Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
الشباب اللاهثون
كم سعى أناس ولهثوا وراء الشهوات ليس في أمتنا أو زماننا فحسب، بل في كل الأمم وعلى مر العصور، فما كانت النتيجة؟ إن من لم يتب منهم فحاله كما حكى الله: ((وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً)) فلست وحدك أول من سلك هذا الطريق وراء الشهوات، فلك عبرة بمن سلف، ولك قدوة في نبيك وأصحابه إن أردت الخلاص.
فإلى كل من ضيع أيامه وساعاته في معصية نقول لك: إن الباب مفتوح فسارع إلى مغفرة وجنة.
стр. 1332
من هم اللاهثون ؟
الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله على آلائه التي لا تنسى، الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، الحمد لله خلقنا من العدم وهدانا إلى الإسلام ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا ومن كل خير سألناه أعطانا، الحمد لله على كل حال، الحمد لله الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله يا أهل رابغ نشهد الله أنا نحبكم في الله، ونسأله جل وعلا بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، أسأل الله لكم يا أهل رابغ ولنفسي ولإخواني المسلمين أن يجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاجعة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، ربنا لا تدع لهذه الوجوه في هذا المكان الطيب ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته.
إلهنا أنت تعلم مقامنا وتعلم يا ربنا أننا اجتمعنا نرجو جنتك ونخشى عذابك، إلهنا جئنا واجتمعنا بأحبابنا وجلس أحبابنا إلينا، والله لا نريد منهم ولا يريدون منا جزاءً ولا شكوراً من عرض الدنيا ومتاعها الفاني وإنما جئنا نستغفرك اللهم لذنوبنا، ونستجديك العون لحياتنا، ونسألك الاستقامة في سبيلنا.
أيها الأحبة موضوع محاضرتنا هو: (الشباب اللاهثون) وقبل أن أخوض في الموضوع فإني أشكر الإخوة الذين يعملون في مكتب الدعوة للتعاون التابع لإدارة أو رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وأسأل الله أن يجزيهم وأن يجزي إمام الجامع هذا خير الجزاء، وأن يوفقه ويعينه على تحمل أعباء الدعوة وإخوانه المشائخ الفضلاء وطلبة العلم النبلاء.
أيها الأحبة الشباب اللاهثون، اللاهثون: جمع لاهث، واللاهث هو الذي يركض يمنة ويسرة، ويرمي ببصره ويلتفت بعنقه ويسارع خطوه، ويحرك يده، ويشرئب ببصره يمنة ويسرة، ومن شدة الجهد والعناء والسير تجده يلهث، يتراد النفس، تجد الزفير والشهيق في نفسه متتابع، ولكن إلى أين؟ ومن أين؟ ولأجل من؟ وفي سبيل من؟ وعلى طريقة من؟ شباب لاهثون هم من أبنائنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا وأحبابنا وأقاربنا وقريباتنا، ألم تروا يوماً من الأيام شباباً يملئون الأرصفة والطرقات؟ ألم ترو يوماً من الأيام شباباً يتسكعون في الأسواق؟ ألم تروا يوماً من الأيام شباباً يجوبون الطرقات بسيارتهم ذاهبين آيبين؟ ألم تروا يوماً من الأيام شباباً أضناهم التشجيع وأتعبهم التصفيق والنعيق والتطبيق لكل ما يرونه من زبالات الحضارة الأجنبية وحثالات الفكر المستورد؟ ألم تروا شباباً ضاع وقتهم بين الأفلام والمسلسلات وأشرطة الفيديو ومسلسلات التلفاز؟ ألم تروا شباباً ضاعت أسماعهم في سماع الأغاني والملاهي؟ ألم تروا جيلاً ربما تعب جسده وأضنى بدنه وراء الرقص والطبلة والمزمار؟ ألم تروا شباباً يتابع آخر فريق فاز وآخر دوري نصب، ومن هو الذي نال الكأس، ومن هو الذي رشح للبطولة، ومن الذي تقدم لدوري الأربعة؟ ألم تروا شابات أشغلتهن موضات الأزياء ومجلات البُردَ؟ ألم تروا جيلاً أشغلهم السهر يتبادلون السجائر والأحاديث التي لا فائدة فيها؟ ألم تروا هؤلاء؟ هؤلاء هم شريحة اللاهثين.
أولئك يلهثون ويتعبون، وتجد أحدهم يوم أن تجده قافلاً إلى بيته وتقول: يا فلان تعال معي خمس دقائق.
يقول: أنا الآن تعبان، أنا الآن نفسي يتطاير، أنا الآن نفسي يتصاعد.
تجده يلهث من شدة التعب والمشقة، لكن من أين؟ من الجهاد في سبيل الله؟ من الدعوة إلى الله؟ من مساعدة المنكوبين؟ من إغاثة الملهوفين؟ من طلب العلم؟ لا، جاء متعباً، جاء مضنىً، جاء منهكاً، ولكن من أين؟ جاء من معصية، أو من قضية تافهة، أو أمر لا يليق أن ينشغل به بشر كرمه الله جل وعلا وخلقه الله ، وجعل فيه السمع والبصر والفؤاد، وخلقه في أحسن صورة وأحسن تقويم، وأسجد الملائكة لأبيه، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وحمله في البر والبحر، بشر أكرمه الله بهذه النعم ثم تراه بعد ذلك يأبى ويرفض ويرد كرامة الله ويختار النجاسة والزبالة والوحل والوضيعة والنقيصة والهوان!! أولئك هم اللاهثون، اللاهثون وراء الشهرة، اللاهثون وراء الوظيفة، اللاهثون وراء المنصب، اللاهثون وراء اللذة الجنسية والشذوذ الأخلاقي، اللاهثون وراء الفاحشة، اللاهثون وراء المعصية، اللاهثون وراء ما لا ينفع، واللاهثون وراء كل ما يضر هذه ليست صفة كل أبناء مجتمعنا لا، ففي مجتمعنا خير كثير، وأنتم من وجوه الخير الدالة على الخير في مجتمعنا، ولكن في مجتمعنا شريحة محدودة من الشباب والشابات، من البنين والبنات، من الرجال والنساء، هؤلاء يلهثون وراء ماذا؟ وراء ما لا ينفعهم في الدنيا ولا يرفعهم في الآخرة، ولا يسرهم في القبور، ولا يضيء لهم اللحود، ولا يؤنسهم في الوحشة.
стр. 1333
السبب في وجود شباب لاهثين
أيها الأحبة وقبل أن نعالج أحوال كثير من الشباب اللاهثين وراء المعاكسة، أو اللاهثين وراء الفاحشة، أو وراء السفر للخارج، أو وراء المجلات، أو وراء الأفلام، أو وراء الكرة، أو اللاهثين وراء ما لا ينفع من ما صدرته الحضارة الغربية أو الحضيرة الغربية، أولئك قبل أن نعالج مشكلة كل واحد على حدة فلنسأل: ما هو الخلل الموجود في الدماغ؟ أين الخراب الموجود في الفكر، أو في المخ، أو في المخيخ، أو في طريقة التفكير التي جعلت هذا يتجه نحو الأفلام، وهذا نحو المخدرات، وهذا نحو الشذوذ، وهذا نحو الفواحش، وهذا نحو الآثام والمعاصي؟
стр. 1334
قدوة غائبة
إن هناك عنصراً واحداً هو الذي أنتج كل هذه المشاكل، فمن العقل أن نعالج سبب المرض لا أن نعالج أعراض المرض، لو أن مريضاً من المرضى جاء إلى الطبيب في المستشفى فقال: عندي ارتفاع في درجة الحرارة، وعندي آلام في المعدة، وعندي شعور بالبرد، وعندي آلام في المفاصل، وعندي صداع في الرأس، وجمع خمسة أعراض.
إن الطبيب الأحمق هو الذي يصرف خمسة أدوية فيعطي الصداع دواءً، وآلام المعدة دواءً، وارتفاع وانخفاض الحرارة دواءً، وآلام المفاصل دواءً، وأوجاع الظهر دواءً، لكن الطبيب الذكي الحاذق هو الذي يبحث عن الشيء الذي سبب هذه الأعراض الخمسة فيعطيك علاجاً يقطع السبب، ثم تنقطع الأعراض، ثم لا تحتاج إلى تلك الأدوية، كل مشكلة لها علاج على حدة.
نعم من الحماقة أن نناقش كل قضية على حدة بمعزل عن مناقشة السبب الذي أوجد لنا هذه الشريحة التي بات اهتمامها وأصبح بعضهم كما قال الله: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] يتعب ويكد وفي نكد ونصب ووصب ومشقة، يلهث، يذهب، يجيء، يروح، يرتفع صوته، ينخفض، يتقدم، يخطو، يرحل، يسافر، لكن إلى أين؟ ومن أين؟ ولماذا؟ ولأجل من؟ ينبغي أن نسأل: ما هو السبب المولد لهذه المشكلة؟ واسمحوا لي -أيها الإخوة- أن نقول: يمكن أن نجعل السبب الذي هو مجموعة عناصر ولدت هذه المشاكل في نقاط: أولها: شعور كثير من أبنائنا وبناتنا بعقدة النقص، فيرون الآخرين جبالاً ويرون أنفسهم أقزاماً، يرون الآخرين عمارات سامقة ويرون أنفسهم حشرات ضئيلة، يرون الآخرين قمماً عالية ويرون أنفسهم ذرات مهينة، ثم بعد ذلك يمتلئون إعجاباً بالغرب، إعجاباً بالآخرين، ويمتلئون احتقاراً لأنفسهم فلا يرى أحدهم سبيلاً إلى إثبات وجوده وتحقيق ذاته، وإيجاد نفسه في مجتمعه، ولكي يقول للناس: إني موجود، وإني أتكلم، وإني صاحب هواية، وإني صاحب فكر، فتراه يختار وسيلة من وسائل الشذوذ أو الانحراف أو المعاصي لكي يلتفت إليه الناس وينظرونه وهذا هو أقرب تفسير لظاهرة كثير من الشباب الذين تجدهم أصلاً لا يعرفون التدخين فيحمل السيجارة ويدخن، ويجبر نفسه على التدخين حتى لا ينظر إليه نظرة نقص، أو حتى يلفت الآخرين إلى نفسه، وهذا هو السبب الذي تفسر به وجود بعض الشباب الذي تراه قد جعل من شعره مجسماً تشكيلياً، صوالين الحلاقة الآن امتلأت بمختلف القصات والموضات، آخر قصة "قصة أزمة الخليج" رأسه في أزمة، ولذلك كانت الحلاقة على شكل أزمة الخليج، ومنهم من قال: هذه "قصة كولن باول " وبعضهم من قال: هذه أزمة أو هذه "قصة شوار سكوف " أو هذه قصة فلان أو علان، المهم يريد أن يثبت للآخرين أنه يعرف شيئاً جديداً ويسلك مسلكاً جديداً حتى يلتفت إليه الناس، فعقدة الشعور بالنقص تجاه الآخرين ولدت في نفسه أن يسلك سلوكاً بموجبه يلبس أو يحلق أو يفعل أو يتصرف بطريقة تجعل الآخرين ينظرون إليه نظرة مستقلة عن سائر الناس.
ولو أنه يعلم أن الآخرين ينظرون إلى هذا بمنظار الازدراء والنقص والهوان لوجدته لم يفعل هذا أبداً، ولكنه رأى ما حوله من المجلات والشاشات والدعايات والإعلاميات وما شئت يجدها تصب في قالب إبراز أولئك الشاذين وغض النظر والإغفاء عن أحوال القدوات الجميلة الراقية في المجتمع.
стр. 1335
تربية منفلتة ضائعة
أيضاً أيها الأحبة من الأسباب الجوهرية في هذه القضية: مسألة التربية.
نحن نربي أطفالاً بلا هدف، تسمين عجول، تسمين أبقار وأغنام في كثير من البيوت، تجد الطفل يتدحرج من العافية لكن عقله كالطبل لا يوجد فيه شيء، عجبت للطفل الشيوعي أو الطفل الروسي قبل سقوط روسيا تجده شيوعياً من صغره، والطفل العراقي التابع لمدارس حزب البعث تجده بعثياً من طفولته، والطفل المنحرف الفاجر الذي هو في بؤرة فاجرة تجده يحقد على المسلمين منذ صغره، والطفل النصراني تجده عقلاً ممتلئاً بكراهية المسلمين والشعور بالفخر للعنصرية البيضاء تجاه الآخرين.
ولكن طفلنا اليوم اسأله عن انتمائه، اسأله عن اتجاهه، اسأله عن آلامه، اسأله عن آماله، لا يجد شيئاً، طفلنا يعرف أفلام الكرتون، ويعرف مجلة ميكي والوطواط، ويعرف قصة البيضة الفارغة والعصفور المكسور، أما أن تجد عند أطفالنا تربية ذات هدف هذا لا يوجد إلا عند أسر محدودة من الناس، أما البقية الباقية من كثير من هذه الشريحة تجدها -ويا للأسف! - يربون أطفالاً تربية التسمين، بل لو قيل لأحدهم: يا فلان ما ضرك لو أنك مع مجموعة من جيرانك استقدمتم أو استوفدتم مدرساً من إحدى البلاد العربية الإسلامية أو حتى من بلاد العجم من باكستان وغيرها وجعلته يدرس أولادك القرآن براتب شهري قدره ألف ريال إذا قدرنا نحن عشرة بيوت، وعند كل واحد منا طفلان، يعني: عندنا عشرون طفلاً، كل واحد منا يقدم قرابة مائتي ريال شهرياً من أجل أن ندفع مرتباً قدره ألف لمدرس يحفظ أبناءنا بعد العصر ويدرسهم، وبعد المغرب يعطيهم درساً في السيرة، وبعد العشاء ربما راجع مع بعضهم شيئاً من الواجبات لقالوا: وهل نحن مجانين؟ نحن نخسر الأموال بهذه الطريقة؟ هل نحن حمقى؟ إذاً ما دور المدارس؟! يا أخي الكريم إن المدرسة لا تغني عن التربية شيئاً، بل إن الأصل في تفوق الطالب ربما كان صلاح تربيته في أسرته، وفي المقابل تجد كثيراً من البيوت فيها خادمة بستمائة ريال، والسائق بقرابة ثمانمائة ريال، الخادمة دورها تلميع الزجاج والأبواب والنوافذ، ونبذل الستمائة ريال ونحن في منتهى الشعور بالراحة والطمأنينة، لكن أن نقدم ستمائة ريال لمدرس يدرس أولادنا لا، هذا ولد إن نفع فلنفسه وإن أساء فعليها لا يا أخي، هذا الولد يحتاج إلى تربية، ولذلك كثير من الشباب الذين وجدناهم بصفة اللاهثين الذي يجوبون الطرقات، ويملئون الأرصفة، ولا هم لهم إلا آخر أغنية وآخر مقطوعة، ومن الفريق الذي فاز، ومن هي الممثلة التي اعتزلت، ومن هو الفنان النجم الذي مات، ومن هو ومن هو إلخ، أولئك تجدهم لم يتلقوا تربيةً على مستوى علمي أو عقلي أو ثقافي أو ديني، ولأجل ذلك امتلأت عقولهم بالزبالات، أما الذين يتربون تربية راقية يشعر الرجل منهم أن ولده فيه عقل في رأسه، وهذا العقل الذي في الرأس بمثابة الزجاج البلوري الكريستالي اللامع الجميل، فتجد الرجل يقول: أنا لا أجعل عقل ولدي الزجاجي البلوري الناعم مكاناً للزبالة ولا للرمال المختلطة ولا للنفايات، بل أحترم هذا العقل -عقل الطفل أحترمه- وأجعله مكاناً يحفظ القرآن ويحفظ السنة، ويتعلم الشعر، ويعرف الآداب، ويقرأ عن أخبار العرب وعن معارك المسلمين، ويكون لديه اطلاع بأحوال المسلمين في العالم هذا أمر ممكن أيها الإخوة.
منذ أيام كنت في زيارة لأحد الأصدقاء وعنده ولد صغير نجح من المرحلة الخامسة الابتدائية إلى السادسة الابتدائية، فبينما نحن نتحدث إذ دخل معنا الطفل في الحديث، وإذ بي أجد طفلاً يتحدث عن البوسنة والهرسك، ويتكلم عن سراييفو، ويتكلم عن ميتران رئيس فرنسا النصراني الحاقد الذي حال دون المسلمين واستلام المطار ليكون مهبطاً لدعم الأسلحة، ويتكلم عن مؤامرات الصربيين إلى تقسيم البوسنة والهرسك بين الكرواتيين، فجن جنوني! قلت: ما شاء الله! لا إله إلا الله! تبارك الله! هذا الطفل ينجح من خامسة إلى سادسة ابتدائي ويتكلم عن هذه المعلومات؟! فلما تأملت إذ بوالده ووالدته يتحدثان إذا جلسا على الطعام وإذا جلسا للشاي عن هذه القضايا، ويلقنان الولد هذه الأمور فتجد طفلاً يحمل قلباً كبيراً، وتجد صغيراً يحمل عقلاً فذاً، وتجد ناشئاً يحمل هموم أمة، وفي المقابل تجد رجلاً عمره خمسة وعشرون سنة أو سبعة وعشرون سنة لا هم له إلا أن ينتظر حبيبته تفتح النافذة لكي يلقي عليها بنظرة، أو لا هم له إلا أن ينتظر رسالة المعشوقة متى ترسل بالرسالة مع طفل أو مع سفير أو مندوب، أو لا هم له إلا أن ينتظر متى يحين الوقت لخبص البلوت وتعمير الشيشة وهلم جرا! وأين قضايا المسلمين؟ وأين أحوال المسلمين؟ وأين العبادة؟ وأين الخوف من الله؟ وأين الطمع في الجنة؟ وأين الإعداد للموت؟ وأين الإعداد لما بعد الموت؟ وأين الإعداد للسؤال والجواب بين يدي الله؟ لا تجد شيئاً.
