← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ذكر بعض ما مكن الله للجن فإذا علمنا أن السحر لا يتم إلا بهذا، فهل يبقى في ذهن أحدٍ شك أن السحر مقتضاه ومبدؤه ومعاده وأوله ونهايته مرتبطة بالكفر بالله . إن الجن قد يتسخرون في بعض عمليات السحر، والجن مخلوقات موجودة، فالجن ليسوا جمادات إنما هم موجودون. وكذلك من أنكر الجن فقد كفر، وكذلك من أنكر أن الجن يعبثون ويتصرفون ويداخلون بني آدم فقد أنكر شيئاً أصبح شبه متواتر أوشك أن يتم الإجماع عليه بين الناس، لكن الجن كما قال الله : ﴿إنه يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧].

стр. 1297

قدرة الجن على التشكل الشياطين والجن يروننا ولا نراهم فلهم القدرة على رؤيتنا ولم نعط القدرة على رؤيتهم، وهم يستطيعون أن ينتقلوا انتقالاً سريعاً في أقطار الأرض، ويستطيعون أن يصعد بعضهم على بعض في طبقات الفضاء يسترقون السمع، وربما ضربتهم الشهب التي تفرق جموعهم، ولدى هؤلاء الجن والشياطين القدرة على أن يتشكلوا بأشكال مختلفة، فقد يتشكلون في صورة بشر أو حيوان أو أفعى ونحو ذلك، وبالمناسبة إذا رأى الإنسان كلباً بهيماً أسود أو شيئاً أسود بهيماً من هذه الحيوانات وقد استوحش منها، ورآها فجأة في داره فليعلم أن ذلك من تصور الجن والشياطين، فعليه ألا يبادر بقتلها، بل عليه أن يتعوذ بالله من شرها ثلاث مرات، فإذا لم تزل ولم تخرج ولم تبتعد عنه فحينئذٍ بعد هذا الإنذار فله أن يقتلها، وقد ثبت في الحديث أن أحد الصحابة رضوان الله عليه أقبل على بيته قادماً من الغزو فرأى امرأته عند الباب، فاشتعلت غيرته وسل سيفه يظن أن امرأته خرجت تريد شيئاً آخر فقالت: دونك لا تعجل انظر ما بداخل الدار. فلما دخل وجد ثعباناً أسود عظيماً على فراشه فما كان منه إلا أن سل السيف مرة أخرى واخترطه على هذا الثعبان ثم التف الثعبان عليه فقتله، قال ﷺ لما أخبر بالأمر: (لا أدري أيهما أعجل بصاحبه) وقال: (إن لهذه الدور عوامر) والمعنى: أن الإنسان إذا رأى في الدار شيئاً مثل ذلك فلا يستنكر ولا يعجب بل عليه أن يقول: نعوذ بالله من شرك، نعوذ بالله من شرك، نعوذ بالله العظيم من شرك، نعوذ بالله من شرك اخرج عن دارنا، اخرج عن مكاننا، يحذره ويهدده ثم بعد ذلك إذا لم يستجب بعد ثلاث فله أن يقتله ولا يضره بإذن الله . ومعلوم أن الجن والشياطين لديهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، يتشكلون بصورة بشر أو حيوان أو غير ذلك، وأيضاً قد سخرهم الله لسليمان، فكانوا سخرة عبيداً بين يدي سليمان ﵇ يبنون القصور الشاهقة، ويصنعون الصحاف الكبيرة، والقدور الراسية، ويغوصون في أعماق البحار ويستخرجون اللآلئ من جوفها فإذا خالف أحدهم فإن سليمان -قد أوتي ملكاً عظيماً- يصفدهم في الأغلال والأصفاد ولا يخرجون عن ملكه.

стр. 1298

تمكين الأنبياء من الجن ومعلوم أن النبي ﷺ قد ذكر للصحابة فقال: (تفلت عليّ البارحة شيطان ليفسد عليّ صلاتي ثم إني أمسكت به حتى وجدت برد لعابه على يدي) أي: شيطان تفلت على النبي ﷺ فما كان من النبي ﷺ إلا أن قبض عليه، وخنقه حتى سال لعابه، قال: (فهممت أن أربطه بسارية المسجد ليلعب به الصبيان ويرونه، لكني تذكرت دعوة أخي سليمان ﵇ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] فتركه النبي ﷺ . ومعلوم أن الشيطان أيضاً يجري من ابن آدم مجرى الدم كما ثبت في السنة، لكن هؤلاء الشياطين لا يستطيعون أن يأتوا بمعجزات الأنبياء، ولا يستطيعون أن يأتوا بكلام الأنبياء في عصمته وإعجازه، ولا يستطيعون أن يأتوا بشيء من كلام الله، ولا يستطيعون أن يتصوروا بصور الأنبياء، فقد قال ﷺ : (من رآني فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي) ولا يستطيعون أن يأتوا بمثل كلام الله، قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١٢].

стр. 1299

للجن حدود لا يتجاوزونها وأيضاً لا يستطيعون أن يجاوزوا حدوداً معينة، فلا تظن أن هؤلاء الشياطين يفعلون ما يريدون أو يشتهون، فلهم حدود معينة ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]. وقد بين ﷺ أن الشياطين لا تحل قربة أُوْكِيَتْ، ولا تكشف آنية خُمِّرَتْ، ولا تفتح باباً مغلقاً، كل ما عليك أن تقول وأنت تغلق الباب: باسم الله فلا يستطيع أكبر شيطان أن يفتحه. يقول لي أحد الإخوة وكان مبتلىً بتسلط الشياطين في بيته، قال: إذا وضعت المسجل على سورة البقرة بتلاوة بعض الأئمة -مسجل وجهين- أعود فأجد أنه ينطفئ فوراً، قلت: هل تقول: باسم الله حينما تبدأ؟ قال: لا. قلت: ارجع وضع السلك في الفيش وقل: باسم الله وأنت تضع الشريط، وقل: باسم الله وأنت تدير الزر الذي يحرك هذا المسجل ثم انظر هل يستطيعون أن يغلقوه أم لا، قال: ففعلت ذلك فوالله أخذ المسجل أياماً تتكرر هذه السورة في صالة المنزل ما انطفأ وما انقطع لحظة واحدة بإذن الله. كل ما عليك إذا أردت أن تجعل الجن والشياطين في عجز أن يفعلوا معك شيئاً فعليك أن تقول: باسم الله، كثير من الناس يرمي ثيابه ولا يسمي، يتعرى في دورة المياه ولا يسمي، ينتقل من مكانه ولا يسمي قل: باسم الله فإن النبي ﷺ قال: (ستر ما بين الجني وعورات بني آدم ذكر اسم الله . لنعلم أن لهؤلاء الشياطين والجن قدرة محدودة لا يستطيعون أن يجاوزوها، ومن ادعى غير ذلك فقد أعطى هؤلاء قدراً أكبر منهم.

стр. 1300

حكم تعاطي السحر أما حكم السحر والساحر فالسحر كفر وتعاطيه كفر ولا يجوز. من الأدلة على ما ذكرناه آنفاً قول الله : ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] وجه الاستدلال: أن الآية رتبت الحكم وهو الكفر على الوصف المناسب وهو السحر، وهذا مشعر بأن العلة في الكفر هو السحر، ومن الأدلة في نفس الآية قول الله : ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] الآية. وفي الآية التصريح بأن تعلم السحر كفر، قال النووي ﵀: عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي ﷺ من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفراً ومنه ما لا يكون كفراً، بل يعد من الموبقات والكبائر المهلكة العظيمة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام. والسحر المجازي وإن لم يبلغ مبلغ الكفر إلا أنه حرام لما فيه من إفساد عقائد العامة، فإن العامي إذا شاهد ما يفعله الساحر من أمور غريبة لا يعرف سببها ربما اعتقد في الساحر شيئاً من صفات الربوبية فيهلك بذلك. أذكر مرة في كوالالمبور في ماليزيا أننا دخلنا سوقاً وكان معنا بعض الإخوة على إثر زيارة في مهمة، فدخلنا سوقاً من الأسواق فوجدنا الناس قد اجتمعوا على امرأة، فرأينا عجباً وقلنا ما هذا التجمع على المرأة، فجئنا لننظر لماذا يجتمعون، فإذا بهم يجتمعون حول امرأة ساحرة تفعل أشياء فقلت: لأحد الإخوة قف أمامها وسأقف بجوارها أو خلفها وليقرأ كل واحد منا آية الكرسي، والله يا إخوان لما بدأنا نقرأ آية الكرسي تلخبط الأمر في يديها وأخذت تهرش وتمرش في جسمها وشعرها وجلدها وأخذت تتلفت وشعرت بأن من حولها ما يفسد ما تقوله وما تدبره على هؤلاء الحضور. ثم تضاحكنا عجباً من أن هذا الساحر أمره ضعيف، وكيده في تباب، وأمره في ضلال وخسار، لا يستطيع أن يأتي شيئاً بقوة السلاح الذي تحمله وهو أسماء الله وصفاته، آية الكرسي، القرآن العظيم الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وحينئذٍ فإنك بإذن الله تستطيع أن تسلم وأن تعصم نفسك من شر هذا السحر وأنواعه.

стр. 1301

عقوبة الساحر عقوبة الساحر في الإسلام: نوجز مذاهب العلماء في هذه المسألة: القول الأول: بعض أهل العلم بوجوب قتل الساحر من غير استتابة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة ومالك ورواية عن الإمام أحمد، وهذه الرواية هي المذهب عند الحنابلة، وعزا القرطبي هذا القول إلى جمهور أهل العلم وهو أن الساحر يقتل ولا هوادة، وقال به من الصحابة عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبو موسى الأشعري. القول الثاني: وجوب قتل الساحر كفراً إذا عمل بسحره أمراً يقتضي كفره، فإن كان سحره بغير الكفر ولكنه فعل سحراً قتل به حداً، فإن جعل السحر آلة للقتل فيقتل قصاصاً ويضرب عنقه، وفي غير هاتين الحالتين يعزر ولا يقتل وهذا مذهب الإمام الشافعي وهو قول للإمام أحمد ﵀. والواجب أن نحذر المسلمين عموماً من هؤلاء السحرة وأفعالهم. ويقول: الشيخ ابن باز: فالواجب على ولاة الأمور وأهل الحسبة وغيرهم ممن لهم قدرة وسلطان إنكار إتيان الكهان والعرافين ونحوهم ومنع من يتعاطى ذلك، والإنكار عليهم أشد الإنكار، وألا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، وألا يغتر بكثرة من يأتي إليهم ممن ينتسب إلى العلم، فإنهم غير راسخين في العلم، بل هم من الجهال لما في إتيانهم من المحذور، ولأن النبي ﷺ نهى عن إتيانهم وسؤالهم وتصديقهم لما في ذلك من المنكر العظيم والخطر الجسيم. ويقول الشيخ ابن عثيمين: والسحرة يجب قتلهم سواء قلنا إنهم كفروا أم لم يكفروا بل لا بد من قتلهم، لعظم ضررهم وفظاعة أمرهم، فهم يفرقون بين المرء وزوجه وبين الزوج وزوجته، وقد يعطفون فيألفون بين الأعداء، ويتوصلون بذلك إلى أغراضهم إلى آخر ما قال.

стр. 1302

الأسباب التي تجعل الإنسان يقع في السحر الأول: ضعف التوحيد في قلب العبد: فإن العبد الذي يضعف التوحيد في قلبه، ويضعف التوكل على الله في نفسه وفؤاده، تراه مسكيناً ضعيفاً؛ ولذلك فإن الشيطان صرح كما أخبر الله : ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٤٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ﴾ [النحل:٩٩] أي: الشيطان ﴿سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩]. فالمخلص العابد المعتني بالطاعة المتوكل على ربه حقيقة التوكل، ليس للشيطان عليه سلطان، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون، فمن لم يتحصن بالتوحيد وقع في حبائل السحرة والمشعوذين إذا خططوا ودبروا ذلك وأراد الله ذلك أو كان ذلك بمشيئة الله . الثاني: الإسراف على النفس بالذنوب: كذلك أيها الأحبة! كثير ممن يقعون في السحر وحبائله وفخاخه ممن يسرفون على أنفسهم بالذنوب والمعاصي، والله يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] ويقول : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران:١٦٥] وإن كانت الآيات قد نزلت في غزوة أحد، لكن كما في القواعد الشرعية الأصولية: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]. فالإنسان المضيع للواجبات، المرتكب للمعاصي والمحرمات، والمتساهل بكثير من الأمور؛ فإنه يكون أكثر من غيره وأقرب وأسهل من غيره وعرضة أن يؤثر فيه السحر وأن يقع فيه السحر. الثالث: كذلك من الأسباب التي توقع في ذلك: التساهل في مجالسة هؤلاء السحرة، فإن هؤلاء السحرة بما وقعوا فيه من الأذى لا يرضون أن يكونوا فقط هم الذين يتسخرون للجن من بين سائر من حولهم من جلسائهم وأقربائهم، فتراهم إما أن يسحروهم ثم يوقعونهم ثم يستدرجونهم لكي يقعوا في ذات السحر الذي وقع فيه الساحر، وإما يؤذونهم بذلك أو ليجعلوهم تحت رحمتهم والعياذ بالله، وإما أن يمهدوا بذلك الطريق لكي يكونوا سحرة. فمجالسة السحرة ومجالسة المشعوذين والتساهل بذلك ولو بدعوى الاستطلاع فإنه أمر يفضي إلى الوقوع فيه أو الإصابة به، وما كان ﷺ ينطق على الهوى لما قال: (من ذهب إلى عراف فسأله فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) (ومن ذهب إليه وسأله ولم يصدقه -كما في الحديث- لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ذلك من شدة التحذير والتنفير من الوقوع والقرب من هؤلاء السحرة، وما تظنون برجل يجالس السحرة والمشعوذين هل ستكون نهايته أن يحفظ القرآن؟ أو يحفظ الصحيحين؟ أو يفهم مسائل الفقه وأمور الشريعة؟ الجواب لا، فكل يتعلم من القوم ما عندهم من البضاعة، وكل إناء بالذي فيه ينضح.

