Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
ابتذال العقل
كثير من الناس تفكيره سطحي حتى وإن بلغ ثلاثين أو أربعين سنة، أو حتى ولو كان جامعياً، عندما تناقشه في مدركات عقله وفي أمنياته، يقول: أتمنى سيارة بورش تأتي من ألمانيا.
ثم ماذا؟ وأتمنى قطعة أرض.
ثم ماذا؟ وأتمنى زوجة.
ثم ماذا؟ ما أريد شيئاً! أماني ضعيفة وهابطة، العقل مبتذل في الحقيقة، ولذلك أصبحت الأماني على قدر هذا الابتذال، لكن الإنسان الذي همته عالية وكبيرة، تقول له: ماذا تتمنى يا أخي؟ فيقول: لا تكفيني سيارة بورش، أتمنى أن يسخر الله هذه الأموال في خدمة الجهاد والمجاهدين.
أتمنى أن أكون غنياً عن الناس بما آتاني الله، مستغنياً بعلم الله وفضله، نافعاً لهذا المجتمع، مؤدياً دوراً مهماً يذكرني الناس به بعد موتي، لا حباً في الثناء والشهرة، بل طلباً للدعاء والذكر الصالح؛ لأن الخلق هم شهود الله في هذه الأرض:
إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
وأتعب الناس من جلت مطالبهم وإنسان همته علية ما يكفيه:
ولو كان ما أسعى لأدنى مذلةٍ كفاني ولم أطلب قليلاً من المال
المسألة لست مسألة عَرَضٍ قليلٍ من الدنيا، فالمسلم الذي لا يحتقر ذاته ولا يبتذل عقله؛ تجدون همته عالية، ليست الهمة محدودة، وكثير من الناس للأسف همته ضعيفة ومحدودة جداً، وذلك يدلك على حجم التفكير.
أذكر أن شاباً كنت في مقابلة جادة معه، قلت له: يا أخي الكريم! ما هي أمنيتك؟ قال: أفتح سوبر ماركت، آخر ما يفكر فيه أن يفتح سوبر ماركت! هذه همة شاب؟! لا أقول: إنه عيب أن تفتح سوبر ماركت، لكن ينبغي أن تكون الهمة أعلى، قد تفتح سوبر ماركت، تفتح متاجر، تفتح محلات، تفتح مؤسسات، مباني، إنشاء، تعمير، لكن هذه وسيلة لغاية أعلى وأسمى ينبغي أن ترفع نفسك إليها، إذا لم تجعل لنفسك غاية وهدفاً تسعى وتتمنى أن تحققه في يوم من الأيام؛ فما هو دورك في هذه الحياة؟ الناس في هذا العالم كثر ولكن وكما قال إبراهيم بن أدهم:
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
وباقي الخلق هم همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمه
فأنت إذا لم يكن لك شأن ومكانة وعلو منزلة فلا تحتقر نفسك، اعترف بوجودك، وحقق ذاتك في هذا الوجود؛ لكي لا تكون من الذين هم من سقط المتاع أو من الذين لا يعدون بأي حال من الأحوال.
إذاً أيها الإخوة الاحتقار من جانبين: احتقار مباشر؛ نتيجة إحباط أو نتيجة ضعف نفسي، وهذا قد يقول له إبليس: يا أخي لماذا لا تريح نفسك وتنتحر وتريحنا منك؟ وقد يفعلها، وقد فعلها كثير من الناس.
وفي الجانب الآخر يكون الاحتقار بسبب ابتذال النفس جنسياً، وبسبب ابتذال الوقت، وبسبب ابتذال الفكر.
стр. 1367
علاج الاحتقار
стр. 1368
شغل الوقت بالنافع
من الأمور التي ترفع هذا الابتذال: أن يحرص الإنسان على إشغال وقته بالنافع، والحقيقة أنه لا حد لإشغال النفس بالنافع، الأمور النافعة كثيرة جداً، وانظر هوايتك فوجهها توجيهاً نافعاً، وتقدم وانفع بها، أنا أعرف شاباً تخصصه فيزياء، لكنه أشغل وقته بالأمور النافعة في مجال الكمبيوتر لأنه هوايته، وبعد ذلك أخرج برنامج المواريث عبر جهاز الكمبيوتر، فأنت يا أخي الكريم لابد أن توجد عندك همة، ولا بد أن توجد عندك موهبة، وتجد في المقابلات الفنية إذا سئل أحد الفنانين: الأخ الفنان الموسيقار الكبير! لو سمحت من الذي اكتشف الموهبة الفنية الموجودة فيك؟ قال: في الحقيقة كان محمد عبد الوهاب أو كان فلان أو فلان هو الذي اكتشف هذه الموهبة فيَّ، أي: أنه كان يجهل الموهبة الموجودة فيه، وهذا في الحقيقة قد يصدق، ونقولها لكثير من الشباب: فيكم مواهب دفينة ومطمورة، ويوجد في جنباتكم طاقات معطلة، لو بحث الإنسان عن نفسه لاستطاع أن يكتشف أن لديه جانباً سيبرز فيه وسينتج فيه، وسيحقق فيه ما لا يحققه غيره، ولذلك فإن الله فاوت بين الناس في المدركات والدرجات والمستويات؛ لكي تكتمل البشرية بهذا التسخير المتبادل.
стр. 1369
حسن اختيار الصحبة
كذلك من الأمور التي تجعل الإنسان يبعد عن نفسه احتقار الذات: أن تبحث لنفسك عن صاحب لا يحييك بلعنة، ولا يكلمك بكلام خبيث، ولا يحدثك بعبارات ساقطة، ولكن هذا شأن الكثير من الشباب في مجالسهم للأسف، فلا تجد أسباب الاحترام في مجالسهم أبداً.
فعليك أن تبحث من جديد عن صحبة طيبة تبعد جانب الاحتقار، فتجد الفرد فيها حينما يقابلك، يقابلك بالبشاشة، يصافحك، يلتزمك، يعانقك، يسأل عن أحوالك؛ ماذا قرأت البارحة؟ رأيت الخبر الجميل في المجلة الفلانية عن الجهاد؟ تجده يحدثك بأمور عالية جداً، ليس عن آخر أغنية، وكم سجلوا من هدف؟ وأنا لا أعترض بهذا على الرياضة على أية حال، لكن أقول: تجد الاهتمامات محصورة في هذه الجانب فقط؛ سمعت الشريط الفلاني، ما سمعت الشريط الفلاني، ما خرج الفيلم الفلاني، وهذا غاية مسعاهم من العمل ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فحينما يكون لك جلساء صالحون فإنهم يرتقون بمستواك، وأنا ألاحظ هذا جيداً، تجد شاباً عادياً أو من الشباب الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والخطايا، ثم يمن الله عليه بالجلساء الطيبين الصالحين، وبعد مدة تلاحظ مشيته تعجبك، ومظهره وملابسه وطريقته، تجد الرجل تغير حتى في أسلوب كلامه، لأن الرجل وجد من يرتقي به، ووجد من يطرد عنه احتقار الذات، وفي الحقيقة حتى هو وإن لم يشعر باحتقار الذات إلا أن سلوكه وتصرفاته دالة على احتقار ذاته، لكن لما منَّ الله عليه بالهداية وبالجلساء الصالحين الصادقين، وأكرمه بهذه الدرجة العلية تغير أسلوبه، وتغيرت هيأته وطريقته في ذهابه وإيابه وخطابه إلى آخر ذلك.
стр. 1370
عاقبة إضاعة طاقات الإنسان
الذين يضيعون الطاقات الموجودة في النفس الإنسانية هم بهائم.
الذين يصرون على إهدار الطاقة الجنسية والطاقة العقلية والأوقات، ومختلف الطاقات الموجودة في هذا البدن؛ الذين يضيعونها هم والله لا يكونون إلا كالبهائم، ولذلك تجد في مواضع كثيرة من كتاب الله مثل قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] هناك سمع راقٍ ولكن لا يوجد عقل وتدبر على مستوى، إذاً ما هي محصلة الأمر؟ ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:٤٤] وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] وقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] وقول الله جل وعلا: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:١٨] الذين يعطلون وسائل العلم والمعرفة بالنفس وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] سمعك وبصرك وفؤادك وعقلك هي آلات التعلم والتعليم والإنتاج والابتكار فلا تضيعها، فمن ضيعها وأصرَّ على ابتذالها في جوانب ناقصة وهابطة، فوالله ليكونن كالبهيمة، بل إن البهائم قد تنفعنا ولا تضر، وذلك قد يضر ولا ينفع ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 1371
سبب احتقار الشباب للنفس
ختاماً أيها الإخوة نقول لبعض الشباب: لماذا تحتقر نفسك؟ يقول رسول الله ﷺ : (يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمر دينها).
لماذا لا يكون أحدكم هو المجدد وليس ذلك أمراً عجيباً، ولا على الله بعزيز أن يكون من بينكم مجدد، ليس على الله بعزيز أن يكون أحد لاعبي نادي النصر هو مجدد الأمة في يوم من الأيام.
إذاً أيها الإخوة: لماذا نحتقر أنفسنا؟ لماذا أولئك يعجبون بأنفسهم إعجاباً بليغاً وهم كفار، والمسلم وهو على حق يذل نفسه ويحتقرها ولا يرى لنفسه دوراً ولا مكانة؟ والبعض قد تحدث له صدمة تهزه حتى يبتعد عن الاحتقار إلى تحقيق الذات، ومن أولئك الإمام الطحاوي الذي كان في حلقة مجلس، وكان شيخ تلك الحلقة هو خاله أخو أمه، فكان يجلس بجوار خاله، وكان خاله يشرح ثم يسأله: فهمت يا ولدي؟ قال: ما فهمت، فضرب على كتفه ذات يوم، وقال: قم، أنت لا تصلح لشيء، فقام ذلك العالم النحرير، قال: أنا لا أصلح لشيء؟ ثم طلب العلم حتى انتهت إليه إمامة الدين في زمانه، وجلس ذات يوم في حلقة خاله، وقال: أين خالي ليرى ذلك الذي لا يصلح لشيء.
فأنت يا أخي قد يقابلك من يقول لك: أنت لا تنفع في شيء، أنت لا تصلح لشيء، أنا أذكر شاباً قابل مدير مدرسة أو شيء من هذا، وقال: أنت ما تصلح حتى خباز (طردة شنيعة للأسف!) أخبرني بها وأدركها جيداً، فاستمر حتى أنهى دراساته العليا كاملة عقب هذه الكلمات.
فيا إخواني: ينبغي ألا تكون عبارات الآخرين المسلطة علينا سبباً في احتقار ذواتنا، أنت أدرى بنفسك: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] مهما حاول الآخرون أن يحتقروك، أو أن يغضوا من شأنك، فأنت أدرى بنفسك درايةً عجيبةً دقيقة، ولكن إياك والغرور، ولا تحتقر نفسك بأي حال من الأحوال.
أيها الإخوة! أقول: ينبغي ألا نحتقر أنفسنا، وينبغي أن يظهر من هذه القاعة عدد من الدعاة والخطباء والمصلحون في هذا النادي وفي المجتمع وفي أماكن عديدة، ينبغي ألا نستسلم للشيطان، وينبغي أن نحقق ذواتنا في مجتمعنا، ينبغي أن نعرف دورنا في الحياة، نحن -أيها الإخوة- ما خلقنا لكي نأكل ونشرب: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] جهاز هضمي، وجهاز عقلي، وجهاز تنفسي، وعروق وشرايين، وقلوب وأفئدة، هذا الإنسان قد أودع الله فيه أعجب مخلوقاته ودقيق صنعه سبحانه! ما أودع الله فيك هذا الأمر إلا لسرٍ عظيمٍ جداً ألا وهو أن تكون عامراً لهذه الأرض، وأن تقوم بعمارتها على الوجه والجانب الذي يرضي الله ، فينبغي ألا يحتقر أحد نفسه، ومن ابتلي بشيء من هذا، فليتذكر قول القائل:
دواؤك منك وما تشعرُ وداؤك فيك وما تبصر
وتزعم أنك جسمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الكبير
لا تحتقر نفسك، بل أنت كل شيء إذا منَّ الله عليك بالهداية وأكرمك بالاستقامة والملازمة واتباع كتابه وسنة نبيه، ولا أود أن أطيل أكثر من هذا، فإن الإخوة قد أرسلوا لي كرتاً أصفر أو أحمر ما أدري ماذا تسمونه، المهم أنه حان وقت الصلاة بعد قليل.