إذاً: أيها الأحبة! التربية سبب، فربما ربينا أطفالاً أصبحت أجسامهم أحسن من أجسام البغال، يصلحون للكد والتحميل، ولكن عقولهم -أيضاً- كعقول البغال:
لا بأس بالقوم من طول ومن قصر جسم البغال وأحلام العصافير
بل إن بعض المجانين أصبحوا أحسن من بعض اللاهثين، والشيء بالشيء يذكر، خذوا هذه الطرفة اليسيرة: يقال: إن رجلاً -شاب من الذي جاء يفحط بسرعة- جاء ولف بسرعة عند مكان من الأماكن فمن شدة لف الكفرات صواميل الكفر -البراغي التي تمسك الكفر في السيارة- انقطع، فجلس هذا الشاب المفحط يدور إذ به يدور حول مبنى مستشفى المجانين، وإذ بمجنون يطل على هذا الشاب من النافذة فقال المجنون: لماذا أنت تدور على السيارة، ما بك؟ قال: والله أنت ترى، لفيت بسرعة وانقطعت صامولة الكفر وجالس هكذا.
قال المجنون: فقط، يا أخي فك من كل كفر صامولة وركبها محل الصواميل التي انكسرت.
قال: والله اقتراح جميل وفكرة صحيحة! طيب أنت لماذا أنت جالس في مستشفى المجانين؟ قال: صح، هذا مستشفى المجانين وليس مكان أغبياء.
فالواقع أن عندنا من الغباء ما يتعدى الجنون، بل إن بعض المجانين أفضل حظاً من بعض شريحة اللاهثين الأغبياء، ولا نقول هذا مزيداً لاحتقارهم، ولا نقول هذا مزيداً من هوانهم بل فيهم من الهوان ما يكفي قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
ولكن نقول: إن هوان العقل عند شريحة من أبناء الأمة بلغ حداً مضحكاً عجيباً.
стр. 1336
تربية بلا هدف
كذلك إذا وجد هؤلاء الشباب وهم في الطفولة تربية بلا هدف، وفي المراهقة أنشطة بلا اتجاه، ولا يجدون قدوة سوية ممتازة، أضف على ذلك الغزو المكثف الموجه إلى أبناء المسلمين، هذه الشريحة -شريحة اللاهثين- كيف أصبح بعضهم يربط على جبينه خرقة حمراء، ويلبس فنيلة قد أبدت كتفيه، وأخذ يستعرض بعضلاته وكأنه يقول للشباب: انظروا إلى رامبو يدور في رابغ، انظروا إلى رامبو يدور على شواطئ جدة، انظروا إلى رامبو يدور في الرياض، ويتمثل هذا الأمر هذا الشاب في الحقيقة فعل هذا، وغيره فعل غيرها من العزف على العود والمنافسة في مثل هذه الأمور الرديئة بسبب النجومية التي وجه الإعلام أسهمه فيها، يعني: الآن أنت ترى، من هو أفضل واحد على مستوى الإعلام الذي يغزى به الناس ويوجه إلى الناس؟ النجم هو اللاعب الرياضي، النجم هو الفنان الكبير، النجم هو المخرج السينمائي، النجم اللامع هو الذي أصبح هداف الدوري، النجم اللامع هو الذي أصبح ممثلاً قديراً، النجم هو الذي أصبح منتجاً سينمائياً رائعاً، لكن لم يعرف الشباب يوماً من خلال الإعلام، ولم يعرفوا من خلال الجرائد، ولم يعرفوا من خلال المجلات، ولا من خلال الداعية أن النجم هو الذي حفظ القرآن بسبع قراءات، ولم يعرفوا أن النجم هو الذي حفظ البخاري ومسلم، وما رأوا أو سمعوا يوماً أن النجومية واللموع لمن دعا إلى الله على بصيرة، ولم يعرفوا يوماً أن النجومية واللموع لمن كان جاداً في متابعة المخدرات.
نعم يوجد أحياناً إشادة بإنسان كان له دور في عمل ثقافي أو اجتماعي، لكن الغالب على الضخ الإعلامي والحرب الإعلامية والجرائد والمجلات والمنشورات أن النجم هو اللاعب والفنان بالدرجة الأولى هذان -المطرب واللاعب- تجدهما يتقدمان السباق في قضية النجومية والشهرة.
نعم حينما يرى الصغار والشباب أن النجومية واللموع لهاتين الشريحتين؛ يصبح أحدهم يقول: وكيف أكون مشهوراً؟ وكيف أكون لامعاً؟ وكيف أكون معروفاً؟ إذاً الطريق إلى أن أكون مشهوراً، والطريق إلى أن أكون معروفاً، إما أن أنخرط في سلك الرياضة، وإما أن أنخرط في سلك الفن، لكن ما تجد إلا أندر من أندر النادر من يقول: أريد أن أطور جهاز الهاتف الموجود بين أيدينا، أو أريد أن نستفيد كيف نستطيع أن نبث على الغرب معلومات عن الإسلام، أو يقول: كيف أستطيع أن أصنع شيئاً ينفع الإسلام والمسلمين هذا نادر؛ لأن التلميع والدعاية والإعلان والتشجيع في الغالب لا تجده إلا لهاتين الشريحتين، هذا في الغالب، ولأجل ذلك لا غرابة أن تجد بعض الشباب، بل حتى بعض الفتيات من تلك الشريحة يتمنين أن يكن أصدقاء لمطربين أو لفنانين.
стр. 1337
تلميع لأهل الفن والعهر والفساد
مدرسة من المدرسات قبضت ذات يوم على طالبة من الطالبات وهي تتبادل مع زميلاتها أوتوجراف؛ الأوتوجراف: هو دفتر صغير ربما صنع على شكل القلب أو على شكل العود أو على شكل الكمنجة، وفيه ألوان وورود، ويتبادل به الفتيات العناوين، والأسماء، والأكلة المفضلة، واللاعب الممتاز، والمطرب الذي تهواه، والأغاني فجن جنون المدرسة! وجدت الصفحة الأولى: الاسم فلانة، الهواية: أن تكون مضيفة، كيف دخل على عقل فتاة من بناتنا هواية أن تكون مضيفة؟! لأنها ما سمعت يوماً من الأيام انتقاداً للمضيفة التي تختلط بالرجال ولا تستحي أو يعرف عنها أنها سافرة، قليلة الأدب، قليلة الحياء، قد انكسر حجابها وحياؤها وماتت عفتها؛ ولأجل ذلك لو سمعت انتقادات المجتمع والإعلام من حولها والجرائد من حولها تقدح وتذم وظيفة المضيفة لكرهت الفتاة أن تكون مضيفة، ولكنها لما قرأت المقال ورأت صورة المضيفة وشاهدتها تقف تمنت أن تكون مثلها.
والأخرى ماذا تتمنى؟ قالت: أتمنى أن أكون عارضة أزياء! والثالثة ماذا تتمنى؟ قالت: أتمنى أن أكون نجمة سينمائية! بل وبعضهن قالت: أتمنى أن أسافر إلى بانكوك! هذا أمر يا إخوان ليس من ضرب القول وإنما هو من أوتوجراف قبضت عليه مدرسة موجود في يد بعض الطالبات، وإذا كانت المدرسة فيها ألف طالبة فإنا لا نقول: كل طالباتنا خربن، لكن نقول: يوجد شريحة من طالباتنا أو من طلابنا هذا مستوى تفكيرهم؛ والسبب: لا توجد تربية حسنة، ولا توجد مثل أعلى في القدوة الحسنة.
وزيادة عن ذلك رأت وقرأت في الجرائد والمجلات والشاشة، وسمعت في الموجات أن المضيفة هي الملاك الطاهر، هي اليد الحنونة، هي التي تبعث الطمأنينة في نفوس الركاب إذا أقلعت الطائرة وأبحرت سفينة السماء في خضم أمواج الهواء، فإذا أصاب الناس ما أصابهم رأوا مضيفة وادعة كلها الأمن والطمأنينة وهذا ليس بصحيح، بل أول ما يتدافع على الأبواب عند مشاكل الطائرات المضيفات، وأول من يخوف الناس المضيفات، وأول من يروع الناس المضيفات، ولكن ما يقال للناس وكل ما يقرأ الناس ويسمعون أن هذه المضيفة هي الملاك الطاهر هذا شيء آخر، زد على ذلك أنها ذات اللباس الرشيق، والمساحيق المختلفة، والصورة من الألوان المجمعة في عينها وخدها وفمها وشفتيها، ثم بعد ذلك إذا زيد هذا الوصف بثناء ومديح عبر كتابة واحد من الكتاب المأجورين أو المسعورين أو المخدوعين أو الأغبياء أصبحت الفتاة تتمنى أن تكون مضيفة.
إذاً: فتاة تلهث كي تكون مضيفة أو لكي تكون عارضة أزياء أو لتكون نجمة سينمائية لماذا؟ لأنها رأت أن التلميع والسطوع والأضواء والثناء والمديح يكال لهذه حتى تكون مثلاً أعلى فتتمنى كل فتاة أن تكون مثلها.
والله لو أننا أعطينا الأمور حقائقها فنقول: إن المضيفة خادمة في الطائرة، مسئولة هذه المضيفة إذا تقيأ رجل أو تقيأت امرأة وأخرج المتقيئ ما في جوفه من الوسخ مسئولة المضيفة أن تفتح الكيس وأن تقف عند فم المتقيئ، وأن تمد الكيس لفمه فتنتظر حتى يمتلئ الكيس قيئاً، ثم تحزمه، ثم ترميه، ومسئولة المضيفة إذا وجد رجل يعجز أن يوضئ نفسه بعد البراز والبول مسئولة المضيفة أن تمسح برازه وأن تمسح بوله، لو أعطينا المضيفة صفاتها الحقيقية بمعنى خادمة، بل أشد من خادمة لما اشتهت فتاتنا أن تكون مضيفة، لكن قلب العرض بدلاً من أن يقال هذه وظيفتها يقال: لا، الملاك الطاهر القلب الحنون الوديعة؛ فإذا رأت فتاتنا أو بنتنا أو أختنا المضيفة -يعني: قد يقدر لواحدة من بناتنا أن تصعد في الطائرة- ثم ماذا بعد ذلك؟ تجد هذا الملاك الطاهر الذي كتب عنه في الجرائد والمجلات ورأته في كثير من الأفلام وغيرها رأت هذا الملاك الطاهر يقف حتى تسمع صوت المزلاج، ثم ارفع اللسان إلى أعلى، ثم يسقط عليك القناع من تحت -أو القناع يسقط من فوق- ثم يسقط عليك القناع من فوق وهم ينظرون إلى حركات المضيفة فتجد الفتاة معجبة بهذه الفتاة التي كأنها تمثل عرض كراتيه بحركات يدها.
ثم إذا سرقت النظر أختنا أو بنتنا أو بنت مجتمعنا إذا سرقت النظرة إلى المضيفة وجدتها تجلس بجوار المضيف، كتفها على كتفه، فخذها على فخذه، ثم وجدت في يدها سيجارة والمضيف يولع لها السيجارة، ثم يتبادلان هذا الشيء ماذا الذي يحصل؟ تزداد إعجاباً بهذه المضيفة، ويؤجج ذلك شهوة الفساد والانحراف التي وجدت في النفس، ولكن لو قيل: إن هذه المضيفة هكذا صفتها، وهذا دورها، يعني: لو قلنا لفتاة من بناتنا: أعطنا مثالاً لفتاة لا تستحي من الرجال.
قالت طفلة: المضيفة.
نقول: الإجابة صح، ومثال لفتاة لا تستحي وتكسر حياؤها وعفتها بين الرجال، هات مثال.
الجواب
المضيفة.
صح، طبعاً المحاضرة ليست هجمة على المضيفات وإنما أقول لكم كيف تغسل الأدمغة؟ كيف تسلط الأضواء على عمل قبيح فيكون حسناً؟
стр. 1338
غيبة إبراز العلماء ورجالات المجتمع
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
وقول الله أبلغ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر:٨] والعياذ بالله، فالشاب كذلك إذا وجد النجم الفلاني هو الذي تصفق له الجماهير، وهو الذي يقدمونه، وهو الذي إلخ، تجده نعم يعجب بهذا المطرب، ويقول: كيف أكون مطرباً؟ ثم بعد ذلك يصدق بعضهم -بعض الشباب يصدق- أنه أصبح فناناً.
وأذكر مرة من المرات -ولا وقت عندي للتلفاز ولله الحمد والمنة فضلاً عما فيه من المغالطات والمخالفات- أذكر أن مطرباً من منطقة ما أجريت معه مقابلة، فقالوا له: الفنان فلان بن فلان ذو الموهبة المتفجرة المعطاءة.
الله أكبر! ما هي الموهبة المتفجرة المعطاءة؟! هل أغنت عن صاروخ باتريوت في رد قذائف الصد؟ هل أغنت عن طائرات أباتشي في قذف الدبابات؟ هل أغنت عن الترنيدو أو ألفا ١٥ المقاتلة؟ الموهبة المعطاءة ماذا أعطتنا؟ أعطتنا ضياعاً للجيل، وخراباً في الأمة، وتدجيلاً على الناس.
فقيل له: الموهبة المعطاءة، متى بدأت مشوارك الفني؟ سؤال وجيه جداً جداً جداً -جداً تكعيب- فقال وهو يتأوه حسرة والأسى يعصر قلبه قال: لقد كنت بدأت مشواري الفني قبل فلان وفلان وفلان ولكن الحظ ساعدهم ولم يلتفت لي.
مسكين!
أهبت بالحظ لو ناديت مجتمعاً والحظ عني بالجهال في شغل
لعله إن بدا فضلي ونقصهم لعينه نام عنهم أو تنبه لي
لكن هذا كلام يقوله ابن الوردي أو غيره ولا يقوله ذاك.
قلت: والله مسكين يا أخي، حرام تجلس ثلاثين سنة تدقدق وتخرش العود اثنا عشر وتراً ولا أحد يعرفك! والله حرام يا جماعة، أظهروه في الدعاية، اجعلوه قبل البقرات الثلاث، انظر والله مشكلة يا أخي، أظهروه، هذه موهبة حرام ما تطلع في المجتمع، حرام هذا مسكين ما أحد عرفه، قاعد ثلاثين سنة قبل فلان وفلان وفلان ما أحد يعرفه، والله قهر يا ناس! سبحان الله العلي العظيم! هل هي موهبة اختراع؟ هل موهبة سلاح؟ هل هي موهبة فكر؟ هل هي موهبة تعليم؟ هل هي موهبة دين؟ هل هي موهبة دعوة؟ هل هي موهبة عطاء؟ هل هي موهبة قضاء؟ هل هي موهبة طب جراحة وقلب؟ علاج في سكر؟ لا.
موهبة فن، ثلاثون سنة ما أحد يعرفه، ومثل ما يقولون -هناك مثل عند أهل مصر -: قليل البخت يتكعبل في السديرية.
يعني: لو يلبس سدارية يتعثر فيها، قلنا: يمكن هذا حظه كذا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالشاهد: أن اللاهثين الذين نراهم من أسباب ركضهم ولهثهم وراء هذه المتع والشهوات والملذات الضائعة الفانية التي ما تنفع الأمة أنهم يرون المجلات والجرائد والشاشات والموجات كلها لا تلمع إلا فناناً ومطرباً ولاعباً، وقل بل وندر أن تجد في مقابلة أولئك أن يلمع العلماء أو الدعاة، بل إننا لا نحتاج إلى تلميع، فالعالم علمه يلمعه، وأعجب من هذا أن تسمع من الناس من يقول: والله يا أخي هؤلاء المطاوعة مجانين، مجرد ما الشيخ ابن باز يطلع الناس يلحقونه ويحبون رأسه ويحبون يديه ويسلمون عليه، وبمجرد الشيخ ابن عثيمين يطلع الناس يسدون الشارع وراءه مجانين! إذا لحقوا عالماً يبارك الله بعلمه ويستجيب الله دعوته وليسوا مجانين إذا صفقوا وراء لاعب أو مدرب يحملونه فوق أكتافهم! لا إله إلا الله! أين هذه العقلية والموهبة الوثابة التي جعلتك تكتشف أن الناس إذا تبعوا العالم ودعوا له ومشوا في إثره ولحقوا جادته واقتفوا طريقه صاروا مجانين، ويوم أن كانوا يلحقون الممثل والممثلات ما كانوا مجانين؟ لا إله إلا الله! إن الشيطان يفتح على أوليائه صنوفاً وضروباً من الشر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فشريحة اللاهثين من أبنائنا يحتاجون في الحقيقة مع الدعوة واللطف والكلمة الطيبة والهدية المناسبة والأسلوب والمدخل يحتاجون أن يقال: إن من ترك الفن واتجه إلى الجهاد فهو نجم لامع، إن من ترك الضياع وملأ الفراغ بما ينفع فهو النجم الساطع، إن من ترك الغناء واشتغل بحفظ القرآن هو الكوكب الذي لا ينطفئ، إن من ترك مشاهدة الأفلام واشتغل بمطالعة الكتب هو مفكر الأمة، إن من ترك الفساد وسلك الصلاح هو الذي تحتاجه الأمة، حينئذ يشعر الشباب أن لا شيء يئزهم أو يدفعهم إلى الفساد، وإنما يرون أن كل ما حولهم حتى الداعية والإعلام وكل ما يحيط بهم يدفعهم دفعاً إلى مراقي الفلاح ومدارج الصعود، وما يرفعهم إلى كل خير بإذن الله جل وعلا.
