← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

العلم يحدد مستقبلك منذُ أيام في إحدى المستشفيات رئيس أحد الأقسام في المستشفى رجل من الهند؛ هندي وراتبه يتجاوز أربعين ألف ريال، ومن نفس مدينته وبلده أو قريته عامل لا يتجاوز راتبه ثلاثمائة ريال أو أربعمائة ريال، هذا من الهند وهذا من الهند، وهذا يتكلم نفس اللغة وهذا يتكلم نفس اللغة، وهذا راتبه أربعون ألفاً، وهذا راتبه ثلاثمائة ريال!! يأكل بمائة وعشرين ويرسل إلى أهله مائة وثمانين ريالاً، ما الفرق بين هذا وهذا؟!!. الفرق هو العلم! هذا أقبل على العلم منذُ صغره، ووجد أبوين يعينانه على العلم منذُ صغره، وتحملوا شظف العيش في سبيل تعليم ولدهم في طفولته ونشأته حتى نشأ وشبّ وترعرع متعلماً، فأصبح عالماً فأصبح أستاذاً ورئيساً، وهذا نشأ لم يلتفت إلى العلم، ولم يتلفت أبواه إلى تعليمه، فلم يكن عنده من قدرةٍ ولا خبرةٍ ولا صنعةٍ ولا مهنةٍ ولا وظيفةٍ ولا إمكانيةٍ ولا موهبةٍ أبداً. فأصبح هذا في الحضيض وذاك في مستوى الوظائف في أعلى الدرجات، نعم. إن أكرم الناس عند الله أتقاهم، لكن الآن لو خيرتك أن تسكن خيمة أو بيت بلك، تقول: لا. بيت بلك أفضل، ولو خيرت أن تسكن بيت بلك أو فلة من دورين جميلة مشطبة ممتازة مؤثثة مفروشة، قلت: والله أطمع أن أسكن فلة، ولو خيرت بين فلة وبين قصر جميل وواسع وحدائق وأنهار، قلت: أريد قصراً. فبطبيعة الإنسان في مصلحة نفسه وملذاته وشهواته وأمنياته يعرف ما هو الوضيع وما هو المنحط، ويعرف ما هو العالي وما هو الرفيع، فكذلك في حياتك وتعليمك، وسلوكك، ومستقبلك، في دراستك أنت تستطيع أن تكون وضيعاً وتستطيع أن تكون رفيعاً، تستطيع أن تكون حقيراً ذليلاً وتستطيع أن تكون إماماً خطيراً، تستطيع أن تكون شخصاً مهماً، وتستطيع أن تكون شخصاً تافهاً. الأمر بيديك والإرادة بين يديك، والقدرة -بإذن الله- بين يديك، لكن تحتاج منك: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]. من جاهد وصبر أعطى من نفسه، أعطى من وقته من ماله من فكره من جهده من صبره، وعمل، فإنه -بإذن الله- ينال الحسنى؛ حسن الدنيا وحسن الآخرة، أما من بخل واستغنى وقال: لا حاجة للعلم، لا حاجة إلى العمل يصبح فقيراً يمد يده إلى الناس، إن أعطوه أو منعوه ولا حول ولاقوة إلا بالله!

стр. 1437

اختيار الجليس أيها الشباب: من الأمور الخطيرة ألا يفكر الشاب في مستقبله، وألا ينظر إلى مستقبل حياته، لو أن أحداً سافر إلى بلدٍ من البلدان، لا شك أنه يعلم كم سيمكث في هذا البلد، وأين سيسكن في هذا البلد، وما هي ترتيباته وأموره وأعماله في هذا البلد ومتى سوف يعود من هذا البلد!! لكن كثيراً من الشباب وهم الآن في سفر الدنيا: فاقضوا مآربكم عجال إنما أعماركم سفرٌ من الأسفارِ نحن في سفر الدنيا، فكثيرٌ من الشباب لا يبالي ماذا يعمل في هذه الرحلة! ماذا يتعلم! ماذا يقدم! ماذا ينتج! ما الذي يقربه من الله! ما الذي يباعده من ربه! ما الذي يسبب له سخط الله عليه! كل ذلك لا يبالي به، ولا يهتم بأي حالٍ من الأحوال، لماذا هذا الأمر؟ تجد الشاب لو قلت له: اشتر شماغاً، قال: لا. أنا أذهب إلى شارع ثميري؛ لأني أعرف أن هناك شماغات جديدة من نوع بسام، أو من نوع ملكي عجلان ألجنت خطين كلاسيكي جميل، لا يمكن أن أختار غير هذا النوع، يا أخي! هذا الشماغ قال: لا هذه شماغ بخمسة عشر ريالاً أو بعشرين، فتجده ينتقي الشماغ الجيد، الطاقية كذلك لابد أن ينتقيها، لا يمكن أن يلبس (جوطي أو علبة أو غبارة) لا. يريد أن يلبس طاقية ممتازة من نسجٍ جميل، ومريحة على رأسه، وكذلك الثوب، فيذهب ويدخل محل فلان وعلان، ومحل فلان، ويختار القماش المناسب، لا يقول للخياط: يا أخي! انظر ثوباً على مزاجك وأعطني إياه، لا. بل أرني هذا القماش، أرني هذا القماش، حتى الحذاء تجده ينظر إلى الحذاء هل يناسب قدمه، أهو واسع أم ضيق، كبير أم صغير، مريح وثمين؟ يعرف حتى حذاءه كيف ينتقيه. لكنه لا ينتقي جليسه، لا ينتقي صديقه، لا ينتقي الشخص الذي يؤثر عليه ويتأثر به ومنه، أبداً هذا -للأسف- غير موجود عند كثير من الشباب، ينتقي الحذاء، ويختار الشماغ، ويختار الثوب، لكنه لا يختار الصديق؛ أي صديق من الشارع، يكفيه صديق عنده سيارة ديتسن غمارتين، يضرب له بوق السيارة عند الباب بعد صلاة المغرب مع أصحابه فيدعوه إلى أين؟ اركب يا رجل! تفحيط وضجة ولفات ويمين وشمال، يا أخي! يقول المؤذن: الله أكبر، ادخل نصلي، يا شيخ! يوقفك على الصلاة!! يأخذه ويجعله معه في السيارة، والله يا شباب! أنا أعجب حينما أقف عند إشارة مرورية، ثم ألقى هذا الولد قاعداً يلعب، يا رب! ما الذي فيه، عسى أنه يكون من فرقة القرود خرجت من الحديقة، سوف أبلغ الدوريات الآن، ثم أجد أنهم قرود بشرية وللأسف! شباب أشكال غريبة، تقليد للغرب، موسيقى مزعجة إلى أعلى الدرجات، وحالة سيئة، ووجوهٌ كالحة، لم يصلوا، لم يركعوا، لم يسجدوا، لم يسمعوا نصيحة، لم يحضروا محاضرة، لم ينصتوا لخطبة الجمعة، بل قد لا يحضرون لصلاة الجمعة، لا يسمعون درساً، ولا ينتفعون بمقولة، أبداً. حياتهم أغنية آخر شريط آخر مطرب آخر حفلة آخر مجلة، وهناك أشياء تُدس سراً بالسر، الكيس الفلانية ترى فيها من لوازمك الفلاني لا أحد يراها، والكيس الفلاني فيه حاجتك الفلانية لا يراها أحد، ما عليك المهم الذي تريده موجود عندي، إذا رجعنا الليلة البيت أصرف الشلة وأعطيك الذي تريد.

стр. 1438

جليسك الصالح من يدلك على الخير للأسف أصبح الشباب يذبح بعضهم بعضاً، وينحر بعضهم بعضاً، وأشدهم ذبحاً لصاحبه أشدهم صداقة له، انظروا المقاييس المختلفة الذي ينصحه ويدعوه ويحذره من الشر، ويتمنى له الخير ويرجو له مستقبلاً مشرقاً، هذا نذل متشدد وقح مزعج متزمت لا يطاق ولا يقبل، لأنه لا يكلمه إلا بما ينفعه، لكن الآخر هو صديقه، لماذا؟ لأنه هو الذي يملأ عقله بالأغاني والملاهي!! وهو صديقه لأنه الذي يملأ عقله بالأفلام والمسلسلات!! وهو صديقه لأنه الذي يزين له السهر بعيداً عن البيت أمام القنوات والأفلام الماجنة!! صديقه لأنه هو الذي يبعده بعيداً، يهربه بعيداً عن أمه وأبيه!! هو صديقه لماذا؟ لأنه هو الذي يشجعه على قطيعة رحمه، وعقوق والديه، لأنه صديقه الذي معه فأسٌ ومعول يضرب على وجهه وعقله وصدره ليدمر حياته ومستقبله. كم عدد الشباب الآن الذين يتسكعون في الصباح وهم من أبناء وطلاب المدارس؟ ما الذي أخرجهم من المدرسة؟ ما الذي جعل الواحد يصبر على الدوران وألم الرأس والوجع واللف يمين يسار في الحارات وفي المقاهي ويمين شمال إلا جلساؤهم الذين زينوا لهم، وأغروهم ودعوهم إلى ذلك بحجة: تعال هنا اللذة وهنا الراحة وهنا الطمأنينة، نعم، جليسه هذا ربما استطاع أن يبعده عن المدرسة أسبوعاً وأسبوعين وشهراً وشهرين، لكنه جعله ذليلاً فقيراً حقيراً سنين طويلة لأنه أبعده عن العلم ومكانه.

стр. 1439

الصبر عند طلب العلم يا شباب: العلم يحتاج إلى صبر؛ فالطيارون الذين يقودون الطائرات، والأطباء الذين يعالجون الناس، ويجرون العمليات الجراحية لإنقاذ حياتهم، وطلبة العلم والعلماء الذين يدرسون في الجامعات، ويتبوءون التوجيه والإرشاد، هل حصلوا ذلك بالتجوال والدوران واللفلفة يميناً وشمالاً؟ لا. إنما أخذوه بطول نفس. أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ سأنبيك عن تفصيلها ببيانِ ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبلغةٌ وصحبة أستاذٍ وطول زمان ستة أمور حتى يصل الإنسان إلى ما يصل إليه، الآن إذا رأيت ضابطاً معلقاً نجمة، تراه أخذ سنوات ثلاث عجاف شديدة قاسية، من الأمر والنهي والعسكرية والانضباط والجد حتى علَّق نجمةً واحدة!! ثم دورات حتى يعلق الثانية، ثم هكذا وهلمَّ جرا حتى يصل إلى مكانةٍ ما، فهؤلاء الذين يريدون الحياة شربة ماء، بدون أي بذل، بدون أي جهد ومشقة مساكين. تسألني أم الوليد جملاً يمشي رويداً ويجي أولا تريد أن تزحف على بطنك وتكون الأول في السباق، لا. إذا أردت أن تكون الأول في السباق لابد أن تعد نفسك باللياقة والتدريب وأن تأخذ نفسك بالجهد ويتصبب عرقك حتى تكون أنت الأول في هذا المضمار وفي هذا الميدان. بعض الشباب عنده حكمة يقول: من نام على الدرب وصل، ليس من سار، لا. بل من نام على الدرب وصل، إن جاء أحد من هنا أو من هنا يقوده من هنا أو يجره من هنا، فبعض الشباب لولا لطف الله ، بل كلهم بلطف الله وجدوا الهداية والاستقامة، لكن بعضهم قد يكون من الأسباب المعينة، أن نفعه الله بمركز النشاط في الثانوية، أو أستاذ من الأساتذة الصالحين؛ مدرس رياضيات أو علوم شرعية أو لغة إنجليزية، صار يعظه وينصحه كل ما دخل الدرس أعطى درساً في الآداب في الأخلاق والسلوك، والتواضع، والحذر من معصية الله، والحذر من الجريمة، والخطيئة ومغبة المعاصي ومن شؤم المخالفات الشرعية، وعلى مدى اللقاء كل يوم استطاع أن يؤثر فيه، لكن بعض الشباب أيضاً قلبه أغلف أو لم يهيأ له ذلك المدرس الذي ينصحه، أو لم يكن له ذلك الأخ الشقيق في بيته، أو لم يكن له ذلك الأب الحنون المنتبه الواعي الفطن لمغريات الحياة، الآن وقوف الشاب مع والديه نادراً وقليلاً، أصبح أغلب وقتٍ يمكثه الشباب في المدرسة، ثم أمام القنوات التلفازية فضائيةً وغير فضائية. ولا يمكن والله لو تأخذ- أجلكم الله- حماراً وتقابله كل يوم وتأخذه على نمط معين وعلى وتيرة معينة وعلى تصرفات معينة بمقدار ما يدرسه الشباب في المدارس وأمام الشاشات، لكان أكثر وتغير ولأصبح له طبعٌ غريبٌ وعجيب، بل البهائم الفيلة والحمير والأسود والبغال تساق لمدة زمنية معينة فتعرف المسألة تماماً، تعرف القضية تماماً، مثل ما وقفت على السواني بئر معلقه بها الدلاء وأطراف الحبال مربوطة- أجلكم الله- في الحمير والبغال، تعودها الحمار ففهمها، يمشي في المنحاة الذي هو الطريق الممر المخصص له حتى تنزل القربة في الماء، فإذا أحس بأن القربة امتلأت بشعور الثقل الذي يعلق به، تحرك من جديد إلى آخر المنحاة ثم القرب تصب الماء في الحوض، ويتصرف الحوض إلى المزرعة أو إلى غيره، ثم يرجع من جديد، إذاً لا أحد يقول: أنا لا أتأثر!!