стр. 1303

الطرق الشرعية في الوقاية من السحر والسحرة أولاً: السحر شرك وعلاجه التوحيد، فمن أراد أن يُشفى أو يداوي مريضاً من السحر فعليه أن يعمق في قلبه قضية لا إله إلا الله، واللجوء إلى الله، والتضرع إلى الله، وأنه لا يكون شيء إلا بتدبير الله، وأنه لا يفعل أحد شيئاً لم يأذن به الله، ولا يستطيع أحد أن يقرب ما بعّده الله، أو يقبض ما بسطه الله، أو يعطي ما منعه الله، أو يدفع ما قدره الله، إذا اشتعل وتألق الإيمان والتوحيد والعقيدة في قلب الإنسان فإنه بإذن الله يكون من أعظم أسباب وقايته وشفاءه من السحر. ثانياً: ومن السبل أيضاً: الاستعاذة بالله : فإن السحر فيه نزغات، والله يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون:٩٧]. ومعلوم أن القواقل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، من أعظم الأسباب التي يدفع بها السحر بإذن الله . ثالثاً: تقوى الله. رابعاً: الصدق مع الله ، الصدق مع الله ، وأعجبني قصة فتاة كانت ممبتلاة بألم في رجلها أو في ساقها وفخذها وطلبوا الأطباء وأعيتهم الحيل، فجاءهم رجل عرفوا أنه مشعوذ ساحر فيما بعد، لكنه قال: أريد منكم أن تفعلوا كذا وتأتوا بكذا وتقولوا كذا وتذبحوا كذا، فقالت الفتاة: إن أراد الله أن يشل قدمي الأخرى ولا أفعل ما يقول هذا الساحر، فما أجمل التقوى وما أجمل التسليم، وما أجمل الانقياد لله . وقد يبتلي الله عبداً من عباده ببلاءٍ عظيم كما في الحديث: (لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج من الدنيا وما عليه خطيئة) قد يقدر الله على عبد بلاء من أنواع البلاء أو سقماً من أنواع الداء والسقم ليرفع درجاته وليكفر سيئاته، لمنزلة لا يبلغها بعمله، لكن الله اختار له منزلة، فبلغها بصبره على هذا البلاء، الشاهد أن الصبر والتقوى من خير ما يدفع به السحر ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠]. خامساً: العناية بالصدقة والإحسان فإنها من الأسباب التي تدفع البلاء والسحر والحسد بإذن الله . سادساً: الإكثار من قراءة القرآن والأدعية المأثورة، يقول ابن القيم: ومن أنفع علاجات السحر: الأدوية الإلهية، بل هي من أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ودفع تأثير هذه الأرواح الخبيثة السفلية يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كان أقوى وأشد كان أبلغ في دفع السحر، وذلك بمنزلة التقاء جيشين، مع كل منهما عدته وسلاحه فأيهما غلب على الآخر قهره وكان الحكم له. ثم يقول ابن القيم كلاماً جميلاً يكتب بماء الذهب: فالقلب إذا كان ممتلئاً من الله، مغموراً بذكر الله، وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات ورد لا يخل به، يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له. ومن أعظم العلاجات له بعدما يصيبه، لكي نحمي أنفسنا أيها الأحبة من هذه الشرور علينا أن نلهج بذكر الله، وألا تزال ألسنتنا دائماً لاهجة بذكر الله ، وهناك أذكار بعينها تدفع الشر بأنواعه منه السحر، فمن ذلك قول النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب -يعني كمن أعتق عشر رقاب- وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت حرزاً له من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل مثل عمله أو أكثر من ذلك) الحديث متفق عليه.

стр. 1304

ترك الصلاة مما يوقع في أعمال السحرة كذلك من الأسباب التي توقع الإنسان أي يكون عرضة لما يراد به من السحر وبضدها تكون حرزاً وحصناً من الوقوع فيه، أو الابتلاء به الصلاة مع الجماعة، فقد قال ﷺ : (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) رواه الإمام أحمد وأبو داود. فالذي لا يحرص على الصلاة مع الجماعة، ويتهاون بالجماعة، وينقر صلاته في بيته وحده، فذلك عرضة إذا دبر له مكيدة سحر أن يقع. فيا إخوان! كيد السحرة كثير ومنتشر في هذا الزمان، لكن الكثير من الذين يحافظون على صلاة الفجر ما يؤثر فيهم السحر، الذين يحافظون على الصلوات مع الجماعة ما يؤثر فيهم السحر، الذين يحافظون على الأذكار ما يؤثر فيهم السحر، لا تظنوا أن قلة أو ندرة المصابين بالسحر دليل على أنه أمر نادر جداً! لا، إن كيد السحرة كثير لكن الله يدفع كيدهم بالأسباب الشرعية التي شرعها على لسان نبيه ﷺ من الأذكار وأداء الصلوات مع الجماعة، فالحديث الذي بين أنه ما من ثلاثة في بدو أو حضر أو قرية لا يؤدون الصلاة جماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان ماذا تريد من إنسان يصلي وحده، ينقر صلاته نقر الغراب، من الساهين عن الصلاة، يصلي الظهر في آخر وقتها أو في دخول وقت العصر، يصلي المغرب في وقت العشاء وهلم جرا، ما تريد من رجل استحوذ عليه الشيطان وقد دبر له مكيدة سحر، كيف تريد له أن يسلم من ذلك؟! يقول ﷺ : (قل: قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء) في معرض خطاب النبي لأحد الصحابة يقول له: (اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء). أما إذا ابتلي الإنسان بسحر فعليه أن يعتني بصدق اللجوء إلى الله وشدة الاضطرار، والفزع إلى الله، والثقة بأن الله تعالى هو الذي قدر الأمور، وهو يكشف أنواع البلاء، ولا يدفع الضراء إلا هو، ولا يجلب السراء إلا هو ، فمن ابتلي بالسحر عليه أن يجرد التوحيد واللجوء إلى الله ، وليعلم أن مسبب الأسباب هو الله ، وما هذه إلا بمنزلة حركات الرياح بيد محركها وفاطرها وبارائها لا تضر ولا تنفع إلا بإذنه ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]. وقال ﷺ : (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) رواه الإمام أحمد والترمذي. لنعلم من هذا أن من أوائل ما يفزع إليه الإنسان حينما يبتلى بالسحر أن يفزع إلى الله وأن يحقق التوكل واللجوء إلى الله .

стр. 1305

مما يدفع السحر: الرقى الشرعية كذلك لا بأس بالرقى، قال ﷺ : (من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) فالرقى والتعاويذ إذا سلمت من أمور، فأولها: ألا يكون فيها شرك ولا معصية، ودعاء غير الله أو الإقسام على الله بغير الله ، رأيت عند أحد إخواننا القراء بعض الحروز من الجلد وحروز من خرق، وغير ذلك فتحناها وقرأنا الأوراق، إذ بها يا عبدوس يا شيطون أقسمنا عليكم بحق عين سين قاف، بحق حاء ميم إلا أجبتم، افعلوا عاجلاً لا تتركوا هذا العبد المسكين فإنه في كربة، فهذا دعاء للشياطين وشرك بالله . فمثل هذه الرقى ومثل هذه التعاويذ لا تزيد إلا شركاً، فمن شرط الرقية أن تكون سالمة من الشرك ودعاء غير الله، وأن تكون بالعربية وما يفقه معناه، وألا يعتقد المرقي أو المسحور أو المبتلى أنها تؤثر بذاتها، وإنما التأثير بتقدير وتدبير الله، والله قد جعلها سبباً مباركاً. وأنفع الرقى ما كان بالقرآن الكريم، أنفع الرقى ما كان بكلام الله . وبالمناسبة فإن أناساً تتقطع قلوبهم على فلان بن فلان يا ليت أنه يحصل من فلان ساعة يقرأ عليّ فأنا مبتلى، يا ليت من يذهب إلى فلان أو يعرف عند فلان واسطة كي يقرأ عليّ لأن ذاك راقٍ ممتاز، يا أخي الكريم! أنت ترقي نفسك، يوشك أن يعتقد بعض الناس أن فلاناً بيده أو عنده أو حوله أمر معين يجعله يؤثر بنفسه أو يستقل بالتأثير من دون تدبير الله ، من شدة اللغو في الأشخاص الذين يرقون. يا أخي الكريم! لا بأس أن تذهب إلى راقٍ لكن لا بأس أيضاً أن ترقي نفسك، ولا بأس أن يرقي بعضنا بعضاً، فليس من شرط الرقية أن يكون الإنسان سالماً من كل ذنب، فقد يبتلى الإنسان بمصيبة من المصائب، فلنفرض أنه مدخن والباكت في جيبه، فلنفرض أن إنساناً عنده معصية من المعاصي، يقول: لا، أنا ما يمكن ينفع الله برقيته، لا يا أخي! ترقي ابنتك وترقي ولدك وتقرأ على أولادك، ولا تقول: لا والله أنا عندي ذنب أو عندي معصية أو مرتكب فأنا لا يمكن أن أرقي أو أستعمل هذه السبل الشرعية في دفع البلاء ومعالجة هذا السقم؛ لأن هذه الرقى هي دعاء والدعاء من كل عبد كان عاصياً أو مطيعاً، من كل عبدٍ كان مقتصداً أو كان سابقاً بالخيرات، أو مفرطاً يدعو الله ويلجأ إلى الله والله يكفيه. الشاهد ألا نغلو وألا نغالي في بعض الأشخاص الذين يقرءون ونظن أنه لا يمكن أن يشفي إلا رقية فلان وقراءة فلان، لا بأس قد ينفع الله بقراءة ورقية فلان لصلاحه وتقواه ودينه، وقبل ذلك بإرادة الله الشفاء، ولكن لا نعتقد أن الإنسان إن لم يجد من يرقيه أو يقرأ عليه فإنه لا يمكن أن يستفيد من الرقى، بل أنت ترقي زوجتك وترقي بنتك وترقي أولادك وترقي نفسك، حتى لو كان عندك من الذنوب والمعاصي. فمن ادعى أن الرقية لا يفعلها إلا من هو كامل فقد أبطل كل رقيه إلا من قليل ممن رحم الله، ولا شك أن الصلاح له نفع بإذن الله ، ولا بد للمريض أن يتيقن أن كلام الله نافع ومؤثر حتى يستفيد لأن من الناس من يقول لماذا؟ نجرب إن نفعت وإلا ما ضرت هذه الرقية، أو ما نفع هذه القراءة من القرآن، لا، إذا كنت تقول نجرب القرآن، إن نفع وإلا ما ضر فاعلم أنك لن تستفيد، لا تستفيد إلا إذا تيقنت تمام اليقين بكمال الاعتقاد أن القرآن شفاء وأنه مؤثر ونافع بإذن الله، كما يقول الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء:٨٢].