وأختم هذه المحاضرة بأن أسأل الله جل وعلا أن تكون خالصة لوجه، فهذه نفثات من محب لكم في الله، ومن محب للأندية الرياضية خاصة أن تعود على أنشطة اجتماعية وثقافية ورياضية، وأن يعود التوازن إليها من جديد، وأن تتميز أنديتنا تميزاً، فهذه نفثات ميسورة إن وافقت فيها حقاً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان فيها خطأ فمن نفسي والشيطان.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1372
الأسئلة
стр. 1373
حكم التعصب للأندية
السؤال
هناك بعض الإخوة هداهم الله متعصبون لبعض الأندية لدرجة أنهم يطلقون مثلاً على نادي الهلال: الاتحاد السوفيتي، فما رأيكم جزاكم الله خيراً؟
الجواب
أنا أعرف حقيقة لماذا كتب هذا السؤال، لأننا في نادي النصر والكلام يتعلق بنادي الهلال، لكن وليكن ما يكن، الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
يا إخواني! ليس هناك شيء يمنع الإنسان من أن يمارس الرياضة، الرياضة في الإسلام كما تعلمون وسيلة لا غاية، ما هناك شيء يمنع، لكن أن تصل ممارسة الرياضة إلى حد التعصب للأندية تعصباً يوقع الشحناء والعداوات والبغضاء والفراق إلى آخره، فهذا لا ينبغي ولا يليق بأي حال من الأحوال، وما يضيمك إن كنت من محبي نادي النصر مثلاً لأن اللاعبين يعجبك لعبهم، أو من محبي نادي الشباب أو الهلال أو أي نادٍ من الأندية، هذه رياضة معينة، والناس بين نوعين: بين من يمارس هذه الرياضة، وبين من يشجعها ولا يمارسها، ولا نطلق عبارات التحليل والتحريم على الفريقين، لكن نقول: الأمر مشروع بحدوده، أما أن يرمي الإنسان غيره من مشجعي الأندية أو من أصحاب الأندية بمثل هذه العبارات، فهذا لا ينبغي ولا يليق بأي حال من الأحوال، وأنا أظن أنه من وصل به التشجيع إلى هذه الدرجة التي أصبح بموجبها يسب ويشتم ويفرق ويغير فقد احتقر نفسه احتقاراً ينبغي أن يبعده عن نفسه؛ لأن المسلم لا يصل إلى درجة الاحتقار (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره) إلى آخر ما جاء في الحديث.
فكل عبارة فيها بغضاء أو شحناء أو عداوات، فينبغي أن تزول، نحن نريد أن تعود الجماهير الرياضية من جديد عوداً على بدأ والعود أحمد، فقد مرت حقبة من الزمن عرف الناس عن الرياضة والرياضيين الكلام السيئ والسمعة الرديئة، نريد أن نبعث هذا الأمر من جوانب جديدة، نريد أن يعرف الناس أن الأندية فيها مدارس تحفيظ القرآن وهي محاضن للدعوة والدعاة وهي أماكن لتربية العقول والأبدان والأجسام، وفيها فرص مناسبة لممارسة الرياضة بأنواعها، وحينما ننظر إلى هذه الأندية بهذه النظرة الشمولية ونعرف الهدف من هذه الأندية الرياضية، عند ذلك لن نجد هذه العبارات ولن نجد الجنون في التشجيع، الذي نراه من بعض الشباب، يفوز نادٍ على نادٍ فيخرجون في الأسواق بالأعلام وبالطبول والكلام الذي لا يليق، وبإزعاج الآخرين بالليل، أذكر أن المنتخب في المملكة منذ مدة فاز، والحاصل أن خرج الناس بأعلام المملكة يتجولون في الشوارع، هذا علم دولة رسمي تهينه وتعلقه على رفرف دراجة.
وفي الحقيقة حينما تحصل مظاهرات في جامعة أمريكية بين الليبيين والإيرانيين أو بين العراقيين والإيرانيين، يقوم الإيرانيون بإمساك العلم الإيراني فيمزقونه ويعلقونه على صدامات المواتر وفي المقابل كذلك، فالذي يفعل هذه القضية يمارس إهانات رسمية ممنوعة نظاماً، قبل هذا كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله كلمة التوحيد والوحدانية والرسالة، فيسقط العلم، فتظؤها السيارات في الشوارع والناس هذا جنون، ونوع من احتقار الذات حيث لا يشعر الإنسان بقيمة نفسه ولا بقيمة دينه، ولا بقيمة هذه الراية التي يحملها، ولا بالكلام الذي في طياتها وجنباتها.
إذاً فالمسألة ليست مسألة جنون، فنريد أن تعود الجماهير ٍمن جديد بكل عقل وروية وبكل قناعة، شاب يسأل، يقول: حرام عليّ أن أرى المباراة في التلفزيون؟ الحقيقة المسألة ليست مسألة حلال أو حرام، قد نقول: ليس هناك ما يمنع، لكن لا تكون الرياضة هي شغلك الشاغل أربعاً وعشرين ساعة؛ ترى السعودية والكاميرون في الفيديو، السعودية والإمارات في الفيديو، وتجده يشغل أفلام فيديو للمنتخب ومباريات على الشاشة، هذا وقته ضائع، فابتذاله للوقت سبب لاحتقار الذات، فنحن نريد ممن كان رياضياً أن يحترم الرياضة، وأن يحترم نفسه أمام الرياضة، فلا تطغى عليه ولا يطغي نفسه فيها.
стр. 1374
إيقاظ الجار لصلاة الفجر
السؤال يقول: لي جار أوقظه لصلاة الفجر، ولكن يقابلني بقوله: إنك أزعجتني وأزعجت أهلي فلا توقظني أبداً؟
الجواب
على أية حال يا أخي! الواجب عليك أنك لا تمل في دعوته إلى الله ، والذي أراه لك في البداية أن تنصحه نصيحة بينك وبينه، وألا تمل النصيحة، قد يكون الرجل يصلي في بيته ولا نظن بمسلم أنه يترك الصلاة بالكلية، لا شك أن ترك الصلاة في المسجد لا يجوز، لكن ليس السبيل أن تذهب وتتركه، ولا شك أنه ينزعج، ولا تضرب الباب في هذا الوقت، وليس هذا من أجل راحته، ولكن من أجل أن تصل إلى قلبه في لحظة قبول واقتناع واستجابة، فعند ذلك سيصبح يصلي بنفسه بدون أن تطرق عليه الباب، أو قد يطلب منك في المستقبل، يقول: أعني على نفسي واطرق علي الباب لكي أشهد الصلاة مع الجماعة، فهذا أمر مطلوب.
стр. 1375
علاج داء الغرور لدى المسئولين
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: لدينا مسئولون عندهم داء الغرور، فمال الحل لإقناعهم أن لديهم داء؟
الجواب
أسمعوهم هذه المحاضرة لعل الله أن ينفع، ونسأل الله جل وعلا أن ينفع بجهودنا وجهودكم هذا شيء.
الشيء الثاني يا إخوان: أن الغرور داء دفين في النفس، والأمراض الخفية تكون في خبايا النفس خاصة في الجوانب السلوكية، وداء الغرور يكتشف من سلوك الإنسان؛ من دخوله وخروجه وقدومه وانصرافه ومقابلته للناس ومعاملته مع الناس، فعلى أية حال هذا الذي عنده داء الغرور أكثر له من الأشرطة التي فيها بيانٌ لأصل هذا الإنسان وأصل خلقته تكوينه، وأنه ضعيف، ومناقشة الغرور لا ينتهي أبداً، يا أخي بأي شيء تغتر؟! ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء:٥٠ - ٥١] أي: لو كنتم حجارة أو حديداً أو خلقاً أكبر من هذا فسيأتي بكم الله ويعذبكم ويحاسبكم، فالمسألة ليست بحديد فولاذي لا تبلى ولا تفنى، بل بالعكس فأنت بشر ضعيف، الواحد لو أصابه جرح في إصبعه، فمن نعمة الله أن توجد مادة في الدم تسبب التجلط حتى يقف الجرح ويعود بناء الأنسجة من جديد، وإلا فإن هذا الجرح ربما ينزف قطرة قطرة لمدة يومين أو ثلاثة أيام حتى ينتهي، فهذا الإنسان الذي شق الأنفاق وركب البحر والغواصات والطائرات والصحاري له جهوده في مجالات عديدة، لكن أيضاً هو ضعيف جداً.
الكلى: أسأل الله أن يعافي الذين ابتلوا بمرض الفشل الكلوي، وأن يمن عليهم بالشفاء والعافية، انظروا هذه الكلية حجمها بنصف حجم القلم وبشكل قريب من نصف الدائرة، من الذي يعوضها؟ الإنسان ضعيف جداً وانظر إلى هذه الناحية من أمرين: الأمر الأول: دقة وعظيم خلق الله لعبده.
والأمر الثاني: لا يعوضك أحد إذا تخلى عنك الله ، وإذا زالت عنك عافية الله جل وعلا فلن تستطيع أن تعوضها بشيء.
الذين أصيبوا بالفشل الكلوي مستعدون لأن يبذلوا ملايين من أجل أن تعود الكلية كما كانت، وذلك لا يكون إلا إذا أذن الله جل وعلا لأحدهم بأن توجد له زراعة كلية من إنسان آخر أو من متبرع وتكللت عمليته بالنجاح، فالإنسان ضعيف.
وآخر فقرة في العمود الفقري لو سقطت عليها لأصبت بشلل نصفي، نقطة بسيطة في الدماغ إن تتحرك عن مكانها يحصل شلل كامل، وقد تتعطل حاستين أو ثلاث.
فالخلاصة: أنك ضعيف جداً جداً، وأدنى شيء يؤثر في حياتك، ويجعلك تتألم وتتعذب، لكن من كان في العافية فهو لا يعرف قيمتها، ولا يعرف قيمة العافية إلا من ذاق المرض:
لكل ما يؤذي وإن قل ألم ما أطول الليل على من لم ينم
لو أن الإنسان تقلب على فراشه ساعتين من وجع سن، قال: أقلعوا حنكي كله وليس ضرسي فقط، دعوني أرتاح، لأنه يتألم ألماً شديداً.
إذاً هذا الإنسان أكثر له من الأشرطة والرسائل والمحاضرات، وأيضاً إذا وجدت الجلسة المناسبة معه لكي تبين له أن الإنسان ضعيف ومسكين، ولا بقاء ولا قدرة ولا ثبات له إلا إذا منَّ الله عليه بالشفاء والعافية، إذاً فهو محتاج لأن يرتبط بالله حتى يتمتع بهذه العافية، إنسان يملك ملياراً، لكنه محروم من السكريات والنشويات، ومحروم من أن يمشي كثيراً، ومحروم من تناول الملح لأن عنده ظغطاً في الدم؛ ما هذه الحياة! حقيقة يا إخوان! هل الدنيا مال؟ لا، الدنيا بعد طاعة الله عافية، ولذلك ينبغي للعبد أن يسأل الله ؛ اللهم إني أسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، العافية نعمة عظيمة من أكبر النعم، فإذا أكثرت على هذا المسئول من هذه الجوانب وهذه النقاط، فلا بد أن يعود ويئوب إلى الله يوماً من الأيام.
