← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

شهادة العباد عباد الله: واعلموا أن عباد الله شهود عليكم أجمعين: (يقول النبي ﷺ وكان جالساً ذات يوم مع صحابته وقد مرت جنازة فأثنى الصحابة عليها خيراً فقال: وجبت، ثم مرت جنازة فأثنى الصحابة رضوان الله عليهم شراً، فقال: وجبت، قالوا: يا رسول الله! مرت الأولى فقلت: وجبت، ومرت الثانية فقلت: وجبت؟ قال: أما الأولى فأثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، وأما الثانية فذكرتم عنها شراً فوجبت لها النار، أنتم شهود الله في أرضه، أنتم شهود الله في أرضه، أنتم شهود الله في أرضه) أو كما قال ﷺ . إذاً يا عباد الله! ففوزوا بشهادة إخوانكم المؤمنين، عليكم بالصلاح والاستقامة، وإن الناس ليشهدون في هذا الزمان وفي كل زمان ومكان لأهل الخير بالخير، ولأهل الفساد بالفساد، ولأهل الباطل بالباطل، ولأهل المعاصي بالمعاصي. إذاً يا عباد الله! اغتنموا الأعمال الصالحة تنالوا رضا ربكم، وشهادة الملائكة عليكم، وكتابة الحسنات لكم، ومضاعفة الثواب والأجور لكم يوم القيامة، وشهادة النبي ﷺ لكم، وتفوزوا بأن تكونوا في زمرته يوم القيامة، وشهادة الأعمال لكم، وشهادة أنفسكم وجوارحكم لكم، وشهادة إخوانكم المسلمين أجمعين لكم.

стр. 1402

شهادة الأرض واعلموا يا عباد الله! أن الأرض التي نمشي عليها هي والله أيضاً شاهدة بأعمالنا وأفعالنا، إن الأرض إذا زال الرجل الصالح منها بكت عليه وافتقدته، وإذا مشى الرجل المجرم فيها تمنت أن تنفتح فجاجها لتبتلعه إلى أسفل سافلين. إذاً يا عباد الله! فكونوا من الذين تشهد لهم السماوات والأرضون بأفعالهم، يقول الله جل وعلا: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩] إذاً فالسماء تبكي والأرض تبكي؛ تبكي على فراق الصالحين المحسنين، على فراق الأتقياء المخبتين، على فراق الخاشعين الساجدين، أما المجرمون، أما الفاسقون، والظالمون، والمعاندون فإن السماء والأرض لا تبكي عليهم: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان:٢٩]. إذاً يا عباد الله! اغتنموا هذه الشهادة في الأعمال الصالحة، وراقبوا أنفسكم، فاليوم عمل ولا جزاء، وغداً جزاء ولا عمل، وحقيقة الأمر يا عباد الله! أن الناس يجزون على أعمالهم في الدنيا والآخرة، ولكن قد يؤخر الجزاء ليكون أغلظ وأشد عقوبة على صاحبه، اعلموا أن كل من حولكم يشهد لكم حتى الجمادات، حتى النباتات، إنها لتشهد للصالحين بالصلاح، ولتشهد على الفاسقين بالإجرام، يقول النبي ﷺ في الحديث: (إذا كنت في راعيتك أو في غنمك فحضرت الصلاة فارتفع صوتك بالأذان أو أذنت -أو كما قال ﷺ فإنه ما من شجر ولا حجر ولا مدر إلا شهد للمؤذن يوم القيامة) الأشجار نباتات، والأحجار والمدر جمادات، كلها تشهد لكم معاشر المؤمنين! فاغتنموا شهادة الشهود السبعة، واغتنموا أعظم وأجل وأكرم شهادة شهادة الله عليكم، والله شهيد عليكم: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:٩٨]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٩]. اللهم اجعلنا ممن شهدت لهم بالعمل الصالح، والسعادة والفوز والنجاة، اللهم اجعلنا ممن شهدت لهم ملائكتك وأنبياؤك ورسلك، والخلق أجمعون بالصلاح والسعادة والأعمال التي ترضيك يا رب العالمين. اللهم لا تجعلنا من المشهود عليهم بالفسق والإجرام، والمعصية والعناد، والمكابرة والإصرار، اللهم وفقنا إلى أسباب مرضاتك، وجنبنا سبل سخطك. اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، اللهم أعنا ولا تعن علينا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، اللهم ما سألناك فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الحي القيوم، اللهم إن كثرت ذنوبنا فإن فضلك أكثر وأعظم، وإن عظمت معاصينا فإن رحمتك أكبر وأعم. اللهم أعز الإسلام والمسلمين ودمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً، اللهم ومن أراد بولاة أمورنا فتنة، اللهم ومن أراد بعلمائنا مكيدة، اللهم ومن أراد بشبابنا وفتياتنا اختلاطاً في التعليم والوظائف اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وأسوأ من ذلك يا جبار السماوات والأرض! فإنهم لا يعجزونك. اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم ارفع إمام المسلمين، اللهم اجمع شمله وأعوانه وإخوانه على كتابك وسنة نبيك، اللهم لا تفرح عليهم حاسداً، ولا تشمت بنا ولا بهم عدواً، وسخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً ومنّاً وغفراناً، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً فاجعل اللهم الرحمة على قبره، وأفسح له في قبره مد بصره، وافتح له أبواباً إلى النعيم والجنان، وآنس وحشته وغربته برحمتك يا أرحم الراحمين. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماَ، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك! اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم لك الحمد على ما أغثتنا به، اللهم اجعله صيباً نافعاً، وانفع به اللهم عموم المسلمين، اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا فلا غنى لنا عن فضلك ومنك ورحمتك يا رب العالمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1403

الصبر عند الابتلاء إن هذه الدنيا قد جبلها الله وطبعها على الابتلاء، وعلى الفتن والكدر حتى لا يطمئن العباد إليها، فإذا نغصت صحتهم بسقم اشتاقوا إلى جنة لا أمراض فيها، وإذا كدر اجتماعهم بفراق اشتاقوا إلى جنة لا فراق فيها، وإذا تكدر عيشهم بخوف أو فزع اشتاقوا إلى دار لا وجل ولا فزع فيها، وهم فيها خالدون. وفي هذه المادة تطلع على أنواع الابتلاءات ومرارتها في الدنيا، وحلاوة عاقبة الصابر المحتسب

стр. 1404

الدنيا دار البلاء إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد فيا عباد الله: اتقوا الله وتوبوا إليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] يا نفس توبي قبل ألا تستطيعي أن تتوبي واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب إن المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب اتقوا الله حق تقاته قبل أن يخطفكم الأجل أو يفجعكم الوجل. عباد الله: يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. معاشر المؤمنين: إن هذه الدنيا قد جبلها الله وخلقها وطبعها على البلايا، وعلى الفتن والكدر، حتى لا يطمئن العباد إليها، فإذا نغصت صحتهم بسقم اشتاقوا إلى جنةٍ لا أمراض فيها، وإذا كدر اجتماعهم بفراق اشتاقوا إلى جنةٍ لا فراق فيها، وإذا تكدر عيشهم بخوف أو فزع اشتاقوا إلى دارٍ لا وجل ولا فزع فيها، وإذا كدر عزهم بذل أو غناهم بفقر اشتاقوا إلى دارٍ لا يمسهم فيها نصب ولا هم فيها يحزنون. أيها المؤمنون: إن من أراد السعادة الكاملة في الدنيا، طلب المستحيل بأصنافه وأنواعه، وكيف تراد السعادة من دارٍ جعلها الله سجن المؤمنين وجنة الكافرين؟ كما في الحديث الصحيح: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر). مرَّ أحد السلف رضوان الله عليهم بيهودي حداد فاعترض اليهودي طريق ذاك العالم، فقال: نبيكم يقول: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) فكيف تكون الدنيا سجناً لك، وأنت على هذا الخيل وتلبس هذه الحلة والناس من حولك؟ وكيف تكون جنة لي وأنا حداد بين الكير والنفخ والنار؟! قال: نعم. هي سجن لنا لأننا ينتظرنا من النعيم أضعاف أضعاف ما نحن فيه، وهي جنة لكم؛ لأن من مات كافراً ينتظره من الشقاء والعذاب أضعاف أضعاف ما هو فيه. وبالجملة فليس في الدنيا نعيم لا ينقطع. طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلبٌ في الماء جذوة نار فاقضوا مآربكم عجالى إنما أعماركم سفر من الأسفار وتراكضوا خيل الشباب وبادروا أن تسترد فإنهن عوارِ أيها الأحبة: قد جعل الله في هذه الدنيا ألواناً وأنواعاً من البلاء، وما من بلاء قل أو كثر صغر أو كبر إلا وهو بقضاء الله وقدره ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] فهذا مبتلى بزوجة نغصت عليه حياته، وهذا مبتلى بأولاد يعقونه، وهذا مبتلى بأقارب يصلهم فيقطعونه، ويبذل لهم فيحسدونه، ويعطيهم فلا يشكرونه، وذاك مبتلى بعلة في بدنه علة في الرأس أو في القلب أو في الجوف أو في الأطراف، أو في أي موضع من بدنه، وذاك مبتلى بعلة في ماله، ترددت تجارته بين كساد وخسارة أو جائحة وحريق، وآخر مبتلى بفقد الأبناء، كلما ولد له مولود وعاش أياماً ودب على الأرض يخطو، وعاش كأنما تمشي فراشة على وردة قلبه إذ به يموت بين عينيه، وآخر مبتلى بالحل والترحال والتشريد والطرد، وآخر وآخر وآخر كل هذه أنواع من البلاء ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ﴾ [البقرة:١٥٥] ولم يبتل العباد بالخوف كله، أو بالجوع كله، أو بنقص المال كله، أو بنقص الأنفس كلها، أو بنقص الثمرات كلها؛ لأن العباد لا يطيقون البلاء كله، وإنما يبتلون بشيء ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ [الزمر:٨] لو نزل الضر كله، لهلك العبد ولم يطق، ولكن يناله شيء، يناله مس يسير من هذا.

стр. 1405

أنواع البلايا وأعظمها هي حكمة بالغة فما تغن النذر هي حكمة بالغة؛ لأن الله جل وعلا حكيم عليم، يُبتلى العباد بهذا وبأشكاله وأضربه وأنواعه، وكل هذا يهون إلا أن تكون البلية في الدين. إذا كانت بلية المرء في دينه ومعتقده، وإذا كانت بلية المرء في إقباله على الله وفي صلاته وعبادته فذاك الخطر كل الخطر، والمصيبة كل المصيبة؛ لأن المصائب بأنواعها ربما تهون إلا مصيبة الدين. وكل كسرٍ فإن الله يجبره وما لكسر قناة الدين جبران من كل شيء إذا ضيعته عوضٌ وما من الله إن ضيعته عوض أيها الأحبة: إذا تقرر هذا فلنعلم أن الدنيا بلاء بأنواعها. إنما الدنيا بلاء ليس للدنيا ثبوت إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت كل من فيها لعمري عن قريب سيموت إن ما يكفيك فيها أيها الراغب قوت فقد يكون الابتلاء حتى بظاهر ما يسر العبد به من زيادة النعم، وقد يكون استدراجاً ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم:١٧] ابتلوا بنعمة ونعيم، وقد يكون الابتلاء باليسر والعسر، والمنشط والمكره، والحبيب والبغيض، قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٦٨] وقد يبتلون بما يؤمرون به فهل يعملونه ويقيمونه ويبتلون بما ينهون عنه؟ هل يرعوون وينزجرون عن فعله؟ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] قال ابن كثير في التفسير: "أي لنختبرنكم بالأوامر والنواهي". أيها الأحبة: إن العبد يبتلى يوم أن يسمع "حي على الصلاة" "حي على الفلاح" فيسقط كثير من الناس في معركة الفراش والوسادة أمام داعي التوحيد، ويبتلى العبد أمام دريهمات من المال فترمي به نفسه في أحضان الحرام، ويستعجل أرزاقاً كانت قد كتبت له بالحلال، يستعجلها بالحرام، ويبتلى العبد في أحوال كثيرة بصورة أو فلم أو ملهاة أو عزف أو طرب، فربما فشل في هذا الامتحان اليسير. إن العباد يبتلون بالأوامر والنواهي ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] من هو أحسنكم في فعل الواجب والقيام به؟ ومن هو أصبركم على ترك المعصية؟ ومن هو أقدركم على تركها والتجافي والبعد عنها؟ إن العبد يبتلى في كل شيء، في كل أمر بطاعة يبتلى، وفي كل زجر عن معصية يبتلى.