стр. 1339
دعوى الوسطية ودوافع اللهث
شريحة من الناس تجد بعضهم إذا قلت له: يا أخي الكريم -يعني: تجده من اللاهثين وراء الأفلام، أو اللاهثين وراء المعاصي، ويعد نفسه أنه معتدل وسط- يا أخي الحبيب! لماذا لا تستقيم على أمر الله؟ لماذا لا تستقيم على دين الله؟ يا أخي الطيب، يا أخي المبارك لماذا لا تكون من الهداة المهتدين؟ يقول لك: أنا أريد أن أكون وسطاً، أنا لا أريد أن أكون أصولياً متطرفاً، ولا أريد أن أكون مروج مخدرات وصاحب شذوذ أخلاقي، أنا أريد أن أكون وسطاً.
ما هو الوسط؟ الوسط: أن تقبل التفرج على الأفلام، وأن تطلق بصرك في الشاشة على صور النساء، والوسط: أن يضيع وقتك بلا استفادة، الوسط في نظره: ربما أخرت صلاة الفجر إلى وقت الدوام الساعة السابعة، الوسط: أن تسمع الأغاني وأن تتذوق الفن، الوسط: أن تجامل مع الناس ولا تكون إنساناً جلفاً -يعني: آمراً بالمعروف أو ناهياً عن المنكر حسب مصطلحه- الوسط: ألا تكون فضولياً تتدخل بالنصيحة في الآخرين إذاً أنت أيها الأخ الكريم أنت الوسط؟ أنت المعتدل؟! وأنت يا فتاة لماذا لا تتحجبين؟ لماذا لا تتركين الرقص؟ لماذا لا تتركين اللهو؟ لماذا لا تتركين الغناء؟ لماذا لا تتركين مجلة سيئتي أو سيدتي؟ لماذا لا تتركين المجلات السخيفة مثل " نورا " و" كل الناس " والفيديو والتلفزيون ومجلة كذا وكذا؟ تقول: لا والله، إنني لست بفتاة متشددة، ولا منحرفة -تعني: زانية- أنا بنت وسط معتدلة.
طيب نقول لذلك الشاب الوسط ولتلك الفتاة المعتدلة: أنتم وسط ومعتدلون ماذا تسمون الرسول ﷺ ؟ الرسول وسط أو متشدد؟ عائشة وسط معتدلة أو متطرفة أصولية؟ سبحان الله! دعوى الوسط والاعتدال أصبح يدعيها الذين يطئون المنكرات، ويصبحون ويمسون على المعاصي بحجة أنهم وسط لا والله، أنا لا أقول: حرام أو لا ينبغي أو لا يمكن أو لا يعقل أن يوجد في المجتمع صاحب معصية أو صاحبة معصية لا، المعاصي وجدت في زمن النبي ﷺ ، ووجدت من الرجال ومن النساء، وفي مجتمعنا توجد المعاصي من الرجال ومن النساء، لكن كانوا قديماً إذا عصى أحدهم ما قال: أنا وسط معتدل، قديماً إذا عصى أحدهم قال: أذنبت فأستغفر الله.
إذا عصى أحدهم أو إحداهن قالوا أو قالت: زللت فأستغفر الله، فيعودون إلى الله.
أما نحن فتجد العاصي ما يقول أذنبت يقول: أنا ممتاز، وأنا وسط، أنا أحسن من الذين يروجون المخدرات، أنا أحسن من الذين يروجون الخمور، أنا أحسن من الذين يروجون الأفلام الخليعة وهذه مصيبة: أن العاصي المقصر لا تجده راضياً عن نفسه فقط بل معجب بنفسه، فوق الرضا تجد إعجاباً ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 1340
البحث عن اللذة من دوافع اللهث
ومما جعل شريحة من أبنائنا وشبابنا وشاباتنا يلهثون وراء ألوان المعاصي والشهوات، وبعضهم في ألوان الفواحش والمنكرات أنهم يتعاطون اللذة، فإذا انتهى طعم اللذة بحثوا عن لذة جديدة.
مثال ذلك: تجد إنساناً مدمناً على التدخين، وتجده ما يسمع بلون من ألوان التدخين إلا ويجربه، وتجده مغرماً بأنواع التبغ والدخان الذي -مثل ما يقول- يجعل رأسه يكيِّف، ولست أدري معنى يكيف؟ يعني: يبرد؟ نحن نعرف التكييف أنه يبرد، لكن تجده عند حد معين يأنف، يقول: التدخين هذا ما أصبح يؤثر شيئاً في رأسي، إذاً ما الحل؟ الحل أن ندخن سيجار، السيجار أقوى تركيزاً من السيجارة، فتجده يدخن سيجار وبعد السيجار ينتهي، يعني يستخدم السيجار مدة ثم ينتهي إشباع لذة السيجار فيبدأ يقول: ماذا لو أننا استغنينا عن مشاكل تكييف الدماغ عن طريق الإحراق والتدخين نجرب نوعاً من الحبوب، حبوب سيكونال أو حبوب كابتيجول أو حبوب -هناك حبوب يستخدمها أصحاب المخدرات- اسمها ملكواشيجرا، طبعاً شجرا منطقة في الوشم لكن هذه الحبوب مجرد أن الواحد عندهم يأخذ حبة يصبح يرى شعلة الحرية في نيويورك وهو في مكانه، ويرى برج إيفل في فرنسا، ويرى جسور اليابان، يتوهم أنه يراها وإلا في الحقيقة هو لا يرى إلا وجهه الذي امتلأ بالمعاصي، ويرى يده التي اقترفت الآثام، ورجله التي مشت إلى الخطايا، لكن مثل ما يقول الشاعر العربي قديماً:
وإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير
الخورنق: هذا قصر كسرى، والسدير: هذا قصر قيصر، يقول:
إذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
إذا صحوت من هذا الشراب أدور عن القصر الذي كنت أتمشى فيه أطيح في البغل الذي قاعد هنا في مربضي، أو أطيح في الجمل أو العنز التي كانت قاعدة بجانبي، هكذا:
فإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
فكثير من هؤلاء نتيجة للإشباع المتناهي للذة يستخدم التدخين ثم تنتهي لذة التدخين، ثم يستخدم السيجار فتنتهي لذة السيجار، ثم يبدأ بالحبوب فتقف لذة الحبوب مع التعطيب والإشباع، الدم يستهلك ويطلب زيادة، فبدلاً من أن يستخدم حبة حبتين، وبدلاً من حبتين ثلاث، وبدلاً من ثلاث أربع، حتى تراه كالمجنون، وترى أمامك بشراً لكنه يفكر تفكير البهائم، بل إن بعضهم كما عرض علينا طبيب من الأطباء في إحدى المعامل ويشرح بشرائح البروجكتر يقول: مما يصيب المدمنين على هذه الحبوب أن أحدهم يتوهم القدرة الخيالية، بمعنى يظن أنه يستطيع أن يمد يده هكذا ويلوي العمود لويتين ثم يسقط السقف، يصل إلى درجة والعياذ بالله من الهستريا وهذا الأمر الذي يفسر كثرة حوادث السيارات من الذين يستخدمون حبوب الهلوسة وسائقي الناقلات وبعض عمال المصانع الذين بعضهم ربما انقطعت يده تحت المنشار وهو يظن أن يده بعيدة؛ لأن من آثار هذه الحبوب عدم السيطرة على الجوارح وعدم القدرة في التحكم.
ثم ماذا بعد ذلك؟ تنتهي إشباعات الحبوب فيبدأ إلى إشباع الشم، لأن السيجارة والسيجار والحبوب لم تعد تعطينا لذة، نبحث عن لذة جديدة لأن اللذة متناهية، اللذة انتهت فنريد لذة جديدة فيذهب إلى الكوكايين المسحوق ثم يأخذه ويشمه، فإذا شم أول شمة ضيع، قال: مضبوط هذا هو الذي ينفع، فيشم مرتين وثلاثاً وفي الخامسة تنتهي إشباع الكوكايين فيحتاج أن يزيد الكوكايين أو يخلطه بشيء من الهروين ويحقنه في الوريد، ومع كثرة حقن الهروين في الوريد يصير عند النفس إشباع تريد مزيد، ورأيت بعيني صوراً لشباب من اللاهثين وراء المعاصي والمخدرات أصبح يأخذ الإبرة ويجر جفن عينه ويدخل الإبرة هنا تحت جفن العين حتى تكون أقرب إلى الدماغ وسرعة التكييف؛ من شدة -والعياذ بالله- اللهث والجري وراء اللذة الموهومة.
إذاً: فحينما نتكلم عن اللاهثين لا نتكلم عن إنسان من أول مرة بدأ بالكوكايين والهروين، ولا نتكلم عن إنسان من أول مرة بدأ بالزنا لا، كان لأولئك بدايات بدأت بالتدخين، مرت بالسيجار، عبرت الحبوب، انتهت إلى الكوكايين، وانتهت إلى نهاية الوفاة.
ومن مدة كنت في مدينة من المدن في الفندق فأخبرني أحد الشباب -نزلاء الفندق- قال: منذ يومين وجد شاب في هذا الفندق دخل عليه أهله بعد أن اتصلوا به مراراً ولا يرد، وسألوا الفندق عنه قالوا: والله ليس مفتاح حجرته عندنا حتى نقول خرج.
فاقتحموا عليه باب الحجرة فوجدوه هكذا منكفئاً على وجهه والإبرة -إبرة حقن الهروين- في يده، وجدوه ميتاً على هذه الحال.
стр. 1341
بداية كل لاهث
إذاً: فاللاهثون لم يبدءوا بالهروين من أول بداية لا، إنما بدءوا بجليس سيئ، بدءوا بأغنية، بدءوا بمعصية، بدءوا بمخالفة، ثم زادوها وزادوها وزادوها وزادوها حتى وصلوا إلى هذه النهاية المريرة.
وحتى هذا يا إخوان موجود في الغرب، الغربيون ليس عندهم حياء ولا خوف من الله، فالشذوذ الجنسي في العلاقات الجنسية عند الغربيين مر قبله بمرحلة الخيانات الزوجية، وعدم احترم الحرمات الاجتماعية، أو ما يسمى بالعلاقات الاجتماعية المفتوحة، أو ما يقال عنه (البوي فريند) تجد الفتاة لها صديق، والفتى له صديقة، ومعنى صديق وصديقة يعني أن يمارس معها كل شيء، ثم بعد ذلك يمل بعضهم من بعض فيستبدل الصديقة بصديق والصديقة تستبدل صديقها بآخر، ومرحلة استبدالات حتى يملون من المعاصي، وجدت شريحة من النساء يمارسون الشذوذ مع النساء، وشريحة من الرجال يمارسون الشذوذ مع الرجال، فمل بعضهم إلى درجة أن إحدى الدول الغربية أصبحت تنتج أفلاماً اسمها "مان آند أنيملز" "وومن آند أنيملز" الرجال والحيوانات والنساء والحيوانات، ماذا يوجد في الأفلام؟ يوجد في الأفلام نساء يفعلن الفاحشة مع البهائم، ورجال يفعلون الفاحشة مع البهائم! اللذة متناهية فيبحثون عن لذة جديدة، لم تقف اللذة عن العلاقات الاجتماعية المفتوحة، ولم تقف اللذة عند تغيير الفرش بين الرجال والنساء والشباب والشابات، ولم تقف اللذة عند اللواط أو عند الشذوذ والسحاق، بل تعدتها في نظرهم، وهي لذات موهومة ليست لذات حقيقية، وبعد أن يصلون إلى هذه الدرجة تنتهي أحوالهم إلى جنون أو إلى انتحار أو إلى ضياع أو إلى اكتئاب أو إلى مخدرات نهايتها الهروين، ثم نهايتها الموت البطيء أو الموت القاتل سواء علم أو جهل بذلك.
стр. 1342
نهاية المطاف بعد اللهث
ثم أيها الأحبة! نقول لأحبابنا وشبابنا: أيها الشباب اسألوا الفنانين الذين تابوا وتركوا الفن، واسألوا المخرجين الذين تابوا وتركوا الأقذار الفنية والوحل الفني، اسألوهم: ماذا وجدوا في الفن والوسط الفني؟ فنانون يعترفون ويقولون: الوسط الفني وسط قذر، فنانات بعد التوبة يعترفن وتقول إحداهن: لا يمكن أن تكون فتاة نجمة العام أو نجمة الاحتفال أو بطلة فيلم إلا إذا وافقت على شروط مخرج أو صاحب القصة أو بطل الفيلم، ما هي الشروط؟ الفواحش والشذوذ والمعاصي! إذاً: يا إخوان لا تغركم صورة هذا الممثل مع هذه الممثلة على الشاشة، لكن ما الذي حدث قبل أن يخرجا على الشاشة؟ ما الذي حصل وقت بروفات التمثيلية؟ ما الذي حصل قبلها؟ حصل كل ما لا يخطر على بال من السفالة والقذر والوسخ وكل تعدٍ لحدود الأخلاق ولا حول ولا قوة إلا بالله! إذاً: نقول للاهثين وراء هذه الأمور: اسألوا الذين عرفوا هذا وتركوه، اسألوا الذي عرفوا الفن وتابوا منه، اسألوا المطربين الفنانين التائبين، أحد الفنانين جلس عندي في بيتي وأسأله: ما الذي كان يبلغ إليه الفن في جلسات العود والطرب؟ قال: يا شيخ لا تصدق أن الفن هو ريشة ووتر، الفن جلسة بنات وكأس يدور، وفواحش تمر بهذه المرحلة، وتقف عند المخدرات، وتنتهي إلى الانتحار ولولا أن الله مَنَّ علي وهداني وإلا لكنت واحداً من ضحايا المخدرات الذين كنا نجلس في جلسات أولها الوتر وآخرها الخمر والمخدرات.
إذاً: نقول للاهثين وراء شهرة الفن، واللاهثين وراء النجومية نقول: اسألوا الذين سبقوكم وعادوا، إن مجموعة من الفنانين والفنانات تابوا إلى الله ورجعوا ومعهم الراية البيضاء يلوحون بها ويقولون: يا معاشر الشباب، يا معاشر الشابات عودوا فإنا جئناكم من آخر نقطة ينتهي إليها طريق الفن، فلم نجد في هذا الطريق إلا الدعارة والفساد والعهر والانحراف، لم نجد لحظة نخشع فيها، ولا دمعة نبكي خوفاً لله منها، ولم نجد ساعة خشوع، ولم نجد ساعة طمأنينة، بل كنا نصبح في قلق، ونمسي في قلق، ونمشي في هلع، ونتنقل في فزع هذه حياة الفن والفنانين إلا من رحم الله من الذين عادوا وتابوا أو في طريقهم إلى العودة والتوبة.
آخر: قابلته في السجن، أحد الفنانين كان مسجوناً فزرته في السجن، قلت له: يا فلان كيف تجد نفسك؟ لقد من الله عليه بالتوبة وحفظ جزأين من القرآن في السجن، قلت له: يا فلان كيف وجدت نفسك الآن؟ قال: والله لقد عرفت الفن أيام لبنان، أيام بيروت، والآن والله إني لا أستطيع أن أصف لك تلك المرحلة التي مررنا بها مروراً على الجلسات والحفلات حتى ما جمعناه من المال لا بركة فيه، وحتى إن المعجبين والمشجعين حولنا ويصفقون لنا، ويتقدموننا، ويتبعوننا، ويعطوننا بطاقات التعارف، ويدعوننا إلى حفلات اللقاء، ومع هذا كله والله ما كنا نأنس، وما كنا نلذ -وقال كلمته المشهورة-: ولو مت على ما أنا عليه لمت ميتة حمار.
يقوله ذلك الفنان التائب العائد.