стр. 1306

جملة من السبل الشرعية لدفع السحر من السبل الشرعية: إذا استطاع الإنسان أن يعرف أو يفتش أو يقلب أو يتوهم، ربما الإنسان يتكرر عليه في المنام رؤيا إنسان معين يشك في عداوته، وربما يرى في المنام رؤيا مكان معين تحت أو خلف الدولاب أو جنب السرير فلا بأس لو كشف مثل هذا المكان فربما وجد عقداً أو تمائم أو مشطاً أو مشاطةً أو أي شيء من ذلك تكون هي مادة السحر، وبعضهم يجعله قريباً من مكان المسحور نفسه، بعضهم يجعله قريباً من بيته، أو فرشه، في مكتبه أو أثاثه، فإذا وجد السحر واستخرج وأبطل وكما يقول ابن القيم، فهذا أبلغ ما يعالج به المطبوب، أي: المسحور وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ. كذلك استعمال الأدوية المباحة فإن ذلك ينفع، ومما ينفع أيضاً تناول سبع تمرات عجوة صبيحة كل يوم، ففي صحيح البخاري عن عامر بن سعد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (من اصطبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره سحر ولا سم ذلك اليوم إلى الليل). وكذلك من الأمور المهمة: قراءة سورة البقرة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، (اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما) (اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) قال معاوية: بلغني أن البطلة هم: السحرة. وقراءة سورة البقرة معلوم ومجرب ونافع بإذن الله ، وقراءة آية الكرسي حين تبيت فإنه لا يقربك شيطان كما في قصة أبي هريرة، وقراءة الآيتين الآخرتين من آخر سورة البقرة كما في البخاري من حديث ابن مسعود قال ﷺ : (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه). كذلك مما عرف بالتجربة في كتب وهب بن منبه وغيره أنه إذا سحر الإنسان سحراً، ربط به عن زوجته، أي: ما عاد يستطيع أن يجامعها، أو ضعف في جماعها بعد أن كان يعلم أن فيه قوة وحيوية في هذا الجانب، فمن الأدوية النافعة في ذلك أن يأتي بسبع ورقات من سدر، ثم يطحنها بين حجرين، ويضعها في إناء، ويسكب عليها ماءً، ثم يضربها ويقرأ عليها آية الكرسي والقواقل: قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس، قل يا أيها الكافرون، ثم بعد ذلك يشرب منها ثلاث حسيات، ثم يغتسل بالباقي فإنه بإذن الله مجرب، وأعرف كثيراً ممن ربطوا عن زوجاتهم فعلوا ذلك فنفع الله به نفعاً، ولا بأس أن يكرر استعماله مرتين وثلاث حتى بإذن الله ينجلي هذا السحر. ومن الأساليب النافعة في الرقية، رقية المسحور، أن تكرر الآيات التي فيها ذكر بطلان كيد الساحر وأن أمره في تباب، وأنه لا يفلح حيث أتى، كقوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١١٨]. وقول الله : ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٩]. وقول الله : ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١] وكقول الله : ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وشمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، اللهم احفظنا بأسمائك وصفاتك، اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا، اللهم اكفنا شر كل ذي شر، اللهم يا رب الفلق اكفنا شر ما خلقت، واكفنا شر ما ذرأت وبرأت ومن شر كل ذي شر ومن شر ما أنزلت، ومن شر ما كان في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. أقول قولي هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وجزاكم الله خير الجزاء.

стр. 1307

الأسئلة

стр. 1308

الذهاب إلى من يدعون الصلاح ومعهم جن السؤال لدي زوجة قد ابتليت بالسحر، وذهبت بها لعدة مشايخ للقراءة عليها، وعندما يقرأ عليها تقوم بعد القراءة متضايقة جداً ولا ترغب في المنزل ولا الأولاد، وإنني الآن في حيرة، حيث ذكر لي أن شخصاً يفك السحر بمعونة من الجن ولا يسأل عن اسم أم المريض أو أب المريض، وإنما يقول له: قم فتوضأ في هذا الإناء واذكر الله كثيراً، ومن بعدها يقول له: اقرأ المعوذات وبعد القراءة للمعوذات يغطي رأس المسحور ويجعله ينظر في ماء الوضوء ويريه من الذي عمل له السحر، ويحضره في حينه ويحرقه أمام المريض ويشفى بإذن الله، ويوصيها هذا الشخص المعالج بمعاونة الجن بالإكثار من الدعاء لهم، وكثرة قراءة القرآن والأدعية المأثورة في هذا الباب للتحرز من الشيطان، أرجو الإجابة الشافية، وهل ذهابي إلى هذا الشخص يعد من الشرك والعياذ بالله من ذلك، علماً بأن الشخص لا يعمل السحر ولا يشعوذ وإنما يقرأ بعض القرآن ويقول الجن الذين معي خدم لآيات القرآن هل هذا صحيح أرجو توضيح ذلك مشكورين وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أما القول بأن هناك جناً خدماً لآيات معينة في القرآن فأقول والله أعلم ولا أدري عن هذا شيئاً، لكن إذا كان الشخص لا يأمرك بفعل شيء يفضي إلى الشرك والكفر، ورجل معروف في دينه وصلاحه، وربما استخدم طريقة معينة لا تتضمن أمراً شركياً وإنما هي من باب الدعاء والرقية والتعويذ، أو بعض الأدوية المجربة والأساليب المجربة، مثل قضية السدر مثلاً هذا سبب من الأسباب المجربة النافعة، فنقول: نرجو أنه مما لا بأس به، وينبغي أن يكون المسلم أصبر من الجن والشياطين، فتجد بعض الناس يقرأ مرة أو مرتين ثم يقول: مللت وكللت وسأذهب إلى ساحر حتى يفك هذا السحر، نقول: لا، اصبر يا أخي الكريم، لا يكون هؤلاء يمشون في سحرهم وفي ضلالهم ويكونون أصبر منك على هذا الكيد الذي يفعلونه، بل عليك أن تصبر على الأساليب والطرق الشرعية حتى يأذن الله بشفائك أو شفاء الأهل. على أية حال نحن عندنا شرط واضح في هذه المسألة وهو السلامة من دعاء الجن واللجوء إليهم أو الاعتقاد بأنهم يفعلون، نحن نتكلم عن ذات الشخص وذات المريض، نقول: إذا كان هذا الطبيب أو هذا الراقي يفعل أسباباً مشروعة معينة أو أموراً مجربة لم يرد في الشرع ما يحذر منها من غير الوقوع في شرك أو ذرايعها أو ما ينافي كمال التوحيد فلا بأس بذلك، أما قضية دعوى أن هناك خداماً للآيات وإلى غير ذلك فأقول: الله أعلم وما سمعنا وما عرفنا أن ذلك من الأمور المشروعة.

стр. 1309

حكم تعلم السحر السؤال السلام عليكم ورحمة الله: معظم البيوت تتعرض للإصابة بالسحر وذلك بوجود الشغالات الإندونيسيات أو غيرهن اللاتي يعتبرن هذا الأمر نوعاً من الدين ويقمن بدارسته من سنة مبكرة في مدارس خاصة، والناس هنا فيهم طيبة بحيث يصدقون أقوالهن وأفعالهن، بل إن بعض النساء أصبحن يتعلمن منهن فماذا تنصح أهل البيوت وخصوصاً الرجال، لأنهم هم الذين يتعرضون للسحر من هؤلاء الشغالات لأنهن يعتبرنه في ذلك من التوحيد وأنه لا يخرج من الملة ولا يعرفن أن ذلك حرام؟ الجواب نصيحتي لأهل البيوت أولاً: أن يعمروا بيوت الله بذكر الله ، فإذا كانت البيوت عامرة بكلام الله وسنة رسول الله والأمور الخيرة النافعة فلو وجد فيها آلاف من الخدم الذين يعقدون ويفتنون والله ما يضرون مادام البيت معموراً بذكر الله، وأسماء الله وصفاته، هذا أمر. الأمر الآخر: أن كثيراً من الناس يبالغون في التلطف مع الخادمات، يقول: مسألة الخدم بلوى ابتلينا بها، كما يقول الشيخ السادات الشنقيطي: في بيوتنا ذنب نذنبه كل يوم لا نستغفر الله منه، وهو وجود الخادم. فعلاً، والله إن هذا ذنب في بيوتنا، وفي أغلب البيوت خدم بلا محارم، وذلك أمر قد عمت به البلوى وكثر به التساهل، فإذا كان ولا بد، فلا بد للإنسان أن يعتني بهذه الأمور. أولاً: ألا ينطلق في التعامل والتباسط من قبل أهل البيت، وألا يذيبوا الحواجز حتى لا يطمع هؤلاء الخدم في أهل البيت وليعاملهم معاملة العدل، فلا يجعلوهم يطمعوا فيهم، ولا يضيقون عليهم فيحقدون عليهم، لأن هؤلاء إن طمعوا فيك سحروك وآذوك وإن حقدوا عليك سحروك وآذوك، وما كل هؤلاء أيضاً من السحرة حتى لا نعمم، لكن ربما يكون فيهم من يعرف ذلك أو يحاول أن يفعل مثل هذه الأساليب، لكن خير ما يتحصن به الإنسان في أهله وبيته ذكر الله . أما البيت الذي لا تجد في الصالة إلا مطرباً، وما في الحجرة إلا دش، وما في الأماكن إلا صور معلقة، يعني مهيأ أن يكون ضيافة خمسة نجوم للشياطين والسحرة، فكيف تستغرب أن يكون أو أن يوجد فيه السحر والشعوذة، لكن الخير أن يكون بيت مؤمنين، بيت إيمان لا صور معلقة، ولا أغاني تفتح، ولا شر يعلن، ومثل ذلك القرآن دائماً موجود. وبعد ذلك يا إخوان! عندنا فرصة أجمل مما يكون تعلمناها من العجائز، وهي إذاعة القرآن الكريم يتركونها مدة أربع وعشرين ساعة مفتوحة في البيت فلا يستطيعون أن يقعدوا عندك بإذن الله طالما أنت تدخل وتسمي الله، إذا دخلت تقول: باسم الله، قال الشيطان: ارجعوا فلا مبيت لكم ولا طعام ولا غداء ولا عشاء. وإذا خرجت قلت: باسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله إلخ كفيت وهديت ووقيت، فالأذكار تحفظ وإنما يقع الناس في هذا البلاء إذا ضيعوا الأذكار، ويا ليت المدارس الحكومية والمدارس الأهلية تفرض حفظ الأذكار على الأطفال صماً غيباً لا يضيعه أحد فإن ذلك من خير ما ينفع ويفيد. أتمنى أن يكتب عدد من الإخوة الحضور اقتراحاً إلى وزارة المعارف وإدارة التطوير والمناهج أن يُجعل الأذكار من أوائل ما يحفظه الطالب في المرحلة الابتدائية، مع تحفيظ الأسرة أولادهم هذا؛ فإنه بإذن الله ينفع، وهي أذكار بسيطة: الفاتحة وآية الكرسي وآخر البقرة والمعوذات وأذكار معينة من دخول وخروج وتعويد على البسملة، فبإذن الله هذا يجدي وينفع.

стр. 1310

فضل آية الكرسي ومنعها السحر السؤال هل قراءة آية الكرسي صباحاً ومساء هل تمنع من السحر؟ الجواب نعم بإذن الله .

стр. 1311

كتب تساعد على معرفة السحر السؤال نساء يردن أن تشير إلى بعض الكتيبات التي تساعد على زيادة معرفة هذا النوع من السحر والشعوذة من حيث أيضاً ما يتقون به أسباب هذا المرض؟ الجواب هنا كتاب انصح به اسمه: " الصارم البتار في الوقاية من السحر والشعوذة والأشرار " أو شيء من هذا للشيخ وحيد عبد السلام بالي. وهذا كتاب من أجمل وأجود وأنفع ما ألف في السحر وعلاجه.

стр. 1312

حكم طلاق المسحور السؤال سؤال مفاده أن زوجين حصل بينهما طلاق بسبب عمل من أعمال السحر وهما يحبان بعضهما ولكنهما لما تزوجا حصل بينهما الكراهية ثم تفرقا، وصدر قرار الفتوى بالتفريق بينهما، فيقول: هل بالإمكان إعادة بعضهم لبعض بعد أن يتم علاجه، وكأنه يقول: هل لهذا الطلاق تأثير أو يلزم أنها لا بد أن تتزوج آخر؟ الجواب على أية حال نحن لا نعلم الغيب، لكن إذا حصل بينهما طلاق وثبت هذا الطلاق وبقي في رصيده طلاق ما يمكن أن تحصل به الرجعة، يعني لم يكن ذلك الطلاق طلاقاً بائناً مثل أن يكون طلقة ثالثة، وإنما طلق طلقة واحدة ثم انتهت العدة ثم رأوا أن حالهما تحسنت ورغب بعضهما في بعض، فلا بأس أن يرجع من غير خضوع وخوف وضعف أنه تحت رحمة السحرة، وأن السحرة إن شاءوا فرقوهم وإن شاءوا جمعوهم، بل عليهما أن يقدما وأن يمضيا وأن يلتقيا وأن يجتمعا في رعاية ما بينهما من الود والمحبة من سالف عهدهما الزوجي، أو رعاية أبنائهما إن كانت بينهما أبناء ولا يخضعا للضعف، (استعن بالله ولا تعجز ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا).

