Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
نصيحة لأب يعاني من أبنائه
السؤال
والد يعاني من أبنائه الكسل والإهمال، ولقد وقعت الفأس في الرأس، لا حول ولا قوة إلا بالله بسبب تهاونه، ما هي نصيحتك له؟
الجواب
النصيحة: أن تعود من جديد لتوجيههم، أنصح هذا الوالد الحبيب إن كان جاداً في علاج بيته من ذلك المرض الذي وقع الفأس في رأسه كما قال: أن يبادر بالعلاج وألا يتردد في تناول الوصفة، لو قيل لأحدنا: إن ولدك فيه حمى شوكية تجده لا يتردد؛ يذهب ويطرق على الجيران: ما رأيك يا أبا فلان! الولد فيه حمى شوكية؟ تعال غداً إن شاء الله نبحث موضوعك، ونرى هل الحمى من النوع الدائم أو المؤقت، فلا يوجد إنسان يجد مرضاً في ولده ثم يقول مثلما يقول العوام: يقدم رجل ويؤخر أخرى: هل يعالجه أو لا يعالجه؟ تجده أول ما يعلم بالمرض يتجه إلى الإسعاف ومعالجته في العناية المركزة، والمبادرة بإصلاح شأنه قبل أن ينحرف ويفسد، قبل أن يموت من المرض، فكذلك أنت إن كنت جاداً في ذلك فانظر إلى أسباب الفساد الموجودة في بيتك؛ دش، مجلات، فيديو، تلفاز من غير رقيب ولا حسيب، أي: في كل وقت، الليل والنهار يسهرون عنده وقد يضيعون الصلاة بذلك إلى آخره، نقول: انتبه! انتبه انتبه!! حتى لا يقع الفأس لا في الرأس بل يقع الفأس في القلب، وكم من بيت تساهل وليه بشأنه فكان الفساد في البداية في الأولاد، ثم انتقل الفساد إلى الأعراض، انتقل الفساد إلى البنات وإلى -والعياذ بالله- المحارم وذلك بسبب تساهله وهو مسئول عنهم يوم القيامة، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] ويقول النبي ﷺ : (وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1227
الخروج صورٌ وتاريخ
منهج أهل السنة في معالجة الأوضاع قائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن طرق معالجة المنكر: الخروج على الحاكم الجائر، ولكن هذه الطريقة تؤدي إلى فتن ومفاسد عظيمة في أغلب أحوالها.
وفي هذه الخطبة صور تاريخية تبين عواقب الخروج على الحكام، وما نتج عن تلك المحاولات من خسائر، مع بعض أقوال العلماء في حكم الخروج على السلطان.
стр. 1228
منهج أهل السنة في معالجة الأوضاع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين! جرى الحديث من فوق هذا المنبر في جمعٍ ماضية عن منهج أهل السنة في الإصلاح، ومنهج أهل السنة في معالجة الأوضاع وإنكار المنكرات والمحافظة على بيضة الأمة، والعناية بالمجتمع حتى لا تزل قدمٌ بعد ثبوتها، أو يخطئ أحدٌ بقصد الإصلاح، فيكون كمن رام نفعاً فضر من غير قصدٍ، ومن البر ما يكون عقوقاً، وأول مواضيع هذا المنهج ما سبق الحديث حوله في خطبة كان عنوانها (الجور بالقول) ثم لحقه خطبتان الأولى بعنوان: (عندما يختل الأمن) والثانية: (دور الحاكم والمحكوم في الأمن) وهذه الخطبة الأخيرة في هذا الموضوع.
أيها الأحبة! تعلمون أن منهج أهل السنة والجماعة قائمٌ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قائمٌ على الغيرة لله ورسوله، والنصيحة لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم قائمٌ على تقدير المصالح، فربما ارتكبت أدنى المفاسد لدفع أعلاها، وربما فوتت أدنى المصالح لتحقيق ما هو أعظم منها، والحديث اليوم عن صورٍ من التاريخ، اجتهد فيها المجتهدون، وكان بعضهم لا شك مريداً وجه الله والدار الآخرة، لأجل الإصلاح وإنكار المنكر، وقطع الشر ودابره، ولكن يبقى منهج أهل السنة والجماعة هو المنهج الذي ينبغي لزومه في كل منشطٍ ومكره، وفي كل عسرٍ ويسر، وفي كل صغيرٍ وكبير إذ أن الخروج عن المنهج مهما كان صلاح الخارجين عنه، ومهما كان قصدهم وتأويلهم في ذلك، سواء علموا أنهم في خروج عن المنهج أم لم يعلموا، سواءً اجتهدوا فأصابوا أو أخطئوا، المهم أن ندرك أن الالتزام بهذا المنهج يحفظ للأمة مصالح عديدة، وإن الإخلال بتطبيقه أو بمفرداته ربما أدى وأفضى بالأمة إلى هلاكٍ وعاقبة لا تحمد، أيها الأحبة، على مر عصور التاريخ بعد انقضاء زمن النبوة على نبينا أفضل الصلاة والسلام، ثم تبعه بعد ذلك منهج الخلافة الراشدة، تولى خلافة الأمة بعد رسول ﷺ أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، وقتل إمام المسلمين شهيداً في المحراب، بفتنةٍ سبأية يهودية، ثم تلا الأمر وتولاه بعد ذلك عثمان بن عفان ﵁، الذي بشره النبي ﷺ بالجنة على فتنة تصيبه، ثم تولى الأمر بعد ذلك علي بن أبي طالب، وكان شهيداً من شهداء أهل الجنة، ثم تعاقبت بعد ذلك على أمم المسلمين خلافاتٌ وقياداتٌ وإماراتٌ متعددة، كان فيها من الفتن بين المسلمين أنفسهم، كان فيها من القتال بين المسلمين أنفسهم، الأمر الذي ما حمدت عاقبته بكلام أئمة السلف وليس بكلام المتأخرين في هذا العصر.
стр. 1229
السبب في خروج بعض الطوائف
أيها الأحبة! قد يقول قائلٌ وما السبب في خروج تلك الطوائف في العصور الغابرة على قياداتها، وعلى إماراتها، وعلى الولاة في زمنها؟ أيها الأحبة! الجواب في ذلك جليٌ واضح، فالذين أحسنوا المقاصد، وصلحت نواياهم كانت ذكريات الخلافة الراشدة بما فيها من العدل والأمن والطمأنينة وشوكة الدين وغلبة المعروف ماثلةً بين أعين كثيرٍ من المسلمين، كانوا يتمنون أن تعود الأمور كما كانت عليه، وليس هذا بأماني من أراد، فقد ورد في كل عامٍ ترذلون وتنقصون ولا تزيدون.
إن الحنين دائماً إلى النماذج الراشدة، مستمرٌ، إن الحنين دائماً مستمرٌ إلى صور الأمن الذي لا يكدره فزع، والعدل الذي لا يشوبه ظلم، والعطاء الذي لا تقطعه منّة، ولكن سنة الله في العباد ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩].
أيها الأحبة! حينما اختل المنهج الشرعي أصيب المسلمون بخيبة أملٍ كبيرة وبمرارة ومعاناةٍ شديدة، حينما بلغ الأمر إلى إماراتٍ ربما أنكر المسلمون منها أموراً كثيرة.
فعلى سبيل المثال: في زمن الدولة الأموية لما حلت الخلافة ونزلت إلى بلاط يزيد بن معاوية، حل في قلوب الناس ما حل، ومن الذين خرجوا ولم يرضوا بواقعهم، ولم يرضوا بإماراتهم ومجتمعاتهم، أقوامٌ رأوا ظلماً أو نوعاً منه أو أنواعا، فقصدوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتهدوا في إصلاح ما فسد لا يريدون إلا الخير والإصلاح، ولكن كانت العاقبة وخيمة سيئة عليهم وعلى مجتمعاتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصدهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كالذين خرجوا بـ الحرة وبـ دير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما، فالخروج على الولاة كان منذ زمنٍ قديم إما من أقوامٍ رأوا ظلماً وعدواناً أو منكراً فأرادوا تغييره، أو أقوامٍ يرون أن لهم في الخلافة حظاً ونصيباً فيريدون أن يعود الأمر إليهم، وبالجملة فالخارجون على الولاة إما خوارج أو محاربون أو البغاة، وهم الذين يخرجون على الإمام العادل طلباً للملك والإمامة بتأويلٍ سائغٍ أو غير سائغ، فيسمون بغاة.
حتى وإن خرجوا بتأويلٍ سائغ يسمون بغاة، وإن خرجوا بتأويلٍ غير سائغٍ فيسمون بغاة، ومن الذين خرجوا أقوامٌ أهل عدلٍ خرجوا على أئمة جور، كما قال الحافظ ابن حجر: قسمٌ خرجوا غضباً للدين من أجل جور الولاة، ومن أجل ترك عملهم بالسنة فهؤلاء أهل حقٍ، ومنهم الحسين بن علي وأهل المدينة بـ الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وإن التاريخ لناطقٌ شاهدٌ بما حل بهؤلاء ﵃ وجمعنا بهم في الجنة.
стр. 1230
سبب طرق هذا الموضوع
أيها الأحبة! خذوا أول الأمثلة على مساوئ الخروج وما حصل للأمة فيه، وقبل أن أسوق ذلك، أريد أن أنتزع وسوسة شيطانية ربما جالت في ذهن بعض السامعين الآن أو بعد آن ليقول قائلٌ: وهل رأى هذا الخطيب أقواماً يعدون لخروج، أو سمع بهم أو رصدهم؟! أقول ولله الحمد والمنّة ما عرفنا في هذه الجزيرة أقواماً أعدوا للخروج أو دعوا إليه أو خططوا له، وإنما القصد بيان منهج أهل السنة في سلسلة مضى أولها واليوم ختامها، وليس الحديث عن أي شيء بالضرورة يعني أنه خلف الكواليس يخطط أو يدبر له، بل ومن الضرورة أن نتحدث عن مثل هذا وأن نحذر منه، لأن الأمر كما ورد في خطبٍ ماضية أنه ربما نقل بعض الشباب مناهج مستوردة لبلدان ربما صلح لأوضاعها ما فعل فيها، أقول ربما صلح أو لم يصلح، أما هنا فلزوم هذا المنهج الذي مر بنا أوله واليوم ختامه، من الضرورة أن نعتني به وأن نعتقد، وأن نناظر ونجادل بالحسنى كل من خالفنا فيه؛ لأن في ذلك أماناً وضماناً لسلامة المجتمع، وصلاح الأمة وبقاء بيضة هذه الأمة على ما هي عليه، مع القصد في إنكار المنكر فيها وزيادة المعروف فيها.
стр. 1231
خروج الحسين على يزيد
خذوا نموذجاً من النماذج التي خرجت على يزيد بن معاوية كانت قاصدة الإصلاح لا غير، خرج الحسين بن علي وتعرفونه أنه سيد شباب أهل الجنة لا نسوق هذا الكلام قدحاً في ذات الحسين أو كلاماً في عرضه ﵁ وأرضاه، والحسين بالمناسبة قد غرر به وخُدِع من قبل أهل العراق فكان في تلك الوقعة ما كان، لما نبأ وفاة معاوية إلى المدينة، كان الوالي على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فأرسل الوليد إلى الحسين بن علي وإلى عبد الله بن الزبير فدعاهما إلى البيعة لـ يزيد، فقالا: بالغداة إن شاء الله نبايع على رءوس الناس، ثم خرجا من عنده، فدعى الحسين برواحله وتوجه نحو مكة، وركب ابن الزبير ﵁ وأرضاه برذوناً له وأخذ طريق الفرع، قرية من نواحي المدينة حتى قدم مكة.
واستقر الحسين في مكة وبدأ الناس يفدون إليه ويلتفون حوله ويعظمونه، وبدأت الرسائل ترد عليه من العراق، من الكوفة، يدعونه إليهم لينصروه ويحاربوا به الدولة اليزيدية، وكأن هذه الكتب لاقت أذناً صاغية من الحسين، كانت الولاية لـ معاوية ثم تولى الأمر بعد معاوية يزيد، وكان يزيد غير مرضيٍ في نظر الكثير من التابعين والصحابة رضوان الله عليهم.
الحاصل أن الرسائل وردت إلى الحسين رضي الله من الكوفة يدعونه لنصرته ومقاتلة يزيد، وكأن هذه الكتب لاقت أذناً صاغية من الحسين، فأرسل مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة لأخذ البيعة له قبل وصوله، وبالفعل وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة وبدأ يأخذ البيعة للحسين، وبايعه ثمانية عشر ألفاً من الرجال الأشداء الأقوياء ذوي الشوكة والسلاح والآلة، فكتب مسلم إلى الحسين: أن اقدم إلينا فقد بايعنا لك ثمانية عشر ألفاً، وفي ذلك الوقت كان يزيد بن معاوية قد ولى عبيد الله بن زياد على الكوفة فقتل عبيد الله بن زياد -والي يزيد - قتل مسلم بن عقيل بن أبي طالب ﵀ وفي ذلك الوقت كان الحسين في الطريق إلى العراق، ففوجئ الحسين بجيش عبيد الله بن زياد يمنعه من الدخول إلى الكوفة، بل أصر عبيد الله بن زياد يفاوض ويحاور الحسين ويأمره أن يسلم نفسه أسيراً إلى ابن زياد لتسليمه إلى يزيد بن معاوية، وهكذا نشبت على أرض كربلاء معركة غير متكافئة وقاتل الحسين بجيشه الصغير قتالاً شديداً، وكان الحسين ﵁ رجلاً مغواراً شجاعاً ما أقبل على ميمنة إلا فلها، وما أقبل على ميسرة إلا كسرها، وما أقبل على جمعٍ إلا شتته وأباد خضراءه ولكن سنة الله غالبة في كل حال.
