Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
ثمرة الالتزام الدعوة إلى الله في مختلف مراحل الحياة
السؤال
أنا شابٌ فقير إلى الله حيث كنت من الشباب الذين يغارون على الدين، وكان لديَّ نشاطٌ قوي قبل فترة، وبعد الزواج أصبحت أتقاعس عن الطاعة، وكذلك عندي أحد الإخوة يدعوني إلى أمور الدنيا ويزينها لي، أرجو نصحي وتوجيهي إلى الطريق الصحيح، علماً أن أهلي يعينوني على الطاعة؟
الجواب
الحمد لله وبعد: أما بالنسبة لقولك أنك بعد الزواج قد ضعفت وتكاسلت عن الطاعة فليس بغريب، ومن المنعطفات الخطرة في حياة كثير من الشباب المسلم ما يصيبهم بعد زواجهم من انشغالٍ بأمور حياتهم الخاصة عما أكرمهم الله به من الدعوة إليه جل وعلا، وطالما سمعنا من الزوجات أن زوجها يقصر في حقها، التقصير شيء، لكن أن يصرف الإنسان جل وقته لزوجته، والله لو كان صرف هذا الوقت ينجي من النار ويقرب من الله جل وعلا لكان في هذا خير، والقضية حقيقة تحتاج إلى ضبط ومقياس، فكثير من الإخوة حينما يتناقش مع أهله، تجد زوجته تقول له: كان ﷺ يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) (كلُّ لهو لا يثاب الرجل عليه، إلا حديث الرجل مع امرأته أو ملاعبته أهله) إلى آخر ذلك، لكن هل سنستمر في الليل والنهار في سواليف مع النساء وملاعبة للأهل؟ المنتظر من زوجة الشاب المسلم، كما أن الشاب له دورٌ في الدعوة أن يكون لها هي أيضاً دورٌ في الدعوة، أما أن تريد شاباً ملتزماً لكي تقفل عليه الأبواب الأربعة لا يخرج إلا للصلاة وتسأله بعد الصلاة: تعال، ولماذا تسهر؟ ولماذا جلست؟ نعم.
لابد أن يعطيها حقها، لابد أن يخصص حديثاً معها، لكن أن يكون الظُّهر معها، والعصر معها، والمغرب معها، والعشاء معها، أظن هذه تربية أنوثة وليست رجولة ولا زواجاً.
فالحقيقة ربما أو لعل صاحبنا ممن فهم نصوص الحض والحث على العناية بالأهل والزوجات فهماً أسرف فيه وأبعد النجعة، فأشغله ذلك عن إخوانه، والمرء ضعيفٌ بنفسه قويٌ بإخوانه.
الأمر الآخر: النفس دائماً ميالةٌ إلى الترف، ميالةٌ إلى الدعة، ميالةٌ إلى السكون.
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما ما حظاك النصح فافتهم
ولا تطع منهما خصماً ولا حكما فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
النفس حينما تعودها الدعة والراحة، والسكون والخمول، بل إن طول الجلوس مع المرأة ربما يورث مللاً، وهذا أمرٌ ليس بعجيب؛ لأجل ذلك نقول: أعط أهلك حقهم، ولكن لا يكون هناك إسراف يشغلك عن حضور مجالس الذكر، وحلق العلم، ومجالسة العلماء، وطلبة العلم، وقراءتك واشتغالك بالدعوة إلى الله جل وعلا، والمصيبة التي طالما نرددها كثيراً: أن الشباب الطيب في هذا المسجد كثير، لكن كم عدد العاملين في الدعوة؟ نحن شركة استقدمنا ألف عامل، فجعلنا كل عاملٍ يلبس لباس الشركة، ثم وقفنا عند هذا الحد، آلاف الشباب ما شاء الله ملتزمون محافظون على الصلاة وكفى، عمال مدربون مهرة ممتازون وكفى، فهذا لا يقبله إنسان يستقدم ألف عامل مدربين ممتازين على فنون الصناعة والتقنية والإنتاج ومجرد أن يلبسهم بدلة الشركة أو شعار الشركة يقول: إلى هنا وانتهى العمل، بالضبط هذا مثلنا الآن في هذه الصحوة على اختلافٍ في التسمية أو في وجهات النظر في هذه التسمية، الصحوة الآن آلاف مؤلفة من الشباب لكن:
وأنت امرؤٌ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفعٌ وموتك فاجع
ما أكثر الطيبين! نفجع بموت أحدهم، أو بمصيبة أحدهم، وما أقل من ينفع منهم، والله لو أن كل شاب ملتزم وكل شاب فيه خير يعمل؛ يدعو إلى الله؛ إلى شريط أو كتاب، إلى زيارة، أو ندوة، أو حلقة ذكر، دعوة جار، أي عمل من أعمال الدعوة إلى الله، والله لتجدن الخير يتدفق طولاً وعرضاً، وشرقاً وغرباً.
لكن في الشركة لبس عمالها الزي ووقفوا عند هذا الحد، إن أبا بكر لم يقبل الإسلام ووقف عنده فحسب، بل لما أسلم وبدون أن يقول له النبي ﷺ شيئاً ذهب وأتى بـ أبي عبيدة، وبـ عبد الرحمن بن عوف، وبغيرهم من الصحابة، إن الثمرة الطبيعية للإسلام والالتزام: الدعوة إلى الله، هل هي موجودة أم لا؟
стр. 1472
التوبة المؤثرة
السؤال
أنا شاب قد أسرف على نفسه وحاول التوبة كثيراً، ولكني أفشل في كل مرة فأعود إلى الذنوب، فماذا أفعل؟
الجواب
يا أخي الحبيب! يسمونها توبة الثعالب، لكن لا حرج، نقول: تب إلى الله ثانية وثالثة، ورابعة وخامسة وعاشرة، وسأقول لك أين الخلل.
الخلل: أنك لما عزمت التوبة لم تصدق في تجريد القصد، ولم تكن جاداً في تطبيق بنود هذه التوبة.
البند الأول من التوبة: الإقلاع عن الذنب، الإقلاع، ما معنى إقلاع الطائرة؟ ما بقي منها جزءٌ على الأرض، فإقلاعك عن الذنب ألا يبقى عندك قطعة مرتبطة بالذنب موجودة في البيت، لكن بعض الشباب -كما قلنا ونردده- يقلع عن الذنوب؛ عن كل الأفلام إلا فيلمين جعلهما تحت السرير، وأحرق المجلات إلا مجلةً فوق الدولاب، ومزق الأشرطة إلا شريطاً في الجيب الأيسر للسيارة، وهنا يظهر الخداع والتحيل على النفس، ما صارت توبة، بل مجرد تبديل أشرطة في وقت معين، أما نية العودة إلى المعصية موجودة وأكبر دليل عدم التخلص من البقايا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: في الإسلام كافة، لابد أن يوجد هذا القصد وهذا الهدف، فإذا كنت جاداً ابذل هذا الأمر.
الأمر الآخر: ألا وهو -أخي الحبيب! - تغيير البيئة، رُب كثير من الناس يعصي الله بسبب الوسط الذي هو فيه، فإذا ترك هؤلاء الجلساء في وسطهم وبيئتهم التي لا يسمع فيها إلا غيبة ونميمة، ولهواً وصوراً محرمة، وغناء خليعاً ونحو ذلك، إذا تركهم وخالط أقواماً يذكرون الله ويتلون كتابه، ويتعاونون على العبادة ويهتمون بأمور أهلهم وصلات رحمهم وحاجات والديهم يستقيم ويستمر، فقضية الانتقال مهمة، والحديث الذي تعرفونه وطالما رددناه، والذكرى تنفع: أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفساً، فندم وأراد التوبة -الله لا يهينه بعد تسعة وتسعين نفساً يندم- فجاء إلى راهب، قال: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟ قال الراهب: لا.
ما لك من توبة، فقام وغرس الخنجر في صدره فأكمل به المائة، ثم ذهب إلى عالم -المرة الأولى ذهب إلى راهب، فمجرد العبادة، ومجرد طقوس العبادة، أو مجرد إنسان يتعبد بدون علم هذه مسألة ضعف، فلابد مع العبادة العلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، لابد أن تكون العبادة بعلم، والمتعبد بلا علم قد يضل- المرة الأولى ذهب إلى راهب فأخبره، فقال: ليس لك توبة، فذهب إلى عالم في المرة الثانية، قال: إني قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ -وكأني بذاك الرجل يقول: إذا قال: لا، أكمل المائة وواحد، نعم.
كما يقال عن رجل كان يدور على حفرة ويقول: تسعة عشر تسعة عشر تسعة عشر، فجاء رجل قال: أيش تسعة عشر؟ قال له: تعال، ولما طل دفعه في الحفرة وقال: عشرين عشرين عشرين، فالمسألة مسألة تكميل عدد- ذهب ذلك الرجل إلى العالم قال: قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال: ومن ذا يمنعك التوبة؟ إن باب التوبة مفتوح، ما لم تغرر أو تطلع الشمس من مغربها، ارحل إلى قوم بني فلان، أو اذهب إلى قرية بني فلان، فإن فيها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم الحديث فالمسألة الأولى بداية العمل، وبداية الأمل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] ونقولها لكل شاب، مهما بلغت ذنوبه، أياً كان، بعض الشباب يظن أن التوبة على قليل أغاني، وقليل أفلام، أما اللواط والزنا، والسرقة والشعوذة، والسحر والكهانة، هذه أمور لا يمكن أن يتوب الله على من فعلها، لا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] حتى من وقع في الكفر فجدد الإسلام ودخل الإسلام على نيةٍ صالحة صادقة، وعلى بصيرة، وعلى توحيدٍ صحيح، فإن ذلك يجب ما قبله (أسلمت على ما أسلفت والتوبة تجب ما قبلها) فتخلص من بقايا المعصية، والحق بشبابٍ أو بصحبٍ أو بقومٍ يعينونك على الطاعة، ويذكرونك إذا غفلت، ويعينوك إذا ذكرت.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1473
العدل في المعاشرة
هذه رسالة نتحدث فيها عن مشهد من المشاهد الاجتماعية المؤلمة، وهي مشكلة قائمة في الواقع وليست ضرباً من الخيال، ألا وهي إعراض المعددين في الزوجات عن زوجاتهم الأولى وأمهات أولادهم، تتعرفون في هذه المادة على أسباب هذه الظاهرة ودوافعها، وأنه لا اعتراض على تعدد الزوجات ولكن يجب المعاشرة بالمعروف.
стр. 1474
ظاهرة إعراض الزوج عن زوجته الاولى لأجل الثانية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين: الحديث اليوم عن واحدٍ من المشاهد الاجتماعية المؤلمة، وهي مشكلةٌ قائمة ليست ضرباً من الخيال أو الافتراض.
عباد الله: ما هو ذلك المشهد؟ وما أسبابه ودوافعه؟ وقبل أن نخوض في هذا، سنقف لنعرض عليكم هذا المشهد الاجتماعي الأليم، الذي يحدث وكثيراً ما يحدث ويتكرر في كثيرٍ من بيوتنا.
أيها الإخوة: كثيراً ما نسمع ونعرف وينقل إلينا أن بعض المسلمين حينما يصلُ إلى سن الأربعين أو الخمسين وما حولها، يحلو له أن يتزوج امرأةً ثانية، لأسبابٍ عديدة، ولعل من أهمها: أن المرأة مع زوجها في هذا السن، قد تكون قاربت نهاية الشباب في أنوثتها وقوامها، لا سيما بعد أن قدمت أكبر وأجل واجباتها ممثلاً في إنجاب الأولاد، والقيام عليهم بحسن الرعاية والتربية، وإلى هذا الحد من هذا المشهد، فلا غبار ولا اعتراض على ما يحدث، لأن شباب الرجال أطول عمراً من شباب النساء، لكن المشكلة والمصيبة والمأساة، هي إعراض بعض المتزوجين عن زوجاتهم الأُول، وأعني بالإعراض عدم المبالاة والتقدير والمراعاة لشعور الزوجة أم الأولاد، فترى الواحد من أولئك ينقلب وحشاً فظاً غليظ القلب، لا يطيق أن يسمع من زوجته الأولى شكوى، ولا يجد فراغاً ليقضي لها حاجة، وكثيراً ما يتذرع بقلة ذات اليد؛ أو عدم أهمية حاجتها، وحينما تسأله زوجته الأولى شيئاً من المال لقضاء حوائجها ومتطلباتها، يدخل الواحد من أولئك عابساً أو مقطباً، ويخرج كذلك، ويغضب لأتفه سببٍ عند زوجته الأولى، ويقيم الدنيا ولا يقعدها، ويحمل الأمّ المسكينة مسئولية أي خطأٍ أو تقصيرٍ يقع من أولاده، والويل ثم الويل لها إن فقد شيئاً من حاجياته، وإن كانت زوجته الثانية -الجديدة- تسكن معه في نفس البيت، فالويل للأولى إن شكت الثانية منها، أو أبدت على الزوج تغيراً بسببٍ مزعومٍ ينسبُ إلى الزوجة الأولى، وفي جوٍ مدلهمٍ بالمشاكل والخلافات، يصل الأمر إلى غايته ونهايته، فتقف الزوجة الأولى أم الأولاد، لتفصح عن مكنون سترها، ولتكشف عن خفي سترها، فماذا تكون الإجابة من ذلك الزوج؟ وماذا تتوقعون أن يقول مجيباً؟! إن الإجابة المريرة المؤلمة والتي سمعنا بها في كثيرٍ من هذه الحالات هي قول الكثير منهم: إن أعجبك هذا الوضع على ما فيه ورضيت به فأهلاً وسهلاً، وإن لم يعجبك فالطلاق الطلاق ليس عندي لك شيءٌ سواه.
وهنا تنكسر كبرياء الأمومة، وتضيع سنون العشرة، ويقابل المعروف بالأذى، والإحسان بالإساءة، ثم يحصل الطلاق في لحظةٍ من غضبٍ وجدال، أو تبقى الزوجة الأولى معذبة بين نارين مشتعلتين: الأولى: نار الطلاق والفراق.
الثانية: نارُ الآلام والعيش المليء بالسخط والتبرم وسوء المعاملة وتحطيم المشاعر.
أيها الإخوة: أليست صورة واقعة؟! ألم تسمعوا بها؟! ألم تعرفوا عنها؟! ألم تقرءوا في رسائل المعذبات إلى الصحف والمجلات؟! نعم، كل هذا واقعٌ وحاصل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 1475
الفهم الخاطئ لهذه الظاهرة
أيها الإخوة في الله: وفي خضم هذه المشاهد الاجتماعية المؤلمة، يقف من يقف من المخدوعين، أو الجاهلين، ليقول: هذه ثمرات تعدد الزوجات، وهذه نهاية الذين يجرءون على التعدد، ويغيرون على أنفسهم، إلى غير ذلك من عبارات الإرجاف والتشكيك والوسوسة الشيطانية، ليقف من أراد الزواج محتاراً خائفاً غير واثق، وحينها قد يفضل بعضهم السفر أو الالتفات يميناً أو شمالاً ليقضي مآربه وأوطاره في سبيلٍ حرام وبطريقٍ خفيٍ، ليسلم من سبة ما سمعه زوراً واختلاقاً عن مشاكل تعدد الزوجات.