стр. 1313

ضعف الإرادة توهم بالسحر السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإني أحبك في الله، ماذا يصنع من يعلم أو يظن أنه مسحور؟ الجواب كثير من الناس فيهم مرض ضعف الإرادة، يريد أن يذهب في الساعة السادسة والنصف إلى الدوام لكن الوسادة تخبط على وجهه ورأسه فلا يقوم إلا في الحادية عشرة، يريد أن يذهب إلى الجامعة في الساعة السابعة أو الثامنة فلذة النوم لا تجعله يقاوم أن يخرج إلى كليته أو معهده، يريد أن يتوجه إلى وظيفته يريد أن يعمل عملاً يريد أن يتجر يريد أن يذهب إلى السوق فتجده كسولاً جثة راقدة قاعدة لا يتحرك أبداً، ثم إذا مرت الأيام وأصبح ضعيفاً مفلساً متخلفاً قال: أنا مسحور، ما ثمة سحر، إنما هو ضعف الإرادة. فأيضاً ينبغي أن نتعلم أن الإنسان يعود نفسه على قوة الإرادة، لا تجعل نفسك بشهواتها تغلب على حي على الصلاة حي على الفلاح، إن شهوة النوم تغلب على الدوام في الوقت المناسب، والوقت المحدد، شهوة الراحة تغلب على طلب العلم والدراسة، ثم بعد ذلك نقول: أنا مسحور أنا إلى غير ذلك، لا يا أخي الكريم! ما فيك إلا ضعف إرادة، ولو أنك بت أو ذهبت قوياً منطلقاً شكيم العزيمة قوي الإرادة بإذن الله ما يضرك شيء ولا تتوقع أنك مسحور، ولكن إذا تضاعفت وتضعضعت، وتهيأت نفسياً للسحر، يأتيك جني على الطريق ويركب في المكان الخاوي، فالإنسان عندما يهيئ نفسه للسحر ويخضع، كأنه يفتح ضيافة لهؤلاء الشياطين، وبالمناسبة كلما كان الإنسان قوياً في شخصيته، قوياً في ذاته كان الشياطين أبعد عنه بإذن الله ، فيعود الإنسان نفسه قوة الشخصية، وقوة الإرادة ولا يضعف ولا يتزعزع بأية حال، أنصح الشباب خاصة فيما يتعلق بالإرادة والعزيمة في الدراسة والعمل والطلب، في محاضرة ألقيت في أحد المساجد بعنوان: (الحزم أو الضياع) أنصح بسماع هذه المحاضرة فلعلها تعالج هذا الجانب الذي يعترض بعض الشباب أو ينتابهم من الضعف والفتور والكسل ثم يدعون أن فيهم مساً أو سحراً أو نحو ذلك.

стр. 1314

ما يفعله من وجد حرزاً السؤال ماذا يفعل من يجد في منزله حجاباً أو ما شابهه؟ الجواب عليه أن يسمي بالله وأن يفتفته وإن غمسه في ماء قد قرئ فيه كما يفعل أو كما أخبرني بعض القراء ولا أدري ما الدليل على ذلك وإن أحرقه وأتلفه فلا يضره شيء بإذن الله .

стр. 1315

حقيقة كتاب حوار صحفي مع جني مسلم السؤال أفيدونا عن صحة كتاب (حوار صحفي مع جني مسلم) ما صحة هذا الكلام؟ الجواب هذه الكتب لا ينبغي أن تتداول ولا تنشر ولا تطبع، وهي حقيقة فكرة تسويقية لجلب المال، وقد استطاع صاحب الكتاب بهذه الطريقة، أن يجلب من المال ما استطاع، وإلا من الذي قال لك: إن هؤلاء الجن صادقون، وما الدليل على صدق ذلك، وما هو الدليل على أنك تثير هذه القضايا، وبالإمكان غداً أن يقول لك شخص: والله الشيطان رقم ستة وثلاثين في حوار ساخن على (السي إن إن) وجمع الناس على الصحيفة هذه ونقل مثل هذه المعلومات والأخبار، هذا كلام فارغ ولا ينبغي الإقبال عليه ولا ينبغي تصديقها أبداًَ بأي حال من الأحوال. بالمناسبة أذكر أن شاباً متلبساً بالجن صلى معنا، وقال: والله أنا معي جني وكذا، ويريد أن يتحدث معك، قلت: انظر يا أخي أنا والله لست متفرغاً للإنس فهل أتفرغ للجن، لكن تعال نسمع ما عندك، فبدأ وأعطاني من هذه القصص والسواليف سمعت أول مرة، ورأيت من أحواله عجباً أغلقت عليه الباب ثم فوجئت أن الباب انفتح، والرجل يصرع في حال خروج الجني، وينفتح الباب وينغلق وكذا. ثم جاء مرة ثانية فقلت: والله لست متفرغاً وليس عندي استعداد الآن لهذه الأمور، ثم سألته حتى أتأكد من صدق دعواهم في أنهم يعلمون أو يطببون أو يعرفون، بالمناسبة بعض الجن قد يكون عنده شيء من علم الطب الشعبي أو علم الطب ببعض الأساليب الأولية وغيرها، فقلت له: إن رجلاً مبتلىً بكذا وكذا ما عندك من العلاج له؟ قال: يا أخي يكتب الآيات الفلانية ويعلقها على ظهره، قلت: إخسأ يا البعيد! ما يعلق القرآن على الظهر أبداً، هذا من وسائل الشرك لما يفضي إلى الاستهانة بالقرآن الكريم، فتلاحظ أن بعضهم يدعي أنه يفعل ذلك ثم لا يلبث إلا أن يأتي بالخزعبلات والهرطقات التي لا يقبلها عقل ولا يصدقها، فلا بد من قوة الشكيمة والعزيمة في مواجهة هؤلاء، وإن كنت ضعيفاً وتسلطوا عليك فنسأل الله أن يعيننا وإياك.

стр. 1316

من أنواع السحر ما يقتل السؤال هل السحر يقتل، بمعنى هل المسحور يمكن أن يموت بسب السحر الذي به؟ الجواب نعم ممكن وكما مر معنا في المحاضرة، فإذا ثبت أن الساحر قتل بسحره أحداً فإنه يقتل قصاصاً.

стр. 1317

نصيحة لمن يسحر الناس ولو كانوا من محارمه السؤال هل من نصيحة لأهل الزوجة الذين يسحرون الزوجة -ابنتهم- بسبب مشاكل بينهم وبينه للانتقام منه؟ الجواب السحر كيد ومكر وخداع، والله قال: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣] فكل من دبر مكراً، سحراً بمكر أو مكراً بسحر فسوف ينقلب عاقبته وشره على من فعل، والمخادع لا يخدع إلا نفسه، والذي يضر لا ينقلب إلا عليه سعيه والعياذ بالله، فينبغي أن ننتبه وأن نحذر، ولنعلم أن المقة من الله، وفي البخاري باب المقة من الله، والمحبة من الله ، إذا قسم الله المحبة انتهى الأمر، وإذا لم تكن هناك محبة فلا نذهب نأتي له بالشعوذة والطلاسم مثل ما يقول العوام: (المطبق يصيح والملص يطيح) القضية إن لم يُقْسَم بين الزوجين محبة ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠]. ولماذا نجعل الطلاق قضية وكأنما هي قضية انشطار الكون واحد تزوج واحدة وما صار بينهم توفيق فكل يذهب بستر الله وانتهت القضية، ابحثوا لهم، دبروا لهم، هاتوا عمل، هاتوا تحبيب، هاتوا صرف، هاتوا جمع، هاتوا هاتوا إلى آخره، فإن هذا من أخطر الأمور، ثم أيضاً لا تزيد القضية إلا تعقيداً، ولا تزيد الأمر إلا بلاء وشدة وضنكاً.

стр. 1318

علاج السحر لا يكون إلا بكتاب الله السؤال شخص مسحور وقد قيل له لا يفك سحرك إلا ساحر، فهل هذا صحيح أفتونا مأجورين؟ الجواب قد أفتى من أفتى بذلك واستدل بكلام بعض السلف، الإنسان إذا كان في حالة اضطرار شديد جداً وعلى بلاء عظيم ولا سبيل له إلا ذلك، قد تكلم بهذا، لكن الذي عليه عامة العلماء وأئمة الدعوة ومشايخ هذه البلاد الأجلاء الأكارم أن السحر لا ينبغي أن يلجأ إلى الساحر لفك السحر، لأنه يفضي إلى استمرار السحر والسحرة أعاذنا الله وإياكم، وبالمناسبة فإن مثل هذا الكلام لا يصح أن يكون فتوى عامة، أي: من كان في بلوى خاصة في وضع معين، فله أن يذهب ويذكر جميع ظروفه وأحواله وما يتعلق به، ثم بعد ذلك يأخذ من سماحة المفتي أو الأئمة الكبار ما يطبقه تفصيلاً على واقعته وقضيته.

стр. 1319

كيف يعرف الإنسان أنه مسحور السؤال كيف يعرف الإنسان أنه مسحور؟ الجواب إذا كان لا يدري أنه مسحور فإنه غير مسحور.

стр. 1320

نصيحة لمن لا تطيع زوجها السؤال وماذا تنصح المرأة التي لا تطيع زوجها؟ الجواب المرأة التي لا تطيع زوجها نذكرها بقول النبي ﷺ : (ولو أني أمرت أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) فإذا كان السجود الذي لا يجوز إلا لله، لو جاز لغير الله لكان لامرأة لزوجها من عظيم حق الزوج، وبالمناسبة بعض النساء إذا اختلفت مع زوجها تظن أن هذا يبيح أن تسقط حقوقه، فربما اختلفت معه على النفقة على أمر يتعلق بالأولاد أو على فرش أو على أثاث أو على شيء متعلق بالبيت، ثم تكون حزينة، فيقول لها: يا بنت الناس أعطينا غداء؟ ما في غداء، يا بنت الناس تعالي للفراش؟ لا، يا بنت الناس كذا؟ لا. فلتعلم أنها إذا دعاها زوجها إلى الفراش ثم أبت وبات عليها زوجها ساخط لعنتها الملائكة حتى تصبح، فلو قلنا لها: يا أمة الله يا فلانة، إن الشيخ فلان وفلان يلعنونك من الآن إلى الصباح قالت: ماذا سويت وماذا فعلت أرجوكم كفوهم لا يلعنونني، إن الملائكة يلعنونك أيتها المرأة التي لا تسمعين أوامر زوجك إذا كان يأمرك بالمعروف أو في أمر تطيقينه، ولا تعجزين عنه، إلا إذا أمرت المرأة بمعصية، فلا طاعة، وإن أمرت المرأة بما لا طاقة لها به فلا طاعة.

стр. 1321

رد الشيخ على فهم خاطئ من محاضرة سابقة السؤال في شريطك: (حاول وأنت الحكم) بداية شريط بارك الله فيك خصصت دقيقة للدعاء الجماعي فهل لك بهذا العمل دليل شرعي أو أثر ترد إليه، لأن النبي ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)؟ الجواب أشكر للسائل هذا السؤال ولكن يا أخي الكريم لقد أوردتها على غير ما تورد. أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل ما هكذا يورد السؤال لأنك قلت: إني خصصت دقيقة للدعاء الجماعي! لا، الذي أذكر أنني قلت: ماذا تستهلك منا قراءة سبحان الله مائة مرة، كم تستهلك منا من دقيقة، وليجرب كل واحد في نفسه، فكون والله كل واحد سكت وأخذ يجرب في نفسه، ليعد كم تستهلك قراءة سبحان الله وبحمده، هل هذا دعاء جماعي؟ لا، يا أخي الكريم افهم الأمور، لا تكن كمن ساء فهماً وأساء نطقاً ونقلاً بارك الله فيك، قلت مثلاً في ذلك المجلس، قلت: يا إخوان قال ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يكسب ألف حسنة، وتمحى عنه ألف خطيئة، قال الصحابة: وأينا يطيق أن يفعل ذلك، فقال ﷺ : من قال: سبحان الله مائة مرة كتبت له ألف حسنة أو محيت عنه ألف خطيئة). ثم قلت: يا إخوان ليجرب كل واحد منكم كم تستغرق مائة مرة من قول سبحان الله حينما يقرؤها بينه وبين نفسه، فسكت الجميع مدة دقيقة أو دقيقتين أو ثلاث، كل واحد يقول في نفسه: سبحان الله، سبحان الله، يعني كل واحد يسبح الله ويعد لكي يعلم كم تستغرق قول سبحان الله مائة مرة من دقيقة، فإذا بها ما جاوزت الدقيقة ونصف، ويكسب بها ألف حسنة وتمحى عنه ألف سيئة، هل يسمى هذا بدعة؟ إذاً افهم قبل أن تسأل.

