Полный текст (3 155 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
نعمة الأمن وأثرها على الناس
الحمد لله منشئ السحاب، منزل الكتاب، وهازم الأحزاب، وخالق خلقه من تراب، الحمد لله حمداً طيباً مباركاً كما ينبغي لجلال وجه الله وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي كشف الغمة عن المسلمين، الحمد لله الذي تتابعت نعمه على عباده المؤمنين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا معبود بحقٍ سواه، نحمده سبحانه على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، بالأمس كنا خائفين واليوم نصبح مطمئنين من الذي جعل هذه الحالة في القلوب يا عباد الله؟ أليس ربكم جل وعلا؟ اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد وحدك لا شريك، اللهم لك الثناء الحسن، اللهم لك الشكر وحدك لا شريك لك.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فلا نجاة والله إلا بها، ولا طمأنينة إلا بها، ولا عز ولا تمكين إلا بها، اتقوا الله تعالى حق التقوى، ولا تموتن إلا عليها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
عباد الله: انظروا حالكم بين الأمس واليوم، كثيرٌ من الناس سافر عن أرضه، وترك بيته وودع مهبط رأسه، وذهب يميناً أو يساراً، قريباً أو بعيداً، خوفاً على نفسه، لقد انتهت تعلقاته وارتباطاته بثروته وماله وبيته وداره، وأصبح لا يفكر إلا بنفسه ترك بيته، ترك قصره، ترك ذلك المكان الذي مكث مدة طويلة وهو يشاور الأصحاب، ويستشير الأحباب، من أجل تحديد موقعه، على ربوة أم هضبة، على جهة أم جهتين ما واجهاته، ما أنواع الرفاهية فيه، تركها لكي يعيش في شقة ضيقة؛ لأن نعمة الأمن في نفسه تزعزعت قليلاً، والآن بحمد الله جل وعلا عاد الذاهبون آيبين، ورجعوا إلى بيوتهم مطمئنين.
من الذي قذف الطمأنينة في القلوب؟ أليس الله جل وعلا؟ اللهم لك الحمد على كل حال.
والله لقد مرت بالناس أيام وليالي ما كان الناس يفكرون إلا بأنفسهم، وإذا سمعوا صيحة صاحت قلوبهم واختلفت أفئدتهم النوافذ مغلقة، والأبواب محكمة، والأعناق مشرئبة، والأفئدة تنظر، والأعين تبصر، هل يزول الخطر أم لا؟ ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] نسأل الله جل وعلا أن يكون كشف هذه الغمة سبباً في مزيدٍ من الذلة بين يديه، والانكسار إليه والحاجة إليه، والخشوع له، والتضرع بين يديه .
стр. 177
الذكر والشكر عند حلول النعم
أيها الأحبة: إن في هذا الدين سنة عظيمة وهي أن تختم العبادات بالذكر والشكر والتسبيح، فما بالكم باندفاع النقم وحلول النعم! فهي أولى بالشكر والتسبيح، يقول الله جل وعلا في صيام شهر رمضان: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] تختم العبادة بالذكر والتكبير، ويقول جل وعلا في الحج: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة:٢٠٠] وفي المجالس في ختامها تختم بالكفارة (سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك) وإذا عاد الإنسان من سفره كبر مهللاً وحمد الله: (آيبون تائبون لربنا حامدون) فما من أمرٍ من أمور العبادة فضلاً عن أمور الدنيا إلا ونجد أن الشريعة قد وجهتنا إلى أن نختمه بالذكر والشكر، والتكبير والتعظيم، والتسبيح والثناء، والتمجيد لله جل وعلا وحده لا شريك له، فما بالنا وقد دحر الله أعداء المسلمين من البعثيين! ونسأل الله أن يدحر بقية أعداء المسلمين على وجه هذه الأرض، وألا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، وألا يجعل للفاجرين على المتقين دليلاً.