стр. 1376
الرد على من يقول: المحاضرات ليس مكانها النادي
السؤال
فضيلة الشيخ: أعيانا الرد على بعض الإخوة الذين يجادلون بأن المحاضرات الإسلامية ليس هذا مكانها فما تقولون لهم؟
الجواب
فهل مكان المحاضرات المساجد فقط؟ لا.
نحن لا يوجد عندنا فصل الدين عن الدولة، الدين في المسجد فقط وما سوى ذلك فلا علاقة له بالدين أبداً! الدولة من أكبر جهاز فيها إلى أصغر جهاز فيها هي محل بالدين، وما هي إلا مطبقة للدين وحاكمة للدين ومأمورة بأمر الدين، لا يمكن أن نتصور هذا الأمر، والذي يقول: هذه الأندية ليست للمحاضرات، نقول: فماذا تكون؟ تكون لتربية الأجسام فقط؟ تربية عجول؟ لا، هذه الأندية لتربية العقول وتربية الأبدان على مستوى متوازن متمازج وإلا ما قيمة بدن قوي نشيط لكن ما عنده عقل.
أذكر في يوم من الأيام في الشارع الثلاثين في العلية بعد مباراة من المباريات كان هناك مجموعة شباب واقفون في سيارة (جيمس) يلبسون فنايل (نصف كُم) وقد سدوا الطريق بالسيارة في ممر بجوار شارع الثلاثين فلا تمر منه سيارة، هل هذه الأندية تقر هذه الأعمال؟ لا، هو الآن يشجع نادياً أو يشجع نخبة من مجموعة أندية، فهل تأثر بهذه الأندية إلى هذا الحد؟! ليست الأندية التي فرضت عليه هذا الفعل، سلوكه وخطؤه ينسب إليه ولا ينسب إلى الأندية، لكن ما دام أحب الأندية، فلا بد أن يسمع كلمة في النادي حتى يصلح من الخطأ في سلوكه.
ثم يا إخوان لا بد للدعاة أن يدخلوا كل مكان، شاب لا يدخل المسجد لكنه يدخل النادي؛ أليست فرصة أن تقابله فيه وتوصل إليه كلمة الحق؟ بلى والله، بل إن من الدعاة من دخل أماكن لهو لم يجلس فيها لاهياً وإنما اقتنص صيده واحداً تلو الآخر لكي يهديهم إلى الله جل وعلا، وحصل أن اهتدت طوائف بهذه الطريقة.
الداعية الذي يهمه أن يهتدي الناس، والذي يشفق على الآخرين من عذاب الله، الداعية المحب لإخوانه لا بد أن يدخل إليهم في كل محل، ما هي العداوة بيني وبين أبناء النادي حتى لا أدخل إليهم؟ وما هي العداوة بينهم وبيني حتى لا يسمعوا مني في النادي؟ هم إخواني وأنا أخوهم، يصلون معي الجمعة وآتي إليهم في ناديهم، ويزورونني وأزورهم، ويأتون إلي في المكان وآتي إليهم في المكان، لماذا نحاول أن نجعل المجتمع طبقات، طبقة أندية لا يمكن أن تهتدي، وطبقة مطاوعة شغلها في المساجد، وطبقة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر (صلوا صلوا).
لا.
المجتمع كله بوظيفة ومهمة واحدة في حفظ الأمة، حفظ شباب الأمة، حفظ كيان الأمة، هذا ليس مسئولاً عنه النادي وحده، كل دائرة من دوائر الدولة بجميع وزاراتها ومؤسساتها وأجهزتها مسئولة عن حفظ كيان الأمة وأمن الأمة وشباب الأمة جميعاً.
стр. 1377
استمرار المحاضرات في الأندية
السؤال
فضيلة الشيخ حفظك الله: أخبرك أني أحبك في الله، ثم أخبرك أننا معشر الشباب في أشد الحاجة إلى مثل هذه المحاضرة المباركة، وأتمنى أن تتكرر وتكون في مكان أكبر من هذا لأن الذين رجعوا إلى منازلهم أكثر من الذين وجدوا مكاناً لهم؟
الجواب
على أية حال نسأل الله للذين رجعوا أن ينفعهم بما سمعوا، وأن يجعل بقاءهم معنا المدة التي جلسوا فيها في موازين أعمالهم، وأن يثيب الجميع، وأن يثيب من بقي معنا، وفي الجميع البركة إن شاء الله، على أية حال ليس هذا هو اللقاء الأول، هذا فيما نرجوه لإخواننا في نادي النصر الرياضي، وأيضاً نرجو من جميع المسئولين عن الأندية أن يجعلوا من الأندية منابر نور وإشعاع للمجتمع، ما ظنكم أن نادي النصر الرياضي يتبنى كل شهر ولا نقول نصف شهر مناسبة ثقافية، أمسية شعرية، حفلاً مسرحياً، محاضرة، مسابقة، قصيدة، كلمة، المهم أن نرفع من مستوى أبناء المنطقة؛ منطقة الدخل المحدود ما شاء الله مكتظة بالسكان، هذه الكثافة السكانية بحاجة إلى الوعظ والإرشاد والتوجيه والإفادة، وخير من يقوم بهذا التوجيه هي الأندية الرياضية، فليس دور الأندية الرياضية فقط أن تربي أجيالاً تلعب الكرة جيداً، وتحسن أن تسدد الأهداف جيداً في الشباك، لا، أيضاً من مهامها أن تنفع المجتمع، وكل نادٍ رياضي يفتح لائحة تأسيسية فيقال: نادي رياضي اجتماعي ثقافي ينفع المجتمع، المهم أن مهمة الأندية نفع رياضي مع الثقافي والاجتماعي وتوجيه وإيصال هذا الخير إلى أكبر أفراد المجتمع، فلماذا تخلف الجانب الثقافي والاجتماعي في النادي؟! هذه مسئولية المسئولين في النادي، ولا أدري هل في الحضور أحد من العلاقات العامة، وكنا نطمح أن يحضر عدد أكبر من إدارة النادي نفسه، ما يكفي واحد أو اثنين أو ثلاثة، نطمع أن يكون في مثل هذه المناسبات مستوى أكبر من إدارة النادي أن يكونوا موجودين لكي يثبتوا لكم معاشر الإخوة أن إدارة النادي حريصة على هذا الأمر، وليس جهد واحد أو اثنين أو ثلاثة فقط في هذا النادي.
стр. 1378
ستر العورة أثناء لعب الكرة
السؤال
فضيلة الشيخ حفظه الله: نحن اللاعبين الموجودين في الأندية، نحب أن نلبس سراويل تستر العورة، ولكن من يفعل ذلك يتهم بالتعصب، مع أن اللاعبين في الدول الغربية يلبسون (هيلاهب) كامل ولا أحد يتهمهم بتعصب وتزمت فما قولك في ذلك؟
الجواب
على أية حال عليك أن تعرف الصواب وتعمله، ثم بعد ذلك لا يضرك من خالف:
إذا الكلب لم يؤذك إلا بنبحه فدعه إلى يوم القيامة ينبح
نعم.
ما دام أنك تعرف أن هذا هو الحق، وأنه لا ينبغي لرجل أن يلعب وفخذه مكشوفة، فافعل ذلك ثم العب، ثم ماذا إذا لبس سواء تحت الركبة بقليل أو لبس الترنك الطويل هل هذا يؤثر على أداء اللاعب رياضياً؟ بالعكس أظن أنه يضفي إليه شعوراً بالطمأنينة والارتياح بأنه يمارس رياضة مباحة، ولم يفعل في ممارسته أمراً حراماً، عند ذلك يضفي عليه قناعة وارتياحاً وحسن أداء.
стр. 1379
حكم رد السلام على النساء ومخاطبتهن لغير المحارم
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: هل يجوز رد السلام على النساء وإفشاء السلام عليهن، ومخاطبتهن لحاجة وهن ليس من محارمي، والله الموفق؟
الجواب
يجوز رد السلام على المرأة، ويجوز إفشاء السلام عليها ما لم تكن صغيرة يخشى الفتنة من صوتها، ولا تجوز مصافحتها ولا الخلوة بها إذا كان ليست بمحرم لك.
стр. 1380
حب المدح والثناء من الناس
السؤال
أنا عندما اختلط بناس لا أعرفهم، أحاول أن أجمل أخلاقي وأحسنها، وأحاول ألا أحد يتكلم بشيء ينزل بقيمتي، وعندما أختلي بنفسي أحاسبها على ذلك، ويعجبني إذا كان أحد يمدحني وأنا أسمعه، وأتراءى له كأني لم أسمعه، فكيف أتخلص من تلك الظاهرة السيئة جزاكم الله خيرا؟
الجواب
على أية حال -يا أخي- فالنفس مولعة بحب العاجل، كثير من الناس يحب الثناء والمديح، لكن إذا كان الإنسان يفعل أعماله من أجل أن يثنى عليه، فهذا رياء ومحبط للعمل، لأنه لا يفعل الشيء ابتغاء وجه الله، بل ينتظر من الناس أن يمدحوه وأن يثنوا عليه، وإذا جاء وقت لا تمدحه الناس ولا تثني عليه سيحزن، ولن يفعل شيئاً، وهذا لا يصلح، فينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه.
ثم يا أخي! أي عمل من الأعمال أنت تبذله فسوف يكون هناك مشقة وارتباط، فجهدك ومشقتك وارتباطك بدلاً من أن يضيع هباءً منثوراً، احتسب واخلص نيتك لله .
ثم يا أخي! هب أن كل من في القاعة مدحوك، هل قدموك إلى الآخرة درجة؟! وهب أن من في القاعة ذموك هل ردوك عن الجنة؟ إذاً لا تنتظر الثناء والمديح من أحد، والذي يغرق في حب الثناء والمديح فهو في خطره شديد، وقد يقع في الرياء ولا حول ولا قوة إلا بالله، لكن إذا فعلت أمراً محموداً، ثم أثني عليك بعد ذلك فلا حرج عليك، ولو أعجبك ذلك كما ورد في الحديث لما سئل النبي ﷺ عن الرجل يفعل الخير، فيحمده الناس على ذلك فيعجبه، فقال ﷺ : (تلك عاجل بشرى المؤمن) هو أساساً ما فعل هذا الفعل لكي يمدحوه، هو عمل عمله ابتغاء مرضات الله، فأثنى الخلق على عمله، فتلك عاجل بشرى المؤمن بالرضا والقبول، فلا حرج في ذلك، أما أن تشتهي هذا وتحب أن يمدحك الناس وأن تكون دائماً في الطليعة: (رحم الله امرءاً إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الميمنة كان في الميمنة، وإن كان في الميسرة كان في الميسرة).
يا أخي! إن كنت داعية إلى الله بحق خالصاً مخلصاً لا يهمك أين تكون على الخشبة، أو وراء الباب، أو خلف الستارة، أو خلف البوابة، المهم أن يكون عملك لله، وأن يمضي لك عمل بينك وبين الله ، إذا بلغت هذه الدرجة؛ فأنت على مرتبة من الإخلاص، أما إذا كان لا يحلو لك الحديث إلا تحت الأضواء، فهذا خطر عظيم فراجع نفسك وحاسبها.
стр. 1381
ظاهرة انتشار المقاهي ومحلات الفيديو
السؤال
فضيلة الشيخ: في الآونة الأخيرة انتشرت المقاهي ومحلات الفيديو، ونرجو من فضيلتكم التعليق على هذا الوباء الخطير؟
الجواب
كلها من مظاهر الفراغ، ومن مظاهر ابتذال الوقت المفضي إلى احتقار الذات، تعال انظر إلى مقهى من المقاهي وعد كم سيارة واقفة عنده وادخل على هؤلاء الشباب، ثم ماذا؟ مضيعة وقت.
