Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
لمحات من حياة الشيخ ابن باز
لقد وهب الله الشيخ ابن باز القبول في الأرض، يحبه ويجله القاصي والداني، والصغير والكبير، والمرأة والرجل، والعزيز والوضيع، وغيره.
أهكذا البدر تخفي نوره الحفرُ ويذهب العلم لا عينٌ ولا أثرُ
خبت مصابيحُ كنا نستضيء بها وطوَّحَت للمغيب الأنجم الزهرُ
стр. 1262
اهتمام الشيخ ابن باز بقضايا المسلمين
عرف ﵀ بأنه كان معطاءً يستقبل الوفود، ويقضي حوائجهم ما استطاع، ويراجع مسائلهم.
ذُكر له في بعض المجالس حالة من واقع المجاهدين الأفغان آنذاك، وما يصيبهم من برد وجوع، فأخذت عينه تدمع حتى قام من مجلسه وهو يبكي، وقد عُرض للشيخ ﵀ مرةً في مجلسه أن المسلمين في جنوب الفليبين قد أصابتهم مجزرة على يد السفاح النصراني ماركس صُرع فيها عددٌ من المسلمين على يد الطغاة هناك، فبكى الشيخ بكاءً اهتز من كثرته باكياً كل من حضر مجلسه.
стр. 1263
شجاعة الشيخ ابن باز وصدعه بالحق
إمام يقول الحق ويصدع به، تجلت شجاعته في كثير من المواقف، فبينما هو الرجل السمح السهل القريب الحليم المحب للفقراء سرعان ما ينقلب أسداً لا يرده عن إقامة أمر الله شيء.
стр. 1264
كرم الشيخ ابن باز
أما كرمه فحدث ولا حرج عن ذلك ﵀، بل هو طائي زمانه، لا يمسك قليلاً ولا كثيراً، وربما مرت عليه الأشهر تلو الأشهر يستدين الديون على راتبه لإكرام ضيوفه وقاصديه، وليس يكرم كما يفعل بعض الناس لا يعرف بالإكرام إلا علية القوم، بل كان يكرم الفقراء قبل الأغنياء، والوضعاء قبل الرفعاء، فكرمه عامٌ لكل قاصديه، أما ما نزعمه وندعيه من كرم بعضنا حيث لا يحل موائدنا إلا ذوو المناصب والمراكب والأغنياء والوجهاء، فليس هذا وأيم الله من الكرم، إن الكرم أن تكرم من تعرف ومن لا تعرف، وأن تكرم من ترجو ومن لا ترجو، وأن تكرم الرفيع والوضيع، والغني والفقير.
وفد إليه أحد المجاهدين مرةً من المرات يريد إعانته على حاجة من الحاجات، فما وجد الشيخ ﵀ إلا غرضاً مهماً من أغراضه فباعه، وأعطاه قيمته في سبيل الله ، وكرم الشيخ كرمٌ أصيلٌ لا تكلف فيه ولا تصنع، مائدته لا تخلو من الضيف أبداً، يلتقي عليها الصغير والكبير، والغريب والقريب، حتى لكأنه هو القائل:
إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي
أخا سفرٍ أو جار بيتٍ فإنني أخاف ملمات الحوادث من بعدي
стр. 1265
علم الشيخ ابن باز ودعوته
أمَّا عِلم سماحته ﵀، فقد طار كل مطار في جميع الأمصار دعوته إلى التوحيد، والأخذ بالدليل والبرهان، والتمسك بالحجة، ونبذ التقليد، قد شهد له بذلك كبار علماء عصره حتى قال الإمام العلامة الألباني -متع الله بحياته على طاعته-: قد ملأ بعلمه الدنيا شرقاً وغرباً.
وبالجملة فإن الشيخ ﵀ فريد زمانه، ووحيد عصره وأوانه، إمام في كل شيء؛ في العلم والعمل، والدعوة والصبر، والكرم والأخلاق والتواضع.
لقد كان أُمَّةً في رجل، كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، كان لسانه ﵀ رقيقاً رحيماً رءوفاً بزائريه، دخل عليه ذات يومٍ شابٌ قد امتلأت ملابسه من رائحة الدخان، فتأفف أحد الجالسين من رائحة هذا الشاب، فلما دنا من الشيخ وسلم عليه، همس الشيخ في أذنه بكلمات، وأبدى له شيئاً من النصيحة في رفق ولطف، فشتان بين متأفف وبين ناصح بر رءوف.
كان كلامه دائماً وصية الأمة بالتقوى، والتمسك بالكتاب والسنة، واتباع الدليل والحجة، والنهي عن التقليد، والحرص على الأخلاق الفاضلة، والتأدب بآداب السلف، والحرص على طلب العلم.
نعم أيها الأحبة! ولكم أن تعلموا بمكانة هذا العالم أنه يكفل قرابة ألف داعيةٍ في أنحاء الدنيا؛ منهم الفقير، ومنهم خريج الجامعة الإسلامية، ومنهم طالب العلم، كلهم يمدهم ويعطيهم من ماله، ومما يأتيه من صدقات المحسنين ومعوناتهم حتى بلغت نفقاته على هؤلاء الطلبة والدعاة الفقراء وأسرهم قرابة المليون ريال شهرياً، وهذا كلامٌ محققٌ معلومٌ ومعروفٌ.
стр. 1266
هَمُّ الشيخ ابن باز
أما همه ﵀ فقد كان يحمل هماً واحداً هو دين الله ونصرته، وإعلاء كلمته في أنحاء المعمورة شرقاً وغرباً، لذا -أيها الأحبة- عاش زمانه وعمره كله لم يأخذ إجازةً ولو يوماً واحداً، ولا يكاد ينام في يومه وليلته إلا قرابة أربع أو خمس ساعات، أما الباقي من هذه الساعات، ففي ذكر وعبادة، ونشر علم وإفتاء، وقضاء حوائج المسلمين، ﵀ رحمة واسعة، وجعله مع النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وجمعنا به في ظل عرشه حيث أحببناه في الله يوم لا ظل إلا ظله.
هذي المكارم لا تزويق أبنيةٍ ولا الشبوبُ التي تكسى بها الجدرُ
والعلم إن كان أقوالاً بلا عملٍ فليت صاحبه بالجهل منغمرُ
لكنه العلم يسمو من يسود به على الجهول ولو من جده مضر
زاره رجلٌ من موريتانيا، قال: فأضافني أياماً، وعجبت من دأب الشيخ وجلده على حوائج الناس، والكتابة لهم، وضيافتهم، والجلوس في حلق العلم، وتعليم الطلاب، ومذاكرة المسائل، قال: فسألته مرةً، وقلت: سألتك بالله يا شيخ وأنت قُرب التسعين: كيف تصبر على ما لا يطيقه أبناء الثلاثين والأربعين؟! قال: فأعرض عني، ثم سألته ثانيةً وثالثةً حتى شددت عليه بالسؤال قائلاً: سألتك بالله يا شيخ! كيف تطيق هذا كله؟، فقال: يا ولدي! إذا كانت الروح تعمل فالجوارح لا تَكَلُّ.
إذا ما مات ذو علمٍ وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمه
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمه
وموت فتىً كثير الجود محلٌ فإن بقاءه خصبٌ ونعمه
وموت الفارس الضرغامِ هدمٌ فكم شهدت له بالنصر عزمه
وموت العابد القوام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمه
فحسبك خمسةٌ يُبكى عليهم وباقي الناس تخفيفٌ ورحمه
وباقي الخلق خلق رعاع وفي إيجادهم لله حكمه
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1267
عزاء ومواساة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا عليها بالنواجذ وعلى العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها المسلمون: أنتم شهود الله في أرضه، وقد شهد القاصي والداني لسماحة الشيخ ابن باز بالقبول والمحبة، والدعاء والإجلال والثناء، وإنا لنعلم بإذن الله ورحمته ومنّه أن ما عند الله لسماحته خيرٌ مما عندنا، ولكن القلوب تحزن على الفراق، والأعين تدمع على ذلك، ولا نقول إلا ما يُرضي الله : إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، يقول ﷺ : (أتاني جبريل ﵇، وقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وأن عزه استغناؤه عن الناس).
أمة الإسلام: إنا على ثقة أن في كبار علماء هذه البلاد وغيرها من يخلفون هذا الإمام الجليل بإذن الله ، ولعل الله أن يبعث من طلبته والمنتفعين بعلمه من يكون علماً يُذكِّر بسماحته ﵀ في العلم والدعوة، والنفع والكرم.
لقد مات سماحة الإمام: محمد بن إبراهيم ﵀ رحمةً واسعةً، فكأنما الشمس سقطت، وكأنما النجوم أفلت، وكأنما الدنيا أظلمت يوم مات، فخلف الله للأمة بسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ونسأل الله الذي أخلف بهذا عن ذاك أن يخلف على أمتنا وعلى بلادنا خيراً منهم يا رب العالمين، وأن يجمعنا بهم في المهديين، وأن يجعلهم مع النبيين والشهداء والصديقين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بهذه البلاد فتنةً، وبولاة أمرها مكيدةً، وبالمسلمين شراً وبلاءً، اللهم اجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم عجل فضيحته، واهتك سريرته، اللهم انصر المجاهدين المسلمين في كوسوفا، اللهم انصر المسلمين في كوسوفا، اللهم انصر المسلمين في كوسوفا، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم أهلك الصرب أجمعين، وأهلك الظالمين بالظالمين، وسلط عذابك عليهم أجمعين، وادفع شرهم وبلاءهم عن المسلمين يا رب العالمين.
اللهم استعملنا في طاعتك، وتوفنا على مرضاتك، وحبب إلينا كل سبيلٍ يُقرب إلى جنتك، واغفر اللهم لنا ولوالدينا، وأحبابنا والمسلمين، يا رب العالمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وَمَنِّكَ وكرمك يا أكرم الأكرمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم في كل أحوالكم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1268
الدَّين
جعل الله الدَّين بين المسلمن؛ ليعين بعضهم بعضاً في هذه الحياة، وقد جاءت الشريعة بالأحكام والضوابط الشرعية الدقيقة لضمان إرجاع الحقوق ووصولها إلى أصحابها، إذ بدون هذه الأحكام والضوابط والعقوبات يتساهل كثير ممن لا يتقون الله في أموال إخوانهم المسلمين ويماطلون في أدائها والوفاء بها، فاقرأ تستفد.
стр. 1269
عقوبة من مات وعليه دين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، لم يعلم سبيل خيرٍ إلا دل أمته عليه، ولم يعلم سبيل شرٍ إلا حذَّر الأمة منه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي سبب النجاة في الدنيا والآخرة ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١].
عباد الله: اعلموا أن التساهل بالحقوق وعدم الأمانة في أدائها، والمماطلة في الوفاء بها من الأمور التي شاعت وعمت كثيراً بين المسلمين الذين يعلمون وقد لا يعلمون أن هذا من الأمور التي توعد الله ورسوله من انغمس في الوقوع بها وعيداً شديداً، وكلكم يعلم -يا عباد الله! - أن دين الإسلام وشريعته الفاضلة الكاملة جاءت بالأحكام والضوابط الشرعية الدقيقة لضمان الحقوق ووصولها إلى أصحابها، وجعلت لولي الأمر حق التعزير بالجلد والحبس والعقوبة المناسبة لمن تعود أخذ أموال الناس، ولم يف بحقوقهم فيما يقابلها، بل إن شريعة الإسلام جاءت بقطع يد السارق في أقل القليل صيانةً لملكيات الأفراد وأموالهم، وحفاظاً على إشاعة الأمن والطمأنينة في أرجاء مجتمعات المسلمين، إذ بدون هذه الأحكام والضوابط والعقوبات يتساهل كثيرٌ ممن لا يرعون حق الله في أموال إخوانهم المسلمين، ومن ثم تشيع الانتقامات والثارات الشخصية وغيرها لاسترجاع أصحاب الحقوق حقوقهم من المطلة والغاصبين.
واعلموا يا عباد الله! أن التساهل بحقوق العباد خاصةً الديون من الأمور التي وردت بشأنها أحاديث عن النبي ﷺ تبين خطورة هذا الأمر وعظم جرم مرتكبه، فمن ذلك ما رواه البخاري وغيره بسنده إلى النبي ﷺ : (من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله) وروى الطبراني بسنده إلى النبي ﷺ : (من أستدان دَيناً وهو لا ينوي أن يؤديه فمات قال الله له يوم القيامة: ظننت أني لا آخذ لعبدي بحقه، فيؤخذ من حسناته فيجعل في حسنات الآخر، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات الآخر فيجال عليه) وروى ابن ماجة بإسنادٍ حسن: (من مات وعليه درهم أو دينار قضي من حسناته ليس ثم دينار ولا درهم).