стр. 1406

الابتلاء يكون على قدر الإيمان ابتلاؤنا على قدر إيماننا، وكان الأوائل يبتلون بأنواع البلاء كالجبال لصلابة دينهم، وقدم سابقتهم، وثبوت خطاهم في الدين، كلما كان الرجل صلباً في دينه كانت درجة الابتلاء والامتحان عليه أعظم، فابتلاء كثير منا بصوت أو صورة أو حالة أو موقف يسير يسير جداً، فسرعان ما ينهزم، هذا يبتلى بأولاده يصارعونه: نريد طبقاً يستقبل البث، نريد ما يسمى بالدش، نريد ونريد ونريد فيسقط أمامهم، ويهزم في معركتهم فيقدم لهم ما يشتهون في معصية الله. وذاك يبتلى من أماني وأهواء أهله -زوجه- فيقرهم على ما يسخط الله، وذاك يبتلى بقليل وكثير وصغير وكبير ومع ذلك لا يصمد أمام الابتلاء إلا يسيراً أو قليلاً، ثم يكون كجبل من الشمع أو جبل من الثلج يذوب عند أدنى حرارة من الابتلاء. وكان الأوائل يبتلون بالأمور العظيمة والكبيرة. وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام ابتلي الشيخ/ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب المحدث العالم الأصولي الفقيه النحرير البارع المعروف، حفيد إمام الدعوة، وليس أول من ابتلي وإنما نضرب الأمثلة من التاريخ القريب حتى لا يقول أحد: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:١٣٤] فيستدل خطأً بهذه الآية على أن أخلاق الأوائل تنعدم في الأواخر. ابتلي أمام الأتراك -أمام العثمانيين- قالوا له: أنت تكفر من يدعو الأضرحة أو يستغيث بالقبر أو يتوسل بهذا القبر ليدفع بصاحبه بلاءً حل أو يرجو به نعمة فقدت؟ قال: نعم. من دعا غير الله كفر، ومن طلب النصرة من غير الله كفر، ومن توكل على غير الله في نصرة كفر، فما كان منهم إلا أن امتحنوه فأوثقوه وما رجع، وعذبوه وما رجع، ثم وضعوه في فوهة المنجنيق وأطلقوا قذائف المنجنيق حتى تطاير لحمه وعظمه وأشلاؤه ودماؤه وهو يموت من أجل لا إله إلا الله، من أجل كلمة التوحيد، ابتلاء على قدر جبال الإيمان. ثم ابتلي أبوه مرة أخرى، فجاء الباشا، وقال: يا شيخ! قتلنا ولدك، فقال الشيخ/ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: لو لم تقتلوه لمات في ساعته في مكانه، فثبت أمام هذا النوع العظيم من الابتلاء بفقد الولد الصالح العالم. وآخرون يبتلون بأمور عظيمة، يبتلون فيصبرون، ويمتحنون فيثبتون، بل إن بعضهم قدم نفسه حتى يرفع شيئاً من البلاء عن الناس، من يقرأ التاريخ يعلم أن الدولة السعودية الأولى قام زعيمها وإمامها لما حاصره الأتراك وضربوه ضرباً شديداً في الدرعية، ولم يبق معه من القوة على القدرة بالمقاومة شيئاً يستطيعه، خرج إليهم فقال: ما تريدون؟ قالوا: نريدك أنت، قال: نعم. أسلمكم نفسي بشرط: ألا تغتصبوا امرأة من أهل الدرعية، وألا تعترضوا لشرفها أو عفتها، وألا تنتهكوا الناس في دورهم، وألا تأخذوا من قوتهم وأرزاقهم، فلما قبلوا العرض سلم نفسه صابراً على هذا الابتلاء، فذهب به إلى مصر ثم إلى الأستانة فقتل هناك ﵀. ابتلاء عظيم يقدم فيه الرجال، يرون الموت ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣] يقدمون على الموت طائعين مختارين راضين غير مكرهين. خرجنا إلى الموت شم الأنوف كما تخرج الأسد من غابها نمر على شفرات السيوف ونأت المنية من بابها ونعلم أن القضا واقع وأن الأمور بأسبابها ستعلم أمتنا أننا ركبنا الخطوب حناناً بها فإن نلق حتفاً فيا حبذا المنايا تجيء لخطابها وكم حيةٍ تنطوي حولنا فننسل من بين أنيابها أيها الأحبة: يبتلى أهل القلوب الكبيرة والعقول الكبيرة بدرجة إيمانهم، وكلما كان الرجل صامداً صلباً في دينه كان بلاؤه أعظم، وعلى كل حال فالابتلاء لكل العباد، لا تغبطنَّ ملكاً في ملكه، ولا أميراً في إمارته، ولا وزيراً في وزارته، ولا رئيساً في رئاسته، ولا غنياً في غناه، ولا ذا ولد فيما أوتي، ولا بعيد أو قريب في حال، فإن جميع العباد في كدر ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]. من ذا الذي قد نال راحة عمره فيما مضى من عسره أو يسره يلقى الغني لحفظه ما قد حوى أضعاف ما يلقى الفقير لفقره وأبو العيال أبو الهموم وحسرة الرجل العقيم كمينةٌ في صدره ولقد حسست الطير في أوكارها فرأيت منها ما يصاد بوكره أو ما ترى الملك العظيم بجنده رهن الهموم على جلالة قدره فتراه يمشي والهاً في نفسه همٌ تضيق به جوانب صدره ولرب طالب راحةٍ في نومه جاءته أحلام فهام بأمره والوحش يأتي حتفه في بره والحوت يأتي موته في بحره كيف التخلص يا أخي مما نرى صبراً على حلو القضاء ومره فالواقع أن الناس جميعاً في بلاء، فمستقل ومستكثر ولو رأيت ذا نعمة، فهو في بلاء. قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم أيها الأحبة في الله: إن واقع المؤمنين يعلمون أن الله لم يقدر قدراً وإن كان في ظاهره مصيبة إلا وهذا القدر مشتمل على تمام العدل؛ لأن الله لا يظلم، ومشتمل على تمام الحكمة؛ لأن الله لا يقدر عبثاً، ومشتمل على تمام الرحمة؛ لأن رحمة الله وسعت كل شيء؛ ولأن رحمته سبقت غضبه، ففي كل حال ليس في الدنيا لذة إلا وهي مشوبة بالكدر، فما تظنه في الدنيا شراب فهو سراب، وعمارة الدنيا وإن حسنت صورتها خراب، وما جمعت فيها فهو للذهاب، ومن خاض الغمر -الغمر هو: الماء الكثير- لم يخل من بلل، ومن دخل بين الصفين لم يخل من وجل، فالعجب كل العجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع؟! وأعجب منه من يطلب من المطبوع على الضر النفع!

стр. 1407

مرارة الدنيا حلاوة في الآخرة لمن رضي واحتسب مرارة الدنيا على ما ينال العبد فيها إذا صبر واحتسب ورضي، فهي حلاوة في الآخرة، وليعلم المسلم أن مرارة الدنيا بعينها قد تكون حلاوة في الآخرة، ولأن ينتقل المرء من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة فذاك خير ولا شك؛ دل على ذلك حديث المصطفى ﷺ حيث قال: (يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا بن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال: يا بن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس ولا رأيت شيئاً قط). إذاً: فما ينال العبد في هذه الدنيا من مرارة المصائب هو بإذن الله معوضٌ في الآخرة بخير عوض إن كان من الصابرين المحتسبين. ثم إن العباد مساكين يطغون عند الغنى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] فلو مرت حياته من غير منغصات لأصابه من الكبر والعجب وقسوة القلب ما قد يكون سبباً لهلاكه، ولكن الله يبتليه إذا رأى منه بعداً لكي يرجع، وإذا رأى منه ذنباً كي يستغفر، وإذا رأى منه ضلالاً كي يئوب ويتوب، ولكي يسمع تضرعه وأنينه وشكواه ولجوءه إلى ربه ومولاه، فسبحان من جعل الرحمة في كل شيء حتى في المصيبة والبلاء، فمقام المحنة تتفاوت عقول الناس فيه، فمنهم من يرى بثاقب البصر والبصيرة، وبصادق العقل واللب يرى أن في المحنة منحة، ويرى أن في البلاء هدية فيصبر ويحتسب؛ وحينئذٍ يتفاوت الرجال في عقولهم وتقديرهم لما يمر بهم، تتفاوت حقائق الرجال، فمنهم من لا يصبر ويؤثر حلاوة فانية على لذة باقية، يؤثر حلاوة منقطعة على لذة دائمة، ولكن منهم من يتلذذ بشيء من المر أو من الصبر على المصيبة حتى يلقى الله موفور الأجر قد أجزل له الثواب. قال ابن الجوزي ﵀: رأيت جمهور الناس إذا طرقهم المرض أو غيره من المصائب اشتغلوا تارة بالجزع، وتارة بالشكوى، وتارة بالتداوي، إلى أن يشتد عليهم فيشغلهم اشتداد المصيبة عن الالتفات إلى المصالح الواجبة من الوصية قبل حلول الموت، أو فعل الخير أو التأهب فكم ممن له ذنوب لا يتوب منها! وكم ممن عنده ودائع لا يردها! وكم ممن عليه دين أو حلت زكاة في ذمته أو في ذمته مظلمة لا يخطر له دفعها وبذلها وتداركها. قال بعض السلف: رأيت جمهور الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجاً يزيد على الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت، وهل ينتظر الصحيح إلا السقم؟ وهل ينتظر الكبير إلا الهرم؟ وهل ينتظر للموجود سوى العدم؟ على ذا مضى الناس اجتماعٌ وفرقةٌ وميتٌ ومولودٌ وبشرٌ وأحزان ولكن حقيقة الأمر تنكشف يوم ينكشف الغطاء، فإذا وقف الناس يوم القيامة كما قال ﷺ في الحديث الذي يرويه الترمذي بسند حسن عن جابر ﵁ قال: (يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب يودون لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض) مما يرون من كرامة الله لأهل الابتلاء، فمن كان مبتلى، فليحمد الله، وليرجع الأمر إلى الله مردداً ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]. قال بعض السلف: ثلاثة تمتحن بها عقول الرجال: كثرة المال، والمصيبة، والولاية. وقال عوف بن عبد الله: الخير الذي لا شر معه: الشكر مع العافية، والصبر مع المصيبة. وقال شريح: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات وأشكره إذ لم تكن أعظم مما هي، وأن رزقني الصبر عليها، ووفقني إلى الاسترجاع عندها، ولم يجعل مصيبتي في ديني. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1408

ثواب وفضل الصبر على البلاء الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة؛ وكل بدعة في الدين ضلالة؛ وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: نداء نوجهه إلى كل سقيم على فراش السقم، وإلى كل مريض على مرقد المرض، وإلى كل مبتلى ببلية في بدنه أو في غير ذلك، نقول له: اسمع ما بشرت به وما ينتظرك من الفضل والثواب إن كنت صابراً محتسباً! فأول ذلك: أن البلاء قد يكون من دلائل صلابة العبد في دينه، وأن الله ربما أحبه فابتلاه في الدنيا لتكفر ذنوبه وخطاياه فيقدم على ربه طاهراً مطهراً، فعن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) رواه البخاري. فلا تجزع يوم أن ترى قريباً من أقاربك أو ذوي رحمك أو عصبتك أو من جيرانك أو المسلمين مريضاً وإن طالت به أشهر المرض وسنينه، فإن الله جل وعلا يكفر من ذنوبه بكل لحظة يرقد فيها على علته وسقمه. وعن فاطمة ﵂ قالت: (أتينا رسول الله ﷺ نعوده في نسائه، فإذا سقاء- يعني: قربة- معلق نحوه ﷺ ، يقطر ماء السقاء على النبي ﷺ من شدة ما يجد من حرِّ الحمى، قلنا: يا رسول الله! لو دعوت الله لشفاك؟ قال ﷺ : إن من أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) رواه الإمام أحمد بسند صحيح. وتقول عائشة ﵂: [كان ﷺ رجلاً مسقاماً] أي: كثيراً ما يطرقه السقم وكثيراً ما ينزل به المرض، وربما وصف له الدواء فتداوى. ثم إن هذه المصائب هي بقدر الله وقدر الله خير، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي يذكره عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: (بينا رسول الله ﷺ قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألونني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! وممَّ تضحك؟ قال: أضحك عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) رواه الإمام أحمد. والمرض يكفر الذنوب كما في حديث أم العلاء يوم أن كانت مريضة فزارها النبي ﷺ ، فقال: (يا أم العلاء! أبشري فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة) رواه أبو داود بسند صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته) رواه مسلم والوصب: هو المرض، والنصب: التعب، والهم: من أمر المستقبل، والحزن: على أمرٍ قد مضى. سبحان الله! حتى الهموم التي تحل بذهن العبد وخاطره يكفر الله بها من ذنوبه وسيئاته، لك الحمد يا ربنا على هذا الدين العظيم الذي ما ترك لنا شيئاً في سراء أو ضراء إلا وفتح فيه باباً إلى الرضا والمثوبة والجنة، حتى الهم لو اشتغلت بأمر سكنى أولادك أو نفقة زوجتك أو أهمك أمر بناتك، أو أهمك أمر من الأمور الدنيوية المباحة، فإن هذا الهم تكون مأجوراً عليه، فما بالك بمن أهمه حال المسلمين في البوسنة، أو حال المسلمين في كشمير، أو حالهم في الفليبين، أو حالهم في فلسطين، أو حالهم في أي بقعة من البقاع؟ الهم لمصلحة الشخص فيه تكفير للسيئات، فما بالك بالهم الذي هو لأجل الدين وأبناء الدين؟ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تنزل المعونة من السماء على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة) رواه البزار والحديث صحيح، والمئونة: القوت، ومن نعم الله أن الله يوطئ للمصيبة في قلب العبد شيئاً من الرضا وشيئاً من الاحتساب وشيئاً من الصبر، حتى إذا نزلت المصيبة، نزلت هينة على العبد، فلا يفوته حظه فيها من الاسترجاع والفوز والأجر العظيم عند صبره عليها لكي يصبر في أول وهلة تطرقه المصيبة (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