стр. 1322

سداد ديون المتوفى من قبل الورثة السؤال رجل توفي وعليه مخالفات مرورية وفواتير هاتفية وكهرباء هل تعتبر هذه من الديون التي عليه وهي تختص بالدولة أو أنها تسقط بمجرد موته؟ الجواب الأحوط والأحرى أن يجتهد في سدادها، وأن يجتهد ورثته من بعده في براءة الذمة منه، لا شك أن الأصل أن بيت مال المسلمين يقضي دين من مات وعليه دين ولا يوجد في تركته ما يقوم بسداد هذا الدين، فالأصل والواجب في بيت مال المسلمين أن الإنسان إذا مات أو تحمل حمالة أو دية ثم عجز عن أن يدفعها أو لم يكن في عاقلته ما يؤدي هذه الدية شرعاً، فإن بيت مال المسلمين ملزم أن يقضي عن هذا المسلم دينه، وأن يقضي عنه هذه الدية. لكن فيما يتعلق عليه من مخالفات وأمور ورسوم أو أو إلى آخره فنقول يا أخي الأحوط براءة ذمة هذا الميت، فمن المعروف أنه يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين، والقصة باختصار أن أحد الصحابة توفي، فقدم بعض الصحابة للنبي ﷺ ليصلي عليه قال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم ديناران يا رسول الله قال: (صلوا على صحابكم فقال أبو سعيد الخدري: علي يا رسول الله فقام ﷺ وصلى عليه، فلما لقيه من غد قال ﷺ له: ما فعل الديناران؟ -هل سددت؟ - قال: يا رسول الله إنهما ديناران، فلما قضاهما من بعد، قال: قضيتهما يا رسول الله قال: الآن بردت جلدته). فالذين يتساهلون بالديون ويأخذون أموال الناس وهم لا يريدون السداد أو يأخذون الأموال حتى وإن كان صندوق تنمية عقاري أو زراعي أو نحو ذلك إن وقع على عقد فتوفي، فمن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله، ومن أخذها يريد أن يؤديها أدى الله عنه، فالواجب على كل من اقترض قرضة أو استدان ديناً من الدولة أو من شخص أن يعزم في قرارة قلبه على سداد الدين ورده لأهله ولا يلقى الله بدين.

стр. 1323

تفسير قوله تعالى: (وما ملكت أيمانكم) السؤال حول قول الله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٦] هل قول الله ينطبق على المرأة إذا اشترت بمالها عبداً وأصبح مملوكاً لها؟ الجواب لا، إن المرأة قد تشتري رقيقاً تملكه وتبيعه وتشتري رقيقاً عبداً وأمةً فتى وجارية، ثم يكونان رقيقين لها ويتناسلان، ونسلهما ملكاً لها، لكن للرجل إذا اشترى جارية أن يستمتع بها، لكن ليس للمرأة إذا اشترت عبداً أن تستمتع به لأن ذلك لا يجوز ألبتة. كل الأسئلة التي وردت إلينا يشيرون فيها إلى ذكر محبتهم لك في الله ، نسأل الله أن يجمعنا في دار كرامته.

стр. 1324

السلاح المعطل لقد يسر الله لنا أسلحة هي أشد قوة وأكثر نفعاً من أسلحة أعداء الله، ولكننا اعتمدنا اعتماداً كلياً على الإمكانات البشرية الضعيفة، وأهملنا هذه الأسلحة وعطلناها بالرغم من فعاليتها الأكيدة، وهذه الأسلحة لو استخدمها المسلمون بصدق وإخلاص لكان لها الدور الكبير في رفع راية المسلمين وتمكينهم في الأرض، وإعادة ما أخذ منهم. ألا فليعودوا ليسودوا.

стр. 1325

الطمأنينة لا تكون إلا بالقرب من الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. معاشر المؤمنين: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي سبب الفوز والنجاة في الدنيا والآخرة يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ويقول ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وتعلمون أن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وقد بيَّن الله جل وعلا أن من صفات المؤمنين الجميلة الإيثار والإخلاص والبذل والتضحية يقول جل وعلا: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. أيها الأحبة: كل يعرض للنكبات والمصائب، وكل ينال حظاً من الجراح والآلام، ولكل شيء ضد، ولكل وجود فناء، ولكل بداية نهاية، ولكل نهاية غاية، وأحوال البشر في الدنيا متقلبة، هذه الدنيا سميت دنيا؛ لأنها دانية دنية وضيعة، طبعت على كدر وأنت تريدها صفو من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار واعلموا أنه ليس لأحدٍ من البشر أن ينال حظاً من الاستقرار على وجه هذه البسيطة إلا بقدر قربه وصلته ودنوه من الله جل وعلا، فمن كان إلى الله أقرب كان حظه من التوفيق والطمأنينة والاستقرار أوفر، ومن أعرض عن ذكر الله وكان بعيداً عن شرع الله فإنه يلقى جزاءه: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨] ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. والحاصل -يا عباد الله- أن البشر لا يمكن أن ينالوا حظاً مستقراً مستمراً أبدياً أزلياً إلا بقدر قربهم من الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]. معاشر المؤمنين: إياكم والركون إلى الدنيا، إياكم والطمأنينة بها، إياكم والخلود إليها، وإياكم والثقة بما فيها، فإن هذه الدنيا شاهدة على الأمم الغابرة والأمم السالفة أنها قلبت فيها أحوالاً وأوضاعاً ودولاً. لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان هي الحياة كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان يا راتعين وراء البحر في دعة لهم بأوطانهم عز وسلطان أعندكم نبأ من أمر إخوتنا فقد سرى بحديث القوم ركبان يا رب طفل وأم حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان وغادة ما رأتها الشمس إذ بزغت كأنما هي ياقوت ومرجان يقودها العلج للمكروه مكرهة والعين باكية والقلب حيران لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان فيا معاشر المؤمنين: لا شك أن الطمأنينة في هذه الدنيا، وأن القرار والبقاء على عز وطمأنينة لا يمكن أن يكون لأحد أبداً إلا بقدر قربه وحظه من الله، ولكن: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض إن المصائب بعضها أهون من بعض، فهناك من المصائب ما هو في الزلازل والبراكين، وهناك من المصائب ما هو في الأموال والتجارة، ومن أعظم بل أشد المصائب مصيبة كسر الدين: وكل كسر فإن الله يجبره وما لكسر قناة الدين جبران ويليها مصيبة الناس في العرض: أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال معاشر المؤمنين: المصائب مختلفة ودرجاتها متفاوتة، لكن إذا حلت جملة واحدة فليس للعباد في قليلها وكثيرها إلا أن يفزعوا إلى الله وأن يتضرعوا إلى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] الفرار الفرار، والنجاة النجاة، والعودة العودة، والأوبة الأوبة، والتوبة التوبة بالرجوع إلى الله جل وعلا، عند ذلك يكون شأن المسلم أعظم مما هو عليه، وأما من يصاب بمصيبته ولا يلتفت في أمر وقيعته فذلك قد يكون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩].

стр. 1326

واجب الأمة عند نزول الكوارث والمصائب معاشر المؤمنين! نسوق هذه النصوص والأحاديث عن الأخوة لكي نعرف دورها في أحوال الكوارث، ولنعرف قدرها وفاعليتها وطبيعة فعلها وعملها حال الكوارث والنكبات والمصائب، وعند ذلك -أيها الأحبة- حينما تحل كارثة بأي أمة من الأمم فإن من أول واجباتها أن تضرع إلى الله، وتفزع إليه، وأن تعلم أن هذه الأبدان وهذه الأرواح خلقها الله ورزقها على الله، وآجالها بيد الله، ونواصيها بيد الله وقلوبها بيد الله، فالذي خلقها يحفظها، والذي أحياها يميتها، والذي أماتها يبعثها، والذي بعثها يحشرها، والذي حشرها ينشرها، وهو أعلم بكل أحوالها وأفعالها، فالفرار الفرار إلى الله، ما من أحد تفر منه إلا إلى غيره، إلا الله فإنك تفر منه إليه، تفر من الله إلى الله. فيا معاشر المؤمنين! حينما تحل كارثة بأمة من الأمم فإن أول واجباتها الفرار إلى الله جل وعلا، والعودة إليه؛ لأن هذا مقتضى العقيدة، ومقتضى التوكل، ومقتضى الثقة بالله جل وعلا، أول ما يصيب المؤمن من أي فتنة أو بلاء من قليل أو كثير، أول ما يلزمه العودة إلى الله، يعود إلى الله بماذا؟ بتفقد حاله، هل هو عزيز على الله أم ذليل على الله؟ إذا أصابتك مصيبة ينبغي أن تفزع وأن تضرع إلى الله. هل أنت مستهين بشرع ربك؟ وعند ذلك إذا عرفت موقعك من ربك بين العز والذل، وبين الكرم والإهانة، إذا عرفت موقعك من هذه المنازل عليك أن تحاسب نفسك حساباً شديداً: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥] من أين جاء لنا هذا؟ من أين أصابنا هذا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] بل إن رحمة الله ومنة الله وفضل الله وسعة جود الله جل وعلا تجعلنا في نعم ونحن لا نستحقها، لكن: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ﴾ [يونس:١١] لو حصل لهم هذا ما بقي أحد يدب على الأرض أبداً. فيا معاشر المؤمنين: اعلموا أن من أول واجبات أي أمة من الأمم حينما يصيبها أي أمر من الأمور والأقدار أن تفزع إلى الله، وأن تضرع إلى الله، وأول درجات الفزع والضراعة إلى الله أن تعرف موقعها هل هي قريبة أم بعيدة من الله؟ فإن كانت قريبة فلتزدد في القرب درجات، وإن كانت بعيدة فلتتب إلى الله من الخطايا والسيئات، ولتتقرب إلى الله بترك المعاصي والمنكرات، فإن ما عند الله لا يستجلب بمعصيته، وإن ما عند الله لا يستدر بمخالفة أمره، وإن ما عند الله لا يستنزل بارتكاب ما نهى عنه، بل إن ما عند الله يستدر ويستنزل ويطلب ويستجلب بطاعة الله جل وعلا.

стр. 1327

قصة أصحاب الغار إن التوسل إلى الله يكون بالأعمال الصالحة، وبأسمائه وصفاته، وكثير من البشر يتوسلون إلى الله بالسفر إلى الخارج، ويتوسلون إلى الله بالسهر في الليل، ويتوسلون إلى الله باستعمال نعم الله من بصر وسمع في رؤية وسماع ما حرم ونهى، ويتوسلون إلى الله برؤية الأفلام والمسلسلات، ويتوسلون إلى الله بالسكوت على المنكرات، أم يتوسلون إلى الله بترك الصلوات مع الجماعة في المساجد. إن التوسل يكون إلى الله بالأعمال الصالحة، ويكون بالصدقات وبالصيام وبالصلوات وبتقوى الله جل وعلا، وبمراقبتة جل وعلا، وبترك ما نهى الله عنه، وبفعل ما أمر به، عند ذلك يكون التوسل مشروعاً. إن الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فانحدرت الصخرة من الجبل، فانطبق الغار عليهم بهذه الصخرة، التفت بعضهم إلى بعض يدفعون هذه الصخرة ومع ذلك لم يستطيعوا أن يدفعوها عنهم، هل عندهم اتصالات لا سلكية حتى يقولوا: أرسلوا لنا النجدة فإن الصخرة أطبقت الغار علينا؟ ليس ذلك عندهم، ولم يفكروا في ذلك، بل قال أعقلهم وأنبلهم: (إنه لن ينجيكم مما أنتم فيه إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم). في هذه الكربة وفي هذه المحنة والشدة وفي ظلمة الغار وانطباق بابه وانسداد فوهته، إنه لن ينجيكم إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فقال الأول: اللهم إنه كان لي أبوان وكنت لا أغبق قبلهما أحداً، حتى يغتبقان أو يشربان، وإني جئت ذات ليلة والصبية يتضاغون -أي يصيحون من العطش والجوع- فما أردت أن أسقي الصبية قبل والدي، فانتظرت حتى بات الصبية على بكاء وجوع، ولما استيقظ أبواي ولم أشأ أن أوقظهما من نومهما جعلتهما يغتبقان ويشربان فلما شربا ناولت فضلتهما للذرية والولد، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء ما عندك ورغبة فيما عندك ففرج عنا ما نحن فيه، تقرب إلى الله ببره بوالديه، البر بالوالدين من أعظم القربات -يا عباد الله- فما الذي كان؟ انفرجت الصخرة شيئاً قليلاً. وجاء الآخر وقال: اللهم إنه كان لي ابنة عم وكنت شغوفاً بها شغف الرجال بالنساء، وكنت أراودها عن نفسها فتأبى، وإنها أصابتها سنة -أي قحط وجدب- ثم جاءت إلي شاكية باكية محتاجة، فقلت: لا أعطيك من المال حتى تمكنيني من نفسك، ثم إنها تحت وطأة الحاجة والجوع والألم قبلت ورضيت أن تمكنه، فلما أعطاها المال، ثم جلس منها أو دنى منها مجلس الرجل في الجماع من زوجته، وأراد أن يبدأ بفعله، قالت: اتق الله، ولا تفضن الخاتم إلا بحقه، فانتفض وقام عنها وهو يقول: اتقيت الله، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك وطلباً فيما عندك، اللهم فرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً قليلاً أكبر من ذي قبل، إلا أنهم لا يمكنهم الخروج. ثم جاء الثالث وقال: اللهم إني كنت استأجرت أجيراً فذهب ولم يقبض أجرته، ثم إني نميت ماله فتنامى المال بالشاء والنعم والغنم، ثم جاءني ذات يوم يطلب ماله، فقلت له: أترى هذه النعم التي في الوادي؟ قال: نعم. قال: هذه أجرتك، فاذهب وخذها، قال: أتهزأ أو تسخر بي؟ قال: لا والله إنما هي أجرتك نميتها لك، وكل هذا من مالك اذهب فاخذ أجرتك، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاءً فيما عندك وابتغاء وجهك، اللهم فرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا أحياء بعد أن عدوا في عداد الأموات. نعم يا عباد الله! يتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، وترفع الأكف بالضراعة إلى الله بالعمل الصالح. فيا معاشر المؤمنين إن أول أمر حينما تحل مصيبة بأمة الإسلام أن نضرع إلى الله، وأن نفزع إلى الله، وأن نتقرب إلى الله، الذي خلقنا من العدم فهو قادر على أن ينجينا وينجي أمة الإسلام مما هي فيه.