стр. 1232
خسارة آل البيت في هذه المعركة
كانت نهاية المعركة خسارة أليمة لآل البيت رضوان الله عليهم وللمسلمين أجمعين، قتل فيها من آل أبي طالب اثنان وعشرون رجلاً، واستشهد الحسين ﵁، وقتل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون نفساً، وروي عن محمد ابن الحنفية أنه قال: قُتل مع الحسين سبعة عشر رجلاً كلهم من أولاد فاطمة، وعن الحسن البصري أنه قال: قُتل مع الحسين ستة عشر رجلاً كلهم من أهل بيته ما على وجه الأرض لهم شبه، الله أكبر، والله لا أحد يشك أن الحسين وآل بيت رسول الله أفضل وأجل وأعلى منزلة من يزيد ومن مع يزيد، ومع ذلك فإن سنة الله إذا ولي الأمر إمام فينبغي للقوم أن يطيعوه، سيما وإذا ظهر وثبت أن الخروج عليه مفضٍ إلى فتنة عظيمة، كما كان في هذه الحال، وليس من مقاصد هذا السياق حتى لا يتأوله متأول أو يقوله قائل أننا ننتقد الحسين بن علي ﵁، وإنما لننظر أن نتيجة الخروج ما كانت مسددة وما كانت موفقة، وستأتي بقية الشواهد لتثبت أن كل خروجٍ على إمامٍ وعلى والٍ انعقدت له البيعة من أهل الحل والعقد، واجتمع الناس عليه، حتى ولو كان في المسلمين من هو خيرٌ منه وأصلح منه وأتقى لله منه وأخشى، أن نهايتها غير محمودة العاقبة.
стр. 1233
الخروج الثاني على يزيد
وخذوا هذا المثال الآخر وهو وقعة الحرة، وما أدراكم ما الحرة؟ لما عزم بعض أهل المدينة على خلع يزيد بن معاوية ووافقهم على ذلك أكثر أهل المدينة وفيهم القراء والفقهاء والعلماء، ولماذا أرادوا خلع يزيد؟ اتهموه بشرب الخمر أو شيء من أمور اللهو، قال ابن تيمية: لم يكن يزيد مظهراً للفواحش كما يحكي عنه خصومه، وقال ابن كثير في البداية والنهاية: أكثر ما نقم على يزيد في عمله شرب الخمر، فأما قتل الحسين فإن يزيد لم يأمر به ولكنه لم يسؤه.
اتفق أهل المدينة على الثورة وأمروا عليهم الأمراء، وأخرج أهل المدينة واليهم عثمان فقتلوه، وأخرجوا جميع بني أمية من المدينة، وعندما علم الخليفة يزيد بما حصل قرر على الفور مهاجمة المدينة وإرجاعها خاضعة إلى طاعته، فجهز جيشاً عدته عشرة آلاف جندي وجعل أميرهم مسلم بن عقبة المري، يسميه أهل السنة مسرف بن عقبة لأنه أسرف في الدماء، وأسرف في استباحة رقاب القراء، وأسرف في استباحة مدينة رسول الله ﷺ .
طلب يزيد بن معاوية من أميره الذي بعثه لإخضاع المدينة، طلب من مسلم بن عقبة أن يدعو أهل المدينة ثلاثة أيام فإن رجعوا إلى الطاعة تركهم وإلا فليقاتلهم، ثم طلب منه أن يستبيح المدينة ثلاثة أيام، وقال له: إذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك حرباً فالسيف السيف لا تُبْقِ منهم، أجهز على جريحهم، واقتل مدبرهم وإياك أن تبقي عليهم، هذه من الفتن التي ربما سعى الواحد فيها بكلمة وهو لا يدري، أو بخطوة وهو لا يدري، وقد جاءنا في منهج نبينا ﷺ حال الفتن أن من كان ماشياً فليقف، ومن كان واقفاً فليقعد ومن كان قاعداً فليضطجع هروباً وبعداً ونأياً عن مثل هذه الفتن، قدم مسلم بن عقبة، بل مسرف بن عقبة، لثلاثٍ بقين من ذي الحجة سنة ٦٣ هجرية فاقتتل الناس ساعة والنساء والصبيان يصيحون وينوحون على قتلاهم، وجعل مسرف بن عقبة يقول من جاء برأسٍ فله كذا وكذا، ومن جاء بأسيرٍ فله كذا وكذا، وجعل يغري أقواماً لا دين لهم، فقتلوهم إلا قليلاً وقتلوا ما لا يحصى ولا يعد، واستبيحت مدينة رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، حصل فيها من المآسي والفظائع وجالت الخيل في المدينة يقتلون وينتهبون والخيل تجول في كل جهة قتلاً ونهبا، حتى لم يبق من الناس أحدٌ يرفع سيفاً أو يرمي بسهمٍ أو يلوح بنبلٍ، وقد نقل الواقدي عن عبد الملك بن جعفر قال: سألت الزهري كم بلغ القتلى يوم الحرة قال: أما من قريش والأنصار ومهاجرة العرب ووجهاء الناس فسبع مائة قتيل، وأما سائر من قتلوا غير هؤلاء فقد بلغوا عشرة آلاف، عشرة آلاف وسبعمائة قتيل في فتنة كان باعثها رضوان الله، كان قصدها وجه الله، كان باعثها الغيرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهي متى؟ عام ثلاثة وستين للهجرة، يعني بعد موت النبي بثلاثة وخمسين سنة، وقتل الحسين قبلها بأقل من ذلك، فما بالنا في هذا الزمان بعد موت نبينا، أو من هجرة نبينا (١٤١٤هـ) إن الأمر جدُّ خطير يا عباد الله، ولأجل ذا نعيد ونزيد ونكرر ونقول لجميع الشباب خاصة، ولجميع أهل الخير والآمرين وذوي الغيرة الذين ما علمنا في قلوبهم إلا حب الله ورسوله، وما علمنا في قلوبهم إلا الغيرة على دين الله وكتابه وسنة نبيه نقول: من الضرورة أن نستحضر هذه الحوادث، وأن نتذكر تلك الوقائع حتى لا يجرفنا الحماس أو تمضي بنا العاطفة إلى أمرٍ لا نحمد عاقبته، ولو بكلامٍ نقوله في مجلسٍ بمجرد الحديث وتبادل الآراء في تلك الوقعة التي استباح بها مسرف بن عقبة المري مدينة رسول الله أصيب نساءٌ وصبيان بالقتل، وقتل جماعة من وجوه قريش والأنصار وخيار الناس من الصحابة وأبنائهم، عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يروي قائلاً: قتل يوم الحرة ثمانون من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يبق بعد ذلك بدري، وعن ابن وهب بن مالك قال: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، من حملة كتاب الله جل وعلا، وعلق شيخ الإسلام ابن تيمية على وقعة الحرة فقال عن يزيد: وهذه من كبائره ولهذا قيل لـ أحمد بن حنبل ﵀ أتكتب الحديث عن يزيد قال: لا، ولا كرامة أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل، وقال ابن كثير: وقد وقع في هذه الأيام الثلاثة من المفاسد العظيمة ما لا يحد ولا يوصف، ومما لا شك فيه أن من قام على يزيد بن معاوية لو كانوا يعلمون أن الأمور ستئول وتفضي إلى ما آلت إليه من قتل بعض الصحابة والقراء ووجهاء المهاجرين والأنصار؛ ما رفعوا سيفاً وما أشاروا بنبلٍ أبداً.
стр. 1234
خروج ابن الزبير على الأمويين
ثم هذا نموذجٌ آخر عبد الله بن الزبير الفارس الشجاع المغوار، الذي لما مرت أمه أسماء بنت أبي بكر ﵁ وقد دخل عليها ثم قال: يا أماه إني أخشى أن يمثلوا بي -أي يجعلوه مثلة ويصلبوه- فقالت: يا بني! شد عليك سراويلك حتى لا تنكشف عورتك، واعلم أن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح.
لله درها من أمٍ شجاعة مغوارة تعلّم وتغرس في أبنائها الشجاعة، ولكن تأويل ابن الزبير أو ما كان من ابن الزبير ﵁ ما كان محمود العاقبة فيما جرى له ﵁ وأرضاه وجمعنا به في الجنة.
عبد الله بن الزبير لما حصل ما حصل من شأنه ثم صلبه الحجاج عليه من الله ما يستحق، جاءت أسماء وهي كفيفة قد عمي بصرها تتحسس ولدها مصلوباً فقالت: أما آن لهذا الفارس أن يترجل، تشير وتصور أنه ما زال على حصانه بطلاً مغواراً، فلما علم الحجاج بمقولتها أمر بأن ينزل ابن الزبير من الخشبة ثم أرسل الحجاج إلى أسماء أن تأتي إليه فقالت: والله لا آتيه! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يكون في هذه الأمة كذابٌ ومبير) فأما الكذاب فعرفناه، وأما المبير فلا نراه إلا الحجاج، فلما سمع بمقولتها جاء إليها قال: سمعت يا أم أنك تقولين قول رسول الله ﷺ : (يكون في هذه الأمة كذابٌ ومبير) فأما الكذاب فـ مسيلمة وقد عرف، وأما المبير فعرفناه فما هو إلا الحجاج، قال: نعم أنا مبير المنافقين، قالت: كذبت قال: الحجاج يا أم إن ابنك ألحد في بيت الله، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].
أيها الأحبة! إن ما قيل وما سطر لا يمكن أن نسمح أن يُنال فيه من عبد الله بن الزبير بكلمة ولو صغيرة أو كبيرة، ولكن ابن الزبير لو علم ﵁ واستقبل من أمره ما استدبر ما كان ليقدم على هذا، ولكن لله الأمر من قبل ومن بعد.
عندما جاء نعي يزيد بن معاوية، لما مات يزيد سنة أربعٍ وستين قام ابن الزبير فدعا إلى نفسه وبايعه أكثر الناس وحكم الحجاز واليمن ومصر والعراق وخراسان وبعض الشام، ولكن لم يستوثق له الأمر ومن ثم لم يعده بعض العلماء في الخلفاء وعد دولته زمن فرقة، فإن مروان قد غلب على الشام ثم مصر وجرت أمورٌ طويلة وحروبٌ مزعجة، وجرت موقعة مرج راهط وقتل ألوفٌ من العرب وقتل الضحاك، واستفحل وعظم أمر مروان إلى أن غلب مروان على الشام، وسار في جيشٍ عرمرم فأخذ مصر واستعمل عليها ولده عبد العزيز بن مروان، ثم دهمه الموت فقام بعده ولده الخليفة عبد الملك بن مروان فغلب عبد الملك على العراق مع الشام، ثم بعث عبد الملك الحجاج بن يوسف إلى ابن الزبير ﵁ وأرضاه، بعث الحجاج إلى ابن الزبير فحاصر ابن الزبير في مكة ونصب المجانيق على جبل أبي قبيس، وعلى جبل قعيقعان فكان الأمر العجيب الخطير يا عباد الله.
المجانيق تضرب في وسط بيت الله، المجانيق تقصف جدران الكعبة، فلم يكن أحدٌ يقدر على أن يطوف بالبيت من شدة قصف المنجنيق، من شدة تلك الفتنة، فأسند ابن الزبير ألواحاً من الساج على البيت وألقى عليها الفرش والقطائف، فكان إذا وقع حجرٌ وقع عليها ونبا عن البيت وكان الناس يطوفون دون الألواح واستمر حصار الحجاج لـ ابن الزبير في مكة ثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة وبيت الله يضرب بالمنجنيق، في تلك الفتنة القديمة، وانتهت تلك المأساة بقتل عبد الله بن الزبير ﵁ ووالديه وأرضاه.
عن المنذر بن جهم قال: رأيت ابن الزبير يوم قتل وقد خذله من كان معه خذلاناً شديداً؛ جعلوا يتسللون ويهربون إلى الحجاج، وهكذا شأن الذين يسيرون في الدهماء والغوغاء، أو إذا خرج خارجٌ أو زعم زاعمٌ أن سيخرج تكاثر الناس حوله، فإذا انكشف الأمر وكشفت الحرب عن ساق:
ستعلم حين ينكشف الغبارُ أخيلٍ تحت رجلك أم حمار
حينما تشتد الأمور ما أقل من يصمد ويثبت، ولذا فلكل من ظن أن الكثرة هي سبيل للتغيير أو الإصلاح فليعلم أن الكثرة لا تغني شيئاً ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولكن أكثر الناس لا يفقهون.
عن المنذر بن جهم قال: رأيت ابن الزبير لما قتل وقد خذله من كان معه خذلاناً شديدا وجعلوا يتسللون إلى الحجاج، وجعل الحجاج يصيح: أيها الناس! علامَ تقتلون أنفسكم؟ من خرج إلينا من ابن الزبير فهو آمنٌ عندنا، لكم عهد الله وميثاقه، ورب هذه البنية ورب هذا البيت لا أغدر بكم ولا حاجة لنا في دمائكم، قال: فقام الناس يتركون ابن الزبير ويتسللون أكثر من نحو عشرة آلاف قال: فلقد رأيت ابن الزبير وحيداً ما معه أحد.
وعن إسحاق بن أبي إسحاق قال: حضرت قتل ابن الزبير وجعلت الجيوش تدخل على ابن الزبير من أبواب المسجد فكان كلما دخل قومٌ من باب حمل عليهم وحده حتى يخرجهم، يقتل من يقتل ويجرح من يجرح ويطرد من يطرد وكان ابن الزبير شجاعاً شجاعاً شجاعاً ربما ضرب الرجل ضرب بصاحبه فقتلهما جميعاً، وربما اخترط بسيفه رجلين في ضربة واحدة، لم يكن له مثيلٌ في الشجاعة، إلا من فاقه من الصحابة وأشجع القوم ﷺ ، قال: فكان كلما دخل عليه قوم حمل عليهم حتى أخرجهم، فبينما هو على تلك الحال إذا وقعت شرفة من شرفات المسجد على رأسه فصرعته وسقط وهو يتمثل
أسماء يا أسماء لا تبكيني
لم يبق إلا حسبي وديني
وصارمٌ قد لان في يميني
يعلق الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء على ذلك فيقول: فيا ليت ابن الزبير كف عن القتال لما رأى الغلبة، بل ليته لا التجئ إلى البيت ولا أحوج أولئك الظلمة والحجاج لا بارك الله فيه، إلى انتهاك حرمة بيت الله وأمنه، فنعوذ بالله من الفتنة الصماء، هذا من كلام الذهبي في سير أعلام النبلاء.