فإلى شبابنا اللاهثين نقول: عودوا إلى الله فإن الطريق الذي تسلكونه قد سلكه أناس قبلكم وخبروه وسبروه واكتشفوه، وعرفوا غايته وأبعاده، ثم رجعوا ولكنهم قالوا كما قال رجل لما حضرته الوفاة، رجل من الذين كان لهم جلسات أنس وطرب مع صديق له، مع نديم حبيب له، توفي نديمه وتوفي حبيبه وصديقه، وأوصى هذا الرجل لما حضرته الوفاة أن يدفن عند نديمه أو بجوار قبر نديمه، وقبل موته قال كلمات، قال وهو يشير إلى قبر صديقه يقول:
يا صاحبي قم فقد أطلنا أنحن طول المدى هجود
فقال لي لن نقوم منها ما دام من فوقنا الصعيد
تذكر كم ليلة لهونا في ظلها والزمان عيد
هذا الذي يحتضر قبل الموت يكلم صاحبه الذي في القبر تحت التراب، ويذكره يقول: تذكر كم ليلة لهونا، كم سهرنا، كم فيلم رأينا، كم مجلة قلبنا، كم مرة عاكسنا، كم مرة صلحنا، كم مرة فعلنا
تذكر كم ليلة لهونا في ظلها والزمان عيد
وكم سرور همى علينا سحابة ثرةً تجود
كل كأن لم يكن تقضى وشؤمه حاضر عتيد
يقول: كل هذا كأن لم يكن، كأنما صار وتقضى وانتهى ومضى وانقضى وشؤمه -يعني: شؤم الذنب، وخطر الذنب والفاحشة والمعصية- وشؤمه حاضر عتيد.
كل كأن لم يكن تقضى وشؤمه حاضر عتيد
حصله كاتب حفيظ وظمه صادق شهيد
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١١]
يا ويلنا إن تنكبتنا رحمة من بطشه شديد
يا رب عفواً وأنت مولى قصر في أمرك العبيد
ثم مات الرجل ودفن إلى جوار صاحبه.
لو قدرنا لأولئك الذين مارسوا الملذات وهم من اللاهثين وراء الشهوات، وراء الأرصفة، والبنات، والطرقات، والمجلات، والمسلسلات، وراء كثير من الأمور، ثم ماذا؟ إن أهنأ عيشة قضيتها -كما يقول ابن الوردي لولده-:
اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكرى لأيام الصبا فلأيام الصبا نجم أفل
إن أهنا عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل
ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتق الله البطل
العنترية والحموشية وقطع الطرق والاعتداء على الناس، والتسلط عليهم ليست بطولة.
وإنما تقوى الله، ومراقبة النفس، وإحكام تصرفات النفس هي البطولة الحقيقية التي ينبغي أن يتربى عليها الشباب وأن يعرفها الجميع.
стр. 1343
ما يجنيه اللاهث على نفسه ومجتمعه
أيها الإخوة بهذه الأمور مجتمعة: تربية منفلتة ضائعة، وقدوة غائبة، وتلميع للفنانين ولنجوم الكرة ولغيرهم، وغيبة لأن يلمع العلماء ورجالات المجتمع؛ جعلت الشباب هشاً مستعداً أن يقلد أدنى صيحة، ولذلك الآن ما ترى تقليعة توجد في الأسواق إلا ولبسها شبابنا وشاباتنا، وصدق رسول الله ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).
وبالمناسبة يذكر أن أحد الوعاظ أو الخطباء كان ذات مرة يروي هذا الحديث، يقول قال ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) أخرجه الترمذي، فكان هناك أحد من البادية قال: الترمذي هو الذي طلع الضب، أخرجه الترمذي يعني الحديث رواه الترمذي، وهذا يحسب الترمذي هو الذي طلع الضب! وأقول: هذه الأمور مجتمعة جعلت عندنا شباباً مستعداً للانزلاق عند أدنى تقليعة، وأدنى دعاية، وأدنى صيحة.
وبالمناسبة هناك دراسات أجريت على مجتمعنا فأظهرت أن عندنا مجتمعاً يتأثر بالإعلان والدعاية بشكل غريب جداً جداً، واحد يقول: عندي ولد إذا مسك الصابونة عند الغسالة قعد يناقز ويناقز إلى أن أمسكه.
قلت: لا تلومه، هذا صابون زفت، ما تعرفه.
يعني: عندنا شيء مؤثر جداً على عقول الشباب والشابات بطريقة غريبة وعجيبة! فإذا كانت هذه تأثير الدعايات وتأثير الإعلان فما بالك إذا أصبحت تخاطب المشائخ، وأصبحت المجلات والجرائد والبث المباشر الذي بدأ يأتينا من خلال الدش أو الأطباق التي تنصب على السطوح، وكثير من الناس -يا للأسف! - يشتريها دين، بعضهم يتدين ويركب دش، حتى لو أن عنده مليار ما ينبغي لمسلم أن يضر ببيته.
يا إخوان هل فينا رجل أو هل يعقل أن رجلاً يشتري دشاً لكي يستقبل به بثاً يجعل زوجته تتعلم الخيانة الزوجية؟ هل يوجد رجل يشتري دشاً يستقبل أفلاماً تعلم بناته المعاكسة واللف والدوران، وكيف تخرج وتلعب على أهلها وتصاحب صديقها ومن يعاكسها؟ هل يوجد رجل يختار ويشتهي لنفسه أن يستقبل بث يجعل زوجته تنظر إلى أناس يتصارعون شبه عراة؟ أنا لست أدري أين ضاعت الغيرة وأين ضاعت الحمية وأين فقد الإباء والشمم؟!! عجباً لناس تقول لأحدهم: يا حبيبي يا سيدي يا أخي الكريم هات مدرساً شهرياً بثمانمائة ريال يدرس أولادك الحساب والقراءة ويعلمهم أموراً تنفعهم، ويعلمهم القرآن، ويدرسهم السيرة فترفض، ثم تذهب لتشتري الدش بإثني عشر ألفاً، وإذا كان من الدشوش التي تحضر مائة وستين محطة أو أربعة وستين محطة تجده بأبهض الأثمان وأغلى الأسعار؟؟ والله مصيبة! اللاهثون في مجتمعنا كثر، ولم يقف حد اللاهثين عند الشباب المراهقين بل تجاوزه إلى كبار السن، التي يسمونها مراهقة الشيوخ أو مراهقة الكبار، ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذه الأوضاع كلها: بث مباشر، مجلات، تلميع إعلامي، نجومية من هنا، وهلم جرا، جعلت الشاب مثل ما قال: يسكر بزبيبة، ينزلق في أدنى شيء؛ ولأجل ذلك ينبغي أن نعرف كيف ندفع الشر عن هذا المجتمع إن كنا صادقين.
стр. 1344
ختاماً متى العودة؟ ومتى الرجوع ؟
إلى كل شاب ضيع أيامه وساعاته وأوقاته في معصية الله نقول لك: إن الباب لا زال مفتوحاً، إن الباب لا زال مفتوحاً، ونقول لك قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] ونقول لكل شباب: هب وافترض جدلاً أنك تمتعت بكل لذة فهل هذا سيدفع عنك الموت؟ هل هذا سيدفع عنك سكرات الموت؟ هل هذا سيجعل لك إضاءة في القبر؟ أو يجعل لك سريراً أو فراشاً ناعماً في اللحد؟ هل هذا سينفعك عند الله يوم الحشر والنشر؟ إن أردت الهداية فأقبل واسمع النصيحة والتزم الموعظة، وعد إلى الله، وإياك أن تكون بهيمة قولها كما قال القائل:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت كيف أبصرت طريقي
لست أدري ولماذا
لست أدري لست أدري
بعضهم تقول له: يا حبيبي لماذا خلقت؟ يقول: أنا داري؟ ما دورك في الحياة؟ والله ما أعرف.
ما غايتك؟ ما هدفك في الحياة؟ يقول: اسأل أبي! هذه مصيبة، شاب يبلغ هذا العمر ولا يزال لاهثاً وراء المجلات والأفلام والمسلسلات والطرقات ولا يعرف هدفه وغايته، هذه مصيبة! شباب أشبه ما يكونون بالأغنام التي تسمن ثم تتجه إلى المسلخ فتنحر وتؤكل، بل إن الأغنام والأبقار نستفيد منها، وأما اللاهثون إن لم يهدهم الله وإن لم يتوبوا ويعودوا إلى الله فأولئك شر على المجتمع.
стр. 1345
التوبة هي الطريق الأسلم من رحلة اللهث
وختاماً: لا نقول للشباب حتى وإن كانوا في السجون الآن، وإن كانوا من أهل المخدرات، وإن كانوا على الأرصفة والمتسكعين في الطرقات، لا نقول لهم: لا يمكن أن نستفيد منكم، أو مستحيل أن نستفيد منكم، بل نقول: نحن نحتاجكم، الصومال تحتاج إلى الإغاثة، فبدلاً من أن تضيع جهدك ونشاطك وصحتك في الأرصفة والطرقات اجعلها في سبيل الله والوقوف مع المسلمين بدلاً من أن يأتي المنصرون وينصرونهم، الفليبين بحاجة إليك، الفقراء في كل مكان محتاجون إليك، الأرامل، المعوقون، المشلولون، اليتامى، الأيامى، كفالة الغزاة، مساعدة المسلمين، دعوة الكفار إلى الإسلام، على الأقل لو تعرف جزء عم أو نصف جزء عم، لو تجلس وتعلم أناساً حديثي العهد بالإسلام لأصابك أجر وخير كثير بإذن الله جل وعلا.
أيها الأحبة! نقول لكم بلغوهم وقولوا لهم: إننا لم نستغن عن شباب المسلمين، ولم نستغن عن شبابنا وأبنائنا، ونقول لهم: إن فيهم خيراً كثيراً إذا أقلعوا عن الذنوب وأنابوا إلى الله واتبعوا سبيل المهتدين، إننا لا نحقر من شأنهم فنقول: لا فائدة منكم أبداً لا، بل فيكم خير كثير، في شبابنا خير كثير جداً، ولكن يوم أن يفتحوا الطريق للخير يتدفق من قلوبهم إلى مجتمعهم، ويوم أن يزيلوا جبال المجلات والمسلسلات ومجالس الأشرار والسيئين عن طريقهم، حينئذ سترى الخير يتدفق منهم، نحن لم يأت اليوم الذي نقول فيه أو قلنا فيه لشاب: ليس فيك نفع أبداً، ولا يمكن أن يقال هذا لشاب، حتى الشاب الذي نزوره في السجن أو في سجن المخدرات ما نقول له: ما فيك نفع، نقول له: فيك خير، ولكن أين الخير؟ له طريق وبداية، الذي يقول: ما فيك خير هذا أمر صعب جداً وربما يحطم.
الشيء بالشيء يذكر، خذوا هذه فهي تحرك الجمود: رجل كان عنده سائق، يبدو أن السائق هذا غير مسلم، فذهب به يصلي الاستسقاء صبيحة يوم من الأيام، وتعرفون أنه من السنة بعد الاستسقاء أن الإمام يقلب رداءه تفاؤلاً بتغيير الأحوال من الجدب إلى المطر، فقلب الإمام رداءه ثم قلب الناس أرديتهم، وهذا السائق ينظر إلى سيده يقلب الرداء والناس كلها تقلب الأردية، وكان الرجل متأثراً جداً من الخطبة -جزاه الله خيراً- فجاءه السائق قال: بابا أنا أيش في أقلب؟ قال: أنت اقلب وجهك! لأنه فعلاً منزعج من هذه الأحوال التي سببت انقطاع المطر والجدب والقحط، فنحن ما نقول للشاب: أنت اقلب وجهك ما فيك نفع.
أو نقول كما قال بعضهم، مجموعة من الشباب كانوا في رحلة، فأحدهم وجد هذا ينزل العفش وهذا ينصب الخيمة وهذا يأتي بالماء، قال: وأنا ماذا أفعل؟ قالوا: أنت اذهب هش الطيور! لا نحن لا نقول للشاب هذا الكلام أبداً، لا نقول له: اقلب وجهك، ولا نقول: هش الطيور، ولا نقول: ما فيك نفع؛ نقول: فيك خير كثير متى؟ إذا صدقت مع الله وتبت إلى الله، وأسدلت ستار التوبة على صفحة مضت، وفتحت صفحة جديدة كلها عودة وأوبة ورجوع إلى الله مهما بلغت ذنوبك.
لا تظن يا أخي الكريم أن التوبة لإنسان معاصيه قليلة لا، التوبة حتى ولو كان الإنسان زانياً، حتى لو كان لوطياً، حتى لو كان تاجر مخدرات أو مروج مخدرات أو كان فاجراً أو كان فاسقاً أو كان ظالماً ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] باب التوبة مفتوح لا يغلق أبداً إلا يوم أن تطلع الشمس من مغربها، أو يغرغر العبد فتبلغ روحه الحلقوم، حينما تصل سكرات الموت، وتبلغ الحشرجة في الصدر، حينما تبلغ التراق حينئذ تقول: الآن أتوب، يا أولادي، يا إخواني عندي عشرون فيلماً أخرجوها من البيت، وعندي ثلاثون شريطاً أحرقوها، وعندي خمسون مجلة مزقوها، وعندي كذا شريط أتلفوه لا، ستحاسب عليها، فالتوبة ما دمت مستطيعاً الآن:
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة فلا يدوم على الإحسان إمكان
تب إلى الله ما دام البصر الذي نظر إلى الحرام قادر أن يغض عن الحرام، قبل أن يأتي اليوم الذي تزول فيه نعمة البصر فحينئذ تقول: أتوب إلى الله من النظر إلى المسلسلات والمجلات والمعاصي -الصيف ضيعت اللبن- نعم هذا أمر بينك وبين الله، لكن التوبة ما دمت قادراً، ما بتوبة العاجز، تب إلى الله ما دمت قادراً أو يوم أن كنت قادراً على الذهاب إلى مكان المعصية، الآن تتوب وتقول لرجلك: هنا قفي، مكانك قف، لا تذهب إلى المعصية.
أما الإنسان الذي تضربه سيارة وينشل ويصاب بشلل نصفي وبعدين يقول: لا، خلاص أنا الآن لا أذهب إلى المعصية، أصلاً رجلك مشلولة كيف تذهب؟ والناس لا يعصون الله إلا بنعمته، هل رأيت أعمى يتفرج على أفلام فيديو لا.
لأن الذين يعصون الله بالنظر إلى المسلسلات الماجنة يعصون الله بنعمة البصر.
هل رأيت أصم يستمع إلى الأغاني؟ لا.
لأن الذين يعصون الله بسماع اللهو يعصون الله بنعمة السمع.
هل رأيت أبكم يعصي الله بالغيبة؟ لا.
لأن الذين يعصون الله بالغيبة الذين عندهم نعمة الكلام، وما رأيت مشلولاً يعصي الله بنعمة الذهاب إلى الفاحشة لأن الذين يذهبون إلى المنكر يعصون الله بنعمة العافية في الأقدام، وما رأيت مشلولاً يعصي الله بالسرقة لأنه لا يوجد مشلول اليدين يسرق.
إذاً: فلا يعصى الله إلا بنعمة فعيب علينا، استحوا وأستحي ونستحي جميعاً أن نعصي الله بنعمه علينا، يعطينا الله نعمة فنعصيه بها.
اللهم إنا نسألك أن تتوب علينا، اللهم تب علينا، اللهم تب علينا، اللهم تب علينا، اللهم افتح على قلوبنا، اللهم إنا نسألك في هذه المكان الطيب المبارك أن تنزل علينا توبة نقلع بها عن الذنوب وتستر بها العيوب، اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت ونحن عبيدك، ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا، نعوذ بك من شر ما صنعنا، ونبوء لك بذنوبنا، ونبوء لك بنعمك علينا فاغفر لنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
اللهم يا من سترت القبيح وأظهرت الجميل استر علينا بسترك، اللهم يا من عافيتنا وسترتنا فيما مضى فاعف عنا وأعنا على أنفسنا فيما بقي، اللهم حبب إلينا طاعتك وبغض إلى نفوسنا معصيتك، اللهم نشكو إليك قلوباً ميالة إلى اللهو، اللهم نشكو إليك أنفساً ميالة إلى الغفلة، اللهم نشكو إليك أنفساً تباعة للشهوات، اللهم فاجعل ميل نفوسنا وهوى قلوبنا إلى مرضاتك وطاعتك، حبب إلينا مرضاتك وبغض إلى نفوسنا معصيتك.
يا رب العالمين لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، يا إلهنا، يا ربنا، يا خالقنا، يا مولانا إلى من تكلنا؟ اللهم إنا نشكو إليك قسوة القلوب، وجمود الأعين، وكثرة المنكرات، وتسلط الشهوات، وقلة الناصر، وكثرة المرجفين، وكثرة المثبطين، اللهم فثبتنا على دينك يا رب العالمين، وتوفنا وأنت راض عنا.