стр. 1409

الحذر من التسخط والسخرية ليحذر المسلم كل الحذر أن يتكلم عند المصيبة بشيء يحبط به أجره أو يسخط به ربه مما يشبه التظلم والشكوى والجزع، فإن الله عدل لا يجور، وأفعاله كلها حكمة وعلى مقتضى المصالح ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] وهو الفعال لما يريد، فالحذر الحذر أن تأتي وساوس الشيطان على العبد، فربما تذكر أحوالاً، أو سخط بكلام، أو جزع بدعاء لا يليق، ثم يكون حاله كحال من كره لقاء ربه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء ربه كره الله لقاءه، فالواجب على العبد ألا يقول عند المصيبة إلا ما يرضي ربه، وربما كان سخطه هذا سبباً إلى جزع أبنائه وبناته وذويه من حوله، فيقولون ما لا يليق، والملائكة تؤمن على حاله، وتؤمن على حال من حوله ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإن من الأسباب التي يدفع بها البلاء أن يحرص العبد إذا رأى مبتلى أن يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً. فمن قالها لم يصبه ذلك البلاء كما في الحديث الحسن عند الترمذي. وإن من آداب قول هذا إذا زرت مريضاً مبتلى ألا تشخص ببنانك إليه وتقف عن وجهه، فتقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وإنما تقولها يوم أن تخرج من عنده، أو تسرها في نفسك حتى لا يعتقد المريض أنها شماتة، وحتى لا يصيبه شيء من الإحباط أو عدم الفأل والأمل في شفاء حاله. وكذلك الحذر الحذر من الشماتة، فإن الشماتة بالناس سبب في الوقوع فيما وقعوا فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمن شمت بأخيه، فربما عافاه الله وابتلاه، وقال القائل: إذا ما الدهر جر على أناسٍ حوادثه أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا وكم رأينا أناساً من رجال ونساء، نساء شمتن بنساء فحل بهن ما حل بالمشموت بهن، ورجال شمتوا بآخرين فحل بهم ما حل بالمشموت بهم، فالعبد لا يشمت، ولا يفرح على مصيبة أخيه، بل واجبه الدعاء له، وواجبه إخلاص النصيحة، ووصيته بالصبر عند هذا، واعلموا أن الدعاء بإذن الله ينفع مما نزل وما لم ينزل من البلاء كما في حديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) هذا إذا حرص العبد على توفر شروط الدعاء وبذل أسباب قبوله بإذن الله. فعلى كل حال: اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد أوما ترى أن المصائب جمةٌ وترى المنية للعباد بمرصد من لم يصب ممن ترى بمصيبةٍ هذا سبيل لست فيه بأوحد فإذا ذكرت مصيبة ومصابها فاذكر مصابك بالنبي محمد إن من حلت به مصيبة فتذكر مصيبة المسلمين في فاجعتهم بموت نبيهم ﷺ كان ذلك مهوناً عليه ما يرى، فإذا تذكرت حال الأمة وقد مات نبيها وحصل لها ما حصل بعد موته؛ علمت أن كل مصيبة بعد موت رسول الله ﷺ تهون كما في الحديث (من عظمت مصيبته عليه فليتذكر مصيبة المسلمين فيَّ) فإن المسلمين لم يصابوا بمصيبة- كما تعلمون أيها الأحبة- كقدر مصابهم بموت المصطفى ﷺ . والواجب على العبد أن يسترجع في كل حال حتى لو انكسر في يده كأس، أو انكفأ قدر، أو انشق ثوب، أو زلت به قدم أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، حتى يصبر عند الصدمة الأولى، فإنما الصبر الذي عليه الأجر عند الصدمة الأولى، والذي يصبر عند الصدمة الأولى فلا محالة سيصبر في اليوم الخامس أو العاشر أو الأسبوع الأول أو الثاني. من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم وإني لأعرف رجلاً من أهل هذه المدينة قد ابتلي ببلية ذات يوم: كان متجهاً يريد المغسلة أو دورة المياه، فلم يبصر بعد ذلك شيئاً، وأظلمت الدنيا من حوله، والناس في نهار وضياء، وأصبح لم ير شيئاً، ابتلي فجأة بأن أخذ الله بصره هكذا، فما كان منه إلا أن أكثر من" إنا لله وإنا إليه راجعون" " لا حول ولا قوة إلا بالله" وانزعج الناس من حوله، نذهب بك إلى أسبانيا، نذهب بك إلى بلد كذا، لم يكن حينها في هذه البلاد مستشفيات أو أطباء على درجة في تخصص العيون، فقال: بل ربي يرد علي ما أخذ مني، فلم يمكث أياماً لم تتجاوز السبعة عشر يوماً إلا وهو يرى ما كان حوله كما كان قبل أن يؤخذ بصره. إذاً: فاسترجاع العبد وصبره على المصيبة من أسباب دفع البلاء عنه، ومن دلائل نجاحه في امتحان الابتلاء الذي مر به، وعلى المسلم أن يخفف على الناس مصابهم يوم أن يراهم في مصيبة (من قال: هلك الناس، فهو أهلكُهم، وفي رواية: أهلَكهم) وهذا في كل حال، فإذا رأيت في الناس مصيبة من غلاء، فهوِّن على الناس ما يرون، وإذا رأيت الناس في مصيبة خوف، فهوِّن على الناس ما يرون، وإذا رأيت الناس في مصيبة كرب، فخفف عليهم ما هم فيه حتى ينبعث الأمل من جديد ويشق التفاؤل طريقه إلى قلوبهم فيمضون أقوياء ذوي عزيمة بإذن الله. اللهم ادفع عنا أصناف البلاء والوباء والزنا والزلازل والمحن والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نسألك أن تقدر لنا كل خير وأن تصرف عنا كل شر. اللهم إنا نشكو إليك ضعف الإيمان ووسوسة الشيطان، وقرناء السوء، وشحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، وقلوباً قاسية، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، اللهم ثبتنا على دينك إلى أن نلقاك، اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً فجازه اللهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً. اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمامنا إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم متع به على طاعتك واجمع شمله وإخوانه وأعوانه، وقرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته. اللهم إنا نسألك ونستعين بك على كل من أراد بولاة أمرنا فتنة، وأراد باجتماعنا فرقة، وأراد بشبابنا ضلالة، وأراد بنسائنا تبرجاً وسفوراً، اللهم أبعده عنا، اللهم اجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم انصر المسلمين في طاجكستان، اللهم انصر المجاهدين في طاجكستان، اللهم انصر المسلمين في فلسطين وأرومو وعفر والفليبين وفي مورو وكشمير وفلسطين وسائر البلاد يا رب العالمين. اللهم اجمع شمل المسلمين في أفغانستان، اللهم أعنهم على إقامة التوحيد، اللهم أعنهم على هدم القبور والأضرحة، اللهم أعنهم على تحقيق التوحيد يا رب العالمين، اللهم مكن لهم بقربهم واجتهادهم في العناية بالتوحيد يا رب العالمين. اللهم آمنا في ديارنا ولا تفرح علينا عدونا، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا متزوجاً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا أسيراً إلا فككته بمنك وكرمك يا أرحم الرحمين. اللهم صل على محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

стр. 1410

الصبر عند المصيبة [١] لا يخلو مسلم من المصائب والابتلاء في هذه الدنيا، ولله في ذلك حكمة، والله لم يبتل العبد ليهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته، فإن لله تعالى على العبد عبودية في الضراء كما له عليه عبودية في السراء. والصبر: حبس النفس عن التسخط في المقدور، وحبس اللسان عن الشكوى لغير الله تسخطاً، وحبس الجوارح عن المعصية، والصابرون لهم ثلاث خصال من الله وهي: التبشير، والصلاة من الله، والرحمة. هذا ما سيتضح لك -إن شاء الله- أيها القارئ الكريم خلال ثنايا هذه المادة.

стр. 1411

الصبر على ثلاثة أوجه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى؛ فهي وصية الله لكم، ولمن سلف قبلكم من الأمم يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ويقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين: اعلموا أنه لا يخلو عبد مسلم من المصائب والابتلاء في هذه الدنيا، ولله في ذلك حكمة حيث يقول سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥] قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الله لم يبتل عبده ليهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته، فإن لله تعالى على العبد عبودية في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عبودية عليه فيما يكره كما له عليه عبودية فيما يحب، والصبر: حبس النفس عن التسخط في المقدور، وحبس اللسان عن الشكوى لغير الله، وحبس الجوارح عن المعصية، واعلموا -يا عباد الله- أن الصبر ليس مقصوراًَ على المصائب والآلام فقط، بل هو وارد في غيرها من الأمور. روي عن ابن عباس رضي الله أنه قال: [الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبرٌ على أداء فرائض الله، وصبرٌ عن محارم الله، وصبرٌ على المصيبة عند الصدمة الأولى] ويقول الله : ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] فمن ابتلي ببلية في نفسه أو ماله أو فقد حبيباً له ولداً كان أو قريباً، فلا دواء له إلا الصبر على ما أصابه، فإذا صبر المبتلى واسترجع في مصيبته ممتثلاً أمر الله في ذلك: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] فقد هانت عليه البلوى وضاع أثرها، واستراح من همها وعذابها في الدنيا، وفاز بأحسن الجزاء عليه في الآخرة، وعزى نفسه وسلاها باليسر بعد العسر، والفرج بعد الشدة، متذكراً قول الله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦].

стр. 1412

الشكوى لا تكون إلا لله واعلموا -يا عباد الله- أن إظهار البلوى والمصيبة سواء كانت مرضاً أو فقراً أو غير ذلك، إما أن يكون شكوى إلى الله تعالى، كما قال أيوب ﵇: (أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] وكما قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] فهذا النوع من إظهار البلوى لا ينافي الصبر، بل قد يكون مقصوداً من الابتلاء والامتحان؛ لأن الله جل وعلا قد يبتلي عبده بالمصيبة والمحنة ليسمع أنينه متضرعاً إلى ربه، ولينظر خشوعه وإخباته ومناجاة العبد له، وإما إظهار البلوى لغير الله، فإن كان لحاجة كبيان مظلمة لمن يقدر على رفعها، أو شرح العلة لطبيب يداويها، فإن ذلك لا ينافي الصبر ما دام العبد راضياً بقضاء الله وقدره، غير متبرم أو متضجر مما نزل به من البلاء، وأما إن كانت شكواه لغير الله إلى من لا حاجة ولا فائدة في ذكرها له، وبثها المبتلى متبرماً متضجراً ساخطاً معترضاً، فهذا لا يستفيد من المصيبة شيء سوى العذاب في الدنيا، وقد يحاسب على سخطه وتضجره في الآخرة، سيما إن كان ذلك السخط مصحوباً بما يوحي الاعتراض، وعدم الرضا بقضاء الله وقدره. وقد يظهر العبد بلواه وقد يبوح العبد بمصيبته إلى حبيب يواسيه أو صديقٍ يسليه في مصيبته بما يثبته ويعينه على الاسترجاع فيها، واحتساب ثواب الله عليها، فهذا مما لا بأس به -أيضاً- وفي هذا يقول القائل: وأبثث عمراً بعض ما في جوانحي وجرعته من مر ما أتجرع ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ يواسيك أو يسليك أو يتوجع واعجبوا إن شئتم -يا عباد الله- ممن إذا حلت به البلية ونزلت به المصيبة، دعا بالويل والثبور على نفسه وضج بالشكوى ساخطاً، متبرماً لغير الله، إلى من لا يملك لنفسه دفعاً ولا نفعاً ولا ضراً، فضلاً أن يدفع عن غيره سوءاً أو يجر إليه مغنماً أو خيراً، وكأن لم يبتل في هذه الدنيا سواه، ولم يصب من الخلق إلا إياه، وترون مثل هذا النوع من الناس يزداد بالتشكي يأساً وجزعاً وقنوطاً وهلعاً وهو كما قال القائل: تلذ له الشكوى وإن لم يجد بها صلاحاً كما يلتذ بالحك أجرب فمثل هذا الجاهل في مصيبته وشكواه، كمن يشكو الله إلى الناس، وهذا في غاية الضلال عن الهدى، رأى بعض السلف رجلاً يشكو إلى رجل فاقته وضرورته فقال: يا هذا! والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك، والعارف إنما يشكو إلى الله وحده، ولنتذكر قول النبي ﷺ (من عظمت عليه مصيبته فليتذكر مصيبة المسلمين فيَّ) إذ لا مصيبة على الأمة في سالف زمنها وآخره أشد من مصيبتها في فراق نبيها ﷺ . إذاً فالذي ينبغي لكل مسلم حلت به المصيبة أو نزلت به البلية أن يصبر، ويحتسب امتثالاً لأمر الله عباده بالصبر حيث قال جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) [البقرة:١٥٣] وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] وامتدح الله عباده الصابرين وأثنى عليهم بقوله جل شأنه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]، وأخبر الله بمعيته مع الصابرين بقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] وحسبكم في ثواب الصبر أن الله يجزي أهله الصابرين أجرهم بغير حساب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1413

بيان أنواع الصبر الحمد لله الواحد الصمد على إحسانه، والشكر لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن المثيل، وعن الند وعن النظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، كل ذلك تعظيم لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن جسومكم على وهج النار لا تقوى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

стр. 1414

الصبر على الطاعة عباد الله: مر معنا أن الصبر أنواع أهمها: الصبر على طاعة الله، وذلك بالمحافظة والمداومة عليها، ومراعاة الإخلاص فيها، ومن تأمل ما يناله العبد المسلم، في مجاهدة نفسه وشيطانه وهواه؛ لأجل طاعة ربه ومولاه في فعل الأوامر واجتناب المناهي، وجد أن هذه المجاهدة مستلزمة لصبرٍ ومصابرة ومرابطة على ذكر الله، واستحضار رجاء جميل ثوابه، والخوف من أليم عقابه، وحسبكم بهذا الصبر عبادة، حسبكم بها عبادة توضع في ميزان العبد، ويرجو ثوابها عند الله.