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب الخلفاء: صلبوا ابن الزبير منكسا، وأخرج مسلم في صحيحه أن عبد الله بن عمر بن الخطاب مر على عبد الله بن الزبير وهو مصلوبٌ فقال: السلام عليك أبا خبيب السلام عليك أبا خبيب السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمت صواماً قواماً وصولاً للرحم، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير.
الله أكبر هذا كلام عبد الله بن عمر وقف على ابن الزبير ﵁ وهو مصلوب فيقول: أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، يعني أنهاك أن تطلب البيعة لنفسك، وآمرك أن تسمع لمن أعطاه المسلمون البيعة.
стр. 1235
خروج ابن الأشعث
وخذوا نموذجاً رابعاً أو خامساً: خرج ابن الأشعث على عبد الملك بن مروان وبدأت هذه الحركة وانتهت في العراق وهي حركة قوية جداً، كادت بعد استفحالها أن تسقط الدولة الأموية وتسقط الخليفة عبد الملك بن مروان، كان الحجاج قد بعث ابن الأشعث على سجستان فثار هناك وخرج أولاً عن طاعة الحجاج ووافقه جيشه، ثم خلعوا عبد الملك نفسه، وأقبل ابن الأشعث في جمعٍ كبير وقام معه علماء وصلحاء لله تعالى، وسبب خروجهم على الحجاج وعبد الملك لما انتهك الحجاج من تأخير وإماتة وقت الصلاة، ولجوره وجبروته، وبايع الناس ابن الأشعث ودخلوا في فتنة جديدة، وكانت بيعته على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى جهاد أهل الضلالة وخلعهم، وجعل الناس يلتفون على ابن الأشعث من كل جانب حتى قيل: إنه سار معه ثلاثٌ وثلاثون ألف فارس ومائة وعشرون ألف راجل، ووصل ابن الأشعث إلى العراق وقد قويت حركته جداً، وانضم الناس إليه ودخل البصرة ووافقه على خلع الحجاج وعبد الملك أيضاً جمعٌ من الفقهاء والقراء، ثم بدأت المعارك ونشبت الحروب، بين ابن الأشعث وجيوش الخلافة بقيادة الحجاج، وخرج الحجاج في جنود الشام من البصرة متجهاً لـ ابن الأشعث فنزل تستر ثم التقوا في يوم عيد الأضحى المبارك في نهر دجيل فهزم مقدمة الحجاج وقتل أصحاب ابن الأشعث من جند الحجاج خلقاً كثيراً نحو ألفٍ وخمسمائة واحتازوا ما في معسكرهم من خيلٍ وقماشٍ وأموال، وجاء الخبر بهزيمة أصحابه فقال: ارجعوا إلى البصرة فإنه أرفق بالجند، فرجع الناس وتبعتهم خيول ابن الأشعث لا يدركون شاذاً إلا قتلوه، ولا فاذاً إلا أهلكوه، ووقعت عدة وقائع بين الحجاج وابن الأشعث وكانت أكثر الجولات لصالح الخارج ابن الأشعث، وأشهر الوقائع بينهم وقعة الزاوية، ووقعة دير الجماجم ووقعة مسكن، وفي آخر الأمر انهزم جيش ابن الأشعث وانفلت جموعه وفر ابن الأشعث ومن معه راجعاً إلى سجستان ﵀ ومن معه رحمة واسعة.
رجعوا إلى سجستان الموقع الذي خططوا فيه للثورة والخروج، وأسرف الحجاج في قتل الناس فلم يقدر على أسيرٍ أو على أحدٍ اشترك في المعركة إلا قتله، وقتل كثيراً من العلماء قتل المحدث العالم الجليل ابن أبي ليلى، وقتل سعيد بن جبير ﵏، وقد نقل أن الحجاج قتل يوم الزاوية أحد عشر ألفاً ما استبقى منهم إلا واحداً، كان ولده في كتاب الحجاج، ونقل أيضاً أن الحجاج قتل أربعة آلاف في موقعة مسكن وعن هيجان بن حسان أنه قال: بلغ ما قتل الحجاج صبراً مائة وعشرين أو مائة وثلاثين ألفاً، هذه نهاية هذه الحركة كنهاية ما سبقها.
стр. 1236
خروج زيد بن علي على هشام
وإليكم نموذجاً آخر، خرج زيد بن علي بن الحسين على هشام بن عبد الملك، وكان زيد قد وفد على متولي العراق يوسف بن عمر فأحسن يوسف جائزته ثم أراد زيد الرجوع إلى المدينة، فأتاه قومٌ من الكوفة، فقالوا: ارجع يا زيد نبايعك، وزينوا له البقاء معهم وأنهم سيبايعونه على قتال بني أمية، وأن مائة ألف سيفٍ مصلتٍ مشهرٍ معه، ثم استقر زيد في الكوفة وصدق ما قيل له ﵀، وبدأ التنقل من منزل إلى منزل وأهلها يسجلون أسمائهم ويبايعون، وكانت الأرقام بالآلاف، وكاتب المدن المجاورة والأقاليم قد استجابوا له ووعدوا أنهم سيتبعونه ويعينونه إذا خرج وحدد لهم موعد الخروج، في تلك الأثناء علم أمير العراق يوسف بن عمر بما يفعل زيد فأخذ يستعد لمجابهته، وعلم زيد أن أمير العراق قد اطلع على ما يجري في الخفاء، وخشي أن يمسك أو تفشل الحركة فأعلنها قبل أوانها ويفاجئ أهل الكوفة بشعارات زيد بدأت تدوي، واجتمع إليه بعض الناس، وبدأ بهم المعركة ولكنهم فئة قليلة وهو ينتظر الجموع، أين الجموع التي سجلت أسمائها؟ وأين الجموع التي وعدت أن عندها مائة ألف سيف مصلتٍ مشهر؟ أين الجموع التي ظن أنها شحمٌ فإذا هي ورم فقال زيد: سبحان الله! أين الناس؟ فقاتل زيد والقلة الذين معه قتال الأبطال فهزموا أهل الشام عدة مرات، ولكن رماة السهام تكاثروا عليه فقتل ﵀، ثم صلب وعلق على الخشبة، وانتهت هذه الحركة بأقصر وقتٍ ممكن.
يقول الحافظ الذهبي ﵀ معلقاً على خروج زيد، خرج متأولاً وقتل شهيداً ويا ليته لم يخرج.
ما هي نتائج تلك الحركات التي خرجت متأولة إنكار المنكر؟ ورفع الظلم، متأولة قصد الله ورسوله والدار الآخرة؟ كان نتائج ذلك أن حصل بين المسلمين فُرقة عظيمة وفتنٌ أليمة، وقتلٌ بين المسلمين، وإراقة وسفكٌ للدماء، ورءوسٌ قطعت، وأعراضٌ هتكت، وحقوقٌ ضاعت، وأناسٌ تشردت، وسبلٌ اختلت، ومصالح انقطعت، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولو لم يكن إلا أن أعداء الإسلام من الروم والنصارى، كانوا يرون تلك الفرص التي افتتن بها المسلمون فرصاً ذهبية، لجمع الجموع وإعداد العدد لضرب دولة الإسلام لكفى بذلك فساداً.
стр. 1237
أقوال العلماء في الخروج على ذوي السلطان
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في منهاج السنة النبوية: وقل من خرج على إمامٍ ذي سلطان إلا كان ما تولد عن فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير، وقال ابن حجر الحافظ المعروف في ترجمة الحسن بن صالح في الرد على التهم التي وجهت إليه قال: قولهم كان يرى السيف، أي كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، ثم قال: لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوا الخروج قد أفضى إلى ما هو أشد منه، ذكره في تهذيب التهذيب.
وقال ابن القيم الجوزية ﵀: إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكار المنكر من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار بالخروج على الولاة، فإنه أساس كل شرٍ وفتنة إلى آخر الدهر، ويقول ابن القيم: وقد استأذن الصحابة رضوان الله عليهم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا الصلاة، وقال ﷺ : (من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يداً من طاعة) ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار من إضاعة وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه.
ويقول العلامة المعلمي اليماني ﵀: وقد جرب المسلمون الخروج فلم يروا منه إلا الشر، خرج الناس على عثمان يرون أنهم إنما يريدون الحق فكان عاقبة الأمر أن قتل ثم خرج أهل الجمل يرى رءسائهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحق، فقتل علي وحصلت الفتنة، ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه، نعم، علي بن الحسين خدعه أهل العراق، الذين تعجب من أنهم يبكون عليه ويقيمون المناحة والصياح عليه، هم الذين وعدوه واستخرجوه فلما خرج خذلوه، فكان أن وقع فيما ليس بحسبانه.
قال المعلمي اليماني: ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة على يزيد بن معاوية فكانت وقعة الحرة، ثم خرج القراء على الحجاج مع ابن الأشعث فماذا كان، كان ما تعلمون، ثم كانت قضية زيد بن علي، وعرض عليه من عرض أن ينصروه شريطة أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فخذلوه قتلهم الله فكان ما كان.
أيها الأحبة في الله! إن هذا الكلام لا يعني سكوتاً على منكر ولا تركاً للدعوة إلى الله، إن هذا الكلام يصب في قالبه وفي مواقعه وفي مواضعه وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما لنا عذرٌ في تركه، وقد قال ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وفي رواية (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) إن بعض الناس يفهمون فهماً سقيماً من هذا الكلام، ويقولون ما دام الأمر هكذا وهذه مخاطر الخروج، ثم يستنتج أن إنكار المنكرات يفضي إلى الخروج وهذا فهمٌ عليلٌ سقيمٌ بهيم، إن إنكار المنكر هو حياة الأمة، إن الحسبة هي قلب الأمة، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ضمان بقاء الأمة، فلا نفهمن هذا من هذا.
والواجب علينا أن نشتغل بالدعوة إلى الله جل وعلا، إني أعجب من رجلٍ أو شابٍ أو صغير أو كبيرٍ أو ذكرٍ أو أنثى يسمع هذا الكلام فإذا سمع بمنكرٍ قال: اسكت! عليك نفسك فالزم ولا تحدث فتنة! وإنما يعني هذا الكلام أن نجتهد في طاعة ونصيحة، واجتهادٍ على حفظ شوكة أمة ووحدة صفٍ واجتماعِ شملٍ؛ مع إنكار منكرٍ وأمرٍ بمعروف ودعوة إلى الله جل وعلا، قد يرى البعض أن هذا يعني أن تشتغل بمدرستك أو بيتك وعملك ولا عليك من واقعك، لا.
إنما سمعته يدعوك أن تهتم بواقعك، فتدعو إلى الله بكل وسيلة من شريطٍ نافع، أو كتابٍ أو رسالة نافعة، أو موعظة حسنة، أو جدالٍ بالتي هي أحسن، بكل وسيلة مشروعة من وسائل الدعوة إلى الله.
إن هذا الكلام -أكرر وأحذر- لا يعني ترك الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ولكن الأمر والنهي بحسب من يوجه إليهم، فإن كان لفردٍ فخذه على انفراد، وإن كان لمجموعة فخذهم بخير طريقة، وإن كان لأميرٍ أو والٍ فاقصده في بيته، فاقصده في مكتبه، فاقصده في مكانه، وكن صريحاً جريئاً قوياً ولا يضرك لو خرجت قتيلاً (سيد الشهداء حمزة ورجلٌ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).
أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1238
فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المسلمين! لقد فضلنا الله على سائر الأمم يوم أن كنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] ووصف الله المؤمنين بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] ويقول ﷺ : (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدِ السفيه، أو ليوشكن الله أن يعمكم بعقابٍ أو بعذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم) وإن ترك الأمر وترك النهي عن المنكر لمن شر بلاءٍ ابتليت به الأمة، فطائفة يتأولون في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنه من الحكمة، والله لا حكمة في ترك الأمر بالمعروف، ولا حكمة في ترك النهي عن المنكر، وربما فهم القوم أفهاماً أو فهوماً أخرى، والحاصل أن من أراد صلاح مجتمعه ومن أراد اجتماع شمله، ومن أراد وحدة صفه، ومن أراد قوة شوكته، ومن أراد تدفق الأرزاق إلى بلاده وأمته فعليه بالأمر بالمعروف لأنه من دلائل التقوى ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ﴾ [الأعراف:٩٦].
فيا معاشر المؤمنين! من واجبنا أن نعتني بهذا وأن نجتهد في الدعوة إلى الله.
إن من الناس من فهمه سقيم، إما دعه يقول ما شاء كيفما شاء، بأي طريقة شاء سواءً أنتجت وفاقاً أو فتنة أو فيسكت البتة، وليس هذا بصحيح، فليس كل ما يعلم يقال؛ وليس السامعون يتحملون كل ما يسمع.
فيا خبيراً على الأسرار مطلعاً اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
قد رشحوك لأمرٍ لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
علينا أن نعبد الناس لله، أن نوجه الناس إلى بيوتهم التي فيها من الملاهي ما الله به عليم، علينا أن نوجه الناس إلى منكراتٍ في كل صباحٍ ومساء، من تبرجٍ أو سفورٍ أو لهوٍ أو بطالٍ، أو رؤية صورٍ ومجلات ومشاهداتٍ لا ترضي الله، علينا أن نناصح كل مجلة وكل جريدة، وكل مسئول بالخطاب الرقيق، وبالمقابلة المؤدبة، فإن في هذا خيرٌ عظيم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجمع شملنا، ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، ربنا لا تذر لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته ولا ديناً إلا قضيته، ولا مرضاً إلا شفيته، ولا معوقاً إلا أطلقته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم احفظهم من دعايات اليهود وكيدهم، اللهم احفظ نسائهم وأبنائهم وذرياتهم، اللهم رد المسجد الأقصى إلى أيدي المسلمين يا رب العالمين، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، وفي رومو وفي الفليبين، وفي سائر البقاع، اللهم اجمع شملهم في سائر البقاع، اللهم انصرهم في طاجكستان، واجمع شملهم في أفغانستان يا رب العالمين، وأقم الصلاة، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1239
الخلاف لمن نرده
الاختلاف سنة بين الناس، ولكن قد كثر حتى اختلف الناس فيما لا ينبغي الاختلاف فيه، وبعضهم يجره الخلاف إلى النزاع والشقاق، والمقاطعة والتدابر، وأشقى من ذلك عدم التحاكم إلى مرجعية واحدة، وفي هذه المادة علاج لذلك.