стр. 1476
لا اعتراض على تعدد الزوجات ولكن عاشروهن بالمعروف
أيها الإخوة: وأمام هذه الصورة المأساوية نقف قليلاً موضحين لما سبق أنه لا اعتراض لأحدٍ على تعدد الزوجات، وأنه أمرٌ شرعيٌ لا شك في سنيته وترغيب الشريعة فيه، ولكن هنا ألف اعتراض واعتراض على تعدد الزوجات لمن سيعامل زوجته الأولى بذلك الأسلوب، وهنا ألف اعتراض واعتراض على تعدد الزوجات لمن سيعامل زوجته الأولى بتلك الطريقة؛ لأن العدلَ شرطٌ في التعدد، ومن كانت تلك سجيته، وذاك سلوكه في معاملة زوجته الأولى، فهو في وادٍ والعدل في وادٍ آخر، فليتق الله، ولا يحمل نفسه من الإثم والعذاب ما لا يطيق، وذلك بالجور والجنف والميل المتعمد في المعاملة والمعاشرة.
فإلى الذين يقعون في تلك المشاهد السيئة من المعاملة والمعاشرة لأزواجهم، وأمهات أولادهم، وينسون المعروف والجميل، لسبب زوجةٍ عارضةٍ جديدة، وفتاةٍ صغيرة.
إلى أولئك الذين نسوا حق الزوجة الكبيرة التي صبرت على آلام الفقر، ورضيت بالعيشة قانعةً بزوجها على أقل القليل من الطعام والشراب، راضيةً بالضيق من السكن والمكان.
إلى أولئك الذين تزوجوا بنات الأمس، وأمهات اليوم، ولم يشترطن عليهم بالزواج خادماتٍ أو سائقين.
إلى أولئك الذين لم تثقل كواهلهم بالمهور الغالية والصداق الباهظ.
إلى أولئك الأزواج جميعاً نقول: اتقوا الله، اتقوا الله، اتقوا الله! أهذا جزاء الإحسان؟! أهذا جزاء الصبر والمصابرة على أيام عيشٍ مضت بين الفقر والضيق والضراء؟! أهذا هو الوفاء بالمعروف؟! أهذا هو رد الجميل أن تجعل ضرتها في وجهها وتسكن معها وهي كارهةٌ غير راضيةٍ بمساكنتها؟! أمن حسن العشرة أن تجعل الزوجة الثانية الصغيرة أمام الزوجة الأولى الكبيرة لتجرح قلبها وفؤادها؟! حينما يضاحك الزوج هذه الزوجة الصغيرة، وحينما ترى الزوجة الكبيرة ضرتها الصغيرة، وهي في شباب أنوثتها وصغر سنها، وهي ترى زوجها يميل إليها بنظراته، ويضاحكها بعباراته، ويسارقها الحركات والألفاظ والعبارات.
إن هذا لأكبر جرحٍ لشعور أمٍ مسكينة، إن هذا لأكبر ظلمٍ لمشاعر وفية صادقة، إن هذا لأسوء جزاءٍ يجزى به المعروف والإحسان.
أيها الإخوة: نعود فنقول: إن هذه ليست دعوة إلى ترك التعدد وعدم الزواج، بل إنما هو دعوة إلى حسن المعاشرة، خاصةً مع ذلك الجيل الوفي الصادق من النساء الذي يندر أن نجد مثله في هذه الأيام، ذلك الجيل اللاتي قدمن أفضل التضحيات وأجملها في سبيل الحفاظ على رباط الزوجية الكريم، وتربية النشء الصالح، مهما كدرته شوائب الفقر والمرض، وضيق المسكن وقلة ذات اليد.
إلى أولئك الذين وقعوا في هذا المشهد الاجتماعي الأليم، ننصحهم ألا يجمع المرأة بجارتها أو ضرتها إلا برضىً منهما، وإلا فليقسم الدار قسمين، وليكن قريباً منهما، وهما منفصلتان عن بعضهما، أو فليجعل داراً مستقلةً أخرى إن قدر على ذلك.
إن رسول الله ﷺ لم يجمع بين امرأتين تحت سقفٍ واحد، فلكم في رسول الله أسوةٌ حسنة، ننصح أولئك ألا يتحدث الواحد منهم بجمال زوجته الصغيرة أمام الأخرى، وخواص أمورها، من لباسٍ أو فراشٍ أو غيره، لأن ذلك يشعل الغيرة، ويؤجج نيرانها، وربما أدى ذلك إلى الانتقام بما لا تحمد عقباه، والعياذ بالله.
ننصح أولئك بحسن الخلق ولطف المعاشرة للجميع، وليتذكر الجميع قول الله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] فأين المعروف في هذا التصرف؟! وأين الإحسان في هذا السلوك؟! أمن المعروف أن تجعل الفتاة الصغيرة، تتباهى بجمالها وإظهار مفاتنها أمام زوجتك الأولى الكبيرة، لتجرح كبرياء الأم، وتكسر مشاعرها التي قدمت وتقدم كثيراً مما لا يتسع المجال لذكره.
أمن حق هذه الأم التي صبرت معك على الفقر والآلام، وعلى الضراء والسراء، وعلى الحل والترحال، أمن معاشرتها بالمعروف أن تبادل ضرتها الصغيرة بنظراتٍ وعباراتٍ لتجعل في ذلك خنجراً يطعن قلبها، ولتجعلها لا تجد شكوى إلا إلى ربها؟ فتنطلق مسكينةً مهرولة؛ هذا ما سمعته، وهذا ما نقل إلي، وليس افتراضاً كما قلته لكم، بل هو واقعٌ ويتكرر ويكثر وقوعه في مجتمعنا.
стр. 1477
خيركم خيركم لأهله
إلى أولئك نقول لهم: تذكروا قول النبي ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) وقول النبي ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيارهم خيارهم لنسائهم).
نذكرهم بهذا الحديث، فلتنصت له الآذان، ألا وهو قول النبي ﷺ : (من كانت له امرأتان فمال إلى أحدهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل) حديثٌ صحيح رواه الإمام أحمد وغيره، وليس الميل هنا في الأمور الغريزية الفطرية، إذ أن شهوة الرجل تغلب على نفسه، لكن الميل الذي ينهى عنه إنما هو في النفقة، وفي السكنى والعطاء، ومن أشد الظلم ومن أشد الميل جرح كبرياء الزوجة الأولى وكسر مشاعرها أمام ضرتها الصغيرة، هذا أعظم وأخطر من الميل، وأشد إثماً وعقوبة، ما يريد أولئك؟ ما الذي يدفع بعض الأزواج لكي يتلذذوا بإثارة غيرة أمٍ مسكينة قد بدأ الشيب في شعرها؟ ألا يحترم سنها؟! ألا يقدر عشرتها؟! ألا يقدر الحمل والولادة وإنجابها له عدداً من الأولاد والبنات؟! إن الذي يقع في ذلك ويصر عليه لمن اللؤم بمكان، وفي سوء العشرة بدرجةٍ عظيمة.
نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1478
حكم التشاؤم من شهر صفر
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، الحمد لله وحده لا شريك له أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، ومن كل ما سألناه أعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: منذ يومين أهل علينا هلال شهر صفر جعله الله باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام لنا ولولاة أمورنا وسائر إخواننا المسلمين، ولكن البعض هداهم الله يتشاءمون من شهر صفر، ومن بعض الأيام في السنة.
أيها الإخوة: هذا من التشاؤم المنهي عنه في الشريعة الإسلامية، وهو من جنس الطيرة التي أخبر النبي ﷺ بأنها من أمر الجاهلية، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر) والتشاؤم بشهر صفر من الطيرة المذمومة التي وقع فيها بعض الناس، فلا تراهم يتزوجون فيه ولا يسافرون، ولا يذهبون أو ينزلون أو ينتقلون، وهو شيءٌ يجدونه في أنفسهم لا أصل له، إذ أن شهر صفر كسائر الشهور يقع فيه الخير والشر، وقد يفضي هذا التشاؤم إلى شيءٍ من الشرك والعياذ بالله، والعياذ بالله لمن غالى في تطيره وتشاؤمه، فظن أن للأيام فعلاً بذاتها من دون تدبير الله وقضائه وقدره.
عن عروة بن عامر ﵁ قال: (ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ ، فقال: أحسنها الفأل، ولا تردوا مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) رواه أبو داود بسندٍ صحيح.
أيها الإخوة: اعلموا ذلك علم اليقين، ومن رأيتموه يتشاءم أو يتشكك أو يتردد في هذا الشهر فانصحوه بالمضي والتوكل على الله جل وعلا في هذا الشهر وفي غيره من سائر الشهور والأيام؛ لأن الإنسان إذا بالغ في تشاؤمه من يومٍ معين، أو من شهرٍ معين، فكأنما يظن أن لهذه الأيام فعلاً وتدبيراً في إحداث بعض المقادير والأقدار، وإنما الأمور بيد الله ، لا يأتي بأحسنها إلا هو، ولا يدفع السيئ منها إلا هو، فلا حول ولا قوة إلا بالله في كل حال.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين.
اللهم من أراد ولاة أمورنا بفتنة، اللهم من أراد شبابنا بضلالة، اللهم من أراد نساءنا بتبرجٍ وسفور، اللهم من أراد شبابنا بفسقٍ وضلال، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم أدر عليه دائرة السوء، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، ربنا لا تحجب دعاءنا، واستجب لنا فيما دعونا.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم سدد رصاصهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم وحد صفهم، اللهم أبعد الفرقة والنزاع بينهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم وفق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم اجزهم خير الجزاء، اللهم ضاعف لهم الحسنات، وكفر عنهم السيئات، اللهم وفق الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر في زمان غربة الدين، وفي زمانٍ أصبح المنكر معروفاً فيه أمام كثير من الناس، وأصبح المعروف منكراً فيه أمام كثيرٍ من الناس، اللهم وفق الآمرين بالمعروف، اللهم ارزقهم الفقه والعمل الصالح، والعلم النافع برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم عجل زوال الفرس، اللهم عليك بالإيرانيين، اللهم عليك بالفجرة الظلمة الفَسقه منهم، اللهم عجل بزوالهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود، اللهم أرنا فيهم الكارثة، اللهم احصهم عدداً وأقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، اللهم اجعلهم غنيمةً للمسلمين، اللهم أشعل الفتنة بينهم، اللهم أشعل الفرقة بينهم، اللهم أوقد الاختلاف بينهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم اجعل تدبيرهم في نحورهم، اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين والكافرين بالكافرين والفاسقين بالفاسقين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم عليك بهم، اللهم فعجل زوالهم، اللهم إنهم لا يؤمنون بكتابك ويقولون: هذا كتابٌ ناقص، إذاً فإنهم يقولون: إن الله لم يحفظ القرآن، وأنت يا رب العزة والجلال تقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
فالله يحفظ كتابه، وهم يقولون: إن القرآن لا يحفظ، اللهم إنهم يسبون صحابة نبيك، اللهم عليك بهم، اللهم فعجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم وفناءهم، اللهم لا تحجب دعاء المسلمين فيهم، اللهم قد نما زرع باطلهم وترعرع، اللهم هيئ له يداً من الحق حاصدة تحصد زروعهم، وتستأصل شرورهم بقدرتك وجبروتك يا رب السماوات والأرض.
اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، اللهم اجعلنا على حوض نبينا واردين، ولكأسه من الشاربين، وعلى الصراط من العابرين، وآتنا صحفنا باليمين، وبيض وجوهنا يوم تسود وجوه الكفرة والمجرمين، وأدخلنا الجنة، وأدخلنا الجنة، وأدخلنا الجنة بسلامٍ آمنين أول الداخلين.
اللهم إنا نعوذ بك من فجاءة نقمتك، وزوال نعمتك، وتحول عافيتك، لا إله إلا أنت، سبحانك إنا كنا من الظالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تعذبنا بما اجترح السفهاء منا، اللهم ارحمنا فأنت بنا راحم، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحةً وهبته بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم انصر إمام المسلمين، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، وجنبه بطانة السوء، اللهم أصلح ووفق إخوانه وأعوانه، اللهم اجمع كلمتهم على الحق، اللهم وحد صفهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم لا تقرب لهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً، ولا تفرح عليهم كائداً، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجز والدينا عنا خير الجزاء، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً، اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم افسح على أهل القبور قبورهم، اللهم نور على أهل القبور قبورهم، اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم إنا نسألك توبة قبل الموت، وراحةً عند الموت، ونعيماً بعد الموت.
عباد الله: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلملوا تسليماً، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك، يا أرحم الراحمين.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1479
العناية بشئون المساجد
إن الله جل وعلا قد عظم شأن المساجد ورفع منزلتها وقدرها، وعظم منزلة المشائين إليها، ولما كان اهتمام جل المسلمين بعمارة المسجد حسياً كان لابد من بيان أهمية عمارتها المعنوية، وهو ما بينه الشيخ في هذه المادة، واذكراً آداب المساجد وضرورة العناية بها.
стр. 1480
فضل المساجد
الحمد لله، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلاّ هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
معاشر المؤمنين: لا يخفاكم أن الله جلَّ وعلا قد عظَّم شأن المساجد، ورفع منزلتها ودرجتها، وعظم منزلة المشَّائين إليها، فقال جل وعلا مضيفاً هذه المساجد إلى نفسه إضافة تشريف ورفعة، جل من قائلٍ عليما: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨].
وقال جل وعلا في بيان أولئك الذين يعتنون بالمساجد ويقيمونها إقامةً حسيةً ومعنوية: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
فيا عباد الله: هذه بيوت الله جل وعلا، قد رفع منزلتها وجعلها مهابط رحمته ومتنزل ملائكته، بل تكفل الله جل وعلا على لسان نبيه برفعة الدرجات وتكفير الخطايا والسيئات بالمشي إلى المساجد، قال ﷺ : (ألا أنبئكم بما يكفر الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) ويقول نبينا ﷺ أيضاً: (بشر المشَّائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة).
لم هذا كله يا عباد الله؟! لأن المشي إلى المساجد، ولأن إقامة الصلاة في المساجد، ولأن عمارة المساجد بالصلاة مع الجماعة فيها ركنٌ عظيم من أركان الإسلام، ولذا فلا عجب ولا غرو أن تكون هذه المنزلة العظيمة لمن قام بحق هذه المساجد، وعرف قدرها بمعرفته قدر الله جل وعلا بتعظيمها ورفعة منزلتها.
стр. 1481
عمارة المساجد وأنواعها
أيها الأحبة: لسنا بحاجةٍ إلى بيان مزيدٍ من الأحكام المتعلقة بالمساجد؛ كأن لا يمكث فيها الجنب، وألا تمكث فيها الحائض وإن كان يجوز لها المرور بها، وألا يدخلها ويقربها من أكل ثوماً أو بصلاً لئلا يؤذي المسلمين إلى غير ذلك من الأحكام.
لكن يهمنا أيها الإخوة! حكم من أهم أحكامها ألا وهو عمارتها؛ عمارتها الحسية، وعمارتها المعنوية.
стр. 1482
عمارة المساجد الحسية
فأما عمارتها الحسية، فإن الله جل وعلا قد أذن برفع هذه المساجد وتشييدها وبنائها، يقول سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧].
ويقول النبي ﷺ : (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاةٍ بنى الله له به بيتاً في الجنة) وكلكم لا يخفاه هذا القدر، من البناء الحسي للمساجد وتشييدها، ولكن الأمر المهم أيضاً هو أن نهتم بالبناء المعنوي لهذه المساجد.