стр. 1440

شؤم المعصية وذلها بعض الشباب يقول: صحيح، الكلام هذا أنا أعرفه تماماً، المخدرات التي رأيناها نحن نحذرها ونخشى منها، نقول: نعم تحذرها وتخشى منها ولابد أن تفعل الأسباب التي تجعلك بعيداً عنها، ليس فقط والله عرفناها بل عرفناها، فكثيرون من الذين وقعوا في المخدرات يعرفون أنها مخدرات، ويعرفون أنها حرام، ويعرفون أنها ضياع وهلاك ودمار، ولكن لما زين لهم جلساء السوء هذه الأمور، وفعل بهم كما فعل الشيطان ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢]. يا أخي! جرب هذه السيجارة، لا تصير مطوعاً، لا تصير متشدداً، لا تصير متزمتاً، مرة واحدة ويتوب الله علينا وعليك، مرة واحدة يغفر الله لنا ولك، أنت ما الذي يمنعك؟ هناك أناس يقولون ليس بحرام، هناك أحد يقول: مكروه، ولا يزال به رويداً رويداً، حتى يقول: طيب ما المانع لو جربت في سيجارة؟ ما الإشكال؟ ثم تتحول بعد الإقناع إلى شيء من حب الظهور والشخصية والرجولة. مجموعة شباب يجلسون كل واحد يضع الباكت، يضع الولاعة، ويظهر أحدهم كأنه كريم، فك الباكت ولع سيجارة، تشرب؟ تشرب؟ وذاك المسكين يستحي من بينهم ويأخذ سيجارة معهم، ثم يجاريهم ولا يزال بهذه الطريقة، حتى يتحول إلى الإدمان والعادة ولا حول ولا قوة إلا بالله! إذا كان بعض الشباب قد دخل الكلية ولا زال من شدة أسر السيجارة له، يخرج من المحاضرة، ويدخل دورة المياة ويولع سيجارة سيجارتين ويرجع إلى القاعة!! ماذا تقولون في شابٍ يفعل هذا؟ السبب أن هذه السيجارة أذلته وأخرجته من مجلس العلم، ومجلس الذكر، ومجلسٍ يقال فيه: قال الله ورسوله ﷺ ، وأخرجته لكي يجلس في دورة المياة خمس دقائق لكي يقف مع الحشرات والصراصير ليدخن. إنه أسر عظيم جداً ولو أن أحداً من الأساتذة أو المدير أو الوكيل أو العميد أو المساعد جاء إلى الفصل قال: فلان! ادخل في الحمام واجلس فيه خمس دقائق، لماذا؟! ما هذه الإهانة؟! تخرجني من بين الطلاب وتهينني وتجعلني من مقام الدرس أذهب إلى دورة المياة من بين هؤلاء، أمام النجاسات وعند القاذورات والفضلات؟!! أي ذلةٍ تذلني بها؟!! أنا لا أرضى!! سأكتب إلى وزير المعارف سأكتب للتعليم!! سأنشر في الصحافة!! سأقول ما أقول!! لا. لا توجد حاجة إلى أن الوكيل أو العميد يخرج هذا الطالب، السيجارة هي التي تخرجه وتذله وتجره رغماً عن أنفه وتدخله دورة المياة أمام الفضلات، أمام القاذورات، وتجعله يمزها أو يرتشفها الخمس والعشر دقائق، ثم يخرج وقد تلوثت رائحته برائحة الفضلات والتدخين، ثم يعود أسيراً ذليلاً لهذه السيجارة. أي ذلةٍ أوقعك هذا الحرام فيها؟!! ثم ماذا بعد ذلك؟ لو أن أخياراً جلسوا، وقال أحدهم: تعال اجلس معنا يا فلان، ربما في قلبه: والله لماذا لا أجلس معهم، يمكن أسمع شيئاً ينفعني؟ هل أنا لست كفؤاً بهذه المجالس؟ فتهم نفسه، يوشك أن يحضر ويجلس معهم، فيأتيه الشيطان؛ الشيطان نفسه، يقول: اقلب وجهك، أنت لست لهذه المجالس، اذهب وانظر لك أناساً يدخنون ويشيشون على الرصيف فاجلس معهم، أولئك هم أشكالك، أما الناس الطيبون أهل عطر، أهل طهر، أهل صفاء، ونقاء، لست حرياً ولا حقيقاً ولا جديراً أن تجلس معهم.

стр. 1441

المعصية تحرمك مجالسة الصالحين أيضاً هذا من أذية وإذلال السيجارة لصاحبها، في مجلسٍ آخر: تعال والله الشيخ الفلاني موجود، والشيخ الفلاني موجود، يقول: لا والله أخاف أن يشموا رائحتي، لا أقدر؛ فيحرم من مجالس أهل الخير، يحرم من مقابلة العلماء وأهل العلم، يحرم من الانتفاع، ويذل ويبقى في حالة من النفاق، تارةً يظهر أمام الناس بشيء، وتارةً يخفي شيئاً، تارةً يبرز شيئاً، وتارةً يكتم شيئاً، ويعيش متذبذباً؛ والذي يعيش في حياته منافقاً تجده متقلباً وتجده ضعيفاً، ولا يستطيع أن يكون له قوة شخصية، ولا قوة إرادة، ولا قوة ثبات في طريقه وفي حياته. لأجل هذا أيها الشباب! ليست الرجولة في سيجارة. إن أحد الشباب من مدة، وهو من طلاب الكلية للأسف، وجدت معه سيجارةً ومعه مذكراته وكتبه، فناديته في حرم الكلية إلى هذه الدرجة! يعني: بلغ به الذلة والهوان للسيجارة أنه لم يستطع أن يصبر، بمجرد الخروج من القاعة ولع سيجارته يدخن، قلت له: تعال؛ اسمك؟ فلان الفلاني، قلت له: يا أخي! أنا أرى عليك سمات الشاب الرجل الممتلئ رجولةً ما أرى فيك نقصاً تكمله بسيجارة! هل ترى نفسك ناقصاً حتى تكمل نفسك بسيجارة؟ قال: لا. توجد مشكلة داخلية في النفس، اسمها عقدة النقص، عقدة النقص، فبعضهم يكملها بالسيجارة، وبعضهم يكملها بالتفحيط، وبعضهم يكملها بالظهور أمام الناس والمباهاة بسيارته وما عنده، وبعضهم يكملها بتصرفاتٍ عجيبةٍ وغريبة، وما ذاك إلا لهذه العقد الموجودة الكامنة في هذه النفس، إن الرجل رجل، ولا يحتاج إلى مثل هذه وأسخط من ذلك بعض الشباب تلقاه لم يدخن حتى سيجارتين أو ثلاث سجائر! ومخرج رجله وليست يده من زجاج السيارة! يعني: انظروا أنا أصبحت رجلاً أدخن، ولو تلتفت تقول له: يا أخي الشاب! يا أخي الحبيب! إن شاء الله أنت شكلك فيك خير، ولا يليق بك التدخين؛ قال: لا أقدر أن أقلع عنه، هل له خمسون سنة خبرة تدخين؟! له يومان لقي سيجارة تحت جدار، وبدأ بحبتين أو ثلاث أو أربع أو لم يدخن باكتاً ثم باكتين، ثم يدعي أنه رجل؛ والله لا أقدر أن أقلع عنه، هذه رجولة أنك ذليل أسير! هذه رجولة أنك لا تستطيع أن تجعل في جوفك إلا الخبيث! كذلك الملاهي وأشكالها وأصنافها وألوانها تأتي لبعض الشباب. يا شاب! عقلك كالزجاجة الصافية البيضاء البلورية الألماسية، لماذا تملأ عقلك بالأوساخ والزبالات والخرافات والأمور التي لا تليق؟! فيكم -بإذن الله- من الفطنة والفهم والإدراك ما يغني عن مزيدٍ من التفصيل، لكنها نصيحة، لأننا رأينا شباباً لما زرنا سجون الأحداث، وزرنا بعض زنازين السجون، وبعض عنابر السجون، وجدنا شباباً في أعماركم، في مقتبل العمر، قد تفتحت ورود وزهور شبابهم، ولكنها تفتحت على جليسٍ سيء، فقادهم إلى السجن، أنت تستطيع أن تحدد المستقبل من هذه اللحظة، ومن هذه البداية بقرارٍ صامد، بقرارٍ جزل قوي، وعهد صادق، ألا تنكث مع الله توبة، وإن زلت بك القدم، فعد وتب إلى الله ، وإذا أذنبت فلا تقل: خربت، دعني أخرب الباقي! افرض أن بعض الشباب وقع في ذنب -دخن مثلاً- يقول: ما دام دخنت ألحق بعدها الفاحشة، وألحق بعدها المخدرات، لا. إذا وقعت في ذنب، فتب إلى الله وجاهد نفسك بالإقلاع عن الذنب، حتى لو وقعت فيه مرةً ثانية، جاهد نفسك بالإقلاع ولا تجعل هذا مبرراً للمزيد من الذنوب والمعاصي، وأقم الصلاة كما قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على محمد.

стр. 1442

الأسئلة

стр. 1443

شباب يهزءون بالصلاة السؤال بأن هناك مجموعة من الشباب، إذا أرادوا الصلاة فإنهم يصلون ويركعون ويسجدون وهم على غير وضوء! وعلى غير طهارة! بل هناك منهم من يتكلم في الركوع والسجود، بل من يغني وهو ساجد عياذاً بالله، فقد وردت هناك أسئلة حول هذا، ويذكر بعض الطلبة أنهم قد يسمعون مثل هذا، فنرجو بياناً وتوضيحاً من فضيلة الشيخ؟ الجواب هذه التصرفات هي من الاستهزاء بهذه الفريضة العظيمة التي هي ركنٌ من أركان الدين، وكلنا يعلم أن من استهزأ بشيءٍ من كلام الله أو كلام رسوله أو شرعه، فإنه يمرق من الإسلام ويخرج من الملة ويكون كافراً والعياذ بالله، ومن فعل ذلك فعليه التوبة، ولا أظن أن شاباً من إخواننا الحضور ولله الحمد والمنة وأعيذهم بالله أن يكون فيهم من يفعل ذلك، لكن لنعلم أن حكم هذا هو الكفر والعياذ بالله؛ لأنه من السخرية ومن الاستهزاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. وهذا الفعل أقبح من الزنا، وأقبح من الخمر، وأقبح من المخدرات، وأقبح من عقوق الوالدين، وأقبح من كل القبائح، أن يتعمد شابٌ ويدخل الصلاة استهزاءً ويركع ويسجد على غير طهارة، ويغني أو يتضاحك مع من حوله بصلاته، هذا أمرٌ لا يجوز أبداً. أما من فعل ذلك جاهلاً، فنقول: عليه التوبة، ويستغفر الله من هذا الفعل الشنيع العظيم، وينبغي للشباب إذا علموا أو عرفوا أن أحداً من إخوانهم يقع في هذا الأمر، ألا يسكتوا عليه، ليس من باب ما يسمونه اللقافة، لا. لكنه من باب النصيحة، أنت لو رأيت أن أحد طلاب المدرسة في حقيبته إبرة هروين يريد أن يدخل دورة المياة ليحقن جسمه بها، أليس من الشفقة والرحمة أن تبلغه ليحذر، أن تبلغ عنه لكي يمنعوه ويحولوا دون وقوعه، وكذلك من الشفقة والرحمة به أن تبلغ عنه حتى يناصح بالحكمة واللين والموعظة الحسنة.

стр. 1444

طريقة لإخراج الدش من البيت السؤال لدينا دش في البيت، فما هي الطريقة لإخراجه؟ الجواب أحضر حبلاً وعلقه في شكمان السيارة واسحبه، هذا الإخراج العملي، أما الإخراج الفكري والعقلي فبالإقناع، فهذا يحتاج إلى الآتي: أولاً: أن تقنع والدك ووالدتك إقناعاً فعلياً، قبل الإقناع القولي، أن يروا منك الصدق والنصيحة والجد في دراستك والإخلاص في أعمالهم وقضاء حاجاتهم والسمع والطاعة لهم، يرون أنك الابن البار المحبب الذي لا يستغنى عنه في البيت، ليس بذلك الابن الذي لا هم له إلا الأوامر والنواهي! لا. أنت الذي تصلح السباكة إذا فسدت، والكهرباء إذا انطفأت، والمقاضي إذا انتهت أنت الذي تأتي بحاجات البيت أنت الذي تذهب بوالدتك أنت الذي تصل رحمك أنت الذي تقوم بحاجات والدك، يكون لك مكانة من المحبة، ومنزلة من الاستجابة في نفوسهم، بعد ذلك، أو أثناء ذلك تقول للوالد يا أبتي: هذا الدش أو هذه القنوات الفضائية تعرض أشياءً لا تليق بنا، ولا بديننا ولا بمجتمعنا ولا بأمتنا، يا والدي انظر في هذا الدش الرجال يحتضنون النساء ويقبلون النساء، الأطفال الصغار الذين ينظرون إلى هذا، هل يقرءون أو يعرفون أن هذا حرام، وأن هذا إفسادٌ للتربية؟ الجواب لا. الصغار المراهقون الذين في البيت، ما شأنهم إذا اشتعلت الغريزة عندهم وهم يرون النساء العاريات الكاسيات، بل ويرون تعليم المعاكسات، والمغازلات، والخروج من البيت سراً، وتعليم خيانة الأهل، وتعليم الخيانات الزوجية، لا أحد يرضى أن يكون أولاده وبناته وزوجته ممن يقع في هذه الفواحش، بالإقناع، فإن ذلك بإذن الله حريٌ وحقيقٌ بأن يؤثر عليهم لإخراج هذا الطبق الذي لا يستقبل إلا السموم، ثم قل لأبيك: يا أبتي! هذا الطبق لو أنك تقاعدت من وظيفتك، هل سيعطيك راتباً إضافياً؟ هذا الطبق لو أن أحد إخواني فصل من دراسته لضعف مستواه العلمي هل سينفعه تعليمياً؟ هذا الطبق لو أننا جعنا هل يطعمنا؟ لو ظمئنا هل يسقينا؟ لو بردنا هل يكسونا؟ لو لو لو، هل ينفعنا؟ أبداً. بالإقناع تستطيع أن تقنع والدك، فإن لم يقتنع والدك فعليك بكثرة الدعاء له، وأرسل له من يقنعه، كما أوصي بسماع شريط بعنوان الغزو الفضائي، بحمد الله هذا الشريط أعلم علم اليقين أن عدداً سمعوهُ فأخرجوا الدش والقنوات الفضائية من بيوتهم، أخرجوا آلات استقبال القنوات الفضائية من بيوتهم، فهذه نصيحتي.

стр. 1445

نصيحة لمن يتعاطى المخدرات السؤال أنا شابٌ أتعاطى المخدرات، فبماذا تنصحونني جزاكم الله خيراً؟ الجواب لا أرى لك إلا أن تبادر بالتوبة إلى الله بادئ ذي بدء، ثم بالاستعانة بالجهات التي تعينك على الإقلاع عن هذا، ولن يجعلك تقلع كما قلت إلا التوبة، ومجاهدة النفس؛ لأن المخدرات إذا اختلطت بالدم والجسم أصبح من الصعب الإقلاع عنها، إلا لمن صبر عن معصية الله، وصبر على طاعة الله، وصبر ابتغاء مرضاة الله، وصبر خوفاً من عذاب الله، فإن صبره هذا سوف يجعله -بإذن الله- يقلع. الأمر الآخر: لابد أن تبوح بسرك، بعض الشباب وقع في المخدرات، وهو أسيرٌ في نفسه حبيسٌ لسره، لا يستطيع أن يتجاوزه، تخبر الشيخ، أو تخبر مدير المدرسة، تقول له: والله أنا وقعت في الحبوب، في كذا في كذا أعينوني واستروني، وأنا أضمن ضمانة مستشفى الأمل، إذا جاءه إنسان عاقل يريد أن يعينوه على الإقلاع عن المخدرات، فإنهم يعينونه ويسترونه، بل لو شاء ألا يكتب اسمه ولا يرون بطاقته، فإنهم يسجلون اسماً رمزياً أو رقماً معيناً، ويتعاملون معه، معاملة هدفها الستر عليه وعدم فضيحته، هذه واحدة. الثانية: أن تجتهد في الصحبة الصالحة التي تعينك على إشغال وقتك عن مجالس المخدرات، الصحبة التي تعينك، فأحد الذين يتعاطون المخدرات بنفسه قال لي: وهو يصارع نفسه. يقول: والله إنني إذا قربت وخالطت أهل الخير، أو جلست في محاضرات وندوات واعتنيت بالصلاة مع الجماعة إني أجد نفسي أتركها أياماً، ولكن ليلة من الليالي يأتي فلان بن فلان ويطلع بنا في استراحة أو في مكانٍ ما أو مخيم أو يمين أو يسار، قليلاً وقد وقعنا في المخدرات وتعاطيناها وبعضنا ينظر إلى بعضٍ ويضحك، فإذاً مجالس أهل الخير؛ مجالس الصلاح والتقى هي التي تجنبك -بإذن الله- هذا الفساد.