стр. 1415

الصبر عن المعصية ومن أنواع الصبر أيضاً: الصبر عن معصية الله خوفاً من الله وهيبةً منه أن يستعين العبد بنعمه على معصيته، ولا بد للعبد من الصبر عن معصية الله؛ لأن المعاصي تظهر للعبد غالباً في ثوب الشهوة، وقالب اللذة، فإن دفع نفسه بالصبر عن الوقوع فيها فقد نجا وسلم من الوقوع في معصية الله، وأسباب سخطه وعقابه، والصبر عن المعصية -يا عباد الله- صبر اختيار، صبر رضاً ومحاربة للنفس، لا سيما مع وجود الأسباب الدافعة إلى المعصية. ومن أروع أمثلة الصبر عن معصية الله: صبر يوسف ﵇، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه الأمور جرت عليه بغير اختيار، ولا كسب له فيها، وليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره ﵇ عن المعصية، فصبر اختيار ورضا ومحاربة للنفس مع وجود الأسباب الداعية إلى المعصية، فقد كان ﵇ شاباً عازباً غريباً مملوكاً، والمرأة جميلة ذات منصب وجمال وهي سيدته وقد غاب الرقيب وهي التي دعته إلى نفسها، وحرصت على ذلك أشد الحرص وتوعدته بالسجن والصغار إن لم يفعل ما راودته عليه ومع ذلك كله صبر مختاراً مؤثراً ما عند الله متحملاً ذلك الأذى وتلك العقوبة، حيث قال ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣].

стр. 1416

الصبر على المصائب وجزاؤه قال الإمام أحمد ﵀: إن الله ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضعاً، وقال بعض السلف وقد عزي على مصيبة نالته فقال: ما لي لا أصبر وقد وعدني الله على الصبر بثلاث خصال، كل خصلة منها خيرٌ من الدنيا وما عليها، وهي التي ذكرها الله في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧] وعلى أية حال العاقل يلزم الصبر في المصائب والمحن، ويدرك أن الرضا بقضاء الله فيها، والصبر عليها يخفف عنه شدة وقعها ويخلف عليه ما هو خير منها في الدنيا والأجر والثواب في الآخرة، وأن السخط والجزع، والتشكي والهلع، فلا يدفع من قدر الله شيئاً، ولا يزيد العبد إلا إثماً وبلاءً، فمن رضي بالمقدور وصبر عليه فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط. معاشر المؤمنين: إننا لنعجب من الذين نراهم في زماننا هذا، وقد خسر الواحد منهم جزءاً يسيراً من أمواله وتراه لا يحمد الله على مصيبته ولا يسترجع في ما حل به وإذا قيل له: احمد الله على ما حل بك، قال: كيف أحمد وقد نزل بي كذا وكذا؟ وقد خسرت في تجارتي كذا وكذا؟ فذلك في غاية الاعتراض والدفع وعدم الرضا بقضاء الله وقدره عياذاً بالله! من الاعتراض على قدره، ومن السخط بقضائه. أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من الذين هم في البأساء من الصابرين، وفي الضراء من المسترجعين وفي النعماء من الشاكرين، وأن يجعلنا من عباده المحسنين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً، وأراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشبابنا ضالة، وأراد بنسائنا تبرجاً وسفوراً واختلاطاً، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أدر عليه دائرة السوء يا جبار السماوات والأرض! اللهم اختم بالشهادة والسعادة آجالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا ولا تجعل اللهم إلى النار منقلبنا ولا فيها مثوانا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مديناً إلا قضيت دينه، ولا أسيراً إلا فككته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحة وهبته، ولا غائباً إلا رددته، ولا حاجةً من حوائج الدنيا هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها، وأعنتنا على قضائها يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك التوبة والاستدراك قبل الوفاة والاستعداد قبل الممات برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمامنا، اللهم أصلح إمامنا، اللهم وفق إمامنا لما تحبه وترضاه، اللهم أصلح بطانته وقرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته وباعد بينه وبين من علمت فيهم شراً له ولأمته، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لموتانا وجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم منزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين!. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]. فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1417

الصبر عند المصيبة [٢] لقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة الدالة على فضل الصبر وجزاء الصابرين على ما أصابهم من أنواع البلاء والمحن، ومنها: أن أي مصيبة تصيب المؤمن فهي كفارة له حتى الشوكة يشاكها، وهذا من عظيم فضل الله علينا، فمع هذه الفضائل للصابرين نبقى مع الشيخ في هذه المادة

стр. 1418

أحاديث في فضل الصبر والصابرين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. معاشر المؤمنين: كلنا يعلم أن الصبر دواء ناجع، وعلاج نافع في تخفيف آثار كل بلية أو مصيبة تقع بالعبد، في نفسه أو أهله أو ماله، وليس للعبد إلا أن يصبر لا محالة، فمن لم يصبر في أول المصيبة رضا واختيارا، فمرده على الصبر عليها قهراً واضطراراً، قال الشاعر: أرى الصبر محموداً وعنه مذاهب فيكف إذا ما لم يكن عنه مذهب وقال الآخر: اصبر ففي الصبر خير لو علمت به لكنت باركت شكراً صاحب النعم واعلم بأنك إن لم تصطبر كرماً صبرت قهراً على ما خط في القلم ولقد مر معنا ذكر طرف من الآيات في فضل الصبر ومدح الصابرين، ولنتأمل اليوم ما ورد عن رسول الله ﷺ في ذلك حيث يقول: (عجباً لأمر المؤمن كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ومن يتصبر يصبره الله، فما أعطي أحد عطاءً خيراً من الصبر) متفق عليه. فمن ذلك نعلم أن الخير كل الخير للعبد: أن يصبر في جميع أموره؛ لأن المسلم يعلم أن البلاء مهما عظم أمره، أو صغر قدره فإن الله قد جعله سبباً لتكفير ذنوبه، فعن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما يصيب المؤمن من نصبٍ، ولا وصبٍ ولاهمٍ، ولا حزنٍ ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه) متفق عليه.

стр. 1419

عِظَم الجزاء لمن رضي بالبلاء فإذا تيقن المسلم هذا، انفتح له باب الرضا بالقضاء، والتلذذ بالصبر حين البلية، لماذا؟ لأنه علم من كلام نبيه ﷺ ، أن أصغر بلية حتى الشوكة، فإنها تكفر عنه الذنوب والخطايا، فإذا تأمل العبد وعلم قول نبيه ﷺ : (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافى به يوم القيامة) إذاً فلا خسارة في الصبر، بل الخير والسعة فيه صغرت المصيبة أو كبرت، قال ﷺ : (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. ويقول ﷺ : (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وجاء في حديث آخر قول النبي ﷺ : (فما يبرح البلاء في العبد، حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، فمن ذا الذي يسخط ويجزع ولا يصبر، وهو يوقن بهذه النعم الجزيلة في رفعة الدرجات وتكفير السيئات، حينما تنزل به البلية، أو تحل به المصيبة. جاء في الحديث عن أبي سعيد: (أنه دخل على رسول الله ﷺ وهو موعوك على قطيفة، فوضع يده فوق القطيفة، فقال: ما أشد حماك يا رسول الله! قال: إنا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر، ثم قال: يا رسول الله! من أشد الناس بلاءً؟ قال: الأنبياء، قال: ثم من؟ قال: العلماء، قال: ثم من؟ قال: الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالقمل حتى يقتله، ويبتلى أحدهم بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء) رواه ابن ماجة وابن أبي الدنيا واللفظ له، وقال: صحيح على شرط مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن العبد ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره، حتى يبلغه إياها) وفي رواية أخرى: (إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة، فلم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده، أو ماله أو ولده، ثم صبر على ذلك، حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله رواه أحمد وأبو داود وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط. فمن كان مؤمناً حق الإيمان بربه ولطف رحمة خالقه، ومن كان مؤمناً حق الإيمان بنبوة ورسالة محمد ﷺ فهل يجزع أو يتضجر من مصيبة حلت به؟! وقد علم أن الخير كل الخير فيها، لا والله، بل موقف المؤمنين الرضا بتدبير الله واختياره لهم، والقناعة بقسمة الله فيما قدر وقسم، ولا يدفع المؤمن ما حل به إلى البعد عن طاعة الله، بل يحدوه ويدفعه إلى مزيد الطاعة والعبادة والمحافظة على ما فرض الله، وتجنب ما يسخطه.

стр. 1420

المصائب والمحن تدفع إلى محاسبة النفس أيها الإخوة: إن المصائب والمحن مدارس تفتح للعبد مع نفسه كتاب المحاسبة والمناقشة، إذ لو تأملنا في كثير من أحوالنا، وما يحل بنا من المصائب والآلام، لوجدناه بسبب أنفسنا وبما جرحته أيدينا، ومع ذلك يثيبنا الله على الصبر والرضا به، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] فمن حلت به المصيبة وحاسب نفسه، لا بد أنه سيجد تفريطاً وتقصيراً في جنب الله، قد يستوجب مصيبة أو بلية توقظ من الغفلة في سبات المعصية، وتكون سبباً في التوبة والرجوع، والقصد والإنابة إلى الله جل وعلا، وما أكثر الغافلين السادرين في لهوهم وغفلتهم، يسمعون الوعظ والخطب والآيات والأحاديث، فلا تحدث في قلوبهم أي شعور بالندم، أو أي عزم على التوبة، ولكنهم تابوا وأنابوا واستيقظوا بمصيبة قدرها الله على الواحد منهم، فكانت كالهزة العنيفة الموقظة لسكير الغفلة والشهوة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1421

فوائد الصبر على المصائب الحمد لله الواحد الأحد على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واتقوا سخط ربكم فإن الأقدام والجسوم على وهج النار لا تقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله: من نزلت به مصيبة أو عظمت في نفسه فليصبر، وليتذكر هذه الأمور واحداً بعد الآخر، وسيجد بعد ذلك أن المحنة منحة له من الله جل وعلا، وسيدرك أن الله وحده لا شريك له، هو المحمود في السراء والضراء، وهو أرحم الراحمين: الأول: أن المصيبة تدفعه إلى محاسبة نفسه، لأنها بما كسبت يداه والله يعفو عن كثير. الثاني: أن الله يجازيه بها تكفيراً لذنوبه، وتطهيراً له من السيئات، ولنعلم أن عظم الجزاء مع عظيم البلاء. الثالث: أن العبد إذا صبر فاز بوعد الله للصابرين، وهو أن يجزيهم الله أجرهم بغير حساب. الرابع: أن يعلم العبد أن الجزع والضجر، لا يرد من قدر الله شيئاً، وأن يعلم أن الرضا والحمد لله يخفف أثر المصيبة الواقعة، ويدفع عنه الدعاء غيرها من المصائب وما هو أعظم منها. الخامس: أن الرضا والصبر على المصائب يدفع عن المسلم شماتة الحساد. كل المصائب قد تمر على الفتى وتهون غير شماتة الحساد السادس: أن يتذكر المسلم عند حلول المصيبة، أن هذه الدنيا ليست بدار نعيم يطمئن لها، ويعلم عند ذلك أن الراحة والسعادة التامة في دار النعيم، دار الخلود الأبدي في الجنة، التي أعدها الله لعباده المتقين، فيدفعهم ذلك إلى مزيد من البذل والمجاهدة لنفسه حتى يصل بها إلى مرضاة الله في جنانه، في تلك الدار التي لا يكدر صفوها غصص المصائب والآلام، فلا تجزع من المصيبة في دار المصائب والآلام وهي الدنيا، يقول عنها القائل: طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار السابع: أنه لو سلم أحد من المصيبة والبلية، لسلم من ذلك صفوة خلق الله في أرضه، الأنبياء والمرسلون، ولك في نبيك أسوة حسنة، فيما لقي من العذاب والابتلاء، من قومه وعشيرته، وسائر الجاحدين المعاندين له، فإذا علمت ذلك فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، وليكن لك في صبر نبيك أسوة حسنة. الثامن: تذكر مصيبة من هو أعظم منك فيما ابتلوا به، فإن كنت مصاباً بشيء يسير فإن غيرك قد أصيب بمصيبة أعظم، وإن كنت مصاباً في جارحة معينة، فإن غيرك قد أصيب ببلية عظيمة في نفسه أو في ولده، وإن كنت مصاباً بخسارة في مالك، فإن غيرك قد أصيب في ماله وولده ونفسه، إذاً فالمصائب يخفف بعضها بعضاً، وإذا تأملت مصيبة غيرك هانت عليك مصيبتك. التاسع: وهو أولها: أن تحمد الله في هذه المصيبة أنها لم تكن في الدين؛ لأن مصيبة الدين عظيمة: وكل كسر فإن الله يجبره وما لكسر قناة الدين جبران العاشر: أن هذه المصيبة لم تكن أعظم، فثق -أيها المسلم- بوعد الله وجزائه ولا تيئس ولا تقنط، فالفرج بعد الشدة وبعد العسر يسر، بإذن الله ورحمته، فاحمد الله على كل حال: إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق بما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنت وأرست في مكامنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث يمن به اللطيف المستجيب فكل الحادثات وإن تناهت فموصول بها فرج قريب ويقول الآخر: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج فمن ذا الذي يجزع ويضجر، ويسخط لقضاء الله وقدره عند حلول المصيبة، لا والله إن المؤمن إذا وقعت به المصيبة، يتذكر قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]. والصبر على المصائب كما علمتم -أيها الإخوة- أعظم وأنفع علاج في هذه الدنيا، التي هي بطبيعتها دار لا تصفو لأحد، فمن صفا له الأمر لا بد أن يتكدر عليه في ولده، أو في ماله، أو فراق أحبابه، أو سقمٍ في بدنه، أو مصيبة في أي جانب ممن حوله، فليجتهد في دارٍ لا مصائب فيها، وليجتهد للعمل في دار يجتمع أحبابها ولا يفترقون، ويدوم نعيمها ولا ينقطع، وتصفو لذتها ولا تتكدر بشيء من موت أو هرم أو سقم. أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل تلك الدار، التي رضي عن أهلها وجزاهم بمرضاته أوفر الجزاء. اللهم اجعلنا من عبادك الصابرين، اللهم اجعلنا في السراء من الشاكرين، وفي الضراء من الصابرين، ولا تجعلنا من القانطين اليائسين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أصلح إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته وقرب له من علمت فيه خيراً له، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم اجمع شمله بمن أحببته، واجمع شمله بإخوانه، ووحد صفهم واجمع شملهم ووحد كلمتهم، ولا تفرح علينا وعليهم عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مكسوراً إلا جبرته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم اختم بالشهادة آجالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، ولا تجعل إلى النيران منقلبنا ومثوانا، لا إله إلا أنت الحليم العظيم رب العرش العظيم، رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم، أنت أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، فتلطف بنا فيم حل بنا، وأعنا ولا تعن علينا، وأكرمنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وارفعنا ولا تخذلنا، برحمتك يا أرحم الراحمين. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وراض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع موتى المسلمين، الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم وسع على أهل القبور قبورهم، ونور على أهل اللحود لحودهم، وافتح لهم أبواباً إلى الجنان، وأعنا على ما أعنتهم عليه بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1422