إلهنا لا تخزنا يوم يبعثون، واغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا من عبادك الصالحين، واحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1346
الأسئلة
стр. 1347
انتقاد الجوانب السلبية في الحضارة الغربية
السؤال
يرى بعض الشباب أن انتقاد الحضارة الغربية تخلف، وأن الذي ينتقدها متخلف أو معقد ومتأثر بما يقال من أكاذيب عن الملتزمين، كذلك ما يوجد في المجتمع من نظريات، والمصيبة العظمى جهل الشباب بنعمة الله وفضله عليهم، وجهلهم بعظمة الله وقدرته، فنريد تعليقاً من فضيلتكم يعالج ذلك الأمر.
الجواب
لا يوجد أحد يعجب بالحضارة الغربية إلا إنسان متخلف، نعم يوجد أناس لا يزالون -والعياذ بالله- مفتونين بالحضارة الغربية لدرجة أن شاباً درس في فرنسا سنوات، فلما رجع إلى أهله في القرية وكان عندهم نخل ودجاج وبط وطيور قال: حتى الآن دجاجكم يقوقي؟! سبحان الله على شان أنك درست في فرنسا تريد الدجاج يدرس في السربون ويتكلم فرنسي؟ طبعاً الدجاج منذ أن خلق الله آدم إلى يومنا هذا وهو يقوقي، هل سمعت بدجاج تطور فأصبح ينبح؟! غريبة والله! درس في بريطانيا ودرس في فرنسا وجاء ينكر على الدجاج البقبقة هذه! فمصيبة بعض المنهزمين أنه لا يرغب في شيء من مجتمعه أبداً، حتى بعضهم جاء وأول شيء حط له ماسة وكرسي يأكل عليها، لم يعد يريد أن يجلس بجانب أبيه وأمه يأكلون على الأرض إن اليابان التي وصلت قمة الرقي في عالم الإلكترونيات والاتصالات لا يزال اليابانيون يأكلون بالطريقة التقليدية، طريقة متعبة: يجلس الواحد على ركبته ويجلس هكذا، يمد ساقه والركبة هكذا والفخذ والجسم كله واقف ويأكلون بهذه الطريقة بالخشبتين، ما تركوا الخشبة التي يأكلون بها، وبعض شبابنا إذا دخل مطعماً يستحي أن يأكل بيده، ولذلك يضطر يأخذ الشوكة ويضغط في الزيتونة تروح هناك، ثم يرجعها مرة ثانية يطعنها فتروح هناك، أخيراً يضطر يمسكها ويضربها هكذا ثم يدخلها فمه، ولهذا ليس بيننا وبين أن نصنع طائرة، وليس بيننا وبين أن نصنع مفاعلاً نووياً، وليس بيننا وبين أن يوجد عندنا قنبلة نووية نهدد بها العالم كما يهددوننا إلا أن نلبس بنطلوناً وقميصاً وكرفتة، وليس بيننا وبين أن نسابق على التسلح الذري وحرب النجوم إلا أن نضع هتفون ونسمع الدسكو في الأذان، وليس بيننا وبين أن ننافس على عالم الاتصالات إلا أن نضع الدش ونستقبل البث وبعد ذلك نصل إلى قمة الحضارة! مصيبتنا أننا استوردنا أخس ما عند الغرب، وقل فينا من استفاد من أفضل ما عند الغرب، ولذلك الآن أغلب الذين سافروا إلى الغرب لو أن كل شباب المسلمين والعرب الذي سافروا إلى الغرب رجعوا مخترعين، صناع قنابل نووية، صناع متفجرات، وأسلحة، وقاذفات، وراجمات، ومخترعين في عالم الإلكترونيات والاتصالات لأصبح عندنا ثورة صناعية نهدد بها الغرب كما يهدوننا لكن للأسف نعود بشهادات كرتونية اسمه فلان بن فلان، يحمل كذا في التخصص النووي أو يحمل كذا في التخصص الإلكتروني ولو يخرب الراديو ما يعرف يصلحه، ولو تريده أن يعطينا مفاعلاً نووياً ما صلح، نريده أن يطور لنا سلاحاً لكي يصبح من أسلحة الدمار الخطيرة ما عرف.
الأمة الإسلامية يا إخوان بحاجة إلى أن تدخل في النادي النووي الذري، هناك نادٍ اسمه نادي النواة أو نادي الذر، ما معنى النادي النووي الذري؟ يعني أي دولة تملك قنبلة نووية تهدد بالسلاح الذي تهدد به، وقديماً كانت روسيا وأمريكا كل منها يملك عشرات الآلاف من الرءوس النووية التي لو أطلقت إحداها على الأخرى عشرة لانطلق في الاتجاه المضاد ما يكفي لدمار العالم، كان الروس يعلمون أنهم لو أطلقوا من بعض الجمهوريات الإسلامية حالياً -التي كانت تحت الاتحاد السوفيتي - بعض الرءوس النووية لكان الرد من نيويورك أو من واشنطن أو من بعض مناطق الصواريخ أو منصات الصواريخ الأمريكية كافياً لدمار الدولتين، ولذلك ما الفائدة من أن تطلق روسيا سلاحاً النتيجة الطبيعية أن تطلق أمريكا في المقابل سلاحاً مثله فتنتهي الدولتان؟ فكانت كل دولة تحترم الدولة الثانية ولا تتجرأ عليها أبداً لأنها تعرف لو قهرتها بالذرة تلك تقابلها بالذرة، لو فجرت فيها قنبلة نووية تلك تقابلها، ولذلك لماذا الضجة على باكستان؟ لماذا الضجة على المفاعل النووي الإسلامي الباكستاني؟ لماذا؟ قنبلة إسلامية يمكن يوماً ما تفجر في اتجاه أوروبا أو أمريكا.
إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تملك القنبلة النووية في منطقة الشرق الأوسط، وتسمى منطقة الشرق الأوسط تباعاً للتسمية الغربية وإلا هي منطقة فلسطين، أرض الآباء والأجداد، مسرى رسول الله ﷺ ، لكن قالوا يقول الغرب: نحن لو قلنا فلسطين لكنا معترفين بأننا اغتصبنا الأرض من المسلمين وبهذا نعيد لهم الرجوع والأماني في استردادها، وتسمى -أيضاً- بمنطقة الشرق الأوسط حتى تكون تسمية متوازنة لا تحرج أبداً، لا فيها اعتراف بحق للمسلمين ولا فيها إحراج للآخرين، والآن أصبحت بعض الدول تسميها إسرائيل صراحة، وعلى أية حال سيأتي ذلك اليوم الذي ترد فيه فلسطين.
يقول أحد المفكرين: كنت ذات يوم أستمع إلى صوت تل أبيب من إسرائيل أو من فلسطين، يقول: كان السائل مسلماً ويقول لمدير البرنامج اليهودي الإسرائيلي: يقول: قلت له: اعلم أننا في ديننا حديثاً يقول: (تقاتلون يهود فتنتصرون عليهم حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم ورائي يهودي تعال فاقتله) فبماذا رد المذيع؟ قال: أولاً: أنا لست من خبراء الأديان، ثانياً: لا أعرف صحة هذا الحديث الذي تقول، ثالثاً: لو قدرت صحة هذا الحديث فلسنا نحن اليهود الذين نقاتل ولستم المسلمين الذين يقاتلوننا؛ لأن المسلمين الذين يقاتلوننا سيكونون مسلمين من نوع آخر، مسلمين همهم الإسلام، قضيتهم الإسلام، الإسلام في عقولهم وأسماعهم وأبصارهم ليل نهار.
فقضية الذين لا زالوا مولعين بالغرب بماذا يولع بعضهم؟ تجده مولعاً بالصرف الإلكتروني، بالخدمات الفندقية، بالريمونت كنترول، بالفيديو، بأشياء من قصور الحضارة، بكماليات تافهة لا تقدم ولا تؤخر، حتى التقنية ربما بعضنا اشتراها ولم يعرف يستخدمها، نحن في تخلف علمي عجيب وغريب جداً، ونسأل ونقول: أين الخلل؟ العالم يتجه إلى تطوير مناهج تعليمه، ونحن نحتاج إلى أن نطور مناهج تعليمنا حتى تكون عقول أبنائنا وبناتنا مواكبة لآخر ما وصل إليه العالم في شأن العلوم والتقنية والصناعة.
أما أن نقول للذين يحتقرون الحضيرة الغربية متخلفين، وأنت يا حبيبي ماذا قدمت أيها المطور المتقدم؟ ماذا قدمت يا صاحب الذرة؟ لا ذرة ولا شيء مثل ما قال أحدهم، فمرة كنا في نادي الهلال في محاضرة قدمت فيها للشيخ عائض القرني، فجاء سؤال للشيخ عائض، يقول السائل: يا شيخ أنتم منذ سنين وأنتم تتكلمون عن صحيح البخاري وفتح الباري والروض المربع وما صعدتم القمر.
فقال له الشيخ عائض: وأنت لا صعدت القمر ولا قرأت صحيح البخاري.
يعني: هؤلاء الذين ينتقدون المتدينين على الأقل المتدين قد حصل دينه، أما هذا الذي ينتقد المتدين فلا دنيا ولا دين، لا صناعة ولا علم، لا شريعة ولا تقنية، لا اتصالات ولا أصول فقه.
فهذه عقدة ينبغي أن تزول من كثير من الذين لا زالوا معجبين بالغرب، لكن مثل ما قال بعضهم، سأله واحد من هؤلاء المعجبين بالغرب قالوا له: ما هي مؤهلاتك يا شاطر؟ قال: أنا والله معي سادسة ابتدائي وأعرف واحد في أمريكا هذه المؤهلات.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
ولا أود أن تقولوا جاء الشيخ فأخذ وقت المحاضرة إلى المغرب، ثم جاء يتحدث بعد العشاء، ولولا ما سحبنا منه الميكرفون ما سكت، يا ليته سكت لا، نحن نسكت قبل أن تقولوا هذا، وكان ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة، المهم أن نطبق ما سمعناه.
أسأل الله أن يسعدكم وأن يوفقكم وأن يصلح ذرياتكم، وأن يجعل أولادكم وبناتكم قرة أعين لكم، وأن يملأ قلوبكم سعادة وحبوراً وفرحاً وطمأنينة، وأن يتوفانا وإياكم على طاعته إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1348
الشباب بين غرور النفس واحتقار الذات (١ - ٢)
في هذه المحاضرة نحلق جميعاً مع الشيخ في درس نفيس يحوي إجابات كثيرة مفصلة عن: الغرور مكمنه ومظاهره، وأسبابه الاحتقار: أنواعه، وأسبابه، وعلاجه، وفي طيات هذه المادة تجد فوائد تحل كثيراً من مشكلات الشباب.
стр. 1349
الغرور منبعه القوة
الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله: فرصةٌ سعيدة، ومناسبةٌ طيبة أن يتكرر اللقاء في مثل هذه الأماكن التي طالما ظمئت إلى الندوات والمحاضرات، والتي طالما التفت بعض الشباب عنها ظناً أن ليس فيها إلا رياضة الأقدام فقط، وما علموا أن الأندية هي مجتمعات لغذاء الأرواح والعقول والقلوب والأبدان، فلا بد أن نعيد النظرة السليمة الصحيحة إلى أنديتنا، ولا بد أن تتميز أنديتنا بما تتميز به بلادنا وأرضنا وأمتنا عملاً بقول الله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤].
أيها الأحبة! حديثنا اليوم هو: الشباب بين غرور النفس واحتقار الذات، وقد يقول البعض: ما الحاجة إلى هذا الموضوع؟ ولماذا اختير هذا الموضوع من بين آلاف المواضيع المطروحة على الساحة؟ أقول: نعم، اخترناه واختاره الإخوة الذين رتبوا لهذه المحاضرة؛ لأن هلاك وضلال وبعد كثير من الشباب بسبب واحد من أمرين: إما بسبب الغرور وإما بسبب الاحتقار أعاذنا الله وإياكم منهما جميعاً.
أيها الأحبة! الغرور في الغالب يكون منبعه القوة؛ وشعور الإنسان بأنه قوي، وشعور الإنسان بأنه بما يسر الله جل وعلا له قادر على أن يذلل جميع الصعاب، هذا قد يقوده وقد يدعوه إلى أن يقف لحظات موقف المغرورين وهذا خطر عظيم، ولو تأملنا الإنسان لوجدناه أقوى مخلوقات الله قاطبة، فقد تغلب على كثير من المخلوقات، لقد تغلب على الريح، فاستطاع أن يصرفها بما ألهمه الله جل وعلا، فجعلها دافعة موجهة له في البحر، ولقد تغلب على الجبال، فاستطاع أن يشق الأنفاق فيها، ولقد تغلب على الأودية وعلى البحار، فاستطاع أن يتخذ له طريقاً ومكاناً فيها.
إذاً هذا الإنسان الذي لم يقف أمامه شيء بما سخر الله له، لا شك أنه قوي وحريٌ لمن كان في هذه الدرجة أن يشعر بالقوة، ولكن ما مقدار هذه القوة؟ وما درجة هذه القوة؟ ذلك الأمر الذي تباينت فيه عقول الناس واختلفت فيه أفهامهم ومداركهم.
أيها الأحبة! بعد أن قلنا إن القوة قد تكون سبباً يفضي إلى الغرور، فإن القوة بأنواعها؛ قوة المال، وقوة الشهرة، وقوة المنصب الاجتماعي، والقوة البدنية، وما شئت من أصناف القوة هي داعية في الحقيقة إلى أن يقع الإنسان في الغرور، ما لم يربط هذه القوة بما أوجب الله عليه، وما لم يخضع هذه القوة بما أمره الله أن يخضعها له، ومن لم يفعل ذلك؛ فإن نهاية قوته ضلال عليه ووبال على نفسه وماله ومجتمعه.
стр. 1350
غرور قارون
ولقد جاء في القرآن الكريم أمثلة لمن نالوا شيئاً من القوة، فبلغ بهم ذلك إلى حد الغرور، فمن أولئك قارون الذي بلغ قوة مالية عظيمة، حتى ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] مفاتيح خزائنه التي يودع فيها الذهب والجواهر لا تستطيع العصبة من الرجال أن يحملوها، هذا حجم ثقل المفاتيح التي هي مفاتيح الخزائن التي يودع فيها الأموال فما ظنكم بحجم أمواله! ولما نال هذه القوة ولم يسخرها لما أمره الله ؛ أصابه داء العجب والغرور، فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] وخرج على قومه في زينته، وأخذ الناس ينظرون إليه، ويقلبون الطرف فيه، وبعضهم قال: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩].
إن بعض من ترونهم يتقلبون في جنبات القوة، قد ترى من الناس من يحسدهم ويتمنى أن ينال منزلتهم، ولكن فيما بعد أولئك الذين يتمنون مكانة الأقوياء في جوانب عديدة، يقولون: الحمد لله أن لم نكن مثلهم، وكان نهاية هذه القوة المالية التي لم تربط تسخيراً وإخضاعاً لأمر الله ونهيه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١] أهذه نهاية القوة التي أفضت بصاحبها إلى الغرور؟!! وبعد ذلك كانت عاقبته وخيمة أن خسف به وبداره الأرض وبكنوزه ومفاتيحه فلم تغنِ عنه شيئاً أبداً.
стр. 1351
غرور صاحب الجنة
مثال آخر من كتاب الله جل وعلا على أولئك المغرورين الذين كانت نهايتهم الهلاك: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الكهف:٣٥] لاحظوا قول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الكهف:٣٥] ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً﴾ [الكهف:٣٥] كيف تفنى هذه الجنان، هذه الحدائق وهذه النخيل والبساتين ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٦] يقول: وما هي الآخرة التي أنتم تقولون إنها ممكن أن تقوم وتأخذ أموالي وتنهيني عن هذه الحياة ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٦] وإن قامت ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً﴾ [الكهف:٣٦].
أنا فلان بن فلان، أنا مرتبتي كذا، أن من مدينة كذا، لو رددت لأجدن خيراً من هذه الجنة التي أنا فيها في الدنيا ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً﴾ [الكهف:٣٦].
جاءه من يحاوره ويقول له: اتق الله! لا يجوز، ما هذا الغرور؟ ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف:٣٧] أنت الآن في قمة الغرور بالقوة التي عندك، أذكرك بأصل ضعفك ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ [الكهف:٣٧ - ٣٨] إلى أن بينت لنا الآيات من خلال السياق أن الله جل وعلا جعل عاقبة هذا الغرور أن هلكت بساتينهم جميعاً كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ [الكهف:٤٢] أُحيط بهذه الجنة والبستان وانتهى الأمر وما عاد له من شيء يعتمد عليه بعد أن كان يغتر ويتقلب في نعيم تلك الجنان.
стр. 1352
مظاهر الغرور
أيها الإخوة! الغرور داء موجود فينا في الحقيقة، حتى أن طوائف من الضعفاء والفقراء فضلاً عن ذوي المناصب والأثرياء لم يسلموا من داء الغرور، وهذا خطر عظيم جداً، ينبغي أن نصارح أنفسنا، وأن نكتشف داء الغرور من خلال المظاهر التي قد تبدو من معاملاتنا وسلوكنا وتصرفاتنا.