стр. 1483
عمارة المساجد المعنوية
ونعني بها اهتمام المجتمعات الإسلامية بمساجدهم، إن طوائف كثيرة من المسلمين يظنون أن المسجد فقط للأذان، ثم للإقامة، ثم للصلاة، ثم تغلق أبواب المساجد بعد ذلك، لا والله! ما شيدت المساجد لكي يستفاد منها أربع ساعات أو خمس ساعات في اليوم والليلة فقط، بل شيدت لتكون مساراً للذاكرين والتالين والقارئين وطالبي العلم والمتعلمين والمتفقهين والدارسين، إن هذه المساجد شيدت لكي يفزع ويضرع إلى الجلوس فيها لمناجاة الله جل وعلا من هَمَّ بمحاسبة نفسه؛ لكي يخلو فيها مع نفسه خلوة تدبرٍِ واستغفارٍ ومحاسبةٍ وتذكر، فلو أن كل المساجد لا تفتح إلا في ساعاتٍ معينة من اليوم والليلة فقد حصرت مكانة المسجد في الأذان والإقامة والصلاة، إنما مكانة المساجد أن تكون خلية نحلٍ يرد الناس إليها ويصدرون عنها، مليئة عقولهم وأفئدتهم بالذكر وبالعلم النافع والمواعظ الحسنة.
فيا عباد الله: انتبهوا لهذا الأمر المهم انتبهوا لهذا الدور العظيم للمسجد، إن كثيراً من مساجدنا لا نرى لها دوراً إلا الصلاة والنداء والإقامة فقط، فلو فتشت في جنبات المسجد فلن ترى فيه مكتبةً تضم أهم الكتب النافعة، وأمهات كتب مذاهب الإسلام العظيمة، وكتب الحديث والتفسير، والفقه والعقيدة، لوجدتها خلواً من هذا العلم العظيم، ولو تأملت هل يوجد فيها من الأشرطة السمعية النافعة فيما حوته من كلام العلماء الثقات الأجلاء لوجدتها خلواً من هذا كله.
إن هذين الأمرين لمن أهم الأمور التي ينبغي أن نعتني بها، وأن نقررها ونثبتها في مساجدنا، لكي تكون المساجد خليةً يرد إليها كل منهوم لعلم، ويصدر عنها ريان النفس والفكر، عبقاً بالمواعظ والنفع والفوائد والأحكام.
فانتبهوا لذلك -يا عباد الله- وتفقدوا مساجدكم، فأي مسجدٍ ترونه خلواً من هذا فاعتنوا بعون الله جل وعلا على إنشاء المكتبة النافعة، سواء كانت داخل المسجد أو في جنبة من جنباته، أو خارج المسجد أو قربه، المهم ألا يخلو المسجد من مكتبةٍ إسلاميةٍ نافعة، مكتبة مقروءة، ومكتبة مسموعة.
كذلك أيها الأحبة في الله: ينبغي ألا تخلو المساجد من حلقات الذكر، وحلق تعليم القرآن الكريم، وفي هذا المقام نشكر الله جل وعلا، ثم نشكر الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن، التي كان لها دور عظيم منذ سنين عديدة، كان لها الأثر السباق، وكان لها الفضل الأجل بعد الله جل وعلا في تأسيس كثيرٍ من هذه المدارس الخيرية، فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء.
أيها الأحبة في الله: إن كثيراً من المسلمين يعتنون ببناء المساجد، ولكن المؤسف حقاً أن ترى ملايين طائلة قد بذلت وأنفقت وصرفت في بناء مسجد واحد، وما زالت مناطق أخرى يصلي الناس فيها تحت البناء البدائي من الحجر والسقف المخشب ونحو ذلك، فلو أن من قام ببناء مسجدٍ أنفق عليه هذه الملايين الطائلة قسم هذه المبالغ لكي يبني بها عدداً أكبر من المساجد لنال بذلك خيراً عظيماً، واعلموا أن أهم ما تحتاج إليه المساجد، إن كان من الجوامع أن يكون في مكانٍ محاطٍ بالفسحة والرحبات الواسعة من جوانبه، لكي يتمكن الناس أن يجتمعوا فيه، ولكي يكون أهلاً أن يجمع فيه، أما ما نراه اليوم من كثرة مساجد الجمع فهذا فيه مخالفةٌ للسنة، وإن كان الأمر قد اضطر القائمون إليه اضطراراً لعدم التقدير الدقيق، وهذا ليس راجعاً إليهم، لأن المناطق لا تعلم سلفاً من سيجتمع فيها ومن سيفترق عنها، إلا أن من الواجب أن تقلل الجوامع، وأن تكون مركزيةً، ففي كل جهةٍ وفي كل منطقة، عددٌ محدودٌ من الجوامع والمساجد حتى نعتني بتطبيق السنة في أمر الجمعة، أما ما نراه في كثيرٍ من الناس، ومطالبتهم وإصرارهم وإلحاحهم على كثيرٍ من المسئولين بأن تكون مساجدهم مساجد جمعة، فهذا ليس بسبيل، وليس هذا في طريقٍ مشروع، فالواجب أن نعتني بالسنة، وأن نجتهد في معرفة الجوامع معرفةً دقيقة، وأحكامها، وما ينبغي لها، ومواقعها، ولو كان ذلك على حساب التجميع في مساجدنا التي نعلو بها، أو التي نعتني بها، فنسأل الله أن يمن على القائمين بهذا الأمر، وأن يلتفتوا إليه التفاتاً مهماً.
أيها الأحبة في الله: إننا ينبغي أن ندرك أن عمارة المسجد بإقامة الصلاة فيها من أهم الأمور، إن كثيراً من الناس قد يعمرون مساجد لا يشهدونها، ويقيمون بيوتاً لا يصلون فيها، إن أهم عمارة للمساجد أن يجتمع الناس للصلاة فيها، وإن المساجد في هذا الزمان لتشكو إلى ربها هجر المصلين، لتشكو إلى ربها ضعف المسلمين من العناية بعمارتها، والصلاة مع الجماعة فيها، وليسأل كل واحدٍ منكم نفسه، فَسِّروا واشرحوا وعللوا؛ لماذا لا ترون صفاً مكتملاً أو صفين مكتملين في صلاة الفجر؟! أين أولئك الذين يملئون المساجد؟ هل عرج بهم إلى السماء أم خسف بهم باطن الأرض؟ أم خطفت أرواحهم في ليلةٍ واحدة؟! إنه لأمرٌ عجيب غريب والله يا عباد الله!! وما الجواب في ذلك إلا ضعف العناية بعمارة المساجد، وضوى الجهل بالفضيلة الجليلة العظيمة بالمشي إلى المساجد، حتى ولو كانت بعيدة، فإن كل خطوة إلى المسجد يخطوها العبد لترفع له بها درجة ولتحط عنه بها خطيئة.
جاء بنو سلمة يريدون أن يقتربوا من مسجد رسول الله ﷺ ، لأن دُورَهُم بعيدة شيئاً ما عن مسجد النبي ﷺ ، فقال: (يا بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم) والتقدير: الزموا دياركم وابقوا في أماكنكم، ولا تُقرِّبوا مساكنكم؛ لأن الآثار والخطا لتشهد لمن قام بها عند الله جل وعلا يوم القيامة.
إن الأزقة والطرقات لتشهد عند الله جل وعلا: لفلان بن فلان يوم كان يعبرها متجهاً في طريقه إلى المسجد، والملائكة تشرح له جنبات الطريق، فلم هجر المساجد؟! ولم هذه الجفوة عن صلاة الفجر خاصةً في المساجد؟! اسألوا وتواصوا وتناصحوا ومروا بعضكم بالمعروف وتناهوا عن المنكر، واعمروا بيوت الله بأجَلِّ فريضةٍ من فرائض الله ألا وهي الصلاة بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1484
وجوب التزين للمساجد
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
يقول الله جل وعلا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١].
أيها الأحبة في الله: إن كثيراً من الناس لا يعتنون بأمر الزينة عند المساجد، ولا يعتنون بالهيئة والملبس والشخصية والصفة عند المساجد، وهذا أمرٌ ينبغي ألا يتفق وألا يقع عند المسلمين، ينبغي أن نعرف للمساجد قدرها ومكانتها، لو أن واحداً أراد أن يتابع أمراً من أموره في دائرةٍ عليا من الدوائر، لتراه تطيب بأحسن طيبٍ، ولبس أحسن حلة، فالله جل وعلا أحق من تزين له، كما قال ذلك ابن عباس، فينبغي أن نتزين لمقابلة الله، وللقاء الله .
ألا وإن من الأمور التي وقع فيها كثيرٌ من الناس، أن تجدهم يشهدون صلاة الفجر بثياب باليةٍ، أو بثياب خلقةٍ، أو بثيابٍ كلها من الروائح التي تؤذي المصلين والمسلمين، فهذا مما لا ينبغي، فصلاة الفجر كغيرها من سائر الصلوات ينبغي أن نستعد لها بالزينة المناسبة، وأن يجعل الإنسان ثوب الصلاة أبهى حلة، وهو ثوب مقابلة أجل حبيبٍ يحبه، لا أن يكون بيت الله أهون الأماكن في المقابلة بالنسبة له، ولا أن يكون الله هو أهون الناظرين إليه، فينبغي له أن يعتني بذلك، وأن يلبس الحلل الجميلة البهية الزاهية، لكي يشهد بها الصلاة في المسجد.
أرأيتم لو أن كل واحدٍ اعتنى بتطييب نفسه، ولبس أبهى حلةٍ من حلله يوم أن يتوجه إلى المسجد، أتجدون رائحةً خبيثة؟ أترون زيَّاً خَلِقاً؟ لا والله يا عباد الله! ثم ما الأمر إذا اجتمعت هذه الروائح العبقة العطرة الطيبة في بيتٍ من بيوت الله، ترى المصلي يتمنى أن يمكث في هذا البيت في جوٍ تملؤه الملائكة، والروائح العطرة الطيبة عبقةٌ في جنباته، أما من دخل المسجد وقد شم الروائح الكريهة والخبيثة من الدخان والعرق والأوساخ وغيرها، فكيف يحلو له أن يبقى في هذا المسجد؟ وكيف يطمئن للمكث أو الاعتكاف أو البقاء فيه؟ فينبغي أن نعتني بذلك.
ألا وإن مما تركه الناس في هذا الزمان، ترك التزين لصلاة الجمعة، والنبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجبٌ على كل محتلم) وقال ﷺ : (من غسّل واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ومس ما تيسر من طيبه، وجلس وأنصت ولم يَلْغُ، غفر له ما كان في جمعته السابقة، أو ما كان منه) أو كما قال ﷺ .
فيا عباد الله: ينبغي أن نعتني لصلاة الجمعة بمزيدٍ من النظافة، ومزيدٍ من الحلل، كان الناس في العصر القديم، بل في العصر القريب أيضاً، لا يخرجون إلى صلاة الجمعة إلا وما يسمى بالمشالح أو البشوت كلٌ يرتديها، ومن خرج إلى الجمعة ولم يرتدِ عباءته أو مشلحه نظر الناس إليه نظرة قصورٍ أو نظرة انتقاد، لأنها فريضةٌ ينبغي أن يتزيّ الناس وأن يتزينوا لها، فالتفتوا لذلك -يا عباد الله! - واعتنوا بذلك، والبسوا مشالحكم، وبشوتكم، وأبهى حللكم للحضور لصلاة الجمعة، لكي نبرز هذا اليوم الذي هو عيد الأسبوع، ولكي يرى الناس ويرى الوافدون، ويرى القادمون، ونري ربنا قبل ذلك تعظيماً منا لهذه الشعيرة العظيمة، فالتفتوا لذلك ولا تتغافلوا عنه، ولا تظنوا أن هذا الزي -وأعني به: العباءة- أو المشلح هو قصرٌ على العلماء، أو الأمراء، أو على المشايخ، بل هو زينةٌ ينبغي لكل مسلمٍ أن يتزين بها، وأن يلبسها، وأن يحضر بها ما تيسر له من المناسبات، لأنه زينة القوم في هذا الزمان، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] فالحاصل أن هذا من الأمور التي غفل عنها كثيرٌ من الناس.
وفي القديم -القريب ليس البعيد- كان النادر من لا ترى عليه عباءة، والآن تجول ببصرك في الجوامع والمساجد، لا ترى في أربعة من الصفوف أو خمسة إلا واحداً أو اثنين قد لبسوا عباءاتهم، فلم هذا البخل على هذه الفريضة الجليلة؟ وإن كل واحدٍ بحمد الله ومنّه، لا يعجزه أن يوجد في بيته هذا الزي الجميل، فالتفتوا لذلك واعتنوا به عباد الله.
стр. 1485
الاهتمام بالمساجد مسئولية الجميع
أيها الأحبة: إن من النعم العظيمة على هذه الأمة، أن المساجد لها هيئة، ووزارةٌ، وجهةٌ مسئولة تقوم بخدماتها وحاجتها وصيانتها وتأمين كل ما يلزمها، فهذه من النعم التي تفردت بها هذه البلاد دون غيرها من كثيرٍ من الدول، فالحمد لله الذي فضلنا على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، ويبقى أن يتحد الناس ويجتمعوا لمعرفة مصالح مساجدهم، فإن كان المسجد يحتاج إلى شيءٍ من التكييف طالبوا وذهبوا وراجعوا واتصلوا من أجل إثبات ذلك، لا أن يقول جماعة: هذه مسئولية الإمام، أو هذه مسئولية المؤذن، لا وألف لا.
كمسجد الحي، كل واحدٍ من أفراد الحي مسئولٌ عن نظافته وزينته، وعن مرافقه وخدماته، فينبغي أن نعتني بذلك عنايةً عظيمة.
وإن من نعم الله على هذه الدولة أنك لا ترى أضرحةً ولا قبوراً ولا مزارات قرب المساجد، فهذه نعمةٌ من نعم الله جل وعلا، خلافاً لما عليه الأمر في كثيرٍ من دول العالم، حيث يندر في بعضها أن ترى مسجداً إلا وفي قبلته ضريح، أو في جنباته قبرٌ أو قبورٌ عديدة، فإنها نعمةٌ عظيمةٌ قد من الله على هذه الأمة بها، والفضل لله أولاً، ثم للشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود، حيث قاموا بدعوة التوحيد التي طهرت أرجاء الجزيرة من أدران الشرك والوثنية.
أسأل الله أن يديم علينا النعمة والأمن والطمأنينة في هذه البلاد، وأن يجعل مساجدنا حيةً عطرة بحلقات الذكر ومجالس تعليم القرآن، والندوات والمحاضرات والتذكير، والنفع العام لعموم المسلمين أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر عبادك الموحدين، اللهم انصر عبادك الصالحين المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، وانصر اللهم المجاهدين في فلسطين، وارحم اللهم المستضعفين، اللهم ارفع الكربة عنهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم اجمع شملهم، ووحد صفوفهم، واجمع كلمتهم، وسدد رصاصهم في نحور أعدائهم يا رب العالمين.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة يا رب العالمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلى شفيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مريضاً إلا شفيته بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً طبقاً، مجللاً غير ضار، اللهم أسق العباد والبهائم والبلاد بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تحرمنا بذنوبنا فضلك، ولا تمنع عنا بمعاصينا رحمتك، اللهم إن عظمت منا الذنوب فإن الرحمة منك أعظم وأكبر يا رب العالمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1486
العولمة والتحديات المعاصرة [١]
العولمة خطر يداهم ديار المسلمين، بهدف غزوهم فكرياً وإعلامياً وثقافياً، ولابد للأمة الإسلامية أن تعرف ما يحاك لها من المؤامرات، فالعولمة إنما هي نقل لمعتقدات الغرب وممارساته الشاذة إلى بلاد المسلمين، إنها نقل للإباحية إلى بلاد العفة.