стр. 1240
المتفيقهون وضررهم على المجتمع
الحمد لله، نحمد ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ربي عليه توكلت وإليه أنيب، ما من دابةٍ إلا هو آخذ بناصيتها، أشهد أن لا إله إلا الله ربي وحده هو الذي خلق هذا الكون، وخلق العباد عليه، وجعل الحكمة من خلق العباد عبادته ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أشهد أن لا إله إلا الله ربي ما خلق شيئاً عبثاً، ولا يترك شيئاً سدى، فالأمر والخلق والقدر والتدبير بيده وحده سبحانه فلا يقدر أو يدبر أو يأمر أو ينهى أو يشرع إلا لحكمة فيها تمام العدل، ومعها تمام الرحمة.
أشهد أن لا إله إلا الله ما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه، أشهد أن لا إله إلا الله ربي وحده رفع السماوات بغير عمدٍ ترونها، أشهد أن لا إله إلا الله ربي وحده هو الرازق للخلائق أجمعين، لو أراد الخلائق واجتمعوا وكان بعضهم لبعضٍ ظهيراً، أن يطعموا أهل الكون ساعةً لافتقروا وعجزوا عن ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨].
أشهد أن لا إله إلا الله ربٌ عظيم، عظيمٌ في علمه وفي رحمته وفي حكمته، وعظيمٌ في حلمه على عباده، العباد يعصونه بنعمه التي خلقها لهم، ويمهلهم لعلهم أن يئوبوا أو يتوبوا يوماً ما، أشهد أن لا إله إلا الله ربي وحده كل شيءٍ هالكٌ إلى وجهه، وأشهد أن محمداً رسول الله بعثه الله رحمةً للعالمين، أرسله الله للجن والإنس بشيراً ونذيراً، نبيٌ وما وطئ الثرى خيرٌ من قدمه ﷺ .
أشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اعرفوا عظمة الله وقدره واتقوا الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين: إن الله جل وعلا خلق العباد لعبادته، وقدر المقادير بحكمته، وأجرى الأمور بعدله ورحمته، وجعل للعباد منهجاً وطريقاً وصراطا ًمستقيماً يرجعون إليه عند النزاع والخلاف ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١].
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩].
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣].
عباد الله: أليس في هذه الآيات الواردة في مواضع شتى من كتاب الله غنية لمن أراد أن يستغني بكتاب الله عن زبالة أذهان البشر؟ أليس في كلام الله كفاية لمن أراد أن يكتفي بكلام الله وهدي رسول الله عن أنظمة البشر؟ ولكن يا معاشر المؤمنين: حينما تتكلم الرويبضة ويظهر الأوغاد والسفل، حينما يتكلم من لا خلاق له ومن لم يعرف بالتقى أو المحافظة على الجماعات، أو من عرف بتاريخ أسود وسابقة الخزي وماضي الرذيلة، أو من لا حظ له من التقى والمكانة والإحسان والإيمان في دين الإسلام، حينما يتكلم في هذا الدين من ليس من علمائه وفقهائه، حينما يتكلم في هذه الشريعة من عرفوا يوماً ما بالتطبيل والتزمير للقوانين الوضعية والأنظمة البشرية، حينما يتكلم أولئك:
فيا موت زر إن الحياة ذميمةٌ ويا نفس جدي إن دهرك هازل
ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني حتى أرى وقفة الأوغاد والسفل
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا من قبله فتمنى فسحة الأمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاً والحظ عني بالجهال في شغل
لعله إن بدا فضلي ونقصهم لعينه نام عنهم أو تنبه لي
فإن علاني من دوني فلا عجب لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فيا خبيراً على الأسرار مطلعاً اصمت ففي الصمت منجاةٌ من الزلل
قد رشحوك لأمرٍ لو فطنت له فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
عباد الله: في التلميح ما يغني عن التصريح:
تكفي اللبيب إشارة مرموزةٌ وسواه يدعى بالنداء العالي
стр. 1241
ليس كل خلاف يعتد به
يوم أن يخرج في المجتمع حالاتٌ متشنجة، وظواهر متهورة، ليس لها دليلٌ من القرآن ولا برهان من السنة، ولا نورٌ من أهل العلم ولا بيانٌ من دعاة الإسلام، حينئذٍ يتكلم من يتكلم ويقول: إن الخلاف الفقهي في دين الإسلام يسع الأمة، وقديماً كان العلماء يختلفون والخلاف لا يفسد للود قضية، والخلاف فيه مساغٌ وفسحةٌ أن يأخذ من شاء برأي من شاء، والخلاف إنما هو من اجتهادات البشر وما دام الأمر اجتهاداً فلكل واحدٍ أن يأخذ ما شاء وليس لواحدٍ أن يلزم غيره بقول غيره -شنشنةٍ نعرفها من أخزم- حينما نتكلم في دين الإسلام فإننا ننطلق من أمورٍ وأركان: أولها: أن الله جل وعلا تعبدنا بطاعته ومن أراد أن يأتي بأمرٍ من عنده فهذه هي البدعة، وهي فعلة تخالف السنة والشريعة إما بزيادةٍ أو بنقص: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود كما يقول ﷺ .
الحاصل يا عباد الله: أننا ننطلق من هذه الأركان ومن أهمها أيضاً: إن الله لم يأمرنا بأمرٍ إلا لتمام الحكمة وتمام الرحمة والنعمة وتمام العدل والبصيرة واللطف التي يعلمها سبحانه وحده ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
نحن أيها الأمة: أمةٌ نرتبط بالعقيدة حتى في إماطة الأذى عن الطريق (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة) هذا الأذى الذي نزيله عن الطريق نرتبط فيه بعقيدة؛ فيوم أن نميط الأذى نعتقد أننا نطيع الله، ونعتقد أننا نثاب على ذلك، ونعتقد أن أجر الإماطة يوضع في الموازين، ونعتقد أن هناك موازين، ونعتقد أن الموازين يوم القيامة، ونعتقد ونعتقد فما من أمرٍ جليلٍ ولا كبيرٍ ولا صغيرٍ إلا ويرتبط بسلسلة من الأمور العقدية التي تنتهي إلى قولنا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
فإذا قال الله لنسائنا ولبناتنا وأمهاتنا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] وإذا قال الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] وإذا قال الله جلا وعلا: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] وإذا قال الله جل وعلا: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] وإذا قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣].
نقول كل هذه الآيات البينات الواضحات شرعها الله وأمر الله بها نساء المؤمنين لحكمةٍ يعلمها سبحانه، فإما أن نقول: يا ربنا أنت حكيمٌ ونثق بحكمتك، فنطيع ونسلم لهذه الحكمة.
وإما أن نقول: لست بربٍ حكيم عياذاً بالله من ذلك، وهذا مؤدى من يقول: إن هذه أمور قد لا تنتهي إلى مصلحة المجتمع، أو تنتهي إلى تعطيل النصف من المجتمع، أو هي إهدار للثروة القومية، أو خنقٌ للمجتمع، أو كبتٌ للبنات، أو قعودٌ بالمرأة بـ السعودية عن مواكبة حال المرأة الغربية المتطورة.
حينما نناقش الذين يدعون إلى التبرج والسفور والانحلال بأي دعوى من الدعاوي فنحن نقول لهم بادئ ذي بدء قبل أن نقول: لا.
هنا دليل يقول: يجوز كذلك، وهنا دليل يقول: يجوز كذلك، ونبدأ في معركة فقهية قبل أن نقرر القاعدة التي ننطلق منها، فلنسلم لحكمة الله أو لا نسلم بحكمة الله.
كل هذا -أيها الأخوة- أريده مقدمة حتى أصل إلى ما أريده الآن؛ لأن بعد ظهور الدعوة إلى تحرير المرأة، وتبرج المرأة، وسفور المرأة جاء من يقول: إن بعض القضايا يحلها الزمن، وجاء من يقول: إن الناس قد أنكروا البرقية يوماً ما، ثم تعاملوا بها، وإن الناس أنكروا تعليم البنات ثم وافقوه، وإن الناس ردوا التلفاز ثم أدخلوه البيوت، فما دام الناس قد أنكروا بلسان الحال أو بالمقال، ومادام الناس قد أنكروا قيادة المرأة للسيارة فسيوافقون عليها في يومٍ من الأيام، من قال إن قيادة المرأة كتعليمها؟ من قال: إن قيادة المرأة كالبرقية؟ من قال إن قيادة المرأة كالتلفاز؟ لا والله، ثم إن كان هناك من معارض في مسائل معينة، فليست كل هذه المسائل، وهم عدد قليل، ولا أشك أن معارضتهم في أسلوب تعليم المرأة، وهم فئةٌ قليلةٌ محدودة، وإذا كان هناك من عارض، فهل يعني: أن الأمة كلها قد وافقت في هذا الزمان على قيادة المرأة؟ لا والله، بل رفضوها رفضاً مطلقاًً باتاً.
ولكن المصيبة -يا عباد الله- أن يقال: إن الإسلام جاء برحابة الصدر في الخلاف في المسائل الفقهية، وإن الإسلام أمرنا ألا ينكر بعضنا على بعضٍ في القضايا الاختلافية، وإن الإسلام جعل لكلٍ أن يأخذ بأي رأي من الآراء، وحينئذٍ أسألكم وأنتم الحكم، ما دمنا نقول: إذا وجد الخلاف في أي مسألة من المسائل فالأمر حينئذٍ واسع كلٌ يأخذ من الأقوال ما يشاء.
أولاً: ما هو الخلاف؟ وخلاف من ذلك الذي يعتد به ويعتبر؟ لو أن عالماً من العلماء أفتى، فمر رجل من النخاسة من الذين يبيعون الدواب والجمال فقال: يا شيخ! أنا أخالفك في هذه الفتوى، نقول: قف لقد خالف بائع الحمير هذا العالم! فالمسألة فيها سعة وكلٌ يأخذ بما يشاء من الأقوال هل يعقل هذا الكلام؟ فإذا خالف باعة البصل والثوم العلماء والأجلاء هل يعتبر خلافهم في هذه المسألة؟ وإذا خالف من لا يعتد بخلافه لعلماءٍ شابت لحاهم في الإسلام وعرفوا بالتقوى والقيام والصيام وقضاء حوائج المسلمين وأجمعت الأمة على صلاحهم وحبهم في الله ولله، هل يعتد بخلاف من خالفهم؟ ولو سلمنا بهذا لقلت لواحدٍ منكم: هناك من خالف في الربا وقال يجوز أن نأكل الربا، اذهب وكل ما شئت من الربا، هناك -أيضاً- من خالف وقال: يجوز ألا تغطي المرأة وجهها، بل إن عورة المرأة إلى ركبتها، أخرج امرأتك سافرة الوجه والشعر والساقين.
وهناك من يقول: إن الصلاة مع الجماعة ليست واجبة فصل في بيتك.
وهناك من يقول: إن مجرد النظر إلى الأفلام والمسلسلات في الشاشات ليس نظرٌ للحقيقة وإنما هو نظرٌ للصورة فانظر إلى ما شئت من الأفلام والمسلسلات.
وهناك من يقول: إن المرأة يجوز لها أن تزوج نفسها بغير إذن وليها، يعني: أن تقابل امرأةً فتعجبك فتقول لها: زوجيني نفسك، فتقول: ليس عندي مانع، فتخرج وتذهب أنت وإياها وتجد اثنين من الباطلين العاطلين فيشهدان لك.
أي دينٍ هذا؟ هل يجتمع بهذه الصورة دين مسلم ودين زنديق؟ هل يجتمع بهذه الصورة مسلمٌ قد خاف الله وراقبه في كل ما يأتي ويذر وتلفيقٌ وزندقةٌ وبعدٌ عن طاعة الله جل وعلا؟ عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بيَّن، وإن الحرام بيَّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، إلا وإن لكل ملكٍ حمى، إلا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة).
هذه المضغة إذا صلحت تتبعت سبل الحلال وابتعدت وجانبت عن سبيل المشتبهات، وعن بنيات الطرق، وابتعدت عن الأباطيل والمضلات: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت) تتبعت الرخص والأقوال والخلافات ومضلات الأمور وبنيات الطرق وأقوال السفلة: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع؟ فأوصنا، قال: أوصيكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، واسمعوا وأطيعوا وإن تولى عليكم حبشي كأن رأسه زبيبة، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً).
صدقت يا رسول الله والله لقد رأينا اختلافاً كثيراً، ونشهد أن كلامك وحيٌ يوحى وأنك لا تنطق عن الهوى، لقد رأينا اختلافاً كثيراً، وياليته اختلافٌ فحسب بل اختلاف ويقولون: إن الخلاف قد أتى به العلماء ويقولون: إن هذا الخلاف قد قال به العلماء، رأينا تقليباً وتكذيباً وزخرفة للأمور ويقول من يقول: إن الخلاف في الإسلام واسع، ولكل امرئ أن يأخذ ما شاء من الأقوال.
لا والله يا عباد الله: ليس هذا بسبيلٍ إلى قيادة الأمة الواحدة والمجتمع الواحد، نحن لسنا كما قلت في مجتمع حزب العمال والمحافظين والمتبرجين والمنحرفين، لا.