стр. 1446

واجبك نحو أصدقائك الذين لا يصلون السؤال ما واجبي تجاه بعض أصدقائي المتهاونين في الصلاة؟ الجواب واجبك نصيحتهم؛ انصحهم بالقول بالكتاب النافع بالشريط النافع، إذا علمت منهم هذا التهاون، تبلغ أيضاً من يؤثر عليهم لينصحهم، وأنا أقول لكل ناصح: إياك وفضيحة الناس، لا يكون هدفك الفضيحة، ولتكن النصيحة سراً كما روي عن الشافعي: تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه

стр. 1447

شراء السيجارة للأب السؤال والدي يدخن، وفي بعض الأحيان يقوم بإرسالي إلى البقالة لأشتري له الدخان، فهل أطيعه في ذلك أم لا؟ الجواب أسأل الله أن يشفي والدك من هذا البلاء، وما دمت تعلم أن التدخين محرمٌ بالنصوص، ولما يفضي إليه من الأذى والفساد والضرر، فينبغي أن تتجنب إحضار هذا لوالدك، وأن تقول له: يا والدي! لو أمرتني أن أمشي على يديّ إلى أعلى الجبال لفعلت، ليس على رجلي، أما أن أحضر لك، أنت كمن تقول: يا ولدي! اذهب فائتني بسكين أطعن بها نفسي، أنا لا أرضى، فحبي لك يا أبي لا يجعلني أرضى أن أتسبب في أن أقرب لك شيئاً يقتلك ويؤذي صحتك، ولو أحضرت لك هذه السجائر أو الباكت الذي تريده، لكنتُ ممن يشارك في طعنك وقتلك، يعني: لا تأتي تقول له: لا. لن آتي لك بهذا، تب إلى الله ، سوف أعلم عليك الهيئات، أو سأجعل أمي تخرجك من البيت، لا يصلح هذا الأسلوب تقول: يا أبي! من حبي لك ومن شفقتي عليك ومن نصحي لك لا تسمح نفسي أن آتي بشيءٍ يؤذيك ويضرك، لو تأمرني أن أنقل الجبال لنقلتها، لكن أنقل لك شيئاً يؤذيك ويضرك ويقتلك، هذا دليل على أني لا أحبك، وأنا لا يمكن أن أخفي حبي لك وشعوري تجاهك.

стр. 1448

تكرار الوقوع في الذنب بعد التوبة السؤال فضيلة الشيخ: هناك من إخواننا من يتأثرون بالمواعظ والتوجيهات، فيتوبون إلى الله ، ثم يعودون مرةً أخرى، ثم يتوبون ويعودون، فما توجيهكم لهؤلاء؟ الجواب نصيحتنا لهؤلاء أن يعرفوا ويسألوا أنفسهم، متى يتركون الالتزام والاستقامة ثم يقعون في المعصية؟ الجواب واضح: إذا أبتعدوا عن الطيبين واستمرءوا المعاصي والمنكرات بهذا البعد، وأصبحت أوقاتهم وخلواتهم بأنفسهم طويلة من دون جلساء صالحين، وتساهلوا بمجالسة السيئين، وقعوا في ذلك، فالعكس هو الجواب، أن يعودوا إلى زملائهم الصالحين، أن يحذروا من مجالسة الأشرار، ومجالسة السيئين، فليس بشرط أن الشرير إنسان صورته مثل الشيطان الذي في الكرتون الشكل العجيب وغريب، لا. قد يأتيك الشرير ومعه سيارة شبح، وقد يأتيك ومعه سيارة ممتازة، وقد يأتيك ويلبس شماغاً من أحسن ما يكون وثوباً من أحسن ما يكون، وليس بالضروري أن الشرير إنسان شكله يروع أو يخوف أو يفترس، لا. يأتيك وهو يضحك ويبتسم: يعطيك من طرف اللسان حلاوةً ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ تعال، وسع صدرك، انبسط، الدنيا خلها على ما قال: شربة ماء، قدامك عمر طويل، الشباب ما زال أمامك. لا يا أخي الحبيب! ما ظنك لو أن الله قبض روحك وأنت مع هذا الشرير ترتكبان أو تفعلان المعصية؟! وما أكثر الذين قبضت أرواحهم وفارقوا الدنيا وهم سكارى، أو زناة، أو عصاة، وهم يفعلون المعاصي والمنكرات، هل يسرك أن تموت على أسوأ حالة، وتلقى الله على شر حالة، وتكون يوم القيامة من الخزي والهوان؟! الجواب لا.

стр. 1449

كيف أترك التدخين السؤال أنا طالب أدخن، فكيف الطريقة التي من أجلها أترك التدخين، علماً بأنني أدخن منذ ثلاث سنوات؟ الجواب ثلاث سنوات! هذه مدة سهلة، وتستطيع أن تقلع -بإذن الله بسهولة، لكن تحتاج إلى إرادةٍ صادقة، إرادةٍ عازمةٍ جازمة، وللعلم التدخين عادة وإدمان. الإدمان: يقع فيه بعض الشباب بالاستمرار والتتابع في الفعل، لكن بعضهم مجرد عادة، يعني: لم يحسّ بالشعور بالحاجة إلى السيجارة، لكن تعودوا وأشعلوا كذا إلى آخره، فاجعل في يدك عادة غير السيجارة، خذ سبحة، خذ المسواك، تعود دائماً التسبيح، سبحان الله! سبحان الله! عود لسانك بذكر الله دائماً، مع كثرة ذكر الله يصبح التسبيح عندك عادة تتعبد الله بها ، ثم أيضاً إذا أردت أن تدخن، تقول: سبحان الله! سبحان الله وأنا أدخن! فتبعد عن السيجارة، فتكون شيئاً يذكرك الإقلاع والبعد عن هذه المعصية.

стр. 1450

كيف أتخلص من معاكسة الفتيات السؤال أنا شاب ممن ابتلي بمعاكسة الفتيات عبر الهاتف، أرجو إرشادي كيف أتخلص من هذا البلاء وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً: تأكد أن أهلها ما عندهم كشف الرقم بعد ذلك يكسرون رأسك بالفئوس. يا أخي الحبيب! قبل كشف الأرقام، وإن كانت ظاهرة المعاكسات خفت بدرجة كبيرة، بعد وجود جهاز كشف الرقم المتصل الذين يعاكسون ويؤذون بعضهم، لا شك أننا وجدنا فرقاً ملحوظاً في قلة المعاكسات، ولكن قبل كشف الأرقام أين خوفك من الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء؟! يعني: أنت تخاف من الخط ومن السلك؛ لأنه يكشف الرقم، لكن الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ألا تخشاه؟ ألا تخافه؟ هذه مسألة. المسألة الأخرى: ماذا تريد بهذه الفتاة التي تتصل بها؟ تريد أن تتزوج؛ اطرق الباب، السلام عليكم أنا فلان بن فلان، أدرس في ثانوية البيروني، أدرس في كلية كذا، أعمل في كذا، وأريد أن أخطب ابنتكم فلانة بنت فلان، وهذه شهادة من إمام المسجد أنني من المحافظين على الصلاة مع الجماعة، وأنا شابٌ مقتدرٌ وأستطيع بإذن الله أما أن تأتي البيوت من المجاري، وتأتي البيوت من الخلل والتجسس وتتبع العورات، هذا لا يجوز أبداً، ثم تخيل أن أختك اتصل رجل أو شاب وقال: لو سمحت أعطني أختك فلانة، تقول له: عجيب عيني عينك فلانة! فيرد عليك: أي نعم أعطني أختك فلانة، ألست تغازل بنات الناس، دعنا نغازل مثلك، فكيف ترضاه على الناس وتأباه على نفسك؟! كما أنك تغار على محارمك، الناس يغارون على حرماتهم ومحارمهم، كما أن للناس أصلاً ولهم عرض، فلغيرك أصولٌ وأعراض، فينبغي أن تنتبه لذلك، ثم اعلم أن هذا طريقٌ نهايته الزنا ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢]. نعم. الزنا خطير، وشره مستطير والعياذ بالله، وما أكثر الذين تهاونوا به لذة دقائق معدودة، هذه المعاكسة، تجد الشاب قد وقع في المعاكسات، افرض أنك وقعت في بيت أناس عندهم كشف رقم، وقعدت تعاكس أو التي تعاكسها تعرفك وأنت تعرفها، ثم ماذا؟ والله أني أعرف شاباً أسأل الله أن يتجاوز عنا وعنه ويغفر لنا وله، اتصلت بي فتاة قالت: هذا الرجل منذُ ست سنوات وهو يعاكسني، ويغازل ويعدني ويمنيني بالزواج، وما زلت معه، فقلت: أسأل الله ألا تكوني قد خرجت معه، قالت: لا. مع أنه ما ترك شيئاً من الوعود والإغراء والتهديد من أجل أن أخرج معه إلا أنني لم أخرج، قلت: والآن أنتِ اتصلت لماذا؟ قالت: تزوج وغدرني، غدّار، قلت: وهل تنتظرين الوفاء من رجلٍ يخون الأمانة ويخون دينه، ويخون أعراض المسلمين؟!! يعني: هل كنتِ تظنين أن هذا صادق؟! هل هذا الشاب الذي يزعم أنه سيتزوجك سيكون صادقاً؟! أو على القصة والطرفة التي تقال: هناك شخص كان يعاكس واحدة وصوتها جميل إلى آخره، وبعد ذلك أخيراً أقنعها أن تطلع وركبت معه، اكشفي وجهك، يا بنت الناس، فعندما رأى وجهها، وإذا هي ليست على المستوى الذي ظنها، نتع بالسيارة، قال: السيارة طفأت، أخاف يأتي أحد، حاولي ادفعي لو سمحتي، فذهب وتركها، فما يمكن أن تجد للمعاكسين وفاء ولا عهداً ولا ذمة، ولا يمكن أن يوجد هذا منهم بأي حالٍ من الأحوال. فالشاب الذي يعاكس، أقول له: إن الزنا دينٌ فإن استقرضته كان الوفاء من أهل بيتكَ فاعلمِ من قد زنى يوماً بألفي درهمٍ في بيته يزنى بغير الدرهمِ الزنا خطير، ولا ينبغي لأحدٍ أن يقع فيه أو في مقدماته من معاكسات، أو تسكع في الأسواق، أو مغازلات أو رمي الأرقام وقلة حياء، تجد بعض الشباب يخرج لوحة من السيارة، إذا مرت السيارة بين بنات أخرج لوحة أنا قلت: يمكن أن يكون سباكاً أو نجاراً لا بل كاتب رقم أربعة خمسة ستة إلخ. من أجل أن تلقط البنت الرقم وتكلمه، هذه عيشة؟! هذه حياة؟! من أين تعلمنا هذا؟ من مزبلة الأفلام والقنوات، من أين عرفنا هذا؟ من مزبلة الثقافات التي صدرت عبر هذا الغزو الفضائي، والمجتمع يراد به الشر، ولا يمكن أن يفسد المجتمع إلا بهذه الطريقة، إن أعداء الإسلام لا يمكن أن يأتوكم -يا شباب- ويقولون: باسم الله اهدموا المسجد الأول، اهدموا المسجد الثاني، اهدموا المسجد الثالث، اهدموا المسجد الرابع، ابنوا الكنيسة، ابنوا المعبد اليهودي، نبني الكاثلوكية والبروتستانتية، لا، لا يفعلون هذا، ولو أن أحداً هدم بلكة من المسجد، كلكم قمتم ضده، لكن يرسل أفلاماً أغاني مسلسلات يعلمك كيف تعاكس وتغازل؟ كيف تخرج البنت؟ كيف تكذب؟ كيف تواري؟ كيف كيف إلى آخره، بهذا يصلون إلى إفساد المجتمع وأهله.

стр. 1451

الطريقة السليمة للتخلص من الغناء السؤال إني أكثر من سماع الأغاني وأريد الطريقة السليمة للتخلص من هذا الوباء، أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب املأ قلبك بذكر الله ، تمتلئ شوقاً وحباً بكلام الله، ثم أيضاً في ذاك الوقت، ستمتلئ بغضاً وكراهيةً لمزمور الشيطان. حب الكتاب وحب ألحان الغنا في قلب عبدٍ ليس يجتمعان تأكد أنك إذا امتلأ قلبك بحب كلام الله ، لن تجد ألذ منه، اجعل مسجلك في السيارة، وفي بيتك، بالقرب منه كل الأشرطة النافعة، أفضل مقرئ تلذذ لتلاوته وتخشع لها ائت بأشرطته محاضرات أناشيد إسلامية أشياء نافعة، كل هذه الأمور ستجد أنها تصرفك عن الأغاني، أما هذه الأغاني كما قلت يا أحبابي! إنها وجع رأس، ولن تنفعك عند الله يوم القيامة، يعني: يوم القيامة لك أن تقول: يا ربِ! سمعتُ جزءاً كاملاً من كلامك، وبكيت وخشعت، وربما تكون سبباً أن تكون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله، ذكرت الله خالياً ففاضت عيناك، وربما تكون ممن يكرمهم الله فلا تمسهم النار؛ عينٌ بكت من خشية الله، سمعتَ تلاوة فدمعت عينك، فبكيت من خشية الله ، لكن هل تقول: يا ربِ! عندي ألف شريط أغاني، عندي خمسمائة، عندي كذا في الفيديو عندي عندي؟ أسألك بالله هل هذه تقربك من الله أم تباعد عنك الموت، أم تخفف عنك السكرات، أم تزيدك في الدنيا وتنفعك في الآخرة؟! الجواب لا. فلماذا الإصرار على قتل أنفسنا؟ لماذا نصر على ملء عقولنا بالتافه؟ الآن لو يأتي أحد قال: تعال يا فلان، تعال معي لك شيء، أعطني جيبك، يوم أن فتح له جيبه، وضع فيه تراباً، تضع في جيبي تراباً؟! تضع في جيبي زبالة؟! تراني أنا سيارة بلدية؟! ما هذا الكلام أو تضع في جيبي تراباً؟ هاأنت تفتح عقلك ليوضع فيه زبالات الأغاني والمجلات والكلام الفارع والأفلام الساقطة! لو أن أحداً سكب تراباً، يعني: لو ما وجدت الماء، فضربت على التراب ضربةً واحدة ومسحت به يديك ووجهك، كانت طهارةً لك، وكان هذا تيمماً، هذا التراب لو وضع في جيبك ما قبلته، لكن أن يوضع في ذهنك مزابل وأغاني وأفلام ما عندك مانع، هات المزيد، هات المزيد، حتى إذا جاء يوم وحضرت المنية، يقولون لك: قل: لا إله إلا الله، تذهل فلا تعرف أن تقول: لا إله إلا الله، لماذا؟ لأن عقلك وقلبك وروحك وفكرك ونفسك وهجيراك ودأبك وصوتك دائماً: ومُتنا على سُنة المصطفى وماتوا على تنتنا تنتنا

стр. 1452

الحبوب المنشطة حرام السؤال هل الحبوب المنشطة محرمة؟ الجواب نعم. لأن لها آثاراً ضارة ما لم تكن حبوباً نافعة مثل الفيتامينات التي يحصل منها النشاط، وليس لها ردود فعل عكسية، أما الحبوب المنشطة المصنفة ضمن قوائم المخدرات، أو المواد المخدرة، فإنها لاشك أنها ضارةٌ حرامٌ وكل ضارٍ فهو حرام.