الصبر عند المصيبة [٣] كلنا نعلم أنه ما من راحة تامة، أو سعادة دائمة، إلا في الدار الآخرة، دار الخلود والبقاء، وأما هذه الدنيا فدار الابتلاء والكبد والشقاء، ومن أجل ذلك كان عيش المؤمن فيها مشقة، ولولا ما فيها من عبادة الله، واللجوء إليه، والاستئناس والاطمئنان بذكره لما أطاق المؤمن البقاء فيها، ولله في ذلك حكمة بالغة.

стр. 1423

ذم الدنيا إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل وعن الند والنظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم ولمن كان قبلكم من الأمم، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أيها الأحبة في الله: مر معنا في جُمع ماضية الحديث عن الصبر، وأنه أنجع وأطيب علاج أمام المصائب والمحن والآلام, وتتمة الحديث في هذا الموضوع، يقول الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: روي من طريق أبي مورود سمعت الحسن قرأ هذه الآية فقال: [يكابد أمراً من أمر الدنيا وأمراً من أمر الآخرة، وفي رواية: يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة] واختار ابن جرير أن المراد بالآية: مكابدة الأمور ومشاقها. أيها الأحبة في الله: كلكم يعلم أنه ما من راحة تامة، أو سعادة دائمة، إلا في الدار الآخرة، دار الخلود والبقاء، وأما هذه الدنيا، فدار الابتلاء والكبد والشقاء، ومن أجل ذلك كان عيش الإنسان فيها في مشقة، ولولا ما فيها من عبادة الله، واللجوء إليه، والاستئناس والاطمئنان بذكره، لما أطاق المؤمن البقاء فيها، ولله في ذلك حكمة بالغة، إذ لو صفت الدنيا لأهلها من الأكدار والمصائب لركنوا إليها واطمأنوا بها، ولما اجتهدوا في الأعمال الموصلة إلى دار النعيم والخلود المقيم، قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله: يا أبتِ متى الراحة؟ فقال: يا بني! الراحة عند أول قدم نضعها في الجنة! عباد الله: تأملوا هذه الدنيا وما فيها من خلق الإنسان من كبد، وهي برمتها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل ذلك لما سقى منها كافراً شربة ماء، فالاجتماع فيها مآله إلى الفراق، قال ﷺ : (جاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس) فنهاية الحياة موت، وغاية الاجتماع فراق. أما اللذات في الدنيا، من المآكل والمشارب والمناكح، فتزينها الصحة والعافية، وأكثر أرباب الدنيا وأصحاب الأموال فيها، يعانون أنواع البلاء والأمراض والأسقام، فيرون نعيماً ولذات لا يقدرون التمتع بها، وأعمار الخلائق في الدنيا محصورة محدودة الأجل، رب معمر شقي بعمره، سيما إذا كان مفرطاً فيما مضى من عمره، قيل للأعشى ميمون بن قيس، وقد بلغ من الكبر عتياً: كيف وجدت الحياة؟ فقال: المرء يرغب في الحياة وطول عيش قد يضره تفنى بشاشته وبعد حلو العيش مره وتسوءه الأيام حتى ما يرى شيئاً يسره كم شامت بي إذ هلكت وقائل لله دره فلا أنس ولا لذة في الدنيا إلا بطاعة الله وذكره وعبادته، وذلك يوم أن حضرت معاذ بن جبل الوفاة، بكى فقيل له: [ما يبكيك يا صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال: أما والله إني لا أبكي على ملذات الدنيا وشهواتها ولكني أبكي على صيام أيام الهواجر، وقيام ليالي الشتاء، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي أطايب التمر آكله] ذلكم والله، هو ما يحقق السعادة ويربطها بالحياة ربطاً وثيقاً، فاجتهدوا -يا عباد الله- في طاعة ربكم ومرضاته، وتنافسوا في الأعمال الصالحة، والتجارة الرابحة، ولا تغبطوا أحداً كائناً من كان، لا تغبطوا أحداً إلا في طاعة الله، وحفظ كتابه ومرضاته، وما سوى ذلك فحطام غير حقيق بالحسد والغبطة، واعلموا أن كل من ترون في هذه الدنيا، مهما علا منصبه أو سفلت مرتبته، شقي لا محالة، شقي بنفسه أو ماله أو ولده، أو سلطانه أو فقره أو غناه، أو عزه أو ذله، إلا من شد وثاق النفس عن المعاصي والآثام، وأحكم السير وجد في المسير وأمسك بالزمام: كل من لاقيت يشكو دهره ليت شعري هذه الدنيا لمن؟

стр. 1424

تقلب الدنيا عباد الله: إن بعض المسلمين هداهم الله، قد انشغلوا باللهو عن ذكر الله، وغرهم إقبال الدنيا عليهم، وخدعهم تردد خلان الغنى والرخاء إليهم، وما تأملوا حقيقة دنياهم ونعيمها، وأن الأيام فيها دولة يداولها الله بين الناس، وكأن بعضهم ما سمعوا وما عرفوا أحوال الأمم السالفة فيما مضى والحاضرة في هذا الزمان، كيف هوت وسقطت من عز إلى ذل، ومن قوة إلى ضعف، ومن غنى إلى فقر، ومن شمل مجتمع إلى شتات وتفرق وتشرد، قالت هند بنت الملك النعمان بن المنذر: لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكاً، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أقل الناس، وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها، قالت: أصبحنا ذات صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا، وقال إسحاق بن طلحة: دخلت عليها يوماً فقلت: كيف رأيت؟ كيف الأمر بكم يا بنت النعمان؟ فأنشدت قائلة: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة متنصف فأفٍ لدنيا لا يدوم نعيمها تقلب ساراتٍ بنا ونصرف قال ﷺ : (حقاً على الله ما رفع شيئاً إلا وضعه) فلا تغتروا بالدنيا -يا عباد الله- ولا تجزعوا على المصائب فيها، فإذا كانت النفوس التي تملك الأشياء، تذهب فكيف نبكي على ما ذهب من مال أو متاع أو ولد؟! قال الشاعر: نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة فكيف أبكي على شيء إذا ذهب فكونوا من دنياكم على حذر، واتخذوها معبراً ولا تجعلوها مقراً. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب وتوبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى، ويمطر السماء عليكم مدراراً.

стр. 1425

الدنيا دار البلاء والمصائب الحمد لله الواحد الصمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن أقدامكم على وهج النار لا تقوى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثه بدعة؛ وكل بدعة ضلالة؛ وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ؛ شذ في النار. عباد الله: هاأنتم ترون حال الناس في الدنيا، وتقلبهم بين أنواع المصائب والبلاء والمحن فيها، ولله في ذلك حكمة بالغة، إذ لو صفت هذه الدنيا لأحد، لصفت لنبينا ﷺ خير من وطأت قدمه الثرى، لو صفت هذه الدنيا لأحد لصفت للأنبياء، صفوة الله من خلقه أجمعين، إذاً: فلا غرابة أن يصاب الإنسان فيها، ولا غرابة أن يعترضه وأن يعتمره شيء من آلامها، والبلاء والمحن فيها، ولله في ذلك حكمة بالغة، نبيكم ﷺ قد عذب وأوذي وطرد من بلاده حتى تركها، وألقي سلى الجزور على ظهره ومع ذلك صبر واحتسب، هذه من أقدار الله جل وعلا، من أقداره والأقدار الكونية كثيرة يقدرها الله على العباد أجمعين، فإذا تأملتم وقلبتم النظر، لم تجدوا أحداً يسعد في هذه الدنيا، سليماً معافى من الأكدار والمصائب والآلام، إلا من رضي بقضاء الله وقدره، وصبر واحتسب فعند ذلك تكون المصيبة منحة له وإن كانت في ظاهرها محنة، يقول القائل: من ذا الذي قد نال راحة فكره في يسره من غمره أو يسره يلقى الغني لحفظه ما قد حوى أضعاف ما يلقى الفقير لفقره فيظل هذا ساخطاً في قله ويظل هذا تاعباً في كثره عم البلاء ولكل شمل فرقة يرمى بها في يومه أو شهره أو ما ترى الملك العزيز بجنده رهن الهموم على جلالة قدره فيسره خبر وفي أعقابه هم يضيق به جوانب قصره وأخو التجارة حائر متفكرٌ مما يلاقي من خسارة سعره وأبو العيال أبو الهموم وحسرة الرجل العقيم كمينة في صدره ولرب طالب راحة في نومه جاءته أحلام فهام بأمره والطفل من بطن أمه يخرج إلى غصص الفطام تروعه في صغره ولقد حسدت الطير في أوكارها فوجدت منها ما يصاد بوكره والوحش يأتيه الردى في بره والحوت يأتي حتفه في بحره ولربما تأت السباع لميت فاستخرجته من قرارة قبره تالله لو عاش الفتى في أهله ألفاً من الأعوام مالك أمره متلذذاً معهم بكل لذيذة متنعماً بالعيش مدة عمره لا يعتريه النقص في أحواله كلا ولا تجري الهموم بفكره ما كان ذلك كله مما يفي بنزول أول ليلة في قبره كيف التخلص يا أخي مما ترى صبراً على حلو القضاء ومره فالحياة وحدها شقاء وبلاء، ولا سعادة فيها إلا بطاعة الله، وملازمة أمره واجتناب نهيه، وملازمة ذكره سبحانه، فتلك بإذن الله سعادة في الدنيا وموصلة إلى دار السعادة الأبدية، فاستعدوا استعدوا للرحيل وتزودوا قبل أن تردوا مفازة لا موارد للزاد فيها، وكن -أيها المسلم- كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، ألا وإن الضعيف المحروم الذي سكن إلى الدنيا واطمأن إليها، وغفل عن دار البقاء والخلود، واشترى الدنيا بالآخرة، وباع الغالي بالخسيس، عياذاً بالله من تجارة كاسدة. اللهم إنا نعوذ بك من حلول نقمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً وبعلمائنا فتنة وبولاة أمرنا مكيدة، وبشبابنا ضلالة، وبنسائنا تبرجاً وسفوراً، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم اختم بالشهادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، ولا تجعل إلى النار مثوانا ومنقلبنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها، اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وأعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم آمنا في دورنا، واصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم اجمع شمله ووحد صفه، وثبت قدمه وارزقه بطانة صالحة، وقرب إليه من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا ولإخواننا ولوالدينا وموتى المسلمين أجمعين، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]. فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1426

الصبر منزلة الصبر في الإسلام عظيمة، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، وهذه الدنيا لا تستقيم لإنسان على حال سعادة وشقاء، بل شأن العباد فيها تقلب وتبدل وتغير، ولا علاج أنجع لذلك من الصبر، مع ما له من فضل في الدنيا والآخرة.