وتذكروا أن المبادرة إلى قضاء الدَّين مما يجعل العبد يصبح ويمسي قرير العين مطمئن البال، إذ إنه لا يدري هل يعود إلى بيته حياً كما دخل منه، وهل يخلع ثوبه حياً كما لبسه؟ وهل ينهض من فراشه حياً كما نام عليه؟ ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] فكيف للمسلم إذا قبضت روحه أن يخبر بأن عليه أو له دَين، فإذا كان النوم بحد ذاته موتاً لا حياة فيه إلا برد الأرواح إلى أجسادها في مضاجعها، فكيف يهدأ بال مسلم قد تحمل حقوق الخلق، واستدان أموال العباد؟! ولو أن الإنسان منا تفكر وتأمل حق التأمل والتفكر أن الموت قد يخطفه من بين أحبابه وأهله وعشيرته وهو على حالٍ قد جمع فيها من حقوق الناس نصيباً عظيماً، إن من أول ما يخطر بباله في سكرات موته، وفي آخر لحظات عمره هي ديونه التي عليه، من يقضيها؟ ومن يؤديها عنه؟ وهل تركته تكفي لقضاء ما عليه؟ أو تكفي لوفاء حقوق العباد منه؟ ومن وقع له مثل هذا فهو من البلاء والفتنة، إن لم يكن له من ماله ما يقضي به، أو يقوم بقضائه من ورثته، ثم تصوروا حال من مات على ذلك، وقد جاء في شأنه أمرٌ عظيم وخطرٌ جسيم يتبين ذلك مما يرويه الإمام أحمد بسندٍ حسن والحاكم وصححه عن جابر، قال: (توفي رجلٌ فغسلناه وكفناه وحنطناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ يصلي عليه، فقلنا: تصلي عليه يا رسول الله؟ فخطا خطوةً ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فتحملها أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ يا رسول الله! فقال: قد أوفى الله حق الغريم وبرأ منهما الميت، قال: نعم.
فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك بيومٍ: يا أبا قتادة! ما فعل الديناران؟ قلت: إنما مات أمس يا رسول الله! قال: فعاد إليه من الغد، فقال أبو قتادة: قضيتهما، فقال رسول الله ﷺ : الآن بردت عليه جلدته) وروى مسلم وغيره أنه ﷺ كان يؤتى بالميت عليه الدَّين فيسأل هل ترك لدَينه قضاءً فإن حدث أنه ترك وفاءً صلى عليه وإلا قال: (صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله عليه الفتوح قال ﷺ : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من توفي وعليه دَينٌ فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فهو لورثته) وروى الطبراني أنه ﷺ سئل أن يصلي على مدينٍ فقال: (ما ينفعكم أن أصلي على رجلٍ روحه مرتهنة في قبره لا تصعد روحه إلى السماء، فلو ضمن رجل دَينه قمت فصليت عليه، فإن صلاتي تنفعه) وروي عنه ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده لو قتل رجلٌ في سبيل الله، ثم عاش ثم قتل ثم عاش ثم قتل، وعليه دَين ما دخل الجنة حتى يقضى دَينه).
فهل بعد هذا -يا عباد الله- يجرؤ مسلمٌ على التساهل بحقوق المسلمين عنده، وهو لا يدري هل يؤديها أم هل تؤدى أم لا تؤدى عنه؟ فاتقوا الله يا عباد الله! وقوا أنفسكم ناراً بسبب حقوق العباد إن متم وهي عليكم، واتقوا الله في حقوق إخوانكم المسلمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ وتوبوا إليه؛ يرسل السماء عليكم مدراراً ويمتعكم متاعاً حسناً إلى أجلٍ مسمى.
стр. 1270
المماطلة في القضاء
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والند وعن المثيل والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، كل ذلك تعظيماً لشأنه، أحمده حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
عباد الله: إن من المسلمين هداهم الله من يجد في أمواله ما يسد قضاء حقوق المسلمين عليه، ومع ذلك يسوف ويؤجل الوفاء برد الحقوق إلى أن يضطر صاحب الحق بشكايته وقيام الدعاوى بينها في المحاكم وغيرها، وما ضر المسلم إذا استدان من أخيه دَيناً أو ابتاع أو استأجر شيئاً أن يبادر برد الجميل والمعروف أداءً وزيادة، فإن ذلك كان من هديه ﷺ ، أنه إذا استدان من أحدٍ شيئاً وفاه خيراً منه، فعن أبي رافع ﵁ (أن رسول الله ﷺ استسلف من رجلٍ بكراً فقدمت عليه إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة، فرجع إليه أبو رافع فقال له: لم أجد في الإبل إلا خياراً رباعياً، فقال ﷺ : أعطوه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً) وكلكم يعلم -يا عباد الله! - أن الدين المعاملة، ومن المؤسف المحزن حقاً أن نرى رجلاً صالحاً كثير العبادة والإنابة يماطل في حقوق الآخرين، ومثل هذا عبادته لنفسه، وأما حقوق العباد فلهم، فليؤدِ الحقوق لأصحابها، وليحذر من وفاء أصحاب الحقوق عليه يوم القيامة من حسناته، وأياً كان الرجل الذي عليه الحق صالحاً عابداً أو غير ذلك، فإنه لا يمنع من عقوبته وأخذ الحق منه.
ثم إن هذا الفعل يورث ضعف الثقة بين المسلمين وعدم الأمانة في آحادهم، فقد يجيء الرجل الوفي الثقة في حاجة له إلى صاحبه المليء الغني يريد العون في الحاجة الملحة، ثم قد يتردد صاحبه؛ لأنه رأى من فلانٍ وفلان الذين يحسبهم كذا وكذا من الدِين والعبادة ما رأى من المماطلة وعدم الوفاء إلا بأساليب العنف والشكايات والقوة.
أخرج الشيخان والأربعة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مطل الغني ظلم) وفي رواية ابن حبان في صحيحه والحاكم: (لي الواجد -أي: مطل القادر على الوفاء- على وفاء دَينه يحل عرضه وعقوبته) أي: يبيح أن يذكر بين الناس بالمطل وسوء المعاملة، وقال بعض التابعين: يحل عقوبته، أي: حبسه وسجنه حتى يؤدي ما عليه، وروى النسائي وابن حبان في صحيحه والترمذي والحاكم وصححه، والطبراني في الكبير (ما قدس الله أمةً لا يؤخذ لضعيفها الحق من قويها غير متعتع -ثم قال:- من انصرف غريمه وهو عنه راضٍ صلت عليه دواب الأرض ونون الماء -أي: حوته- وليس من عبدٍ يلوي غريمه، وهو يجد إلا كتب عليه في كل يومٍ، وفي كل ليلةٍ وجمعةٍ وشهرٍ ظلم).
عباد الله: أبعد هذا يتساهل مسلمٌ بالحقوق التي عليه، وإن كثيراً من الناس من يتهاون بالحقوق إذا كانت من حقوق الدولة، أو من القروض التي تقدمها تسهيلاً لهم في بنائهم، أو في مزارعهم أو في مشاريعهم، فإن الحقوق والديون الواجب الوفاء بها أياً كانت على الفرد من قِبَل الأفراد أو من قِبَل الدولة، وإن كثيراً من المسلمين الذين عاشوا في الضيق، وعاشوا في ضنك العيش في بيوت الطين الصغيرة، توسعوا وعاشوا ونالوا مما يسَّرته لهم الدولة، ومع ذلك يحل الأجل تلو الأجل ولا يسددون ما حل عليهم، أيظنون أن هذا الحق أهون من غيره من الحقوق؟ لا وربي، فهو دَّينٌ، بل هو موثق؛ لأن المستدين قد رهن عقاره وملكه لصالح الجهة التي استدان منها، فلا يبالي صاحب الحق بأي ساعةٍ أن يبيع ملكه أو عقاره ليستوفي منه.
ثم إن كثيراً من الناس بتساهلهم في أداء الحقوق خاصةً القروض العقارية والزراعية وغيرها، يحرمون غيرهم من الفرصة، ويحرمون غيرهم من الاستفادة مما استفادوا منه، وكلكم اليوم يرى أن من تقدم يريد بناءً لا يصله أجله إلا بعد ثلاثٍ أو أربع سنين، أو أقل أو أكثر، ولو أن الذين حلت عليهم آجال الحقوق وفوا بها لوجدتم أن الأمر عاد يسيراً كما كان، فاتقوا الله في الحقوق، واتقوا الله في أصحابها، فإنكم محاسبون ومؤاخذون عليها.
نسأل الله جل وعلا ألا يميتنا بحق مسلمٍ لا في مالٍ ولا في دمٍ ولا في عرض.
أيها الأحباب: لا تقولوا إن فلاناً وفلاناً لا يؤدون ما عليهم، أو أن فلاناً وفلاناً قد استدانوا ومرت عليهم السنون ولم يُسألوا، فإن الهالك إذا هلك فلا يكن لك فيه قدوة، بل عليك أن تسلك طريق النجاة لنفسك ودينك يوم القيامة، وعليكم -يا عباد الله! - بالمبادرة في رد وأداء الحقوق التي على موتاكم، فقد روى الترمذي بسندٍ حسن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضى عنه).
أسأل الله جل وعلا أن يقضي دَين المدينين، وأن يشفي مرضى المسلمين، وأن يهدي ضال المسلمين.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا دَيناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى فردوسك وجنانك مصيرنا ومآلنا، ولا تجعل إلى النيران منقلبنا وإليها مثوانا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم من أراد أئمتنا بسوء، وأراد علماءنا بفتنة، وأراد شبابنا بضلال، وأراد نساءنا بتبرجٍ وسفور، اللهم فاجعل كيده في نحره، اللهم فاجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أدر عليه دوائر السّوء برحمتك وقدرتك يا جبار السماوات والأرض يا سميع الدعاء! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم إن عظمت ذنوبنا فإن عفوك أعظم، وإن كثرت معاصينا فإن رحمتك أكبر، بقدرتك ورحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، إمامنا وقدوتنا ونبينا ﷺ ، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء، وارض اللهم عن بقية العشرة المبشرين بالجنة، وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا برحمتك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، وأشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1271
الدعوة إلى الله
الدعوة إلى الله من أجلِّ الوظائف وأعظم الأعمال، أجرها جزيل، والعمل بها جميل، وهي مهمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومهمة العلماء والدعاة من بعدهم، ووسائل الدعوة كثيرة منها القدوة الحسنة والكتاب النافع، والشريط الإسلامي وغيرها حول هذا الموضوع يحدثنا الشيخ حفظه الله.
стр. 1272
تكليف المسلم بالدعوة إلى الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه والند، وعن المثيل والنظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر الأحباب: كلكم يعلم أن الدعوة إلى الله جل وعلا من أجل الوظائف وأطيب الأعمال، ولا غرو في ذلك فالله جل وعلا يقول في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ويقول الله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ويقول النبي ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم).
أيها الأحبة في الله: لا شك أن كل مسلمٍ يعلم أن الدعوة إلى الله جل وعلا أجرها جزيلٌ والعمل بها جميل، ولكن كثيراً من المسلمين رغم تشوقهم إلى نيل شرف الدعوة إلى الله، ورغم حبهم إلى الدخول في هذا المجال، قد يحرمونه بسبب عدم توفر الشروط التي ينبغي للداعية أن ينالها أو يقوم بها، وليس ذلك من باب القصور الذاتي فيهم، بل إن جبلة البعض تختلف عن الآخرين، وإن الله جل وعلا جعل الخلق درجاتٍ بعضهم فوق بعض، ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون، أعني بذلك أن بعض الشباب وبعض المسلمين تجده محباً لأن يكون داعية إلى الله، ويشتاق أن يهدي الله على يده فرداً أو أفراداً من إخوانه المسلمين، ولكن قد يكون لقلة علمه، أو بسبب العلم الذي هو فيه أو بسبب أمرٍ من الأمور عاجزٌ عن تحقيق مطلبه هذا، فهل بعد هذا يمكن أن يكون محروماً من ثواب الدعوة إلى الله؟ هل يحرم من هداية الآخرين إلى صراط الله المستقيم؟ كلا وحاشا؛ لأن الله جل وعلا لم يجعل الدعوة إلى سبيله ولم يجعل الأمر بالمعروف الذي شرعه والنهي عن المنكر الذي زجر عن العمل به، لم يجعل ذلك قاصراً على العلماء، وإن كان ينالهم أوفر الحظ والنصيب من المسئولية في هذا الجانب، لم يجعل ذلك قصراً على حملة الشهادات، أو أرباب المناصب والمراتب، بل إن كل مسلم مسئولٌ مطالبٌ مرغوبٌ منه أن يكون داعيةً إلى الله آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وذلك لعموم أدلة كثيرة لو لم يرد منها إلا قوله ﷺ : (نظَّر الله امرءاً سمع منا مقالة، فبلغها كما سمعها، فرب مبلغٍ أوعى من سامع) وتواترت الأحاديث لفظاً ومعنى في قوله ﷺ : (ربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل علمٍ إلى من هو أوعى منه).