стр. 1328

الدعاء وأثره معاشر المؤمنين! ثم ماذا بعد ذلك؟ الدعاء: أتهزأ بالدعاء وتزدريه ولا تدري بما فعل الدعاء الدعاء شأنه عظيم، قال ﷺ : (يرتفع الدعاء وينزل القضاء فيعتلجان في السماء فأيهما غلب على الآخر غلب عليه) ولا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يدفع البلاء إلا الدعاء، ولكن كثيراً من المسلمين تركوا سلاحهم هذا. سلاح الدعاء تركناه وراءنا ظهرياً، والبعض لا يرفع يديه ألبتة، وبعضهم يظن أو يرفع يديه وهو موقن أنه لم يسمع، أو موقن أنه لا يأبه بدعائه، لماذا هذا اليأس وهذا القنوط؟ لماذا يا عباد الله؟ وأنتم يا من في هذا المسجد لو وقفتم على باب أحد البشر تسألونه شيئاً استحى أن يرد ألفين أو ثلاثة آلاف خائبين أو أن يرد واحداً منهم، والله لو وقف هذا الجمع على باب واحد من الناس يسألونه أمراً من الأمور أو يستشفعون بين يديه في حاجة من الحوائج، ولو في قود الدماء وإزهاق النفس لعفا قبولاً لشفاعة هذا الجمع، فما بالكم لو رفعتم أيديكم إلى الله الذي هو أجود الأجودين وأكرم الأكرمين يستحي أن يرد عبده خائباً، ويستحي أن يرد يد عبده خاوية أو أن يرده خائباً. عباد الله! وإذا بليت ببذل وجهك سائلاً فابذله للمتفرج المفضال الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب يا معاشر المؤمنين: والله إن عندنا سلاحاً من أقوى الأسلحة ما جربناه وما استعملناه، ألا وهو الدعاء، فيا للأسف! ويا للمصيبة! أن يكون أعداؤنا الكفار يثقون بربهم في باب الدعاء أعظم من ثقة المسلمين بربهم. أقول لكم أمراً من الأمور: في بلد من البلدان وليست بعيدة جماعة من النصارى أصابهم قحط وجدب فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأطفالهم وصبيانهم ودخلوا الكنائس، ثم أخذوا يدعون ربهم أن ينزل عليهم الماء، فما خرجوا إلا وقد سقوا الماء، نصارى كفار يسألون الله الغيث فيغيثهم. نعم. إن رحمة الله واسعة ولولا أن رحمته واسعة ما جعل الكافر حياً على الأرض، وما جعل للكافر عيناً ولا سمعاً ولا رجلاً ولا يداً، لكنه سبحانه سنته ماضية: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] أي: مضطر ولو كان كافراً حينما يلجأ إلى الله فإن الله يجيبه، فهل نحن معاشر المسلمين معاشر المؤمنين الموحدين! هل لجأنا إلى الله لجوء الاضطرار؟ هل فزعنا إلى الله فزع المحتاج؟ الذي يعلم أن السبل إذا انقطعت به ليس له سبيل إلا سبيلاً وحبلاً بينه وبين ربه، وهذا قليل في المسلمين هداهم الله. واعلموا -أيضاً- أن قائداً نصرانياً كان يرسل فرقة عسكرية وقبل أن يرسلها طلب من البابوات والرهبان والقسس أن يجمعوا الناس في الكنائس وأن يدعوا الرب لهذه الفرقة العسكرية المقاتلة، هذا ثقة أعداء الإسلام بربهم، هذه ثقة أمم كافرة بربها، فما حد ثقتكم أنتم بالله جل وعلا؟! إذا كان الدولار مكتوب عليه كلمة إنجليزية معناها نحن نثق بالله، فاعلموا يا معاشر المؤمنين! أن حاجتنا إلى الثقة والفزع والقرب واللجوء، والاضطرار إلى الله أحوج من أولئك الكفار، فيا معاشر المؤمنين! أين حظنا من هذا؟! أين حظنا من الله جل وعلا؟! يوم أن غزا نابليون مصر ماذا حصل؟ قام العلماء بجمع الناس في الأزهر وفي المساجد، وجمعوا طلبة العلم وحفظة القرآن حتى من الصبيان الصغار، وقالوا لهم: اقرءوا القرآن واقرءوا صحيح البخاري، وادعوا الله وتضرعوا حتى انقلبت المصيبة على ذلك الغازي الفاجر ورده الله مهزوماً. يا معاشر المؤمنين: الدعاء سلاح معطل، الدعاء في الوتر، والدعاء في الفجر، والدعاء في القنوت، وفي السجود، وفي كل الأحوال، لماذا نعطل سلاحنا؟! هل بلغ بنا الهوان إلى حد نجد معنا سلاحاً ثم نعجز أن نرفعه ونحمله؟! هل بلغ بنا الهوان أن نجد في قلوبنا دعاء فلا نرفع أيدينا لنتلفظ به؟! هذه مصيبة عظيمة، أسأل الله ألا نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] ولا حول ولا قوة إلا بالله! إن كفار قريش، وكفار الأمم السالفة كانوا يعرفون صدق اللجوء إلى الله جل وعلا، يقول الله سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت:٦٥] دلت أنهم لما دعوا الله مخلصين نجاهم من أمواج البحر المتلاطمة: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] مع ذلك استجاب الله فزعهم ولجوءهم واضطرارهم، فهل تفزعون إلى الله؟ هل تلجئون إلى الله؟ هل تدعون الله دعوة المضطر؟! ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر:٦٠] الله الذي خلقكم يقول لكم: ادعوني، وأنتم تقولون: لا. مستحيل! نستحي ندعوك يا رب؟ لا نستطيع أن ندعو، إذا كان الكفار دعوه فأجابهم، أفلا تدعون أنتم يا معاشر المسلمين؟ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] فدل على أن من ترك الدعاء خشية أن يكون قد تركه كبراً والعياذ بالله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] لكن أين من يدعو؟ عطايانا سحائب مرسلات ولكن ما وجدنا السائلين وكل طريقنا نور ونور ولكن ما رأينا السالكين عجباً للخلق والعباد في هذا الزمان. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1329

بماذا يدفع البلاء ؟ الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. اللهم يا من بيده مقاليد السموات والأرض، اللهم يا من الأرض يوم القيامة في قبضته، والسموات مطويات بيمينه، اللهم يا من وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما، اللهم يا من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، اللهم يا من يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، اللهم يا فرج المكروبين، اللهم يا نصير المستضعفين، اللهم يا إله الأولين والآخرين، نسألك اللهم أن تدفع البلاء عن أمة المؤمنين، اللهم إنا نسألك ونحن نثق أن مقاليد الأمر بيدك، وأن نواصي العباد بيدك، وأن قلوب العباد بيدك، وأن الأمر إليك أولاً وآخراً، يا من تعز من تشاء وتذل من تشاء، يا من تخفض وتبسط، يا من ترزق وتمنع، يا ربنا يا خالقنا يا مولانا، يا من خلقتنا من العدم، يا من أوجدتنا من العدم وخلقتنا نطفاً ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم إلى هذا الوجود بأمرك خرجنا، وترعرعنا على ما رزقتنا، اللهم إنا خلق من خلقك وعبيد من عبيدك، نسألك اللهم أن تحمي حوزة الدين، اللهم احم حوزة الدين، اللهم احم الشريعة والكتاب والسنة، اللهم احم حوزة الدين، اللهم إنا نسألك أن تديم هذا الدين على قلوبنا رأفة ونعمة، اللهم اجعلنا جنوداً لدينك وأنصاراً لكلمتك وجنوداً لرايتك، اللهم احفظنا بلا إله إلا الله، اللهم إنك تعلم وفي علمك أن تزول السماوات والأرض أهون عليك من أن يسفك دم مسلم، اللهم لا تعذبنا وأنت بنا راحم، اللهم لا تعذبنا وأنت علينا قادر، اللهم لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله عدد ما مشى بين الأراضين ودرج، والحمد لله أولاً وآخراً، والحمد لله الذي بيده مفاتيح الفرج، ربنا إليك لجأنا ربنا إليك فزعنا، وعند بابك أنخنا، اللهم لا تسلمنا، اللهم احفظنا، اللهم اكلأنا برعايتك واحفظنا بحفظك يا رب العالمين يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك بمنك وجودك وكرمك وفضلك؛ أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، وأنت على كل شيء قدير، لا يكون في هذا الكون أمر إلا بعلمك وقدرتك ومشيئتك، نسألك اللهم أن تحفظ أعراض المؤمنين والمؤمنات، اللهم احفظ أعراض المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. معاشر المؤمنين! تقربوا إلى الله بالبكاء بين يديه، تقربوا إلى الله باللجوء إليه، تقربوا إلى الله بالصدقات وترك المنكرات، يقول الله جل وعلا: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام:٤٣] إن من العباد من لا يزال في غفلته، وإن من الشباب من لا يزال في ضلالته، وإن من الناس من لا يزال في لهوه. عباد الله! نحن نرى المصائب تحل بالمسلمين تترا وما منا من أخرج اللهو عن بيته، والغناء عن بيته، والفساد عن بيته، يا عباد الله! ألا نخشى أن نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] أو من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١]. لا حول ولا قوة إلا بالله! إن من رأى ما يحل بالمسلمين حوله ولا يزال في غفلته وفي ضلالته، فذلك دليل على موت بصيرته وعلى هلاك قلبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. معاشر المؤمنين: يقول ﷺ : (لئن تزول السماء والأرض أهون عند الله من أن يراق أو يسفك دم مسلم) ولكن من هو هذا المسلم؛ أهو الذي يملأ سهره بالعبث ونهاره بترك الصلوات، وتجارته بالربا والمحرمات؟ أم ذلك المسلم الذي يتقرب إلى الله بالطاعات؟ أيها المسلم! قيمتك عند الله غالية: لئن تزول السماء والأرض أهون عند الله من أن يراق دمك، إذاً فارفع يدك إلى الله والجأ إلى الله، واعلموا يا معاشر المؤمنين! أن الصدقة وإطعام الطعام وإفشاء السلام وتصفية القلوب من الضغائن والإحن والحسد والعداوات، من أعظم الأمور التي يدفع بها البلاء، يقول الله جل وعلا في وصف المؤمنين: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان:٨] ويقول سبحانه في بيان شأن أولئك الذين دخلوا النار قالوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٥]. ويقول تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:١ - ٣] فأطعموا المساكين وتصدقوا وصوموا وتوبوا، ومن الليل قوموا وتهجدوا، واسألوا الله أن يرفع البلاء عن الأمة، فوالله ثم والله لو اجتمعت قوى الأرض وكان بعضها لبعض ظهيراً ما استطاعت أن ترد من قدر الله أمراً، إلا الدعاء فإنه بفضل من الله وبرحمة ومنة من الله فإن الله بقدره يجعل الدعاء قدراً يدفع هذا القدر النازل بالبلاء، فادعوا الله وتضرعوا واحرصوا على تفريج كربات المسلمين، وإياكم والشماتة بأحوال المسلمين. معاشر الشباب! معاشر الرجال! معاشر الآباء والإخوان! لا بد لكل مسلم أن يكون له دور ومجهود في هذا الأمر، فينبغي لكل شاب ولكل رجل وليست هذه مسئولية من يعد نفسه ملتزماً أو متديناً وأن من ليس كذلك معفىً عن المسئولية، إننا نبدأ الحليق والمسبل بهذه المسئولية قبل الملتحي والمتدين، أقول للأول: عد إلى الله وأنت من جنود الله ومن أنصار دين الله، بادر بخدمة المسلمين وتفقد أحوالهم، وعليك بالصدقة والدعاء فإن الله جل وعلا يجعل لهذا أثراً، ولا يكون الكفار أفضل منكم يا عباد الله، الله جل وعلا يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]. يوم أن بدأ سور برلين يهدم ثم بدأ الناس يتسللون منه وقف الألمان الغربيون على أبواب الطرقات وأفواه السكك يقفون بالملابس والأطعمة والأشربة والأموال يعطونها الذين يهاجرون من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية، فأنتم يا معاشر المؤمنين! تفعلون ذلك لوجه الله، ابذلوه لإخوانكم، وقفوا مع المسلمين في مصائبهم وفي نكباتهم، واعلموا أن لهذه البلاد -أسأل الله ألا يكلها إلى نفسها وألا يكلها إلى جهودها وألا يكلها إلى ما عندها- لهذه المملكة ولله الحمد والمنة، دور طيب في إطعام الطعام وأعمال الإغاثة، نسأل الله جل وعلا أن يجعلها سبباً لدفع البلاء عن المسلمين. يا شباب الأمة! يا رجال الأمة! إياكم والترف فإنه مصيبة وهو سبب البلاء الهوان، يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] إياكم والترف والإسراف في الولائم وفي المناسبات، فإن من أسرف وجاوز حده في الطغيان في أي أمر من الأمور كان حرياً بالعقوبة والعقوبات إذا نزلت تعم، نسأل الله أن يدفع البلاء عن المسلمين. ما رأيكم -يا عباد الله- لو أن المسلمين اقتصدوا في مناسباتهم وأفراحهم وولائمهم وجميع أعمالهم، وما زاد من ذلك يدفع صدقة لله، ولوجه الله جل وعلا، فإننا والله ندفع عن أنفسنا بلاءً عظيماً. ثم اعلموا يا عباد الله! أن ليس لكم إلا الله، وليس لكم مفر ولا منجى ولا ملجأ إلا إلى الله وحده، فثقوا بالله ثقة حقيقة، ولا تعلقوا آمالكم بشرق أو غرب، بل علقوا ثقتكم بالله، واسألوا الله جل وعلا أن يسخر لكم من هو فوقكم ومن هو دونكم، نسأل الله أن يسخر لنا من هم أقوى منا ومن هم دوننا، وليس هناك أحد أقوى منا إذا كنا آمنا بالله حق الإيمان واليقين. فيا معاشر المؤمنين! عليكم بالثقة بالله والتوكل على الله، والفزع إلى الله، إن من الشباب هداهم الله من يتتبعون أموراً حينما يحدث في الكون ما يحدث يسألون: ماذا فعل أولئك؟ وماذا قدم أولئك؟ لا. ينبغي أن تكون ثقتنا بالله، وضراعتنا إلى الله، وفزعنا إلى الله، وعند ذلك -يا معاشر المؤمنين- لن نكون عند الله في حظ من الهوان، بل إن الله جل وعلا لن يخيبنا.