стр. 1427

عظم فضل الصبر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحد في ذاته، واحد في أسمائه وصفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا ربكم: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١]. معاشر المؤمنين! اعلموا رحمكم الله تعالى أن الله جل وعلا خلق الخلق والخلائق، وقدر مبدأهم ومعاشهم ومعادهم، وكل صغير وكبير من الأفراح والمصائب في حياتهم، إما ابتلاءً وتمحيصاً أو تكفيراً وتطهيراً، أو لحكمة يعلمها سبحانه جل وعلا، وما أوتينا من العلم إلا قليلاً. ولعل من الأمور المدركة بمنتهى الوضوح والبيان لنا وبين أيدينا، هي أن الدنيا لا تستقيم لسعيد مسرور على حال، ولا تبقى لشقي مكسور على حال، بل شأن العباد فيها تقلب وتغيير وتبدل وتغير وانتقال: هي الحياة كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] وبالجملة فما حي من البشر على هذه المعمورة، إلا وأصابه في دهره من المصائب والأقدار المحزنة ما يكفيه للعبرة والتدبر والاعتبار. وكل ذلك صغيره وكبيره بقدر الله جل وعلا، فمن رضي؛ فله الرضا، ومن سخط؛ فعليه السخط، والله حينما أراد أن يبتلي عباده فيما قدر عليهم -وهو أحكم الحاكمين- أرشد أولياءه إلى ما تنطفئ به نار المصائب، وما يبرد على القلوب حرارة الفاجعة. وذلك بأمور شرعها في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ ، فمن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. وفي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها؛ إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها) يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الحديث: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصائب، وأنفع شيء في العاجل والآجل، فإنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته: أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله حقيقة، وقد جعل عند العبد عارية، فإذا أخذه منه؛ فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير. والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد للعبد من أن يُخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فرداً كما خلقه أول مرة، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، بل بلا ثوب، حافياً عارياً لكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد، وما خوله ونهايته؛ فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود؟ ففكرة العبد في مبدئه ومعاده من أعظم علاج المصائب والمحن. وإن من المسلمين -هداهم الله- من إذا أصابته مصيبة في نفسه أو ماله، أو موت حبيب قريب له، ملأ الدنيا صراخاً ونواحاً وبكاءً منكراً ونحيباً، ودعا بالويل والثبور، وقد يقع بعضهم -والعياذ بالله- في الشرك، بدعاء الميت نفسه بالتدارك، مثلاً أن يموت أبوه، فيقول: يا أبتي أدركني! يا أبتي الحقني! يا أبتي افعل بي! وهو يندب ويدعو ميتاً لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا حياةً ولا نشوراً، وما ذلك إلا من ضعف الصبر على المصيبة، وضعف الإيمان أمام الأقدار، وكأن المصائب في الدنيا لم تقع إلا على ذلك الذي حلت به تلك المصيبة، ولم تقع على أحد قبله ولن تحل بآدمي بعده. وهذا يا عباد الله! من الأمور المنكرة التي لا تنبغي، إذ أقرب ما يكون فيها السخط والاعتراض على قدر الله، إن لم يصل الأمر والعياذ بالله إلى حد الشرك في ندبة الأموات ودعائهم، فأين أين أولئك الجزعة الساخطون من قول المصطفى ﷺ : (من عظمت مصيبته فليذكر مصيبة المسلمين فيّ) وهل مر على المسلمين منذ فجر الرسالة والنبوة مصيبة أكبر على المسلمين والإسلام من مفارقة النبي ﷺ عن الدنيا؟! لا والله، فكل مصيبة بعد نبينا ﷺ تهون، إذاً فعلام الجزع والخوف والهلع؟! ولو تأمل العبد ونظر إلى ما أصيب به، لوجد أن ربه أبقى عليه مثله وأفضل منه، وادخر له إن صبر ورضي، ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة. وأن الله لو شاء لجعل مصيبته أعظم مما هي، فليتق الله العبد وليصبر، ولو تدبر العبد حال مصيبته في أحوال أهل المصائب يمنةً، فهل يرى إلا محناً؟! ثم يلتفت يسرةً فهل يرى إلا حسرة؟! وأنه لو فتش العالم كله؛ لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب أو بحصول مكروه.

стр. 1428

الدنيا فرح وترح والدنيا إن أضحكت قليلاً، فبكاء الناس فيها كثير، وإن سُر الناس بها يوماً استاءوا بها دهراً، وإن تمتعوا قليلاً، امتنعوا طويلاً، وما مُلئت دار خيرة إلا ملئت عبرة، ولا سرت بيوم سروراً إلا أخبأت لأهلها يوم شروراً. قال ابن مسعود ﵁: [لكل فرحة ترحة، وما مُلئ بيت فرحاً إلا ملئ ترحاً] وقال ابن سيرين: [ما كان ضحك قط إلا كان من بعده بكاء] وقالت هند بنت النعمان بن المنذر: [لقد رأيتنا ونحن أعز الناس وأشدهم ملكاً، ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أقل الناس، وأنه حق على الله ألا يملأ داراً خيرة إلا ملأها عبرة] وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها، فقالت: [أصبحنا ذات صباح، وما في العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا] فهذه حال الدنيا وما فيها من المصائب المختلفة في الأرواح والأبدان والأموال، بل إن المتأمل فيها يريك أنها دار المصائب، إذ إن هذه النعم لو دامت لمن قبلنا لما انتقلت ولما وصلت إلينا. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1429

وقفات مع الصبر الحمد لله منشئ السحاب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، وخالق خلقه من تراب، ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه على آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.

стр. 1430

عاقبة الجزع عند المصائب معاشر المؤمنين! إن المصائب لا يردها الجزع، بل يضاعفها، ولو علم العبد أنه بجزعه على المصيبة يفوت على نفسه ثواب الصبر والتسليم، من الصلاة والرحمة الهداية، التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع، لأدرك أن ذلك أعظم من المصيبة في الحقيقة. ثم إن الجزع على المصائب يا عباد الله يُشمت الأعداء، ويسوء الأصدقاء، ويُغضب الرب ويسر الشيطان، ويحبط الأجر ويُضعف النفس، فإذا صبر واحتسب على ما قدر الله عليه؛ أقصى شيطانه ودحره خاسئاً، وأرضى ربه وسر صديقه وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات والكمال الأعظم، والصبر الأجل عند أقدار الله، لا كما يفعل الجهال من لطم الخدود وشق الجيوب، أو الدعاء بالويل والثبور والسخط على المقدور. ثم إذا علم العبد أن ما يعقب الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي له، ويكفي العبد الصابر في صبره على مصيبته بيت الحمد، الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه، فلينظر أي المصيبتين أعظم؟ مصيبة العاجلة أم مصيبة فوات بيت الحمد في جنة الخلد؟ روى الترمذي مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا، لما يرون من ثواب أهل البلاء يوم القيامة) وقال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس. ثم إن العبد المؤمن إذا حلت به المصيبة وصبر عليها واحتسب؛ فإنه يُروح قلبه رجاء الخلف من الله. من كل شيء إذا ضيعته عوض وما من الله إن ضيعته عوض لكل مصيبة من المصائب حظ يلحق بصاحبها، بحسب حاله وموقفه منها، فإن رضي فله الرضا، وإن سخط فله السخط، فاختر إما خير الحظوظ أو شرها، فإن أحدثت لك سخطاً وكفراً؛ كُتبت في ديوان الهالكين، وأن أحدثت مصيبتك جزعاً وتفريطاً في ترك واجب أو فعل محرم، كُتبت في ديوان المفرطين، وإن أحدثت لك شكاية وعدم صبر؛ كتبت في ديوان المغبونين، وإن أحدثت لك اعتراضاً على الله وقدحاً في حكمته وقدره؛ فقد قرعت باب الزندقة إن لم تلجه، وإن أحدثت لك صبراً وثباتاً ورضا؛ كُتبت في ديوان الصابرين الراضين، وإن أحدثت لك حمداً وشكراً؛ كتبت في ديوان الشاكرين، وكنت تحت لواء الحمد مع الحمّادين، وإن أحدثت لك محبة واشتياقاً، كتبت في ديوان المحبين المخلصين. فيا عباد الله! لا ألذ ولا أنجع في المصائب من الصبر عليها، والحمد والرضا بقضاء الله وقدره فيها، يقول بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : (الصبر عند الصدمة الأولى).

стр. 1431

حكمة الابتلاء بالمصائب المصائب يا عباد الله! إنما قدرها وابتلى العباد بها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وهو سبحانه لم يُرسل إليهم البلاء ليُهلكهم، ولا ليُعذبهم ولا ليجتاحهم، وإنما ابتلى عباده ليمتحن صبرهم ورضاهم عنه، وإيمانهم به، وليسمع تضرعهم وابتهالهم، وليرى العبد منهم طريحاً ببابه، لائذاً بجنابه، مكسور القلب بين يديه، رافعاً قصص الشكوى إليه، ولو لم يُصب العبد بهذه المحن والمصائب، لأصابه من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلاً وآجلاً. فمن رحمة الله أرحم الراحمين، أن يتفقد عباده بأنواع ومن المصائب بين حين وآخر، تكون حماية لهم من هذه الأدواء، وحفظاً لصحة عبوديتهم. قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم ويا عباد الله! إنما يبتلى الناس على قدر دينهم، فأشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون فالأمثل ثم الأمثل، كل يبتلى على قدر دينه، وإن الذين يقعون في جزعٍ وهلعٍ وخوفٍ، فإنما هم يفوتون على أنفسهم أعظم الأجر بفعلهم هذا، وإلا فإن من المصائب ما يكون بعدها خير ونصر وظفر. ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج يقول الله جل وعلا: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] ويقول جل وعلا: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] فهل بعد هذا نجزع أو نعترض أو نولول أو ندعو بالمصيبة والهلكة أمام شيء من المصائب؟ لا والله ما يفعله إلا غافل أو جاهل. وكما سمعنا آنفاً: من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم عند البلاء من الصابرين، وعند النعماء من الشاكرين، وأن يجعلنا يوم القيامة من الآمنين، وأن يُدخلنا الجنة أول الداخلين، وأن يثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل أقدام العابرين، وأن يؤتينا صحفنا باليمين، وإن يجعلنا مع الصديقين والنبيين والشهداء والصالحين. اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، اللهم اختم بها آجالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم قرب منه من علمت فيه خيراً له وللمسلمين خيراً، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له وللمسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تُفّرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، ولا تهتك لنا ستراً، ولا تفضح لنا عورة، اللهم اغفر لموتانا ولنا أجمعين، الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء، صاحب نبيك على التحقيق أمير المؤمنين أبي بكر الصديق، وارض اللهم عن الإمام الأواب شهيد المحراب، الذي وافق حكمه حكم الكتاب عمر بن الخطاب، وعن مجهز جيش العسرة بأنفس الأثمان عثمان بن عفان، وعن فتى الفتيان ليث بني غالب علي بن أبي طالب، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]. فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1432

الصداقة والشباب شباب الأمة الإسلامية اليوم -إلا من رحم الله- إما في الأسواق بين التفحيط والمعاكسة، أو في المنزل أمام الدش ما بين أغنية ماجنة أو صورة فاضحة، وإما في الشوارع والحارات مع قرناء السوء بين دخان ومخدرات، أو فواحش ومنكرات، ما سبب ذلك؟ إن السبب بعد عدم مراقبة الله، هو: قرين السوء الذي يزين القبيح ويقبح الحسن، قرين السوء خطره عظيم، وشبابنا اليوم في أعمار الزهور يدمرون مستقبلهم الدنيوي والأخروي بسبب مصاحبة شلل الفساد الذين لا همَّ لهم إلا شهوة البطن والفرج. فاختيار الجليس الصالح الذي يدل على الخير أمر تُعنى به الشريعة الإسلامية.

стр. 1433

الصراع دائم بين الحق والباطل الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من دواعي الغبطة والسرور أن يأذن الله ويكرمنا بلقاء أحبابنا وإخواننا وزملائنا وأبنائنا جميعاً في لقاء المحبة والأخوة والنصيحة، وفي لقاء التواصي بالصبر على كل عملٍ نافعٍ رشيدٍ وقولٍ سديد. أيها الأحبة في الله: قبل أن أتبوأ مكاني هذا؛ أكرمني فضيلة الشيخ سعد جزاه الله خيراً بزيارةٍ وكان معنا أحد الأخوة الأفاضل من رجال الأمن الشامل، واطلعنا على ما تميزت به ثانويتكم المباركة؛ من سبقٍ نافعٍ في إيجاد هذا المعرض الذي يحذر الشباب من مغبة معصية الله ؛ إن الكلمة الجامعة لكل ما رأيناه في زوايا وفي ثنايا هذا المعرض النافع المفيد، ينطق صارخاً ليقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] فالحياة الضنك والمعيشة النكد، والحشر السيئ في الآخرة لا شك أنه ثمرةٌ لمعصية الله والإعراض عن هدي رسول الله ﷺ . فيا أحبابي: يدور بنفسي الآن كلمة؛ بين القنوات الفضائية والأغاني الماجنة والمجلات الخليعة والأفلام المفسدة وجلساء السوء ودعاة الضلال ومروجي المخدرات الذين يصدون عن صراط الله المستقيم، من جهة، ومن جهةٍ أخرى الكلمة التي ربما تأتي تارةً ضعيفة، وتارةً قوية، وتارةً توأد في مهدها وفي بدايتها، وتارةً تشق طريقها ثم تقف عند عمدٍ معين، ولكن تبقى الكلمة هي السلاح الذي نفهم به كل ما ينفعنا ونحذر به كل ما يضرنا، ذلكم أننا في عصر الصراع؛ صراعٌ بين الصوت والصورة والكلمة المفسدة الماجنة من جهة، وصراعٌ من طرفٍ آخر تقوم به وتجاهد به الكلمة الناصحة الصادقة، الكلمة الطيبة كشجرةٍ طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها. إن الباطل صورٌ شتى، وألوانٌ عديدة، وأشكالٌ لا تنتهي، وهيئاتٌ تتجدد، وأما الكلمة الصالحة، الكلمة الطيبة، تبقى هي الكلمة ولا يزيدها مضي الزمان إلا تعمقاً في جذور الأرض، وإشراقاً وثمراً وينعاً ونفعاً لعباد الله أجمعين. أيها الشباب: كأني بقائلٍ يقول: ماذا يفعل أستاذ المواد الدينية؟! ماذا يقول هذا الشيخ الذي يخطب يوم الجمعة؟! ماذا يقول هذا الأستاذ الذي يزورنا اليوم ليلقي محاضرة؟! ماذا يقول هذا الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟! ماذا يقول رجل مكافحة المخدرات؟! ماذا يقول رجل الأمن؟! لا يملكون إلا كلمة، وأمام الباطل بصوره وفساده وأفلامه وقنواته ومجلاته بالغناء الخليع بالمغنية التي تبرز مفاتنها وتغري بحركاتها وتقتل بلحظاتها، ماذا يفعل هؤلاء أمام هؤلاء؟!. أقول: أيها الشباب! إن هذه الكلمة إذا كانت في مستقبل صدرٍ رحبٍ حيٍ نشطٍ، فإنها تتفاعل بإذن الله معه، وإذا صدرت -بإذن الله- من مخلصٍ ناصحٍ صادقٍ محبٍ مشفق، يكون لها أثر بإذن الله ، ولا يضيركم ولا يخيفكم ولا يزعجكم هذا الصراع القوي بين الباطل بأشكاله وصوره وألوانه وهيئاته وقنواته مع كلمة الحق الداعية الناصحة المعلمة المرشدة، لأن الله قال: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣] ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١].