стр. 1487
الدين الإسلامي صمود وشموخ
الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
معاشر المؤمنين: على مشارف القرن الواحد والعشرين وقبل بزوغ فجره بسنواتٍ، يحسن أن نقف على حقيقةٍ مهمةٍ وقضيةٍ خطيرة، وهي أنه يمضي على ظهور هذا الدين أكثر من أربعة عشر قرناً هجرياً لم يضعف ولم ينحرف ولم يضل الطريق، بل يزداد قوةً ومضياً وعطاءً وكثرة أتباع، دينٌ لا يمكن أن يقضي عليه خصومه، أو يوقفون حركته كما يظنون أو يتوهمون؛ تلك أمانيهم وما يضمرون، فبئست من أمانٍ وخسأت من منون.
أربعة عشر قرناً وأمة هذا الدين تجابه التحديات الخطيرة، فتستجيب لها وتخرج منها ظافرةً مرفوعة الرأس، عالية الراية، قامتها فوق الهامات وأهدافها فوق الأهداف، إن هذا الدين، قد واجه أصنافاً وألواناً من العداء والعدوان، مشركي الوثنية بقيادة الملأ من قريش اليهود المنافقين المرتدين أدعياء النبوة الزعامات الكاذبة رءوس الطواغيت في بلاد كسرى وقيصر الصليبيين المغول المستعمرين القدماء والمستعمرين الجدد، موجات إثر موجات يتكسر عنقها الشرس اللجوج على صخرة هذا الدين فترتد زبداً وغثاء، ولا يبقى إلا عطاء هذا الدين الذي ينفع الناس: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
أربعة عشر قرناً وهم يقاتلون هذا الدين، في محاولةٍ مديدةٍ متواصلة، لرد أبنائه عنه، لا يرضون له، أن يمضي إلى غايته التي رسمها له الله، ولا لأبنائه أن يختاروا طريقاً شرعه الله، أربعة عشر قرناً ونداءات القرآن تحذر وتنذر فما من لحظةٍ سيلقى فيها السلاح، أو يكف الخصم فيها عن البغي والكيد: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
فلتقر أعينكم، ولتقرَّ أعين أتباع هذا الدين في أنحاء الدنيا، ولترغم أنوف خصومه؛ فإن النصر لن يكون إلا لهذا الدين: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣] تلك حقيقةٌ واضحة، وذلك أمرٌ ينطق به الوحي: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
стр. 1488
النصر للإسلام
حقيقةٌ يؤكدها التاريخ، ويشهد لها أربعة عشر من قرناً من الصراع الذي لا يرحم، والنتيجة الواحدة التي لا تتغير أو تتبدل مهما عظمت التضحيات أو غلا الثمن، فالنصر للإسلام والانتشاء لنوره، هل ثمة من دين أو مذهب اجتاز رحلةً طولها أربعة عشر قرناً؟ أو حتى قرناً واحداً أو اثنين دون أن تتشعب به المسالك، أو تنحرف به الطرق، أو تضل به الأهداف.
عشرات الأجيال والمذاهب، قطعت خطواتٍ لكنها قصيرة، قصيرةً في الزمان والمكان، فما لبثت أن تعرضت لأكثر من محنة، فلم تصمد لها، بل ذابت شموعها أمام حرارة أعدائها، فتمزقت وتشتت وانحرفت عن الطريق وتفرق أتباعها شيعاً وأحزاباً.
لقد أكمل الله هذا الدين على يد رسوله الكريم ليكون دين البشرية الأخير، ومعنى هذا أنه دينٌ أُريد له أن يظل باقياً ما تنفس إنسانٌ على وجه البسيطة، دائماً ما طلعت الشمس من مشرقها، خالداً ما دامت السماوات والأرض، ولن يخشى عليه: (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يبقى بيت حجر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين؛ بعز عزيزٍ أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل به الشرك وأهله).
طيلة هذه القرون التالية وإسلامنا وديننا وعقيدتنا وأمتنا تتعرض لتحدياتٍ أقوى ما جابهت في كثيرٍ من الأحيان، تواجه أعداءً يفوقونها عدداً وعدداً لكن هذا الدين دائماً هو المتصدي لتحدياتها لكن ديننا هو المتقدم بصدره لمجابهتها، المنتصر عليها في نهاية الأمر، وليس ثمة من لا يعرف ما فعله هذا الدين وأتباعه إزاء هجمات الصليبيين وغزوات المغول، رد أولاها على أعقابها، واحتوى الثانية فإذا بالغالب القاهر يتقبل ويقبل الانتماء للدين، الذي يتصور أنه غلبه ثم يخضع له ويطيع.
اسألوا المغول والتتار، جاءوا يريدون أن يبيدوا الإسلام وأهله، فانقلبوا جنوداً له يدينون به، يعتقدون عقيدته، نعم هي تجربةٌ تكاد أن تكون نادرة بين سائر التجارب في التاريخ، أن يخضع غازٍ لمغزو! أن يخضع غالبٌ لمغلوب! لكنها في حقيقة الأمر غلبةٌ لغير الغازي، وانتصارٌ لمن هجم عليه، والسر يكمن في عظمة هذا الدين.
стр. 1489
تحديات عظام تواجه الإسلام
واليوم وديننا يقترب من عقده الثالث من القرن الخامس عشر الهجري، وهو على عتبة القرن الحادي والعشرين الميلادي، يجد نفسه محاصراً بألف تحدٍ وتحد:
ولو كان سهماً واحداً لاتقيته ولكنه سهمٌ وثانٍ وثالث
هذا الدين وأمة هذا الدين تجد نفسها محاصرة، إن الاستعمار الجديد والمادية الملحدة يضيقان الخناق شيئاً فشيئاً بالغزو الفكري والتخريب الأخلاقي، والتدمير الاجتماعي، وتجويع الشعوب، والاستنزاف الاقتصادي، والصهيونية التي أقامت أشد العنصريات في التاريخ سلفاً ووحشيةً وأنانيةً وغروراً، تضع كافة إمكانياتها جنباً إلى جنب، تضع كافة ما أوتيت مع أتباعها وبعضهم لبعضٍ ظهير؛ لسحق هذا الدين وإبادة أتباعه، وإضعافهم أو شلهم على الأقل، وغير هؤلاء وهؤلاء عشراتٌ بل مئات من الضغوط والتحديات، تظن أنها ستهدم هذا الدين، أو ستخرج بنيانه أو تهد أركانه، والسؤال الذي ربما سأله بعض أبناء المسلمين: هل سيقدر هذا الدين هذه المرة أن يخرج من المعركة الطاحنة ظافراً ومنصوراً وأعداؤه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله، ومن تحته أعداءٌ آخرون لا تعلمونهم والله يعلمهم:
وسوى الروم خلف جسمك روم فعلى أي جانبيك تميل
نعم.
إنه لمن البديهيات في عمر هذا الدين بالأربعة عشر قرناً وزيادة أن يخرج ظافراً منصوراً حيثما وجد نفسه في وضع المتحدي طال الزمان أم قصر، فالعبرة كما هو معروفٌ بنتائج الأمور وأخرياتها لا ببدايتها، والعبرة ليست بنقص البداية، لكن بكمال النهاية
والليالي من الزمان حبالى مثقلاتٍ يلدن كل عجيبة
هناك ضروبٌ وضروبٌ من التحديات القادمة، ليست جديدةً عن هذا القرن في مضمونها أو جوهرها وحقيقتها، لكنها ربما ظهرت بلونٍ جديد، وشكلٍ غريب، واسمٍ براق، وقال: ابن مضرم: يظن البعض أنها تحديات لا تقهر، لا تبارى ولا تجارى ولا تغلب، وقد نسوا أن الله قد أهلك أمماً هي أقوى من أمم الغرب التي صنعت عابرات القارات، والتي صنعت الغواصة والقنبلة، واكتشفت الحاسب، وبحثت عن أدق العجائب في هذا الكون، إن الله من قبل قد أهلك أمماً أشد منها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم:٩].
اسمعوا قول الله أيضاً: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣] ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ [الأنعام:٦].
أو بعد هذا يبقى في نفس مسلمٍ شكٌ أو ريبٌ في أن الغلبة لهذا الدين؟ أو بعد هذا يبقى في نفس مسلمٍ شك أو ريبٌ أن ما بلغه الأعداء من تقنيتهم ومكتشفاتهم وحضارتهم، سيكون السلاح الذي به يقتلون، والمال الذي يفتك بهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
نعم.
ينفقون أموالاً طائلة على الطابور السادس، وأموالاً طائلة على شراء العقول، وأموالاً طائلة على إفساد الانتماء، وأموالاً طائلة على حربٍ لم تأت بدبابات زاحفة، ولا بطائراتٍ راجمة، ولا بقنابل منفجرة، وإنما هي حرب الفضاء، حرب الإعلام، حرب الصورة والكلمة، ينفقون أموالاً طائلة: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
стр. 1490
العولمة وحقيقتها
أيها الأحبة! طالعتنا منذُ أيامٍ ليست بالقليلة، وما هي علينا بغريبة:
إذا بنيَّ ضرجوني بالدمِ
من يلق آساد الرجال يُكلمِ
شنشنةٌ نعرفها من أخزم
جاءونا بمصطلحٍ جديد اسمه العولمة! فما هي هذه العولمة؟ مصطلحٌ لا تزال كثيرٌ من القنوات، وكثيرٌ من وسائل الإعلام تردده وكثيرٌ من مؤسسات صنع العقول تطرحه وتسوقه إلى المثقفين خاصة، وغيرهم عامة، ما هو مضمون هذه العولمة؟ كلمة جميلة خفيفة على اللسان؛ لكنها تحوي من السم ما يفتك بكل إنسان.
ما هو مضمون هذه العولمة؟ اسمعوا وعوا يا عباد الله! حتى لا تُخدعوا بما حذر منه النبي ﷺ في آخر الزمان: (يأتي في آخر الزمان أناسٌ يشربون الخمرة، يسمونها بغير اسمها) وسيأتي قومٌ ينطقون بالعولمة ويتلذذون بها، ويدعون إلى تسويقها، وفتح الأذرعة لاحتضانها، وفتح القلوب لاختزالها، وفتح العقول لتخزينها، وفتح كل شيءٍ يملكونه من أجل ما يظنونه مكسباً حينما يتعاملون معها وبها ولها.
مضمون هذه العولمة: أن يتحول العالم كل العالم إلى قرية كونية واحدة صغيرة، وهذا النمط المطلوب المقصود هو النمط الغربي بنموذجه المادي، تحول العالم إلى قريةٍ واحدة على نمطٍ واحد، في نمطٍ غربيٍ في نموذجه المادي المغرق بحب السيطرة، ومعنى هذا أنه من حق الأمة المسيطرة أن تسعى لفرض ثقافتها وسلوكها ومعتقدها ومصالحها، لماذا؟ ليروج بين حينٍ وآخر أن هذه العولمة ليست شراً محضاً، ففيها مصالح شتى، وفيها فوائد كثيرة، انتقال المعلومات، ونقل التقنية، وتزحلق رءوس الأموال اللازمة، لتنمية البلدان الفقيرة والنامية والأقل نمواً.
هذا ظاهر العولمة، ولكن ما هي شروط العضوية فيها؟! بل ما هي رسوم الاشتراك للدخول إلى مسرحها؟ التي يريد الغرب من أمة الإسلام أن يكونوا مطنطنين مطبلين مقلدين لكل ما فيها!! العولمة أيها الإخوة: لا تعني انتقال البضائع والخدمات والنقد والمعلومة والشركة والسلوك والثقافة، لا تعني انتقال هذه الأمور منفردةً مستقلةً واحدةً تلو الأخرى لتختار منها ما تشاء! وترفض ما لا ينبغي! وما لا يجوز! وتطرد ما يضر ويهلك، لا.
العولمة جملةٌ متسقة متناغمة مرتبطٌ بعضها ببعض، تطبيعٌ في العقول وفي القلوب، وفي الاقتصاد، وفي الإعلام، بل وخلط للعقائد مع المبادئ مع الأخلاق مع العادات مع المذاهب، مع الآراء، مع النظريات.
كما قال الساقط قريبا في مبدئه المسمى: بـ الشتيلا ( Balshtella) اخلطوا عقائد الأديان الخمس، واجعلوها مزيجاً واحداً، لا تجد صراعاً على وجه الأرض: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢] ولا يمكن أن تتلوث عقيدة نقية بوحيٍ معصوم مع عقائد محرفة أو أفكارٍ من زبالة أذهان البشرية.
إن العولمة تعني أن يقدم هذا الطعم كله جملةً واحدة، لا خيار لا خيار لا إرادة لا خيار في الانتقاء فيه، إن العولمة تعني أن تقبل الحاسب مع الموضة، وأن تقبل التقنية مع الثقافة، وأن تقبل النظرية الفيزيائية والكيميائية مع الذوبان الاجتماعي، والانصهار الأسري، والانحطاط الأخلاقي، والتردي فيه مستنقعات الرذيلة، إنها قضيةٌ لا تحتاج إلى ذكاءٍ شديدٍ لنعرف حقيقتها، بل ذكاءٌ فطريٌ يسير، يكفي لتعرف أن العولمة هي الثقافة الغربية النصرانية المادية الكافرة في نموذجها الأشد فجاجةً، والأشد غطرسةً وتعالياً.
العولمة: كلمةٌ رقيقة، لكن أنيابها مفترسة، ومخالبها جارحة، دمرت الاقتصاد في دول شرق آسيا، ونظمت مؤامرات المرأة والسكان، والبقية قادمة.
العولمة: هي التي جعلت النمور الأسيوية تعيش مرحلةً في هزة اقتصادية غريبة وعجيبة، ونسأل الله أن يجعل العاقبة خيراً للإسلام والمسلمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1491
حاجة الأمة الإسلامية إلى إدراك ما يحاك لها
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ في الدين بدعة، وكل بدعةٍ في دين الله ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذَّ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها المسلمون إننا بحاجةٍ إلى مسلمٍ ذكيٍ واعٍ منتبهٍ يقظ ملتفت لما يحاك حوله من مؤامرات، ولما ينصب حوله من فخاخ وشباك، إننا بحاجةٍ إلى مسلمٍ يعتز بدينه، ويدرك حجم المؤامرة على بيته ونفسه وأولاده ومجتمعه، وولاة أمره وأمته، إننا بحاجة إلى مسلمٍ يمارس دوره الذي أكرمه الله به، وشرعه الله له، أما ما تراه من غثاءٍ أخبر به النبي ﷺ : (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلةٍ نحن يا رسول الله؟ قال: لا.
أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يصيبكم الوهن وينزع الله المهابة من صدور أعدائكم منكم، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
أيها الأحبة: الحديث عن العولمة وعن خطرها له بقيةٌ في جمعةٍ قادمة، أسأل الله أن يبصرنا لنرى الأمور بعين البصائر والأبصار، لنرى الحق حقاً ونسأله أن يرزقنا اتباعه، ولنرى الباطل باطلاً ونسأله أن يرزقنا اجتنابه، وألا يجعله مشتبهاً علينا فنظل ونخزى، ولا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم آمنا بدورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أهد إمامنا وولي عهده وأصلح حالهم واجمع شملهم، ولا تفرق كلمتهم، وأعنهم وأصلح حالهم مع إخوانهم، ربنا لا تفرح علينا ولا عليهم عدوا، ً ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، وسخر اللهم لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل اللهم ذلك بطاعتك وإعلاء كلمتك يا رب العالمين،.