стр. 1273
أساليب الدعوة إلى الله
أيها الأحبة في الله: ما دام الأمر كذلك، وما دام كل واحدٍ منّا مسئولٌ ومطالبٌ بالدعوة إلى الله.
أيها الأحبة: إليكم جملة من الأساليب التي لا يعجز عنها أي واحدٍ منا مهما كان مستوى تعليمه، ومهما كانت وظيفته، ومهما كان موقعه الاجتماعي:
стр. 1274
القدوة الحسنة
فأولها بعون الله وتوفيقه: القدوة الحسنة؛ فإن الرجل إذا أراد أن يعمل بعملٍ، أو أراد أن يدعو إلى أمرٍ من الأمور، فعليه أن يطبقه تطبيقاً جيداً، فإن العباد ليرون من فعله، وليرون من تصرفاته، داعيةً إليهم إلى الاقتداء به، ولا عجب في ذلك، فإن النفوس تعجب وتحب من وافق قوله عمله، روي أن الحسن البصري جاءه طائفة من الرقيق الذين لم يعتقوا، فقالوا: يا أبا عبد الله! حبذا لو حدثت الناس يوم الجمعة، أو في أي يومٍ عن العتق وفضله علهم أن يعتقونا، فقال لهم: خيراً، فمكث ثلاثة أسابيع لم يخطب عن هذا الموضوع، فلما جاء الأسبوع الرابع، خطب الناس في فضل العتق، ثم لما انصرف الناس من المسجد، كان كل من لاقى رقيقاً له، قال: اذهب فأنت حرٌ لوجه الله تعالى، فعجب الرقيق وجاءوا إلى أبي عبد الله - جاءوا إلى الحسن البصري - وقالوا نحمد الله على نعمة الحرية، فلو أنك بادرت بهذا الأمر ولم تتأخر فيه، فقال: جئتموني وليس عندي رقيقٌ أعتقه، فصبرت حتى جمعت مالاً فاشتريت رقيقاً، ثم أعتقته، ثم أمرت الناس بالعتق فعند ذلك فعلوا ما رأيتم.
إذاً -أيها الإخوة- إن أول الأساليب في الدعوة إلى الله أن يكون الواحد منا قدوة ما أمكنه إلى ذلك، أن يكون راية، أن يكون نموذجاً صالحاً مطبقاً لكي يقتدي به من حوله من إخوانه المسلمين، وكلكم يعلم أن الإسلام إنما انتشر في دول شرق آسيا وكثيرٍ من المجاهل الإفريقية وغيرها، إنما انتشرت بالقدوة الصالحة من قبل التجار المسلمين، الذين رآهم أهل تلك البلاد فرأوا فيهم ليناً ولطفاً وأمانة في المعاملة، وصدقاً في الحديث والكلام، فتأثروا بأفعالهم قبل أن يتحدثوا بأقوالهم، فأسلموا، فهدى الله أولئك الأمم بفعل أولئك التجار الصالحين من المسلمين.
стр. 1275
الكتاب النافع
الأمر الثاني: إن الكثير منا قد يرغب أن ينهى صديقاً له عن منكر هو واقعٌ فيه، ويرغب أن ينصح صديقاً لأمرٍ من الأمور النافعة المهمة، ولكن كما قلت لكم: قد يعجز بسبب عدم قدرته على الخطاب والبلاغ المبين، أقول إليك سبيلاً آخر ألا وهو الكتاب النافع، فلوا أردت أن تنصح رجلاً عن التعامل بالربا وكنت عاجزاً عن إقامة الحجة عليه ببيان تحريم الربا، وببيان تحريم الله له، وببيان لعنة الله على آكله وموكله وكاتبه وشاهديه، فإنك قادرٌ بإذن الله جل وعلا أن تشتري كتاباً مفيداً نافعاً يتحدث عن هذا الموضوع، فتأتي إلى صديقك بكلمة لطيفة وبهمسة خفيفة، دافعها الخوف والنصح، دافعها الوجل عليه من عقاب الله، فتقول: علمت أن عندك كذا وكذا مما لا يرضي الله جل وعلا، وإني والله مشفقٌ عليك محبٌ ناصح، فهذا كتابٌ، أو كتيب، أو رسالة، أو نشرة بقلم سماحة مفتي هذه البلاد الشيخ عبد العزيز بن باز، أو لأحد أصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء المعروفين الموثوقين -مثلاً- فتهديه هذه الرسالة فلعل الله أن يفتح على قلبه فيقبل هذه الورقات فيقرأ ما كتب فيها، ويقرأ الوعد والوعيد الذي فيها، عند ذلك تنزجر نفسه ويقلع عن المعصية أو الفاحشة أو الكبيرة التي وقع فيها وتنال بذلك أجر هدايته، في حين أنك لو أردت أن تتحدث معه يوماً ويومين، وأياماً عديدة، ما استطعت أن تصل إلى مكنون قلبه بأسلوبك، ولكن لو قدمت هذه الرسالة أو هذا الكتاب بشرطٍ مهمٍ أعيده وأكرره: أن يكون مؤلف الكتاب أو الرسالة أو كاتب النشرة أو الكتيب رجلاً عالماً معروفاً موثوقاً مشهوداً له بالصلاح وبالعدل والأمانة، عند ذلك فإنك تنال ثواب هدايته وتنال ثواب إقلاعه عن المعصية وتفوز بأجر توبته، وكل عملٍ من الأعمال الصالحة بعد ذلك يكون لك حظٌ ونصيبٌ منها.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1276
الشريط النافع
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام.
وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر الإخوة: إليكم مزيداً من الوسائل التي تحقق لكم فرصة الدعوة إلى الله بالأساليب المتيسرة بين يديكم، إذا كان الإنسان عاجزاً بلسانه أو بفعله أو بقوله، فمن ذلك: الشريط النافع، وهذه وسيلة نافعة جداً وإن كان أول من ابتكرها واخترعها الكفار، لكن الله جل وعلا قد ينفع عباده المؤمنين بما يفعله أعداؤهم الكفار، فما خطر ذات يومٍ على ذهن أعداء الله الكفار يوم أن صنعوا تلك المسجلات وغيرها، ويوم أن صنعوا الوسائل المرئية والمسموعة ووسائل النشر وغيرها، لم يخطر على بالهم أنها ستكون في يومٍ من الأيام عنصراً أساسياً وركيزة متينة من وسائل وركائز الدعوة إلى الله، فلو أنك أيها الأخ المسلم! رأيت أخاً لك أو شاباً -مثلاً- وقع في جريمة المخدرات، أو في جريمة حب السفر إلى الخارج بكثرة، وتعلمون ما يدور في الخارج عند بعض الشباب وهم قلة بحمد الله، من الذين تولعوا وشغفوا حباً بالسفر إلى بلاد الخارج فلا تراهم في أرضهم إلا قليلاً، فلوا أنك أردت نصيحته وأردت ضرب الأمثلة له، وأردت ضرب القصص والحكايات التي حصلت لأناس سافروا إلى الخارج فكانت نهايتهم دامية أليمة، قد تعجز عن بيان ذلك، ولكن تجد شريطاً مثل أشرطة ندوات الجامع الكبير، أو تجد شريطاً لعالمٍ من العلماء المعروفين الموثوقين المشهود لهم بالمعرفة والصلاح والاستقامة، قد حوى الحديث عن هذا الموضوع أو أي موضوعٍ من المواضيع التي ترغب أن تنصح صديقك أو أخاك أو قريبك فيها فتشتري هذا الشريط بقيمة رمزية متيسرة، فتهديه إليه، وتقول: أهدي لك هذا الشريط، إذ إن البعض لا يسره أن يعلم الناس بحاله، بل إن الكثير إن لم يكن الكل يرغبون ألا يعلم الناس بأحوالهم، والله جل وعلا ستار يحب الستر على عباده، فلو علمت في أحد إخوانك أو أحد أبناء مجتمعك أنه تورط في المخدرات أو المصائب أو الرشوة أو غير ذلك، فاشتريت هذا الشريط الذي يعالج هذه المشكلة، أو هذه القضية، فقدمته إليه هدية من دون سابق بيان علمك لما هو عليه من حال، فلعله أن يسمعه في سيارته، أو في بيته فيتأثر بذلك تأثراً بليغاً كبيراً.
إذاً -أيها الإخوة- هذه وسيلة نافعة من وسائل الدعوة إلى الله جل وعلا، وهي في متناول كل واحدٍ منا ولا يعجز عنها واحدٌ منا، إذاً فلنا فرصة، ولنا مكانة، ولنا دورٌ، وعلينا مسئولية في باب الدعوة إلى الله، ولا نحتج بقلة العلم أو قلة البضاعة، فإن الأمور تيسرت بحمد الله جل وعلا، وإنها لنعمة عظيمة تحسد عليها هذه البلاد دون سائر البلاد الأخرى، فلك اللهم الحمد على ما أنعمت وأتممت، ونسألك اللهم مزيداً، ونسألك اللهم التوفيق للشكر والإنابة إليك.
стр. 1277
كيف تنال أجر الدعوة
أيها الأحبة في الله: إن هداية الآخرين إلى الصراط المستقيم، ودعوة الضلال إلى صراط الله المستقيم مهمة جليلة، هي مهمة الأنبياء، ومهمة الرسل الدعاة، وهي شرفٌ عظيمٌ جداً، فحققوا لأنفسكم منزلةً في هذا الشرف العظيم، واكتبوا لأنفسكم سجلاً في هذا السجل القويم، واحفظوا لأنفسكم ذكراًَ بعد موتكم بالمشاركة بأساليب الدعوة المتوفرة بحمد الله جل وعلا، فلو أن شاباً كان لا يشهد الصلاة مع الجماعة، ورآك مبادراً سباقاً إلى حضورها مع الجماعة، ثم أهديته كتاباً لأي عالمٍ من العلماء الأجلاء الموثوقين المعروفين، أو أهديت له شريطاً -مثلاً- عن هذا الموضوع، أو نشرةً مأذوناً بتوزيعها وطبعها، أو كتيباً أو رسالةً كذلك، فقرأ الكتاب وتمعن الرسالة وسمع الشريط ورأى فعلته، فإنه لا شك يتأثر، وبعد ذلك تنال مثل أجر كل صلاةٍ صلاها في بيتٍ من بيوت الله، فتدخر لنفسك أجوراً وتأتي يوم القيامة وقد رأيت أعمالاً ما عملتها، يقال لك: هذا بفضل الله عليك يوم أن دعيت عباد الله جل وعلا، وليس هذا من عند أنفسنا بدعة، أو من ذواتنا قولاًَ، بل هو قول النبي ﷺ : (من دعا إلى هدى، فله أجره، وأجور من تبعه إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئا) فما ظنكم برجلٍ يبعث يوم القيامة وقد نفع الله جل وعلا بشريطٍ أو بكتابٍ أهداه أو طبعه، إنه سيجد فائدة عظيمة وثواباً جزيلاً، ومن هنا قال ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له، أو علمٍ ينتفع به) والعلم ليس على الأوراق فقط، بل هو -أيضاً- على الأشرطة، وهو -أيضاً- على كل وسيلة يمكن أن تفيد بها ويمكن أن تنفع بها، وإليكم ضرباً من ضروب أسباب نيل أجر الدعوة إلى الله: لو أن رجلاً ممن أنعم الله عليهم بالمال والثراء اجتهد في طباعة مجموعة من الكتب فوزعها في سبيل الله، وجعلها وقفاً لله تعالى يتداولها المسلمون، فيستفيدون منها، فإنه يأتي يوم القيامة وله أجر كل مصيبٍ في عمله وعبادته، إذا كان ممن استفادوا من هذا الكتاب الذي طبع على نفقته، وأنتم تشهدون بحمد الله جل وعلا كتباً ورسائل عديدة وكثيرة من صدر قيام هذه البلاد إلى يومنا هذا، قد طبعت على نفقة كثيرٍ من الملوك السالفين والأمراء المعاصرين، والعلماء الموجودين، والأثرياء وأرباب المال، يطبعونها ويوزعونها ابتغاء وجه الله ، فلكل واحدٍ من أولئك أجرٌ عظيم بسبب من وقع في يده هذا الكتاب فقرأه فأصلح من عمله إن كان على خطأ أو أقلع عن ضلالته إن كان على غواية، إنها أجورٌ ميسرة، وأبوابٌ مفتوحة، وإن الخير كثيرٌ وكثيرٌ جداً في دين الإسلام ولله الحمد والمنة، فمن تأمل هذا الدين، قال: عجباً لمن لا يدخل الجنة! إن كل أمور الدين ميسرة سهلة، وكل أعمال هذا الدين عليها الثواب والجزاء المضاعف بالرحمة والمغفرة والدرجات العلى عند الله، فذلك فضلٌ عظيمٌ وخير قويم، وقديماً قال الشاعر:
عطايانا سحائب مرسلات ولكن ما وجدنا السائلين
وكل طريقنا نورٌ ونورٌ ولكن ما رأينا السالكين
إن أبواب الدعوة مفتوحة، وإن أبواب الخير كثيرة، لكن الكثير من عباد الله عنها في غفلة، نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليهم بالعودة والتوبة والأوبة والإنابة، والاستغلال لهذه المواسم والخيرات والفرص العديدة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً وأراد بولاة أمرنا فتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشبابنا ضلالاً، وأراد بنسائنا تبرجاً واختلاطاً، اللهم أرنا به عجائب قدرتك، اللهم أدر عليه دائرة السوء، اللهم اجعل كيده في نحره، وتدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهدِ إمام المسلمين، اللهم اهدِ إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم أيده بتأييدك، واحفظه بحفظك، ووفقه إلى ما يرضيك، ووفقه للعمل بكتابك وسنة نبيك، اللهم قرب له من علمت به خيراً له ولأمته، وجانب وأبعد عنه من علمت به شراً له ولأمته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على الحق يا رب العالمين، ولا تفرح علينا ولا عليهم عدواً ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، وسخر اللهم لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً، فمتعه بالصحة والعافية، اللهم من كان منهم ميتاً فجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، ونور اللهم ضريحه، ووسع عليه قبره مدَّ بصره، وافتح اللهم إليه باباً إلى الجنة.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي، وارضَ اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1278
الزواج من الخارج
إن المجتمعات الإسلامية اليوم تعاني من كارثة خطيرة تهدد المجتمع والأمة بأسرها، ألا وهي: كارثة الزواج بالأجنبيات، هذه المشكلة التي تفسد المجتمع والنشء، وتسبب العراقيل والصعوبات، وكثيراً من النساء في البلاد تدركهن العنوسة، ويكُنَّ عرضة وفريسة للذئاب الجائعة من أصحاب القلوب المريضة، العابثين بالأعراض الكثير من المشاكل والصعوبات سوف تجدونها في طيات هذه المادة.