стр. 1330

إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم وإني أرجوكم وأطلب منكم من هذا المقام أن تتبعوا كبار السن من العجائز والشيوخ وأن تخصوا بالصدقات المحتاج منهم، ومن ليس محتاجاً، ابحثوا عنهم وتتبعوهم في منازلهم وقولوا لهم: اسألوا الله أن يحمي حوزة الدين. ابحثوا عن الناس في بيوتهم، ابحثوا عن العجائز والشيوخ، ليس في هذه المدينة فحسب، بل في القرى والحواضر والبوادي، رب عجائز هم أفضل عند الله من خلق كثير، رب شيوخ هم أفضل عند الله من أمم كثيرة، فتتبعوا الناس الذين تعرفون فيهم الصلاح، واسألوا إن كنتم لا تعرفون، هل تعرفون أناساً منقطعين للعبادة من كبار السن من الصالحين والصالحات، من القانتين والقانتات، من العابدين والعابدات؟ تتبعوهم في مختلف مدن المملكة واطرقوا عليهم الأبواب، وقبلوا رءوسهم وما بين أعينهم، وإن كانوا محتاجين فتصدقوا عليهم، واطلبوا منهم أن يسألوا الله للإسلام والمسلمين وأن يحفظ هذا الدين، وأن يحمي حوزة الدين، وأن يحفظ أعراض المؤمنين، اطلبوا منهم ذلك فإن الله لن يخيبنا ولن يخيبهم، وربما أجيب دعاء بعضنا ببركة بعض. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم كما جعلت هذه البلاد آمنة مطمئنة وهي الآن تعيش في طمأنينة قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ [القصص:٥٧] وما حولها في تخطف وهلاك، نسأل الله أن يديم الطمأنينة علينا وألا يَجرُؤ الأعداء علينا، وأن يرفع البلاء عن جيراننا وعن إخواننا، اللهم انصر المسلمين، اللهم ارحم المستضعفين، وأجب دعاء المؤمنين، اللهم لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لا حول ولا قوة لنا إلا بك. نسألك اللهم أن تنصر المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المؤمنين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المؤمنين، اللهم أهلك الكفار والمجرمين، اللهم عليك بمن أرادوا بالمسلمين سوءاً، نسألك اللهم أن تفرق شملهم وأن تشتت جمعهم، اللهم أرسل عليهم ريحاً كريح عاد وثمود، اللهم إنا نسألك يا من لا يرد أمره شيء، نسألك اللهم أن تعجل البلاء بالفجرة والمجرمين، اللهم اجعل الفرقة والخلاف في دورهم وفي بيوتهم وفي بلدانهم وفي مدنهم وفي أنفسهم، اللهم اضربهم بالرعب، اللهم اضربهم بالفزع، اللهم اضربهم بالهلاك، اللهم خرب بيوتهم بأيديهم، اللهم كما خرب اليهود بيوتهم بأيديهم في زمن نبيك نسألك اللهم أن تسلط على هؤلاء بلاءً يجعلهم يدمرون بيوتهم بأنفسهم، وأن تخرج المؤمنين الصالحين المتقين من بينهم سالمين يا رب العالمين. اللهم عليك بالفجرة الذين يريدون العدوان على أراضي المسلمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، اللهم اجعلهم صرعى ومجانين، اللهم إن زرع الباطل قد نمى ودنا حصاده؛ اللهم هيئ له يداً من الحق حاصدة تستأصل شروره وتجتث جذوره.

стр. 1331

الشباب اللاهثون كم سعى أناس ولهثوا وراء الشهوات ليس في أمتنا أو زماننا فحسب، بل في كل الأمم وعلى مر العصور، فما كانت النتيجة؟ إن من لم يتب منهم فحاله كما حكى الله: ((وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً)) فلست وحدك أول من سلك هذا الطريق وراء الشهوات، فلك عبرة بمن سلف، ولك قدوة في نبيك وأصحابه إن أردت الخلاص. فإلى كل من ضيع أيامه وساعاته في معصية نقول لك: إن الباب مفتوح فسارع إلى مغفرة وجنة.

стр. 1332

من هم اللاهثون ؟ الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله على آلائه التي لا تنسى، الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، الحمد لله خلقنا من العدم وهدانا إلى الإسلام ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا ومن كل خير سألناه أعطانا، الحمد لله على كل حال، الحمد لله الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها الأحبة في الله يا أهل رابغ نشهد الله أنا نحبكم في الله، ونسأله جل وعلا بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، أسأل الله لكم يا أهل رابغ ولنفسي ولإخواني المسلمين أن يجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاجعة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، ربنا لا تدع لهذه الوجوه في هذا المكان الطيب ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته. إلهنا أنت تعلم مقامنا وتعلم يا ربنا أننا اجتمعنا نرجو جنتك ونخشى عذابك، إلهنا جئنا واجتمعنا بأحبابنا وجلس أحبابنا إلينا، والله لا نريد منهم ولا يريدون منا جزاءً ولا شكوراً من عرض الدنيا ومتاعها الفاني وإنما جئنا نستغفرك اللهم لذنوبنا، ونستجديك العون لحياتنا، ونسألك الاستقامة في سبيلنا. أيها الأحبة موضوع محاضرتنا هو: (الشباب اللاهثون) وقبل أن أخوض في الموضوع فإني أشكر الإخوة الذين يعملون في مكتب الدعوة للتعاون التابع لإدارة أو رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وأسأل الله أن يجزيهم وأن يجزي إمام الجامع هذا خير الجزاء، وأن يوفقه ويعينه على تحمل أعباء الدعوة وإخوانه المشائخ الفضلاء وطلبة العلم النبلاء. أيها الأحبة الشباب اللاهثون، اللاهثون: جمع لاهث، واللاهث هو الذي يركض يمنة ويسرة، ويرمي ببصره ويلتفت بعنقه ويسارع خطوه، ويحرك يده، ويشرئب ببصره يمنة ويسرة، ومن شدة الجهد والعناء والسير تجده يلهث، يتراد النفس، تجد الزفير والشهيق في نفسه متتابع، ولكن إلى أين؟ ومن أين؟ ولأجل من؟ وفي سبيل من؟ وعلى طريقة من؟ شباب لاهثون هم من أبنائنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا وأحبابنا وأقاربنا وقريباتنا، ألم تروا يوماً من الأيام شباباً يملئون الأرصفة والطرقات؟ ألم ترو يوماً من الأيام شباباً يتسكعون في الأسواق؟ ألم تروا يوماً من الأيام شباباً يجوبون الطرقات بسيارتهم ذاهبين آيبين؟ ألم تروا يوماً من الأيام شباباً أضناهم التشجيع وأتعبهم التصفيق والنعيق والتطبيق لكل ما يرونه من زبالات الحضارة الأجنبية وحثالات الفكر المستورد؟ ألم تروا شباباً ضاع وقتهم بين الأفلام والمسلسلات وأشرطة الفيديو ومسلسلات التلفاز؟ ألم تروا شباباً ضاعت أسماعهم في سماع الأغاني والملاهي؟ ألم تروا جيلاً ربما تعب جسده وأضنى بدنه وراء الرقص والطبلة والمزمار؟ ألم تروا شباباً يتابع آخر فريق فاز وآخر دوري نصب، ومن هو الذي نال الكأس، ومن هو الذي رشح للبطولة، ومن الذي تقدم لدوري الأربعة؟ ألم تروا شابات أشغلتهن موضات الأزياء ومجلات البُردَ؟ ألم تروا جيلاً أشغلهم السهر يتبادلون السجائر والأحاديث التي لا فائدة فيها؟ ألم تروا هؤلاء؟ هؤلاء هم شريحة اللاهثين. أولئك يلهثون ويتعبون، وتجد أحدهم يوم أن تجده قافلاً إلى بيته وتقول: يا فلان تعال معي خمس دقائق. يقول: أنا الآن تعبان، أنا الآن نفسي يتطاير، أنا الآن نفسي يتصاعد. تجده يلهث من شدة التعب والمشقة، لكن من أين؟ من الجهاد في سبيل الله؟ من الدعوة إلى الله؟ من مساعدة المنكوبين؟ من إغاثة الملهوفين؟ من طلب العلم؟ لا، جاء متعباً، جاء مضنىً، جاء منهكاً، ولكن من أين؟ جاء من معصية، أو من قضية تافهة، أو أمر لا يليق أن ينشغل به بشر كرمه الله جل وعلا وخلقه الله ، وجعل فيه السمع والبصر والفؤاد، وخلقه في أحسن صورة وأحسن تقويم، وأسجد الملائكة لأبيه، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وحمله في البر والبحر، بشر أكرمه الله بهذه النعم ثم تراه بعد ذلك يأبى ويرفض ويرد كرامة الله ويختار النجاسة والزبالة والوحل والوضيعة والنقيصة والهوان!! أولئك هم اللاهثون، اللاهثون وراء الشهرة، اللاهثون وراء الوظيفة، اللاهثون وراء المنصب، اللاهثون وراء اللذة الجنسية والشذوذ الأخلاقي، اللاهثون وراء الفاحشة، اللاهثون وراء المعصية، اللاهثون وراء ما لا ينفع، واللاهثون وراء كل ما يضر هذه ليست صفة كل أبناء مجتمعنا لا، ففي مجتمعنا خير كثير، وأنتم من وجوه الخير الدالة على الخير في مجتمعنا، ولكن في مجتمعنا شريحة محدودة من الشباب والشابات، من البنين والبنات، من الرجال والنساء، هؤلاء يلهثون وراء ماذا؟ وراء ما لا ينفعهم في الدنيا ولا يرفعهم في الآخرة، ولا يسرهم في القبور، ولا يضيء لهم اللحود، ولا يؤنسهم في الوحشة.