стр. 1353
احتقار الآخرين
من مظاهر هذا الغرور: احتقار الآخرين، وكما يقولون: الغرور مقبرة النجاح، تجد إنساناً والله لا مكانة له ولا منزلة، ولا مرتبة ولا علم ولا درجة، ومع ذلك تجده يحتقر الآخرين، ولا يعني هذا أن من كان في منزلة ومرتبة ودرجة ومكانة وهيئة أن يحتقر الآخرين، لكن هذا مثلما يقال: عائل مستكبر.
فما هي مقومات الغرور التي عندك؟ نحن قلنا: القوة قد تفضي إلى الغرور، لكن للأسف أنك تجد كثيراً من الناس رغم ضعفهم وفقرهم ومستواهم إلى آخره تجدهم مع ذلك مغرورين.
إذاً يظهر هذا الغرور من خلال احتقار الآخرين، ومعروف أن القليل يسلمون على الكثير، والماشي يسلم على الراكب أو على الواقف، فتجده يمر ويشمخ بأنفه ويلفت برأسه وكأنه لا يرى أحداً، أو كأنه لا يرى إلا الذر أمامه ولا يقيم لمن حوله وزناً أبداً.
يا أخي! لماذا التطاول، ولماذا الغرور، وأي درجة بلغتها حتى تشمخ بأنفك؟ مغتر بنفسك ولا تؤدي التحية للآخرين! احتقار الآخرين في مجالات كثيرة: احتقار الآخرين في آرائهم، احتقار الآخرين في كلامهم، تجده في مجلس، فيتكلم أحد الناس نحوه، وهو لا ينظر إليه، وما عنده استعداد ليسمع له، من هو هذا حتى يفتح فمه في هذا المكان، لماذا يا أخي؟! أحرام عليه أن يقول، وحرام عليك أن تسمع؟ لماذا تحتقره أليس بشراً مثلك؟ أليس له عينان ويدان ورجلان وأنف واحد؟ ما الذي ميزك وفرق بينك وبينه؟ لا فرق بينك وبينه إلا بالتقوى.
إذاً من مظاهر الغرور أن تجد الإنسان محتقراً للآخرين، وكما قلنا في مسألة سماع آرائهم والالتفات إلى كلامهم، فتجده بكل سهولة عنده استعداد لأن يقطع كلامه، وأن يذهب ويتركه يتحدث لوحده، وبكل سهولة تجده ينشغل، هذا غرور عميق جداً في النفس قد لا يشعر به، وإلا لو أعطى محدثه وزنه وقدره، وأعطى نفسه وزنها وقدرها لما اغتر بنفسه لهذه الدرجة من الغرور التي جعلته ينصرف عن سماع كلامه وعن رأيه، وأذكر قصة، قالوا: إن رجلاً صعلوكاً فقيراً وقف لملك من الملوك، فكان ذلك الملك في موكب لا يمكن أن يقف به أمام هذا الصعلوك، فالتفت إليه ذلك الرجل الفقير، وقال: اسمع! لقد وقف الهدهد يكلم سليمان ﵇، فاستمع سليمان للهدهد، ومن أنت حتى لا تسمع لي؟ فعجب الملك من بلاغة بيانه وخطابه، وتوقف وسمع كلامه حتى انتهى.
أحياناً أنت تعرف شخصاً، وأنه هذا فلان بن فلان، وقد يجمعك به النادي، أو يجمعك به زواج، أو مسجد أو مكان ما، ومع ذلك: ما عندك استعداد تعترف أن فلاناً موجود أبداً، وهذا مرضٌ خطيرٌ في النفوس من جانبين: جانب حب الشهرة، وجانب احتقار وازدراء الآخرين، وفيه مسة من مس الكبر.
حصل أن هشام بن عبد الملك كان يطوف بالبيت، ورأى زين العابدين بن الحسين بن علي وقد كان من العباد الزهاد الأئمة الأعلام الفقهاء ومن آل البيت، وكان الفرزدق في نفس ذلك المقام، فكانوا يطوفون حول البيت، فقال هشام بن عبد الملك: من هذا؟ وهشام يعرف أنه زين العابدين بن الحسين بن علي إلى آخر شيء، فالتفت الفرزدق قائلاً:
وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
هذا ابن خير عباد الله قاطبة هذا التقي النقي الطاهر العلم
ما قال (لا) قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم
يغضي حياءً فيغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم
فتمنى هشام بن عبد الملك أنه ما ازدراه وما التفت إليه، لأن زين العابدين نال بهذا السؤال مدحاً ومكانة ومنزلة، وما كان من الذين يشتهون المدح أو الشهرة، لكن حينما تجد من يزدري في الحقيقة فذلك نابع من الغرور والكبر والحسد، ولله در الحسد ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله، وكما قال الشاعر:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
حينما يريد حاسد من الحاسدين فيه غرور أن يحتقرك وأن ينزل من مقامك، فيسوقه الله جل وعلا للكلام عنك ازدراءً، فإذ بالمقابل تجد في نفس المجلس من يذود عنك ويدافع، ويذب عن عرضك، فهذا من فضل الله ، إذاً فالذين يغترون بأنفسهم ويحتقرون الآخرين هم في الحقيقة لا يعودون بالاحتقار إلا على أنفسهم.
стр. 1354
عدم قبول النصح
ومن المظاهر التي تدلنا على وجود الغرور أن تجد الواحد منا لا يقبل النصح أحياناً، مثلاً: شاب مسبل ثوبه، وإسبال الثياب كما تعلمون الإصرار عليه كبيرة، وفعله لا يجوز لقول النبي ﷺ : (ما أسفل من الكعبين ففي النار) والحديث ثابت، فتأتي إلى شاب تقول له: يا أخي! أسعدك الله ومتع الله بك، ثوبك طويل مسبل -وذلك بينك وبينه، دون أن تفضحه على ملأ، بل تنصحه على انفراد- يقول لك: ليس بطويل! يا أخي! ثوبك طويل يسحب على الأرض تحت الكعب (ما أسفل من الكعبين ففي النار) يقول لك: لا، ليس بطويل، أنا خاص بنفسي، هذا ثوبي وأنا أدرى به.
أو تجد الآخر يقول: والله يا أخي! الخياط دائماً يتهاون بالثياب، لكن الخياط ما ألزمك أنك تلبس هذا الثوب بدليل لو لم تدفع له الأجرة إلا بعد أن يعدل هذا الثوب كما ترى لعدل أموراً كثيرة.
وآخر يقول لك: أنا عارف أن ثوبي طويل، لكن أنا ما ألبسه خيلاء ولا ألبسه تكبراً يعني: اطمئن، هذه نصيحة ينبغي أن تقبلها، يجب عليك أن تقبل النصيحة ولا عذر لك في ردها ورفضها، وإن رددتها، فهذا باب من الكبر كما قال ﷺ : (الكبر بطر الحق وغمط الناس، قالوا: وما بطر الحق؟ قال: رده مع من جاء به، وغمط الناس هو احتقارهم) إذاً فرد النصيحة مرتبط بالكبر وباحتقار الآخرين وبالغرور أيضاً.
стр. 1355
عدم الخضوع للكبير والإجلال للعالم
كذلك أيها الإخوة من مظاهر الغرور الذي نجده كثيراً في أنفسنا وما أجمل الصراحة! كلٌ يسأل نفسه هل هذا يوجد فيه أم لا؛ سواء ما قلناه أو ما سنقوله؟ عدم الخضوع للكبير والإجلال للعالم وطالب العلم؛ تجد البعض يقول: لماذا أنتظر هذا العالم؟ أنا في خير، أنا عندي فلوس وعندي مال وأكل وشراب، في حين أن النبي ﷺ قال: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة) هذا رجل شاب في الإسلام، فإن من إجلالك لله ؛ أن تكرم شيبة شابت في الإسلام، بغض النظر عمن شاب في الإسلام على علم وعلى دعوة وعلى جهاد، وعلى الأمور الحميدة التي تشهد لصاحبها بكل خير وفضل وسابقة إحسان، فمن مظاهر وجود الغرور في النفس أن تجد هذا لا يخضع للكبير ولا يجل العالم، ولا يحترم كبير السن، وهذه مصيبة من المصائب.
الناس الذين يحبون لله وفي الله إذا كان لديهم شيخ من المشايخ الكبار الأجلاء، تجدهم هذا يسلم، وهذا يبدي مشاعره، وبعضهم ينظر من بعيد والله أعلم ما الذي في قلبه، كأنه ليس عنده استعداد أن يجل هذا الرجل الذي بلغ خمسين سنة أو بلغ ستين سنة.
وقد تكون المسألة أحياناً مسألة توازن فيما يتعلق بالمستوى الاجتماعي، أو من نفس الأسرة أو المنطقة، لكن ما هو الذي فضله علينا؟ وهذا أمرٌ قاد أبو جهل إلى أن يدفع الحق ولا يقبله، لما قابل النبي ﷺ ذات يوم، قال: يا محمد! إني أعلم أن ما جئت به حق، ولكن ماذا نفعل إذا أطعمتم الحجيج وأطعمنا، وسقيتم وسقينا، وأكرمتم وأكرمنا، حتى إذا كنا وإياكم كفرسي رهان وتجافينا على الركب قلتم منا نبي! من أين نأتيكم بنبي؟ فبالمقابل نحتقره حتى يظهر من أسرتنا واحد، وفي تلك الساعة نرفع الرأس بأمر واحد، ومن خالط الناس ودقق في أحوالهم، وجد أن هذا موجود.
стр. 1356
كلام العامة
ومن الأمور التي فيها شيء من الغرور والكبر: كلام العامة يقولون: من عرفك صغيراً احتقرك كبيراً، وهذه عقدة موجودة عندنا، أما عند الغرب وليس إعجاباً بهم، إذا رأوا فيه منذ الصغر شيئاً من النباهة والفهم والذكاء، فتجد له عناية ومعاملة خاصة.
يوجد في أمريكا برنامج اسمه رعاية النابغين، النابغون وفيه من الذين يقيسون قدرات الذكاء العقلي في المرحلة الابتدائية، وفي المرحلة المتوسطة، وفي المرحلة المتقدمة، فمثلاً: المرحلة الابتدائية فيها مائة ألف أو مليون طالب فيختار على عدد الأصابع من كل مدرسة من جاوز مقياس الذكاء العقلي عندهم حداً معيناً، وبالتالي يعطونهم عناية معينة خاصة بالنابغين، ثم بعد ذلك يفرغون لأبحاث تخص هذا المجتمع وتخص هذه الأمة، مكفيين في شأن أكلهم وشربهم ومعاشهم، والدولة مستعدة أن تقدم كل شيء، فالمهم أن نرعى هذا النابغ منذ الصغر رعاية خاصة؛ حتى ينتج لنا في المستقبل أمراً نستطيع أن نستفيد منه، وما القمر الصناعي الذي أطلقته إسرائيل قريباً ولا شك هو قمر تجسس ومحاولة جديدة لنقل المعلومات بأساليب متقدمة ومبتكرة، ولم يولد هذا القمر بين عشية وضحاها، بل ظلوا عشرين سنة في الأبحاث؛ ولد فيها علماء ومات علماء، ودخل أجيال وخرج أجيال في هذه الأبحاث، حتى خرجت إسرائيل بهذا القمر التجسسي الذي أطلقته.
والمسألة مسألة اعتراف بالآخرين وليست احتقاراً للآخرين، طائفة معينة من المجتمع ينظر إليها نظرة معينة فتعزل وحدها، ليست عزلة مقاطعة، تغزل في منهجها التعليمي؛ في معاملتها ودخلها في أمر معين من أجل أن تخدم مصالح الأمة خدمة متقدمة متطورة مبتكرة، فنحن أيها الإخوة! إذا استمرينا على مشكلة الغرور التي تفضي وتؤدي إلى احتقار الآخرين، فإننا لن نرعى نابغاً في مجتمعنا، ولن نقدم أحداً لكي يأتي يوماً ما فيعلو منبراً أو يقدم اختراعاً، أو يأتي بنظرية جديدة، وهذا خطر الغرور لا يعود على الفرد فحسب، بل ينقلب على المجتمع بأسره، لذلك فإن من علامة سلامة النفس من الغرور: أن يتمنى الإنسان الخير للآخرين ولو كانوا يفوقونه في سبيل خدمة أمته ومجتمعه، المهم أن الناس تقدم إلى الخير، أن الناس يرتقون بالأمة، أن الناس يقدمون أشياء نافعة للجيل والمجتمع، فهذا دليل صادق على عدم وجود الغرور المرتبط بالاحتقار والكبر وغمط الناس حقوقهم ودرجاتهم.
من الصور التاريخية الجميلة التي تشهد لرسول الله ﷺ وصحابته الأجلاء بصفاء السيرة ونقاء السريرة والسلامة من الغرور: أن كان عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم ومعه ثلة من الصحابة يمشون في الطريق، فأوقفته عجوز فخضع برأسه وطأطأ وقال لها: ما حاجتك يا أمة الله؟ قالت: أنت عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وبالأمس يدعونك عمير، كنت ترعى إبل الخطاب.
انظروا عمق النصيحة وصدق المواجهة، وقوة قبول الحق في النفس وعدم الغرور، فسمع لها وطأطأ، ثم كلمته كلاماً طويلاً حتى شق ذلك على أصحاب عمر الذين وقفوا ينتظرونه، فلما انتهت وقضت حاجتها منه، عاد إلى أصحابه فكأنه وجد في وجوههم شيئاً، قال: [كأني أجد في وجوهكم ما أرى! أما تعلمون من هذه؟ هذه التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أفلا أسمع لها، هذه خولة بنت ثعلبة التي جاءت رسول الله ﷺ تجادله في زوجها فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]] سمع الله كلامها من فوق سبع سماوات، تقول عائشة: [جاءت المجادلة تحادث النبي ﷺ ، والله ما بيني وبينها ورسول الله إلا الستر، والله ما سمعت لها كلاماً وسمع الله كلامها من فوق سبع سماوات] يقول عمر: [هذه المجادلة أفلا أسمع إلى امرأة سمع الله كلامها من فوق سبع سماوات] والحاصل أن عمر قد خضع وطأطأ برأسه لها وسمع كلامها.
قمة إذابة الغرور من النفس، لا يوجد غرور ولا يوجد احتقار للآخرين مهما كانت منازلهم ودرجاتهم، وبالمناسبة الذين يُقيّمون الناس بالسيارات والمظاهر، والأسر والمال والمراتب والمناصب تقييمهم فاسد، العبرة من حيث القرب والدنو والبعد من الله جل وعلا، وبمقدار التقوى والحسنات والصالحات: (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) رب أشعث الرأس، أغبر الجسم، ذي طمرين: ثياب بالية أطمار ممزقة، مدفوع في الأبواب، يدق الباب فلا يقال له: تفضل، مدفوع في الأبواب لو أقسم على الله لأبره.
إذاً أيها الإخوة: الناس لا يقدرون بملابسهم ولا بمظاهرهم ولا بمراتبهم ولا بمناصبهم، التقدير الحقيقي للناس هو بحقيقة مدى قربهم وبعدهم من الله، نعم إنزال الناس منازلهم أمر مطلوب، لكن التقييم الدقيق الشديد ليس فقط في هذه الملابس والمراتب والمناصب والأسر وغيرها.
في الحقيقة أيها الإخوة: يوجد احتقار من كثير من الناس لبني جنسه، والدليل على ذلك أن تجلس في مجلس ما، واطرح موضوعاً معيناً، تكلم في السياسة مثلاً، يقول لك: هؤلاء السياسيون أهل دجل وكذب لا يفهمون شيئاً، ولا يقضون حاجة، يكذبون على الناس؛ احتقار الآخرين وعدم تقدير الجهود بأي حال من الأحوال، اطرح موضوعاً آخر، تكلم مثلاً عن طائفة معينة، يقول: هؤلاء يتأخرون، لا يعطون الناس وجهاً، لا يتلفتون إلى آخره.
تعجب في كثير من المجالس أن تجد من الناس من لا يرضى عن أحد، أينما اتجهت بالحديث عن طائفة معينة في المجتمع، فهو ليس راضياً عن أحد أبداً كما يقولون: (لا يعجبه عجب، ولا الصيام في رجب) فهو ليس راضياً عن أحد أبداً، فمثل هذا الذي تجده دائم الاحتقار والانتقاد لكل فئة وطبقة من طبقات المجتمع، هذا في الحقيقة مصاب في قرارة نفسه بداء الغرور الذي جعله يحتقر الآخرين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1357
اعتزاز الإنسان بنفسه
كذلك أيها الإخوة من علامات الغرور: أن تجد الإنسان سريع الاعتزاز بالنفس، وتجده دائماً معتزاً برأيه ومعتزاً بنفسه، ويهمه أن يطبق الناس ما يقول، ويهمه أن تكون المشورة مشورته والقول ما يقوله والذي يُنَفَّذ هو ما رآه.