أيها الأحبة في الله: ينبغي أن نعلم أن أيامنا هذه أيام شهرٍ كريمٍ وما بعده أكرم منه، وأيامنا هذه أيامٌ نعمة حلت بالمؤمنين باندفاع واندحار عدوهم البعثي وانهزام فلوله وتحطم راياته، وانكسار آياته، فهي -والله- أحوج بالشكر والثناء والتعظيم لله جل وعلا، أما أن تكون أمة الإسلام كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] غناء وتطبيل وتزمير!! ينبغي للأمة أن تتقي الله في نفسها، وأن تتذكر قبل أيامٍ قليلة كيف كانت الوجوه تتغير، وكيف كانت الأفئدة تتطاير، وكيف كان الذعر والقلق يملأ الرجال والذرية والنساء، ينبغي ألا نكون من أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] نعوذ بالله من ذلك! ونعوذ بالله أن نخادع الله وهو يخدع المنافقين والكافرين والعابثين بأمرٍ يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، كانت مرحلة مشنشنة فاضحة مصفية للنفاق والمنافقين، وظهر الذين يستغلون الفرص، وظهر الذين أصبحت علاقاتهم مصلحية، وظهر ما يسمى بوحدة الأمة العربية
وإخواناً جعلتهمُ سهاماً فكانوها ولكن في فؤادي
وإخواناً حسبتهمُ دروعاً فصاروها ولكن للأعادي
стр. 178
الحاجة إلى فتح صفحة جديدة
والآن تصيح الإذاعات التي كانت بالأمس تقول متفرجة شامتة على المسلمين: ضربت مدينة الرياض بصواريخ أسكود، ضربت مدينة الشرقية بصواريخ أسكود، ضربت مدينة كذا بصواريخ، والآن ينبغي أن نعود إخوة كما كنا، وأن ننسى الماضي وأن نفتح صفحة جديدة، صفحة جديدة على ماذا؟! أن نضع في جعبنا العقارب والحيات، والدواب والثعابين، ثم نقول: نفتح جعبة جديدة أو صفحة جديدة! لا، نفتح صفحة جديدة ولكن على الإسلام، على التوحيد، على تحكيم كتاب الله، على الوقوف لقضايا المسلمين في شرقها وغربها، لا أن تكون المصائب هي التي تكشف الخبايا.
أيها الأحبة في الله: ومرت أيامٌ علم الله أحوال الخلق فيها، وكلٌ منكم قد ناله ما ناله منها، فالخطاب أولاً لكم أنتم أن تتقوا الله جل وعلا، وألا تكون ذنوبنا سبباً في شؤم بني المسلمين أجمعين، وألا تكون غفلتنا سبباً في هلاك الصالحين (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال ﷺ : نعم، إذا كثر الخبث).
أيها الأحبة: هي مسئوليتكم أنتم لكي تفتحوا صفحة جديدة، وتودعوا زمن الهزل والغزل.
اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكر لأيام الصبا فلأيام الصبا نجمٌ أفل
إن أهنا عيشة قضيتها ذهبت لذتها والإثم حل
لا تقل أصلي وفصلي أبدا إنما أصل الفتى ما قد حصل
ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل
стр. 179
أهمية استلهام الدروس والتفكر في النعم
البطولة والنصر بالتقوى واللجوء إلى الله جل وعلا، وحبذا أن تكشف الأمة أوراقها، وأن تدرس ما حصل لها من العبر والعظات في هذه المصيبة التي حصلت لأمة المسلمين أجمعين في هذه الأيام التي مضت.
أولها: لقد ظهر ضعف المسلمين، وهذا أمرٌ لا نسوقه على وجه الشماتة أو على وجه الفرح، وإنما نسوقه لكم لكي يجند كل واحدٍ منكم أبناءه، ولكي يعد كل واحدٍ منكم نفسه، لكي يكون جيشاً احتياطيا، وجندياً على أهبة الاستعداد حال الطلب، لكي تكون أمة الإسلام مستغنية عن غيرها بحالها نعم، ظهر ما نحن فيه، وظهرت علاقاتنا وظهرت صداقاتنا، فحاجتنا أن نستلهم الدرس منها، وقد انتهى ذلك الوقت الذي كان الكثير يخاف على ولده من الجندية والعسكرية، بل لابد ولو بذلنا كل الأسباب من أجل أن يتجند أبناؤنا وأن يتطوع أبناؤنا، ولقد رأينا فيكم وفيهم خيراً كثيراً بإذن الله، لقد ظن أعداء الإسلام أن أبناء هذه الجزيرة لن يستطيعوا أن يقفوا على ميادين التدريب والجندية، أو لن يرغبوا في أن يتسابقوا إلى ميادين الجهاد، بعد أن ملئوا مدرجات الملاعب، أو بعد أن جلسوا على الأرصفة، وهاهم يثبتون خيبة ظن أعدائهم بهم ويقولون: خسر رهانكم، وخابت ظنونكم، وحنثت يمينكم، هؤلاء شبابنا عادوا أقرب إلى الله من ذي قبل، وعادوا أصدق مع الله من ذي قبل.