هل يحلون قضية الشرق الأوسط؟ لا.
أعندهم مشاريع نافعة؟ لا.
بل مضيعة وقت، وإفساد أخلاق، وإتلاف أبدان، وخسارة أموال، كل هذه مجتمعة، فلا غرابة أن تجد الذي يخرج من هذا المقهى بعد ما أخذ له عشرة رءوس أو اثني عشر رأساً؛ أن تجده مسكيناً هزيلاً ضعيفاً، عندما تخاطبه يجد من نفسه ذلة وإهانة، هو بنفسه يحتقر نفسه لفعلها، والحاصل أنها دلالة على الخطر العظيم.
منذ مدة قدم لي أحد الشباب ورقة فيها مقالة: أين المتنفس؟ يقول: أين يتنفس الناس إذا أردنا أن تكون المقاهي خارج المدينة؟ وهذه كلمة حق أريد بها باطل، وكاتب يقول: لماذا يحرصون على إبعاد المقاهي من داخل البلد، ونحن نقول هذا ونكرر: هذه المقاهي يشربون فيها الشيشة، وتجد الطفل الصغير يأتي ويضع رجلاً على رجل، ويقول: أعطني رأساً، أعطني رأسين، والعامل مستعد أن يعطيه عشرة رءوس ما دام يدفع على الرأس كذا مبلغ، مستعد يعطيه إلى أن ينفجر رأسه، لكن القضية وما فيها في كيفية تأثيرها على الشباب، يخرج الولد من المدرسة إليها فيأخذ له رأساً أو رأسين حتى يُدمن، ويأتي الولد البريء النزيه ويقولون له: اجلس اشرب معنا شاي، ثم يجلس يشرب الشاي، ويقول: أعطني رأساً، ثم ثبت بما لا يتطرق إليه الشك أن نسبة من هذه المقاهي خاصة التي يتناول فيها ما يسمى بالشيشة تستخدم لتهريب وتوزيع المخدرات: (الكمية المطلوبة اثنا عشر حبة، الموعد قهوة كذا في المحل الفلاني، سلم واستلم، الكمية المطلوبة خمسين حبة، من أي نوع؟ من النوع الفلاني كبتاجون، هروين، كوكائين، الموعد المحل الفلاني) وهم أذكياء يبدلون المحطات، وفي فترة من الفترات انتشرت على خط الحجاز محلات تغيير زيوت انتشاراً رهيباً وبشكل غريب جداً، وما بين هذه المحطة والتي بجانبها إلا عشرين متراً أو خمسين متراً، أيعقل هذا؟! فينبغي للشاب الذكي أن يقف عند أي ظاهرة معينة ويحلل، وأخيراً قال: هؤلاء كلهم ما وجدوا إلا الزيوت، ربما يكفي واحد، لكن لماذا يوجد خمسة ستة متجاورين؟ فتبين بعد مدة أن فيها ما فيها من المخدرات.
إذاً المسألة يا إخوان لا يوجد من وراء محلات الفيديو والمقاهي داخل البلاد إلا الشر المستطير، وحينما تجد شاباً عمره أربع عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة ولديه مجموعة أشرطة داخل محل الفيديو يبدل ويغير، فيمكن أن يأتي يوم يطمع صاحب المحل في هذا الشاب ويعطيه شريط خلاعة، ومن يقول: إن هذه المحلات ليس فيها أشرطة خليعة؟ أتصدقون هذا الكلام؟ هل نحن بلداء إلى هذه الدرجة؟! لا شك أن الأنظمة تمنع وجود الأشرطة حتى التي فيها القبلة أو الفخذ العارية، لكن هل التزم أصحاب المحلات بهذا؟! والذي يتورع من أن يبيع خناً وفساداً وخلاعة ورقصاً ودفاً ومزماراً، هل فعل مثلما فعلت تسجيلات الهداية؟! للأسف محل واحد هو مركز الهداية للصوتيات، وأنا من هذا المنبر أدعوكم لزيارته والتعامل مع مركز الهداية للصوتيات في شارع الأمير عبد الله في الرياض محل واحد وعندنا الكثير من محلات الفيديو، من منكم يبدأ بخطوة جبارة ويفتح محل فيديو إسلامي، أول ما فتح هذا المحل وقف ضده بعض الصالحين هداهم الله يقول: لا يجوز، يا أخي هذا نقطة نور في بحر الظلام، الآن تستطيع أن تؤثر على مجموعة عندما تكلم الناس عن وضع الجهاد بدون صورة؛ لكن خذ شريطاً من أفلام الجهاد الأفغاني واعرضه على الناس وانظر كيف الوضع.
وبالمناسبة أدعو إدارة النادي والأخ مسئول العلاقات موجود أن يدعو مجموعة في يوم من الأيام وأن يعرضوا فيلم عن الجهاد في أفغانستان كما فعل نادي الشباب حيث وضع يوماً ثقافياً أو معرضاً عن هذا لـ أفغانستان، فلابد أن تكون هذه الوسائل نافعة لا أن تكون ضارة.
ففي الحقيقة وجود المقاهي ووجود أفلام الفيديو فيه ضرر بالغ على الأمة، كم عندنا من محل فيديو؟ لا يخطر على بالك لو ذكرت لك الرقم الموجود، ولن أعطيك إياه، أريدك أن تبحث وتسأل.
مقابل محل واحد فقط لا غير؛ هل جاء أحد يطلب منه تصريحاً أو رفضه؟ انظر أنت إلى التسجيلات الإسلامية كيف انتشرت وكيف فشت في المجتمع، وكثير من الشباب قلبوا محل الفيديو والأغاني إلى محل فيديو إسلامي، فهل توجد خطوة جديدة لمحلات الفيديو؟ نسأل الله ذلك.
стр. 1382
التردد بين مجالس الذكر والدراسة المتوسطة
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فضيلة الشيخ! أفيدكم بأنني من الشباب الذين هداهم الله ومنذ فترة وأنا ألازم مجالس الذكر وأجد فيها زاد نفسي ومتعة روحي، ولكنني سجلت في المدارس المتوسطة في الليل وهذا أدى إلى انقطاعي عن مجالس الذكر، وأنا الآن في حيرة من أمري هل أواصل دراستي أم أحرص على مجالس الذكر، علماً أنني أستفيد من مجالس الذكر أكثر من استفادتي في المدرسة، فبماذا توصيني جزاك الله خيراً؟
الجواب
والله يا أخي هذه قضية شخصية، فإذا وجدت أنك تستفيد من دراستك الليلية شيئاً يعود عليك بالعلم النافع الذي يعود عليك في الدين والدنيا، فنقول: هذا خير لك، وأما إن كنت تجد من نفسك قدرة وقوة على ملازمة حلقات ومجالس الذكر، فابحث عما يقربك إلى الله، وابحث عما يزيد نفسك زاداً إلى الآخرة، فأيهما وجدت فيه زاد نفسك، فتقدم إليه ولا تتردد أبداً.
стр. 1383
الخشوع في العبادة وحكم تقصير اللحية
السؤال
كيف يكون الإنسان خاشعاً في عبادته وخاصة في الصلاة، وتكون أعماله خالصة لوجه الله.
ثانياً: روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يمسك لحيته بيده وما زاد عن ذلك يقصه، فهل يجوز تقصير اللحية أو يجب أن يتركها ولا يمسها أبداً؟
الجواب
بالنسبة للسؤال الأول: الخشوع في الصلاة هو العبادة المفقودة في هذا الزمان، وفي آخر الزمان لا ترى فيها خاشعاً أبداً، ونسأل الله لنا ولكم التوبة والمعافاة، ومسألة الخشوع الجميع مقصرون فيها تقصيراً عظيماً، لا من حيث التلاوة ولا من حيث الركوع ولا من حيث السجود، لكن ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] نجاهد أنفسنا لعل الله جل وعلا أن يرزقنا الخشوع ولذة المناجاة بين يديه سبحانه، ومن الأمور المعينة على الخشوع: أن تدخل إلى الصلاة وأنت متفرغ من المشاغل بالكلية.
أن تبكر إلى الصلاة، وأن تسبقها براتبة أو بتحية المسجد، وأن تقرأ ما يسر الله لك.
كذلك متابعتك لقراءة الإمام وتدبرك للمعاني.
كذلك أن يكون بصرك إلى موضع سجودك، لا أن تطلق البصر يميناً ويسار.
أما بالنسبة لما قلت إنه عن عمر فلم يثبت عن عمر، وإنما روي عن ابن عمر؛ أنه كان يقبض لحيته وما زاد على القبضة قصه، ولا يظن أن هذا دليل على جواز الأخذ أو التقصير، لأن الأحاديث والنصوص بإكرام وتوفير وإعفاء اللحى ما استثنت شيئاً من ذلك أبداً، فيبقى الأمر على إطلاقه ما لم يرد مخصصاً أو صارفاً صريحاً.
стр. 1384
التمارين من وقت صلاة المغرب إلى العشاء
السؤال
فضيلة الشيخ! أنا لاعب من لاعبي النادي، وأتمرن في وقت صلاة المغرب وأحضر قبل هذا الموعد كما يأمرني المدرب ولا أصلي صلاة المغرب، وينتهي التدريب بعد صلاة العشاء، فما رأيك بهذا الأمر؟
الجواب
آمرك أن تأمر مدربك أن يصلي أولاً، وأن تذهب أنت وإياه سوياً إلى الصلاة، وإذا كان وقت التدريب يتعارض مع وقت الصلاة اتصل بإدارة النادي، ولا أظن أن إدارة النادي تمانع في أن تعدل برنامج التدريب، ما نظن بأي حال من الأحوال، ولو ظننا لاتصلنا بهم شخصياً، المسألة وما فيها ينبغي أن تعدل البرنامج، إذا كان وقت التدريب مع وقت الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] احترام المسلم لعبادته هذا فيه عزة وفيه كرامة وفيه قمة له لا يتصورها أحد.