نحن في أمة ليست أحزاباً بل هي أمةٌ واحدة سواءً من كان أتقانا لله، ومن كان واقعاً في معصية الله فنحن في إطار الأمة الواحدة، فمنا ظالمٌ لنفسه ومنا مقتصد ومنا سابقٌ بالخيرات؛ لكن أمتنا واحدة ولا نقبل ولا نرضى بالتقسيم والتفريق، يوم أن يستدل بكلام أهل العلم على جواز الخلاف والافتراق في مسائل هي باب تدهورٍ للأمة وباب هلاك لها حينئذٍ يستخدم الدواء سماً، ويجعل الطعام قاتلاً، ويجعل الشراب سماً زعافاً ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم أيها الإخوة: قال علماء الأصول والقواعد الفقهية وعلماء الشريعة: إن لولي الأمر أن يلزم الأمة بطرفي المباح، أي: حينما توجد مسألة ويوجد لها وجهان وكلا الوجهين يفيدان الجواز والإباحة، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع هذا وأن يلزم الأمة بهذا لمصلحةٍ تجمع شمل الأمة على منهجٍ واحد، ونظامٍ واحد، وطريقٍ واحد، فلولي الأمر أن يلزم الأمة بواحدٍ من طرفي المباح، حينئذٍ لا نفتح عقولنا لفقه الجرائد وفقه المجلات وفقه الزوايا، وفقه القصاصات، وإنما الفقه عند أهله، وإنما العلم عند أهله.
تبقى الأمور بأهل الخير ما صلحت وإن تسوء فبالأشرار تنقاد
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
أن يصبح أمر الشريعة وأمر الدين يتكلم فيه من يتخصص في السيا
стр. 1242
حكم العمل بالأحاديث الضعيفة والمنسوخة
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى وتمسكوا بسبب عزكم وأمنكم ورخائكم وثرائكم وطمأنينتكم وسعادتكم، تمسكوا بالإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ في الدين ضلالة؛ وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة: هناك أمور في دين الإسلام دلت عليها النصوص من القرآن والسنة؛ فلا خلاف فيها أبداً، وأمورٌ دلت عليها نصوصٌ من السنة والقرآن ووردت نصوصٌ لم تثبت أو هي في حكم الضعيفة أو في حكم المنسوخة لا يجوز العمل بها، وإنما يجب العمل بما ثبت وبما صح وبما هو راجح، وأمورٌ في أمور الناس لم يشهد الشارع لها باعتبارٍ لها ولا بإلغاء، فهي عامة لم يرد فيها أمرٌ ولا نهي، وهي التي تسمى بالمصالح المرسلة، فحينئذٍ يجوز للناس أن يجتهدوا في أمور المصالح المرسلة بما يخدم مصالحهم، والمصلحة عند من يرى جواز الاستدلال بها دليلٌ حيثما وجدت، فإذا كانت المصلحة في ذلك الزمن مفسدةٌ في هذا الزمن فلا يجوز الاستدلال بالمصلحة، ولذلك ربط أهل العلم لما قالوا: إن مما يجوز الاستدلال به المصالح المرسلة في أمورٍ ليس فيها دليلٌ من القرآن والسنة، قالوا: ومن الذي يقرر في المصلحة؟ يقررها علماء الإسلام فهم الذين يقولون: في هذا مصلحة وليس في هذا مصلحة، أو في هذه نفعٌ وفي هذا مفسدة، فحينما نقول: إن الشريعة جاءت بأمورٍ والاختلاف فيها واسع ولولا الخلاف لما رأينا هذا الفقه بهذه الدرجة وهذه المنزلة وبهذا نكذب على عقول الناس، وبهذا نخدع شبابنا، ونخدع طلاب جامعاتنا، ونخدع رجالنا، ونخدع أمتنا، فنقول لهم: إنا نتكلم معهم بمنطق الدين والشريعة، ولكنا في الحقيقة نحادثهم بمنطق الخداع والعبث على الدين والشريعة، ينبغي أن ننتبه لذلك، فإذا كانت الأمور قطعية الدلالة، قطعية الثبوت، فحينئذٍ لا مساغ للخلاف فيها، وحينما تكون الأمور ظنية الدلالة أو الثبوت، ولكن رجحت أو جاء ما يرجح دلالتها وثبوتها فإنها تعتبر ديناً ندين الله به، وعملاً نتعبد الله به، ونستبعد ما سواها حتى لا يقول قائل: الربا في القرآن محرم، ولكن يقول الدكتور الفلاني: يجوز التعامل بالربا بهذه الصيغة وبهذه الطريقة؛ لأن هناك دليلاً نقول: حتى وإن جاء دليلٌ فقد يكون موضوعاً أو منسوخاً بالذات مسألة الربا كل دلالاتها واضحةٌ قطعيةٌ بفضل الله جل وعلا.
أو مسائل أخرى حينما يأتي من يقول: يجوز للمرأة أن تتبرج أو أن تخرج أو أن تكشف إلى آخره ويستدل بدليل ويأتي الآخر بدليل، نقول: حتى ولو جئت بدليل فإذا كان دليلك منسوخاً أو إذا كان دليلك مرجوحاً أو إذا كان دليلك ضعيفاً وهذا دليلٌ مرفوعٌ صحيحٌ راجحٌ ثابتٌ وأجمعت عليه الأمة، فما الذي يجعلني أترك ما أجمعت عليه الأمة وهو الصحيح الثابت الراجح وأنتقل إلى المرجوح والضعيف رغبةً في تقليد الغرب ومحاكاة أهل الحضارة الغربية.
لا.
أيها الحبيب: ينبغي أن نكون على مستوى العقل، فخذوا مني نصيحة: إن هذا الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لا تقبل الكلام في أمور الدين إلا من عالمٍ قد وثق بعلمه، وحصلت الطمأنينة إلى تقواه وعبادته، إلى عالمٍ لا تجره الدنيا ويطرده حرمانها، خذوا النصيحة من عالمٍ من العلماء الأجلاء، وهل على هذه البسيطة فيما أعلم أجل وأكرم وأعلم وأتقى وأخوف بالله ولله من سماحة الشيخ ابن باز، وعددٍ من العلماء حوله في هذه البلاد المباركة، أنا لا أقول أن علماء العالم في مصر أو في سوريا أو في أي مكانٍ من الأماكن أنهم فساق أو فجار، أو من لم يكن سعودياً فليس بعالمٍ، لا.
لكن فيما عرفت وعلمت وعرفنا واطمأننا إلى أن هذا العالم وعددٌ من العلماء فيهم خيرٌ وبركة، أولئك الذين نطمئن إلى دينهم وتقواهم فليكونوا مرجعنا فيما تحدث فيه الزوبعة والبلبلة بسبب تشويش من لا علم له ولا خلاق له، هذه نصيحة إن الدين تسألون عنه أمام الله جل وعلا، وأما طاعة فلان أو القناعة بصوت فلان أو برأي فلان، فذلك إن لم تحاسبوا عليه أو تعذبوا عليه فلن يكون سبباً في دخولكم الجنة أو نجاتكم من النار، إن الأمر دين وإن الأمر أمرٌ تموت عليه، ويكون معك في القبر وتبعث به وتحاسب عليه، وبه تدخل الجنة أو النار فلا نتهاون بأمر الدين في حالٍ من الأحوال.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم دمر أعداء الدين اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، اللهم من أراد بالأمة خلافاً وفرقة وشتاتاً وفزعا اللهم أفزعه في قلبه، اللهم آته الجنون والمس في عقله، اللهم من أراد بالأمة فتنة فلا تقم له راية، اللهم ترفع له راية، اللهم من أراد بالأمة فتنة فأرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم من أراد أن توجه هذه الأمة على غير وحيٍ من كتابك وسنة نبيك اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، وافضحه على رءوس الخلائق، وعجل خزيه وعاره وفضيحته ومصيبته بين الخلائق أجمعين، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهدهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم أصلح ذات بينهم واجمع قلوبهم، اللهم لا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك، واجمع شملنا وإياهم على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم اجعلنا ممن قال فيهم نبيك: (خير أئمتكم الذين تدعون لهم ويدعون لكم) اللهم اجعلنا من أولئك يا رب العالمين، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا ميتاً إلا رحمته ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم توفنا على الإسلام سعداء واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم توفنا راكعين ساجدين، اللهم اقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، اللهم اجعل خير أيامنا يوم نلقاك، واجعل خير أعمالنا خواتمها، اللهم لا تقبضنا على خزيٍ ولا فاحشةٍ ولا معصيةٍ ولا في سبيل معصية يا رب العالمين يا أرحم الراحمين، اللهم خذ بأيدينا، وخل بيننا وبين ما يسخطك، اللهم خذ بأيدينا إلى ما يرضيك، اللهم حبب إلينا شرعك وبغض إلينا معصيتك، وبارك لنا فيما أبحت يا رب العالمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم اجمعنا بهم في جنتك، وفي دار كرامتك، في دارٍ لا يزول نعيمها ولا يتفرق أحبابها، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً فجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفلسطين والفليبين وأرتيريا، وفي كل مكان، اللهم انصر المجاهدين واجمع شملهم ورصاصهم ووحد صفوفهم، واجمع قادتهم وأقم دولتهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم أغثنا، اللهم إن ذنوبنا كثيرة وعفوك أكثر، وإن معاصينا كبيرة ورحمتك أكبر، اللهم لا تمنع عنا الغيث بذنوبنا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سحاً طبقاً نافعاً مجللاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، نستغفرك اللهم ونتوب إليك، اللهم اغفر لنا وأجب دعاءنا واسقنا وأغثنا.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1243
الخوف والرجاء
إن تساهل العبد بذنبه مما يدل على عدم خوفه وخشيته من ربه، وإغراقه في الرجاء يدل على الأماني الكاذبة والأحلام الزائغة التي لا تجدي، وهو خلاف هدي النبي ﷺ وصحابته، ولابد للعبد أن يعيش في هذه الدنيا -كما قال ابن القيم- كالطائر: يعيش بجناح للرجاء وآخر للخوف ورأس هذا الطائر المحبة.
стр. 1244
خوف عباد الله الصالحين
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن حسن الظن والرجاء بمغفرة الله ومثوبته ينبغي أن يكون لعبد أخلص النية وأحسن العمل واجتهد في العبادة، أما العصاة المصرون على الذنوب والمستهترون بفعلها والمقيمون على الفواحش، فأي عمل صالح يرجونه ويحسنون الظن به، فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
أيها الأحبة في الله: إن كثيراً من أبنائنا، إن كثيراً من شبابنا، إن بعض المسلمين -هداهم الله- ليتساهلون بالذنوب والمعاصي إلى حد الإصرار المقيم والعمل المديم على المعاصي والفواحش والسيئات، دون تفكير أن يتوبوا أو يقلعوا أو أن ينيبوا إلى الله منها، فأولئك لو حادثت بعضهم وهو مصر مقيم على معصية الله قال: إني أحسن الظن بالله.
والله لو أحسن الظن لأحسن العمل.
стр. 1245
خوف النبي ﷺ من ربه
إن المقيم على الذنب والمصر على المعصية لفي أشد الحاجة إلى ما يخوفه ويزجره عن التمادي، ويردعه عن الوقوع في الغفلة والشهوات المحرمة، ومن خاف ربه وخشي الله حق خشيته ما تجرأ على معصيته، ولذلك كان النبي ﷺ وهو أشد الأمة خشية لربه يقول: (أنا أعرفكم بالله، وأشدكم خشية له) ويقول : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فمن كملت معرفته بربه ظهر خوفه من الله، وأثَّر ذلك على قلبه، ثم انعكس على جوارحه بكفها عن المعاصي، وإلزامها بالطاعات، تكفيراً لما سلف واستعداداً لما سيأتي.
قال ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة) ولكن اعلموا يا عباد الله! أن البكاء وحده ليس دليلاً على الخوف من الله، لكن حقيقة الخوف ترك العبد ما حرم ربه مع قدرته عليه، وإذا بلغ الخوف بالمؤمن هذه الدرجة انقمعت شهوته، وتكدرت لذته، فتصير المعصية المحبوبة للنفس مكروهة يبغضها القلب، وتكف عنها الجوارح، وكلما تمكن الخوف من الله في قلب المؤمن زادت مراقبة العبد ومحاسبته لنفسه.
عباد الله! إن كثيراً من المسلمين لا يخافون الله حق خوفه، ولا يخشونه حق خشيته، أيغرهم إمهاله لهم؟ أم يظنون أن الله غافل عما يعملون سبحانه جل شأنه؟ وبعضهم إذا وقع في معصية ولم تصبه عقوبتها، ولم ير أثرها في الحال؛ يظن أن المعصية بعد ذلك لا تضره، وهو بفعله هذا على حد قول القائل:
إذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار
وقد نسي ذلك المسكين أن بعض الذنوب -ولا حول ولا قوة إلا بالله- مما لا يرى العبد أثره وشؤمه إلا بعد عشر سنين أو عشرين سنة أو أربعين سنة، ترى بعضاً منهم لا يخشى ولا يخاف عاقبة السيئة وما اقترف من الخطيئة، والبعض يتقلب في لهوه وغفلته كأنما ضمنت له الجنة وقدمت بين يديه الرحمة والمغفرة، فأين هو من جيل الصحابة الراشدين والسلف الصالحين الذين بلغوا أعلى مراتب الخوف والخشية من ربهم؛ وما ذاك إلا لكمال معرفتهم بخالقهم.
معاشر المؤمنين: تأملوا كتاب الله تروا كيف كان الملائكة المقربون الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، كيف كانوا يخافون من الله، كيف كانوا يخافون من خالقهم، يقول الله جل وعلا في وصفهم: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠].
أما نبينا ﷺ وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، تقول عائشة ﵂: (ما رأيت رسول الله ﷺ قط مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً وريحاً عرف ذلك في وجهه، فقلت: يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه مطر، وأراك إذا رأيته عرفت الكراهة في وجهك! فقال: يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا) أخرجاه في الصحيحين.
وكان ﷺ يقول: (أما والله لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تندبون أنفسكم وتجأرون إلى الله).
стр. 1246
خوف الصحابة الراشدين من ربهم
أما الصحابة رضوان الله عليهم وفيهم من شهد له الرسول بالجنة، وهم بالجملة من أثنى الله عليهم في كتابه؛ فخوفهم من جلال ربهم عظيم، لقد كان أبو بكر الصديق ﵁ يقول: [يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل] وكان ﵁ يقول: [وددت أن أقدم على الله يوم القيامة لا لي ولا علي].