اللهم توفنا على أحسن حالٍ يرضيك عنا، اللهم عاملنا بعفوك، وجازنا بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم اغفر لنا زللنا وهزلنا وجدنا وعمدنا وخطأنا وما أنت أعلم به منا، وما قدمنا وما أخرنا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
اللهم اجعل هذه الأيام القادمة، وهذا الفجر الجديد على المسلمين في إندونيسيا، فجراً يشهد لهم بمزيد تمسكٍ بالإسلام، واجعله اللهم فجراً قادماً يرفع الظلم عن المظلوم، واجعله اللهم فجراً مؤذناً بنصرٍ يجعلهم أمتةً واحدة، يواجهون الكنيسة والنصرانية والتبشير، اللهم أصلح حالهم، واجعل اللهم قوتهم خدمةً للإسلام والمسلمين يا رب العالمين.
اللهم صلِّ على محمدٍ وآله وصحبه.
стр. 1492
العولمة والتحديات المعاصرة [٢]
العولمة فرض لكل ما يريده الغرب في بلاد الإسلام، فهي هدف للغرب، لذلك كان لابد لأصحاب هذا الهدف من وسائل تعينهم على تحقيق هدفهم، ومن أهم وسائل العولمة: القنوات الفضائية الإنترنت المؤتمرات المنعقدة في شتى البلدان تحت مسمى العولمة، فإذاً: واجب على شباب الإسلام ودعاته وعلمائه أن يقفوا يداً واحدة أمام هذا التحدي المسمى اليوم بالعولمة.
стр. 1493
العولمة فرض لإرادة الغرب على العالم
الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
معاشر المؤمنين: مر بنا في جمعةٍ ماضية الحديث عن تحدياتٍ معاصرة وقادمةً لا زال الغرب يحيكها، ويتربص بالمؤمنين، الدوائر كي يوقعهم في حبائلها وفخاخها، ولئن تغيرت أساليب الحرب، واختلفت ألوان العداوة، وتغيرت أنماط التحدي في هذا العصر، إلا أن الحقيقة هي الحقيقة، ما تغيرت ولا تبدلت: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩].
آيات القرآن تترى محكمةٌ ثابتة تؤكد هذه المبادئ التي هي من صميم الحرب الدائمة الباقية بين الإسلام والشرك بين التوحيد وبين الهدى والجاهلية، وإن تصافحت الأيادي وظهرت الابتسامات على الشفاه أو تنوعت الكلمات والتصريحات:
قد ينبت المرعى على دمر الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا
من أواخر الصيحات والصرخات التي أطلقها الغرب مدويةً فاستقرت في قلوب بعض أذنابهم من المسلمين وغيرهم من المغرورين المخدوعين بأقوالهم وشعاراتهم، كلمة العولمة وقد تحدثنا في الجمعة الماضية عن هذا الضرب الجديد من التحدي.
ولا تزال وسائل الإعلام الفضائية، ومؤسسات صنع العقول، تطرحه وتسوقه إلى المثقفين خاصة، ومضمون هذه العولمة: تحول العالم إلى قريةٍ كونيةٍ أو عالمٍ واحد، لكن هذا التحول في مقاصده وأنماطه يصب في النمط الغربي بنموذج المادي المغرق في حب السيطرة، ومعنى هذا أنه من حق الأمة المسيطرة أن تسعى لفرض ثقافتها وسلوكها ومعتقدها ومصالحها على غيرها من الأمم.
العولمة أيها الإخوة: لا تعني انتقال البضائع والخدمات والنقد والتقنية والمعلومات والشركات والسلوك والثقافة، لا تعني انتقال هذا منفرداً عن الآخر لنختار منه ما ينفعنا، ولننبذ ما لا ينفعنا أو لنرفض مالا يجوز، كلا.
إنها تعني أن يقدم لك ذلك كله، فاقبله جملةًَ أو عش في ضمير التاريخ وذاكرته متخلفاً مع القرون الرجعية البائدة الحجرية، هكذا يرددون ويقولون.
أيها الأحبة: اتجاه العولمة استمرارٌ لاتجاهات السيطرة الغربية على بقية العالم، بل والعالم الإسلامي والعربي خاصة، ولئن كانت هذه الكلمة كلمةً جديدة، لكن مضمونها قديمٌ ومعانيها معلومة، لكن الجديد فيها: أنها كلمةٌ بعبارات ملطفة، تقلل الأثر البشع لها.
стр. 1494
بدء حركة العولمة
أيها الأحبة في الله: إن العولمة ما هي إلا استمرارٌ لتحركات الغرب لإخضاع الآخرين، هي هي تلك التحركات التي بدأت بغزوات الإسكندر المقدوني، أو تحركات الصليبين الغزاة، مروراً بكل حربٍ خاضها الإسلام مع الشرك والجاهلية، وانتهاءً إلى معركتنا الكبرى اليوم مع الإمبريالية الحديثة، وما تخلل ذلك من التحركات والمطلوب أيها الأحبة: ألا يستسلم أبناء المسلمين، وألا تستسلم أمة الإسلام، وألا تخدع بهذا الشعار الذي خفيت حقيقته، وزورت هويته، وجاء عبر الصوت والصورة والكلمة، وقد كان من قبل يأتي عبر الجندي والدبابة والطائرة والقنبلة، هذه الحرب الجديدة بشعارها المستحدث الجميل، يعني أو يزعم أو يصور أن العالم سيغدو متحداً يحمل ملامح متشابهة، ويحكمه نمطٌ اقتصاديٌ واحد، هو نمط اقتصاد السوق الرأسمالي الغربي، وتقوم مناهج التربية والتعليم فيه على أساسٍ واحد هو أساسٌ غربي صرف، بمعنى فصل الدين عن الحياة والتربية، وما ظنكم لو أن شعباً أو أمةً أو دولةً أرادت أن تستقل أو تنفصل أو تسير بركاب أمتها وشعبها في مساره، بعيداً عن هذه العولمة، وبعيداً عن هذا التحدي، فالويل لها إن صراحة أو ضمناً، إن تلميحاً أو تلويحاً، إن تصريحاً أو كناية، إذا جاهد شعبٌ بإعلان انتمائه واتباعه لأنماط سلوكٍ اقتصاديٍ أو تربويٍ أو تشريعيٍ أو إعلاميٍ يخالف ما أراده الغرب في ظل هذه العولمة المعاصرة، شنوا عليه النكير، شن عليه الغرب بدوله الثمان أو العشر أو الأكثر أو الأقل، شنوا عليه النكير، بدعوى مخالفة بقية القطيع البشري، والشذوذ عن الأعراف الدولية، وما يسمى بحقوق الإنسان، ألا تعلمون أنكم في هذه البلاد ومنذُ زمنٍ ليس بالقليل محل الرفض، ومحل عدم الرضا، ومحلُ عدم القناعة، من أجل ماذا؟ من أجل سارقٍ تقطع يده، أو مجرمٍ قاتلٍ سفاكٍ يقطع رأسه، أو لأجل حدٍ من حدود الله يقام، لا تزالون إلى هذه الساعة صورةً مرفوضةً أمام الغرب، ولقد رأيتُ بأم عيني مجلةً ألمانية اسمها مجلة سبيجل على غلافها صورة ميدان الصفاء بجوار الجامع الكبير، وصورة الصياح الذي قطع رأس مجرمٍ قد تدحرج رأسه قريباً من جثته، والدماء سائلةٌ من جثة ذلك المجرم، وقد عبروا بكلماتهم الغربية وعباراتهم الحاقدة، كيف يجوز هذا في عصر العلم والحضارة؟!
стр. 1495
وسائل محاربة الإسلام بالعولمة
أيها المسلمون! إن أمة الإسلام على اختلاف درجات تمسكها بدينها تواجه حرباً، ولن يرضى الغرب أو الأعداء بقليلٍ أو كثيرٍ أو نوعٍ من التساهل والمجاملة، لكنهم لا يرضون إلا بالتبعية لا يرضون إلا بالذنبية لا يرضون إلا بمبدأ القردة والببغاوات التقليد والترديد، وما سوى ذلك فمرفوض، قال الله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
أيها الأحبة: وتشن هذه الحرب الشرسة، بالعبارة الحريرية الناعمة، عبارة العولمة تحت شعار حقوق الإنسان، تحت عبارة الشذوذ والمخالفة للأعراف الدولية، والويل كل الويل، الويل جملةً أو الويل تفصيلاً أو الويل تدريجاً أو الويل مجزأً أو متفرقاً، من جانبٍ واحدٍ أو من جوانبٍ شتى، الويل لأمةٍ تخالف ما أراده الغرب، وتخالف ما سنته وشرعته من قوانينها، نعم -أيها الأحبة- من خالف ذلك -في زعمهم- فهو أصوليٌ إرهابيٌ متطرفٌ لا يمكن أن يعيش في هذا العصر، ولا ينبغي أن تبقى له بقيةٌ أو تقوم له قائمة.
يا أيها المسلمون: إن معركة العولمة قائمةٌ ولا يزال شرها يسري ويجري، وما مؤتمرات السكان التي عقدت في القاهرة وفي بكين إلا مؤتمراتٌ تحضيرية، وجسُ نبضٍ لإعداد قوانين رادعةٍ في المستقبل، تسلط على كل سلوك مخالف، وتردع كل من يخالف شريعة الغرب في إباحية السلوك الجنسي قبل الزواج، وإباحية الإجهاض والتحديد القسري للنسل، بل وإكرام وتدليل الشاذين جنسياً، ومنع أي لونٍ من ألوان التمييز منهم أو الإنكار لسلوكهم، بل وكل من تحدثه نفسه لمعارضة هؤلاء الشاذين، عوقب وجرى إقصاؤه عن بقية القطيع البشري تماماً تماماً كما جرى لدعاة الفضيلة الأوائل، وذكر القرآن شأنهم في خبر قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦].
أصحاب قرية العولمة، يقولون لكل طاهر، ولكل عفيف، ولكل مسلم، ولكل متمسكٍ بالشرع، ولكل مقيمٍ للحج، ولكل من يصر على فصل الرجال عن النساء، يقولون له المقالة الأولى: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦] أخرجوهم من عالم العصر والحضارة والمدنية والتقنية، واجعلوهم هنوداً حمر أو متخلفين في ذاكرة التاريخ وعصوره الحجرية، هل تدركون هذه الحرب؟ هل يعلم شبابنا بهذه القضية؟ شبابنا الذين أهلكوا أوقاتهم أمام قنواتٍ فضائية وقنوات غنائية، وقصص غرامية، ومغامرات ومطاردات ومصارعات غريبة وعجيبة، هل يدرك شبابنا حجم هذا التحدي وحجم هذه المعركة المعاصرة؟ إن القليل من القليل يدركون ذلك:
وقد كانوا إذا عدو قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
стр. 1496
عقد مؤتمرات تحت مسمى العولمة
أيها الأحبة: المؤتمرات الدولية والمؤامرات هي التي جعلت النمور الأسيوية ترزح تحت وطأة اضطرابٍ في سياساتها النقدية، وفي أوضاعها الاقتصادية؛ لأن ثمة دول أرادت أن تحذو حذو اليابان في مواجهة المعركة المعاصرة، لتخرج بالمعركة من الدبابة والقنبلة إلى الآلة والمصنع وعوامل الإنتاج، فالتفت الغرب لذلك مبكراً، وأرادوا أن يلقنوها درساً لا تنساه هي، بل لا ينساه كل من أراد أن يخرج من دور الحلقات المفرغة في إطار التبعية والبقاء في حاجة إلى الغرب، وكل مجموعةٍ إسلامية أرادت أن تنهض وأن تظهر، وأن تكبر في ظل استثماراتٍ إسلاميةٍ نظيفةٍ طاهرةٍ نقية فالويل لها من الغرب أيضاً، وسرعان ما توجه لها أنواع التهم مباشرةً أو بواسطة العملاء، ليقال إنها شبكات لتمويل الإرهاب، لماذا؟ لا يريد الغرب أن ينقطع الربا عن الأرض، لا يريد الغرب أن يستمتع الناس باستثمارٍ حلال ولقمةٍ حلال وتجارةٍ حلال، وتصنيعٍ وإنتاجٍ حلال، لا يريدون ذلك أبداً، والمقام يضيق عن ذكر الشواهد.
стр. 1497
العولمة ووسيلة الإنترنت
أيها الأحبة: إن من وسائل العولمة، ما ضج به كثير ممن لا يعلمون أبعاده فرحاً به، ألا وهو مسألة شبكة الإنترنت، وهي فرعٌ عن قضية العولمة، بل وسيلةٌ من وسائلها، إنها تبدو بحجمٍ ضخمٍ في ذاتها، وكأن هذه الشبكة خطرٌ مستقل، والحقيقة أنها من أكبر أدوات العولمة، ومنها ينهال على العالم شرها الوبيل، في مواد ضارة على رأسها وأعلى قائمتها: الصور الجنسية الإباحية، التي تتيح للطالب وهو بجوار سريرة، أو على مقعده الدراسي في غرفته، أن يفتح نافذةٍ إلى الحانات والبارات والأفلام الخليعة والصور الجنسية، ليجعل من بيته في بلدٍ وإن كانت موحدةً تضج المآذن فيها بالتكبير، ليجعل من شاشته هذه في بيته المجاور للمسجد، حلقة ًونافذةً للعيش مع الغرب في حاناتهم وباراتهم ودور بغائهم.
نعم أيها الأحبة: إن من أخطر ما في هذه الشبكة هذه الصور الجنسية الإباحية التي ضج منها ليس علماء الإسلام وحدهم، بل سبقهم وشكى من ذلك علماء الغرب وقساوسة الكنيسة، وبعض رجالات التربية الذين يقولون: هذا خطرٌ مدمر:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً وأن المنايا قد غدون أمانيا
إن هذه الشبكة تنقل كل ما يريد البعض بثه، وعنها تغيب الرقابة أو السيطرة، إن هذه الشبكة جد مغرية؛ لأنها وسيطٌ إعلامي، ودليلٌ تعليمي حديث جداً، يتزايد الإقبال على هذه الشبكة في أوساط الشباب حتى أصبحت وكأنها صرعةٌ أو موضة، بل أداةٌ لتحديد حداثة الإنسان وتقدميته، بل وربما تصبح غداً أداة لتحديد من يعيش في هذا العصر أو لا، وهي في كثيرٍ من الدول توجد حتى في صفوف وفصول المدارس الابتدائية، فينشأ عليها الطفل من سنوات حياته الأولى، وتصبح جزءاً من حياته، وهاجساً له، ومصدراً دائماً يتلقى منه العلم وأنماط وقواعد التوجيه ولسهولة التعامل مع هذه الشبكة، ربما اتخذها الطالب أو الشاب وسيلةً ومصدراً للمعلومات والمعارف بل وبدون شعورٍ منه، تصبح هذه الشبكة مصدره في السلوك والتصرف.