طبيب سعودي ذهب يمثل المملكة في مؤتمر طبي في الولايات المتحدة، ولما أقلعت الطائرة حان وقت الأذان فأراد أن يؤذن، فذهب إلى كابتن الطائرة الأمريكي وقال له: لو سمحت أريد أن أؤذن؟ قال: لا يمكن أن تؤذن، قال: يا ألله! أفرجها من عندك، الرحلة إلى واشنطن أو إلى نيويورك ست عشرة ساعة، وكل ثمان ساعات يتغير الطاقم، المهم تغير الطاقم في اللحظات القريبة من كلامه، جاء إلى الكابتن السعودي، قال له: لو سمحت أؤذن؟ قال: أنا الذي أؤذن عنك، وما هي إلا لحظات إلا وهو يصدع بالأذان بين السماء والأرض، ثم صلى، ولما نزل إلى المطار استقل طائرة صغيرة من نيويورك إلى الولاية التي يعقد فيها المؤتمر، يقول: حضرت صلاة أخرى وأردت الأذان، قلت: يا ليتني جمعت الصلاة حتى ما أحرج معك، أخيراً استعنت بالله أن أؤذن، فرجعت إلى مؤخرة الطائرة ورفعت الآذان قليلاً وإذا برئيس الأمن والمضيفة أو لعلها مساعدة الطيار جاءا فوراً، أرادا أن يتقدما، أشرت عليهما قفوا مكانكما وهو يكمل أذانه، فلما انتهى، قالوا: خيراً ماذا بك؟ هم متوقعون في الطيران الأجنبي أنه سكران، ثم يبدأ ينهق ويصيح، فيأتوا يمسكوا رقبته، لكنه طبيب على مستوى عالي من العلم والأخلاق والفقه والالتزام والاستقامة، ولما انتهى؛ قالوا: ما بك؟ قال: أنا معي موعد دقيق ومهم لا أستطيع أن أؤخره، قالوا: مع من؟ قال: مع الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] والله يأمرني أن أقيم الصلاة في وقتها ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] فأنا لا يمكن أن أتردد في هذا الموعد، فشد انتباه المرأة شداً عجيباً، من هذا الذي يلتزم بمواعيده مع الله حتى في الطائرة؟!! قالت: أريد أن أتحدث معك، قال: دعيني أصلي، ثم صلى وجلس في محاورة معها انتهت بإسلامها، ولما حضر المؤتمر -والقصة شيقة جداً أكملها للفائدة- لمدة ثلاثة أياماً كان المؤتمر يبحث قضية دور الكالسيوم في جسم الإنسان، في الجلسة الأخيرة قال رئيس المؤتمر: نعطي الصوت لفلان لكي يحدثنا، يريدون أن يسمعوا منه شيئاً، فتقدم للمنصة وحمد الله وأثنى عليه، وتحدث مثنياً على المؤتمر والأبحاث التي قدمت في هذا المؤتمر، ثم قال: أنتم تبحثون منذ ثلاثة أيام عن دور الكالسيوم في جسم الإنسان، وأنا أطرح بحثاً ما هو دور الإنسان في الحياة؟ شد انتباههم إلى أمر، ثم أخذ يحدثهم عن هذا الإنسان كيف خلق وبأي تركيب.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] الأطباء وكما يقال: الطب مجرى الإيمان، الأطباء أقرب الناس لمعرفة هذا الإعجاز الدقيق في خلق الإنسان، انتهت كلمته، كان الحضور ثلاثمائة، انفضوا جميعاً إلا ستة وأربعين، أسلم من الستة والأربعين ستة رجال وامرأتان في تلك الجلسة.
المسلم الذي يعتز بإسلامه محبوب وله كرامة، ومن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عليه الناس، حتى لو عاندت المدرب وذهبت وصليت؛ سيرضى عنك المدرب رغماً عن أنفه، لكن لو جاملته من أجل أن ترضيه، والله ليسخطن الله عليك وليسخطن عليك المدرب، لأنك أردت سخط الله برضى الناس، فهذا لا يجوز أبداً ولا ينبغي، وإذا كان وقت التدريب يتعارض مع وقت الصلاة فالمرجو من الإخوة المعنيين بأمر النادي تعديل هذه النقطة والتنسيق مع الإدارة فيها.
стр. 1385
حكم إحضار مدربين كفار
السؤال
بعض الأندية تحضر مدربين كفار هل يجوز ذلك؟
الجواب
الله أعلم.
стр. 1386
حكم حلق اللحية واستماع الأغاني
السؤال
فضيلة الشيخ: هل حلق اللحية حرام أم مكروه، ما حكم استماع الأغاني؟
الجواب
لا شك أن حلق اللحى لا يجوز، والأحاديث الآمرة بإعفائها صريحة ومتواترة وثابتة، فالذي يخالفها معاند، ولكن نسأل الله له الهداية، نعرف الكثير ممن يقعون في هذا وهم يعتقدون ويشعرون بالذنب وما يجحدون النصوص النبوية؛ لأن من جحد الشيء كفر، هم يقولون: نحن نعتقد أن توفير اللحية يجوز، لكن نحن نتساهل، نسأل الله أن يمن عليهم بالهداية، وينبغي ألا يسوفوا في هذا الأمر أبداً.
وكذلك فيما يتعلق بالملاهي والمعازف وغيرها، فحكمها واضح ولا أظن أحداً يجهله، والناس في هذا الزمان يعلمون الأحكام، لكن نريد منهم الالتزام بالأحكام.
стр. 1387
حكم التصوير بالفيديو
السؤال
فضيلة الشيخ ما حكم التصوير بالفيديو في مثل هذه المحاضرة؟
الجواب
لا حرج إن شاء الله.
стр. 1388
حكم رؤية المسلسلات
السؤال
هل المسلسلات حرام؟
الجواب
ما هذه المسلسلات؟ مسلسل حب وغرام، وتعرفت عليه في التليفون، وقابلته في العمل، وتواعدت معه في الشاطئ، وصارت لا ترقد الليل، وصار لا يرقد الليل ولا عاد له يرغب في الأكل، وكلام فارغ، ذبحنا من هذه الأفلام والمسلسلات والكلام الفارع، والله ما أضيع نصف ساعة على مسلسل لا يستحق، ما هذا الكلام؟ إذا كان هناك إنتاج إسلامي على مستوى فأهلاً وسهلاً، إذا كان هناك إنتاج على مستوى عمر المختار هذا إنتاج إعلامي فعلاً فيه مكسب وإن كان فيه شيء من الملاحظات، لكنه إنتاج يستحق أن تجلس له ويأخذ من وقتك، لكن أن أجلس لمسلسل فيه ذهب وذهبت، ومات وماتت، وأحبها ثم اكتشفت أنه تزوج عليها وأصابتها سكتة قلبية، هذا كلام فيه احتقار للنفس.
والله يا جماعة إن الوقت أثمن من هذا، يا أخي! ضع في رأسك سماعة واسمع لك محاضرة، اسمع لك آيات من كتاب الله، خذ كتاباً، اقرأ نوراً ومعارف، والله لو تأتي بهذه الآلة التي تنسج ثم تجلس لتنسج لولدك الصغير جورباً لكان أشرف من أن تضيع وقتك في فيلم ساقط، ما الفائدة من هذا يا إخوان؟ الأمة بحاجة إلى ما ينفعها، أما أفلام ليست نافعة، ولابد أن نبث أربعاً وعشرين ساعة فلا، دعنا نتوسط، أنتم تعلمون أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الرابحة من كل هذا البث، تنتج سنوياً ثلاثمائة ألف ساعة برامجية (إنتاجها الإعلامي) سبعين ألف ساعة لمصالح الولايات المتحدة الخاصة، ومائتين وسبعين ألف ساعة لمصالح اليهود سواء كانت مصالح مباشرة أو تتضمن مصالح اليهود، يعني: هذا السيل من الأفلام والمسلسلات والغزو، لا تظنوه حباً في ترفيهنا.
الذي ينام مبكراً يجد لذة النوم في الليل ويجد لذة الاستيقاظ في الفجر، ويشم أفضل هواء طلق في الصباح الباكر، لكن شأن هذه المسلسلات سهر إلى آخر الليل، وترك لصلاة الفجر، ويقوم متأخراً، هذه حياة كثير من الناس مع الأفلام والمسلسلات، وأنا أعرف شاباً ما تقدر تقول أنه ملتزم وهو بنفسه يحكم، ويقول: هذه أفلام ساقطة.
فإما أن ترى شيئاً يستحق لأنه يفيدك وينفعك وإلا فنم، وبالمناسبة أنا أدعو الشباب أن يتابعوا أفلام الجهاد الأفغاني، هذا الفيلم يصنع في قلبك حياة، فترى فيه وجهاً مشوهاً؟ والذي شوهه هم هؤلاء المجرمين الروس لأنهم قالوا لا إله إلا الله، طفلة جميلة صغيرة مقطوعة اليد، رجل منقطعة رجله، لغم، صاروخ، قنبلة، تعيش مآسي الأمة، تعيش حياة الجهاد، عندما تشرب ماء بارداً تتذكر هل هم يشربون مثلي أم لا، تأكل لقمة فتقول: هل هم يأكلونها كما آكل، تركب سيارة مريحة فتفكر كيف يركبون، وماذا وبأي طريقة ينتقلون، تعيش قضايا الأمة، تصبح همتك أعلى، وليس همك الدنيا، فبالمناسبة أقول: البديل الآن موجود، الأفلام كثيرة عن الجهاد في أفغانستان، وأفلام محاضرات وغيرها، وأيضاً لا أقول: أغلق التلفاز بالكلية أو على طريقة البعض يأتي بالفأس ويكسره، توجد برامج مفيدة في التلفاز بإمكانك أن تستفيد منها، المهم أن الشيء الذي تعرف أنه ساقط وغير نافع عليك تجنبه وتركه، الأفلام المصرية مع تقديري واحترامي لـ مصر هل هي تعالج مشاكلنا الخاصة؟ هل هي تبحث في مجتمعنا يا إخوان؟! هم مجتمع قائم مستقل له عاداته وتقاليده وطبيعته وأموره الخاصة، ونحن مجتمع مستقل مرتبط بحكومة وتشريع معين، إذاً لماذا أضيع وقتي هنا؟ استفد وتوجه لما ينفعك يا أخي الكريم.
стр. 1389
قول العصاة: الدين يسر
السؤال
فضيلة الشيخ! حفظك الله نحن إذا نصحنا الشباب الذين يسمعون إلى الملاهي ومنها الأغاني وما شابهها، فيقولون: لماذا تتعصبون في الدين وتتعقدون والدين يسر وليس بعسر، ما تعليق فضيلتكم على هذا الرد؟
الجواب
أنا أقول: هم صادقين في أن الدين يسر وليس عسراً، وهذا لا شك فيه، لكن يا إخواني! إذا دعوت أحداً إلى الله فاقبل منه من الخير ما تيسر، شاب لا يصلي، وثوبه مسبَل، وهو حليق، ويسمع أغاني، وعنده أسفار وسهرات، إذا وافق معك على الصلاة مع الجماعة فهذا خير عظيم وكثَّر الله خيره، فإنه لا يمكن أن يصلي الجميع، ويترك الملاهي والمعازف، ويرفع ثوبه ويوفر لحيته في يوم وليلة، فنقل الجبال أسهل من نقل الطباع، لا سيما الشباب تجد فيهم العناد والصلابة، فإذا جاء الشاب معك إلى المسجد وصلى وأصبح يحافظ على الصلاة فكثر الله خيره، وماذا بعد الصلاة؟ أشد الأمور تحريماً في الأمور الباقية ناقشه فيها قليلاً قليلا ً، وينبغي أن تعطيه فرصة، ربما هو بنفسه يعدل من ذاته، فابدأ بالأهم، ثم بعد ذلك هو سيلتفت إلى المهم ويتغير من ذات نفسه، أما أنك لا تقبل شاباً إلا إذا فعل هذه الأمور جميعاً فلا، ولماذا التحجر على الناس؟ نعم مطلوب منا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: ادخلوا في الإسلام جميعاً، لكن مقام الدعوة مقام فقه، ومقام عناية وترتيب أولويات، فابدأه بالصلاة مع الجماعة، ثم رويداً رويداً فيما يتعلق بما تبقى من المنكرات التي هو مرتكبها والرجل سيهتدي، المهم أعطه خفض الجناح ولين الجانب، ولا تحدثه من منطق الغرور، كثير من الشباب -نكررها ونقول:- إذا جاء يأمر أحداً يأمره بصيغة الآمر للمأمور، بصيغة السيد لعبده، بصيغة العلو إلى الدنو، فنقول: لا.
انزل معه إلى مستواه واجعله يحبك، قدم له هدية إذا كنت تريد أن يهديه الله، وكنت داعية بصدق، والنفوس لا تقبل إلا ممن تحب، لو كنت تبغض إنساناً فلن تقبل منه خيراً، بل بالعكس، فلو جاء بالخير فإنك سترده عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله، لكن إذا شعر منك بالمحبة فتهديه شريطاً ممتازاً، شريط فيديو مناسب طيب تهديه إياه، زجاجة عطر، قلم باركر، قطعة قماش، ومع هذا كله رسالة، فهنا ستفتح الطريق إلى قلبه، لكن تريد مباشرة أن تحقق ما أردت بدون أن تفتح الطريق إليه، فلن تستطيع أن تفعل شيئاً، لأن الناس عندهم استقلالية من هو فلان بن فلان، يأتي يأمرني ثم أنا أنقاد له؟! المسألة ليست سهلة، مراعاة مشاعر الناس وأوضاعهم ومنازلهم أمر مطلوب.