стр. 1279
وسائل الإعلام وصدها عن التعدد المشروع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واسمعوا قوله جل وعلا في مواطن عدة من كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر الأحباب: مر بنا الحديث في جمعة ماضية عن غلاء المهور وما تسبب فيه من كثرة العانسات وبقاء كثير من النساء بلا زواج، ولعل من مكارم الشريعة التي سمت بها على جميع الشرائع؛ فاستحقت أن تكون ناسخة ومهيمنة على ما قبلها هو أمر تعدد الزوجات؛ ليكون حلاً لمثل هذه المشكلة، وفاتنا في الجمعة الماضية أن ننبه على أمر نراه بأعيننا، ونسمعه بآذاننا، ألا وهو أمر يصد عن ذلك، ويبين أن مكرمة الشريعة هذه هي مصيبة في هذا الزمان، وكل ذلك جهل وعدوان وبطلان، وأعني بذلك على وجه التحديد تلك الأفلام والمسلسلات التي يكون المُخْرِج فيها حاذقاً؛ ليبين أن الأسرة السعيدة انقلبت شقية مسكينة تعيسة، وتفرق الأولاد والبنات، وانقلب حال الأم من السعادة إلى الشقاء؛ بسبب أن رب الأسرة تزوج بزوجة ثانية.
ومن الذي قال إن الزواج هو سبب لشقاء البيوت وقلبها من السعادة إلى الشقاء، ومن النعيم إلى التعاسة، هل ورد ذلك في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ؟! وهل جاء على لسان الخلفاء الراشدين أم الصحابة المهديين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؟! حاشا وكلا، إنما جاء به ضلال جهلة، يريدون أن يحاربوا شرع الله عن طريق إخراج هذه الأفلام، ويريدون أن يقولوا للناس: لا تتزوجوا مثنى وثلاث ورباع، والله يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] يريدون أن يقولوا للناس: اتركوا بقية المطلقات والعانسات فرصة للذئاب الجائعين، والخبثاء المفسدين، الذين يعبثون بالأعراض يوم ألا تجد تلك الطائفة من النساء الأزواج لهن، يوم لا يجدن أزواجاً وبيوتاً يسكن إليها، وأمناً يطمئن فيه، ورحمة يتقلبن في نعيمها، ألا وإن تلك الأفلام ينبغي أن نعرف كل المعرفة -ولو رأيناها بأعيننا- أنها تصد عن شرع الله وتحارب قوله وقول رسوله ﷺ .
ينبغي أن نعرف حق المعرفة أن دين الإسلام ما شرع شيئاً إلا والسعادة فيه، وما قرر أمراً إلا لمصلحة المسلمين أجمعين، لا لمصلحة طائفة على حساب طائفة، ويوم أن نعرف هذا حق المعرفة نعلم إلى أي مدىً ينشط أولئك الذين ينتجون تلك الأفلام، ليقدحوا وليشككوا الناس في شريعتهم.
стр. 1280
الزواج من الأجنبيات
نعود إلى المصيبة الثانية التي جرها غلاء المهور ألا وهي الزواج من الخارج، والزواج من الأجنبيات والزواج من النصارى.
والسبب الأول في هذه المشكلة الجزئية المتفرعة عما قبلها، ألا وهي سوء اختيار الزوجة، وسوء اختيار المنبت، ولذلك ينبغي أن نقدم بمقدمة ولو قليلة، نبين فيها أن الله جل وعلا أنزل شريعة الإسلام وجاءت شاملة لكل النظم الضرورية للحياة السعيدة، ومن أبرز هذه النظم، نظامها الاجتماعي الذي يبدأ بتكوين الأسرة واختيار النواة الصالحة والبذرة الطيبة، التي إذا كانت في أصل جذر أسرة مسلمة هي النواة فلا بد أن تُنتقى بعناية فائقة وحرص شديد، كي تنمو على أساس من الاستقامة والصلاح؛ ولكي تنتشر فروعها وأغصانها مورقة مثمرة زاكية كأصلها ومنبتها، والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً، إذاً: فاختيار الزوجة في بداية الطريق إلى تكوين الأسرة من أهم المراحل، بل هي أخطر مرحلة، إذ إن استمرار الحياة الزوجية على مستوىً من السعادة أو الشقاوة وتحديد واحد من ذينك الاتجاهين، لا شك أنه مرهون باختيار الزوجة الصالحة، ومعرفة بيئتها التي نشأت فيها، ومنبتها الذي ترعرعت فيه، وتلقت الآداب والعلوم، واكتسبت من مخالطة أهلها الأخلاق والطباع، وكلٌ ينال من ذلك، بحسب ما تربى عليه ونشأ فيه:
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
стр. 1281
تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس
أيها الأحباب: يقول ﷺ وهو خطاب نوجهه أيضاً لأولئك الذين يتزوجون من الخارج، بلا قيد أو حساب، يقول ﷺ : (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس) ويقول ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها وجمالها، ودينها وحسبها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك) فلماذا نبه المصطفى ﷺ بقوله: (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس) إلا لأن المنابت والجذور إذا كانت فاسدة؛ فإنها تدرك الفروع والأغصان بفسادها، وقد ينقلب الفساد إلى الثمرة، ولو طال البعد وتقادم العهد ولما بين ﷺ اتجاهات الناس في نكاح النساء، ومقاصدهم من ذلك، وجه إلى خير ما يسر المرء ويسعده وهو نكاح ذات الدين التي قال عنها ﷺ في حديث آخر: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، التي إن نظر إليها سرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله) بل إنه ﷺ حذر من الحرص والتهافت على نكاح الجميلة الحسناء، من دون مراعاة لأي منبت نشأت فيه، فقال ﷺ فيما روي عنه: (إياكم وخضراء الدمن) ولما سئل عن خضراء الدمن، قال ﷺ : (هي المرأة الحسناء في المنبت السوء) لأن هذا الجمال الذي يبالغ البعض في تحديده ومواصفات من يرغبون بها، قد يكون سبباً للشر والبلاء إن وافق ضعف عناية تربوية أو مجتمع رديء الأخلاق والمروءة، ولا يعني هذا أن يُغفل الراغب في الزواج أمر الحُسن والجمال ويقول: يكفيني التدين أو الاستقامة والصلاح، بل لا بد مع هذا أن تكون المرأة على قدر يُرضيه ولا يصرفه عنها إلى غيرها.
ولذلك كان من توجيه رسول الله ﷺ لراغب النكاح، أن ينظر إلى مخطوبته، لعله أن يرى منها إلى ما يرغبه في نكاحها، فإن الخاطب إذا نظر إلى مخطوبته وأقدم على الزواج منها، فإنه بإذن الله يكون راضي القلب مطمئناً للنصيب الذي اختاره لنفسه واقتنع به، بدلاً من أن يأخذ في صرف اللوم والعتاب على أمه وأخواته قائلاً: إنكن قلتن: إنها كذا، وليست هكذا، ثم يأخذ في خلاف معهن إلى أن ينتهي الأمر به إلى الفرقة والخلاف، إذا لم يكن بينهم نصيب من التوفيق والرضا، ثم إن مسألة الرؤيا هي من صالح الفتاة أيضاً، وليس للرجل لوحده، إذ إن كلاً من الزوجين يقتنع ويرضى بما هو مُقدم عليه.
أيها الأحباب في الله: لقد آن الأوان أن ننبذ عادة يفعلها بعض الناس، عندما يتقدم أحد الخطاب طالباً ابنته أو أخته أو من هي تحت ولا يته، تراه يقول: هذا فلان بن فلان أهلاً وسهلاً به، أبوه فلان وأمه فلانة، ولقد نسي المسكين أنه سوف يزوج بنته لهذا الشاب المتقدم لا لأمه أو لأبيه.
وهذه مسألة ينبغي أن نقف عندها، وأن نتأملها ملياً فليس بالضرورة أن طباع الآباء والأمهات، تنتقل بالسجية والفطرة إلى الأبناء والبنات، فالواجب على الولي إذا تقدم له أحد، ولو كان يعرف أمه وأباه، أن يسأل عن الخاطب وعن جلسائه، وعن محافظته على الصلاة، وهل هو عاطل باطل أم مكتسب، وإلى أي حد هو في بره بوالديه، فإن الفتاة التي سوف يزوجها أبوها إلى هذا المتقدم أمانة، ومن ضيع أمانة الله في الصلوات والعبادات فهو لما سواها أضيع، ومن كان مضيعاً لحقوق والديه، فهو لحقوق زوجته أضيع وأسوأ حالاً في عدم الرعاية والقيام بالحقوق، وكم من فتاة كريمة صالحة، وقعت في يد شاب ليس بكفء لها ولا القرب من أهلها، تزوجها وطلقها وهي حبلى بولد أو اثنين بعد أن رأت منه المنكر والفساد في نفسه وجلسائه، وكانت تظن أنها قادمة على العيش الرغيد السعيد، بسبب ما وصف لها من صلاحه وأخلاقه.
وسرعان ما تكشفت الأمور على الحقائق أمام تلك المسكينة الضعيفة؛ بوقوعها بيد ذلك الغافل العابث، وغيرها كثير ممن سقطن وفشل زواجهن، بسبب مديح الخطاب والوسطاء في الأزواج المتقدمين لهن، وهذه مسألة يجب أن ينتبه لها، وهي حينما يُسأل أحد عن فلان من الناس، لأجل معرفته وأحواله بغرض تزويجه، فينبغي على المسئول ألا يسكت عن عيب يراه مخلاً بالدين والأمانة، وليتقِ الله فيما يخبر فإن المستشار مؤتمن.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1282
الزواج من الخارج مشكلة اجتماعية
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والند والنظير، كل ذلك تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى أزواجه، وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر الأحباب: سمعتم قول النبي ﷺ : (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس) توجيه صريح لأولئك الذين يتزوجون من أي مكان ومن أي منبت، ألا وهو توجيه بالأخص لأولئك الذين يتزوجون من الخارج ولا اهتمام لهم ولا تقدير لهم بأن زواجهم بالأجنبيات أو من خارج بلادهم، أنه زواج غير مبني على علم أو تحرٍ للمنبت والبيئة التي نشأت فيها المرأة، فقد تكون تلك المرأة صالحة في بيئة فاسدة، وقد تكون فاسدة في بيئة صالحة، وقد تكون البيئة فاسدة والمرأة فاسدة، أولئك الذين لا هم لهم سوى البحث عن الجمال والفتيات الصغيرات أياً كانت النتائج والعواقب.