ألا تعلمون أن من أراد أن يطلع على شيءٍ وهو يملك خطاً مباشراً إلى هذه الشبكة، فلا عليه إلا أن يعطي هذه الشبكة أو أن يعطي هذا الجهاز الحاسب أمراً للاتصال بالشبكة، ويقول له: ابحث لي عن كذا، ثم لا تلبث هذه الشبكة، أن تمده عبر جهازه بملايين المعلومات بل والصور والكلمات، ومن هنا اختل مصدر التلقي، فما بالكم بمن يأخذ الإسلام عن هذه الشبكة؟ وما بالكم بمن يأخذ الحلال والحرام عن هذه الشبكة؟ وما بالكم بمن يرى أن الحسن والقبيح هو ما رآه حسناً أو قبيحاً في هذه الشبكة؟ إن الأمر ليس بخطير فقط، بل إن بعض المسلمين اليوم أصبحوا لا يعرفون أين المعركة، ولا أين أبوابها، ولا أين مسرحها، ولا أين ميدانها، وذلك وايم الله في غاية الخطورة ولا حول ولا قوة إلا بالله! نحن لا ننكر أيها الأحبة! أن شبكة الإنترنت وإن كان فيها ما فيها من الشر، فهي أيضاً لا تخلو من فوائد نافعة ومن أساليب منتجة، ولكن لا يتعامل مع السلاح إلا من هو خبيرٌ به، أما إذا تعامل مع سلاح المعلومات هذه، فجاهلٌ لا يفقه أو لا يحسن التعامل والتمييز بين الغث والسمين، فإن ذلك من أخطر الأمور ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 1498
القنوات الفضائية وسيلة للعولمة
أيها الأحبة: والوسيلة الثالثة بعد الوسيلتين الأوليين من وسائل العولمة المؤتمرات الدولية، وشبكة الإنترنت: هي وسيلة القنوات الفضائية، ولن أطيل في التعليق على هذا، فأنتم خير من يعلم أنها أداةٌ تمنح الشعوب انتماءً لأعدائها، وتجعلها طائعةً مذعنةً لقاتل أبنائها، وتجعلها محبةً لمشردي إخوانها، وتجعلها قردةً مقلدة لعادات من أراد أن يفتك بها.
إنها قنواتٌ تجعل الأبرياء يفتحون صدورهم لخناجر الغزاة، بل ويلبسون أثواب الغزاة، ويحبونهم في الوقت الذي تتمكن طعنات المجرمين من قلوبهم وصدورهم، وما أكثر الذين يرضون بهذه المعركة، ما أكثر الذين الآن يرون أبناءهم صرعى وقتلى في هذه الحرب الفضائية المدمرة، عبر الشاشة وعبر الطبق الفضائي وهم مع ذلك لا يرضون بل لا يتحملون انقطاع التيار، أما أن ينقطع البث فأمرٌ لا يتحملونه، قد يتحملون غيبة الماء البارد شيئاً، لكن لو انقطع البث اشترى بدل الطبق اثنين وبدل الجهاز جهازين، عجباً لهؤلاء الذين أصبحوا لا يفتئون في تعاطي هذه الحقن المخدرة والمدمرة.
стр. 1499
ماذا قدم لنا الغرب
والسؤال أيها المسلمون: ماذا قدمه الغرب؟ ماذا قدمه النمط الغربي في ظل العولمة للعالم؟ لقد قدم نموذجاً واحداً هو النموذج المصلحي، لقد قالت: مارجريت تاتشر إبان أزمة الخليج وصرحت بذلك لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ليعرف حقيقة العداوة، قالت: نحن ليس لنا أعداءٌ على وجه الدواء، وليس لنا أصدقاءٌ على وجه الدواء، نحن لنا مصالح دائمة، فمن يحقق مصالحنا فهو الذي نحافظ على علاقتنا معه، أو نحرص على مصالحنا معه، وما سوى ذلك فليهلك في أي وادٍ ولن نسأل عنه، وهذا واضح
اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر ضل قومٌ ليس يدرون الخبر
قلبوا الخريطة الجغرافية وضعوا أناملكم على دولٍ معينة، أين هي، وأين أنظمتها؟ وأين ما كانت تفعله من ولاءٍ وانتحارٍ من أجل طاعة الغرب؟ أين هي؟ وهل نفعها الغرب بقليلٍ أو بكثير؟
الجواب
لا.
لأن المصلحة انتهت، ولا نستطيع أن نكون على مستوى مواجهة هذه المعركة إلا من خلالكم أنتم وأبنائكم وأبناء المسلمين وإخوانهم، أن نكون جميعاً على مستوى قوي جداً، وعلى درجة مرهفة الحساسية في إدراك هذه المعركة والشعور، لو أن أمة الإسلام تعيش يقظة لاستطاعت بأيسر الوسائل وأسهلها أن تملي الكثير، ونحن نحمد الله على ما منَّ به من توازنٍ وعنايةٍ ويقظة نشهدها في بلادنا هذه، من ولاة أمرٍ ومن علماء، ومن رجالات التعليم فينا، ولكن نريد أن ننقل هذا الوعي إلى عامة المسلمين رجالاً ونساءً وذكوراً وإناثاً.
أيها المسلمون: ماذا قدم الغرب؟ لا ثقافة أصيلة، ولا حضارة إنسانية حقيقة، لم يقدم إلا أفلام الجنس والعنف والجنز والأغاني والرقص، هذا ما يسمى اليوم بالثقافة السائلة الدارجة المستهلكة، وإن تعجب فاعجب من بعض أقوامنا أو بعض أُناسٍ منا، حينما يستقبلون هذه العولمة بحرارةٍ، ويظنون أن من أوجب واجباتهم أن يسوغوا أن يسوقوا هذا المصطلح وما يتضمنه، وتلك -والله- من أشد المصائب والبلايا وعندها إذا بلغ الأمر بأبناء الأمة أو بعض أبناء الأمة أن يردد بعضهم متحمساً على جهله بما يريده الأعداء، فلا تعجب أن تجمع مثل هذه التصريحات التي صرح بها قادة الغرب، حيث قال أحد حكامهم: إن الله لم يهيئ الشعوب الناطقة بالإنجليزية لكي تتأمل نفسها بكسل أو دون طائل، لقد جعل الله منا أساتذة العالم كي نتمكن من نشر النظام حيث تكون الفوضى، وجعلنا جديرين بالحكم لكي نتمكن من إدارة الشعوب البربرية الهرمة، وبدون هذه القوة ستعم العالم مرةً أخرى البربرية والظلام، وقد اختار الله -يقوله افتراءً على الله- يقول: وقد اختار الله هذا الشعب دون سائر الأجناس، كشعب مختار يقود العالم أخيراً إلى تجديد ذاته.
خلالك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري
يا لك من قنبرةٍ بمأمن مثل هذه العنجهية.
يقول: مسئولٌ آخر في دراسةٍ نشرتها مجلةٌ غربية عام (١٩٩٥م) يقول في كلامه: إن هذا هو قدرنا أن نقود العالم، وأن ننشر ما وصلنا إليه، لكي نحدد به اتجاهات البشرية، هكذا يظنون أن العالم كله كرةٌ في أيديهم، ونسوا وإن كانوا يعلمون، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم أن الأمر لله وأن الحكم لله: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ [الأنعام:٦٢] لكنهم لم يحسبوا لأمة الإسلام أي حساب.
стр. 1500
واجب العلماء والمثقفين أمام العولمة
أيها الأحبة: إن العولمة تحتاج إلى تحدٍ من علماء الأمة ومثقفيها، وعلمائها ومفكريها رصداً وتصدياً وتأملاً من منظورٍ إسلامي، هذه القضية الشائكة تحتاج إلى تفهمٍ لكي نستفيد مما يمكن الاستفادة منه، بوضع الضوابط ونصب المحاذير، ورفض كل ما يضر هذه الأمة وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في دين الله ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذَّ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: إننا نستطيع أن نواجه هذه الحرب مهما بلغت ومهما كبرت، ومهما تنوعت، بالاستعانة بالله، والتوكل على الله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠].
إننا حينما نذكر بهذه الحروب وهذه التحديات، ليس ذلك من باب تعظيم الخصم وتفخيمه وتكبيره، وإنما لبيان الخطر، ولبيان الشر، يقول حذيفة ﵁: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر مخافة أن يدركني).
علمت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين.
أيها الأحبة: لقضية العولمة بقية باقية، أجعلها في الخطبة القادمة إن شاء الله، ليكن ختام الحديث بهذا الأمر.
وإني أسأل الله بأسمائه وصفاته أن يصرف عنا وعنكم كيد الكائدين، أسال الله أن يصرف عنا وعنكم مكر الماكرين، اللهم من أراد بولاة أمرنا وعلمائنا وشبابنا، ونسائنا ورجالنا، والمسلمين شراً، اللهم عجل فضيحته، وافتك سريرته، وأرنا فيه اللهم عجائب قدرتك.
اللهم يا حي يا قيوم، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، اللهم أرنا فيمن أراد بالإسلام والمسلمين سوءاً أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف.
اللهم انصر المسلمين على الوثنيين، اللهم انصر المسلمين في باكستان وسدد قنبلتهم النووية على الوثنيين في الهند يا رب العالمين، اللهم اجعل هذه القنبلة تفجيراً وتدميراً لقلوب الغرب وما أراد من الفتك والكيد والدمار للمسلمين، اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل معصيتك، اللهم ثبتنا على مرضاتك، واستعملنا اللهم في أحسن عملٍ يرضيك يا رب العالمين.
اللهم صلّ وسلم على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
عباد الله: إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا! صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ وعلى آله وصحبه.
стр. 1501
العولمة والتحديات المعاصرة [٣]
لقد أصيبت الأمة اليوم بهزيمة نفسية، وأصيب شبابها بالإحباط إزاء التقدم العلمي والتقني في بلاد الغرب، فرضخت الأمة الإسلامية وكادت تستسلم للعولمة، فأصبحت دول الإسلام مستوردة لا مصدرة مستهلكة لا منتجة آكلة لا زارعة، وما سبب ذلك إلا الانشغال بسفاسف الأمور دون معاليها.
وستجد في هذه الخطبة حثاً للأمة على شحذ الهمم، وكيف غير شاب ياباني من تاريخ اليابان.
стр. 1502
إصابة كثير من المسلمين بالإحباط والخذلان
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
معاشر المؤمنين: مر بنا الحديث في جمعتين ماضيتين عن تحديات العصر والقرن القادم، وما أعده ويعده أعداء الإسلام على اختلاف ألوانهم ومللهم ونحلهم ولغاتهم، ما أعدوه ويعدونه لأجل حرب الإسلام، في صورة الحرب الجديدة، حرب الصوت والصورة والكلمة، وإن كانوا لا يألونكم خبالا ما أمكنتهم الفرص إلى ذلك سبيلا لإجهاض أي قوة، أو ضرب أي قوة يجدها المسلمون أو يستطيعونها، وإتماماً للحديث؛ فإن من التحديات الخطيرة التي لا زال الغرب يكرسها مصطلح العولمة الذي طبل له من طبل، وردد له طائفة أو كثيرٌ ممن لا يدركون أبعاده.
هذا الأمر الخطير العجيب -يا عباد الله- يتضمن تحدياً قادماً وقائما، وهو تحدي المسلمين في استمرار عجزهم عن نقل أسرار التقنية، واكتشاف أسرار الصناعة في مجالات شتى حربية وعسكرية، طبية وكيميائية وفيزيائية وغيرها، حتى لقد أصبح لدى بعض شبابنا عقدة اليقين بالعجز والقطع بالمستحيل أنه لا يمكن أن نواكب الغرب فضلاً عن أن نتحداه في مخترعاته وابتكاراته، وربما سمعت من شبابنا من يردد مقولة الغربي المشهورة: إذا دخل العرب عالم الحضارة والذرة نكون قد بلغنا عالم ما فوق الذرة.
أيها الأحبة في الله: وإن من دلائل هذا التحدي، ومن دلائل الإخفاق الذي يواجهه لدى كثير من أبناء المسلمين وشبابهم أن ترى الواحد منهم يغفر فاه، ويندهش من كل جديد ولا يفكر أن يوجد جديدا؛ لأنه قد استقر في قلبه ولبه وجوهره أنه لا يمكن أن يجاري الغرب، ولا يمكن أن يتحداهم، ولا يمكن أن يصنع ما صنعوه، فضلاً عن أن يسبقهم إلى مجالٍ لم يكتشفوه، وإنهم بهذا وكأنهم يقولون في حرب الصوت والصورة والكلمة، وحرب التحدي العلمي، وحرب الاحتكار لنقل أسرار التقنية والاختراع، كأنهم يقولون: أتظنون أن خطبكم أو ندواتكم أو أشرطتكم أو محاضراتكم أو دروسكم الدينية، أتظنون أنها سوف تواجه هذا المحيط المتلاطم في أمواجه، الذي يعصف بالدول والقارات والأمم، تريدون أن تتحدوا الغرب بخطبة على منبر؟ تريدون أن تتحدوا الغرب بمحاضرة لا يحضرها إلا صفان أو ثلاثة؟ تريدون أن تتحدوا الغرب بقرآن قد وضع على الرفوف؟ تريدون أن تتحدوا الغرب بأحاديث ترددونها في مجالسكم؟ هذا وجه خفي باطنٌ لوجه العولمة، الذي تريد من كل واحد أن يسلم خاضعاً مذعناً مستسلماً أن القيادة والقوة والسيطرة قد أصبحت بيد الغرب، وما سوى ذلك من أمور الدين والقرآن والسنة، ومن أمور الشريعة والعقائد والقيم والمبادئ، إنما هي محض أمور شخصية، ومحض قضايا شخصية بحتة، لا يمكن أن تعمم في العالم، ولا يمكن أن تتحكم في سلوك البشر إلا في إطار الأمور الشخصية الضيقة البحتة، من طلاق أو زواج أو تغسيل ميت، أو دفن ميت، أو شيء أقل أو أكثر من ذلك، وما سوى فإن العولمة تفرض ما تريده في القضايا السياسية، والجوانب الاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية، وتفرض ما تريده في المادة والطرح الإعلامي، وتفرض ما تريده فيما شاءت، يريدون أن يسلم الناس وأن يذعنوا للنظام الجديد المتوحد المتفرد بزعمهم، ويأبى الله ذلك إذ أن الله وحده لا شريك له هو المتفرد بالحكم، لا شريك له هو المتفرد بالأمر لا شريك له، هو المتفرد بالتدبير وما شاء كان وما سواه فخلق قد جعل الله لهم من أقوياء وضعفاء أنداداً وأمثالاً يصارعونهم ويغالبونهم ويدالون عليهم دولة وينهزمون أخرى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] لا تظنوا أن أحداً يمكن أن يتفرد بالعالم قيادة وتحكماً وسيطرة في أي جانب من جوانبه عسكرية كانت أو اقتصادية أو إعلامية أو تعليمية
ولكل شيء آفة من جنسه حتى الحديد سطا عليه المبرد
стр. 1503
العولمة تعارض الإسلام وأحكامه
لا تظنوا -يا عباد الله- أن العولمة التي لا يزال الغرب، ولا يزال كثيرٌ ممن يطرحها، ولا يطرحها بكامل أبعادها، نعم هناك من يطرحها في جوانب مشرقة، أو في زوايا مضيئة، أو في أمور فيها منفعة لقد قال الله في الخمر: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] فالخمر المسكرة (أم الخبائث) ربما وُجِد فيها ذرات أو شيء من النفع، فكذلك العولمة لن تكون أمام الناس وأمام من يتناولها شراً محضاً، لكن وإن وجد فيها خير قليل فشرها وفسادها وتدميرها أغلب وأعظم وأطغى، فحري بنا -أيها المسلمون- أن نلتفت لهذه القضية وألا نسلم تحت دعوى العناوين البراقة، والكلمات المضيئة أن العولمة هي أقرب سبيل لنقل التقنية، والعولمة هي أحسن طريقٍ لتدفق رءوس الأموال، وانفتاح التجارة الحرة بين الدول، قولوا كما تقولون في العولمة هذا، قولوا أيضاً: وهي السبيل الذي لا يسمح لأمة مسلمة أن تقول: إن القرآن هو التشريع، وهو السبيل، العولمة التي لا تسمح لأمة مسلمة أن تقول: إن القاتل يقتل، والسارق يقطع، والزاني المحصن يرجم، إن العولمة ترفض هذا كله، فهل يعي المسلمون هذه القضايا؟ هل يعي المسلمون هذه الحقائق؟ إن أكبر تحدٍ في العولمة السياسية ما ضجت به وسائل الغرب وقامت قائمتها وقيامتها، ولم تقعد إلى الآن لا لشيء إلا لأن قنبلة إسلامية نووية قد أثبتت قدرتها، وأثبتت جدواها في تفجير مفاعل نووي وقالت للعالم: كما تملكون قنبلة فنملك أمثالها، وللمجرمين أمثالها.