стр. 1390
ظاهرة الإعجاب بلاعبي الكرة العالميين
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ظهرت ظاهرة خطيرة منذ مدة، وهي الإعجاب بلاعبي الكرة العالميين المشهورين مثل مارادونا وأمثاله من الكفرة، والتي تتجاوز إلى تعليق صورهم، وتقديرهم التقدير الذي لا يليق بالمسلمين، نرجو منك التنبيه لذلك؟
الجواب
نقول والله يا إخوان:
لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمان
مايكل جاكسون هذا الذي أزعج العالم، فذهب الشباب بالمئات والآلاف للأسف في الإعجاب به وتشجيعه، آخر تصريح له يقول: لو أعلم أن العرب يسمعون الأغاني التي غنيتها ما غنيت، إنسان تأخذه على كتفك وتطبل له وتعلق صورته، ومع ذلك هو غير راضٍ بالاعتراف بك أساساً.
ولو اعترف بك ماذا حقق لك؟ فالمسلم عزيز، في نادي الهلال أذكر جرى سؤال: هل يجوز حمل المدرب بعد فوز المنتخب أو فوز الفريق إذا كان كافراً؟ أأحمل كافراً! أين الولاء والبراء؟ أين حب التوحيد وأهل التوحيد؟ رجل يكفر بالله أحمله على كتفي! شلت هذه الكتف إن حملت كافراً، لو كان المسلم في قلبه ولاء وبراء لما سأل عن هذا، لكن ذهبت قضية العقيدة أمام الغزو الفكري، فأصبح الإنسان يجري وراء البالون المنفوخ بالهواء (الكرة) وفي سبيل ذلك مستعد لأن يحمل كافراً ويقبل رأس كافر، هذا لا يجوز، فالرياضة كما قلنا حينما تعطيها قدرها ووزنها ستتعامل مع الرياضة والرياضيين بحدود، ونحن لا زلنا نرجو ونأمل أن تكون هذه البلاد بأنديتها إذا تميزت نموذجاً للرياضة في الدول الإسلامية، لا أن تكون كما هي الحال مجمع شباب وضياع وفراغ ولهو إلى آخر ذلك، وهذا التميز ملحوظ ولله الحمد، فإلى المزيد من هذا التميز مع بقاء الرياضة على أصولها، نحن لا نقول: اجعلوا الأندية مجالس وعظ وذكر وصياح وحلقات، لا، تبقى جميع الأنشطة كما هي ولا يمنع من هذا، ولكن بشكل لا يتعارض مع العبادات والصلوات والأحكام والأخلاق الإسلامية، فعند ذلك يوفق المسلم بين التزامه بدينه وبين ممارسة نشاطه ورغبته.
стр. 1391
حكم قول: الله لنا يا أخي
السؤال
حكم هذه العبارة عندما يرى واحد متكبراً، يقول: الله لنا يا أخي؟
الجواب
قصده بهذا أن الله لا ينسانا ولا يضيعنا ولا يتركنا، على آية حال من العبارات ما لا يقصد بها الإنسان معناها، وبعض العبارات ليس فيها محذور واضح، نعم لك الله يحفظك ويبقيك ويغنيك ويوفقك، والأمر فيه سعة إن شاء الله.
стр. 1392
السروال وقانون اللعبة
السؤال
ما هو الحل في لبس السروال القصير إذا كان قانون اللعبة يجبرك على لبسه جزاكم الله خيراً؟
الجواب
الأولى بالإنسان أن يخرج من هذا الإشكال سواءً بلبس الترنك أو اللباس الآخر، وأظن أن الذي يكون في موقع حساس وجيد في ناديه أو في منتخبه لن يفرط النادي فيه من أجل لبس سروال.
والشيء الثاني: أنه ينبغي علينا إذا كان هذا الشيء موجوداً أن نقنع الإدارة الموجودة، ثم إذا لعبنا بترنك أو لعبنا بما دون الركبة بقليل فما الذي يمنع منه؟ فمحاولة إثبات وغرس هذه الفكرة لدى إدارة الأندية هذا أمر ينبغي أن يقوم به شباب الأندية، وأنا أعرف ولله الحمد والمنة في نادي النصر وفي نادي الهلال والشباب والشعلة، وأندية كثيرة من اللاعبين الممتازين شباباً على مستوى الاستقامة والصلاح والالتزام، وكذلك على المستوى المشرف من حيث الأداء الرياضي ونقول لهم: اثبتوا مكانكم، بعض الشباب إذا فتح الله على قلبه، قال: مباراة اعتزال وسلام عليكم، فنقول: قد هداك الله فاثبت في فريقك واثبت في ناديك، وحقق الخير لنفسك وللآخرين.
стр. 1393
كلمة قصيرة عن الآخرة
السؤال
نرجو تذكيرنا بكلمة قصيرة عن الآخرة وجزاك الله خيراً؟
الجواب
في الحقيقة لعلي أحوجكم إلى التذكير والله، لكن لا بأس أن يداوي الطبيب وإن كان مريضاً.
إخواني! نحن أمام ثلاثة أمور: الرصيد، والخاتمة، والمستقبل، أما الرصيد فأعني به الحسنات والسيئات، فالمسلم لا يضيع عليه شيء، جلوسكم في هذا النادي مكتوب لكم عند الله جل وعلا، وسوف تفتح السجلات والصحف يوم القيامة وكلٌ سيرى أعماله، فمن قدم خيراً فسيجده مكتوباً، ومن قدم غير ذلك فسيجده مكتوباً ولا يضيع عند الله شيء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] اللمز والغمز، وإماطة الأذى عن الطريق، والبشاشة والمصافحة والكلمة الطيبة، وكل دقيق وجليل سوف تجده مكتوباً: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].
فيا إخوان! الرصيد دائن ومدين، له وعليه، فينبغي أن تجتهدوا في ملء الرصيد ما دام أن هناك حركة وقدرة على العبادة والدعوة وإمكانية التزام، لكن إذا وضع الإنسان في قبره: ﴿قَال رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
المسألة ليست بالأمر الهين، فالذي يهمه رصيده في الدنيا، فليفكر في رصيده في الآخرة، والذي يدخلك الجنة بعد رحمة الله هو العمل، فالميزان سوف يوضع لك، وتوزن الحسنات والسيئات، نعم الكثير منا يعمل حسنات كثيرة، لكن رجل عنده مليونان، والمطلوب منه ثلاثة ملايين، هذا لا شك أنه خاسر، فلا يغرك يا أخي! إذا صليت الفجر مع الجماعة، وكذلك الظهر والعصر والمغرب فكثر الله خيرك، لكن فلنقدر أن ذلك اليوم رصيدك من الحسنات كان ألف حسنة وجلست ذلك المجلس، فأخذتم فلان بن فلان، وأخذتم تغتابون عرضه، وهكذا غيبة وراء غيبه حتى استلم من حسناتكم خمسمائة حسنة، وقلتم: خذ يا فلان هذه حسناتنا مجاناً، فأنتم بفعلكم هذا توزعون الحسنات التي اكتسبتموها على الناس، بقي لكم خمسمائة حسنة مثلاً فقلتم: هاتوا لنا شريطاً وشغِّلوه وفيه صورة امرأة، ومقطع أغاني، ومعزف وذهبت ثلاثمائة حسنة وإلى آخره، ما باقي لك من عملك إلا مائتي حسنة، وفي المقابل قد يكون عندك سيئات تفوق هذا كله، إذاً مسألة الرصيد انتبهوا لها جيداً وحساب الادخار والتوفير مهم جداً، اسأل نفسك كم بلغ رصيدك في الحسنات والسيئات تلق الطوام والمصائب.
سأل النبي ﷺ : (ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! الذي لا دينار له ولا درهم، قال: لا، المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال وصلاة وصيام كالجبال، فيأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته؛ أخذ من سيئاتهم فطرح على سيئاته، ثم طرح في النار) ولا حول ولا قوة إلا بالله! فيا إخوان لا تقدموا على الله مفلسين، وحاسبوا أنفسكم، وقدموا لأنفسكم خيراً، ومن ثم ننتقل من قضية الرصيد إلى قضية الخاتمة: متى نموت؟ لا ندري، هل نضمن أن هؤلاء الموجودين كلهم يعيشون إلى الغد؟ ربما أن واحداً منهم يموت الليلة ونسأل الله طول العمر للجميع، لكن:
يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
ينبغي للإنسان أن يستعد، لو قيل لك: ملك الموت عند الباب، فهل أنت مستعد جاهز؟ فتقول: لا والله، هذه الحاجة الفلانية لم أتب منها، والوديعة الفلانية ما أرجعتها، والمظلمة الفلانية ما تحللت منها، والإنسان في الختام تبرز أمامه ذنوبه في الأفق، فليحرص الإنسان أن يقدم على الله خفيفاً من الذنوب، مثقلاً بالحسنات والأعمال الصالحة، فالخاتمة يا إخوان أمر ينبغي أن يشغلنا، وكفى بالموت واعظاً.
لماذا قست القلوب وماتت؟ يسهر الواحد من بعد المغرب إلى آخر الليل ما ذكر الله قط، ثم يأتي ويرمي نفسه كالجيفة مضيعاً لصلاة الفجر، ويقوم الصباح وفمه ذو رائحة نتنة، ويأتي وينظر إلى الناس بعيون جاحظة من السهر، ثم هو متأخر عن أعماله ووظيفته، ثم يعود إلى البيت بصياح أعدوا الطعام إلى آخره، ثم ينام إلى العصر ويستيقظ، هذه حال كثير من الناس المساكين؛ سهرات في الليل وتأخر عن العمل، وسوء علاقة مع أهله، إنها حياة مملة، حياة الموت أريح منها والله، لا يذكر الله أبداً، من حين يركب إلى حين ينزل وهو في موسيقى ودندنة ما هذه الحياة! أخي المسلم! أعط نفسك حظاً كاملاً من الراحة والنوم، يصلي الفجر: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل والنهار، ثم يجلس في مكانه يستغفر قليلاً، ثم يشم هواء الصباح الذي ما خبثته ذنوب بني آدم بعد، ثم ينطلق قوياً نشيطاً، ثم بعد ذلك يعود إلى بيته أنساً بأهله وأولاده ويفتح بابه لإخوانه، حياة الطاعة والاستقامة والالتزام بأمر الله ومجالسة الصالحين والأبرار؛ حياة كلها لذة.
قبل أيام يقول لي شاب في مسجد: والله كانت حياتنا أفلام سكس، وخلاعة وسهرات، وقلة أدب وسفرات، يقول: كنا نعيش عيشة نكد، يقول: ونحن نعطي كل ما تريده النفس، نعطيها سفرة لـ بانكوك أو كازبلانكا، نشرب ونشرب، نفعل ونفعل، شريط وشريط، كل ما تشتهيه النفس، يقول: والله ما وجدنا راحة، وأنظر إليه وأتأمل في وجهه، وإذا في وجهه نور، وهذه اللحية الموفرة، ثم ماذا يا أخي؟ قال: والله ما وجدت الراحة إلا في التوبة إلى الله ، ومجالسة الأبرار والصالحين، والالتزام بأمر الله، لقد اطمأننت اطمئناناً عجيباً حتى لو جاء الموت فأنا مستعد.