стр. 1453

لا يجوز إفطار رمضان بسبب الاختبارات السؤال سمعتُ من بعض الشباب أنهم يريدون أن يفطروا في رمضان في وقت الاختبارات بحجة المشقة والتعب، ما حكم ذلك؟ وجزاكم الله خيراً؟ الجواب لا يجوز، واستعينوا بالله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ومن يتصبر يُصبِّره الله ، وكل الذي عليك أنك تستيقظ قبل أذان الفجر وتتسحر، لأن النبي ﷺ قال: (تسحروا فإن في السحور بركة) وهو الطعام المبارك، السحور مهم، بعض الشباب تلقاه يتعشى الساعة الثانية عشرة في الليل، أو واحدة وينوم، ولا يتسحر، ثم يقول: أنا جائع، أنا عندي اختبارات أنا لازم أفطر، لا يجوز هذا، واعلم أن هذا من أكبر الكبائر، ومن أعظم العظائم أن تتجرأ على الفطر في نهار رمضان وأنت شاب قد بلغت التكليف ولزمك الصيام، هذا من الكبائر التي لا تجوز، لكن عليك بالسحور واستعن بالله، وبعد ذلك تجنب في السحور أشياء قد يأكلها الإنسان تسبب له العطش، فبعض الشباب يتسحر على فول وموز وطحينية، ثم قد يأتي الضحى وهو يلهث، لأن الفول يريد ماءً، والطحينية تريد ماءً، وكذلك الموز، ولكن اجعل سحورك من الأشياء التي فيها كميات من المياه، اجعل آخر السحور أشياء تمنحك الماء الكافي في البدن، وفي هذا خير، اجعل في السحور فواكه، أمسك على الماء، فهذا شيء طيب، وإياك والأشياء التي تسبب العطش أو تحتاج إلى كثرة مياه.

стр. 1454

الهروب من المدرسة إلى المقاهي السؤال إن هناك من زملائي من يتركون الدراسة في بعض الأيام ويذهبون إلى المقاهي وذلك لشرب الشاهي وغيره، فما نصيحتكم لهؤلاء الشباب؟ الجواب نصيحتي لهؤلاء إن لم يقلعوا عن هذا، فسوف يتعودون حتى يكرهوا المدرسة، ثم ينسحبوا أو يفصلوا، ثم يصبحون من المتسكعين بالطرقات، انظر الشرف العظيم الذي يناله الواحد منكم، أين ذاهب؟ ذاهب للثانوية، فعندما تنظر إلى شاب متعلم تحترمه، له مكانة ومنزلة، من أين أتيت؟ من الثانوية، ماذا عندك؟ عندي واجبات الثانوية، عندي اختبارات المرحلة الثانوية، استعد للجامعة، تنظر إلى رجل فتحترمه، لكن يقابلك واحد فتسأله من أين أتيت؟ والله أتيت من الطريق، عرابجة ذاهبين آيبين لا نفع ولا فهم، ولا علم!! ماذا عندك؟ الغترة منسفة، وثوبه المثقوب من السجاير، ويوم في الملهى الفلاني، ويوم في المقهى الفلاني، ويوم في المكان الفلاني، وعالةٌ على الناس، لو يمشي عليه موتر، ويصيبه نزيف، هيا هيا، تعالوا تعالوا نتبرع له بالدم، عنده نزيف، عنده نزيف، ليته مات وارتحنا منه، لماذا؟ لأنه لو أسعفناه وداويناه ورجع سليماً ما نفع المسلمين، ولا نفع البلد ولا نفع المجتمع، ولا نفع العلم ولا التعليم: وأنت امرؤٌ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفعٌ وموتك فاجعُ فلو أن واحداً من الشباب الصائعين الضائعين الذين يتسكعون ويتركون المدارس، لو يصيبه حادث، ويأتي الآن واحد من الهلال الأحمر: يا شباب! نريد تبرعاً بالدم حالة خطرة لشاب عنده نزيف، يمكن نصفكم بل كلكم تذهبون تتبرعون، رجال وعندكم كرم وأريحية، تتبرعون ولو بالدم، لكن هذا الذي تبرعنا له، وفتحت عيونه ورأى العافية، وأفاق من المرض، أين ذهب؟ هل رجع للمدرسة! هل رجع للجامعة؟! هل رجع يتعلم؟! هل نفع المجتمع؟! لا. رجع من جديد يتسكع كما كان في عهده السابق، ما الفائدة من مثل هذا وأشكاله؟!!

стр. 1455

من هو الجليس الصالح ؟ السؤال عرفنا الاستقامة وعن فضلها، فكيف نختار الجليس الصالح؟ الجواب يا أخي الحبيب! قد قلتُ في المحاضرة أو في كلمة علامات الجليس الذي ينهاك عن ما حرم الله، ويأمرك بطاعة الله، ويأمرك بالصلاة مع الجماعة وبر والديك، وصلة رحمك، والانتباه لدروسك والعناية بتعليمك، والاستفادة من وقتك، فهذا جليسٌ صالح، أما الذي يعينك على عقوق والديك، وترك الصلاة مع الجماعة، لا يهديك إلا غناءً، ولا يهديك إلا فلماً، ولا يحذرك إلا من الخير، ولا يقربك إلا إلى الشر، تراه يقربك إلى التدخين، والسهر، واللهو، ومجالس السوء، هذا هو جليسٌ سيئ، وإن أغراك أو أعطاك شيئاً من المال، أو الهدايا، فبعض الشباب يقول لك: إنه صديقي، لماذا؟ والله أهداني ساعة بثلاثمائة ريال، ماذا وراء الساعة يا مسكين؟! ماذا وراء الساعة؟! وبعض الشباب يجر لا يعرف أين هو ذاهب، ويذهب ويعود ولا يفهم ولا يعرف ما يراد به ويخبط عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 1456

فهد بن سعيد ترك الغناء أم لا ؟ السؤال سمعتُ محاضرةً بعنوان أيها الشاب حاول وأنت الحكم، وذكرت أن فهد بن سعيد رجع وترك الغناء، وسمعنا أنه رجع إلى الغناء مرةً أخرى؟ الجواب يا أخي الحبيب! أخونا فهد أسأل الله لنا وله الثبات كسائر الشباب، أو كسائر الناس: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] هذه واحدة. الشيء الثاني: ليس بصحيحٍ أنه رجع إلى الأغاني. الشيء الثالث: أن جلساء السوء عرضوا عليه الأموال من أجل أن يحيي سهرات ورفض، والرجل حالته المادية ميسورة، يعني: يحتاج إلى المساعدة، فجاء جلساء السوء، يقولون: تعال، هذه خمسة آلاف ريال، تعال في الليلة الفلانية اسهر معنا، انظر الذين يريدون أن يردوه من جديد إلى مستنقع الرذيلة والفساد، قد يترك الإنسان الفن، لكن هل إذا تركت الفن صرت عالماً؟ ممثل من الممثلين ترك التمثيل، هل يصبح عالماً؟ هل يكون خطيب جمعة، أو عالماً في الناس؟ الجواب لا. كل ما هنالك أنه تاب من الفن، لكن لا يعني أنه يصبح عالماً وإماماً وداعية، فكذلك أخوكم ترك الفن، ولا يزال في صراع مع جلساء السوء، يريدون أن يردوه إلى الفن من جديد لأمرين: الأمر الأول: من أجل أن يرضوا أنفسهم التي عز عليها أن يستقيم هو وهم باقون على انحرافهم. الثانية: من أجل أن يقولوا: إن الدعوة فاشلة وخاسرة وخائبة، ولم تستطع أن تحقق شيئاً مع هذا الرجل، ونحن نقول: ما عندنا أموال ولا مناصب ولا جاه، نقول: من تاب، من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها. افرض ابن فلان ترك الفن، ومن غدٍ قعد يضرب عشرة أوتار أو عشرة أعواد، أيحاسبنا الله عنه؟ إن الذي علينا أن ننصح وندعو، إنما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد. لعلنا نكتفي بهذا القدر، وأشكر لكم حرصكم على الاستزادة والسماع، وأسأل الله أن ينفعكم، وأن ينفع بكم، وأن يثبتكم، وأن يهديكم، وأوصيكم بالاستقامة، والتوبة، والرجوع إلى الله، أوصيكم بالجد في الدراسة، أوصيكم ببر الوالدين، ومجالسة الطيبين، والحذر من الأشرار والفاسقين، وعدم ضياع الوقت في الرياضة والملاهي والأغاني والأمور التي لا تنفع، فإننا ما عرفنا أحداً أصبح مرموقاً لأجل أنه من أهل الغناء واللهو والفن والطرب، إنما عرفنا كل خيرٍ وكل نافعٍ للمجتمع بصبره وجده على علمه وعبادته.

стр. 1457

الطريق إلى الجنة إن الجنة غاية الدعاة إلى الله ، ومنتهى ما يتمنونه، ولذلك سارعوا وبادروا إليها بالسير في الطريق الموصلة إليها، ومن أجل ذلك جاءت هذه المادة مدافعة عما يشاع عن هؤلاء الدعاة إلى الله تعالى من إرادتهم مقاصد دنيوية أو غير ذلك من الاتهامات الباطلة مبينة كيفية الوصول إلى الجنة، بطرق يسلكها الدعاة ويتفانون فيها.

стр. 1458

الجنة غاية الدعاة إلى الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أسأل الله جل وعلا كما اجتمعنا واحتشدنا في هذا المكان المبارك أن يجمعنا بكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أسأل الله جل وعلا أن يغفر الذنب، وأن يستر العيب، وأن يمحو الخطيئة، وأن يسترنا وإياكم بستره. أيها الأحبة في الله: لكم الفضل بعد الله علي أن دعيتم، ومن دعيُ فليجب، ومن لم يجب فقد عصى أبا القاسم، ولكم الفضل بعد الله جل وعلا أن حضرتم، وحضوركم هذا ضمانٌ وعزيمة ومضاءٌ يجعلنا نشعر بواجبنا تجاهكم، ويجعلنا نشعر بالمحبة نحوكم، لا عدمناكم، ولا حرمنا محبتكم، ولا حُرمنا ذاك العلم وتلك المحبة التي نراها في وجوهكم. أيها الأحبة في الله: الفجر يطلع لا محالة والقلب يخفق كالغزاله إني أحن إلى البكور من لم يحن فلا أبا له قالوا تعسفت الهوى وطلبت ربحاً أو إقاله من كان يهوى صادقاً قبل المبيع بكل حاله المجد يطلب قائداً قد زانت التقوى فعاله والعز يهتف بالشباب المعرضين عن الضلاله والقمة الشماء حظ الشامخين عن الجهاله هم فتية الكون الكرام أبناء أشراف السلالة فيهم مصابيح الهدى ولكل مصباحٍ دلاله فيهم دعاةٌ للهدى ولكل داعية جلاله فيهم سميٌّ للجهاد تهاب في الهيجا نزاله يا إخوة الإسلام هبوا فالأذى جاد المقاله أنمل من عرض الوساد وغيرنا ينعى عياله أنموت من ألم الطعام وغيرنا يرجو النخاله نجتر ألوان الخلاف والكفر جمع كل ماله كلمات وليس شعراً، ولست بشاعر، لكنها في الطريق بين يدي القدوم إليكم، أسأل الله جل وعلا أن يجعل قولنا وكلامنا وعملنا خالصاً لوجهه الكريم. اللهم إنك تعلم أن فينا من العيوب والذنوب ما لا يعلمه إلا أنت، ولا يستره إلا أنت. إلهنا! جملتنا بسترك، ولو كشفت سترك عنا ما أحبنا عبدٌ من عبادك. إلهنا! زينتنا بمغفرتك، ولو كشفت عنا سترك لما قبلنا عبدٌ من عبادك. إلهنا! لو كان للذنوب رائحة لما أطاق أحدٌ من الحاضرين مجلسنا. إلهنا! لو كانت الذنوب أحجاراً في المنازل لما وجدنا مكاناً نسكن فيه أو نطمئن إليه. إلهنا! جملتنا بالستر فيما مضى، فاسترنا وأعنا على الثبات فيما بقي يا رب العالمين. اللهم اجعل لهذه الوجوه من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشةٍ أمنا، ومن كل فتنةٍ عصمة. اللهم لا تدع لهذه الوجوه ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً من ذكرٍ أو أنثى إلا زوجته وأسعدته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. أيها الأحبة في الله: قد يقول قائل: في خضم هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن وأنواع البلاء التي تعرض على المسلمين صباحاً ومساءً، غدواً وعشياً: هل من اللائق أن يكون حديثك اليوم معنا: الطريق إلى الجنة؟ كنا نظن أن يكون الحديث عن فتنة البوسنة والهرسك، أو أن يكون الحديث عن مآسي المسلمين في كشمير، أو أن يكون الحديث عن آخر تطورات القضية الأفغانية، أو أن يكون الحديث عن أحوال المسلمين وأحوال الدعاة بالأغلال والزنازين. أقول أيها الأحبة: إن الحديث عن الجنة هو منتهى المطاف في كل قضية لمن دخل واحدة منها وكان مريداً وجه الله جل وعلا. أيها الأحبة: الحديث عن الجنة حديثٌ عن هدف الدعوة، وحديثٌ عن غاية الدعاة، وحديث عَمَّا يعد به الدعاة، وما يتمنونه، وما يرجونه لأنفسهم ولأتباعهم، ولأعوانهم ولأحبابهم، ولطلابهم وتلامذتهم، ما عرفنا داعيةً وعد ضالاً بعد الهداية بمنصب، وما عرفنا داعيةً وعد منحرفاً بعد الاستقامة بعطية، وما عرفنا داعيةً وعد جاهلاً بعد العلم بحظية، وإنما وعدنا وما نرجوه لأنفسنا وما نعد به كل من سلك الطريق هو الجنة، فمن أبى فعلى نفسه، ومن قبل فليلزم الطريق، وليعرف المبيع، وليأخذ الأهبة، وليعمل وليقم بالاستعداد. أيها الأحبة في الله: الحديث عن الجنة كلامٌ عن غاية الدعاة، لا كما يظن الظانون، أو يرجف المرجفون أن الدعاة يريدون مالاً، أو يريدون جاهاً، أو يريدون سلطاناً، وذاك أمرٌ ليس بغريبٍ ولا عجيب، لقد ظنت قريش يوم أن جاء النبي ﷺ إليهم ونبأهم بما أمره الله جل وعلا أن يبلغه، أن الرجل يريد مالاً، أو يريد جمالاً، أو يريد جاهاً، أو يريد سلطاناً، أو به رئيٌ من الجن، أو به أذىً من السقم، فقالوا: يا بن أخينا! لقد أغريت بنا سفهاءنا، وتجرأ علينا صبياننا، فإن كان بك رئيٌ من الجن عالجناك، وإن كنت تريد مالاً أعطيناك، وإن كنت تريد جمالاً زوجناك، وإن كنت تريد جاهاً سودناك، فإنهم أخطئوا الطريق يوم أن ظنوا أن هذه بغية وطلبة النبي ﷺ ، وما كانت طلبته إلا قوله ﷺ : (إلهي وإله المستضعفين قبلي! إلهي وإله المستضعفين! هل تكلني إلى بشرٍ ملَّكْته أمري؟ أم إلى عدوٍ يتجهمني؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، لك العقبى حتى ترضى) والله ما كانت غاية النبي إلا أن يرضى الله جل وعلا، وإن رضي الله فلا تسل بعد ذلك عن حال العبد، وإذا تقبل الله فاعلم أنها النجاة والسعادة، والفوز والطمأنينة: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. أيها الأحبة في الله: الغاية الجنة، ولسنا بصدد الحديث عن ذكر أو عدد أو تعداد الأعمال التي من فعلها دخل الجنة، فلكم فيها باعٌ واسع، وعندكم منها حظٌ وافر، ولكن الحديث عن الجنة حتى يُقطع الطريق عن كل مساوم وعلى كل مزايد يرمي الدعاة بما ليس في جعبهم، ويمقت الطيبين الصالحين بسوء ظنه بهم.