تجد الإنسان الذي هو مصاب بداء الغرور دائماً عنده اعتزاز شديد وقوي إلى درجة أنه لا يود الاستشارة ولا يستشير أحداً أبداً؛ لأن في الاستشارة شيئاً من طأطأة الرأس لمن تستشيره، والاستشارة أمر مطلوب، وقد مدح الله الصحابة والنبي ﷺ بأن أمرهم شورى بينهم، وأمر الله نبيه أن يشاور أصحابه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩] والنبي ﷺ مؤيد بالوحي، لكن لكي تتعلم الأمة أن المسألة ليست غروراً بالرأي ولا بالذات، وليست اعتداداً بالشخصية دون الآخرين، بل إذا كنت موجوداً فالآخرون موجودون، إذا كنت تسمع فالآخرون يسمعون، إذا كنت تبصر فالآخرون يبصرون، إذاً فلا بد أن يكون لهم نصيب من هذا القرار الذي سيكون منك، ولابد من الشورى، وبدون الشورى فإن هناك مظاهر أو إشارات تدل على وجود الغرور ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تجد الإنسان المصاب بداء الغرور لا يستشير إلا نفسه، أما الآخرون فلا يرى وجودهم، أما من سلم من هذا الأمر، فإنه يستشير في كل أمر يقول ابن الوردي:
لا تحقر الرأي يأتيك الحقير به فالنحل وهو ذباب طائر العسل
فلا تحتقر أحداً، ولو كان هناك أمر من الأمور وأردت بنفسي أن أعتد برأيه فبه، قد أحصل نسبة الصواب فيه (١٠%) لكن لو أنني اجتمعت بعشرة من أصدقائي وأصحابي، وقبل أن أقرر عملاً من الأعمال استشرت وأبعدت الغرور والاعتداد بالنفس بعيداً وجانباً، ما الذي يحصل؟ فلنقدر أن كل واحد منا تكلم لمدة عشر دقائق، نفرض أن نسبة اثنين إلى عشرة من الدقائق كلام سليم وما سوى ذلك ليس بصحيح أي: أن كل واحد أصاب الصواب أو وفق إلى الصواب في دقيقتين من مجموعة عشر دقائق ونحن عشرة إذاً فقد حصلنا عشرين دقيقة من الصواب، ولو قررت في نفسي فإني لا أملك إلا دقيقتين صواب، إذاً فالمشورة دلالة على عدم الغرور، والاعتداد بالنفس هي في الحقيقة من أعظم دلالات وجود الغرور بالنفس.
أيها الأحبة: القرآن الكريم كثيراً ما يتناول هذا الداء والمرض لكي يشعر الإنسان ألا قيمة له ولا وزن إلا بخالقه الذي أوجده من العدم، وهداه إلى الإسلام، وآتاه السمع والبصر والفؤاد، والعقل والقوة، ولولا ذلك لكان جماداً من الجمادات أو بهيمة من سائر الحيوانات، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ليست من قوتك ولا من ذاتك ولا رصيدك: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] إذاً بأي شيء نغتر؟ الأمر كله لله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] لا تعجب بنفسك:
فقل لمن يدعي في العلم معرفة علمت شيئاً وغابت عنك أشياء
بعض الناس يغتر إذا عرف مسألتين أو ثلاثاً، وقد يصاب بالغرور لأنه يحدث عامة الناس، لكن لو جلس أمام العلماء وطلبة العلم الكبار لم يجد إلا كلمة صواباً وكل كلامه أصبح خطأً، إذاً فلا يغتر الإنسان أبداً: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] هناك من هو أعلم منك، وهناك من هو أقوى منك في هذا الجانب العلمي فلا تغتر بنفسك أبداً، ثم أيضاً: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] فلنفرض أنك نلت العلم، فهل نلت العلم كله؟ لا، ما أوتيت من العلم إلا قليلاً.
ثم لو عرجنا أيضاً وعدنا إلى شيء من الصور الجميلة التي ذابت فيها قضية الغرور ذوباناً عجيباً بحيث لا وجود له بتاتاً، أو لم يوجد هذا الغرور أساساً على الإطلاق، تعرفون أنه في مراحل النصر العسكري يكون الإنسان مزهواً غاية الزهو بالنصر، خاصة إذا كان عدوه صلب المراس شديد القتال والعداوة طويلة، كم دامت العداوة بين رسول الله وبين قريش؟ منذ أن نزل عليه ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] وصدع بالدعوة إلى أن فتح مكة وهو في حرب مريرة ومكائد وتدبير من قومه وأهل أرضه وتربته، فلما أن فتح الله له ذلك الفتح المبين ودخل مكة ﷺ ، هل سل السيف وأخذ يقول: إني أرى رءوساً قد أينعت وحان قطافها؟ لا ما قال ذلك ﷺ ، دخل مكة مطأطأً رأسه قال الرواة: حتى أن رأسه ليكاد يمس قتب الرحل من شدة خضوعه ﷺ لله وعدم الزهو أو الغرور أو الإعجاب.
والناس في أمر عظيم لقد ملك أمرهم محمد الذي قاتلوه عشرين سنة، ترى ماذا سيفعل بهم؟ فلما وقف الناس وكلهم لا يدري من سيقتل، من سيأخذ ماله أولاً، التفت إليهم ﷺ ، قال: (يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً يا محمد! أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء) وهذا أمر ربما تظنونه سهلاً، لكن جرب أخي نفسك في عداوة مع أحد البشر، تجد أنك تتمنى اللحظة التي يقع فيها بين يديك، تقول: يا ليت القرار هذا بيدي حتى أنفيه من الخدمة المدنية تماماً، وأسحب منه الجنسية بالكلية، وأخرجه خارج المملكة.
لكن الحمد لله أن أمر البشر بيد رب البشر وفي أيدي أمة عادلة وإلا فالبشر ظلمة:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلةٍ لا يظلم
من ذا الذي يسلم من الغرور خاصة في لحظة قمة النصر مع عدو طال مراسه، أنت تلاحظ أن هذا إنسان تكرهه وتبغضه، تجد الدنيا ما تسعك وما تسعه، وقديماً قيل: القبر يسع متحابين والدنيا لا تسع متباغضين، تجد قلبك يضيق عليه وإن ذكر في بلاد وأنت في بلاد أخرى.
إذاً فيا أيها الإخوة! هذه صورة جميلة من الصور النبوية التي علمنا فيها النبي ﷺ ألا نغتر حتى وإن ظفرنا بأعدائنا أو كنا في أعلى مراحل ودرجات الانتصار على الأعداء.
كذلك أيها الإخوة من المواقف النبوية الجميلة التي تعود الإنسان على عدم الغرور وتعوده على لين الجانب وخفض الجناح للآخرين: موقفٌ حصل للنبي ﷺ فقد كان ذات يوم يوزع غنائم حنين، وكانت كثيرة جداً من السبي والإبل والغنم، فأعطى الرسول ﷺ الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، كما أن النبي ﷺ ﷺ أعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، وكان إعرابياً من الأعراب ينظر إلى الغنم لها ثغاء في واد من الأودية، وذلك الأعرابي يقلب النظر والطرف معجباً بهذه الغنم في الوادي، فقال النبي ﷺ : (أيسرك أن لك مثل هذا الوادي غنماً؟ قال: أي نعم يا رسول الله! قال: فهو لك) كاد يجن هذا الأعرابي، وأخذ يصيح بأعلى صوته: يا قومي اسلموا فقد جئتكم من عند رجل يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
وجاءه أعرابي وكان على النبي برد نجراني غليظ الحاشية، فجذب النبي ﷺ جذبة شديدة حتى أثرت في رقبة الرسول ﷺ ، فما الذي حصل من النبي ﷺ ؟ التفت إليه مبتسماً، فقال الإعرابي: يا محمد! أعطنا من مال الله الذي آتاك، فإنك لا تعطينا من مالك ولا من مال أبيك، ومع سوء التصرف فأنت ترى العبارة الجافة، وهكذا كان شأن الأعراب الحاصل أنه التفت إليه ﷺ وأرضاه بكلام وأعطاه ما أعطاه، وقال: (لو كانت الدنيا كلها بين يدي ما وجدتموني بخيلاً عليكم) أو كما قال ﷺ .
стр. 1358
تمييز النفس عن غيرها
كذلك أيها الإخوة من الأمور التي يلاحظ فيها الغرور عند كثير من الناس: أن تجده يحاول تمييز نفسه بشيء معين، وتجد حب الكلام عن الأنا والذات، وبعضهم تمل مجلسه من كثرة ما يتحدث عن نفسه، ويحاول أن يتكلم بطريقة فيها مبالغة لكي يميز نفسه عن سائر الناس، فنقول: ما الذي يدعوك إلى هذا؟ أنت بشر من سائر البشر، إن كنت تتكلم عن خير وعبادة فحديث الإنسان عن نفسه في العبادات مدخل إلى الرياء، تكلم عن الحق، تكلم عن الخير، تكلم عن مكارم الأخلاق، لكن تمييز نفسك حتى تنظر إلى الآخرين وتضعهم في درجة غير لائق، تجد مثلاً بعض الناس يقول: والله أنا ما أعالج إلا في تخصصي، ونحن ما نشتري ملابسنا إلا من المكان الفلاني، وأنا ما أفصل إلا عند الخياط الفلاني، أنا بصراحة ما يعجبني إلا البنز فقط، أي سيارة ثانية لا أستطيع أن أقودها، فهو مغرور بنفسه غروراً عجيب جداً، ويحاول أن يميز نفسه بطريقة ممقوتة، وإن كان الجالسون يهزون رءوسهم أمامه إعجاباً ظاهرياً وهم في حقيقة الأمر يحتقرونه ويمقتونه.
إذاً محاولة تمييز النفس بشيء دون سائر الناس من علامات الغرور ولا حول ولا قوة إلا بالله، النبي ﷺ جاءه رجل، فقال: (يا رسول الله! أين أبي؟ فقال: أبوك في النار، فولى الأعرابي يبكي، فدعاه النبي ﷺ ، قال: يا أعرابي! أبي وأبوك في النار) يعني: المسألة أني وإياك في أمر واحد، فمحاولة تميز الإنسان بشيء من أجل أن يظهر وضع نفسه، أو مكانة نفسه بدرجة معينة عن الآخرين هذا في الحقيقة من قمة الغرور، وهذا والله ملاحظ وموجود عند كثير من الناس.
стр. 1359
أسباب الغرور
ما هي أسباب الغرور أيها الإخوة؟ من أسباب الغرور: الشهرة، والشهرة الرياضية بالذات من أسباب الغرور، نجم الكرة الفلانية لا يلتفت ولا يريد أحداً يسلم عليه.
هداف الدوري لهذا العام فلان بن فلان، لماذا لا يسلم، وما هو الذي ميزه عن عباد الله أجمعين؟ أليس سيقف مع سائر الخلائق يوم القيامة؟ أليس الموت سيأتيه كما سيأتينا؟ فما الذي ميزه؟ فالشهرة سواءً كانت في الجانب الرياضي، والحديث يكون عليها مناسباً ما دمنا في نادي النصر.
الشهرة المالية: إنسان مشهور بالمال والثراء، تجد كثيراً من الناس وهذا للأسف موجود بكل صراحة، ومن خالط الناس لاقى منهم نصباً، يعرف هذا الأمر الذي يخالط طبقات الناس على مختلف مستوياتهم الفكرية والعلمية والمادية والاجتماعية والوظيفية، فتجد الإنسان الذي في الطبقة الرابعة عشرة أحياناً لا يريد أن يسلم، لأن هذا في السادسة والخامسة، وكأنه لا يعلم أن الله قادر على أن يميت كل ليلة واحداً، وأن الطبقة الرابعة عشرة سيحل فيها شخص محل الثاني، أقصد أنه: ينبغي للإنسان ألا يغتر بشيء زائل، وإن كان هناك من شيء نرتفع به ونرتقي به، فهو أمر باق، ولا يبقى للإنسان ذكر إلا ما كان بالدعوة إلى الله والطاعة والانقياد والخضوع لله .
شهرة المنصب، شهرة المستوى الاجتماعي، كونك من أسرة معينة من جهة معينة تنظر للناس، لكن: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) أتدرون من أغنى الناس؟ أتدرون منهم الملوك؟ الذين يقنعون بما آتاهم الله ويستغنون عن الناس، يستوي أغنى الناس وأفقر الناس إذا كان هذا الفقير غنياً عن هذا الغني ولا يمد يده إليه.
لماذا ساد الحسن البصري أهل البصرة؟ قالوا: احتاجوا لما عنده من العلم واستغنى عما عندهم من المال، فكن غنياً عن الناس تكن أغنى الناس، وإذا احتاج الناس إلى علمك وفقهك ومشورتك وفزعتك ونحو ذلك، فستكون سيداً عليهم وإن كنت من أفقرهم.
إذا أيها الإخوة: كل شهرة زائلة إلا ما كان مرتبطاً بالدعوة إلى الله ، وبالفقه في دين الله، فكم نجم رياضي مر علينا في تاريخ النجوم والرياضة ولكنه يلمع شهراً شهرين ثم ينتهي، وكم نجم مالي لمع فقيل: فلان بن فلان رأس ماله ملياران، ولكن مات وانتهى، والناس تشمت في ورثته حين يتقاتلون على قسمة المال.
كم رجل تولى منصباً كبيراً ثم انتهى.
إذاً كل مظاهر الشهرة تنتهي وقد تعود وبالاً وضلالاً على صاحبها:
إن أهنا عيشةٍ قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل
يبقى الحساب والعقاب ويبقى الموقف بين يدي الله جل وعلا على هذه الشهرة التي وقفت بها هل سخرتها في طاعة الله؟ هل سخرتها لدعوة إلى الله؟ هل بذلتها لله أم بذلتها لكي تفتح لك السيارات، وتعطيك الكرة توقع عليها، وتعطيك الفنيلة تختم عليها وإلى آخره؟ الشهرة التي تبقى في الحقيقة هي الشهرة المرتبطة بدين الله، فبإمكانك أن تكون لاعباً مشهوراً في دنياك وبعد مماتك إذا ربطت هذه الشهرة بطاعة الله، يأتي لاعب في دولة معينة، فيؤذن ويصدح ويقول: الله أكبر في تلك البلاد الكافرة، نعم هذه شهرة أوجبت له ذكراً حميداً في حياته وبعد موته، يأتي لاعب يصلي في الملعب والناس يقفون ويصلون معه، فيقتدون بصلاته، هذه أوجبت له ذكراً حميداً في حياته وبعد مماته، هذه هي الشهرة الباقية، أما الشهرة الزائفة الزائلة والضعيفة المؤقتة فسوف تنتهي ويبقى عليك حسابها.
стр. 1360
احتقار الذات
الشق الثاني وهو الاحتقار: الشباب بين غرور النفس واحتقار الذات: كما أننا نجد في مجتمعنا صوراً كثيرة متعددة من شباب وشيب وصغار وكبار على اختلاف أعمالهم الإدارية والميدانية والوظيفية من أصيب بدار الغرور ففي المقابل نجد عينات كثيرة، بل أعداداً كبيرة من الذين ابتلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله باحتقار الذات، ولا شك أن أصل الإنسان مجرداً عن الكرامة الإلهية حقير، الذي يغتر ينبغي أن يذكر بأصل الحقارة؛ لأنه اغتر بجانب مادي بحت، فإذا اغتر بالجانب المادي، فنقول له: أين منشأ هذا الجانب المادي؟ ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠ - ٢١] ﴿فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧] نذكره أيضاً بأصله من حيث التكوين والخلقة؛ لكي يعرف إذا كان يغتر بهذا العظم واللحم والجسم، والطول والعرض والمال؛ نذكره أيضاً أنك مرتبط بماء مهين، فما خلقت من يواقيت الجنة، ولا من جواهر الفردوس، ولا من لآلئ العطش، أنت مخلوق من ماء مهين، ما هو الأمر الذي تجد لنفسك به علاوة على الناس؟ يا بن آدم تقتلك الشرغة، وتدميك البقة وهي بعوضة وحشرة ضعيفة جداً تقع على يدك، ثم تدخل هذا الأنبوب الماص في جسدك وتمص الدم، ثم فجأة تلتفت فلا تجدها وتجد الدم على يدك.
تقتلك الشرغة وتدميك البقة، وتحمل في جوفك العذرة، إذاً فلا تتكبر، أنت تحمل في بطنك مثلما يحملون إذا كنت تنظر إلى مقياس نفسك من هذا الجانب المادي البحت.
وأنت بعد ذلك جيفة قذرة، بعد الموت لولا أن الله شرع الدفن لكان أحبابك يتضايقون من وجودك بينهم، تصبح جيفة قذرة فعلام الكبر إذن؟
стр. 1361
أنواع الاحتقار
الاحتقار قد يكون مباشراً وقد يكون بسبب، ومن الناس من يكون عنده ضعف نفسي عجيب جداً مع ضعف الإرادة، تجده دائماً يحتقر نفسه احتقاراً عجيباً جداً، إذا قيل له: احضر هذه المحاضرة، قال: أنا لا أقدر، أي: لا يقدر أن يقف بين الناس، من أنا حتى آتي هذه المحاضرة؟!! يا أخي ادع الله جل وعلا.
أنا إنسان ضعيف مسكين مغلوب على أمري لا أستطيع.
يا بن الحلال تسبب في هذه الدنيا المباركة ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥].