الأمر الآخر: أمر المستقبل: كثير من الشباب يهمه أمر المستقبل، أقول: يا أخي أطمئن نفسي وأطمئنك أن إذا كنت حريصاً على المستقبل فالزم طاعة الله، وفي الحديث: (من أصبح وهمه الدنيا، جعل الله فقره بين عينيه، ووكله إلى نفسه، وشتت الله عليه ضيعته، ومن أصبح وهمه الآخرة، تكفل الله برزقه، وأتته الدنيا راغمة، وجمع الله له ضيعته).
إذاً يا إخوان إذا كان يهمك مستقبلك خاصةً المستقبل المادي والمستقبل الوظيفي فالعمر بيد الله، إذا كتبت لك حياة، فالزم طاعة الله وسيأتيك من الخيرات: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] هات إيمان وتقوى وخذ حظوظاً من المال والنعم والخيرات من الله، بل قد يكون حظك من الدنيا ملايين، لكن أنت تفنيها وتذيبها بالمعاصي كما في الحديث: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) تصبح ذاك اليوم وقد كتب الله لك مكسباً خمسين ألفاً أو ستين ألفاً في صفقة ما خطرت على بالك، لكن تصبح على معصية -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فتحرم الرزق بالذنب، ثم بدلاً من أن تكون الخمسين الألف لك صارت لعبد من عباد الله الصالحين؛ لأنها كانت مقسومة لك، فدفعت ما قسم لك بمعصية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والله لا يزيد العباد إلا بالطاعة: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] فلا بد يا أخي أن تطمئن إلى أن أمر المستقبل بيد الله، فألح بسؤال الله دائماً:
من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
بقدر سؤالك وإلحاحك إلى الله؛ فالله يعطيك: (ما من عبد يسأل ربه مسألة إلا دفع عنه من البلاء بقدرها أو ادخرها له في الآخرة أو آتاه إياها) اسأل الله كل شيء، ارتبط بالله، تفتح لك خيرات الدنيا، وإذا التزمت بأمر الله وكتابه، فلك نعيم الآخرة.
أسأل الله أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يجعل اجتماعنا هذا مبروراً وذنبنا مغفوراً، وألا يجعل من بيننا شقياً ولا محروماً، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ .
стр. 1394
الشهود
لم يخلق الله الإنسان إلا لعبادته وحده لا شريك له، ولأجل ذلك استشهد عليهم سبعة من الشهود، وجعله نفسه سبحانه.
ثم الملائكة، والرسول ﷺ ، والنفس، والأعمال، والعباد، والأرض.
هذا ما وضحه الشيخ في هذه المادة، ولعل من طالعها راقب الله وأطاعه، فطالعها تتعظ وتتذكر.
стр. 1395
الشهود السبعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين: لا يخفاكم ولا يجهل أي واحد منكم أن الله ما خلقكم عبثا، ولن يترككم سدى، ومن أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشرائع، وآتاكم الأبصار والأسماع والأفئدة، ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
معاشر المؤمنين: إن كثيراً من المسلمين انطلقوا في هذه الدنيا غير ملتفتين للغاية التي من أجلها خلقوا، ولا مبالين لهذه الشريعة التي بها أمروا، فانطلقوا يتفننن في ألوان الملذات، والمعاصي والشهوات، متجاهلين أو جاهلين أن الله رقيب حسيب عليهم.
стр. 1396
شهادة الله على عباده
أيها الأحبة في الله: من استقرأ كتاب الله جل وعلا أدرك شيئاً على حسب فهمه وقدراته وإدراكه، أدرك علماً على حسب ما آتاه الله جل وعلا من الفهم، ومن ذلك يدرك أن هناك سبعة من الشهود على بني آدم، هناك شهود عليكم -يا معاشر المؤمنين! - وأعظم وأجل وأكبر شهادة هي شهادة الله جل وعلا على عباده، فهو الذي خلقهم من العدم، وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئاً، وهداهم إلى الإسلام، ووفقهم وآتاهم النعم التي لا تحصى، فالله شهيد على عباده، ومن أجل هذا جاءت الآيات كثيرة في كتاب الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ [النساء:٣٣] فالله شهيد على أعمالكم، وشهيد على كل صغير وكبير من الأعمال التي تفعلها جوارحكم، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:٩٨] مطلع على أعمالكم: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ:٣]، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، ويقول جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦] علم الله عمل العبد سابقاً لابتدائه واستئنافاً لفعله، علم الله لأعمالنا سابقاً لها، فهو عالم بأعمالنا وما نجترحه، وهو يعلم ما توسوس به نفوسنا، وما تحدث به قلوبنا قبل أن يصل الأمر إلى حركة الشفاه أو أفعال الجوارح، فهذه شهادة عظيمة جليلة من الله عليكم يا معاشر المؤمنين، فمن تيقن هذا وراقب الله وأدرك أن الله شاهد شهيد مطلع رقيب حسيب عليه لم يجترئ على معصية من المعاصي، ولم يجترئ على أن يقابل نعم الله بالجحود والكفران.
стр. 1397
شهادة الملائكة
أما الشاهد الثاني: فهم الملائكة -يا عباد الله! - إن الله جل وعلا جعل عليكم ملائكة حافظين، كراماً كاتبين، يكتبون كل أعمالكم وكل تصرفاتكم وحركاتكم، وسنجد هذا يوم العرض الأكبر على الله، يوم لا تخفى من العباد خافية، كل صغيرة وكبيرة مسطورة في الكتاب، كل دقيق وجليل مقيد في هذه الصحائف والسجلات: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، ويقول جل وعلا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] فالملائكة شهود عليكم يا عباد الله! يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١١]، ويقول جل وعلا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق:١٧ - ١٨] ليس الأمر عند حد الفعال، ليس الأمر عند حد الحركات والتصرفات، بل الأقوال محسوبة مكتوبة: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، ويقول جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام:٦١] فهل بعد علم عبد من عباد الله أن الله شهيد شاهد مطلع على أعماله، وأن الملائكة كاتبة للدقيق والجليل من أفعاله، يتجاهل أمر ربه؟! أم ينسى زواجر خالقه؟! أم يتغافل عما أوجب الله عليه؟! حاشا وكلا يا عباد الله، ولكن المعصية تأتي إلى العباد في حين غفلة عن مراقبة هؤلاء الشهود.
стр. 1398
شهادة الرسول ﷺ
معاشر المؤمنين: واعلموا أن رسولكم ﷺ شهيد عليكم، يقول الله جل وعلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١]، يقول ابن مسعود ﵁: قال لي الرسول ﷺ ذات يوم: (يا بن أم عبد! أو يا بن مسعود! اقرأ عليّ القرآن، قال: أأقرأه عليك وعليك أُنزل يا رسول الله؟! قال: اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري، فافتتح قول الله جل وعلا من أول سورة النساء: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)) [النساء:١] حتى وصل قول الله جل وعلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] فقال: حسبك، حسبك، فالتفت إليه ونظرت فإذا عيناه تذرفان) فإذا عيناه ﷺ تذرفان بالدموع من قوله جل وعلا: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١].
يقول النبي ﷺ وهو العالم بكلام ربه جل وعلا: (ليذادن أقوام عن حوضي يوم القيامة، فأقول: يا ربي! أمتي أمتي؟ فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) فاتقوا الله يا عباد الله، وتذكروا شهادة نبيكم ﷺ عليكم، يقول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] أنتم يا أمة محمد! جعلكم الله أمة وسطاً عدولاً لتكونوا شهداء على الناس، وعليكم شهيد من الله وملائكته وكتبه ورسله، ويكون الرسول عليكم شهيداً، ويقول الله جل وعلا: ﴿َيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ﴾ [النحل:٨٩] فهل بعد هذه الشهادة؛ شهادة الله على خلقه، وكتابه، والملائكة على أفعالهم، وشهادة الأنبياء على أممهم، هل بعد هذا يا عباد الله! نغرق في الذنوب والمعاصي؟! أو ننسى واقعنا وما نحن فيه من اللهو والغفلة عن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؟!!
стр. 1399
شهادة النفس
وإليكم شهيد رابع من أنفسكم يا عباد الله: تلكم هي شهادة أنفسكم على أنفسكم، شهادة جوارحكم على أنفسكم، إن أول شهادة منكم على أنفسكم: أنكم شهدتم وأقررتم بأن الله خلقكم، أنتم شهدتم بأن الله واحد خلقكم: ﴿وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] قد أخرجكم الله من أصلاب الرجال، أخرج الله ذرية آدم من أصلاب الرجال كأمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم بأن الله ربهم فشهدوا على أنفسهم، ومع ذلك فالله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] وفطرتكم ناطقة حية بتوحيد الله ، فأنتم شهود على أنفسكم، وجوارحكم شهود عليكم، يقول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، ويقول جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٢٠ - ٢١] كل مجرم، كل عاص، كل رجل يحاسب نفسه يوم القيامة إلا من نجاه الله وكتب له الفوز والسعادة، يقول لجوارحه: لم شهدت يا يدي عليَّ؟ لم شهدت يا سمعي عليَّ؟ لم شهدت يا لساني عليَّ؟ ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢١ - ٢٢] ومن ذا يستتر عن علم الله وملائكته والله لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ومن ذا الذي لا يستتر عن ملائكة الله وهم على يمينه وشماله لا يلفظ أو يفعل أو يكتب أو يقول إلا وهم شهود على فعله، فتنبهوا لهذه الشهادة من أنفسكم على أنفسكم يا عباد الله! وليحاسب كل واحد منا نفسه، وليتذكر أنه سيقف خصيماً لجلده، خصيماً لجارحته, خصيماً لسمعه، خصيماً لبصره، وقد نسي أن الله جل وعلا ينطق هذه الجوارح وينطق الجلود والأجسام فهي شهادة رابعة عليكم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1400
شهادة الأعمال
الحمد لله الواحد الصمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه والمثيل، والند والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى وتجنبوا سخط ربكم فإن أجسامكم على وهج النار لا تقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
معاشر المؤمنين: إن عليكم شهادة عظيمة من خالقكم، وملائكة ربكم، ومن أنفسكم، ومن الرسول الذي بعث في أمتكم، فاتقوا الله حق التقوى، وراقبوا أنفسكم في أفعالكم وأعمالكم وأقوالكم، واعلموا يا عباد الله! أن أعمالكم شاهدة عليكم، اعلموا أن العمل شاهد على صاحبه، وأن الأعمال هي من أعظم الشهادات على صاحبها، وشهادة العمل هي: شهادة المآل والمنقلب والنتيجة، فمن كان مآله ومنقلبه وخاتمة أمره إلى السعادة، والخلود في الجنة والرضوان والنعيم المقيم فعمله شاهد له بهذا، ونال فضل الله ونعيمه برحمة الله ثم بعمله، ومن كان من أهل الشقاوة والعذاب المقيم، والخلود في الجحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، فإن عمله شاهد عليه بحكم المنقلب والمآل بأفعاله وأعماله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] ما الذي جعل المجرمين في سقر؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٧].
إذاً يا عباد الله! أعمالهم سبب وشاهدة على مآلهم ومنقلبهم، فاتقوا الله في أعمالكم وأفعالكم.
стр. 1401
شهادة العباد
عباد الله: واعلموا أن عباد الله شهود عليكم أجمعين: (يقول النبي ﷺ وكان جالساً ذات يوم مع صحابته وقد مرت جنازة فأثنى الصحابة عليها خيراً فقال: وجبت، ثم مرت جنازة فأثنى الصحابة رضوان الله عليهم شراً، فقال: وجبت، قالوا: يا رسول الله! مرت الأولى فقلت: وجبت، ومرت الثانية فقلت: وجبت؟ قال: أما الأولى فأثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، وأما الثانية فذكرتم عنها شراً فوجبت لها النار، أنتم شهود الله في أرضه، أنتم شهود الله في أرضه، أنتم شهود الله في أرضه) أو كما قال ﷺ .