стр. 1459

هدف الدعاة مرضاة الله وليس ما يقوله المرجفون أيها الأحبة: طالما حضرنا مجالس، وسمعنا أقاويل، وعلمنا أموراً مدارها وديدنها وحديث أصحابها: إن هؤلاء الذين يظهرون الدين، إن هؤلاء الذين يتنسكون في ظاهر أمرهم يريدون أموراً، ويخططون لأمور، ويرتبون أشياء، ووالله ما هذه غاية الدعاة فضلاً عن أن يعدوا لها، أو يخططوا لها، أو يجعلوها غايةً في ذاتها. قال ذلك السلطان للإمام ابن تيمية لما دخل عليه: إنك تريد ما عندي، فغضب ابن تيمية ورفع صوته على ذلك السلطان، وقال: أنا أريد مالك أو أريد جاهك أو أريد حبوتك؟ والله إن ما عندك لا يساوي خيطاً من هذا القميص. ولا غرابة فإن شيخ الإسلام وغيره من الأئمة والدعاة كانوا يطلبون الجنة؛ الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الجنة التي هي من الآخرة، ليست تنسب إلى الدنيا بشيء، وكما قال ﷺ : (ما مثل الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كما يُدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) ومن الذي يرغب بقطرة عن بحارٍ متلاطمة من الخير. نقولها وبكل صراحة: إن الجنة هي غاية كل داعية، وهي غاية كل متبوع تابع على منهاج أهل السنة والجماعة. أما الدنيا، وأما الجاه، والمناصب، والرياسات، والأموال، فاللهم لا تجعلها في قلوبنا، ولا تجعلها أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا. وإني والله أعجب من أولئك الذين يقبلون مثل هذه الأقاويل ويصدقون بمثل تلك الأكاذيب، ويقول قائلهم: عند الدعاة كذا وكذا، ويريد الدعاة كذا وكذا، ويطمح الدعاة إلى كذا وكذا، وهل رأيت دليلاً عند أحدهم يصدق ما تظنه أو تقوله؟ والله إنه لأمرٌ عجيب، وقلتها ذات مرة في لقاء من اللقاءات السابقة يوم أن كان أهل تلك المنطقة فيهم خوفٌ من كل داعية إلى الله جل وعلا أنه يريد كذا وكذا مما تخافه نفوسهم، وتضطرب منه أفئدتهم، فقلت لبعض الأحباب: يا إخواني! هؤلاء الذين تظنون أنهم يريدون ويدبرون ويطمحون هل فتحت مطبخ واحد منهم فوجدت طائرة دفاعية أو مقاتلة؟ وهل دخلت حظيرة واحدٍ منهم فرأيت طائرةً مضادةً للدبابات؟ وهل دخلت مخزن واحدٍ منهم فرأيت ذخيرةً من الأسلحة؟ والله لو دخلت بيوت الدعاة بيتاً بيتاً؛ ما وجدت عند بعضهم ما يصطاد به الحمامة، ولو تأملت ما عندهم؛ لوجدت عندهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ صحيح البخاري، وصحيح مسلم، والسنن، والمسانيد، والشروح، وكتب العلماء، ذاك سلاحهم، وذاك زادهم، وتلك عدتهم، وذاك طريقهم حتى يبلغوا بذلك وجه الله والدار الآخرة راضين مرضيين، فمن ظن غير ذلك فلينظر إلى برهان قلبه، وليتأمل بعين بصيرته حتى لا يُحذر نفسه من وهمٍ جعل الأغلال في يديه والقيد في رجليه، فقعد به عن شرف الدعوة والدعاة، لقد عرفنا كثيرين فيهم خيرٌ كثير، وفيهم صلاحٌ كبير، وفيهم استقامة، وفيهم جبنٌ وخوفٌ كثير، وذلة عجيبة، والأمر سوء الظن، وتصديق الأكاذيب واتباع الأقاويل، ولو أن أحدهم سمع شريطاً أهدي إليه، أو قرأ كتاباً بذل له؛ لعرف أن غاية الدعاة وأن ما عندهم هو الجنة، لا يريدون غير الجنة، لا يريدون إلا مرضاة الله جل وعلا، وذاك أمرٌ أي كرامة، وأي عزة، وأي منقبة أن يرضى الله عنك في عباده! والله أيها الأحبة! إن جندياً من الجنود يوم أن يُقال له: إن قائد الكتيبة راضٍ عنك، معجبٌ بك، مؤيدٌ لك؛ تجد ذلك الجندي يكاد يطير فوق الأرض من شدة ما ناله من السعادة والإعجاب والطمأنينة؛ لأن قائد الكتيبة قد رضي عنه، وواحدٌ من الموظفين لو قيل له: إن أمير المنطقة قد رضي عنك، وأعجب بك، وأثنى عليك في المجالس خيراً، لجعل يطلب ترداد وإعادة الكلام، لماذا؟ لأن بشراً قد رضي عنه، فما بالك أن يرضى عنك ملك الملوك، جبار السماوات والأرض، ما بالك يوم أن يرضى عنك الذي خلق الأولين والآخرين، والجن والإنس، الذي الأرض جميعاً قبضته والسماوات مطويات بيمينه، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء. فتلك غاية الدعاة وهي الجنة، وذلك مطلب الدعاة، وهو رضا الله ، مطلبٌ على منهج الأنبياء والرسل، لا على منهج المنحرفين، والضُلال والمبتدعين، الذين قال بعضهم: عبدنا الله خوفاً من عذابه فقط، أو على منهج الضُلال الذين قال قائلهم: عبدنا الله طمعاً في ثوابه فقط، أو على منهج المتصوفة الذين قال قائلهم: والله ما عبدنا الله طمعاً في ثوابه ولا خوفاً من عذابه، وإنما عبدنا الله حباً في ذاته، فذاك أيضاً منهج الضلالة، ومنهج الغواية، أما منهج الصواب والصراط المستقيم في هذه الغاية فهو صراط الأنبياء الذين قال الله جل وعلا عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] يرغبون في الجنة: ﴿وَرَهَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] خوفاً من الله ومن عذابه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]. فالدعوة عبادة، والعبادة ذلة وانقيادٌ وخضوعٌ مع المحبة والتعظيم للمعبود، قال ابن القيم: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان

стр. 1460

البدار البدار إلى الجنة أيها الأحبة: أي نعيمٍ يوم أن يكون هدفنا وغايتنا وسعينا، وصمتنا ونطقنا، وكل ما نملكه وكل ما ندخله ونخرجه يصب في أمرٍ نريده ألا وهو الجنة التي يقال فيها لمن دخلها: يا أهل الجنة! خلودٌ ولا موت، ويا أهل النار! خلودٌ ولا موت. أيها الأحبة في الله: يوم أن يدخل سجينٌ من السجناء زنزانة من الزنازين في جريمة من الجرائم، ثم يقال له: هذا سجنٌ إلى أبد الحياة، هذا سجنٌ مؤبد لا تخرج منه إلا يوم أن تخرج روحك من بدنك، حينئذٍ تخرج من هذه البوابة، أليست مصيبة؟ أليست بلية؟ أليست حسرةً وعذاباً؟ إذاً فالخوف من سجن جهنم والطمع في نعيم الجنة هو أولى أن يكون شغلاً شاغلاً وأمنيةً وغايةً يرددها السالك في طريقه إلى الله جل وعلا حتى ينال هذا الرضا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ٩ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٨]. أيها الأحبة: (ألا إن من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) إن هذه السلعة الغالية لا تنال بالأماني، ولا تنال بالأقوال، ولا تنال بالتحلي ولا بالتمني، وإنما تنال بالصدق، ولذلك كان الشهداء أقرب الناس إلى بلوغ الجنة؛ لأنهم أثبتوا أمنيتهم بأغلى ما يملكون، وبرهنوا أمانيهم بأغلى ما يجدون، ألا وهي دماؤهم وأرواحهم التي بذلوها رخيصةً لوجه الله، سهلةً ميسورةً في سبيل الله جل وعلا، ويقول قائلهم: إن رضي الله فليس بكثيرٍ ما ذهب وما ولى وما رحل. أيها الأحبة: يا من تريدون الجنة! أيها الأخ الحبيب: يا من تضيق ذرعاً بشدة الحر يوم حلوله! وتضيق ذرعاً لشدة البرد يوم نزوله! وتضيق ذرعاً بامتلاء البطون من الطعام يوم أن تتخم! وتضيق ذرعاً بالجوع وآلامه وأسقامه! إن كنا نريد حياةً أبدية، حياةً لا تنقطع، جليسنا فيها من لا نكرهه ومن لا نبغضه، ومن لا يحقد علينا، ومن لا يحمل في نفسه علينا، جليسنا فيها رسول الله ﷺ ، جليسنا فيها أبو بكر الصديق صاحب النبي على التحقيق، جليسنا فيها شهيد المحراب الإمام الأواب عمر بن الخطاب، جليسنا فيها مجهز جيش العسرة بأنفس الأثمان عثمان بن عفان، جليسنا فيها فتى الفتيان ليث بني غالب علي بن أبي طالب، والصحابة الكرام، جليسنا فيها التابعون ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، جليسنا فيها الصالحون والدعاة، والعلماء البررة، والدعاة الأخيار، هذه هي كل الأمور التي يعد بها الدعاة ويتمنونها ويرجونها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١] إنها لأعظم آيةٍ فيها عجب، المعطي هو الله، ثم يعود يشتري منا ما أعطانا، والمتفضل هو الله، ثم ينعم علينا بالجنة: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ﴾ [التوبة:١١١]. أيها الأحبة: نداءاتٌ ودعاءٌ لكل مسلم أن يسارع إلى الجنة ليعلم أن هذه الدنيا ليست لحرٍ سكناً، يقول ربنا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٦]. أيها الأحبة: هل بعد هذا الثواب من ثواب؟ هل بعد هذا النعيم من نعيم؟ هل بعد هذه الكرامة من كرامة؟ يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ فلقد عرضتِ بأيسر الأثمان يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ بين الأراذل سفلة الحيوان يا سلعة الرحمن لستِ رخيصةً بل أنتِ غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ خُطَّاب عنكِ وهم ذوو إيمان أيها الأحبة في الله: إن هذه الجنة التي انشغل عن طلبها كثيرٌ من الناس بما تكفل الله لهم به، إننا نعجب من رجلٍ يشتغل ليل نهار بأمر الدنيا، ووالله لو سعى سعي الوحوش لن ينال أكثر مما قُدر له، أمرٌ قد تكفل الله به، نجد كثيراً من البشر اشتغلوا به ليل نهار، وأمرٌ دعانا الله أن نعمل له وأن نجتهد فيه وجدنا إعراضاً وبعداً عن الاشتغال به، فأي انقلابٍ للموازين هذا؟ وأي سوء في المفاهيم هذا؟

стр. 1461

كيفية الوصول إلى الجنة أيها الأحبة: بعد هذا بقي أن نقول: إذا كانت الجنة هي غاية الدعاة، وهي أمنية الدعاة، وهي موعود الدعاة، وهي وعد الدعاة، وهي ما يعد به الدعاة لكل طالبٍ وتابعٍ، ومحبٍ ومخلصٍ، بقي أيها الأحبة في الله! أن نقول: كيف الوصول إليها؟ قد وصفت فدل على طريق يبلغ. أيها الأحبة: كلٌ يعرف أن الوصول والبلوغ إلى شيءٍ يعني سلوك الطريق الموصل إليه، ومن السهل أن تقول: إن طريق القصيم السريع هو الذي يوصل إلى مكة، لكن من المهم إن كنت جاداً تريد أن تبلغني إلى مكة، فهلا أسعفتني بدابة؟ هلا حملتني معك؟ هلا قربتني بجوارك؟ هلا أخذتني بيدك؟ من السهل أن تقول: إن هذا الطريق ينتهي إلى الدمام لكن هل تستطيع أن تجعل لي معك مركباً؟

стр. 1462

معرفة هوان النفس في جنب الله هذه البداية أيها الأحبة! إن كنا صادقين في الرغبة بالجنة، والرغبة في رضا الله، أن يرضى ربنا عنا، فلا يسخط علينا أبدا، ً إن كنا صادقين مع الله، إن كنا صادقين في هذه الدعوة بقي أن نقول: هناك ثلاث مسائل: أولها: اعرف أنك مهين ذليل حقير في ذات الله وفي جنب الله جل وعلا، فمن أراد سلوك الطريق وهو يشمخ بأنفه في كبرٍ وتصعرٍ وتسلطٍ على العباد، فليعلم أنه أهون عند الله من الجعلان والجنادب، وفي الحديث: (يحشر الله المتكبرين يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم) فأنت وهذا وذاك في يوم الموقف، في المشهد العظيم ربما أنت تمشي فتطأ بقدميك عشرة أو عشرين من الطغاة، أو عشرين من المتكبرين، أو ثلاثين من الظلمة، وأنت لا تراهم، كيف دست عليهم بقدمك! كيف وطأتهم برجلك! كيف لم تلتفت لهم! إنهم كانوا في الدنيا متكبرين متغطرسين متجبرين، لم يذلوا أنفسهم لله، ولم يخضعوا لله، ولم ينقادوا لأمر الله، فكان جزاؤهم يوم الموقف هواناً بين العباد، يطؤهم الصغير والكبير، والعبد والحر والغني والفقير، كلٌّ يطؤهم بأقدامه وهو لا يشعر بهم، فمن أراد طريقاً موصلاً إلى الجنة فليبدأ أن يعرف هوان نفسه، وليدرك ذلة نفسه، وليدرك وضاعة نفسه في جنب الله جل وعلا. ولا كرامة لهذه النفس إلا بالسجود لله، ولا كرامة لهذا الأنف إلا أن يمرغ بين يدي الله، ولا كرامة لهذه اليد إلا أن ترتفع مكبرة لله، ولا كرامة لهذه القدم إلا أن تثبت في القنوت والقيام لله جل وعلا، اعرف أنك بدون هذا الخضوع لله، وبدون هذه الذلة لوجه الله، وبدون ذلك الاحتقار والهوان من نفسك في جنب الله جل وعلا أنك لن تبلغ شيئاً. قال الله جل وعلا: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٤ - ٥] ولكن الله قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] فكيف تجتمع الكرامة ويجتمع الهوان لهذا الإنسان؟ ليس ضدان في القرآن، ولكن الكرامة لمن أذعن وخضع واستجاب، وخشع وأخبت وأناب إلى الله جل وعلا، والهوان لمن استعصى ومن ارتفع وشمخ بأنفه، أو ارتفع بنفسه عن الذلة والعبودية والانقياد لله . أرني متكبراً متجبراً هل يحمل في جوفه غير الخراءة والعذرة؟ أرني متغطرساً هل يحمل في عينه غير القذى؟ أرني متكبراً هل يحمل في أنفه إلا المخاط؟ أرني متغطرساً هل يرى في فمه إلا البخر ونتن الرائحة؟ أرني متجبراً هل يحمل في جوفه إلا البول والنجاسة؟ لماذا يفتخر بعض البشر على بعض؟! وبماذا يعلو بعض العباد على بعض؟! إن كانت مقاييس مادية، أو مقاييس الطينية، أو مقاييس التراب، فوالله ثم والله!! إن الإنسان لأنجس مخلوق بعيداً عن الذلة لله والعبودية له سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]. وأما بالانقياد لوجه الله والاتباع لأوامر الله وأوامر رسوله ﷺ : (فلأن تزول السماوات والأرض أهون عند الله من قطرة دم مسلم تراق بغير حق) هذه عزة المسلم، يوم أن يكون مسلماً قطرةٌ من دمه أعظم حرمة وأعظم شأناً من زوال السماوات والأرض، ولكن إذا ضل الإنسان عن هذا المنهج وابتعد عن مرضاة الله فحظه جنهم وساءت مصيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1463