معاشر الأحباب: إن انفتاح باب الزواج من الخارج، يعني أنه بقدر العدد الذي تزوجنا به من خارج بلادنا، نترك نفس العدد عانسات أو مطلقات أو أيامى لا أزواج لهن في بلادنا، ومعنى ذلك أننا نشارك في مشكلة اجتماعية يوم أن نتهاون بالزواج من البلاد ونفتح هذا الباب؛ ولأجل ذلك -يا عباد الله- ينبغي أن نلتفت لهذا الأمر أشد الالتفات، وينبغي أن نحتسب الأمر ولو قليلاً في الزواج من داخل بلادنا؛ حصانة وصيانة لمجتمعنا، وإن من الملاحظ في غالب الأمر أن عدداً كبيراً من الزوجات اللائي هن من الخارج لا تُقدم الواحدة على الزواج من رجل آخر أو رجل بعيد عن بيئتها، وبعيد عن طبيعتها وموطنها وبلدها وأسرتها إلا لأجل إغراء معين، ألا هو إغراء المادة، ذلك الأغراء الذي يجعلها تتنازل عن بيئتها وعن أقاربها وأسرتها، من أجل أن تنال عرضاً من هذه الدنيا مع زوج يجلبها إلى بلد وأسرة غنية، ولا غرابة بما في ذلك أن نرى كثيراً من الأزواج الذين أتوا بزوجات من الخارج، فجاءوا بهن إلى هنا ورأين الغناء بعد الفقر، والسعادة بعد الشقاء وملكن مالاً وحُلياً ومتاعاً كثيراً.
لا غرابة أن نرى كثيراً منهم يشكو سوء معاملتها، وتنكيدها لهذه العِشرة التي عاش بها معها، ولا غرابة في ذلك؛ لأنها جاءت من بلاد فقيرة إلى أسرة غنية فحصلت على مأربها ومقصودها، وستعود إلى بلادها ثانية، إنها يوم أن قبلت بذلك زوجاً لها، لم تجعل في ذهنها أنها ستتزوجه وتبقى معه إلى أن يختم الله للجميع، لا.
وإنما الكثير منهن قد تزوجته إلى أن يتحسن ظروفها المادية، وتجمع منه حُلياً وذهباً، أياً كانت النتائج، وما دام ذلك الزوج لم يفكر في النتائج فمن باب أولى أن نرى المرأة غافلة بعيدة كل البعد عن هذه النتائج، سواء بالنسبة لها أو لأولادها، وإن كثيراً من المشاكل التي نراها اليوم هي بسبب الزواج من الخارج، ولعل من أخطرها أن ترى رجلاً في وسط عمره أو في آخر عمره أو في أي مرحلة من مراحل عمره، يتزوج بفتاة أجنبية أو من الخارج، فيأتي بها تُنجب منه ولداً أو ولدين.
وبعد ذلك قد يكتب الله له الوفاة والفراق من هذه الدنيا، فيبقى أبوه وإخوانه وأقاربه في مشكلة عظيمة مع زوجته التي أنجبت منه، أيجعلونها تعيش في هذه البلاد، ومع من تعيش وزوجها قد مات؟ أيجعلونها تسافر بأولادهم إلى بلادها وهذه مصيبة أكبر من التي قبلها:
فإن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم
والكثير منهن يسافرن بأولادهن بعد وفاة زوجها أو بعد أن يطلقها إن كان عابثاً لا يُقدر أمر النشء والذرية منها، وبعد ذلك تنتقل المرأة إلى بلدها بأولادها وبناتها، ما هو مصير الأولاد؟ في أي بيئة سيتربى هذا النشء؟ في أي مكان ستنشأ هذه الفتاة؟ وفي أي عقيدة يترعرع هذا الولد؟! إنها لمن أعظم المصائب ومن أهمها.
أيها الأحبة: إن أولئك الذين يتزوجون بغير حساب أو تقدير للعواقب، لا يفكرون في هذه الأمور، وما واقع أحدهم يوم أن تترعرع ابنته في بيئة وسخة قذرة، فيجد ابنته راقصة ماجنة أو خادمة في فندق أو مطعم أو في أي مكان من الأماكن، أليس هو الذي جنى هذا بالزواج من الأجنبية؟ أليس هو الذي جنى على نفسه وعلى هذه المسكينة بالزواج هذا؟ وما ذنب شاب صغير ينشأ -بسبب هذا الأب الذي أهمل ووقع في مشكلة سوء الاختيار- جاهلاً أمياً بعيداً عن العلم والتعلم، ينشأ في عقيدة فاسدة، وقد يكون في مكانٍ بعيدٍ عن المدن وغيرها، فيعيش حول القبور ويرى الذين ينذرون لها ويتقربون لها، ويعتقدون في الأموات ويذبحون وينذرون لهم، فينشأ وهو على هذه العقيدة الفاسدة والسبب الأول في ذلك هو ذلك الأب الذي تزوج بدون حساب أو تقدير لعواقب زواجه.
стр. 1283
المخاطر التي تواجه الأطفال بعد فراق الزوجين
إذاً: إن من أعظم المشاكل ومن أعظم الأخطار التي تواجه النشء بعد فراق زوجي بين أب من هذه البلاد وأم من بلاد بعيدة يواجه هذا النشء ثلاثة أخطار عظيمة: أولها: خطر العقيدة، أن ينشأ في عقيدة فاسدة.
وثانيها: خطر التربية والتعليم فينشأ فاسداً أمياً.
وثالثها: خطر مستقبله إن كان أبوه من الآباء الذين لم يلتفتوا إلى هذه الزوجة بعد فراقها، أو إن لم يكن لأولئك الأولاد من الأولياء من يتابع أمورهم في تلك البلاد البعيدة، يوم ألا يعقبون أمورهم، ويتابعون شأن أولادهم أو شأن أولاد المتوفى بالنسبة لهم، فيحاولون إعادتهم من جديد، فلاهم يكتسبون جنسية تلك البلاد ولا يمنحون جنسية هذه البلاد ما دام الزواج مبنياً على أسس غير سليمة.
والذين يقعون في هذا أكثر وأكثر هم أولئك الذين يتزوجون بغير إذن أو تصريح من السلطات الرسمية، ألا وإن الزواج ولو كان بعد إذن من السلطات الرسمية لمن الأمور التي لا ينبغي أن نحث عليها، وينبغي أن نتجنبها، وأقصد بذلك الزواج من الخارج.
معاشر الأحباب: ينبغي أن ننتبه وأن نقدر هذا الأمر، وأن نعطيه حقه من التفكير والتريث، وأن ننصح كل قريب أو بعيد نعرفه يريد أن يقدم على هذه المهمة، ونبين له أن الأمور لا بد أن يكون لها نتائج وأن هذه النتائج قد تكون سلبياتها ومصائبها وخيمة عليه.
معاشر المسلمين: إن الذين اندفعوا للزواج من الخارج في الغالب هم من كبار السن، تزوجوا بنات صغار يعرضونهن للفتنة، لماذا؟ لعجزهم عن القيام بالحقوق الزوجية كاملة، ويوم أن نعرف عن حالات كثيرة من الخيانات الزوجية والعياذ بالله، من زوجات صغيرات، مع أزواج كبار لا يقومون بحقوقهن ولا يستطيعون إرضاء رغباتهن، نُدرك خطر الزواج من الخارج خطراً عظيماً، ومن الملاحظ إن الذي يتجه للزواج من الخارج بحجة غلاء المهور يقع فيما فر منه وذلك بكثرة السفر والذهاب والإياب عند أدنى مشكلة تُصيب هذه الزوجة، فإذا حملت فلا بد أن يسافر بها قبل أن يرتفع بها حملها إلى الشهر السادس والسابع، فيبقى بعد ذلك مدة أعزباً، ثم إذا أنجب عاد ليُسافر من جديد ليعود بها إلى بلاده، فإن أصاب أهلها مشكلة أو مصيبة سافر بها من جديد إلى بلاده، وهكذا لا شغل له إلا الذهاب والإياب إلى بلادها، ولو فكر ملياً وتزوج من داخل بلاده بامرأة ولو مطلقة أو أم أولادٍ أو بلغت من السن فوق الثلاثين إلى الأربعين، فإنه يهنأ بزوجة في مكانه وفي مستقر عينه وفي مستقر بلاده وبين عينيه لا يفارقها من قريب ولا بعيد.
إذاً: فالذين يتزوجون من الخارج بدون حساب، أولئك لم يقدروا لهذه الأمور قدرها ولم يلتفتوا للعواقب والنتائج، وإن من المصائب التي سمعنا بها وعرفناها حق المعرفة، أن بعض النساء اللاتي تزوج بهن البعض من هنا الذين يحاولون أن يُواقعوا أزواجهم في أمور الصرف والسحر والشعوذة؛ لأنها لا تريد أن يكون زوجها ملتفتاً إلى أم أولاده أو إلى زوجته الأولى، فتحاول صرف حبه ومودته وهوى قلبه، تريد أن تصرف ذلك كله إليها، بعمل أو سحر، أو شعوذة، ولقد عرفت بنفسي أن رجلاً تزوج زوجة كهذه فلم يلبث مدة قليلة إلا أن أخرج أمه وأختاً له مريضة؛ وأبعدها في بيت بعيد عن داره، وبقي لكي يعيش بالسعادة في ظنه هو زوجته هذه الأجنبية، هل بعد هذا صرف، وهل بعد هذا شعوذة؟ رجل يبعد أمه ويبعد أختاً له مريضة لكي يعيش مع هذه الزوجة الأجنبية.
وما ذنب أمه وأخته المريضة، يبعدهما يطردهما بعيداً عن بيته؟ ألا وإنها من أعظم المصائب التي نجهلها ولا نلتفت إليها، ونسأل الله جل وعلا أن يمن على الجميع بالهداية والتوفيق، وأن يرزقنا التفكير والروية والسداد في الأمور؛ لأن الذين لا يفكرون ولا يقدرون، يقعون في مصائب ويُوقعون الجهات والسلطات في مصائب أعظم وبعد ذلك يقعون أمام الأمر الواقع، فمن يا ترى يحل مشاكلهم، أو يكون عوناً لهم نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليهم بالهداية ويهدي الجميع إلى ما يحبه ويرضاه.
معاشر المسلمين: ينبغي أن نلتفت إلى هذه المسألة التفاتاً قوياً، ويوم أن نقرأ البيانات والإحصائيات لعدد الذين يتزوجون من هذه البلاد لعدد الذين يتزوجون من الخارج ندرك أن مشكلة العانسات والأيامى والمطلقات، تزداد يوماً بعد يوم، ينبغي أن نلتفت لهذا الأمر عبر ما نستطيعه من وسائل الإعلام، عبر المنابر، عبر جلساتنا ولقاءاتنا، وينبغي أن نلتفت لهذه الأمور التفاتاً عظيماً وأن نُدرك خطورة هذا الأمر إدراكاً حقيقياً؛ لكي ننعم بهذه النعم العظيمة علينا، وأسأل الله جل وعلا ألا يوقع أحدنا في مشكلة كهذه، وأن يمن على الجميع بالسعادة، ألا وإن كل بلاد غنية بأهلها، وبخيراتها وببناتها وبنسائها فما حاجة أحدنا أن يترك بلاده بعيداً، ولا أقول عصبية أو قومية، فالناس أمام الله سواء لا فضل لأبيض على أسود ولا لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ولكن إن لكل أمرٍ حلاً وإن الحلول ينبغي أن توجد من داخل البيئة التي تنشأ فيها هذه المشاكل.
أسأل الله جل وعلا أن يمنّ على الجميع بالهداية والتوفيق.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين.
اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، وبعلمائنا مكيدة، وبشبابنا ضلالاً وبنسائنا تبرجاً وسفورا، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، اللهم اجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، اللهم أدر عليهم دائرة السوء بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهدهم لكتابك وسنة نبيك، اللهم اجمع شملهم، اللهم وحد كلمتهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم لا تشمت بهم حاسداً ولا تفرح عليهم عدواً وأرنا فيهم عزك ونصرك وتأييدك وهدايتك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين والمجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء دينك ورفع كلمتك في كل مكان يا أرحم الراحمين، اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، ولا تجعل اللهم إلى النار مثوانا، ولا إليها منقلبنا برحتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجا، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشةٍ أمناً.
стр. 1284
السحر والشعوذة وخطورتهما على الفرد والمجتمع
ما جعل الله من داء إلا وله دواء، وما من شيء في الكون إلا يسير وفق إرادة الله ، ومهما بلغ الجن والسحرة فهم تحت ملك الله تعالى، ولهم حدود لا يتجاوزونها، وإن كان الله مكنهم من شيء فهو لابتلائنا وتمحيصنا، وقد شرع الله لدفع السحر وعلاجه من الأدعية الثابتة في القرآن والسنة ما إن قام به العبد عافاه الله وحماه وصانه من كل مكروه.