عجباً للغرب والعولمة! إذا فجر عباد البقر والهندوس قنبلة نووية فذلك أمر لا يحتاج إلى سوى تصريحاتٍ يسيرة قليلة بدعوى تذكير الدول والأمم بعدم التورط في التعمق في أبحاث التسلح النووي، وتذكير الدول والأمم باتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة النووية، واليهود الذين يقولون: يد الله مغلولة، والذين يقولون: إن الله فقير؛ غلت أيديهم، والله غنيٌ عنهم وعمن سواهم، واليهود قتلة الأنبياء المستهزئون بالرسل، واليهود الذين لا يألون المسلمين خبالاً منذ وجدوا إلى يومنا هذا، اليهود يحق لهم ويسمح لهم، ولأنهم البنت المدللة والولد اليتيم والضعيف العاجز الذي يقبع ويسكن في سوار أو إطار من الدول التي تخالفه، يحق لذلك المسكين أن يمتلك مئات القنابل النووية، والعشرات من المفاعلات.
أما إذا قامت دولة يقول شعبها: لا إله إلا الله، وامتلكت قنبلة نووية فتلك قضية لا بد أن تبحث، وانتظروا وتذكروا ألوان الضغوط الغربية على هذه البلاد يوم أن قالت: لا.
وفجرت مفاعلها، انتظروا كيف ستعامل بمختلف أنواع الحصار الإعلامي والاقتصادي والفكري بكل أنواعه وسبله ومجالاته وميادينه.
أيها الأحبة في الله: ينبغي أن ندرك تماماً أن الحرب الجديدة ليست كما قلت في الجمع الماضية، ليست حرباً تقودها الدبابة الزاحفة، ولا الطائرة القاذفة، ولا القنبلة المتفجرة، إنما هي حرب الصورة والصوت والكلمة عبر المؤتمر الدولي، وإرغام الكثير من الدول للخضوع في سياسات غربية بحتة، وعبر شبكة الإنترنت، وعبر القنوات الفضائية، وعبر تصوير كثير من المصطلحات حتى لا يبقى لأحد مقولة لكي يرفض ما يريده الغرب، ونحن بكل ثقة وعلى أتم يقين أنه لن يكون للغرب تفرد بقيادة هذا العالم، حتى وإن ملكوا ما ملكوا، وإن وجدوا ما وجدوا، فإن ربك لبالمرصاد، وأموالهم التي يجمعونها وينفقونها لحرب الإسلام: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
стр. 1504
لماذا لا ننقل أسرار التقنية إلى بلادنا
أيها الأحبة في الله: أعود إلى التحدي الخطير الذي يصدره الغرب للمسلمين وأبنائهم، وهو تحدي نقل أسرار التقنية، نقل أسرار الاكتشافات والمخترعات، يريدون من دول الإسلام أن تبقى مستهلكة لا منتجة، أن تبقى آكلة لا زارعة، أن تبقى مستوردة لا مصدرة، إن صدرت شيئاً سيحاصرونها، وإذا لم يجدوا سبيلا من الحاجة إلى منتجاتها فالويل لهذه الأمم إلا من رحم الله، فالويل لها، سيؤخذ إنتاجها بأبخس الأثمان في ظل معادلات تسويقية ومعادلات اقتصادية تحكمها القوى السياسية، حتى تستورد المواد الخام من بلاد المسلمين بأرخص الأثمان، وتعاد مصدرة إليهم بأغلى الأثمان وأبهضها، ولكن إن التحدي حقيقة هو في القلوب وليس على الأرض، إن التحدي هو في العقول وليس على الأرض، إذا كنت تواجه رجلاً أو تواجه عدواً قد امتلأت استخفافاً به، وقد امتلأت ثقة بحقارته وهوانه، وإنه وإن قتلك فذريتك تقتله، وإن أهانك فذريتك تنتصر عليه، فذلك أمر مهم، أما إذا طغى في النفوس وعلا الران على القلوب بأن هذا العدو لا يقهر لا يبارى لا يجارى لا يتحدى، فتلك هزيمة قبل بداية المعركة، وذلك اختناق قبل أن يخلق الغاز.
أيها الأحبة في الله! هذا التحدي يعيشه كثيرٌ من شبابنا، ولا يزال الكثير يقف أمام نفسه وأمام ما يرى من مكتشفات حائراً يظن أنه لا يمكن أن يقدم شيئاً.
أضرب لكم مثالاً بسيطا: ألستم تروا من أبناء بلادنا الموحدين المصلين الصالحين المصلحين -بإذن الله- من فاق في الطب والجراحة وأدق أمور الصحة كثيراً من الغربيين، حتى إنهم ليتمنون أن يقبل عروضهم المغرية ليهجر هذه البلاد ليعمل في بلدانهم، نعم يسلمون بأن في البلاد في جانب الطب وفي مجالات الصحة، وفي الأبحاث الطبية من يفوقهم وإن كان لديهم الكثير من أمثال هؤلاء، فكذلك بالإمكان أن يتحول الكثير من شبابنا إلى عقول منتجة قادرة على استيعاب الحضارة والآلة المعاصرة، ونقل أسرارها ومن ثم القدرة على تصنيعها.
أيها المسلمون: إنه ليس أخطر على حاضر أمة أو مستقبلها من شيء عليها أن تخرج أجيالاً تقتصر آمالها العاجزة على التلهي بمنتجات حضارة غيرها بل عدوها، بل والتقوت منها بالضرورات من مطعم أو ملبس أو دواء أو سلاح دون مشاركة بالإضافة للإحساس بالقهر والدونية والعجز إزاءها وفي مقابلتها.
стр. 1505
تاريخ اليابان يتغير بسبب شاب واحد
يا شباب الإسلام: ألا تعجبون من أمم وثنية ليس لها دين صحيح، وليس لها وحي معصوم منزل، هذه الأمم الوثنية استطاعت أن تتحدى الغرب، واستطاعت أن تجعله راكعاً أمام عقلها وإنتاجها وقدرتها، استطاعت أن تهزأ وتسخر بالخرافة القائلة إن الغرب لا يُتحدى ولا يبارى.
واسمعوا إن شئتم قصة طالب يابانيٍ لتعلموا أن الهزيمة ليست في العناصر والمواد، لكنها -والله- في العقول والقلوب، إن المهزوم قلبه لا يستطيع أن يطلق طلقة واحدة في وجه عدوه، ولو كان السلاح في يده: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦] طالب ياباني اسمه أوساهير بعثته حكومة اليابان للدراسة في ألمانيا، في بداية محاولتها للنهوض والخروج من ضربة عسكرية قاتلة مميتة في هيروشيما ونجزاكي، هذا الطالب يقول: لما بعثت إلى ألمانيا لو أنني اتبعت نصائح أساتذتي الألمان الذين ذهبت لأدرس عليهم في جامعة هاربرج لما وصلت إلى شيء، كانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس أصول الميكانيك العلمية، وكنت أحلم كيف أصنع محركاً صغيرا، وبدلاً من أن تأخذني الأساتذة إلى معمل أو مركز تدريب عملي أخذوا يعطونني كتباً لأقرأها، وقرأت وقرأت حتى عرفت نظريات المكانيك كلها، ولكنني ظللت أمام المحرك أياً كانت قوته وكأنني أقف أمام لغز لا يحل، وفي ذات يوم قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع وكان ذلك أول الشهر، وكان معي راتب وجدت في المعرض محركاً قوة حصانين، ثمنه يعادل كامل مرتبي، فأخرجت الراتب ودفعته، وحملت المحرك، وكان ثقيلاً جدا، وذهبت إلى حجرتي، ووضعته على المنضدة، وجعلت أنظر إليه كأني أنظر إلى تاج من الجوهر، وقلت لنفسي: هذا هو سر قوة الغرب، هذا هو سر قوة أوروبا، لو استطعت أن أصنع محركاً كهذا لغيرت تاريخ اليابان، انظروا إلى هذه الهمة وإلى هذه النفس التي هاجرت من اليابان إلى ألمانيا تريد أن تغير تاريخ اليابان! من دولة مهزومة إلى دولة غازية منتصرة! ومن دولة مستهلكة متخلفة إلى دولة منتجة متحدية! يقول أوساهير: وطاف في ذهني خاطر يقول: إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال وطبائع شتى: مغناطيس، أسلاك، أذرعة، عجلات، دوافع، ولو أنني استطعت أفكك قطع هذا المحرك وأعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركبوها، ثم شغلته فاشتغل، أكون قد خطوت خطوة نحو سر الصناعة الأوروبية، وبحثت في رفوف الكتب التي عندي حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات، وأخذت ورقاً كثيراً، وأتيت بصندوق وأدوات العمل، ومضيت أعمل، رسمت المحرك بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمي أجزاء المحرك، ثم جعلت أفككه قطعة قطعة، وكلما فككت قطعة رسمتها على الورق بغاية الدقة، وأعطيتها رقماً، وشيئاً فشيئاً فككته كله، ثم أعدت تركيبه وشغلته من جديد فاشتغل، فكاد قلبي أن يقف من الفرح.
يقول: استغرقت العملية ثلاثة أيام، كنت آكل في اليوم وجبة واحدة، ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل، وحملت النبأ إلى رئيس بعثتنا فقال: حسناً ما فعلت الآن لا بد أن تختبر، سنأتيك بمحرك متعطل وعليك أن تفككه وتكشف موضع الخطأ وتصححه، وتجعل هذا المحرك العاطل يعمل، وكلفتني هذه العملية عشرة أيام عرفت أثناءها مواضع الخلل، فقد كانت ثلاثاً من القطع البالية متآكله صنعت غيرها بيدي، صنعتها بالمطرقة والمبرد، يقول عن نفسه: مع أنني بوذي على مذهب رن ومذهبي هذا يقدس العمل ويعتبره عبادة، ثم قال رئيس البعثة: عليك الآن أن تصنع القطع بنفسك ثم تركبها محركاً، ولكنني أستطيع أن أفعل ذلك إذا التحقت بمصانع صهر الحديد، وصهر النحاس والألومنيوم، وبدلاً من أن أعد رسالة الدكتوراة على الورق كما أراد مني أساتذتي الألمان تحولت إلى عامل ألبس بدلة زرقاء، وأقف صاغراً أمام أو بجانب عامل صهر المعادن، كنت أطيع أوامره كأنه سيدٌ عظيم، حتى كنت أخدمه وقت الأكل مع أنني -يقول عن نفسه- من أسرة ساموراي العريقة التي تُخدَم ولا تخدم، ولكنني كنت أخدم اليابان وفي سبيل اليابان يهون كل شيء.
يقول: قضيت هذه الدراسات والتدريبات ثماني سنوات كنت أعمل خلالها ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم، بعد انتهاء يوم العمل كنت آخذ نوبة حراسة، وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة، وعلم الحاكم الياباني الميكادو بأمري فأرسل لي من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهب، واشتريت بها أدوات مصنع محركات كاملة، وأدوات وآلات، وعندما أردت شحنها إلى اليابان كانت النقود قد فرغت، فوضعت راتبي وكلما ادخرته وعندما وصلت إلى نجزاكي قيل لي: إن الميكادو الحاكم يريد أن يراني، قلت: لن أستحق مقابلته إلا بعد أن ننشئ مصنع محركات كامل، واستغرق ذلك تسع سنوات، وفي يوم من الأيام حملت على ساعدي عشرة محركات صنعت في اليابان قطعة قطعة، حملناها إلى قصر الميكادو، ووضعناها في قاعدة خاصة، وأدرنا المحركات، ودخل الميكادو يقول: وانحنينا تحية له، وابتسم وقال لما رأى هذه المحركات: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي، صوت محركات يابانية خالصة، هكذا ملكنا الموديل وهو سر قوة الغرب، نقلناه إلى اليابان، نقلنا قوة أوروبا إلى اليابان، نقلنا اليابان إلى الغرب وبعد ذلك نمت عشر ساعات لأول مرة في حياتي منذ خمس عشرة سنة.
أيها الأحبة: ألا تعجبون؟ أيها الشباب! وأنتم على أبواب الامتحانات وفي مرحلة من مراحل التحدي: ألا تعجبون من هذه الحادثة التي هي من جنس سر التحدي الياباني الغربي اليوم؟.
بهذا أصبحت اليابان المدمرة عسكرياً في نجزاكي وهيروشيما المحظور عليها الدخول في الصناعات الحربية والعسكرية، أصبحت قوة اقتصادية تحسب لها الصين ذات المليار ونصف المليار نسمة، وتحسب لها الغرب ألف حساب، ألا يستحق ديننا تضحية وبذلاً وسهراً لأجل الجهاد والتحدي في مجالات الجهاد المعاصر جهاد الاقتصاد، وجهاد الكلمة، وجهاد الصوت، وجهاد الدعوة، وجهاد نزع الذل الذي خيم في قلوب كثير من الشباب، حتى أصبحوا لا يستطيعون إلا أن يقودوا سيارة قد صدرها الأعداء إليهم، وأصبحوا لا يظنون سوى أنهم قادرون على الاستهلاك، أما الإنتاج فهم سيظلون عالة على غيرهم؟ بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1506
كلمة موجهة إلى الطلاب قبل الامتحانات
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة في دين الله ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها المسلمون: تحت سعير المونديال ولهيب بدعايته وسياطه المغرية المشغلة للطلبة عن الامتحانات والاستعداد لها، يوشك أو يستقبل أبناؤنا غداً موسماً حافلاً من الاختبارات والامتحانات، وهو مرحلة من مراحل التحدي لكل جيل وفي كل مرحلة وفي كل مجال، والذي نريده من شبابنا وأبنائنا أن يتقوا الله ، وأن يحتسبوا دراستهم ومذاكرتهم وطلبهم للعلم، وأن يتذكروا قول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتى لعاصي
يا شباب الإسلام: عليكم بطاعة الله، عليكم بتقوى الله تفوزوا بعلم الدنيا والآخرة، تجنبوا المعصية فإنها من أسباب حرمان الرزق والعلم، وأحسنوا النية واجتهدوا وجدوا في الطلب، واصبروا وصابروا في كل مجال تدرسونه، في الطب أو الشريعة أو الاقتصاد أو السياسة أو الأنظمة، أو في أي مجال، احتسبوا ذلك عند الله ، ولا تجعلوا مقاصدكم محدودة في شهادة أو وظيفة، والأمة بأمس الحاجة إلى كثير مما تعلمون وما لا تعلمون، وإلى كثير مما تتعلمون وما لا تتعلمون، ولكن أملنا في الله الذي ما خاب من أمله أن يجعل فيكم البركة، وأن يسدد على طريق الخير خطاكم، وأن يعلمكم ما جهلتم، وأن يذكركم ما نسيتم، حتى نتجاوز مرحلة التحدي، ونقول للغرب: إننا أمة مسلمة منذ أربعة عشر قرناً والإسلام هو الإسلام، والقرآن هو القرآن، والسنة هي السنة، وما بقي إلا الرجال فهم في سبيل الجد والطلب والمثابرة والاجتهاد
رحم الله فتىً قد هذب الدين شبابه
ومضى يزجي إلى العلياء في عزمٍ ركابه
مخبتاً لله صير الزاد كتابه
وارداً من منهل الهادي ومن نبع الصحابه
إن طلبت الجود منه فهو دوماً كالسحابه
أو نشدت العزم فيه فهو ضرغام بغابه
جاذبته النفس للشر فلم يبد استجابه
متقٍ لله تعلو من يلاقيه المهابه
رق منه القلب لكن زاد في الدين صلابه
بلسمٌ للأرض يمحو عن محياها الكآبه
ثابت الخطو فلم تطفِ الأعاصير شهابه
جربته صولة الدهر فألفت ذا نجابه
إن يقم يوماً خطيباً يسمع الصم خطابه
أو يسر في الدرب يوماً أبصر الأعمى جنابه
مسلم يكفيه فخراً أن للدين انتسابه
نريدكم هكذا يا شباب الإسلام، واحتسبوا الأمر وأنتم تذاكرون وتستعدون لهذه الامتحانات، ونريدكم أيضاً -يا شباب الإسلام- أن ترتفعوا بأنفسكم إلى مستوى المرحلة، لا أن تقنعوا من المليار بالهلل، لا تقنعوا بعرضٍ حقيرٍ وحطام يسير لتعرضوا به عن جنة عرضها السماوات والأرض، نريد منكم الشهيد والمخترع، والمبتكر، والداعي، والمعلم، والذي ينفع الناس بعد أن ينفع نفسه وأهله وأمته.