معرفة عظمة الخالق أيها الأحبة: المهم في الطريق إلى الجنة، بعد أن عرفت هوان نفسك: أن تعرف عظمة خالقك، أن تعرف أن كل جبارٍ فوقه جبارٌ أعظم منه، أن تعلم أن كل ظالمٍ فوقه يدٌ أقوى منه، وما من يدٍ إلا يد الله فوقها، ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم، أن تعلم أن كل غني فوقه من هو أغنى منه، بل خزائنه لا تنفد، ويده سحاء الليل والنهار، أن تعلم أن من ملك شيئاً من الجنود أن فوقه جنود السماوات والأرض لا يعلمها إلا هو، أن تعلم أن من ملك قدرة يحتاج ساعاتٍ إلى تحريكها فإن فوقه من إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن، فيكون، أن تعلم أن من تعب زمناً طويلاً ليخترع أو يصنع أن فوقه من يقبض الأرواح ولا يبالي، ومن يحيي الأجداث ولا يبالي، بل إن البشر كلهم -والله- ما عظم شأنهم على الله جل وعلا. يقول أحد المفسرين: إن خلق الناس ليس أمراً جليلاً على الله جل وعلا، بل هو عليه هين؛ لأن البشر منذ آدم إلى يومنا هذا خلقوا بكلمة كن، فالناس يتوالدون ويتناسلون وتنتشر البشرية طولاً وعرضاً على هذه الأرض بكلمة من الله: (كن) أن يكون من كل نواةٍ تلتقي بحيوانٍ منوي أن يوجد منها المخلوق الذي قدره الله ذكراً كان أم أنثى، من أي لونٍ من ألوان المخلوقات: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] بل وأعجب من هذا الأمر العجيب أن من خلق هؤلاء الخلق على اختلاف ألوانهم وأجناسهم لم يعجز عن رزقهم ساعة واحدة، من استكثر أمواله فليرزق أهل بلدته ساعة، ومن استكثر قوته فليحرك جبلاً من مكانه، ومن استعصم نفسه فليتسلط ولو بدقيقة بدون أمرٍ أودعه الله فيه من قوةٍ خلقها له. أيها الأحبة في الله: إن من ضرورات الوصول إلى الجنة بعد أن تعرف هوان نفسك، أن تعرف عظمة الخالق، الذي بأمره تكون البحار نيراناً: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦]، الذي بأمره تتفطر السماء: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١]، الذي بأمره تتكدر النجوم: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢]، الذي بأمره تحيا النفوس بعد موتها، اعرف عظمة هذا الخالق، ليس الدين قضية قصر ثياب أو طول لحية، ليس الدين قضية كذا أو كذا، الدين قبل كل شيء إدراك وشعورٌ بعظمة الخالق، يوم أن تسجد تسجد لعظيم، انظر إلى أولئك الذين عبدوا البشر في دنياهم، من الطواغيت من لا يدخل عليه أحد إلا بعد أن يسجد ويقبل الأرض بين يديه، وتجد بعض المنافقين، بل الكفرة الذين يسجدون للطواغيت من دون الله، يوم أن يقبل بلاط سيده ومولاه يشعر بكل عظمة أن يقبل التراب والبلاط بين يدي عبدٍ حقيرٍ ذليل، فما بالك وأنت تحني الجبهة إعظاماً لله جل وعلا؟! فما بالك وأنت ترمي هذه الهامة من طولها على الأرض لوجه الله جل وعلا، وتقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، وتحني جسمك وجذعك وتقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم؟! أيها الأحبة: حتى ندرك ما نحن بصدده ينبغي أن نعرف: نبذل الصلاة لمن؟ ونسجد لمن؟ وندعو من؟ ونرجو من؟ ونخاف من؟ ونهاب من؟

стр. 1464

معرفة حقارة الدنيا وبعد ذلك من المهمات التي تعين في الطريق إلى الجنة أن ندرك حقارة الدنيا، فهذه الدنيا حقيرة، وأكبر دليلٍ على هوانها أن كل صحيحٍ لا تدوم صحته، بل يتكدر بالمرض، وكل عزيزٍ لا يدوم عزه، بل مخوفٌ بالذلة، وكل قوي لا تدوم قوته، بل مخطور بالضعف، وكل مجتمعٍ لا يدوم اجتماعه، بل يكدره الفراق، وكلٌ لا يستقيم له من أمره شيءٌ على حال، إذاً إذا عرفت حقارة هذه الدنيا، وعرفت حقارة ملذاتك فيها علمت أن دنياك حقيرة. فاقضوا مآربكم عجالاً إنما أعماركم سفرٌ من الأسفار طبعت على كدرٍ وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلبٌ في الماء جذوة نار أيها الأحبة: هذه الدنيا من تفكر في مآلها وما فيها وجد أمراً عجباً. وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراً جلل. إذا كان الشراب يحتبس بولاً نجساً تتضايق منه، تشرب ما تشتاق إليه وتتجرع ما تريده، ثم تريد التخلص منه فتراه نجساً يخرج من جوفك، وتتلذذ بالطعام ثواني، فمدة اللذة ثوانٍ معدودة على اللسان، ثم بعد ذلك لو احتبست في الجوف هيجت كل عرقٍ ساكن، وسكنت كل عرقٍ متحرك. أيها الأحبة: اعرف أن دنياك حقيرة، واعرف أن دنياك مهينة، ولو كانت تعدل شيئاً لما سقى الله منها كافراً شربة ماء، ولن يعرف الطريق إلى الجنة من اغتر بنفسه، أو جهل عظمة خالقه، أو اغتر بدنياه واشتغل بها عن آخرته، هل يطمع بالجنة من قدم فلةً صغيرة على دارٍ عرضها السماوات والأرض؟! هل يطمع في الجنة من اختار إضاءةً تنطفئ واشتغل بها عن قناديل في العرش معلقة؟! هل يطمع في الجنة من اشتغل بحفنةٍ من المال عن خيرات عند الله لا تنفد: (إن آخر أهل الجنة دخولاً للجنة من يساوي ملكه مثل ملك أعظم ملكٍ في الدنيا عشر مرات)؟ هذا آخر رجل يدخل الجنة ملكه يساوي مُلْكَ مَلِك من أهل الدنيا عشر مرات، فالذي يقدم داراً صغيرة أو يقدم عرضاً حقيراً تافهاً من الدنيا على مرضاة الله، أتراه يشتاق إلى الجنة شوقاً يبلغه إليها؟ والله إنه لأمرٌ عجيب!

стр. 1465

الأخذ من الدنيا للبرزخ والآخرة ولن يعرف الطريق إلى الجنة من لم يأخذ من دنياه لبرزخه ثم لآخرته، أنت الآن في هذه الإضاءة، فأين الإضاءة في القبر؟ وأنت الآن في النور، فأين النور في اللحد؟ وأنت الآن في السعة، فأين السعة في المقبرة؟ وأنت الآن تحت المروحة والمكيف، فهل تجد مروحةً أو مكيفاً في القبر؟ وأنت الآن تأنس بمن حولك، فهل ستجد أربعة أو خمسة يحدثونك في قبرك؟ والله لا ينفعك إلا عملك الصالح، والله لا يسرك إلا عملك الصالح، دع عنك أولئك الذين زينوا وزخرفوا، وقربوا وقلبوا وغيروا لك الأمور، دع عنك أولئك فوالله ما منهم أحدٌ يسر، ولو كان أحدٌ في الدنيا يسر صاحبه لنفع الابن أمه، والرجل زوجته، والولد أباه، ولكن: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. أيها الأحبة: من أدرك ذلك فليهيئ للسفر مركب التوبة، وليبدأ بدايةً صادقة، لو أن الحاضرين في هذا المسجد الآن كلٌ منهم عاهد الله بتوبةٍ صادقة؛ إن كان مقصراً أن يتمم، وإن كان مخطئاً أن يقلع، وإن كان مسرفاً أن يتوب، لو أن كل واحدٍ من الحاضرين بدأ وقطع العزم على نفسه أن يهيئ مركب السير في الطريق إلى الله جل وعلا، لانتشر الخير في كل بقعة من بقاع الأرض، كم عدد الحضور؟ سمِّ ما شئت من العدد، كل واحد منهم تاب إلى الله توبةً نصوحاً، وكانت ثمار التوبة أن لو كل واحد دعا اثنين ممن يعرف، وكل اثنين دعوا اثنين ممن يعرفون لانتشر الخير، لا أقول في عشيةٍ وضحاها، ولكن في فترة يسيرة من الزمن. ولكن أيها الأحبة: ما أكثر ما نسمع قلوباً تعرف، وألسنةً تصف، وأفعالاً تخالف، الران قد علا قلوبنا، الصغائر قد تساهلنا بها: هذه صغيرة، هذه كلمة لكن لا نقول: غيبة، هذه نظرة لكن لا نقول: ليست لغضٍ للبصر، هذا موقفٌ أو تساهل لكن لا نسميها باسم المعصية، بل نسميها باسم آخر، ولو حاسبنا أنفسنا محاسبة الشريك لشريكه لوجدنا أننا قد أكثرنا على أنفسنا من السيئات، ولأجل ذلك خربنا مركب السير. لو أن سيارة سليمة في قارعة الطريق، ولكن أبوابها مفتوحة، فجاء طفلٌ وعبث بسلك، وآخر عبث بالمقود، والثالث عبث بالإشارة، والرابع عبث بكذا وكذا، فعلى مدى الأيام وجدت هذه السيارة السريعة المطيعة خربة لا تنفع ولا تصلح أن تكون دابة تمشي بك ولو كيلو متر واحد لماذا؟ لأنك فتحت أبوابها لكل راكب، وجعلتها عرضةً لكل مخرب، فكذلك من فتح أبواب نفسه لكل جليس، ولكل صديق ورفيق وصاحب طريق، إنه يجلب على نفسه خراب دابته إن عاجلاً أو آجلاً. نعم. تساهلنا بالصغائر ونخشى أن نكون ممن طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم.

стр. 1466

التوبة مركبة الطريق إلى الجنة أيها الأحبة: أي دليلٍ أعظم من ضعف شوقنا إلى الجنة وعظم غفلتنا عما ينتظرنا، أن الواحد يقف بين يدي الله جل وعلا فتراه يذكر كل شغلٍ فائتٍ ولا يذكر عظمة ربه الذي هو واقفٌ بين يديه جل وعلا، تذكر كل شغلٍ ماضٍ، ولكن قلَّ أن تذكر ما أنت بصدده مما يقابلك من حسابٍ، أو ثوابٍ أو عقابٍ، أو حشرٍ أو كتابٍ تأخذه بيمينك أو بشمالك!! أيها الأحبة: ينبغي أن نستعد لهذه الغاية التي نتمناها؛ لأن المسافر لابد أن يهيئ دابته، ولابد بعد ذلك أن يحسن الظن بهذه الدابة، بعد أن يهيئها أن يحسن بها الظن، لا أن ينقطع ويتكل ويركن إليها، أقول: لابد أن يهيئها ويحسن الظن بعد ذلك؛ لأن الله جل وعلا يعد من ظن به خيراً: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأ خيرٍ من ملئه). أيها الأحبة: وهذه التوبة التي هي مركبة الطريق إلى الجنة بشروطها التي تعلمونها، نريدها توبة المريد، لا توبة العادي، نريدها توبة الاختيار، لا توبة الاضطرار؛ توبة الذين غرغرت أرواحهم وبلغت الحلقوم، أو توبة الذين قد رأوا الشمس قد خرجت من مغربها، لا. نريدها توبة القدرة، أن ترى الفلم أمام عينيك، ميسرٌ بين يديك فتعرض عنه لتقرأ كلام الله وقول رسوله ﷺ ، هذه توبة وإعراض عن المعصية إلى الطاعة بالاختيار، أما أولئك الذين أرادوا الحرام فعجزوا عنه، ولما عجزوا عنه قالوا: نتوب إلى الله. قد تكون توبة، لكنها ليست توبة المريد، وليست توبة المختار، وليست توبة الذي عرف العظمة وأدرك ذلة نفسه فاختار ما عند الله جل وعلا، أو أنها توبة الخائف على سمعته، أو توبة الخائف على منصبه، أو توبة الخائف على أمرٍ يتعلق بأسرته ونحو ذلك، أو توبة من خاف على نفسه، لا نريد من ترك الفاحشة أو المعصية؛ الخمر أو غيره لأنه يخشى من المرض على نفسه، بل نريد توبة الاختيار، نريد توبة أن تكون قوياً صحيحاً شحيحاً ترجو الغنى وتخشى الفقر، حينما توجد هذه التوبة فإنها تخرج جيلاً ينفعون الأمة، وينشرون الدعوة، ويقمعون البدعة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أما قول بعضهم: نشبع من المعاصي، ثم نعود إلى التوبة بعد ذلك، أو على حد قول قائلهم: وكثر ما استطعت من المعاصي إذا كان القدوم على كريم لا والله. بل لابد أن تكون تارك المنكر مع القدرة والإرادة التامة، هذا أعظم امتحان لصدق كل عبدٍ قد أراد الله والدار الآخرة. إن هذا الكلام لا يعني أن يذهب شابٌ إلى حانة خمر، أو مكان للزنا فيقول: الآن أختبر نفسي إن كنت صادقاً بالتوبة أم لا، (لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية) لا تتمنوا الفتنة، وإذا بليتم فاصبروا، لكن نقول لكل شابٍ الآن ربما هو يعلم من نفسه ما عنده من الأشرطة، وما عنده من المجلات، وما عنده من الأفلام، وما عنده من الجلساء، وما يقضي ليله فيه من المكالمات والاتصالات، نقولها لكل شاب: أقلع ما دمت قادراً. أحسن إذا كان إمكان ومقدرة فلا يدوم على الإمكان إنسان أنت اليوم مستطيع، لكنك غداً لا تستطيع، أنت اليوم تستطيع أن تصلي واقفاً على قدميك، ولكن بعد مدة قد تعجز أن تصلي وأنت جالس، أنت الآن قادرٌ على الصيام، وبعد مدة قد تعجز عن ذلك، أنت الآن قادرٌ أن تذهب برجليك إلى المسجد، وبعد مدة قد تكون عاجزاً عن ذلك، أنت الآن قادرٌ أن تخرج المال الذي جمعته من حرام بإرادتك واختيارك، ولكن بعد مدة لو قيل لورثتك: اجعلوا هذا المال بعيداً أو ردوه إلى أهله أو تصدقوا به، أو أخرجوه من تركة والدكم لقالوا: لا. هو الذي جمعه، وهو المسئول عنه ويحاسب عليه، إذاً انفع نفسك، ومن لم ينفع نفسه فلا يلم الناس إذا لم ينفعوه.