стр. 1333

السبب في وجود شباب لاهثين أيها الأحبة وقبل أن نعالج أحوال كثير من الشباب اللاهثين وراء المعاكسة، أو اللاهثين وراء الفاحشة، أو وراء السفر للخارج، أو وراء المجلات، أو وراء الأفلام، أو وراء الكرة، أو اللاهثين وراء ما لا ينفع من ما صدرته الحضارة الغربية أو الحضيرة الغربية، أولئك قبل أن نعالج مشكلة كل واحد على حدة فلنسأل: ما هو الخلل الموجود في الدماغ؟ أين الخراب الموجود في الفكر، أو في المخ، أو في المخيخ، أو في طريقة التفكير التي جعلت هذا يتجه نحو الأفلام، وهذا نحو المخدرات، وهذا نحو الشذوذ، وهذا نحو الفواحش، وهذا نحو الآثام والمعاصي؟

стр. 1334

قدوة غائبة إن هناك عنصراً واحداً هو الذي أنتج كل هذه المشاكل، فمن العقل أن نعالج سبب المرض لا أن نعالج أعراض المرض، لو أن مريضاً من المرضى جاء إلى الطبيب في المستشفى فقال: عندي ارتفاع في درجة الحرارة، وعندي آلام في المعدة، وعندي شعور بالبرد، وعندي آلام في المفاصل، وعندي صداع في الرأس، وجمع خمسة أعراض. إن الطبيب الأحمق هو الذي يصرف خمسة أدوية فيعطي الصداع دواءً، وآلام المعدة دواءً، وارتفاع وانخفاض الحرارة دواءً، وآلام المفاصل دواءً، وأوجاع الظهر دواءً، لكن الطبيب الذكي الحاذق هو الذي يبحث عن الشيء الذي سبب هذه الأعراض الخمسة فيعطيك علاجاً يقطع السبب، ثم تنقطع الأعراض، ثم لا تحتاج إلى تلك الأدوية، كل مشكلة لها علاج على حدة. نعم من الحماقة أن نناقش كل قضية على حدة بمعزل عن مناقشة السبب الذي أوجد لنا هذه الشريحة التي بات اهتمامها وأصبح بعضهم كما قال الله: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] يتعب ويكد وفي نكد ونصب ووصب ومشقة، يلهث، يذهب، يجيء، يروح، يرتفع صوته، ينخفض، يتقدم، يخطو، يرحل، يسافر، لكن إلى أين؟ ومن أين؟ ولماذا؟ ولأجل من؟ ينبغي أن نسأل: ما هو السبب المولد لهذه المشكلة؟ واسمحوا لي -أيها الإخوة- أن نقول: يمكن أن نجعل السبب الذي هو مجموعة عناصر ولدت هذه المشاكل في نقاط: أولها: شعور كثير من أبنائنا وبناتنا بعقدة النقص، فيرون الآخرين جبالاً ويرون أنفسهم أقزاماً، يرون الآخرين عمارات سامقة ويرون أنفسهم حشرات ضئيلة، يرون الآخرين قمماً عالية ويرون أنفسهم ذرات مهينة، ثم بعد ذلك يمتلئون إعجاباً بالغرب، إعجاباً بالآخرين، ويمتلئون احتقاراً لأنفسهم فلا يرى أحدهم سبيلاً إلى إثبات وجوده وتحقيق ذاته، وإيجاد نفسه في مجتمعه، ولكي يقول للناس: إني موجود، وإني أتكلم، وإني صاحب هواية، وإني صاحب فكر، فتراه يختار وسيلة من وسائل الشذوذ أو الانحراف أو المعاصي لكي يلتفت إليه الناس وينظرونه وهذا هو أقرب تفسير لظاهرة كثير من الشباب الذين تجدهم أصلاً لا يعرفون التدخين فيحمل السيجارة ويدخن، ويجبر نفسه على التدخين حتى لا ينظر إليه نظرة نقص، أو حتى يلفت الآخرين إلى نفسه، وهذا هو السبب الذي تفسر به وجود بعض الشباب الذي تراه قد جعل من شعره مجسماً تشكيلياً، صوالين الحلاقة الآن امتلأت بمختلف القصات والموضات، آخر قصة "قصة أزمة الخليج" رأسه في أزمة، ولذلك كانت الحلاقة على شكل أزمة الخليج، ومنهم من قال: هذه "قصة كولن باول " وبعضهم من قال: هذه أزمة أو هذه "قصة شوار سكوف " أو هذه قصة فلان أو علان، المهم يريد أن يثبت للآخرين أنه يعرف شيئاً جديداً ويسلك مسلكاً جديداً حتى يلتفت إليه الناس، فعقدة الشعور بالنقص تجاه الآخرين ولدت في نفسه أن يسلك سلوكاً بموجبه يلبس أو يحلق أو يفعل أو يتصرف بطريقة تجعل الآخرين ينظرون إليه نظرة مستقلة عن سائر الناس. ولو أنه يعلم أن الآخرين ينظرون إلى هذا بمنظار الازدراء والنقص والهوان لوجدته لم يفعل هذا أبداً، ولكنه رأى ما حوله من المجلات والشاشات والدعايات والإعلاميات وما شئت يجدها تصب في قالب إبراز أولئك الشاذين وغض النظر والإغفاء عن أحوال القدوات الجميلة الراقية في المجتمع.

стр. 1335

تربية منفلتة ضائعة أيضاً أيها الأحبة من الأسباب الجوهرية في هذه القضية: مسألة التربية. نحن نربي أطفالاً بلا هدف، تسمين عجول، تسمين أبقار وأغنام في كثير من البيوت، تجد الطفل يتدحرج من العافية لكن عقله كالطبل لا يوجد فيه شيء، عجبت للطفل الشيوعي أو الطفل الروسي قبل سقوط روسيا تجده شيوعياً من صغره، والطفل العراقي التابع لمدارس حزب البعث تجده بعثياً من طفولته، والطفل المنحرف الفاجر الذي هو في بؤرة فاجرة تجده يحقد على المسلمين منذ صغره، والطفل النصراني تجده عقلاً ممتلئاً بكراهية المسلمين والشعور بالفخر للعنصرية البيضاء تجاه الآخرين. ولكن طفلنا اليوم اسأله عن انتمائه، اسأله عن اتجاهه، اسأله عن آلامه، اسأله عن آماله، لا يجد شيئاً، طفلنا يعرف أفلام الكرتون، ويعرف مجلة ميكي والوطواط، ويعرف قصة البيضة الفارغة والعصفور المكسور، أما أن تجد عند أطفالنا تربية ذات هدف هذا لا يوجد إلا عند أسر محدودة من الناس، أما البقية الباقية من كثير من هذه الشريحة تجدها -ويا للأسف! - يربون أطفالاً تربية التسمين، بل لو قيل لأحدهم: يا فلان ما ضرك لو أنك مع مجموعة من جيرانك استقدمتم أو استوفدتم مدرساً من إحدى البلاد العربية الإسلامية أو حتى من بلاد العجم من باكستان وغيرها وجعلته يدرس أولادك القرآن براتب شهري قدره ألف ريال إذا قدرنا نحن عشرة بيوت، وعند كل واحد منا طفلان، يعني: عندنا عشرون طفلاً، كل واحد منا يقدم قرابة مائتي ريال شهرياً من أجل أن ندفع مرتباً قدره ألف لمدرس يحفظ أبناءنا بعد العصر ويدرسهم، وبعد المغرب يعطيهم درساً في السيرة، وبعد العشاء ربما راجع مع بعضهم شيئاً من الواجبات لقالوا: وهل نحن مجانين؟ نحن نخسر الأموال بهذه الطريقة؟ هل نحن حمقى؟ إذاً ما دور المدارس؟! يا أخي الكريم إن المدرسة لا تغني عن التربية شيئاً، بل إن الأصل في تفوق الطالب ربما كان صلاح تربيته في أسرته، وفي المقابل تجد كثيراً من البيوت فيها خادمة بستمائة ريال، والسائق بقرابة ثمانمائة ريال، الخادمة دورها تلميع الزجاج والأبواب والنوافذ، ونبذل الستمائة ريال ونحن في منتهى الشعور بالراحة والطمأنينة، لكن أن نقدم ستمائة ريال لمدرس يدرس أولادنا لا، هذا ولد إن نفع فلنفسه وإن أساء فعليها لا يا أخي، هذا الولد يحتاج إلى تربية، ولذلك كثير من الشباب الذين وجدناهم بصفة اللاهثين الذي يجوبون الطرقات، ويملئون الأرصفة، ولا هم لهم إلا آخر أغنية وآخر مقطوعة، ومن الفريق الذي فاز، ومن هي الممثلة التي اعتزلت، ومن هو الفنان النجم الذي مات، ومن هو ومن هو إلخ، أولئك تجدهم لم يتلقوا تربيةً على مستوى علمي أو عقلي أو ثقافي أو ديني، ولأجل ذلك امتلأت عقولهم بالزبالات، أما الذين يتربون تربية راقية يشعر الرجل منهم أن ولده فيه عقل في رأسه، وهذا العقل الذي في الرأس بمثابة الزجاج البلوري الكريستالي اللامع الجميل، فتجد الرجل يقول: أنا لا أجعل عقل ولدي الزجاجي البلوري الناعم مكاناً للزبالة ولا للرمال المختلطة ولا للنفايات، بل أحترم هذا العقل -عقل الطفل أحترمه- وأجعله مكاناً يحفظ القرآن ويحفظ السنة، ويتعلم الشعر، ويعرف الآداب، ويقرأ عن أخبار العرب وعن معارك المسلمين، ويكون لديه اطلاع بأحوال المسلمين في العالم هذا أمر ممكن أيها الإخوة. منذ أيام كنت في زيارة لأحد الأصدقاء وعنده ولد صغير نجح من المرحلة الخامسة الابتدائية إلى السادسة الابتدائية، فبينما نحن نتحدث إذ دخل معنا الطفل في الحديث، وإذ بي أجد طفلاً يتحدث عن البوسنة والهرسك، ويتكلم عن سراييفو، ويتكلم عن ميتران رئيس فرنسا النصراني الحاقد الذي حال دون المسلمين واستلام المطار ليكون مهبطاً لدعم الأسلحة، ويتكلم عن مؤامرات الصربيين إلى تقسيم البوسنة والهرسك بين الكرواتيين، فجن جنوني! قلت: ما شاء الله! لا إله إلا الله! تبارك الله! هذا الطفل ينجح من خامسة إلى سادسة ابتدائي ويتكلم عن هذه المعلومات؟! فلما تأملت إذ بوالده ووالدته يتحدثان إذا جلسا على الطعام وإذا جلسا للشاي عن هذه القضايا، ويلقنان الولد هذه الأمور فتجد طفلاً يحمل قلباً كبيراً، وتجد صغيراً يحمل عقلاً فذاً، وتجد ناشئاً يحمل هموم أمة، وفي المقابل تجد رجلاً عمره خمسة وعشرون سنة أو سبعة وعشرون سنة لا هم له إلا أن ينتظر حبيبته تفتح النافذة لكي يلقي عليها بنظرة، أو لا هم له إلا أن ينتظر رسالة المعشوقة متى ترسل بالرسالة مع طفل أو مع سفير أو مندوب، أو لا هم له إلا أن ينتظر متى يحين الوقت لخبص البلوت وتعمير الشيشة وهلم جرا! وأين قضايا المسلمين؟ وأين أحوال المسلمين؟ وأين العبادة؟ وأين الخوف من الله؟ وأين الطمع في الجنة؟ وأين الإعداد للموت؟ وأين الإعداد لما بعد الموت؟ وأين الإعداد للسؤال والجواب بين يدي الله؟ لا تجد شيئاً. إذاً: أيها الأحبة! التربية سبب، فربما ربينا أطفالاً أصبحت أجسامهم أحسن من أجسام البغال، يصلحون للكد والتحميل، ولكن عقولهم -أيضاً- كعقول البغال: لا بأس بالقوم من طول ومن قصر جسم البغال وأحلام العصافير بل إن بعض المجانين أصبحوا أحسن من بعض اللاهثين، والشيء بالشيء يذكر، خذوا هذه الطرفة اليسيرة: يقال: إن رجلاً -شاب من الذي جاء يفحط بسرعة- جاء ولف بسرعة عند مكان من الأماكن فمن شدة لف الكفرات صواميل الكفر -البراغي التي تمسك الكفر في السيارة- انقطع، فجلس هذا الشاب المفحط يدور إذ به يدور حول مبنى مستشفى المجانين، وإذ بمجنون يطل على هذا الشاب من النافذة فقال المجنون: لماذا أنت تدور على السيارة، ما بك؟ قال: والله أنت ترى، لفيت بسرعة وانقطعت صامولة الكفر وجالس هكذا. قال المجنون: فقط، يا أخي فك من كل كفر صامولة وركبها محل الصواميل التي انكسرت. قال: والله اقتراح جميل وفكرة صحيحة! طيب أنت لماذا أنت جالس في مستشفى المجانين؟ قال: صح، هذا مستشفى المجانين وليس مكان أغبياء. فالواقع أن عندنا من الغباء ما يتعدى الجنون، بل إن بعض المجانين أفضل حظاً من بعض شريحة اللاهثين الأغبياء، ولا نقول هذا مزيداً لاحتقارهم، ولا نقول هذا مزيداً من هوانهم بل فيهم من الهوان ما يكفي قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨]. ولكن نقول: إن هوان العقل عند شريحة من أبناء الأمة بلغ حداً مضحكاً عجيباً.
следующие страницы →