стр. 1285
السحر ودوافعه وأسبابه
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء على حضوركم واجتماعكم في هذا المكان الطيب الطاهر المبارك، كما أسأله أن يرزقنا وإياكم السداد في القول، والإخلاص في العمل، وقبل أن نتناول حديثنا اليوم الذي تعلمونه وتعلمون خطره سلفاً، وإنما الحديث فيه من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين، أقول قبل ذلك، أشكر لهذا الطالب هذا البرعم المبارك بإذن الله تلاوته الطيبة الجميلة الرائعة التي سمعناها من كلام الله ، وهو أخونا (مرزوق العنيزان) فنسأل الله أن يقر عينه وعيني والديه بتمام ختمه وحفظه كلام الله كاملاً وأن يثبتنا وإياكم على دينه وسنة نبيه.
أيها الأحبة! يقول الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢].
هذه الآية لو كان في قلوب كل منتسب إلى الإسلام حياة، لعلم وأدرك وفهم من دلالاتها أن السحر خطير، وأن مبدأه ومنتهاه وقطب رحاه ومداره على الكفر بالله ، فشأنه عظيم، ومن دنا منه يوشك أن يمرق من الدين، وأن يحبط عمله بالكلية.
стр. 1286
تعريف السحر
أما تعريفه: فالعرب تسمي كل شيء خفي سببه ولطف ودق تسميه سحراً، ولذلك تقول العرب لشيء خفي، أخفى من السحر، وقال أبو عبيد -من علماء اللغة-: أصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره.
وعرفه ابن عقيل من علماء الأحناف بأنه: علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة لأسباب خفية.
стр. 1287
بواعث السحر
ولهذا السحر الذي هو عُقدٌ ونفث وطلاسم وتعاويذ وشعوذة وحروف يتسلط بها الساحر ليحدث أثراً خفياً في نفس المسحور، أو بفعل خفي ليظهر أثراً جلياً أو خفياً على نفس المسحور، هذا السحر له بواعث، فمن بواعثه: الشر والحقد والأذى: فكثيراً ما سمعنا امرأة سحرت ضرتها وما ذاك إلا من شديد الغيرة وعظيم المبالغة في الحقد والكراهية، وكثيراً ما نسمع أن عاملاً سحر مديره، وأن صغيراً سحر رجلاً أكبر منه في ارتباط بينه وبينه على عمل.
فربما كانت بواعث السحر حب الأذى أو الانتقام أو الكراهية الشديدة.
وكذلك من بواعثه: الرغبة في الثروة والشهرة وجلب الأموال، ففي البلاد التي لا يعتبر السحر فيها جريمة شرعية أو جريمة قانونية نظامية، يقبل طائفة على السحر، فيتعاطونه من أجل جلب الثروة والشهرة والمال، وأيضاً يتعاطاه طائفة ولكن على سبيل الخفية وغير الظهور من أجل جمع الأموال.
وأسألكم بالله: هل رأيتم ساحراً ثرياً، هل رأيتم ساحراً غنياً؟ هل رأيتم ساحراً يملك شيئاً يطمئن إليه ويتلذذ به ويستفيد منه؟
الجواب
إن جميع ما يملكه السحرة من الأموال أو من الثروات، ليس لواحد منهم تدبير فيه أبداً وإنما التدبير فيه لأولئك الشياطين الذين يتسخرون له، بسبب هذا السحر أو مقابل ما يفعل ولا حول ولا قوة إلا بالله، فطائفة ولجوا ودخلوا بوابة السحر يريدون أن يجمعوا من وراء ذلك أموالاً ولكن وكما يخبر رجال الهيئة ورجال الأمن والذين يطلعون على خفايا بعض الأمور أنهم إذا قبضوا على كثير من المشعوذين والسحرة وجدوا بيوتهم أضيق البيوت، وروائحهم أنتن الروائح، وثيابهم أقذر الملابس، وأحوالهم أتعس الأحوال، فلا يغبط ساحر على ما ملك، ولا يغبط على ما جمع وإن ادعى وادعى، أو تزيّا وظهر أمام الناس بمظهر السعادة أو الثراء، فإنه في حقيقة أمره عبد مملوك للشياطين والجن الذين يتعاونون معه، أو يسخرهم أو يتصرفون معه في تدبير المكائد والمؤامرات للأبرياء والضعفاء والمساكين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وكذلك من بواعث السحر أيضاً: ما يتسلط به بعض الناس لمحاولة إدراك المجهول أو المستقبل.
стр. 1288
قصة فرعون مع سحرته
ولا تظنوا أيها الأحبة! أن أمر السحر فقط موجود بين المسلمين، بل هو موجود بين الكفرة، بل موجود بين أقوام سالفين، وكلكم يعلم قصة موسى وفرعون، وأن فرعون جمع السحرة أجمعين لميقات يوم معلوم، ثم إن فرعون طلب من موسى معجزة فما كان منه إلا أن سلك يده في جيبه، ثم نزعها فإذا هي بيضاء من غير سوء ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:١٠٧] ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠] فقال فرعون: إن هذا لسحر، وقال وزراؤه وشياطينه وجلاوزته: إن هذا لمكر وهذا سحر يريد به موسى وأخوه أن يصرفا بني إسرائيل عنك يا فرعون، ويذرك وآلهتك أي: يتركك وملكك وسلطانك وقدرتك، ليصرف الناس عنك إلى غير ذلك.
فأمر السحر ليس بجديد وإنما هو قديم وكلكم يعلم أن الله ذكر في كتابه الكريم ما كان في تلك المناظرة العملية المشهودة التي اجتمع فيها السحرة وموسى بما آتاه الله من ثبات البرهان وقوة اليقين وعزيمة الإيمان، قال: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس:٨٠] وبين الله أن ما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى، ثم إنهم ألقوا حبالهم وعصيهم وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، فما كان من موسى ﵇ بتثبيت الله له، وتأييد الله له إلا أن ألقى تلك العصا، فانقلبت تلك العصا إلى ثعبان ضخم كبير عظيم مهيل، ثم التف هذا الثعبان على جميع ما أتى به السحرة مجتمعين فالتهمها ثم عادت إلى سيرتها الأولى، عادت تلك العصا صغيرة بعد أن ابتلعت كل سحر أتباع وشياطين ووزراء فرعون ومن معه، ولا يعرف السحر إلا من كان من أهل الصنعة وأصحابها.
لما رأى السحرة هذه العصا الصغيرة التي رميت على هذا السحر العظيم، على تلك الحبال الكثيرة، على تلك العصي المجتمعة، فما كان من هذه العصا إلا أن تعاظمت وتحولت إلى ثعبان حقيقي، وليست كما يفعل السحرة من تخييل وتصوير ورسوم يظنها الرأي أنها حقيقة، وليست بحقيقة إنما تحولت هذه العصا بأمر الله -الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون- إلى ثعبان عظيم فابتلعت والتهمت كل ذلك، فأيقن أولئك السحرة أن هذا ليس بسحر وإنما هي معجزات؛ لأنهم قد بلغوا في السحر غايته وقد بلغوا في الشعوذة قمتها، وقد بلغوا في الصنعة أعلى أقطابها، فما يظنون ولا يعلمون على وجه الأرض أن أحداً سوف يأتي بسحر أقوى من سحرهم، فعلموا أن هذه إنما هي معجزة ربانية وبرهان إيماني من الله لإقامة الحجة على هؤلاء، فما كان من السحرة إلا أن خروا جميعاً ساجدين: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠].
فانزعج فرعون وجن جنونه، وقد كان يجعل السحرة ردأً وحصناً ودرعاً وحزاماً وقوة يلجأ إليها لمواجهة هذا الوحي وتلك الدعوة، فقال: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف:١٢٣] يريد حتى في قضية العقيدة، وقضية العبودية والفكر والاعتقاد ألا يمارس شيء إلا بإذنه وتدبيره وسلطانه، لا بد أن تستأذنوه قبل أن تتركوا الباطل إلى الحق، لا بد أن تستأذنوه قبل أن تدعوا الكفر وتتجهوا إلى الإيمان، لا بد أن تستأذنوا فرعون قبل أن تدعوا ضلالته وتتجهوا إلى الهدى الذي جاء به موسى وهارون.
﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف:١٢٣] فأخذ يدعو بالويل والثبور ويرعد ويبرق ويزمجر ويتوعد: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ ثم قال: لأصبلنكم أجمعين، ولأقطعنكم، وأخذ يتوعدهم، فانظروا واعجبوا يا معاشر المؤمنين! كيف تبلغ حلاوة الإيمان مبلغاً يجعل الواحد يستحلي العذاب ويصبر على البلاء ويتحدى المواجهات، فقالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] تقتل، تصلب، تعذب، تجلد، تصادر، تفعل ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] ما هذه الحياة الدنيا حتى تتوعدنا وتتهددنا بها في مقابل ماذا؟ في مقابل الإيمان بالله ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣] أنت الذي أكرهتنا، وأنت الذي أوردتنا المهالك، وأنت الذي جعلتنا نصل هذه المعاطف، لكنا آمنا بالله الذي سيغفر لنا ذنوبنا وحوبنا ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣].
стр. 1289
دوافع السحر
الحاصل أيها الأحبة! أن من دوافع السحر حب التسلط والعظمة، من دوافع السحر حب الانتصار، وكان هذا ما يفعله فرعون لكن جعل الله معجزة نبيه موسى من جنس ما برع فيه شياطين فرعون لتكون المعجزة أقوى وأبلغ، كما أن عيسى كانت معجزته من جنس ما برع فيه قومه، وهم قوم مشهرون بالطب، فكانت معجزة عيسى ﵇ أنه يداوي ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصنع من الطين طيراً فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله.
الحاصل أن حب السيطرة والتسلط والاستطلاع وتدبير كل الوسائل التي من شأنها أن تجعل الترتيبات المستقبلية في صالح هذا الإنسان يستخدمون السحر لأجل ذلك.
ولا غرابة إذا قلنا لكم: إن الرئيس الفرنسي السابق فاليري جسكار كان يستخدم السحرة في كثير من استطلاعات الرأي في معارك الانتخابات، وكذلك رجل البقر الكاوبوي رونالد ريجن الذي كان رئيساً للولايات المتحدة أيضاً كان يستعين بالسحرة في معارك الانتخابات وغيرهم وغيرهم كثير.
والسحر موجود إلى يومنا هذا عند اليهود في بيعهم وصوامعهم، وعند النصارى في كنائسهم، وربما وقع فيه بعض المسلمين جهلاً، وبعضهم يقع فيه والعياذ بالله ويجهل أنه يفضي به إلى الكفر، ومن علم بذلك فأصر عليه فقد وقع في الكفر والعياذ بالله، ونسأل الله السلامة.
أيها الأحبة! هذه دوافع السحر: تسلط، وحقد، وكراهية، وتطلع للمستقبل، وشهرة، ولموع، ونجومية بين الناس.
стр. 1290
طرق السحرة لجلب الناس إليهم
ولكن
السؤال
إن هؤلاء السحرة لو أعرض الناس عنهم لأصبحت سلعهم بائرة وأصبحت بضائعهم كاسدة، فما الذي جعل سوق السحر عامرة؟ وما الذي جعل أسواق السحر ودكاكين السحر يرتادها الناس بين الفينة والأخرى؟
الجواب
يرجع ذلك إلى أمور: إن أهم دوافع اللجوء إلى السحرة يعود إلى الخواء الروحي، ويعود إلى تلك المعاناة، وإلى ذلك القلق، والشرود، والفراغ والجوع الروحي، والظمأ القلبي، كل ذلك من دوافع اللجوء إلى السحرة، فترى الواحد من هؤلاء الذين يشكو كل هذه الأعراض لا يتردد أن يذهب إلى السحرة؛ يظن أن عندهم ما يقلب شروده إلى نبوغ وتألق، وما يقلب ضيقه إلى سعة وأنس، وما يقلب وحشته إلى سرور وسعادة، وهو في الحقيقة كالمستجير من الرمضاء بالنار.
المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
أولئك يلجئون يريدون السعة فيقعون في الضيق، يريدون السعادة فيقعون في الشقاء، يريدون الأنس فيقعون في الوحشة، يريدون العافية فيزدادون ألماً وسقماً وعذاباً ومرضاً، وعند الله للأشقياء الذين يعرضون عن ذكر الله مزيد من أنواع البلاء: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].