نريد من شبابنا أن يرتفعوا بأنفسهم إلى مستوى العلياء الذي يريده الإسلام منهم، وإنا لنحزن حينما نرى شاباً جل همه انتظار مكالمة من صديقته، أو جل همه انتظار موعد مقابلة مع حبيبته، أو جل همه أن يفوز بحطام يسير لا لينفقه في سبيل الله بل لينفقه على شهوته وملذته، إنا لله وإنا إليه راجعون! عظم الله أجرنا وأجركم في شباب هذا همهم وذلك ديدنهم! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم اهد شبابنا، اللهم اهد أبناءنا وبناتنا، اللهم وفقهم في امتحاناتهم، اللهم يسر لهم العلم النافع والعمل الصالح، اللهم يسر أمورهم، واشرح صدورهم، واحلل عقداً من ألسنتهم، اللهم يا حي يا قيوم اجعلهم هداة مهتدين نافعين للدين والمسلمين يا رب العالمين، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجمع اللهم شملنا وشمل حكامنا وعلمائنا ودعاتنا، ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسدا، اللهم صل على محمد وآله وسلم.
стр. 1507
الغزو الفضائي [١]
إن أعداء الله من اليهود والنصارى قد غزونا إلى عقر دارنا، وداخل بيوتنا ومجتمعاتنا، وأدخلوا السم الزعاف من إلحاد وفسق وفجور وتمييع للمجتمعات وغير ذلك عبر الأطباق (الدشوش)، ولكن الأسى والحزن على بني قومنا الذين ظل بعضهم يدافع عن مثل هذه الأطباق، ويدعي أنه يريد معرفة الواقع، وآخر يقلد الغرب في كل شيء من أخلاق وصفات، ومأكل ومشرب، وملبس وهيئة، وآخر يعترف بجرمها وفسادها لكنه يدعي أنه لا مفر لأحد منها إذ لا بديل من ذلك!! ولكن لابد من الرجعة، وتصحيح الدين، وهجر هذه الأطباق والقنوات حتى نحافظ على أخلاقنا ومجتمعاتنا، وأسرنا المسلمة.
стр. 1508
فساد الأخلاق والانخلاع من الدين
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا شبيه، ولا مثيل ولا نظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا لله تعالى حق التقوى، فلا نجاة ولا سعادة، ولا فوز ولا فلاح إلا بها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
أيها الأحبة في الله! كثيراً ما يشكو بعضُنا إلى بعض في المجالس والمناسبات المتعددة ما نشكو مصائب مفجعة، وحوادث مؤلمة في مجتمعاتنا، ونتفق بلا خلاف أننا في خطر، ولا نتنازع في وجوب الاهتمام والعناية؛ ولكن يبقى شيء واحد قل ما نتطرق له، ألا وهو الحديث بدقة وجُرأة وصراحة عن الأسباب بوضوح والعلاج: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
ولو أردنا أن نتحدث بصراحة عن سبب من أسباب الدمار في المجتمعات المعاصرة اليوم، لقلنا: إن مجتمعاتنا الصغيرة، ومجتمعاتنا الكبيرة التي غزتها رياح التغريب والانحلال، وتعاودها أعاصير الإباحية، وزلازل التخريب والفساد، فتُحدث بين الفينة والأخرى، براكين مسعورة تقذف بحممها على بعض الأسر والبيوت.
كل ذلك من نافذة لا نستطيع إغلاقها، ومن سقف لا نستطيع له سداً، إنها الحرب القادمة من الفضاء، حرب القنوات الفضائية التي هي أشد تنكيلاً، وأشد تخريباً، وأشد إفساداً من حرب الدبابات والطائرات.
إنها الحرب التي تمنح طوائف ممن تقبلوها قبولاً حسناً، تمنحهم جنسية أعدائهم، وهوية من يودون عنَتهم، ولا يألونهم خبالاً، تصيرهم عبيداً لغير خالقهم، وأتباعاً لغير قادتهم، ومنتمين لغير مناهجهم وأفكارهم وأوطانهم، الكل ينادي ويصيح: الفضاء مملوء بالصور والكلمات، والعالم أصبح قرية صغيرة، وانتقال الأفكار والسلوك والعادات والمناهج أصبح أسرع من الريح، ويقابل كل ذلك الشر الوافد من تلك القنوات تهافت عند طائفة من الذين يتسابقون أيهم يجعل من عقله وذاكرته، ويجعل من عقول أبنائه وبناته وذاكرتهم، أيهم يجعل من هذه العقول مسرحاً ومرتعاً لذلك الإعلام الوافد، والخراب القادم.
فترى بعضهم يباهي ويفاخر بعدد القنوات التي يستقبلها ذلك الجهاز والطبق دون تأمل وتبصر فيما تجنيه تلك القنوات على نفسه وزوجه وأولاده أولاً، وعلى المجتمع من حوله ثانياً من دمار وبلاء.
إن السكوت على ضرر هذه الأطباق، أو ما تُسمى بالدشوش، وإن السكوت عن نصيحة المسلمين في شرها وخطرها، ربما عُد من الخيانة، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧].
أيها الأحبة! قد نستثني طائفة ممن تعنيهم وتهمهم بعض أمور تبثها بعض تلك القنوات؛ لاعتبارات أعمالهم ومهماتهم، وهم نزر يسير، ومع ذلك فهم محاسَبون عما يسمعون ويشاهدون في حدود ما تتطلبه مسئولياتهم؛ ولكن هل نرى كل من حولنا، من هؤلاء الذين ركَّبوا هذه الأطباق التي تفتح أحضانها لغزو الشهوات والشبهات القادم من الفضاء، هل كلهم من أصحاب تلك الاهتمامات، وتلك المواقع؟ الجواب الذي لا ينازع فيه منازع: أن لا، بل السواد الأعظم ممن ركَّبوا هذه الأطباق من الذين يقول فيهم القائل:
ويقضى الأمر حين تغيب تَيْمٌ ولا يُستشهدون وهم شهودُ
أيها الأحبة! ليس الموضوع هجوماً سافراً، أو تنديداً فاضحاً بالذين ركَّبوا هذه الأطباق أو المستقبلات، إنما هو حديث: (الدين النصيحة) وإنما هو حديث من القلب إلى القلب: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦].
تعالوا إلى كلمة سواء، مستحضرين كافة قوى العقل والتدبر والاعتبار، مستبعدين كل الأهواء، ودوافع الشهوات؛ لنتساءل، ولنتواصى، ولينصح بعضنا بعضاً، فإن الدين النصيحة، وليأمر بعضُنا بعضاً بالمعروف، وينهى بعضُنا بعضاً عن المنكر، فتلك صفات المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١].
стр. 1509
شبهة والرد عليها
يا قومنا! يا أصحاب الأطباق! إما أن تقولوا أو نكون أول من يسأل: لماذا ركَّبتم هذه الأطباق؟ سيجيب طائفة كبيرة منهم قائلين: جعلناها في بيوتنا لمعرفة الأخبار لا غير.
وتلك حجة داحضة، دخل الشيطان بها على كثير ممن وضعوا هذه الأجهزة في بيوتهم، فما وجدوا من أوقاتهم لتلك الأخبار إلا قليلاً، أما بقية ما يُعرض في هذه القنوات من أفلام ماجنة، ومسلسلات خليعة، وأغانٍ تعلم الشباب التخلف، وتعلم النساء الترجل والرذيلة، بقية العرض من تلك الأفلام أصبح من نصيب الزوجة والأولاد.
فيا عارف الأخبار! فيا مهتماً بالأخبار! هل أغنت تلك الأخبار عنك من شيء؟ وهل أغنيت عن أحوال أهل تلك الأخبار من شيء؟ وهب أنك تابعت كل خبر، وكل شاردة وواردة، فهل استطعت أن تقدم أو تؤخر شيئاً؟ وحينما استطعت، هل فعلت شيئاً؟ أيها الأحبة! إن كثيراً ممن وضعوا هذه الصحون المستقبلة للبث ما كان حجتهم يوم أن وضعوها سوى قضية الأخبار، مع العزم والإصرار على حجب الأولاد والأسرة عن مشاهدة تلك القنوات، ولكن ما لبث الأمر أن تفلت من يد صاحبه، فما عاد صاحب الطبق الذي أدخل بيته يجد وقتاً للأخبار، وربما أصبح يبحث عن غير الأخبار، ولن أسمي قنوات جديدة فاضحة ضجت منها البيوت، وشكت منها النساء إلى الله خراب أزواجهن، وفساد أبنائهم، ومصيبة بناتهم فيها، انتقلت العدوى إلى البنين والبنات، خاصة المراهقين والمراهقات، فتسللوا لواذاً، واسترقوا النظرات، وتأججت غريزة حب الاستطلاع على هذا الجهاز الذي أسره والدهم في مجلسه أو حجرته إلى أن طغى الماء على الجارية، وتدفق الشر إلى أهل البيت؛ لأن بعض الذين أدخلوا هذه الأطباق إلى بيوتهم يقول أحدهم: إنما الجهاز في حجرتي، أو إنما الجهاز في مجلس معين، ولا يوجد في بقية المجالس، وحاله مع حال أولاده، وهو يدافعهم عن هذا الجهاز الذي أدخله، كقول القائل:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماءِ
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
ويقول ﷺ : (كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته).
فيا أيها المسلم الكريم! إني على يقين مع وجود هذا الطبق وجهاز الاستقبال في بيتك، إني على يقين أنك لا تزال غيوراً على محارمك، محباً لخالقك، ونبيك، ودينك، ولا يسرك أن ترى أولادك أو بناتك يقلدون ما يرون في هذه القنوات، أو يتفرجون على مشاهد مخزية، أو صور خليعة؛ ولكن تبقى الشهوات والغفلة تقلبك بين التساهل بالأمر والتسويف في التخلص منه.
لماذا لا تتخلص من هذا الجهاز، وأنت أدرى بحقيقة حاجتك إليه: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤].
والله إن هذا الجهاز ليس بشراب تشربه حتى تهلك من الظمأ إن عُدم من بيتك، وليس بطعام تأكله حتى تموت من الجوع لو أُزيل من بيتك، وليس بدواء فيه الشفاء حتى تموت من المرض لو أُخرج من بيتك.
стр. 1510
نجاح التغريب
أيها الأخ المحب! لعلك ترى وتلحظ كثيراً من المراهقين في مجتمعنا أصبحوا في سلوكهم، وتصرفاتهم، بل وفي زيهم برهاناً ودليلاً قاطعاً على نجاح التغريب، أتدرون ما هو التغريب؟ أن تتعلق النفوس والقلوب والأفكار بالغرب وما فيه، وبما أنتجه، وبما صدَّره، وبكل رذيلة وفاسدة، مع بقاء هذه الأجسام حتى لو لبست زيها، أو تقلدت سمتها، إن هذا لأكبر دليل على نجاح التغريب عبر القنوات الفضائية، وإلا فبِمَ تفسرون ظاهرة تقليد الكثير من المراهقين وغيرهم لغالب ما يرون من الشاشة؟ فكم رأيتم وعُدوا وأحصوا في تجوالكم وفي أيامكم، في ذهابكم وإيابكم، في تجوالكم وتطوافكم، كم رأيتم من شاب من المراهقين خرج على غير عادة أهله، وسمت مجتمعه في سروال إلى ركبته، وقد لبس قميصه، يحمل من الشعارات والعبارات ما يفقه وما لا يفقه، ولا تنسَ تلك القبعة المضحكة، التي أصبحت اليوم تقليداً لبسه أغلب المراهقين، ولو لُبست بالأمس قبل أن يراها المراهقون على تلك الشاشات والقنوات لضحكوا على من لبسها، لكنها الآن لا تجد طفلاً صغيراً أو مراهقاً أو شاباً بالغاً إلا وقد لبسها إلا القليل، فيا سبحان الله! كيف يُصبح أولياء المهزوم والمذبوح والقتيل مغرمين بتقليد السفاح والمتسلط في هيئته، ولبسه وزيه؟ لو أن أحداً قتل قريباً من أقاربه، أو آذى ولداً من أبنائه، أو آذى أحداً من أقاربه لكرهت زيه وهيئته وما كان من خصوصياته، لو أن شخصاً بينك وبينه عداوة، لوجدت أن أبغض ما لديك أن تقلده أو تحاكيه فيما هو من خصائص شخصيته، فَلِمَ يقلد بعض شبابنا اليوم أعداءهم الذين يحتقرونهم ويبغضونهم، ولا يكفون عن تدبير المؤامرات لسلب ثرواتهم، وإضعاف شوكتهم؟! إن إيقاظ جذوة العداء النفسي عند المسلمين تجاه أعدائهم، من الأمور التي تحفظ على الأبناء تميزهم، واستقلال شخصياتهم.
إن تبسيط مفاهيم الولاء والبراء لدى هؤلاء الناشئة، في المدارس وعبر الإعلام وغير ذلك، وغرسها في قلوبهم من أهم ما يحفظ على الأمة استقلال شخصيات أبنائها.
إن إيحاء وتصريح المعلمين إلى الطلاب في تلك المراحل بأن أعداء الإسلام وإن ضحكوا أو هادنوا إلا أن الأحقاد الكامنة تبدو في فلتات الألسنة، وتقلبات المواقف.
قد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هِيَ
نحن لا نريد أن نضخم أعداءنا فنعطيهم أكبر وأكثر مما يستحقون من واقعهم وقدرهم؛ ولكن لا يجوز أن يُنسينا لين ملامس الأفعى عما في جوفها من السم الزعاف.
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها عند التقلب في أنيابها العطبُ
следующие страницы →