стр. 1467

الجنة تريد عملاً بقي أيها الأحبة في الله أن نقول ما تعلمون، وأن نذكر ما تعرفون: أن الجنة تريد عملاً، والعمل لا يشترط بعد المفروضات والواجبات أن يكون منصباً في جانبٍ معين، فإن ترك المحرمات، وحسن معاملة الناس من أعظم الأعمال، ولذلك لما سئل ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، قال: (تقوى الله، وحسن الخلق) والتقوى: الخشية من الله في السر، فليس عجيباً أن تكون مؤدباً بين الناس، لكن إذا أغلقت الحجرة على نفسك، هل بينك وبين الله أدب؟ ليس عجيباً أن تكون خلوقاً طيباً لبقاً بين الناس، لكن إذا أرخيت الستر وأغلقت النور على نفسك هل يكون هذا الأمر موجوداً؟ التقوى: مراقبة الله في السر، خشية الله في السر، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك من مقامات الإحسان. أيها الأحبة: من الأعمال: الكف عن المعاصي، وبكل صراحة احفظوا هذه القاعدة: (نحن في هذا الزمان لا نشكو من قلة الحسنات، ولكن نشكو من كثرة السيئات) رُب بعض الناس يعمل أعمالاً ما فعلها بعض التابعين، قد تجد رجلاً يبني مسجداً، وينفق، ويعطي أشياء كثيرة، هذه الأمور بعض التابعين وبعض علماء المسلمين ما قدروا عليها، ولكن مع كونه بنى مسجداً، وأنفق وكفل أيتاماً، ما أكثر ما ترى من ذنوبه وسيئاته! وما أكثر ما ترى من زلاته وهفواته! فإذا كانت النتيجة النهائية ومحصلة الرصيد وجدت أن مجموع السيئات أكثر من رصيد الحسنات، إذاً العمليات الهامشية في الحساب في الدائن والمدين ليست مشكلة، المشكلة في الرصيد النهائي، لا تعجب أن تخسر مائة ريال لكنك في النهاية تجد في الرصيد أرباحاً كثيرة، المشكلة أن تغتر برصيدك الدائن وتنسى نصيبك في المدين، أن تنسى الخسائر، أن تنسى الذنوب التي تعصي الله بها ليل نهار، وإن كثيراً من الناس عنده عدد من الذنوب يومياً يرتكبها ويفعلها، وله جانبٌ من الحسنات. نسأل الله جل وعلا أن يعينه على ترك الذنوب وأن يبارك له بالقبول بحسناته. أقول أيها الأحبة: ليست المشكلة قلة حسنات، فقد جاء أعرابي قال: يا رسول الله! ما عندي غير الصلاة والصيام وحج البيت وأمور الأركان الخمسة، والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا، لم يقل: أريد صيام اثنين وخميس، ولم يقل: سوف أجاهد، ذكر فقط الواجبات الخمسة، فقال النبي ﷺ : (أفلح إن صدق) وفي رواية: (من سره أن ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا) لكن التزامٌ بالواجبات مع عدم وقوع وولوغ في المحرمات والمعاصي، لكن الآن تجد عندنا تقصيراً أو تفريطاً في بعض الواجبات، توجد عدد من الحسنات، لكن تجد كثرة وإسرافاً في السيئات، فيظن الإنسان أن عنده خيراً كثيراً، ويجهل أنه في خسارة كبيرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إذاً القاعدة: (ليست المشكلة قلة الحسنات، لكن المشكلة كثرة السيئات) إذا حصَّل الواجبات فكثر الله ألفَ ألفٍ خيره، لكن المصيبة كثرة السيئات وعدم المبالاة بها، تجد رجلاً يجلس ويبحلق بعينه في صورة امرأة لا يحل له النظر إليها، ولو قيل له عن رجلٍ يفتح النافذة وينظر إلى بنت الجيران، لقال: هذا خسيس، هذا نذل، هذا لا يستحي على وجهه، وأنت خلفه أما تستحي على وجهك؟! فعلاً القضية أن الإنسان عنده حسنات، لكن عنده سيئات كثيرة، فالمصيبة ليست قلة الحسنات فقط، ولكن المصيبة كثرة السيئات ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1468

الموت في سبيل الله أخيراً أيها الأحبة: إن أقرب الطرق إلى الجنة الموت، من أراد أن يختصر المسافة من الدنيا إلى الجنة فالقضية قضية التماس كهربائي، قضية اهتزاز لمدة ثوان معدودة وهي فترة خروج الروح، وبعد ذلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، هذه الفترة الثواني؛ ثواني الاهتزاز، ثواني الكهرباء، ثواني التردد التي يحصل فيها هزة في لحظات بسيطة، من أصابته هذه الهزة أو هذا التردد أو هذه الموجة الممغنطة في عروقه وهي لحظة الشهادة في سبيل الله، لحظة الموت في سبيل الله التي لن يجد فيها إلا كألم القرصة، من أقرب الطرق الموصلة الموت في سبيل الله، وإن أعجب فعجبٌ ذات ليلةٍ ليست بعيدة طرق عليَّ الباب شابٌ، فقلت له: من أنت؟ قال: لن أخبرك عن اسمي، قلت له: أنا ما طرقت بابكم، أنت الذي أتيت تطرق بابي، أي خدمة يا أخي الكريم؟ قال: والله عندي حاجة، قلت: ما هي حاجتك؟ قال: والله -والرجل عليه سمة الصدق- أني أدعو الله وأرجوك أن تدعو لي، قلت: وما أنا بمجاب الدعوة أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، قال: اسأل الله أن يقطع جسمي إرباً في سبيله، قلت: أسأل الله لك الشهادة، قال: لا. اسأل الله أن يقطع جسمي قطعة قطعة في سبيله، قلت: الآن جاءت المسألة، إذا يوجد عندنا في الأمة شباب كهؤلاء الواحد مستعد أن يقطع الأصبع الواحد من يده إلى خمس أنامل، واليد الواحدة إلى عشر قطع، والرأس إلى مئات الجرامات، والقدم إلى عشرات القطع، إذا يوجد شباب بهذه الصفة فالجنة قريبة، ولا نقول: إن الجنة لا توجد إلا بهذا الطريق، لكن نقول هذا أقرب الطرق إلى الجنة. كان ابن رواحة كثيراً ما ينشد ويقول: لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وطعنةً ذات فرغٍ تقذف الزبدا وطعنةً بيدي حران مجهزة بحربة تنفث الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا وقول الآخر: ألا موتٌ يباع فاشتريه وهذا العيش ما لا خير فيه ألا رحم المهيمن نفس حرٍ تصدق بالوفاة على أخيه الأمة تحتاج إلى أناس يشربون الموت كما يشربون الماء البارد، الأمة بحاجة إلى رجال كما قال خالد بن الوليد لـ رستم: [فإن أبيت الإسلام والجزية فقد جئناك بقوم يشتهون الموت -يحبون الموت، يتعطشون للموت، يبحثون عن الموت- كما تحبون الحياة]. إن مصيبة الأمة: حب الدنيا وكراهية الموت كما بينه ﷺ في داء الوهن الذي ترى فيه كثرة كغثاء السيل، ويتسلط، ويتداعى، ويتكالب الأعداء عليها من كل جانب. أيها الأحبة: أقرب الطرق إلى الجنة الموت في سبيل الله، وهنيئاً لأولئك الذين سالت دماؤهم على أرض أفغانستان، ويا فوز أولئك الذين بذلوا أرواحهم للجهاد في سبيل الله، وأولئك الذين جاهدوا فكتب الله لهم الحياة كما كتب لإخوانهم الشهادة، هنيئاً لهم ما بقي الإخلاص والثبات في قلوبهم. أيها الأحبة: كنت في الجبيل من مدة فدخل شابٌ أسود اللون، ولكن في وجهه نورٌ يتلألأ، فأحببته منذ أن دخل ذلك المجلس، وما كنت أعرفه من قبل، فدنوت له، وكنت في صدر المجلس ودعوته أن يجلس بجواري، فالتفت إليه وقال لي أحد الإخوة: هذا فلان أبو الزبير من خيرة شباب جلال آباد، فقلت: ليس عجباً أن أميل إليه، وأن أحبه، وأن تميل نفسي ويهفو قلبي إليه، وأن أرى هذا النور يتلألأ في وجهه، وودعت ذلك المجلس ومن بينهم هذا الشاب ونفسي ما زالت تتذكره على كثرة من أقابل وأجالس، وبعد أيام قالوا لي: إن ذلك الشاب الأسود اللون البراق الوجه قد استشهد في سبيل الله، قلت: إذاً لا غرابة أن أحبه بلا خيار، وأن أميل إليه بلا إرادة، وأن أتعلق به بلا سابق معرفة. أيها الأحبة: يبقى أمرٌ واحد، هل نموت في سبيل الله؟ هل عندنا استعداد أن نقدم الأرواح في سبيل الله؟ إذا وجدت أمة تلعب بالموت كلعب الورق بكل استعداد، أول ورقة في النزال الموت، ولست أدعو بهذا إلى الانتحارية، فيا صاحب الفيديو! تب إلى الله يقول: لا ما أنا بتائب، فأقوم باسم الله الموت، أدخل عليه بحزام ناسف وانتهي أنا وإياه، لا. ليس المقصود هذا، لكن المقصود أن يوجد في النفس المفاوضة على آخر قطرة دم، بمعنى أن الإنسان بآخر قطرة دم مستعد أن يجعلها أول سعر في المساومة، إذا وجد هذا النوع من الشباب والله إن الأعداء يذلون ويهابون ويخافون، فقد قال الله جل وعلا في الكفار: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة:٩٦] الكافر وصاحب البدعة ومن ليس على صراطٍ مستقيم كل أولئك يخافون الموت، لكن المسلم يقول: أي يوميَّ من الموت أفر يوم لا قدر أم يوم قدر؟ يوم لا يقدر لا أرهبه وعن المقدور لا ينجي الحذر إذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العار أن تموت جبانا. إذا كان الموت ساعة لا تتقدم ولا تتأخر، فجميلٌ جداً أن نموت ميتة الأُسُود، لا ميتة النعاج والخراف، والجبناء والضعاف. أيها الأحبة: الموت في سبيل الله من أقرب الطرق إلى الجنة، وقضية الموت قضية ينبغي أن نبسطها بكل وضوح وبكل سهولة، من الناس من يخاف الموت خوفاً عجيباً، وأعجب من البعض، الجمعة الماضية خرجت من المسجد فإذ بي أجد شاباً، قلت له: أعطني يدك، قال: إلى أين؟ قلت: إلى المقبرة، أحد جيراننا فلان هو من أهل الإحساء ومن جيراننا في الرياض توفي، أسأل الله أن يجمعنا به في الجنة ونعم الجار، ما علمت عنه إلا خيراً، فأصابه حادث سيارة توفي إثره، قلت: نصلي الجمعة ونذهب نشهد جنازته إن أدركناها وإلا نصلي على قبره ثم نعود أهله فنعزيهم فيه، فقال: والله يا أخي! أنا أخشى من المقبرة، أخشى من الموت، قلت له: فقط هذا الدور وتعال اركب، فذهبنا أنا وإياه، قلت له: تخاف من الموت؟ قال: نعم، قلت له: أي شيء من الموت تخاف؟ أي: ما هي المشكلة في الموت؟ تخاف من الموت يأخذك هنا مع الرقبة، وإلا مع الرجل، وإلا مع الظهر، ما هي المشكلة في الموت؟ الموت ظاهرة طبيعية، كما تخرج الفرخة أو الصوصة من البيضة، الموت خروجٌ من بيضة الدنيا إلى عالم البرزخ، الموت ظاهرة طبيعية جداً جداً، فهذه الدجاجة حينما تبيض بيضة، الصوص الموجود في البيضة يفرخ، يخرج من البيضة، سواء كان في محضن أو في فقاسة حرارية، أو كان في غرفة نوم أو في عش، أو كان في نافذة، سوف تنكسر جدران هذه البيضة الكلسية، ويخرج منها هذا المخلوق، فأنت سوف تنكسر عنك بيضة الدنيا وتنتقل إلى عالم جديد، فما هي المشكلة في الموت؟ المشكلة ليست في الموت، المشكلة مشكلة ما بعد الموت، المشكلة مشكلة الانتقال من الضوء إلى الظلام، الانتقال من السعة إلى الضيق، الانتقال من الأنس إلى الوحشة، الانتقال من الري إلى الظمأ، من الشبع إلى الجوع، هذه المشكلة، فمن كان جاداً في خوفه من الموت، فليقدم على الموت حتى تكفر ذنوبه، ويشفع في سبعين من أهل بيته، ويلبس تاج الوقار، ويرى مجلسه من الجنة، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، هكذا من خاف من تلك المصائب بعد الموت، فليقبل على الموت، واحرص على الموت توهب لك الحياة، وإلا لم نجد تفسيراً بدون الرغبة في الموت، لا نجد تفسيراً لتصرفات الصحابة، أحد الصحابة طعنه مشركٌ اسمه جبار بن سلمة، طعنه طعنةً تفجر الدم من جوفه، فأخذ الصحابي يصرخ ويقول: [فزت ورب الكعبة] فارتعد الكافر، جبار بن سلمة ووقف مشدوهاً: رجلٌ أطعنه طعنة من ظهره بالسيف ثم يصرخ ويقول: [فزت ورب الكعبة] فكانت سبباً في إسلام جبار بن سلمة، دعاةٌ حتى آخر قطرة دم، دعاةٌ إلى الله حتى في النفس الأخير، وآخر من الصحابة يطعن وتبقر بطنه، فيغرف الدم من جوفه ثم يصبه على رأسه، ويمسح به وجهه ويقول: [اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى] هذه فلسفة الموت، فلسفة الموت عملية طبيعية، ربما الإنسان يجد في عملية زائدة، أو في أي عملية جراحية آلاماً أشد من آلام الموت، لكن المصيبة مصيبة الذين يموتون على المعاصي، تشدد عليهم آلام الموت وسكراته، وأما الذين يموتون مقبلين في سبيل الله فأولئك لا يجدون من آلام الموت إلا كما يجد أحدنا من ألم القرصة.

стр. 1469

الصبر على طول الطريق وأخيراً أيها الأحبة! من أراد الجنة فليصبر على طول الطريق، وليوطن نفسه إذا انغلق عليه بابٌ في الطاعة والدعوة فليفتح باباً آخر، إن من الناس من تجده قد عود نفسه في الدعوة والعبادة على خطٍ معين، فربما انغلق عليه الطريق ذات يومٍ بسببٍ من الأسباب، نقول: إذا أُغلق الطريق فافتح طريقاً آخر، وإذا أُغلق هذا الطريق فافتح طريقاً ثالثاً، وهكذا إلى أن تلقى الله جل وعلا وهو راضٍ عنك غير غضبان، بمنه ورحمته، نريد طول النفس، لقد صنع في إحدى دول أوروبا نوع من اللمبات إضاءة هذه اللمبة يقال: تمكث عشر سنوات لا تنفد. أنتم تلاحظون الآن الواحد كل أسبوع اللمبة عنده محترقة، فيذهب ويأتي بلمبة جديدة، نحن لا نريد المسلم الذي تاريخ فعاليته قصير؛ عشرة أيام ويحترق، أو سنة ويحترق، أو ثلاث سنوات ويحترق، نريد مسلماً ليس من النوع الأوروبي هذا في اللمبة، بل طويل المدى، نريده مستمراً لا يخفت أبداً، مسلم من نوع: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، مسلم من نوع: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. فإن من أراد الجنة صبر على طول الطريق، ومن ضعف أو تقاعس أو تكاسل، أو مل أو اضمحل؛ فربما كانت خاتمته خاتمة المفرطين أو المنهزمين، أو الضائعين أو المنحرفين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فعلى كل مسلمٍ أن يجعل الطريق نصب عينيه، وكما قال علي بن أبي طالب: [اللهم أشكو إليك طول الطريق وقلة الزاد] ولكن نستعين على هذا بما أرشد الله نبيه إليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٤] لماذا القيام؟ لماذا الترتيل؟ لماذا القراءة؟ لماذا الذكر؟ ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٥ - ٦] فمن أراد أن يأنس بما يعينه وأن يتزود بما يثبته في طريقه إلى الجنة، فليجعل التسبيح والقيام، والعبادة والتهجد، والاستغفار والإنابة زاداً له، فإنها نعم الطريق بمن الله، وهنيئاً لكل مؤمنٍ عبد ربه على بصيرة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤] ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٣] يعملون ويشقون وينصبون ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٤]. فهنيئاً لكل مسلم عبد الله على بصيرة، وسلك متبعاً منهج نبيه ﷺ ، أولئك في الغرفات آمنون، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، وهذا الكلام ليس للرجال وحدهم فحسب، بل هو للرجال والنساء، فإن خطاب القرآن يوم أن ينادي المؤمنين لا يخص الرجال دون النساء، أو النساء دون الرجال، بل الخطاب عامٌ إلا ما استثنيُ فيه ببينة أو خص فيه النساء بقرينة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1470