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسأل حذيفة أمين سر رسول الله ﷺ : (هل عدني رسول الله ﷺ من المنافقين) وكان ﵁ يسمع الآية فيمرض فيعاد أياماً، وقرأ ذات يوم في صلاة الفجر: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر:٨] فبكى ونشج نشيجاً عجيباً فعاده الصحابة أياماً في بيته من شدة ما أصابه من خشية الله وخوفه، وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وكان أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁ يقول: [وددت أن كنت كبشاً فذبحني أهلي فأكلوا لحمي وحسوا مرقي] وقال عمران بن حصين: [يا ليتني كنت رماداً تذروه الرياح].
ويقول علي بن أبي طالب: [والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعز، قد باتوا لله سجداً وقياماً يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، إذا طال القيام سجدوا، وإذا طال السجود قاموا، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين].
стр. 1247
خوف التابعين من ربهم
أما التابعون لهم بإحسان والسلف الصالح فلهم من خشية الله وخوف عقابه ما تهتز لذكره القلوب والأفئدة، كان عمر بن عبد العزيز ﵁ إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير، ويبكي حتى تجري دموعه على لحيته، وبكى ليلة فأبكى أهل الدار معه، فلما تجلت العبرة عنه قالت زوجه فاطمة: [بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين! مم بكيت؟ فقال عمر: ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه].
والحسن البصري ﵁ بكى بكاءً شديداً وسألوه فتلى عليهم قول الله جل وعلا: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ [الجاثية:٣٣] وتلى أيضاً: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
فهذا خوف الملائكة وذلك خوف الأنبياء، وذاك خوف الصحابة والتابعين، ومنهم المعصوم، ومنهم من شهد له بالجنة فنحن أجدر وأولى بالقول منهم، فاخشوا الله حق خشيته، وتذكروا سطوته وأليم عقابه، واصحبوا -يا عباد الله- من يخوفونكم حتى تأمنوا، ولا تصحبوا من يؤمنونكم حتى تخافوا.
معاشر المؤمنين: إن منزلة الخوف من الله جل وعلا قد تقهقرت في النفوس، وتراجعت في الأفئدة إلى حد عجيب جداً، ترى كثيراً من الناس يدفنون موتاهم بأيديهم ثم يخرجون من أبواب المقابر ضاحكين! وترى كثيراً من الناس يرون ما حل بالخلائق حولهم وتراهم في أكلهم وشربهم لاهين غافلين أفأمنوا مكر الله؟ أفأمنوا عقوبة الله؟ أفأمنوا سخط الله؟ إن أمة من الأمم التي سلفت قد عذبت بذنب واحد من الذنوب، فكيف بهذه الأمة التي فيها أناس قد استجمعوا ذنوباً عظيمة، استجمعوا أكل الربا والسكوت على المنكرات، وبيع آلات اللهو والطرب، والتجارة بإفساد العقول والأفئدة، والتهاون بخروج المحارم، والسكوت عن كلمة الحق، وأمور كثيرة نسأل الله جل وعلا ألا يعذبنا بذنوبنا، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1248
المؤمن يعيش بين الخوف والرجاء
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة: اعلموا أن المؤمن كما أن خوفه من الله عظيم فله رجاء بالله كبير، فالرجاء والخوف جناحان يطير بهما -عباد الله- إلى منازل الخلود والنعيم في الآخرة، والرجاء هو اطمئنان وراحة في انتظار ما يحبه العبد ويشتاق إليه مع قيام العبد بتحصيل أسبابه، والمعنى: أن المؤمن يرجو النعيم في قبره والأمن في محشره، والجنة داراً مقيماً له برحمة ربه، مع بذله أسباب الفوز والفلاح وفعل ما يرضي الله وتجنب ما يسخطه؛ لأن الرجاء مرتبط بالعمل، أما الرجاء الذي لا يصحبه عمل صالح ولا يقترن به عبادة مخلصة فهو تمنٍ مجرد، وما ظنكم معاشر المؤمنين برجل يقول: أرجو أن يوهب لي ولد صالح ولم يتزوج، أو يقول: أرجو أن تنبت هذه الأرض عنباً ورماناً وهو لم يحرثها ولم يبذرها ولم يبذل أي سبب في إصلاحها، فلا شك أنكم تقولون: هذا مجنون لا عقل له.
إذاً: فما تقولون في رجالٍ لا يشهدون الصلاة مع الجماعة، غافلون عن ذكر بهم وعبادة خالقهم، في ملهاة الغناء والطرب والمعاصي واللهو، منشغلون بذلك عن كل خير ومعروف، مجترءون بذلك على حدود الله ومحرماته، ثم إذا كلمهم واحد منكم وقال لأحدهم: أي عمل قدمت بين يديك؟ فرد عليه قائلاً: إني أرجو الجنة وأرجو رحمة ربي، وهو مصر على المعصية مقيم على الفاحشة، فهل يسمى قوله هذا رجاءً؟ لا والله، بل هذا هو التمني رأس أموال المفاليس الذي يصدر من العاجزين، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، ورحم الله القائل:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تمشي على اليبس
وعلى ذلك فالرجاء الصادق ينطبق على انتظار الجزاء والثواب بعد تمهيد أسبابه المرتبطة بفعل الطاعة وتجنب المعصية، وبعد ذلك ينتظر العبد التوفيق والهداية والقبول من الله ، لقد ذم الله جل شأنه أقواماً هذا شأنهم، أقواماً يرجون بلا عمل فقال : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩] وقال سبحانه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٦].
وتأملوا قول الله جل شأنه في وصف عباده الراجين رحمته بصدق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨] فجعل الرجاء بعد الإيمان وبعد الهجرة والجهاد.
واعلموا -يا عباد الله- أن الرجاء محمود ومطلوب من العبد؛ بأنه باعث على العمل ومعين على تحسينه، بخلاف اليأس الذي هو مذموم وصارف عن العمل.
عباد الله! ينبغي لكل مسلم أن يحسن العمل والرجاء والظن، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله : أنا عند ظن عبدي بي -وفي رواية- فليظن بي ما شاء) وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله).
стр. 1249
سعة رحمة الله ومغفرته للذنوب
اعلموا -يا عباد الله- أن العبد المذنب إذا تاب وأقلع عن الذنوب والمعاصي فإنه يكون بأمس الحاجة إلى رجاء رحمة ربه وعفوه وغفرانه، إذ أن بعض العصاة والمذنبين يردهم اليأس والقنوط عن التوبة والإنابة، ولا شك أن هذا من كيد الشيطان ووسوسته.
حينما يأتي الشيطان إلى العبد فيقول له: أذنبت وعصيت وفعلت ما حرم الله عليه فأنى لك بالتوبة؟! وكيف تدرك التوبة وقد فعلت ما فعلت وجنيت ما جنيت؟! ولا يزال الشيطان بالعبد يجعله يائساً من رحمة الله، ويقنطه من مغفرة ربه حتى يصل به إلى اليأس والقنوط، بل إن بعضهم قد يصل به الأمر مع الشيطان أن يقول له: اكفر بالله ثم أسلم لأن الإسلام يجب ما قبله ويمحو ما قبله.
ومن يضمن للعبد المسكين أن يعيش بعد كفره إلى أن يجدد إسلامه؟ وليس للعبد في هذه المرحلة وفي هذه المعركة الرهيبة مع الشيطان إلا أن يجدد رجاءه وعزمه بالله.
وعلى ذلك فالواجب على كل مسلم مهما كبرت ذنوبه ومعاصيه أن يتوب إلى الله توبة صادقة نصوحاً، ثم يكثر من الحسنات الماحية للسيئات، ثم يعظم رجاءه بربه ويحسن ظنه بخالقه، وليتذكر قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] وقول الله أيضاً: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد:٦] وقول الله جل وعلا: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢] وقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وقول الله أيضاً: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] وقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على سعة الله ومغفرته لعباده التائبين الأوابين المقلعين عن الذنوب، النادمين على ما سلف، الكارهين أن يعدوا إلى المعصية كما يكره المرء أن يقذف في النار.
وتذكروا قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: قال ﷺ : (سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل أحدٌ الجنة عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي صلى الله علي وسلم قال: (يقول الله يوم القيامة: يا آدم! قم فابعث بعث النار، فيقول: لبيك وسعديك والخير بين يديك، يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ يشيب المولود، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم وقالوا: يا رسول الله! وأيَّنا ذلك الواحد؟ فقال ﷺ : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، فقال الناس: الله أكبر! فقال النبي ﷺ : والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، والله إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبر الناس فقال ﷺ : ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض).
وقال ابن مسعود ﵁: [ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر].
وفي السيرة في قصة سبي هوازن أن امرأة جاءت تسعى بين السعي فوجدت وليداً لها فأخذته فضمته إلى صدرها، ثم ألقمته ثديها والنبي ﷺ ينظر، والصحابة ينظرون فقال ﷺ : (أتظنون أن هذه تلقي بولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال النبي ﷺ : لله أرحم بعبده من هذه بولدها).
وفي الحديث (إن الله جل وعلا خلق مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة في الأرض؛ فبها يتراحم الناس والوحش والسباع والطير والبهائم، وادخر تسعاً وتسعين رحمةً لعباده يوم القيامة) فأقبلوا على الله -يا عباد الله- وأبشروا بمغفرة الله إن صدقتم العدل والعهد والوعد مع الله، أقبلوا إلى الله وجددوا التوبة واستغفروا الله كثيراً، أنيبوا إلى ربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له، بادروا إلى الأوبة قبل أن تبلغ الروح الحلقوم.
стр. 1250
التوبة التوبة ياشباب !
عودوا إلى الله يا شباب الإسلام! يا شباباً سلف منه ما سلف! يا شباباً مضى منه ما مضى! يا شباباً فعل في سفره ما فعل! يا شباباً اجترح في خلوته ما اجترح! أبشر بقول الله في آياته: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] فأنيبوا إلى الله، ربكم رحيم غني كريم، وهو غني عنكم يتودد إليكم يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] إن رحمة الله لا يستعصي عليها ذنب، ولا تعجزها معصية، فأين العبد التائب؟ وأين العبد الأواب؟ أين العبد البكاء على خطيئته؟ أين العبد الأواه المنيب؟ عودوا إلى الله يا شباب الإسلام! إن طريق الإسلام كله سعادة ولذة وراحة وطمأنينة، إن الاستقامة إن الالتزام إن الارتباط بالصالحين إن حسن العلاقة بالطيبين الصالحين من أسهل الأمور وأهونها، ومن أعظم الأسباب الميسرة للحياة السعيدة خلافاً لحياة المعصية والفواحش والآثام والكبائر فكلها قلق ونكد وحسرة.
إن أهنا عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل
فيا شباب الإسلام، ويا أمة الإسلام! عودوا إلى الله الذي هو غني عنكم ويتودد إليكم، ويتقرب إليكم، يقول الله جل وعلا: (إذا تقرب إلي عبدي باعاً تقربت إليه ذراعاً، وإن أتاني العبد يمشي أتيته هرولة، وإن لقيني لا يشرك بي شيئاً بقراب الأرض خطايا لقيته بقرابها مغفرة) ذلك فيما سلف والله يعفو عنه، ذلك فيما مضى والله يتجاوز عنه، فعاهدوا الله من هذا المكان، في هذه الساعة، في هذه اللحظة، عاهدوا الله جل وعلا على ترك الذنوب وترك الإصرار على المعصية فإن الله غفور رحيم.
وهنيئاً لعبد تاب إلى الله، في الحديث أن الله جل وعلا يدني عبداً من عباده يوم القيامة، والخلائق في الحشر واقفون، والناس ينظرون فيدنيه الله جل وعلا، ثم يكشف له سجله يقول الله: عبدي أتذكر ذنب كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: إي يا ربي والله أذكر.
فيقول: إي عبدي أتذكر كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: إي يا ربي والله أذكر.
فيقول: أي عبدي أتذكر ذنب كذا في مكان كذا في يوم كذا؟ فيقول: أي والله أذكر.
فيقول الله جل وعلا لعبد -تغمده الله برحمته وأدركته التوبة-: يا عبدي! إن غفرتها لك وجعلتها حسنات.
فيقول العبد: يا رب! إن لي ذنوباً ما رأيتها، أين هي؟ طمع العبد أن يراها حتى تجعل مع حسناته، وحتى تقلب من سيئات إلى حسنات، عند ذلك ضحك النبي ﷺ ، أو كما جاء في الحديث.
فيا عباد الله: توبوا إلى الله، إن الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) الجنة قريبة إليكم يا عباد الله، الجنة سهلة ميسرة.
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ ـخطاب عنك وهم ذوو إيمان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد بين الأراذل سفلة الحيوان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنان
فكونوا من خطاب ما عند الله، كونوا من أهل الشراء للجنة، كونوا ممن ينالون سلعة الله (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) وثمنها التوبة والإنابة والإقلاع والاستغفار وكثرة المداومة على الصالحات، والبعد عن السيئات بعد فعل الواجبات وترك المحرمات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ [الكهف:٥٨].
أسأل الله العلي العظيم أن يمنَّ عليَّ وعليكم بالتوبة الصادقة النصوح.
اللهم اهد شبابنا وردهم إلى الحق رداً جميلاً، اللهم أصلح أفئدتهم واهد قلوبهم، واحفظ جوارحهم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم احفظ إمام المسلمين، وارفع اللهم إمام المسلمين، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين! اللهم لا تفرح علينا ولا عليهم عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم اقمع أعداء دينك أعداء الدين، اللهم ثبتنا على ما يرضيك إلى أن نلقاك، اللهم جنبنا أسباب سخطك، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
стр. 1251
الدجال
يقول النبي ﷺ : (ما من نبي إلا وأنذر أمته الدجال) ومن تأمل هذا الحديث علم عظم الخطر الذي جعل أنبياء الله ورسله يحذرون أممهم هذا الخطر الداهم رغم بعده عنهم، فمن باب أولى أن نحذره نحن؛ لما نراه من ازدياد الفتن في هذا الزمن مما ينذر بخروجه، ومن يدري؟! فالله على كل شيء قدير.