أيها الأحبة! إن الله قد جعل لكل شيء زاداً وقواماً يقوم به، فلو أنا ملأنا الطائرات تراباً لتقلع على المدرجات وتحلق في الهواء ما أقلعت، ولو أننا ملأنا السيارات حصى ورملاً لتتحرك عن مواقعها ما تحركت، فللطائرات وقود معين، وللسيارات وقود معين، وكذلك للبطون شيء يناسبها مما يتحول قوة وعافية في الأبدان، وكذلك للقلوب أغذية معينة فلا تطمئن ولا تنشط ولا تعيش ولا تسعد إلا بتناولها غذاءها الذي شرعه الله لها ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] إن الذي خلق القلوب جعل غذاءها ذكر الله، وجعل دواءها كلام الله، وجعل دواءها اللجوء والفزع والتجرد بالعبادة لله ، فمن طلب دواءً غير ذلك فهو يزداد من الأسقام والأمراض زيادة، ويتداوى بالداء يظن أنه بهذا يحصل الدواء، لا دواء للقلوب إلا بذكر الله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] اسأل هؤلاء الشاردين، الذين ربما أصيب أحدهم بما يسمى بالاكتئاب أو بالشرود أو بالقلق فستجد بعضهم -حتى لا نعمم- قد دفع أموالاً طائلة كثيرة وربما ارتكب مخالفات شرعية كثيرة من أجل أن يفضي أو أن يضيف إلى نفسه سعادة ومتعة روحية، لكنه غير وجود ذلك رغم أنواع المهدئات وأنواع المفترات، وأنواع الأدوية والعقاقير، لكنها ما نفعت شيئاً، لكن الذي نفع هو كلام الله .
لكن الذي نفع هو القرآن الذي جعله الله شفاء ورحمة وهدىً للمؤمنين وشفاء لما في الصدور.
ولو أن الواحد منا إذا حل به شيء من الضيق أو القلق أو الشرود أو الاكتئاب أحسن الوضوء وتطيب، وتوضأ وأحسن الطهارة في بدنه وثوبه، ثم توجه إلى المسجد وصلى ركعتين وناح إلى ربه، وشكا إلى ربه، وتملق إلى ربه، وعظَّم خالقه، وعفر جبينه وأنفه لله ، وأطال السجود ليس كسجود الغربان الذين ينقرون الصلاة ركوعاً وسجوداً، وإنما ألح على الله والله وتالله وبالله تحقيقاً لا شك فيه، ثقة بوعد الله ليخرجن من باب المسجد قرير العين هادئ البال مطمئن النفس، وقد انقلب شروده إلى راحة، وانقلب اكتئابه إلى أنس وانطلاقة بإذن الله .
نعم أيها الأحبة! إن الخواء والبعد عن ذكر الله، من أهم الأسباب التي دفعت بعض الناس الذين نالتهم أعراض الاكتئاب وما تفرع عنها ظنوا أنهم مسحورون، وبعضهم قال له قائل أو جار أو قريب أو صديق: إنك مسحور وعليك علامات السحر، فصدق الأمر فلجأ إلى هؤلاء، ولو أنه أحسن اللجوء للجأ إلى الله الذي بيده مقادير الأمور جميعاً.
стр. 1291
ماهية السحر، وهل هو حقيقة أم خيال ؟
أيها الأحبة! تكلم أناس في السحر هل هو ضرب من الخيال أم حقيقة باصرة ماثلة للعيان؟ فطائفة قالوا: إنه كله تخيل لا حقيقة له، ومن الطوائف السالفة السابقة المعتزلة العقلانيون الذين قالوا: إن السحر لا حقيقة له، وإنما هو ضرب وأنواع من الخيال.
وطائفة قالوا: السحر كله حقيقة لا خيال فيه.
والحقيقة: أن السحر منه ما هو من الخيال ومنه ما هو من الحقيقة.
فالسحر له حقيقة وضرب من ضروبه، يؤثر على الإنسان من باب التخيل.
قال ابن قيم الجوزية في معرض كلامه وهو يرد على المعتزلة، الذين يقولون: إن السحر كله تخييل، قال: وهذا خلاف ما تواترت الآثار به عن الصحابة والسلف واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث وما يعرفه عامة الفقهاء.
ويقول ابن قدامة وهو من أئمة وكبار أئمة المذهب الحنبلي: وللسحر حقيقة، فمنه ما يقتل، ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن زوجته، وما يبغض أحدهما للآخر، أو يحبب بين اثنين، وهذا قول الشافعي.
وبالمناسبة على كلام ابن قدامة ﵀ أن من السحر ما يحبب بين اثنين، فللأسف أن طائفة من شياطين السحرة أخذوا يستخدمون السحر في الدعارة، فتجدهم والعياذ بالله يسحرون امرأة مسكينة ويعلقونها برجل إن كان قريباً أو بعيداً من غير محارمها ثم والعياذ بالله يقع بينه وبينها من الزنا ولا تجد نفسها إلا أسيرة مملوكة في الغالب لا تستطيع أن تخرج عن إرادة هذا الساحر.
واللوطية وأهل الشذوذ والعياذ بالله ومروجو الدعارة وأساطين الفساد والانحلال الأخلاقي كذلك ربما استخدموا هذا السحر من أجل أن يروضوا وأن يجروا من يشاءون ممن يريدون أن يتبادلوا معهم فعل الفواحش أو يفعل بهم الفواحش.
من المؤسف أن بعض الشباب قد بدأ بداية ضالة بدعوى حب الاستطلاع والاطلاع على العالم المجهول، بعضهم إذا سافر إلى بلد مجاورة يباع فيها كل شيء مما يضر ولا ينفع، تجد هذا الشاب يشتري كتب السحر ثم يأتي بها ثم يحاول أن يعزم ويعقد ويطلسم وينفث ويكتب ويضع المعادلات والمربعات والحروف والمقطعات من أجل أن يسخر فتى أو أن يوقع امرأة في حباله وشره.
والحقيقة كما قلنا أيها الأحبة! أن من السحر ما هو حقيقة وبعضه ما هو تخييل.
سُئل الإمام العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين هل للسحر حقيقة؟ أجاب سماحته بأن للسحر حقيقة ولا شك، وهو مؤثر حقيقة لكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن أو يسكن المتحرك فهذا خيال وليس بحقيقة، انظروا إلى قول الله في قصة السحرة من آل فرعون، يقول تعالى: و ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦] وفي الآية: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] يعني السحرة أولئك نثروا ورموا تلك الحبال والعصي وسحروا أعين الناس، فتخيل الناس أن هذه العصي والحبال حيات تسعى وبعضها يلتوي على بعض، فجاءت المعجزة أن حية حقيقة وليست خيالاً وهي التي بأمر الله خلقت وبأمر الله انطلقت ابتلعت ذلك السحر كله.
стр. 1292
حكم من شك أو نازع في ثبوت السحر
ومسألة السحر من شك أو نازع فيها فقد كفر لأنه ثابت، بل سُحر النبي ﷺ كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ سُحر، من الذي سحره؟ يهودي: ويبقى اليهود وراء الأذى في كل قضية، ويبقى اليهود هم الذين يتجرءون على ذات الله، يقولون: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤] و ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ويقولون: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم تعب فاستراح في اليوم السابع فأنزل الله قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨].
يبقى اليهود هم الذين يقتلون الأنبياء، هم الذين يؤذون الأنبياء إلى آخر نبي وهو ﷺ ، فالمرأة التي وضعت السم في الشاة للنبي ﷺ هي امرأة يهودية، والرجل الذي سحر الرسول ﷺ هو رجل يهودي.
فيا معاشر المؤمنين! أيظن من وراء اليهود خيراً أو يرتجى منهم الأمن أو السلامة من شر، هذا ما كان للأنبياء فكيف نريد أن يكون للمسلمين في دبر الزمان وفي حال الضعف للمسلمين.
стр. 1293
إثبات أن النبي ﷺ سحر
الشاهد: أن هذا الرجل الذي سحر النبي ﷺ يهودي يقال له لبيد بن الأعصم، سحر النبي ﷺ في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر فحل، أي: من النخيل، وعقد ووضعها، ثم أصيب النبي ﷺ بالسحر، فكان يخيل إليه أنه أتى أهله وما أتاهم، ويخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، لكن الله سبحانه أنجى نبيه من هذا السحر ورقى جبريل النبي محمداً ﷺ بالمعوذتين فشفي وأخرج السحر وحل بإذن الله وبمنِّ الله .
قد يقول قائل: ما دام أن النبي ﷺ قد سحر والكفار يقولون: بمعرض احتجاجهم على القرآن ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الإسراء:٤٧] وهو يأتي بالوحي فربما جاءنا بوحي أو شرع تشريعاً وهو في حال من السحر؟ نقول: لا.
لماذا لأن الوحي الذي هو من عند الله لا يمكن أن يتسلط عليه الشياطين أو السحرة أو البشر، بل إن سحر النبي ﷺ فيه إثبات بشريته ﷺ ؛ حتى لا نعبده ولا نتوسل به من دون الله، وحتى لا نفزع إليه ولا نلجأ إليه بعد مماته ﷺ أو فيما لا يقدر عليه إلا الله في حياته، وأما جانب الوحي: فإن الوحي معصوم أن يكون النبي ﷺ قد قال شيئاً من الوحي وهو في حال لا يعقل أو في حال سحر أو نحو ذلك، لماذا؟ لأن الوحي من عند الله، فإن النبي ﷺ قال: (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) فإذا كان القرآن ينزه أن يكون السحر له تأثير عليه، فكذلك كلامه التشريعي والوحي الذي يقذفه الله إلهاماً وإخباراً وإنباءً من الله لمحمد ﷺ لا يمكن أن يكون سحراً بأي حال من الأحوال.
وطائفة قالوا: لا بد نتكلم أو نرد قضية أن النبي سحر حتى لا يتطرق الكلام أو الشك أو الريب والتردد في مسألة الوحي؟ نقول: لا.
بل نثب ما ثبت في السنة، ونفهم الأمور على حقيقتها، فكما يقول ابن قيم الجوزية وقبله ابن تيمية ﵀: إن منهج الأئمة الأعلام والذين آتاهم الله البصيرة والفقه أنهم لا يردون الأخبار بمجرد إيراد تهمة أو شبهة عليها، وإنما يتدبرون ويعقلون ويفهمون ثم بعد ذلك يصرفون الأمور والأحكام وفق ما دلت عليه النصوص، فلا يكذبون بالنصوص ولا يضربون بعضها ببعض.
يقول الدكتور عمر سليمان الأشقر، وله كتاب قيم جميل عالم السحر والشعوذة، يقول: السحر أنواع: فمنه ما هو حقيقي، ومنه ما هو تخيلي، ومنه ما هو مجازي وهو الذي يعتمد على خفة اليد والألعاب، لكن حتى هذا السحر الذي يظنون أنه يعتمد على خفة اليد لا يخلو من السحر التخيلي، وأنتم تلاحظون أن ساحراً من السحرة يقف أمام الجماهير ثم ينحني راكعاً لهم، وفي الحقيقة يركع للشياطين قبل ذلك ثم يحيونه بالتصفيق وبالصفير والمكاء والتصدية ثم لا يلبث ويأتي بمنديل ويحركه أمامه ثم يدخله في القبعة، ويخرج ثلاثين أرنباً وأربع حمامات وخمسة قطط، وعد من الغرائب والعجائب من هؤلاء الذين يسحرون الناس وهم في الحقيقة سحرة لا شك في أفعالهم.
ويظن ظان أو يقول قائل: إن هذا ضرب من خفة اليد أو شيء من ألعاب السرك ونحو ذلك؟ الحقيقة هي الحقيقة؛ أنه سحر يخيل لهذا الرائي أنه رأى مثل هذه الأمور.
стр. 1294
ما يبذله الساحر ليمكن من السحر
واعلموا أيها الأحبة! أن السحر لا يمكن أن يتسخر لساحر ولا يمكن أن يستطيع ساحر أن يعمل السحر ليصرف أو يحبب أو يبعض أو يقرب أو يفرق أو يؤذي أو يجعل في البدن بلاء، أو يجعل الإنسان ضعيفاً إما عاجزاً عن جماع أهله أو عاجزاً حتى عن أن يتحرك، أو عاجزاً عن التفكير أو يجعله في غيبوبة فكرية، أو في نسيان وشرود ذهني عجيب، لا يمكن أن يستطيع الساحر أن يصل إلى هذه الدرجة إلا بعد أن يجتاز المخالفات العظيمة الكبيرة التي بها يترقى لدرجة السحر بعد الوقوع في الكفر.
ولا أريد أن أفيض في بعض الأسباب التي يتأهل بها الساحر للوقوع في هذه الدرجات، أو للسيطرة على مثل هذه الحالات، لكن لتعلموا أن السحرة لا يبلغون هذا إلا بكفر عظيم، وأن الشياطين تطلب من الساحر أن يسجد للأصنام أولاً، وتطلب منه أن يتبول على المصحف، وتطلب منه أن يجعل المصحف في دورة المياه ثم يتبرز عليه، وتطلب منه أشياء عظيمة خطيرة جداً، فلا تتصور أن هذا الساحر استطاع أن يصل إلى هذه الدرجة، وأن الجن والشياطين قد وقفوا معه هذا الموقف حباً أو كرامة أو انقياداً أو هيبة أو خوفاً من سطوته، أو لما عنده وعند آبائه وأجداده؟
الجواب
لا.