الأسئلة

стр. 1471

ثمرة الالتزام الدعوة إلى الله في مختلف مراحل الحياة السؤال أنا شابٌ فقير إلى الله حيث كنت من الشباب الذين يغارون على الدين، وكان لديَّ نشاطٌ قوي قبل فترة، وبعد الزواج أصبحت أتقاعس عن الطاعة، وكذلك عندي أحد الإخوة يدعوني إلى أمور الدنيا ويزينها لي، أرجو نصحي وتوجيهي إلى الطريق الصحيح، علماً أن أهلي يعينوني على الطاعة؟ الجواب الحمد لله وبعد: أما بالنسبة لقولك أنك بعد الزواج قد ضعفت وتكاسلت عن الطاعة فليس بغريب، ومن المنعطفات الخطرة في حياة كثير من الشباب المسلم ما يصيبهم بعد زواجهم من انشغالٍ بأمور حياتهم الخاصة عما أكرمهم الله به من الدعوة إليه جل وعلا، وطالما سمعنا من الزوجات أن زوجها يقصر في حقها، التقصير شيء، لكن أن يصرف الإنسان جل وقته لزوجته، والله لو كان صرف هذا الوقت ينجي من النار ويقرب من الله جل وعلا لكان في هذا خير، والقضية حقيقة تحتاج إلى ضبط ومقياس، فكثير من الإخوة حينما يتناقش مع أهله، تجد زوجته تقول له: كان ﷺ يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) (كلُّ لهو لا يثاب الرجل عليه، إلا حديث الرجل مع امرأته أو ملاعبته أهله) إلى آخر ذلك، لكن هل سنستمر في الليل والنهار في سواليف مع النساء وملاعبة للأهل؟ المنتظر من زوجة الشاب المسلم، كما أن الشاب له دورٌ في الدعوة أن يكون لها هي أيضاً دورٌ في الدعوة، أما أن تريد شاباً ملتزماً لكي تقفل عليه الأبواب الأربعة لا يخرج إلا للصلاة وتسأله بعد الصلاة: تعال، ولماذا تسهر؟ ولماذا جلست؟ نعم. لابد أن يعطيها حقها، لابد أن يخصص حديثاً معها، لكن أن يكون الظُّهر معها، والعصر معها، والمغرب معها، والعشاء معها، أظن هذه تربية أنوثة وليست رجولة ولا زواجاً. فالحقيقة ربما أو لعل صاحبنا ممن فهم نصوص الحض والحث على العناية بالأهل والزوجات فهماً أسرف فيه وأبعد النجعة، فأشغله ذلك عن إخوانه، والمرء ضعيفٌ بنفسه قويٌ بإخوانه. الأمر الآخر: النفس دائماً ميالةٌ إلى الترف، ميالةٌ إلى الدعة، ميالةٌ إلى السكون. والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم فخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما ما حظاك النصح فافتهم ولا تطع منهما خصماً ولا حكما فأنت تعرف كيد الخصم والحكم النفس حينما تعودها الدعة والراحة، والسكون والخمول، بل إن طول الجلوس مع المرأة ربما يورث مللاً، وهذا أمرٌ ليس بعجيب؛ لأجل ذلك نقول: أعط أهلك حقهم، ولكن لا يكون هناك إسراف يشغلك عن حضور مجالس الذكر، وحلق العلم، ومجالسة العلماء، وطلبة العلم، وقراءتك واشتغالك بالدعوة إلى الله جل وعلا، والمصيبة التي طالما نرددها كثيراً: أن الشباب الطيب في هذا المسجد كثير، لكن كم عدد العاملين في الدعوة؟ نحن شركة استقدمنا ألف عامل، فجعلنا كل عاملٍ يلبس لباس الشركة، ثم وقفنا عند هذا الحد، آلاف الشباب ما شاء الله ملتزمون محافظون على الصلاة وكفى، عمال مدربون مهرة ممتازون وكفى، فهذا لا يقبله إنسان يستقدم ألف عامل مدربين ممتازين على فنون الصناعة والتقنية والإنتاج ومجرد أن يلبسهم بدلة الشركة أو شعار الشركة يقول: إلى هنا وانتهى العمل، بالضبط هذا مثلنا الآن في هذه الصحوة على اختلافٍ في التسمية أو في وجهات النظر في هذه التسمية، الصحوة الآن آلاف مؤلفة من الشباب لكن: وأنت امرؤٌ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفعٌ وموتك فاجع ما أكثر الطيبين! نفجع بموت أحدهم، أو بمصيبة أحدهم، وما أقل من ينفع منهم، والله لو أن كل شاب ملتزم وكل شاب فيه خير يعمل؛ يدعو إلى الله؛ إلى شريط أو كتاب، إلى زيارة، أو ندوة، أو حلقة ذكر، دعوة جار، أي عمل من أعمال الدعوة إلى الله، والله لتجدن الخير يتدفق طولاً وعرضاً، وشرقاً وغرباً. لكن في الشركة لبس عمالها الزي ووقفوا عند هذا الحد، إن أبا بكر لم يقبل الإسلام ووقف عنده فحسب، بل لما أسلم وبدون أن يقول له النبي ﷺ شيئاً ذهب وأتى بـ أبي عبيدة، وبـ عبد الرحمن بن عوف، وبغيرهم من الصحابة، إن الثمرة الطبيعية للإسلام والالتزام: الدعوة إلى الله، هل هي موجودة أم لا؟

стр. 1472

التوبة المؤثرة السؤال أنا شاب قد أسرف على نفسه وحاول التوبة كثيراً، ولكني أفشل في كل مرة فأعود إلى الذنوب، فماذا أفعل؟ الجواب يا أخي الحبيب! يسمونها توبة الثعالب، لكن لا حرج، نقول: تب إلى الله ثانية وثالثة، ورابعة وخامسة وعاشرة، وسأقول لك أين الخلل. الخلل: أنك لما عزمت التوبة لم تصدق في تجريد القصد، ولم تكن جاداً في تطبيق بنود هذه التوبة. البند الأول من التوبة: الإقلاع عن الذنب، الإقلاع، ما معنى إقلاع الطائرة؟ ما بقي منها جزءٌ على الأرض، فإقلاعك عن الذنب ألا يبقى عندك قطعة مرتبطة بالذنب موجودة في البيت، لكن بعض الشباب -كما قلنا ونردده- يقلع عن الذنوب؛ عن كل الأفلام إلا فيلمين جعلهما تحت السرير، وأحرق المجلات إلا مجلةً فوق الدولاب، ومزق الأشرطة إلا شريطاً في الجيب الأيسر للسيارة، وهنا يظهر الخداع والتحيل على النفس، ما صارت توبة، بل مجرد تبديل أشرطة في وقت معين، أما نية العودة إلى المعصية موجودة وأكبر دليل عدم التخلص من البقايا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: في الإسلام كافة، لابد أن يوجد هذا القصد وهذا الهدف، فإذا كنت جاداً ابذل هذا الأمر. الأمر الآخر: ألا وهو -أخي الحبيب! - تغيير البيئة، رُب كثير من الناس يعصي الله بسبب الوسط الذي هو فيه، فإذا ترك هؤلاء الجلساء في وسطهم وبيئتهم التي لا يسمع فيها إلا غيبة ونميمة، ولهواً وصوراً محرمة، وغناء خليعاً ونحو ذلك، إذا تركهم وخالط أقواماً يذكرون الله ويتلون كتابه، ويتعاونون على العبادة ويهتمون بأمور أهلهم وصلات رحمهم وحاجات والديهم يستقيم ويستمر، فقضية الانتقال مهمة، والحديث الذي تعرفونه وطالما رددناه، والذكرى تنفع: أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفساً، فندم وأراد التوبة -الله لا يهينه بعد تسعة وتسعين نفساً يندم- فجاء إلى راهب، قال: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟ قال الراهب: لا. ما لك من توبة، فقام وغرس الخنجر في صدره فأكمل به المائة، ثم ذهب إلى عالم -المرة الأولى ذهب إلى راهب، فمجرد العبادة، ومجرد طقوس العبادة، أو مجرد إنسان يتعبد بدون علم هذه مسألة ضعف، فلابد مع العبادة العلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، لابد أن تكون العبادة بعلم، والمتعبد بلا علم قد يضل- المرة الأولى ذهب إلى راهب فأخبره، فقال: ليس لك توبة، فذهب إلى عالم في المرة الثانية، قال: إني قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ -وكأني بذاك الرجل يقول: إذا قال: لا، أكمل المائة وواحد، نعم. كما يقال عن رجل كان يدور على حفرة ويقول: تسعة عشر تسعة عشر تسعة عشر، فجاء رجل قال: أيش تسعة عشر؟ قال له: تعال، ولما طل دفعه في الحفرة وقال: عشرين عشرين عشرين، فالمسألة مسألة تكميل عدد- ذهب ذلك الرجل إلى العالم قال: قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال: ومن ذا يمنعك التوبة؟ إن باب التوبة مفتوح، ما لم تغرر أو تطلع الشمس من مغربها، ارحل إلى قوم بني فلان، أو اذهب إلى قرية بني فلان، فإن فيها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم الحديث فالمسألة الأولى بداية العمل، وبداية الأمل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] ونقولها لكل شاب، مهما بلغت ذنوبه، أياً كان، بعض الشباب يظن أن التوبة على قليل أغاني، وقليل أفلام، أما اللواط والزنا، والسرقة والشعوذة، والسحر والكهانة، هذه أمور لا يمكن أن يتوب الله على من فعلها، لا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] حتى من وقع في الكفر فجدد الإسلام ودخل الإسلام على نيةٍ صالحة صادقة، وعلى بصيرة، وعلى توحيدٍ صحيح، فإن ذلك يجب ما قبله (أسلمت على ما أسلفت والتوبة تجب ما قبلها) فتخلص من بقايا المعصية، والحق بشبابٍ أو بصحبٍ أو بقومٍ يعينونك على الطاعة، ويذكرونك إذا غفلت، ويعينوك إذا ذكرت. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1473

العدل في المعاشرة هذه رسالة نتحدث فيها عن مشهد من المشاهد الاجتماعية المؤلمة، وهي مشكلة قائمة في الواقع وليست ضرباً من الخيال، ألا وهي إعراض المعددين في الزوجات عن زوجاتهم الأولى وأمهات أولادهم، تتعرفون في هذه المادة على أسباب هذه الظاهرة ودوافعها، وأنه لا اعتراض على تعدد الزوجات ولكن يجب المعاشرة بالمعروف.

стр. 1474

ظاهرة إعراض الزوج عن زوجته الاولى لأجل الثانية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين: الحديث اليوم عن واحدٍ من المشاهد الاجتماعية المؤلمة، وهي مشكلةٌ قائمة ليست ضرباً من الخيال أو الافتراض. عباد الله: ما هو ذلك المشهد؟ وما أسبابه ودوافعه؟ وقبل أن نخوض في هذا، سنقف لنعرض عليكم هذا المشهد الاجتماعي الأليم، الذي يحدث وكثيراً ما يحدث ويتكرر في كثيرٍ من بيوتنا. أيها الإخوة: كثيراً ما نسمع ونعرف وينقل إلينا أن بعض المسلمين حينما يصلُ إلى سن الأربعين أو الخمسين وما حولها، يحلو له أن يتزوج امرأةً ثانية، لأسبابٍ عديدة، ولعل من أهمها: أن المرأة مع زوجها في هذا السن، قد تكون قاربت نهاية الشباب في أنوثتها وقوامها، لا سيما بعد أن قدمت أكبر وأجل واجباتها ممثلاً في إنجاب الأولاد، والقيام عليهم بحسن الرعاية والتربية، وإلى هذا الحد من هذا المشهد، فلا غبار ولا اعتراض على ما يحدث، لأن شباب الرجال أطول عمراً من شباب النساء، لكن المشكلة والمصيبة والمأساة، هي إعراض بعض المتزوجين عن زوجاتهم الأُول، وأعني بالإعراض عدم المبالاة والتقدير والمراعاة لشعور الزوجة أم الأولاد، فترى الواحد من أولئك ينقلب وحشاً فظاً غليظ القلب، لا يطيق أن يسمع من زوجته الأولى شكوى، ولا يجد فراغاً ليقضي لها حاجة، وكثيراً ما يتذرع بقلة ذات اليد؛ أو عدم أهمية حاجتها، وحينما تسأله زوجته الأولى شيئاً من المال لقضاء حوائجها ومتطلباتها، يدخل الواحد من أولئك عابساً أو مقطباً، ويخرج كذلك، ويغضب لأتفه سببٍ عند زوجته الأولى، ويقيم الدنيا ولا يقعدها، ويحمل الأمّ المسكينة مسئولية أي خطأٍ أو تقصيرٍ يقع من أولاده، والويل ثم الويل لها إن فقد شيئاً من حاجياته، وإن كانت زوجته الثانية -الجديدة- تسكن معه في نفس البيت، فالويل للأولى إن شكت الثانية منها، أو أبدت على الزوج تغيراً بسببٍ مزعومٍ ينسبُ إلى الزوجة الأولى، وفي جوٍ مدلهمٍ بالمشاكل والخلافات، يصل الأمر إلى غايته ونهايته، فتقف الزوجة الأولى أم الأولاد، لتفصح عن مكنون سترها، ولتكشف عن خفي سترها، فماذا تكون الإجابة من ذلك الزوج؟ وماذا تتوقعون أن يقول مجيباً؟! إن الإجابة المريرة المؤلمة والتي سمعنا بها في كثيرٍ من هذه الحالات هي قول الكثير منهم: إن أعجبك هذا الوضع على ما فيه ورضيت به فأهلاً وسهلاً، وإن لم يعجبك فالطلاق الطلاق ليس عندي لك شيءٌ سواه. وهنا تنكسر كبرياء الأمومة، وتضيع سنون العشرة، ويقابل المعروف بالأذى، والإحسان بالإساءة، ثم يحصل الطلاق في لحظةٍ من غضبٍ وجدال، أو تبقى الزوجة الأولى معذبة بين نارين مشتعلتين: الأولى: نار الطلاق والفراق. الثانية: نارُ الآلام والعيش المليء بالسخط والتبرم وسوء المعاملة وتحطيم المشاعر. أيها الإخوة: أليست صورة واقعة؟! ألم تسمعوا بها؟! ألم تعرفوا عنها؟! ألم تقرءوا في رسائل المعذبات إلى الصحف والمجلات؟! نعم، كل هذا واقعٌ وحاصل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 1475

الفهم الخاطئ لهذه الظاهرة أيها الإخوة في الله: وفي خضم هذه المشاهد الاجتماعية المؤلمة، يقف من يقف من المخدوعين، أو الجاهلين، ليقول: هذه ثمرات تعدد الزوجات، وهذه نهاية الذين يجرءون على التعدد، ويغيرون على أنفسهم، إلى غير ذلك من عبارات الإرجاف والتشكيك والوسوسة الشيطانية، ليقف من أراد الزواج محتاراً خائفاً غير واثق، وحينها قد يفضل بعضهم السفر أو الالتفات يميناً أو شمالاً ليقضي مآربه وأوطاره في سبيلٍ حرام وبطريقٍ خفيٍ، ليسلم من سبة ما سمعه زوراً واختلاقاً عن مشاكل تعدد الزوجات.
следующие страницы →