فيا شباب الإسلام مزيداً من بذل الطاعة لله جل وعلا، والوعي لواقعكم وما يدور حولكم وما يراد بكم.
стр. 180
زوال النعم بالمعاصي
ومن دروس هذه المحنة: أن النعم لا تدوم من سره زمنٌ ساءته أزمان
يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
أي مصيبة حلت بأحبابنا وإخواننا في الكويت، ناموا آمنين، فأصبحوا مشردين، هذه الدنيا لا يعول عليها، ولا يُطمئن إليها، ولا يوثق بها، فاعتبروا يا أولي الأبصار! ليست أمة دون أمة تحرم على الغزو والاجتياح، أو البلاء والعقوبة والمصيبة، نسأل الله ألا يحل بنا ما حل بإخواننا، ونسأل الله جل وعلا أن يجبر كسرهم وأن يشفي مريضهم، وأن يرد أسيرهم، وأن يجبر كسيرهم اعتبروا بهذه الدنيا.
أما الذين يمشون ولا يزالون في ترف المراكب ولهو الدور وعبث الدنيا والغفلة عن عبادة الله، فليتقوا الله جل وعلا، وليتذكروا أن الذنوب لها شؤم، وأن شؤمها يحل عاجلاً وآجلاً، وليس كما يظن بعضهم:
إذا لم يغبر حائطٌ في وقوعه فليس لهم بعد الوقوع غبارُ
لا، الذنوب والمعاصي لها شؤمٌ يحل عاجلاً أو آجلاً، وإن الأمة إذا عصت الله على بصيرة واستمرأ الناس المعصية، ورأوا المعصية، وشاهدوا المعصية، وجالسوا المعصية، وخالطوا المنكر واستمرءوه؛ أوشك أن يعمهم الله بعذابٍ من عنده، وهانوا على الله لما فتحت المدائن بكى أبو ذر، فقيل له: ما يبكيك يا صاحب رسول الله؟ فأخذ يبكي ويقول: ما أهون الخلق على الله إن هم عصوه!
بالأمس كانوا ملوكاً في مناصبهم واليوم هم في بلاد الأرض عبدانُ
إن الأمة إذا عصت الله على بصيرة، فإن سنة الله لا تتغير فيها أبداً، ولنتذكر ما حل بالمسلمين في بغداد، ما حل بالمسلمين أيام التتار والمغول، وتلك الحوادث التي لا يمكن أن ينساها التاريخ، ماذا حل بالمسلمين؟ قال أهل التاريخ: لقد قتل من المسلمين ألف ألف مسلم على أيدي المغول والتتار، أي: مليون مسلم، وقيل: ثمانمائة ألف مسلم، كيف يقتلون وهم يصلون ويسجدون ويصومون مثلكم؟ ولكن لما انتشرت المعاصي وظهرت المعاصي وأصبح الناس يفاخرون بها، وإذا قام قائمٌ لله بحق، أو رجلٌ يدعو إلى الله على بصيرة، أو غيورٌ يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر؛ قيل: اخرج، أنت مطوع، معقد، مسكين، يتدخل في شئون الآخرين، متشدد، لا يعرف أساليب الدعوة، لا يعرف التغيير، وأخذوا يرمونهم بمختلف الأساليب، ولقد جاء إليَّ ذات يوم رجلٌ -أسأل الله لي وله الهداية- يشكو إليَّ شاباً، يقول: هذا لا يعرف الدعوة ولا يعرف أساليب الدعوة، وأصبح يحدثني حديثاً عن شاب في الإسلام وشاب في الدعوة وشاب في تغيير المنكر والأمر بالمعروف، فقلت له: أما تستحي أن تتجرأ بهذا الأسلوب على رجلٍ أنا أحسبه أتقى منك؟ أما تستحي أن تتكلم في أساليب الدعوة وأنت ليس فيك شيءٌ من سمات الدعوة إلا أقل القليل؟ فينبغي -أيها الأحبة- إن لم نكن جنوداً للحق أن نكون أنصاراً له، وإن لم نكن أنصاراً أن نكون مؤيدين بالدعاء له.
