحمد، أيها الأحبة، على مر عصور التاريخ بعد انقضاء زمن النبوة على نبينا أفضل الصلاة والسلام، ثم تبعه بعد ذلك منهج الخلافة الراشدة، تولى خلافة الأمة بعد رسول ﷺ أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، وقتل إمام المسلمين شهيداً في المحراب، بفتنةٍ سبأية يهودية، ثم تلا الأمر وتولاه بعد ذلك عثمان بن عفان ﵁، الذي بشره النبي ﷺ بالجنة على فتنة تصيبه، ثم تولى الأمر بعد ذلك علي بن أبي طالب، وكان شهيداً من شهداء أهل الجنة، ثم تعاقبت بعد ذلك على أمم المسلمين خلافاتٌ وقياداتٌ وإماراتٌ متعددة، كان فيها من الفتن بين المسلمين أنفسهم، كان فيها من القتال بين المسلمين أنفسهم، الأمر الذي ما حمدت عاقبته بكلام أئمة السلف وليس بكلام المتأخرين في هذا العصر.

стр. 1229

السبب في خروج بعض الطوائف أيها الأحبة! قد يقول قائلٌ وما السبب في خروج تلك الطوائف في العصور الغابرة على قياداتها، وعلى إماراتها، وعلى الولاة في زمنها؟ أيها الأحبة! الجواب في ذلك جليٌ واضح، فالذين أحسنوا المقاصد، وصلحت نواياهم كانت ذكريات الخلافة الراشدة بما فيها من العدل والأمن والطمأنينة وشوكة الدين وغلبة المعروف ماثلةً بين أعين كثيرٍ من المسلمين، كانوا يتمنون أن تعود الأمور كما كانت عليه، وليس هذا بأماني من أراد، فقد ورد في كل عامٍ ترذلون وتنقصون ولا تزيدون. إن الحنين دائماً إلى النماذج الراشدة، مستمرٌ، إن الحنين دائماً مستمرٌ إلى صور الأمن الذي لا يكدره فزع، والعدل الذي لا يشوبه ظلم، والعطاء الذي لا تقطعه منّة، ولكن سنة الله في العباد ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]. أيها الأحبة! حينما اختل المنهج الشرعي أصيب المسلمون بخيبة أملٍ كبيرة وبمرارة ومعاناةٍ شديدة، حينما بلغ الأمر إلى إماراتٍ ربما أنكر المسلمون منها أموراً كثيرة. فعلى سبيل المثال: في زمن الدولة الأموية لما حلت الخلافة ونزلت إلى بلاط يزيد بن معاوية، حل في قلوب الناس ما حل، ومن الذين خرجوا ولم يرضوا بواقعهم، ولم يرضوا بإماراتهم ومجتمعاتهم، أقوامٌ رأوا ظلماً أو نوعاً منه أو أنواعا، فقصدوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتهدوا في إصلاح ما فسد لا يريدون إلا الخير والإصلاح، ولكن كانت العاقبة وخيمة سيئة عليهم وعلى مجتمعاتهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصدهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كالذين خرجوا بـ الحرة وبـ دير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما، فالخروج على الولاة كان منذ زمنٍ قديم إما من أقوامٍ رأوا ظلماً وعدواناً أو منكراً فأرادوا تغييره، أو أقوامٍ يرون أن لهم في الخلافة حظاً ونصيباً فيريدون أن يعود الأمر إليهم، وبالجملة فالخارجون على الولاة إما خوارج أو محاربون أو البغاة، وهم الذين يخرجون على الإمام العادل طلباً للملك والإمامة بتأويلٍ سائغٍ أو غير سائغ، فيسمون بغاة. حتى وإن خرجوا بتأويلٍ سائغ يسمون بغاة، وإن خرجوا بتأويلٍ غير سائغٍ فيسمون بغاة، ومن الذين خرجوا أقوامٌ أهل عدلٍ خرجوا على أئمة جور، كما قال الحافظ ابن حجر: قسمٌ خرجوا غضباً للدين من أجل جور الولاة، ومن أجل ترك عملهم بالسنة فهؤلاء أهل حقٍ، ومنهم الحسين بن علي وأهل المدينة بـ الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وإن التاريخ لناطقٌ شاهدٌ بما حل بهؤلاء ﵃ وجمعنا بهم في الجنة.

стр. 1230

سبب طرق هذا الموضوع أيها الأحبة! خذوا أول الأمثلة على مساوئ الخروج وما حصل للأمة فيه، وقبل أن أسوق ذلك، أريد أن أنتزع وسوسة شيطانية ربما جالت في ذهن بعض السامعين الآن أو بعد آن ليقول قائلٌ: وهل رأى هذا الخطيب أقواماً يعدون لخروج، أو سمع بهم أو رصدهم؟! أقول ولله الحمد والمنّة ما عرفنا في هذه الجزيرة أقواماً أعدوا للخروج أو دعوا إليه أو خططوا له، وإنما القصد بيان منهج أهل السنة في سلسلة مضى أولها واليوم ختامها، وليس الحديث عن أي شيء بالضرورة يعني أنه خلف الكواليس يخطط أو يدبر له، بل ومن الضرورة أن نتحدث عن مثل هذا وأن نحذر منه، لأن الأمر كما ورد في خطبٍ ماضية أنه ربما نقل بعض الشباب مناهج مستوردة لبلدان ربما صلح لأوضاعها ما فعل فيها، أقول ربما صلح أو لم يصلح، أما هنا فلزوم هذا المنهج الذي مر بنا أوله واليوم ختامه، من الضرورة أن نعتني به وأن نعتقد، وأن نناظر ونجادل بالحسنى كل من خالفنا فيه؛ لأن في ذلك أماناً وضماناً لسلامة المجتمع، وصلاح الأمة وبقاء بيضة هذه الأمة على ما هي عليه، مع القصد في إنكار المنكر فيها وزيادة المعروف فيها.
следующие страницы →