إذاً يا عباد الله! ففوزوا بشهادة إخوانكم المؤمنين، عليكم بالصلاح والاستقامة، وإن الناس ليشهدون في هذا الزمان وفي كل زمان ومكان لأهل الخير بالخير، ولأهل الفساد بالفساد، ولأهل الباطل بالباطل، ولأهل المعاصي بالمعاصي.
إذاً يا عباد الله! اغتنموا الأعمال الصالحة تنالوا رضا ربكم، وشهادة الملائكة عليكم، وكتابة الحسنات لكم، ومضاعفة الثواب والأجور لكم يوم القيامة، وشهادة النبي ﷺ لكم، وتفوزوا بأن تكونوا في زمرته يوم القيامة، وشهادة الأعمال لكم، وشهادة أنفسكم وجوارحكم لكم، وشهادة إخوانكم المسلمين أجمعين لكم.
стр. 1402
شهادة الأرض
واعلموا يا عباد الله! أن الأرض التي نمشي عليها هي والله أيضاً شاهدة بأعمالنا وأفعالنا، إن الأرض إذا زال الرجل الصالح منها بكت عليه وافتقدته، وإذا مشى الرجل المجرم فيها تمنت أن تنفتح فجاجها لتبتلعه إلى أسفل سافلين.
إذاً يا عباد الله! فكونوا من الذين تشهد لهم السماوات والأرضون بأفعالهم، يقول الله جل وعلا: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩] إذاً فالسماء تبكي والأرض تبكي؛ تبكي على فراق الصالحين المحسنين، على فراق الأتقياء المخبتين، على فراق الخاشعين الساجدين، أما المجرمون، أما الفاسقون، والظالمون، والمعاندون فإن السماء والأرض لا تبكي عليهم: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان:٢٩].
إذاً يا عباد الله! اغتنموا هذه الشهادة في الأعمال الصالحة، وراقبوا أنفسكم، فاليوم عمل ولا جزاء، وغداً جزاء ولا عمل، وحقيقة الأمر يا عباد الله! أن الناس يجزون على أعمالهم في الدنيا والآخرة، ولكن قد يؤخر الجزاء ليكون أغلظ وأشد عقوبة على صاحبه، اعلموا أن كل من حولكم يشهد لكم حتى الجمادات، حتى النباتات، إنها لتشهد للصالحين بالصلاح، ولتشهد على الفاسقين بالإجرام، يقول النبي ﷺ في الحديث: (إذا كنت في راعيتك أو في غنمك فحضرت الصلاة فارتفع صوتك بالأذان أو أذنت -أو كما قال ﷺ فإنه ما من شجر ولا حجر ولا مدر إلا شهد للمؤذن يوم القيامة) الأشجار نباتات، والأحجار والمدر جمادات، كلها تشهد لكم معاشر المؤمنين! فاغتنموا شهادة الشهود السبعة، واغتنموا أعظم وأجل وأكرم شهادة شهادة الله عليكم، والله شهيد عليكم: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:٩٨]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٩].
اللهم اجعلنا ممن شهدت لهم بالعمل الصالح، والسعادة والفوز والنجاة، اللهم اجعلنا ممن شهدت لهم ملائكتك وأنبياؤك ورسلك، والخلق أجمعون بالصلاح والسعادة والأعمال التي ترضيك يا رب العالمين.
اللهم لا تجعلنا من المشهود عليهم بالفسق والإجرام، والمعصية والعناد، والمكابرة والإصرار، اللهم وفقنا إلى أسباب مرضاتك، وجنبنا سبل سخطك.
اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، اللهم أعنا ولا تعن علينا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، اللهم ما سألناك فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الحي القيوم، اللهم إن كثرت ذنوبنا فإن فضلك أكثر وأعظم، وإن عظمت معاصينا فإن رحمتك أكبر وأعم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً، اللهم ومن أراد بولاة أمورنا فتنة، اللهم ومن أراد بعلمائنا مكيدة، اللهم ومن أراد بشبابنا وفتياتنا اختلاطاً في التعليم والوظائف اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وأسوأ من ذلك يا جبار السماوات والأرض! فإنهم لا يعجزونك.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم ارفع إمام المسلمين، اللهم اجمع شمله وأعوانه وإخوانه على كتابك وسنة نبيك، اللهم لا تفرح عليهم حاسداً، ولا تشمت بنا ولا بهم عدواً، وسخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً ومنّاً وغفراناً، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً فاجعل اللهم الرحمة على قبره، وأفسح له في قبره مد بصره، وافتح له أبواباً إلى النعيم والجنان، وآنس وحشته وغربته برحمتك يا أرحم الراحمين.
إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماَ، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم لك الحمد على ما أغثتنا به، اللهم اجعله صيباً نافعاً، وانفع به اللهم عموم المسلمين، اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا فلا غنى لنا عن فضلك ومنك ورحمتك يا رب العالمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1403
الصبر عند الابتلاء
إن هذه الدنيا قد جبلها الله وطبعها على الابتلاء، وعلى الفتن والكدر حتى لا يطمئن العباد إليها، فإذا نغصت صحتهم بسقم اشتاقوا إلى جنة لا أمراض فيها، وإذا كدر اجتماعهم بفراق اشتاقوا إلى جنة لا فراق فيها، وإذا تكدر عيشهم بخوف أو فزع اشتاقوا إلى دار لا وجل ولا فزع فيها، وهم فيها خالدون.
وفي هذه المادة تطلع على أنواع الابتلاءات ومرارتها في الدنيا، وحلاوة عاقبة الصابر المحتسب
стр. 1404
الدنيا دار البلاء
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا عباد الله: اتقوا الله وتوبوا إليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]
يا نفس توبي قبل ألا تستطيعي أن تتوبي
واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب
إن المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب
اتقوا الله حق تقاته قبل أن يخطفكم الأجل أو يفجعكم الوجل.
عباد الله: يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
معاشر المؤمنين: إن هذه الدنيا قد جبلها الله وخلقها وطبعها على البلايا، وعلى الفتن والكدر، حتى لا يطمئن العباد إليها، فإذا نغصت صحتهم بسقم اشتاقوا إلى جنةٍ لا أمراض فيها، وإذا كدر اجتماعهم بفراق اشتاقوا إلى جنةٍ لا فراق فيها، وإذا تكدر عيشهم بخوف أو فزع اشتاقوا إلى دارٍ لا وجل ولا فزع فيها، وإذا كدر عزهم بذل أو غناهم بفقر اشتاقوا إلى دارٍ لا يمسهم فيها نصب ولا هم فيها يحزنون.
أيها المؤمنون: إن من أراد السعادة الكاملة في الدنيا، طلب المستحيل بأصنافه وأنواعه، وكيف تراد السعادة من دارٍ جعلها الله سجن المؤمنين وجنة الكافرين؟ كما في الحديث الصحيح: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر).
مرَّ أحد السلف رضوان الله عليهم بيهودي حداد فاعترض اليهودي طريق ذاك العالم، فقال: نبيكم يقول: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) فكيف تكون الدنيا سجناً لك، وأنت على هذا الخيل وتلبس هذه الحلة والناس من حولك؟ وكيف تكون جنة لي وأنا حداد بين الكير والنفخ والنار؟! قال: نعم.
هي سجن لنا لأننا ينتظرنا من النعيم أضعاف أضعاف ما نحن فيه، وهي جنة لكم؛ لأن من مات كافراً ينتظره من الشقاء والعذاب أضعاف أضعاف ما هو فيه.
وبالجملة فليس في الدنيا نعيم لا ينقطع.
طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلبٌ في الماء جذوة نار
فاقضوا مآربكم عجالى إنما أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا أن تسترد فإنهن عوارِ
أيها الأحبة: قد جعل الله في هذه الدنيا ألواناً وأنواعاً من البلاء، وما من بلاء قل أو كثر صغر أو كبر إلا وهو بقضاء الله وقدره ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] فهذا مبتلى بزوجة نغصت عليه حياته، وهذا مبتلى بأولاد يعقونه، وهذا مبتلى بأقارب يصلهم فيقطعونه، ويبذل لهم فيحسدونه، ويعطيهم فلا يشكرونه، وذاك مبتلى بعلة في بدنه علة في الرأس أو في القلب أو في الجوف أو في الأطراف، أو في أي موضع من بدنه، وذاك مبتلى بعلة في ماله، ترددت تجارته بين كساد وخسارة أو جائحة وحريق، وآخر مبتلى بفقد الأبناء، كلما ولد له مولود وعاش أياماً ودب على الأرض يخطو، وعاش كأنما تمشي فراشة على وردة قلبه إذ به يموت بين عينيه، وآخر مبتلى بالحل والترحال والتشريد والطرد، وآخر وآخر وآخر كل هذه أنواع من البلاء ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ﴾ [البقرة:١٥٥] ولم يبتل العباد بالخوف كله، أو بالجوع كله، أو بنقص المال كله، أو بنقص الأنفس كلها، أو بنقص الثمرات كلها؛ لأن العباد لا يطيقون البلاء كله، وإنما يبتلون بشيء ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ [الزمر:٨] لو نزل الضر كله، لهلك العبد ولم يطق، ولكن يناله شيء، يناله مس يسير من هذا.
стр. 1405
أنواع البلايا وأعظمها
هي حكمة بالغة فما تغن النذر هي حكمة بالغة؛ لأن الله جل وعلا حكيم عليم، يُبتلى العباد بهذا وبأشكاله وأضربه وأنواعه، وكل هذا يهون إلا أن تكون البلية في الدين.
إذا كانت بلية المرء في دينه ومعتقده، وإذا كانت بلية المرء في إقباله على الله وفي صلاته وعبادته فذاك الخطر كل الخطر، والمصيبة كل المصيبة؛ لأن المصائب بأنواعها ربما تهون إلا مصيبة الدين.
وكل كسرٍ فإن الله يجبره وما لكسر قناة الدين جبران
من كل شيء إذا ضيعته عوضٌ وما من الله إن ضيعته عوض
أيها الأحبة: إذا تقرر هذا فلنعلم أن الدنيا بلاء بأنواعها.
إنما الدنيا بلاء ليس للدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت
كل من فيها لعمري عن قريب سيموت
إن ما يكفيك فيها أيها الراغب قوت
فقد يكون الابتلاء حتى بظاهر ما يسر العبد به من زيادة النعم، وقد يكون استدراجاً ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم:١٧] ابتلوا بنعمة ونعيم، وقد يكون الابتلاء باليسر والعسر، والمنشط والمكره، والحبيب والبغيض، قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٦٨] وقد يبتلون بما يؤمرون به فهل يعملونه ويقيمونه ويبتلون بما ينهون عنه؟ هل يرعوون وينزجرون عن فعله؟ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] قال ابن كثير في التفسير: "أي لنختبرنكم بالأوامر والنواهي".
أيها الأحبة: إن العبد يبتلى يوم أن يسمع "حي على الصلاة" "حي على الفلاح" فيسقط كثير من الناس في معركة الفراش والوسادة أمام داعي التوحيد، ويبتلى العبد أمام دريهمات من المال فترمي به نفسه في أحضان الحرام، ويستعجل أرزاقاً كانت قد كتبت له بالحلال، يستعجلها بالحرام، ويبتلى العبد في أحوال كثيرة بصورة أو فلم أو ملهاة أو عزف أو طرب، فربما فشل في هذا الامتحان اليسير.
إن العباد يبتلون بالأوامر والنواهي ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] من هو أحسنكم في فعل الواجب والقيام به؟ ومن هو أصبركم على ترك المعصية؟ ومن هو أقدركم على تركها والتجافي والبعد عنها؟ إن العبد يبتلى في كل شيء، في كل أمر بطاعة يبتلى، وفي كل زجر عن معصية يبتلى.
следующие страницы →