стр. 1434

الضياع والهلاك يبدأ من معصية صغيرة ربما نجد شاباً من الشباب، يقع في فترةٍ من الفترات، وفي وقتٍ من الأوقات ضحية جلساء السوء، أو بداية المخدرات، أو فعل أمور لا تليق، أو ارتكاب شيءٍ من الفاحشة، أو الوقوع في أمرٍ من الخنا، ولكن بهذه الكلمة، بإذن الله التي تنفذ إلى سويداء قلبه، وببقية الإيمان الباقية التي تنتعش وتتحرك، لتقول له: أفق وانطلق وقم وانفض غبار النوم، فقد مضى ما مضى من اللهو والغفلة، وقد آن لك أن تستقبل حياةً جادةً مشرقة. أيها الشباب: إنه لا يوجد شابٌ على وجه الأرض نام في ليلةٍ من الليالي صالحاً ثم أصبح فاسقاً فاجراً، لا يوجد شاب بات ذات ليلة بريئاً أمينا ثم أصبح غادرا ًخائناً، لا يوجد شاب بات في ليلة من الليالي على طهرٍ وعفافٍ وصلاحٍ واستقامة ثم فجأةً أصبح خبيثاً سيئاً مجرماً ضالاً مضلا، لا يوجد أحدٌ ينحرف فجأة، ولكن الانحراف والمصائب والجرائم التي رأينا صورها ورأينا في هذا المعرض ما يدل عليها، إنما جاءت درجات، وجاءت خطوات، كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨]. الحلال فيه غنيةٌ عن الحرام، والحلال من كل شيء، الحلال من القول يغني عن الحرام من القول، والحلال من الطعام، يغني عن الحرام من الطعام، والحلال من المرئي والمسموع والمقروء يغني عن الحرام من المرئي والمسموع والمقروء وغيره. إذاً أيها الشباب: نريد أن ننتبه أن الواحد على خطر، ومبدأ الخطر إشارةٌ يسيرة قد لا يتلفت لها بعض الشباب، ثم هي التي تقوده إلى ذلك، لو أننا مثلاً ذهبنا إلى سجون المخدرات، وزرنا شاباً في زنزانة، وقلنا له: ما الذي جعلك الآن خلف القضبان وغيرك من الشباب يستمتعون بالحرية؟ ما الذي جعلك لا تتحرك إلا في هذه المساحة الضيقة وغيرك ينطلقون كالطيور يغدون ويروحون؟ ما الذي جعلك في هذه الحال من المذلة والهوان وغيرك يعيش العز والكرامة؟ ما الذي جعلك في هذه الحال من سوء السمعة، وكلٌ يتجنبك ولا يرضى أن يصاحبك، بل لو خطبت ما زوجوك، ولو أردت أن تتعامل ما عاملوك؟ لماذا؟! الجواب شيءٌ واحد: أنه استهان ببدايةٍ خطيرة وهي المعصية، ثم لا زال مصراً عليها، ولا زال متكئاً عليها، ولا زال يصبح ويبيت ويظن أنها ذكاء، وأنها فطنة أن يكون أمام الناس كالحمل الوديع البريء الذي لا يرتكب شيئاً، ثم إذا خلا بنفسه، ارتكب ألوان الذنوب، وفنون المعاصي وأشكال المخالفات الشرعية، إذا خلا بنفسه أو مع أقرانه، أو مع أترابه، أو بعض من زملائه من جلساء السوء، لا تظن أن شيئاً يظل خفياً أبداً. ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ وإن خالها تخفى على الناس تعلمِ أيها الشباب: ينبغي أن تعلموا أنه إن لم تستعينوا بالله وتحافظوا على أنفسكم، فإنه لا يوجد في الصيدليات ولا في باندا ولا في العثيم ولا في سوق الخضرة، لا يوجد طعام أو شراب أو دواء إذا أكلته أصبحت محصناً من الشر، وبمأمنٍ من الجريمة، وفي أمانٍ من الفساد والانحراف أبداً!! لا يمكن أن تحافظ على نفسك بعد فضل الله ورحمته وعونه، لا يمكن أن تحافظ على نفسك إلا بمجاهدة هذه النفس: والنفسُ كالطفلِ إن تهمله شب على حب الرضاعِ وإن تفطمه ينفطمِ النفس لابد أن تجاهدها مجاهدة، الشاب الذي وقع في التدخين كيف يقلع عن التدخين؟ هل يوجد شراب يشربه ثم يصبح يكره التدخين؟!! مساكين هؤلاء الذين يظنون أنه بوسعه بمجرد أن يأكل حبوباً أو كبسولات، أو شراباً أو يأخذ إبرة من الطبيب أنه بهذا سوف يقلع عن التدخين مرةً واحدة، أبداً هذا مستحيل، ولا يمكن أن يقلع، إلا إذا تاب إلى الله وعلم أن فعله حرام، ورافق ذلك نية صالحة صادقة، ومجاهدة وعزيمة لمجاهدة النفس للإقلاع: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. لا تتصور أن شاباً وقع في الفاحشة الخلقية التي نستحي أن نتكلم عن اسمها أو تفاصيلها، لا تتصور أن شاباً وقع في ذلك بأنه يمكن أن يقلع عن ذلك، لأنه أراد أن يشرب شراباً أو يطعم طعاماً ثم ينتهي من ذلك، أبداً، هذا مستحيل، لا يقلع أحد عن ذنبٍ أو معصية إلا إذا جاهد نفسه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].

стр. 1435

إهمال تحديد المستقبل عند الشاب أيها الشباب: ينبغي أن تعلموا جيداً أن هذه الحياة وهذه المرحلة بالذات التي تعيشونها الآن في وقتكم الحالي هي التي ترسم مستقبلكم، فالشاب الذي تراه عاكفاً على دروسه، مجتهداً في دراسته، منتفعاً بالعلم، حريصاً على أن يطبق ما تعلم، مجتهداً في طاعة ربه قبل ذلك، متجنباً جلساء السوء، همته عالية، هذا الشاب بإذن الله سوف يرقى إلى أسمى الدرجات، والمستقبل خيرُ شاهدٍ على ذلك يبشره بخيرٍ عظيمٍ بإذن الله . وأما الشاب الذي همته لا تتجاوز حذاءه، بعض الشباب همته وأمنياته وطموحاته لا تتجاوز الحذاء، لو تسأل بعض الشباب: ماهي أمنيتك؟ لقال: أتمنى سيارة (ديتسن) أفحط بها، هذه هي الأمنية! ما هي أمنيتك؟ قال: أتمنى أني آخذ شارع التخصصي ذهاباً وإياباً من أجل أن أشخص مثل الناس المشخصين هناك ما هي أمنيتك؟ قال: والله أمنيتي أن يكون عندي مرواس أو عود أو دمبك أو طبل ما هي أمنيتك فتجد أماني حقيرة ساقطة ذليلة، أماني تحت النعال وتحت التراب، وأمثال هؤلاء أيها الشباب! لا يمكن أن يكون لهم شأن في الحياة وفي المستقبل أبداً، بل من الآن تبشرهم بمستقبلٍ منذرٍ بالشؤم والفقر والكد والنكد وخذوا مثالاً على ذلك:

стр. 1436

العلم يحدد مستقبلك منذُ أيام في إحدى المستشفيات رئيس أحد الأقسام في المستشفى رجل من الهند؛ هندي وراتبه يتجاوز أربعين ألف ريال، ومن نفس مدينته وبلده أو قريته عامل لا يتجاوز راتبه ثلاثمائة ريال أو أربعمائة ريال، هذا من الهند وهذا من الهند، وهذا يتكلم نفس اللغة وهذا يتكلم نفس اللغة، وهذا راتبه أربعون ألفاً، وهذا راتبه ثلاثمائة ريال!! يأكل بمائة وعشرين ويرسل إلى أهله مائة وثمانين ريالاً، ما الفرق بين هذا وهذا؟!!. الفرق هو العلم! هذا أقبل على العلم منذُ صغره، ووجد أبوين يعينانه على العلم منذُ صغره، وتحملوا شظف العيش في سبيل تعليم ولدهم في طفولته ونشأته حتى نشأ وشبّ وترعرع متعلماً، فأصبح عالماً فأصبح أستاذاً ورئيساً، وهذا نشأ لم يلتفت إلى العلم، ولم يتلفت أبواه إلى تعليمه، فلم يكن عنده من قدرةٍ ولا خبرةٍ ولا صنعةٍ ولا مهنةٍ ولا وظيفةٍ ولا إمكانيةٍ ولا موهبةٍ أبداً. فأصبح هذا في الحضيض وذاك في مستوى الوظائف في أعلى الدرجات، نعم. إن أكرم الناس عند الله أتقاهم، لكن الآن لو خيرتك أن تسكن خيمة أو بيت بلك، تقول: لا. بيت بلك أفضل، ولو خيرت أن تسكن بيت بلك أو فلة من دورين جميلة مشطبة ممتازة مؤثثة مفروشة، قلت: والله أطمع أن أسكن فلة، ولو خيرت بين فلة وبين قصر جميل وواسع وحدائق وأنهار، قلت: أريد قصراً. فبطبيعة الإنسان في مصلحة نفسه وملذاته وشهواته وأمنياته يعرف ما هو الوضيع وما هو المنحط، ويعرف ما هو العالي وما هو الرفيع، فكذلك في حياتك وتعليمك، وسلوكك، ومستقبلك، في دراستك أنت تستطيع أن تكون وضيعاً وتستطيع أن تكون رفيعاً، تستطيع أن تكون حقيراً ذليلاً وتستطيع أن تكون إماماً خطيراً، تستطيع أن تكون شخصاً مهماً، وتستطيع أن تكون شخصاً تافهاً. الأمر بيديك والإرادة بين يديك، والقدرة -بإذن الله- بين يديك، لكن تحتاج منك: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]. من جاهد وصبر أعطى من نفسه، أعطى من وقته من ماله من فكره من جهده من صبره، وعمل، فإنه -بإذن الله- ينال الحسنى؛ حسن الدنيا وحسن الآخرة، أما من بخل واستغنى وقال: لا حاجة للعلم، لا حاجة إلى العمل يصبح فقيراً يمد يده إلى الناس، إن أعطوه أو منعوه ولا حول ولاقوة إلا بالله!