وقد ذكر الشيخ هنا شيئاً من صفاته وصفة خروجه وفتنته للناس وكيفية العصمة منه.
стр. 1252
سبب الحديث عن فتنة الدجال
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وهو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، وتفضل علينا بسائر النعم، ودفع عنا الكثير من النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ولم يعلم طريق خيرٍ إلا دل أمته عليه، ولم يعلم سبيل شرٍ إلا حذرها منه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى عملاً بقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
عباد الله: اعلموا أن المصطفى ﷺ أخبر عن أماراتٍ وعلاماتٍ تظهر في أمته في آخر الزمان، وبيَّن أنها بابٌ من أبواب الفتن التي حذَّر منها، ونهى عن الوقوع والولوغ فيها، وأخبرنا بها لنأخذ الحيطة والحذر، ولكن أكثر الناس عن التذكرة معرضون، وفي جهلهم وغفلاتهم يعمهون.
عباد الله: إن مما يدل على جهل الكثيرٍ من الناس وغفلتهم في هذا الزمان، أن النبي ﷺ حذر من الكثير من الفتن، ومع ذلك ترى الكثير من العباد واقعين فيها، وإن من الفتن التي جاءت فيما ثبت عنه ﷺ فتنة المسيح الدجال، نسأل الله أن يقبض أرواحنا إليه على الشهادة والسعادة قبل تلك الفتنة، أو أن يثبتنا على دينه إن مرت بنا.
وفتنة المسيح الدجال يا عباد الله! من أعظم الفتن التي سيمتحن بها المسلمون والمؤمنون، وقبل أن نخوض في الحديث عنها أحب أن أقف وقفة لسائلٍ أو قائلٍ أو متعجبٍ بقوله: ما الداعي لهذا الكلام حول الدجال وأمره من الفتن التي لم تقع بعد؟ والجواب على هذا يا عباد الله! واضحٌ فيما يدركه كل واحدٍ منكم في انتشار الفتن التي أخبر عنها النبي ﷺ وحذَّر منها، ومع ذلك فالكثير منا فيها واقعٌ إلا من رحم ربك وقليلٌ ما هم، لقد حذَّر النبي ﷺ من فتنة الدنيا وزهرتها، والتهافت عليها، وبيَّن فناءها وزوالها، ومع ذلك تكالب الكثير عليها يجرون لاهثين، وحذَّر ﷺ من فشو آلات اللهو والطرب والغناء، ومع ذلك لا تجد إلا القليل النادر ممن يسلم منها، وحذَّر من تفشي الجهل وانقراض العلم، ومع ذلك نرى الإغراق في الضلالات والبدع والجهالات، ونرى البعد عن العلم والعلماء ومجالستهم، نرى النبي ﷺ حذَّر من الربا وبيَّن أنه ممحقٌ للبركة، ولعنةٌ على آكله وموكله وكاتبه وشاهديه، ومع ذلك ترى الكثير من الناس وقعوا فيه صراحةً أو حيلة يحتالون عليه، فالحاصل أن وقوع الفتن وتفشيها بين الناس من دون علمٍ بها أو استعدادٍ للبعد عنها مظنةٌ للوقوع فيها، والاصطلاء بنارها، فيكونون كما قال القائل:
آتاني هواه قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
فإذا كان ﷺ بيَّن هذه الفتن، وحذَّر منها، ومع ذلك اغتر الناس ببريقها وزخرفها وركضوا وراءها، فلا غرابة أن يتبع غوغاء الناس وجهالتهم المسيح الدجال بفتنته، ولا غرابة أن يصدقوه لما يرون معه من الفتن والمعجزات التي امتحن الله عباده المؤمنين بها.
стр. 1253
ذكر الأحاديث الواردة في الدجال
اسمعوا إلى هذا الحديث وأنصتوا له.
стр. 1254
نزول الدجال إلى الأرض وفتنته فيها
روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من خلق آدم إلى قيام الساعة أمراً أكبر من الدجال) وفي زمنه ﷺ قبل ألف وأربعمائة سنة كان يخبر أصحابه عن الدجال ويحذرهم منه، جاء في الحديث (أنه ﷺ ذكر الدجال ذات غداة فرفع فيه وخفض حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما عرف ﷺ ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداةً فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم) -اللهم صلٍّ على نبينا محمد، اللهم صلِّ على إمامنا وحبيبنا وقدوتنا محمد، اللهم ابعثه المقام المحمود والوسيلة والدرجة العالية الرفيعة لمحبته لأمته ﷺ (قال: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شابٌ قطط عينه طافئة كأني أشبهه بـ عبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنه خارجٌ خُلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله! اثبتوا، قلنا: يا رسول الله! فما لبثه في الأرض؟ قال: أربعين يوماً، يومٌ كسنةٍ ويومٌ كشهرٍ ويومٌ كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله!) وانظروا حرص الصحابة على الصلاة حتى في زمان الفتن إن مرت بهم (أرأيت ذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: لا.
اقدروا له قدره، قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ -ما إسراع الدجال في الأرض؟ - قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم ويؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم -أي: أغنامهم- أطول ما كانت براً وأشبعه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي الدجال القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيءٌ من أموالهم، ويمر بالخِربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه تقطر منه وإذا رفعه تحدر منه جمان اللؤلؤ، فلا يحل لكافرٍ يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله من الدجال فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة) هذا حديثٌ صحيحٌ رواه مسلم.
стр. 1255
حديث الجساسة
وجاء عنه ﷺ في سياق إخباره عن وجود المسيح الدجال في حديث الجساسة الطويل الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه ﵀، وفي الحديث: (أن قوماً ركبوا البحر فلعب بهم الموج شهراً إلى أن رماهم إلى جزيرةٍ وسط البحر فدخلوها، فإذا بدابةٍ ذكر من خبرها ما ذكر، قالت: أنا الجساسة، قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدِّير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً، وفي بعض الروايات: أنهم دخلوا عليه فوجدوه مكبلاً بالحديد من رأسه إلى قدميه، ومما دار بينهم وبينه قوله: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب) انظروا إلى هذا السؤال من قديم وإلى يومنا هذا وإنه لموشك الحدث والوقوع (قال: أقاتلته العرب؟ قلنا: نعم.
قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه ظهر عليهم وعلى من يليهم من العرب، وأطاعوه، فقال: قد كان لهم ذلك، قلنا: نعم.
قال: إن ذلك خيرٌ لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم أنا المسيح الدجال، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قريةً إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة -أي: المدينة - فهما محرمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدةً منهما، استقبلني ملكٌ بيده السيف مصلتاً يصدني عنها) وهذا صحيحٌ أيضاً رواه مسلم.
стр. 1256
بعض شبهات الدجال
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال ﷺ : (يأتي الدجال وهو محرمٌ عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباغ فيخرج إليه رجلٌ هو خير الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدَّثنا عنك رسول الله ﷺ ، فيأمر الدجال به فيشبح، أي يربط في يديه ورجليه على خشبة، فيقول الدجال: خذوه واشبحوه فيوسع ظهره وبطنه ضرباً، فيقول: أما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب، فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرق رأسه إلى قدمه، ثم يمشي الدجال بين قطعتيه، فيقول له: قم، فيستوي قائماً، ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة، ثم يقول: أيها الناس! إنه لا يفعل بعده بأحدٍ من الناس ليذبحه، فيُجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس فلا يستطيع إليه سبيلاً، فيأخذه بيديه ورجليه، فيقذف به يحسب الناس إنما قذفه في النار، وإنما ألقي في الجنة) هذا أعظم الشهداء عند رب العالمين.
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (الدجال أعور العين اليسرى جفال الشعر، معه جنةٌ ونار، فناره جنةٌ وجنته نار) رواه البخاري ومسلم.
وروى أبو داود ﵀ عن النبي ﷺ قوله: (من سمع الدجال فلينأ عنه -فليبتعد عنه- فوالله إن الرجل ليأتيه ويحسب أنه مؤمنٌ فيتبعه بما بعث به من الشبهات).
وقال ﷺ : (تعلمون أنه ليس يرى أحدٌ منكم ربه حتى يموت، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عمله) أي: من كره عمل الدجال، رواه البخاري ومسلم.
ومن الجميل -يا عباد الله- أن تعلموا أن أول زمرةٍ كبيرة عظيمة تتبع الدجال إنما هم اليهود عليهم من الله ما يستحقون، وقال ﷺ في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد: (لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على منابر).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ يمتعكم متاعاً حسناً، ويرسل السماء عليكم مدراراً.
стр. 1257
كيفية العصمة من الدجال
الحمد لله الواحد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، بشريعة الإسلام، واستمسكوا وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وأن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
عباد الله: لقد بين نبينا وحبيبنا ﷺ بطلان دعوى الدجال، وصفاته وما معه من الفتن لتحذر الأمة مكره وفتنته، وبيَّن ﷺ أنه لا يستطيع الدخول إلى مكة والمدينة، بل تحول الملائكة دونه في دخولها ويمنعونه.
وعلَّم النبي ﷺ الأمة ما يعصمهم من فتنة الدجال، ومن ذلك الاستعاذة من فتنته، فقد ثبت في الأحاديث الصحاح من غير وجه أنه ﷺ كان يتعوذ من فتنة الدجال في الصلاة، وأنه أمر أمته بذلك أيضاً، فكل واحدٍ يقول في صلاته: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال.
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: الاستعاذة من الدجال متواترةٌ عن رسول الله ﷺ ، ومما يعصم من الدجال بإذن الله حفظ آيات من سورة الكهف، روى أبو داود بسنده إلى أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال) ومن ذلك الابتعاد منه، كما جاء في الحديث السابق، حديث عمران بن حصين: (من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن المؤمن ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه لما يبعث به من الشبهات).
ومما يعصم به من فتنة الدجال سكنى مكة والمدينة فقد شرفهما الله تعالى وأدام حفظهما وصونهما كرامةً وطهراً ومثابةً وأمناً للمسلمين، ورفعةً وسيادةً لولاة أمورنا يا أرحم الراحمين! فهل علمنا معاشر المسلمين كل ما يعصم من الدجال؟ وهل علَّمنا أبناءنا وبناتنا ليعتصموا بذلك من فتنته لو خرج في زمنهم أو زمننا، وأن الأحاديث الواردة في شأنه كثيرةٌ وواضحةٌ في صفاته وسيرته، وقد بسطها الحافظ ابن كثير في كتابه النهاية، أو المسمى بـ الفتن والملاحم.
ولكن الذي يؤسف له معاشر الأحبة! أن نشهد من أنفسنا وآبائنا وأبنائنا غفلةً عميقة عن الدجال وفتنته وما قبله وما بعده من الفتن، وكأن الواحد منا قد أعطي الأمان بأن الموت لا يأتي في عمر الشباب، أو أن الدجال لا يظهر في زمنه، أو غير ذلك من الفتن، فمنذ ثلاثة أعوام أو أكثر إلى زمننا هذا مرت في بلاد المسلمين فتنٌ عظيمة عمت البلوى بها في بلدنا وفي غيرها من البلدان ولا داعي لذكرها، فالكل يعرف، ومع ذلك ما ازداد بعض العالمين إلا بُعداً وجهلاً وضلالاً، نسأل الله لنا ولجميع المسلمين الهداية والتثبيت.
ولو نظر الواحد منا لوجد الكثير تلهج ألسنتهم في الدعاء في كل صلاة، نعوذ بك من عذاب جهنم ومن فتنة القبر ومن فتنة الممات ومن فتنة المسيح الدجال، ولكن كثيراً من الناس أصبح تعوذهم تعوذ عادةٍ لا عبادة، تعودنا أن نتعوذ من فتنته، ولكن لا يخطر ببال الواحد منا تلك الفتن والشبهات والمعجزات التي تظهر بظهوره، وإذا كان بعض المسلمين قد افتتن بزخارف الدنيا وبهرج الحضارة، وانغمس في مهاوى المادة، وكل ذلك أقل وأكثر قلةً من فتنة المسيح الدجال، فكيف الحال إذا خرج ومعه صورة الجنة والنار، ومعه معجزات القطر والجدب، ومعه كنوز الذهب والفضة، فإذا خرجت كنوز الأرض وذهبها وفضتها أترون ذلك الغافل الذي يجري لاهثاً وراء المادة، أترون ذلك الذي يجري وراء الشهوة والثروة والمنصب، أترونه يعصم نفسه من تلك الفتن المظلة؟ والمتأمل في بعض حال المسلمين يجدهم يجرون وراء المشعوذين والمتطببين، اغتراراً بما لديهم، فكيف لو خرج الدجال على هؤلاء؟! اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القبر، ومن عذاب جهنم، وفتنة المسيح الدجال.
معاشر المسلمين: إن هذا لأمرٌ عظيمٌ وخطيرٌ جداً، وإن كثيراً من الناس لفي غفلة عنه، بل والله ولا أبالغ إن قلت: إن بعض الناس لأول مرةٍ يسمع بتفاصيل أمره، وما ذاك إلا بعد وجهل عن العلم ومجالسة أهله، فينبغي لكل مسلمٍ أن يلم بأمور دينه، وأن يتحقق في أمر عقيدته، وما هو عليه من الدين، وأن يحصن نفسه وإسلامه بكل ما يفضي إليه من سبيل؛ لأن الفتن إذا خرجت عمت وعم بلاؤها البعيد والقريب، فنسأل الله جل وعلا أن يعصمنا من ذلك.