إنما هي عملية مقايضة: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: عندما تتعلم هذا السحر وتعرفه تكفر؛ ولأجل ذلك فلا نصدق أن هؤلاء الذين يدعون -وهم من السحرة- أنهم يتعاملون مع الصالحين وأنهم يتعاملون مع هؤلاء وهؤلاء.
стр. 1295
إبطال دعوى السحرة التعامل مع الصالحين
الحقيقة أنهم يتعاملون مع الشياطين، وأذكر في مجلس حضر فيه سماحة الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز فسأله سائل قال: أنا رجل أداوي الناس ولي صلة بالجن وهم من الصالحين، ويخبروني عن بعض الأمور ويفعلون ويحققون لي بعض الأمور فما قول سماحتكم بذلك؟ فقال سماحته متع الله به: ما يدريك أنهم صالحون، وهل تعلم أنهم من المنافقين أم من المتقين، وهل تعلم أنهم يصدقون أم يكذبون؟!! فدعوة التعامل مع صالحي الجن أصبحت اليوم معزوفة يغني ويرقص عليها كثير من الذين يأخذون ويتسلقون إلى الجن، إن الطبيب الاستشاري الذي يدرس سبع سنوات طب ثم سنة زمالة، ثم سنة امتياز أو قبلها سنة امتياز ثم زمالة ثم، ثم، ثم، وبعد عمر طويل ويخرج الشيب في لحيته أو في رأسه، وبعد ذلك يكون استشاريّاً أجر كشفيته وأجر فحصه مائة ريال فقط لا غير، لكن يأتي هذا المشعوذ بهذه الدعوى أو يدعي ذلك الكلام كذباً وتطفيفاً على الناس.
وقد يكون بعض الناس هو في الحقيقة لا يتعامل، ما كفر لكنه يدعي أنه يتعامل مع صالحي الجن، ويكذب على الناس كذباً صراحاً ثم يأخذ منهم، والمريض مستعد أن يبذل الشيء الكثير، فإذا جيء وقيل له: ما اسم أمك، ما اسم جدتك؟ هل تفعل، ما تفعل؟ أعطنا فنيلتك، أعطنا، أعطنا، ادفع ألف ريال وغداً تعال وخذ شيئاً من التمائم والعزائم والكتابات والمحو والطلاسم وغير ذلك، فتجدهم ينقادون ويستجيبون ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالسحر اتفاق بين السحر والجني على إحداث شيء بالإنسان، وهذا قد يجعل الإنسان إما عاجزاً عن مباشرة زوجته وهو ما يسمى بالربط، أو إحداث نزيف بالمرأة، أو إسقاط للجنين، أو إحداث مرض معين كصداع، أو نوع صمم أو عدم سمع، أو عدم نطق أو شيء من الشلل الجزئي في جزء أو في أجزاء من الشخص، أو إحداث حبٍ أو كراهية ونحو ذلك.
لكن حقيقة السحر الذي يستعين به الساحر على فعل ما يريد فعله بالإنسان الذي يراد سحره هو الكفر؛ ولذلك قال : ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] وقد تواتر النقل عمن بحث في أحوال السحر والسحرة أن بينهم تلك العلاقة الكفرية الخطرة بين الجن والشياطين، بل إن بعض الشياطين وبعض مردة الجن يأمرون الساحر أن يأكل النجاسة والحيايا والخشاش والحشرات وغير ذلك، ولا يستطيع أن يرفض لهم طلباً بأي حال من الأحوال.
стр. 1296
ذكر بعض ما مكن الله للجن
فإذا علمنا أن السحر لا يتم إلا بهذا، فهل يبقى في ذهن أحدٍ شك أن السحر مقتضاه ومبدؤه ومعاده وأوله ونهايته مرتبطة بالكفر بالله .
إن الجن قد يتسخرون في بعض عمليات السحر، والجن مخلوقات موجودة، فالجن ليسوا جمادات إنما هم موجودون.
وكذلك من أنكر الجن فقد كفر، وكذلك من أنكر أن الجن يعبثون ويتصرفون ويداخلون بني آدم فقد أنكر شيئاً أصبح شبه متواتر أوشك أن يتم الإجماع عليه بين الناس، لكن الجن كما قال الله : ﴿إنه يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧].
стр. 1297
قدرة الجن على التشكل
الشياطين والجن يروننا ولا نراهم فلهم القدرة على رؤيتنا ولم نعط القدرة على رؤيتهم، وهم يستطيعون أن ينتقلوا انتقالاً سريعاً في أقطار الأرض، ويستطيعون أن يصعد بعضهم على بعض في طبقات الفضاء يسترقون السمع، وربما ضربتهم الشهب التي تفرق جموعهم، ولدى هؤلاء الجن والشياطين القدرة على أن يتشكلوا بأشكال مختلفة، فقد يتشكلون في صورة بشر أو حيوان أو أفعى ونحو ذلك، وبالمناسبة إذا رأى الإنسان كلباً بهيماً أسود أو شيئاً أسود بهيماً من هذه الحيوانات وقد استوحش منها، ورآها فجأة في داره فليعلم أن ذلك من تصور الجن والشياطين، فعليه ألا يبادر بقتلها، بل عليه أن يتعوذ بالله من شرها ثلاث مرات، فإذا لم تزل ولم تخرج ولم تبتعد عنه فحينئذٍ بعد هذا الإنذار فله أن يقتلها، وقد ثبت في الحديث أن أحد الصحابة رضوان الله عليه أقبل على بيته قادماً من الغزو فرأى امرأته عند الباب، فاشتعلت غيرته وسل سيفه يظن أن امرأته خرجت تريد شيئاً آخر فقالت: دونك لا تعجل انظر ما بداخل الدار.
فلما دخل وجد ثعباناً أسود عظيماً على فراشه فما كان منه إلا أن سل السيف مرة أخرى واخترطه على هذا الثعبان ثم التف الثعبان عليه فقتله، قال ﷺ لما أخبر بالأمر: (لا أدري أيهما أعجل بصاحبه) وقال: (إن لهذه الدور عوامر) والمعنى: أن الإنسان إذا رأى في الدار شيئاً مثل ذلك فلا يستنكر ولا يعجب بل عليه أن يقول: نعوذ بالله من شرك، نعوذ بالله من شرك، نعوذ بالله العظيم من شرك، نعوذ بالله من شرك اخرج عن دارنا، اخرج عن مكاننا، يحذره ويهدده ثم بعد ذلك إذا لم يستجب بعد ثلاث فله أن يقتله ولا يضره بإذن الله .
ومعلوم أن الجن والشياطين لديهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، يتشكلون بصورة بشر أو حيوان أو غير ذلك، وأيضاً قد سخرهم الله لسليمان، فكانوا سخرة عبيداً بين يدي سليمان ﵇ يبنون القصور الشاهقة، ويصنعون الصحاف الكبيرة، والقدور الراسية، ويغوصون في أعماق البحار ويستخرجون اللآلئ من جوفها فإذا خالف أحدهم فإن سليمان -قد أوتي ملكاً عظيماً- يصفدهم في الأغلال والأصفاد ولا يخرجون عن ملكه.
стр. 1298
تمكين الأنبياء من الجن
ومعلوم أن النبي ﷺ قد ذكر للصحابة فقال: (تفلت عليّ البارحة شيطان ليفسد عليّ صلاتي ثم إني أمسكت به حتى وجدت برد لعابه على يدي) أي: شيطان تفلت على النبي ﷺ فما كان من النبي ﷺ إلا أن قبض عليه، وخنقه حتى سال لعابه، قال: (فهممت أن أربطه بسارية المسجد ليلعب به الصبيان ويرونه، لكني تذكرت دعوة أخي سليمان ﵇ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] فتركه النبي ﷺ .
ومعلوم أن الشيطان أيضاً يجري من ابن آدم مجرى الدم كما ثبت في السنة، لكن هؤلاء الشياطين لا يستطيعون أن يأتوا بمعجزات الأنبياء، ولا يستطيعون أن يأتوا بكلام الأنبياء في عصمته وإعجازه، ولا يستطيعون أن يأتوا بشيء من كلام الله، ولا يستطيعون أن يتصوروا بصور الأنبياء، فقد قال ﷺ : (من رآني فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي) ولا يستطيعون أن يأتوا بمثل كلام الله، قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١٢].
стр. 1299
للجن حدود لا يتجاوزونها
وأيضاً لا يستطيعون أن يجاوزوا حدوداً معينة، فلا تظن أن هؤلاء الشياطين يفعلون ما يريدون أو يشتهون، فلهم حدود معينة ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣].
وقد بين ﷺ أن الشياطين لا تحل قربة أُوْكِيَتْ، ولا تكشف آنية خُمِّرَتْ، ولا تفتح باباً مغلقاً، كل ما عليك أن تقول وأنت تغلق الباب: باسم الله فلا يستطيع أكبر شيطان أن يفتحه.
يقول لي أحد الإخوة وكان مبتلىً بتسلط الشياطين في بيته، قال: إذا وضعت المسجل على سورة البقرة بتلاوة بعض الأئمة -مسجل وجهين- أعود فأجد أنه ينطفئ فوراً، قلت: هل تقول: باسم الله حينما تبدأ؟ قال: لا.
قلت: ارجع وضع السلك في الفيش وقل: باسم الله وأنت تضع الشريط، وقل: باسم الله وأنت تدير الزر الذي يحرك هذا المسجل ثم انظر هل يستطيعون أن يغلقوه أم لا، قال: ففعلت ذلك فوالله أخذ المسجل أياماً تتكرر هذه السورة في صالة المنزل ما انطفأ وما انقطع لحظة واحدة بإذن الله.
كل ما عليك إذا أردت أن تجعل الجن والشياطين في عجز أن يفعلوا معك شيئاً فعليك أن تقول: باسم الله، كثير من الناس يرمي ثيابه ولا يسمي، يتعرى في دورة المياه ولا يسمي، ينتقل من مكانه ولا يسمي قل: باسم الله فإن النبي ﷺ قال: (ستر ما بين الجني وعورات بني آدم ذكر اسم الله .
لنعلم أن لهؤلاء الشياطين والجن قدرة محدودة لا يستطيعون أن يجاوزوها، ومن ادعى غير ذلك فقد أعطى هؤلاء قدراً أكبر منهم.
стр. 1300
حكم تعاطي السحر
أما حكم السحر والساحر فالسحر كفر وتعاطيه كفر ولا يجوز.
من الأدلة على ما ذكرناه آنفاً قول الله : ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] وجه الاستدلال: أن الآية رتبت الحكم وهو الكفر على الوصف المناسب وهو السحر، وهذا مشعر بأن العلة في الكفر هو السحر، ومن الأدلة في نفس الآية قول الله : ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] الآية.
وفي الآية التصريح بأن تعلم السحر كفر، قال النووي ﵀: عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي ﷺ من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفراً ومنه ما لا يكون كفراً، بل يعد من الموبقات والكبائر المهلكة العظيمة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام.
والسحر المجازي وإن لم يبلغ مبلغ الكفر إلا أنه حرام لما فيه من إفساد عقائد العامة، فإن العامي إذا شاهد ما يفعله الساحر من أمور غريبة لا يعرف سببها ربما اعتقد في الساحر شيئاً من صفات الربوبية فيهلك بذلك.
أذكر مرة في كوالالمبور في ماليزيا أننا دخلنا سوقاً وكان معنا بعض الإخوة على إثر زيارة في مهمة، فدخلنا سوقاً من الأسواق فوجدنا الناس قد اجتمعوا على امرأة، فرأينا عجباً وقلنا ما هذا التجمع على المرأة، فجئنا لننظر لماذا يجتمعون، فإذا بهم يجتمعون حول امرأة ساحرة تفعل أشياء فقلت: لأحد الإخوة قف أمامها وسأقف بجوارها أو خلفها وليقرأ كل واحد منا آية الكرسي، والله يا إخوان لما بدأنا نقرأ آية الكرسي تلخبط الأمر في يديها وأخذت تهرش وتمرش في جسمها وشعرها وجلدها وأخذت تتلفت وشعرت بأن من حولها ما يفسد ما تقوله وما تدبره على هؤلاء الحضور.
ثم تضاحكنا عجباً من أن هذا الساحر أمره ضعيف، وكيده في تباب، وأمره في ضلال وخسار، لا يستطيع أن يأتي شيئاً بقوة السلاح الذي تحمله وهو أسماء الله وصفاته، آية الكرسي، القرآن العظيم الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وحينئذٍ فإنك بإذن الله تستطيع أن تسلم وأن تعصم نفسك من شر هذا السحر وأنواعه.
следующие страницы →