стр. 1437

اختيار الجليس أيها الشباب: من الأمور الخطيرة ألا يفكر الشاب في مستقبله، وألا ينظر إلى مستقبل حياته، لو أن أحداً سافر إلى بلدٍ من البلدان، لا شك أنه يعلم كم سيمكث في هذا البلد، وأين سيسكن في هذا البلد، وما هي ترتيباته وأموره وأعماله في هذا البلد ومتى سوف يعود من هذا البلد!! لكن كثيراً من الشباب وهم الآن في سفر الدنيا: فاقضوا مآربكم عجال إنما أعماركم سفرٌ من الأسفارِ نحن في سفر الدنيا، فكثيرٌ من الشباب لا يبالي ماذا يعمل في هذه الرحلة! ماذا يتعلم! ماذا يقدم! ماذا ينتج! ما الذي يقربه من الله! ما الذي يباعده من ربه! ما الذي يسبب له سخط الله عليه! كل ذلك لا يبالي به، ولا يهتم بأي حالٍ من الأحوال، لماذا هذا الأمر؟ تجد الشاب لو قلت له: اشتر شماغاً، قال: لا. أنا أذهب إلى شارع ثميري؛ لأني أعرف أن هناك شماغات جديدة من نوع بسام، أو من نوع ملكي عجلان ألجنت خطين كلاسيكي جميل، لا يمكن أن أختار غير هذا النوع، يا أخي! هذا الشماغ قال: لا هذه شماغ بخمسة عشر ريالاً أو بعشرين، فتجده ينتقي الشماغ الجيد، الطاقية كذلك لابد أن ينتقيها، لا يمكن أن يلبس (جوطي أو علبة أو غبارة) لا. يريد أن يلبس طاقية ممتازة من نسجٍ جميل، ومريحة على رأسه، وكذلك الثوب، فيذهب ويدخل محل فلان وعلان، ومحل فلان، ويختار القماش المناسب، لا يقول للخياط: يا أخي! انظر ثوباً على مزاجك وأعطني إياه، لا. بل أرني هذا القماش، أرني هذا القماش، حتى الحذاء تجده ينظر إلى الحذاء هل يناسب قدمه، أهو واسع أم ضيق، كبير أم صغير، مريح وثمين؟ يعرف حتى حذاءه كيف ينتقيه. لكنه لا ينتقي جليسه، لا ينتقي صديقه، لا ينتقي الشخص الذي يؤثر عليه ويتأثر به ومنه، أبداً هذا -للأسف- غير موجود عند كثير من الشباب، ينتقي الحذاء، ويختار الشماغ، ويختار الثوب، لكنه لا يختار الصديق؛ أي صديق من الشارع، يكفيه صديق عنده سيارة ديتسن غمارتين، يضرب له بوق السيارة عند الباب بعد صلاة المغرب مع أصحابه فيدعوه إلى أين؟ اركب يا رجل! تفحيط وضجة ولفات ويمين وشمال، يا أخي! يقول المؤذن: الله أكبر، ادخل نصلي، يا شيخ! يوقفك على الصلاة!! يأخذه ويجعله معه في السيارة، والله يا شباب! أنا أعجب حينما أقف عند إشارة مرورية، ثم ألقى هذا الولد قاعداً يلعب، يا رب! ما الذي فيه، عسى أنه يكون من فرقة القرود خرجت من الحديقة، سوف أبلغ الدوريات الآن، ثم أجد أنهم قرود بشرية وللأسف! شباب أشكال غريبة، تقليد للغرب، موسيقى مزعجة إلى أعلى الدرجات، وحالة سيئة، ووجوهٌ كالحة، لم يصلوا، لم يركعوا، لم يسجدوا، لم يسمعوا نصيحة، لم يحضروا محاضرة، لم ينصتوا لخطبة الجمعة، بل قد لا يحضرون لصلاة الجمعة، لا يسمعون درساً، ولا ينتفعون بمقولة، أبداً. حياتهم أغنية آخر شريط آخر مطرب آخر حفلة آخر مجلة، وهناك أشياء تُدس سراً بالسر، الكيس الفلانية ترى فيها من لوازمك الفلاني لا أحد يراها، والكيس الفلاني فيه حاجتك الفلانية لا يراها أحد، ما عليك المهم الذي تريده موجود عندي، إذا رجعنا الليلة البيت أصرف الشلة وأعطيك الذي تريد.

стр. 1438

جليسك الصالح من يدلك على الخير للأسف أصبح الشباب يذبح بعضهم بعضاً، وينحر بعضهم بعضاً، وأشدهم ذبحاً لصاحبه أشدهم صداقة له، انظروا المقاييس المختلفة الذي ينصحه ويدعوه ويحذره من الشر، ويتمنى له الخير ويرجو له مستقبلاً مشرقاً، هذا نذل متشدد وقح مزعج متزمت لا يطاق ولا يقبل، لأنه لا يكلمه إلا بما ينفعه، لكن الآخر هو صديقه، لماذا؟ لأنه هو الذي يملأ عقله بالأغاني والملاهي!! وهو صديقه لأنه الذي يملأ عقله بالأفلام والمسلسلات!! وهو صديقه لأنه الذي يزين له السهر بعيداً عن البيت أمام القنوات والأفلام الماجنة!! صديقه لأنه هو الذي يبعده بعيداً، يهربه بعيداً عن أمه وأبيه!! هو صديقه لماذا؟ لأنه هو الذي يشجعه على قطيعة رحمه، وعقوق والديه، لأنه صديقه الذي معه فأسٌ ومعول يضرب على وجهه وعقله وصدره ليدمر حياته ومستقبله. كم عدد الشباب الآن الذين يتسكعون في الصباح وهم من أبناء وطلاب المدارس؟ ما الذي أخرجهم من المدرسة؟ ما الذي جعل الواحد يصبر على الدوران وألم الرأس والوجع واللف يمين يسار في الحارات وفي المقاهي ويمين شمال إلا جلساؤهم الذين زينوا لهم، وأغروهم ودعوهم إلى ذلك بحجة: تعال هنا اللذة وهنا الراحة وهنا الطمأنينة، نعم، جليسه هذا ربما استطاع أن يبعده عن المدرسة أسبوعاً وأسبوعين وشهراً وشهرين، لكنه جعله ذليلاً فقيراً حقيراً سنين طويلة لأنه أبعده عن العلم ومكانه.

стр. 1439

الصبر عند طلب العلم يا شباب: العلم يحتاج إلى صبر؛ فالطيارون الذين يقودون الطائرات، والأطباء الذين يعالجون الناس، ويجرون العمليات الجراحية لإنقاذ حياتهم، وطلبة العلم والعلماء الذين يدرسون في الجامعات، ويتبوءون التوجيه والإرشاد، هل حصلوا ذلك بالتجوال والدوران واللفلفة يميناً وشمالاً؟ لا. إنما أخذوه بطول نفس. أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ سأنبيك عن تفصيلها ببيانِ ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبلغةٌ وصحبة أستاذٍ وطول زمان ستة أمور حتى يصل الإنسان إلى ما يصل إليه، الآن إذا رأيت ضابطاً معلقاً نجمة، تراه أخذ سنوات ثلاث عجاف شديدة قاسية، من الأمر والنهي والعسكرية والانضباط والجد حتى علَّق نجمةً واحدة!! ثم دورات حتى يعلق الثانية، ثم هكذا وهلمَّ جرا حتى يصل إلى مكانةٍ ما، فهؤلاء الذين يريدون الحياة شربة ماء، بدون أي بذل، بدون أي جهد ومشقة مساكين. تسألني أم الوليد جملاً يمشي رويداً ويجي أولا تريد أن تزحف على بطنك وتكون الأول في السباق، لا. إذا أردت أن تكون الأول في السباق لابد أن تعد نفسك باللياقة والتدريب وأن تأخذ نفسك بالجهد ويتصبب عرقك حتى تكون أنت الأول في هذا المضمار وفي هذا الميدان. بعض الشباب عنده حكمة يقول: من نام على الدرب وصل، ليس من سار، لا. بل من نام على الدرب وصل، إن جاء أحد من هنا أو من هنا يقوده من هنا أو يجره من هنا، فبعض الشباب لولا لطف الله ، بل كلهم بلطف الله وجدوا الهداية والاستقامة، لكن بعضهم قد يكون من الأسباب المعينة، أن نفعه الله بمركز النشاط في الثانوية، أو أستاذ من الأساتذة الصالحين؛ مدرس رياضيات أو علوم شرعية أو لغة إنجليزية، صار يعظه وينصحه كل ما دخل الدرس أعطى درساً في الآداب في الأخلاق والسلوك، والتواضع، والحذر من معصية الله، والحذر من الجريمة، والخطيئة ومغبة المعاصي ومن شؤم المخالفات الشرعية، وعلى مدى اللقاء كل يوم استطاع أن يؤثر فيه، لكن بعض الشباب أيضاً قلبه أغلف أو لم يهيأ له ذلك المدرس الذي ينصحه، أو لم يكن له ذلك الأخ الشقيق في بيته، أو لم يكن له ذلك الأب الحنون المنتبه الواعي الفطن لمغريات الحياة، الآن وقوف الشاب مع والديه نادراً وقليلاً، أصبح أغلب وقتٍ يمكثه الشباب في المدرسة، ثم أمام القنوات التلفازية فضائيةً وغير فضائية. ولا يمكن والله لو تأخذ- أجلكم الله- حماراً وتقابله كل يوم وتأخذه على نمط معين وعلى وتيرة معينة وعلى تصرفات معينة بمقدار ما يدرسه الشباب في المدارس وأمام الشاشات، لكان أكثر وتغير ولأصبح له طبعٌ غريبٌ وعجيب، بل البهائم الفيلة والحمير والأسود والبغال تساق لمدة زمنية معينة فتعرف المسألة تماماً، تعرف القضية تماماً، مثل ما وقفت على السواني بئر معلقه بها الدلاء وأطراف الحبال مربوطة- أجلكم الله- في الحمير والبغال، تعودها الحمار ففهمها، يمشي في المنحاة الذي هو الطريق الممر المخصص له حتى تنزل القربة في الماء، فإذا أحس بأن القربة امتلأت بشعور الثقل الذي يعلق به، تحرك من جديد إلى آخر المنحاة ثم القرب تصب الماء في الحوض، ويتصرف الحوض إلى المزرعة أو إلى غيره، ثم يرجع من جديد، إذاً لا أحد يقول: أنا لا أتأثر!!

стр. 1440

شؤم المعصية وذلها بعض الشباب يقول: صحيح، الكلام هذا أنا أعرفه تماماً، المخدرات التي رأيناها نحن نحذرها ونخشى منها، نقول: نعم تحذرها وتخشى منها ولابد أن تفعل الأسباب التي تجعلك بعيداً عنها، ليس فقط والله عرفناها بل عرفناها، فكثيرون من الذين وقعوا في المخدرات يعرفون أنها مخدرات، ويعرفون أنها حرام، ويعرفون أنها ضياع وهلاك ودمار، ولكن لما زين لهم جلساء السوء هذه الأمور، وفعل بهم كما فعل الشيطان ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢]. يا أخي! جرب هذه السيجارة، لا تصير مطوعاً، لا تصير متشدداً، لا تصير متزمتاً، مرة واحدة ويتوب الله علينا وعليك، مرة واحدة يغفر الله لنا ولك، أنت ما الذي يمنعك؟ هناك أناس يقولون ليس بحرام، هناك أحد يقول: مكروه، ولا يزال به رويداً رويداً، حتى يقول: طيب ما المانع لو جربت في سيجارة؟ ما الإشكال؟ ثم تتحول بعد الإقناع إلى شيء من حب الظهور والشخصية والرجولة. مجموعة شباب يجلسون كل واحد يضع الباكت، يضع الولاعة، ويظهر أحدهم كأنه كريم، فك الباكت ولع سيجارة، تشرب؟ تشرب؟ وذاك المسكين يستحي من بينهم ويأخذ سيجارة معهم، ثم يجاريهم ولا يزال بهذه الطريقة، حتى يتحول إلى الإدمان والعادة ولا حول ولا قوة إلا بالله! إذا كان بعض الشباب قد دخل الكلية ولا زال من شدة أسر السيجارة له، يخرج من المحاضرة، ويدخل دورة المياة ويولع سيجارة سيجارتين ويرجع إلى القاعة!! ماذا تقولون في شابٍ يفعل هذا؟ السبب أن هذه السيجارة أذلته وأخرجته من مجلس العلم، ومجلس الذكر، ومجلسٍ يقال فيه: قال الله ورسوله ﷺ ، وأخرجته لكي يجلس في دورة المياة خمس دقائق لكي يقف مع الحشرات والصراصير ليدخن. إنه أسر عظيم جداً ولو أن أحداً من الأساتذة أو المدير أو الوكيل أو العميد أو المساعد جاء إلى الفصل قال: فلان! ادخل في الحمام واجلس فيه خمس دقائق، لماذا؟! ما هذه الإهانة؟! تخرجني من بين الطلاب وتهينني وتجعلني من مقام الدرس أذهب إلى دورة المياة من بين هؤلاء، أمام النجاسات وعند القاذورات والفضلات؟!! أي ذلةٍ تذلني بها؟!! أنا لا أرضى!! سأكتب إلى وزير المعارف سأكتب للتعليم!! سأنشر في الصحافة!! سأقول ما أقول!! لا. لا توجد حاجة إلى أن الوكيل أو العميد يخرج هذا الطالب، السيجارة هي التي تخرجه وتذله وتجره رغماً عن أنفه وتدخله دورة المياة أمام الفضلات، أمام القاذورات، وتجعله يمزها أو يرتشفها الخمس والعشر دقائق، ثم يخرج وقد تلوثت رائحته برائحة الفضلات والتدخين، ثم يعود أسيراً ذليلاً لهذه السيجارة. أي ذلةٍ أوقعك هذا الحرام فيها؟!! ثم ماذا بعد ذلك؟ لو أن أخياراً جلسوا، وقال أحدهم: تعال اجلس معنا يا فلان، ربما في قلبه: والله لماذا لا أجلس معهم، يمكن أسمع شيئاً ينفعني؟ هل أنا لست كفؤاً بهذه المجالس؟ فتهم نفسه، يوشك أن يحضر ويجلس معهم، فيأتيه الشيطان؛ الشيطان نفسه، يقول: اقلب وجهك، أنت لست لهذه المجالس، اذهب وانظر لك أناساً يدخنون ويشيشون على الرصيف فاجلس معهم، أولئك هم أشكالك، أما الناس الطيبون أهل عطر، أهل طهر، أهل صفاء، ونقاء، لست حرياً ولا حقيقاً ولا جديراً أن تجلس معهم.
следующие страницы →