اللهم توفنا إليك من غير فتنة ولا خزايا ولا مفتونين، اللهم ردنا إليك مرداً جميلاً، اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم بطانةً صالحة، اللهم جنبهم بطانة السوء، اللهم ما علمت في مسلمٍ خيراً لهم فقربه منهم، وما علمت في نفسٍ منفوسةٍ شراً لهم فأبعدها منهم، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم قنا واكفنا شر الفتن والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد ولاة أمورنا بفتنة وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا ونساءنا بضلالٍ وتبرجٍ وسفور اللهم فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه وأدر عليه دائر السوء برحمتك وقدرتك يا جبار السماوات والأرض! اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى الجنة مصيرنا ومآلنا، اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، برحمتك يا أرحم الراحمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: صاحب نبيك على التحقيق أمير المؤمنين أبي بكرٍ الصديق، وارض اللهم عن الإمام الأواب شهيد المحراب عمر بن الخطاب، وارض اللهم عن مجهز جيش العسرة بأنفس الأثمان عثمان بن عفان، وعن فتى الفتيان ليث بني غالب علي بن أبي طالب، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه التي لا تستطيعون حصرها، وعلى نعمه التي لا تقدرون شكرها يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1258
ابن باز فقيد الإسلام
تكلم الشيخ في هذه المادة عن فضل العلم والعلماء، ثم عرج بذكر وفاة أحد علماء هذه الأمة ألا وهو الشيخ ابن باز، ثم ذكر لمحات من حياته ﵀، وختمها بعزاء ومواساة.
стр. 1259
بيان فضل العلم والعلماء
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
معاشر المؤمنين: إن أعظم شيء حصلته النفوس واكتسبته القلوب هو العلم الشرعي بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، إذ العلم حياة القلوب، وبه تنشرح النفوس، وهو نورٌ وهدى، وحاجة العباد إليه أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب، بل ضرورتهم إلى العلم تفوق كل ضرورة، والعلم -يا عباد الله- تعليمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معلم الحلال والحرام، ومنار سُبل أهل الجنة، هو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل في السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والجليس عند الأخلاء، يرفع الله به أقواماً، فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتفى آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم.
أهل العلم ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، والعلماء يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظُلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلا في الدنيا والآخرة، التذكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به تُوصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء.
يقول في بيان فضله ورفعة قدر أهله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] قال القرطبي: أي في الثواب في الآخرة، وفي الكرامة في الدنيا، فيُرفع المؤمن على من ليس بمؤمن، والعالم على من ليس بعالم.
ويقول تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] وتدبروا يا عباد الله! فإنه لو كان أحدٌ أشرف من العلماء، لقرنه الله باسمه واسم ملائكته ورضي شهادتهم كما قرن اسم العلماء.
يقول العلامة عبد الرحمن بن سعدي عليه رحمة الله: وفي هذه الآية فضيلة العلم والعلماء؛ لأن الله خصهم بالذكر دون البشر، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وجعل شهادتهم من أكبر الأدلة والبراهين على توحيده ودينه وجزائه، وأنه يجب على المكلفين قبول هذه الشهادة العادلة الصادقة، وفي ضِمن ذلك تعديلهم -أي: أنهم عدول- وأن الحق تبعٌ لهم، وأنهم هم الأئمة المتبوعون، وفي هذا من الفضل والشرف وعلو المكانة ما لا يعلم قدره.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] فنفى التسوية بين أهل العلم والعوام، وفي التسوية بين أهل العلم والعوام ظلم وأي ظلم، وفي هذا دلالة على أن للعلماء من الاعتبار بالشرع والمنزلة بين الخلق ما ليس لغيرهم من البشر، وجاءت السنة أن العلماء ورثة الأنبياء، وهم المفضلون بعد الأنبياء على سائر البشر، فعن أبي الدرداء ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواه الإمام أحمد والترمذي.
ولهذا استحق العلماء دعوة النبي ﷺ لهم بقوله: (نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها، ووعاها وأداها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) رواه أبو داود والترمذي، وقد أراد الله بأهل العلم والعلماء خيراً، ففقههم في الدين، وعلمهم الكتاب والحكمة، وصاروا سُرجاً للعباد، ومناراً للبلاد، قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) متفق عليه.
وحاجة البشر إلى العلماء عظيمة.
يقول الإمام أحمد، إمام أهل السنة ﵀: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يُحتاج إليه في اليوم مرةً أو مرتين، والعلم يحتاج إليه في كل وقت.
ويقول الإمام الآجري: فما ظنكم رحمكم الله بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس لابد لهم من السلوك فيه، فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ انطفأت المصابيح، فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ هكذا العلماء في الناس؛ لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يُعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحير الناس، واندرس العلم بموتهم، وطم الجهل.
ولولا العلم لفسد عمل الناس، يقول الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀: [من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح].
إن مثل العالم كمثل الماء والغيث، انتفاع الناس بهم غير محدود بحد، يقول ميمون بن مهران: إن مثل العالم في البلد كمثل عين عذبة، يستقي الناس منها ويشربون.
وقال بعض الحكماء: مثل العلماء مثل الماء حيثما نزلوا نفعوا، وإن نجاة الناس منوطة بوجود العلماء، فإن يقبض العلماء يهلكوا.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) وليس يغني عن وجود العلماء وجود الكتب، حتى ولو كانت كتباً سماويةً، إذ لو أغنت تلك الكتب عن قوم لأغنت عن بني إسرائيل من اليهود والنصارى الذين انحرفوا، فكانوا ضربين في انحرافهم: فمنهم من عبد الله على جهل فكان من الضالين، ومنهم من أعرض عن أوامر الله عن علم فكان من المغضوب عليهم، كل أولئك اليهود والنصارى كانوا أهل كتاب؛ للنصارى الإنجيل، ولليهود التوراة، ولم يغن وجود هذه الكتب عنهم شيئاً عندما لم يكن هناك حَمَلَةٌ لها صادقون في حملها، بعد أن بقوا خُلوفاً غيروا وحرفوا وبدلوا، وكذلك هذه الأمة لن يغني عنها وجود القرآن إذا لم يكن ثمة علماء يحملونه ويبينونه، ويعلمونه ويهدون الناس إليه، إذ لو كان القرآن وحده يكفي من دون علماء ودعاة يبينون، لكفى في هداية البشرية أن تُرسل المصاحف وتراجمها إلى أصقاع الأرض، فيهتدي العباد أجمعين، لكن لابد مع القرآن من علماء وأئمة يهدون ويبينون ويعلمون.
عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (خذوا العلم قبل أن يذهب، قالوا: وكيف يذهب العلم يا رسول الله وفينا كتاب الله؟ قال: فغضب ﷺ ، ثم قال: ثكلتكم أمهاتكم! أولم تكن التوراة والإنجيل في بني إسرائيل فلم يغنيا عنهم شيئاً، إن ذهاب العلم أن يذهب حملته).
فذهاب العلم إذاً إنما هو بذهاب العلماء، وعن ابن عباس ﵄ قال: [أتدرون ما ذهاب العلم؟ قلنا: لا، قال: ذهاب العلماء] وذهاب العلماء معناه هلاك الناس، فعن أبي جناب ﵀ قال: سألت سعيد بن جبير ﵀، قلت: يا أبا عبد الله! ما علامة هلاك الناس؟ قال: إذا هلك علماؤهم.
وليس للناس عوضٌ ألبتة عن العلماء إلا أن يكون لهم عوضٌ عن الشمس والعافية، قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال الإمام أحمد: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف؟ أو منهما من عوض؟!
стр. 1260
وفاة الشيخ ابن باز
لقد علمتم -يا عباد الله- أنه في فجر يوم الخميس الماضي في السابع والعشرين من محرم سنة (١٤٢٠هـ) قضى الله قضاءه بالحق، فألحق بالرفيق الأعلى الشيخ الإمام، حسنة الأيام، شيخ الإسلام، العلامة، الحبر البحر الفهامة، مفيد الطالبين، المحفوف بعناية رب العالمين، ناصر السنة، وقامع البدعة، العالم السلفي النقي، الورع الزاهد الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀.
جاءه الأجل فشق إليه الطريق، وأماط عنه حياطة الشفيق، ولظى عنه طب كل طبيب، فقبض ملك الموت وديعته بالأرض، ثم استودع مسامعنا من ذكره اسماً باقياً، ومحا عن الأبصار من شخصه رسماً فانياً، فالحمد لله بارئ النسمات بما شاء، ومصرفها بما شاء، وقابضها حيث شاء، اللهم هذا عبدك وابن عبدك نشأ في المأمور به من طاعتك، ومات على الحق في عبادتك، وعاش ما بينهما مجاهداً في سبيل دينك، ناطقاً بالحق في مرضاتك، ذاباً بقلمه ولسانه عن كتابك وسنة رسولك.
لقد مات القاضي والمفتي، والداعية والمصلح، والرئيس والإمام والمعلم، والمكرم للضيف، والحنون على الأرامل والأيتام، ومطعم المساكين، والواسطة في الأمور الخيرية.
مات الذي بذكره بعد ذكر الله ونبيه ﷺ تتعطر الأفواه، وبمجالسته تطيب القلوب، وبالأخذ منه تستنير العقول، يقول طلابه: إذا قست قلوبنا جلسنا بين يديه فانجلت تلك القسوة، وزالت تلك الغشاوة، وأحسسنا بروح وإيمان، وقوة في الطاعة والعبادة.
مات الذي أحبه الصغير قبل الكبير.
стр. 1261
لمحات من حياة الشيخ ابن باز
لقد وهب الله الشيخ ابن باز القبول في الأرض، يحبه ويجله القاصي والداني، والصغير والكبير، والمرأة والرجل، والعزيز والوضيع، وغيره.
أهكذا البدر تخفي نوره الحفرُ ويذهب العلم لا عينٌ ولا أثرُ
خبت مصابيحُ كنا نستضيء بها وطوَّحَت للمغيب الأنجم الزهرُ
стр. 1262
اهتمام الشيخ ابن باز بقضايا المسلمين
عرف ﵀ بأنه كان معطاءً يستقبل الوفود، ويقضي حوائجهم ما استطاع، ويراجع مسائلهم.
ذُكر له في بعض المجالس حالة من واقع المجاهدين الأفغان آنذاك، وما يصيبهم من برد وجوع، فأخذت عينه تدمع حتى قام من مجلسه وهو يبكي، وقد عُرض للشيخ ﵀ مرةً في مجلسه أن المسلمين في جنوب الفليبين قد أصابتهم مجزرة على يد السفاح النصراني ماركس صُرع فيها عددٌ من المسلمين على يد الطغاة هناك، فبكى الشيخ بكاءً اهتز من كثرته باكياً كل من حضر مجلسه.
стр. 1263
شجاعة الشيخ ابن باز وصدعه بالحق
إمام يقول الحق ويصدع به، تجلت شجاعته في كثير من المواقف، فبينما هو الرجل السمح السهل القريب الحليم المحب للفقراء سرعان ما ينقلب أسداً لا يرده عن إقامة أمر الله شيء.
стр. 1264
كرم الشيخ ابن باز
أما كرمه فحدث ولا حرج عن ذلك ﵀، بل هو طائي زمانه، لا يمسك قليلاً ولا كثيراً، وربما مرت عليه الأشهر تلو الأشهر يستدين الديون على راتبه لإكرام ضيوفه وقاصديه، وليس يكرم كما يفعل بعض الناس لا يعرف بالإكرام إلا علية القوم، بل كان يكرم الفقراء قبل الأغنياء، والوضعاء قبل الرفعاء، فكرمه عامٌ لكل قاصديه، أما ما نزعمه وندعيه من كرم بعضنا حيث لا يحل موائدنا إلا ذوو المناصب والمراكب والأغنياء والوجهاء، فليس هذا وأيم الله من الكرم، إن الكرم أن تكرم من تعرف ومن لا تعرف، وأن تكرم من ترجو ومن لا ترجو، وأن تكرم الرفيع والوضيع، والغني والفقير.
وفد إليه أحد المجاهدين مرةً من المرات يريد إعانته على حاجة من الحاجات، فما وجد الشيخ ﵀ إلا غرضاً مهماً من أغراضه فباعه، وأعطاه قيمته في سبيل الله ، وكرم الشيخ كرمٌ أصيلٌ لا تكلف فيه ولا تصنع، مائدته لا تخلو من الضيف أبداً، يلتقي عليها الصغير والكبير، والغريب والقريب، حتى لكأنه هو القائل:
إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي
أخا سفرٍ أو جار بيتٍ فإنني أخاف ملمات الحوادث من بعدي
стр. 1265
علم الشيخ ابن باز ودعوته
أمَّا عِلم سماحته ﵀، فقد طار كل مطار في جميع الأمصار دعوته إلى التوحيد، والأخذ بالدليل والبرهان، والتمسك بالحجة، ونبذ التقليد، قد شهد له بذلك كبار علماء عصره حتى قال الإمام العلامة الألباني -متع الله بحياته على طاعته-: قد ملأ بعلمه الدنيا شرقاً وغرباً.
وبالجملة فإن الشيخ ﵀ فريد زمانه، ووحيد عصره وأوانه، إمام في كل شيء؛ في العلم والعمل، والدعوة والصبر، والكرم والأخلاق والتواضع.
لقد كان أُمَّةً في رجل، كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، كان لسانه ﵀ رقيقاً رحيماً رءوفاً بزائريه، دخل عليه ذات يومٍ شابٌ قد امتلأت ملابسه من رائحة الدخان، فتأفف أحد الجالسين من رائحة هذا الشاب، فلما دنا من الشيخ وسلم عليه، همس الشيخ في أذنه بكلمات، وأبدى له شيئاً من النصيحة في رفق ولطف، فشتان بين متأفف وبين ناصح بر رءوف.
كان كلامه دائماً وصية الأمة بالتقوى، والتمسك بالكتاب والسنة، واتباع الدليل والحجة، والنهي عن التقليد، والحرص على الأخلاق الفاضلة، والتأدب بآداب السلف، والحرص على طلب العلم.
نعم أيها الأحبة! ولكم أن تعلموا بمكانة هذا العالم أنه يكفل قرابة ألف داعيةٍ في أنحاء الدنيا؛ منهم الفقير، ومنهم خريج الجامعة الإسلامية، ومنهم طالب العلم، كلهم يمدهم ويعطيهم من ماله، ومما يأتيه من صدقات المحسنين ومعوناتهم حتى بلغت نفقاته على هؤلاء الطلبة والدعاة الفقراء وأسرهم قرابة المليون ريال شهرياً، وهذا كلامٌ محققٌ معلومٌ ومعروفٌ.
следующие страницы →