ما أصلح لشيء.
تجده دائماً يحتقر نفسه احتقاراً مباشراً.
وأحياناً قد يكون الاحتقار بسبب أنه أعمل جهده وجوانب من نفسه في أمور رديئة خبيثة سببت له احتقاراً عظيماً.
وتلاحظ أن كثيراً من الذين يحتقرون أنفسهم عندهم تحطم في الأعصاب، الإرادة مسلوبة، تعطيه أملاً معيناً ولو مدة أسبوع أو شهر أو ستة أشهر أو سنة، ما عنده أدنى أمل أبداً، وبعد ذلك تجده لا يدرك دوره في الحياة إطلاقاً، يقول: أنا ما لي مكانة، أنا ما لي منزلة، والشيطان يغذي وينمي هذا الاحتقار نماءً عجيباً إلى أن يصل الإنسان إلى أن يقول: ما دوري أنا في الحياة؟ لماذا لا أرتاح؟ لماذا لا أنتحر؟ تجده دائماً في قلق وفي شرود وفي عذاب عجيب جداً جداً، وهذا الشيطان يحقر من نفسه وينقص من نفسه تجاه نفسه، وفي النهاية تجده يقتل نفسه وينتحر.
стр. 1362
الإسلام يزيل احتقار الذات
مرض الاحتقار خطير جداً، وإذا بليت الأمة به بلاءً، فذلك يجعلهم يعجبون بالأعداء ويتمنون القرب منهم والذلة بين أيديهم والخضوع والخنوع لهم، وفي المقابل لا يريدون أن يقدموا أو يؤخروا بالنسبة لهم في أي حال من الأحوال.
إن دين الإسلام قد بعث هذه الأمة بعد أن كانت أمة تأكل خشاش الأرض، بعد أن كانت جاهلة فقيرة مريضة، أعزها الإسلام، فإذا بك تجد من نفسك احتقاراً للذات! انظر ما الذي رفع أمة حقيرة، ففتحت قصور الأكاسرة والقياصرة، أمة سيوفها مثلمة، خيولها قصيرة، ملابسها بالية، هددت وروعت العالم وبنت حضارة في مدة قياسية، وحطمت حضارات كان لها من العمر القرون الطويلة، إذاً ما السر الذي رفع هذه الأمة؟ فالحق به وأدركه، وابحث عنه وتأمله، وقم به لعلك أن تصل إلى ما وصلت إليه تلك الأمة.
والقرآن الكريم يرفع من شأن هذه الأمة لكي يشعر الإنسان بالعزة في النسبة إليها، فأنت لا تحتقر نفسك وأنت تنتسب إلى الله الذي خلقك وتنتسب إلى هذه الأمة الإسلامية وتنتسب إلى الرسالة التي أنت مكلف بأوامرها ونواهيها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] كنتم خير أمة وهذا شرف ما بعده شرف، فضلنا الله وجعلنا من أمة محمد وجعل لنا الخيرية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] ومعنى وسطاً أي: عدولاً ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣].
قد رضي الله شهادتنا على سائر الأمم ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩] قد رفع الله من مكانتنا ومن مكانة أمتنا.
النبي ﷺ دائماً يحرص على أن يشعر الإنسان باستقلاليته الشخصية وألا يحتقر نفسه، (لا يحتقرن أحدكم نفسه) كما جاء في الحديث، وفي الحديث الآخر: (لا يكون أحدكم إمعة، يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساء الناس أسأت، ولكن عليه أن يحسن إذا أحسنوا، وألا يسيء إذا أساءوا).
الحاصل أن النصوص النبوية والآيات القرآنية كلها تحث الإنسان أن يستقل بشخصيته، وفي الحقيقة لا يوجد في الإسلام احتقار للذات، كما لا يوجد في الإسلام العبارة المشهورة عند كثير من الناس فناء الذات أو تناسي الذات أو تجاهل الذات، هذا غير موجود في الإسلام على الإطلاق، بعض الناس يقول لك: فلان متجاهل لذاته يمدحه، أو يقول لك: فلان شمعة يحرق نفسه ليضيء للآخرين، المسلم يضيء طريقه ويضيء للآخرين طريقهم، المسلم ينفع نفسه؛ لأن الذي يحرق نفسه من باب أولى ألا يقدم للآخرين نوراً، الذي يحرق نفسه لا يقدم للآخرين إلا إحراقاً، فاقد الشيء لا يعطيه، إذاً لا يوجد في الإسلام إلا تحقيق للذات، واعتراف المسلم بدوره ومكانته في الحياة، ولا يوجد اعتداد بالذات ولا يوجد تجاهل أو نسيان للذات، بل يوجد تحقيق للذات، ومن حقق ذاتها؛ فإن تحقيق الذات هذا يودي به في نهاية المطاف إلى أن يكرم أمته ومجتمعه وأن ينفعهم، هذا نوع من الاحتقار المباشر وتكلمنا عنه قبل قليل.
стр. 1363
أسباب الاحتقار
الاحتقار له أسباب عديدة منها:
стр. 1364
ابتذال النفس
أن يبتذل الإنسان نفسه، تجد بعض الشباب عنده احتقار عجيب لنفسه؛ لأنه ابتذل نفسه ابتذالاً عجيباً في جوانب عديدة، فقد يكون ابتذل نفسه في الجانب الجنسي، فتجده فتح على نفسه المراهقة وبلا حسيب ولا رقيب، فوقع في الفواحش والمنكرات والآثام إلى الحضيض، وتجده لا يتورع في سفره إلى الخارج فيفعل فيه كل ما يفعله الشاذون والزناة وغيرهم.
وإذا وجد فرصة للمعصية والفاحشة والشذوذ واللواط لا يفوتها أبداً.
هذا أيها الإخوة يورث صاحبه احتقاراً للذات، فلا يستطيع أن يرفع رأسه، تجده دائماً يطأطئ ويطنن برأسه؛ لأنه هو الذي احتقر وابتذل الجانب الجنسي في نفسه، فهذا الابتذال سبب له احتقار نفسه، ولذلك قال الحسن البصري ﵀: [إنهم وإن هملجت بهم البغال وطقطقت بهم البراذين؛ إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه] فتجد الذين يبتذلون أنفسهم ابتذالاً رخيصاً شاذاً في الجنس والفساد واللواط وغيره، والله لو ركب أطيب مركب وسكن أكبر مكان، فإنك حينما تقابله تجد في وجهه ذلة.
فمن ابتذل نفسه فإنه يحتقرها ولا يعرف لنفسه قيمتها، ومن ثمَّ فإن الإنسان يشعر باللذة والسعادة والعلو إذا رفع نفسه عن الابتذال.
وأدنى درجات الابتذال ابتذال النظر: (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس مسموم، من تركه مخافتي أورثته إيماناً يجد حلاوته في قلبه) لأنه لم يبتذل النظر، وفي المقابل عزة وحلاوة وطمأنينة عالية في النفس.
فيا أيها الإخوة: اعلموا وأدركوا هذا الأمر إدراكاً جيداً لكي تخبروا به من يقعون في هذه الفواحش والمنكرات، قولوا لهم: إن انفتاح الإنسان على ما يشتهي من الملذات والمنكرات لا يعني أن يكون محققاً للسعادة، وكونه محققاً لشهوات الذات، فهو يحفر لنفسه قبراً تحت قبر تحت قبر يهين نفسه في قاعه.
стр. 1365
ابتذال الوقت
كذلك -أيها الإخوة- من أسباب احتقار النفس: أن يبتذل الإنسان وقته، تجد الإنسان يبتذل وقته، فيلعب ليلياً البلوت من الساعة الثامنة ونصف إلى الساعة الواحدة، يقول ابن هبيرة:
والوقت أعظم ما عنيت بحفظه وأراه أهون ما عليك يضيع
الوقت ثمين جداً، وهذا مسكين عنده ابتذال شديد للوقت، ويضيق صدره إذا لم تجتمع (الشلة) ذاك اليوم، يذهب يبحث عنهم فلا يجدهم، ينادي فلاناً ببوق السيارة، ويدق بابه، ويذهب إلى فلان ويذهب إلى فلان، وأخيرًا يعود إلى البيت وصدره ضيق، ونفسه منكسرة، لقد وجد احتقاراً حقيقياً في النفس؛ لأن الإنسان إذا كان في لحظات العزة يجد سعادة، وفي لحظات الأنس يجد رفعة، لكن في لحظات احتقار الذات يجد انكساراً وضعفاً، فهذا مسكين ابتذل وقته، فمن ثم أفضى إلى أن يحتقر ذاته فعاد منكسر البال، وهذا شأن كثير من شبابنا نسأل الله أن يمن عليهم بالهداية.
стр. 1366
ابتذال العقل
كثير من الناس تفكيره سطحي حتى وإن بلغ ثلاثين أو أربعين سنة، أو حتى ولو كان جامعياً، عندما تناقشه في مدركات عقله وفي أمنياته، يقول: أتمنى سيارة بورش تأتي من ألمانيا.
ثم ماذا؟ وأتمنى قطعة أرض.
ثم ماذا؟ وأتمنى زوجة.
ثم ماذا؟ ما أريد شيئاً! أماني ضعيفة وهابطة، العقل مبتذل في الحقيقة، ولذلك أصبحت الأماني على قدر هذا الابتذال، لكن الإنسان الذي همته عالية وكبيرة، تقول له: ماذا تتمنى يا أخي؟ فيقول: لا تكفيني سيارة بورش، أتمنى أن يسخر الله هذه الأموال في خدمة الجهاد والمجاهدين.
أتمنى أن أكون غنياً عن الناس بما آتاني الله، مستغنياً بعلم الله وفضله، نافعاً لهذا المجتمع، مؤدياً دوراً مهماً يذكرني الناس به بعد موتي، لا حباً في الثناء والشهرة، بل طلباً للدعاء والذكر الصالح؛ لأن الخلق هم شهود الله في هذه الأرض:
إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
وأتعب الناس من جلت مطالبهم وإنسان همته علية ما يكفيه:
ولو كان ما أسعى لأدنى مذلةٍ كفاني ولم أطلب قليلاً من المال
المسألة لست مسألة عَرَضٍ قليلٍ من الدنيا، فالمسلم الذي لا يحتقر ذاته ولا يبتذل عقله؛ تجدون همته عالية، ليست الهمة محدودة، وكثير من الناس للأسف همته ضعيفة ومحدودة جداً، وذلك يدلك على حجم التفكير.
أذكر أن شاباً كنت في مقابلة جادة معه، قلت له: يا أخي الكريم! ما هي أمنيتك؟ قال: أفتح سوبر ماركت، آخر ما يفكر فيه أن يفتح سوبر ماركت! هذه همة شاب؟! لا أقول: إنه عيب أن تفتح سوبر ماركت، لكن ينبغي أن تكون الهمة أعلى، قد تفتح سوبر ماركت، تفتح متاجر، تفتح محلات، تفتح مؤسسات، مباني، إنشاء، تعمير، لكن هذه وسيلة لغاية أعلى وأسمى ينبغي أن ترفع نفسك إليها، إذا لم تجعل لنفسك غاية وهدفاً تسعى وتتمنى أن تحققه في يوم من الأيام؛ فما هو دورك في هذه الحياة؟ الناس في هذا العالم كثر ولكن وكما قال إبراهيم بن أدهم:
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
وباقي الخلق هم همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمه
فأنت إذا لم يكن لك شأن ومكانة وعلو منزلة فلا تحتقر نفسك، اعترف بوجودك، وحقق ذاتك في هذا الوجود؛ لكي لا تكون من الذين هم من سقط المتاع أو من الذين لا يعدون بأي حال من الأحوال.
إذاً أيها الإخوة الاحتقار من جانبين: احتقار مباشر؛ نتيجة إحباط أو نتيجة ضعف نفسي، وهذا قد يقول له إبليس: يا أخي لماذا لا تريح نفسك وتنتحر وتريحنا منك؟ وقد يفعلها، وقد فعلها كثير من الناس.
وفي الجانب الآخر يكون الاحتقار بسبب ابتذال النفس جنسياً، وبسبب ابتذال الوقت، وبسبب ابتذال الفكر.
стр. 1367
علاج الاحتقار
стр. 1368
شغل الوقت بالنافع
من الأمور التي ترفع هذا الابتذال: أن يحرص الإنسان على إشغال وقته بالنافع، والحقيقة أنه لا حد لإشغال النفس بالنافع، الأمور النافعة كثيرة جداً، وانظر هوايتك فوجهها توجيهاً نافعاً، وتقدم وانفع بها، أنا أعرف شاباً تخصصه فيزياء، لكنه أشغل وقته بالأمور النافعة في مجال الكمبيوتر لأنه هوايته، وبعد ذلك أخرج برنامج المواريث عبر جهاز الكمبيوتر، فأنت يا أخي الكريم لابد أن توجد عندك همة، ولا بد أن توجد عندك موهبة، وتجد في المقابلات الفنية إذا سئل أحد الفنانين: الأخ الفنان الموسيقار الكبير! لو سمحت من الذي اكتشف الموهبة الفنية الموجودة فيك؟ قال: في الحقيقة كان محمد عبد الوهاب أو كان فلان أو فلان هو الذي اكتشف هذه الموهبة فيَّ، أي: أنه كان يجهل الموهبة الموجودة فيه، وهذا في الحقيقة قد يصدق، ونقولها لكثير من الشباب: فيكم مواهب دفينة ومطمورة، ويوجد في جنباتكم طاقات معطلة، لو بحث الإنسان عن نفسه لاستطاع أن يكتشف أن لديه جانباً سيبرز فيه وسينتج فيه، وسيحقق فيه ما لا يحققه غيره، ولذلك فإن الله فاوت بين الناس في المدركات والدرجات والمستويات؛ لكي تكتمل البشرية بهذا التسخير المتبادل.
стр. 1369
حسن اختيار الصحبة
كذلك من الأمور التي تجعل الإنسان يبعد عن نفسه احتقار الذات: أن تبحث لنفسك عن صاحب لا يحييك بلعنة، ولا يكلمك بكلام خبيث، ولا يحدثك بعبارات ساقطة، ولكن هذا شأن الكثير من الشباب في مجالسهم للأسف، فلا تجد أسباب الاحترام في مجالسهم أبداً.
فعليك أن تبحث من جديد عن صحبة طيبة تبعد جانب الاحتقار، فتجد الفرد فيها حينما يقابلك، يقابلك بالبشاشة، يصافحك، يلتزمك، يعانقك، يسأل عن أحوالك؛ ماذا قرأت البارحة؟ رأيت الخبر الجميل في المجلة الفلانية عن الجهاد؟ تجده يحدثك بأمور عالية جداً، ليس عن آخر أغنية، وكم سجلوا من هدف؟ وأنا لا أعترض بهذا على الرياضة على أية حال، لكن أقول: تجد الاهتمامات محصورة في هذه الجانب فقط؛ سمعت الشريط الفلاني، ما سمعت الشريط الفلاني، ما خرج الفيلم الفلاني، وهذا غاية مسعاهم من العمل ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فحينما يكون لك جلساء صالحون فإنهم يرتقون بمستواك، وأنا ألاحظ هذا جيداً، تجد شاباً عادياً أو من الشباب الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والخطايا، ثم يمن الله عليه بالجلساء الطيبين الصالحين، وبعد مدة تلاحظ مشيته تعجبك، ومظهره وملابسه وطريقته، تجد الرجل تغير حتى في أسلوب كلامه، لأن الرجل وجد من يرتقي به، ووجد من يطرد عنه احتقار الذات، وفي الحقيقة حتى هو وإن لم يشعر باحتقار الذات إلا أن سلوكه وتصرفاته دالة على احتقار ذاته، لكن لما منَّ الله عليه بالهداية وبالجلساء الصالحين الصادقين، وأكرمه بهذه الدرجة العلية تغير أسلوبه، وتغيرت هيأته وطريقته في ذهابه وإيابه وخطابه إلى آخر ذلك.
стр. 1370
عاقبة إضاعة طاقات الإنسان
الذين يضيعون الطاقات الموجودة في النفس الإنسانية هم بهائم.
الذين يصرون على إهدار الطاقة الجنسية والطاقة العقلية والأوقات، ومختلف الطاقات الموجودة في هذا البدن؛ الذين يضيعونها هم والله لا يكونون إلا كالبهائم، ولذلك تجد في مواضع كثيرة من كتاب الله مثل قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] هناك سمع راقٍ ولكن لا يوجد عقل وتدبر على مستوى، إذاً ما هي محصلة الأمر؟ ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:٤٤] وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] وقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] وقول الله جل وعلا: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٨] الذين يعطلون وسائل العلم والمعرفة بالنفس وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] سمعك وبصرك وفؤادك وعقلك هي آلات التعلم والتعليم والإنتاج والابتكار فلا تضيعها، فمن ضيعها وأصرَّ على ابتذالها في جوانب ناقصة وهابطة، فوالله ليكونن كالبهيمة، بل إن البهائم قد تنفعنا ولا تضر، وذلك قد يضر ولا ينفع ولا حول ولا قوة إلا بالله!
следующие страницы →