لا خيل عندك تهديها ولا مالُ فليسعف النطق إن لم تسعف الحالُ
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
إننا نعلم أن للمصائب ارتباطاً وثيقاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا الأمة لم تكن آمرة أو ناصرة أو مؤيدة أو داعية أو محبة؛ فإنها على خطرٍ عظيم، وكل واحدٍ منا ينبغي ألا يحرم نفسه واحدة من هذه المنازل، إما أن يكون داعياً آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، أو نصيراً أو مؤيداً أو على الأقل صامتاً، ألا يتناول الدين بلسانه، وألا يتناول أهل الدين بلسانه؛ لأن من أحب قوماً حشر معهم، فلا أقل من أن تحب الأبرار والأطهار والأخيار لتكون معهم يوم القيامة جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! المرء يحب القوم ولمَّا يلحق بهم؟ فقال ﷺ : أنت مع من أحببت يوم القيامة).
فهذا درسٌ من الدروس ألا نثق بالدنيا، وألا نطمئن بها وإليها، وأن نعرف أن ترك المنكرات وخذلان أهل الأمر بالمعروف سببٌ من أسباب المصائب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 181
دور العلماء عند المحن
ومن الدروس والفوائد: أن للعلماء -أمد الله في عمرهم، وبارك في أوقاتهم، وحفظهم بحفظه وعنايته- أن للعلماء دوراً عظيماً في شرعية القتال، وبيان ما يكون من القتال جهاداً، والله إنه موقفٌ لن ينساه التاريخ أبداً لعلماء المملكة وعلى رأسهم سماحة الشيخ ابن باز، الذي وضح ذلك الضلع الخطير من هذه القضية الذي يتعلق بالجهاد في سبيل الله جل وعلا، وهذا دليل على دقة الوعي ودقة الفهم، لا كما يقول بعض السذج: علماؤنا لا يفقهون في السياسة شيئاً من الذي يفقه في السياسة إذاً؟ الذي لم يعرف الالتزام إلا من خمس سنوات أو عشر سنوات؟ شابوا في الإسلام وشبوا ونشئوا وكبروا عليه ولا يعرفون في السياسة قليلاً ولا كثيرا؟! لقد برز دور العلماء في هذه المرحلة، وحصل ما حصل، خاصة بوجود القوات الأجنبية، ومع ذلك كان رأيهم واضحاً بفضل الله جل وعلا، واطمأنت الأمة إلى رأيهم، وعرفت صواب رأيهم، ومصداقية تفكيرهم، وعرفوا أنهم هم أرباب السياسة، وهم دهاقينها وهم أساتذتها، كما يقول الشيخ الدوسري ﵀، أسأل الله أن يملأ قبره روضة وريحاناً: (لا إله إلا الله) من لامها إلى هائها سياسة.
стр. 182
نهاية ما جمع من الحرام
كذلك أيها الأحبة: ظهر في هذه المحنة العظيمة أن ما جمع من الحرام ينتهي بمحق، كم خسرنا في هذه الحرب أفراداً ومؤسساتٍ وشركات خسرت خساراتٍ عظيمة لا يعلمها إلا الله جل وعلا! كلها خسرت وانتهت وذهبت في هذه الحرب ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] ما تجمعه من الربا أياً كنت فرداً أو صغيراً أو كبيرا، فإن الله يمحقه، والمحق قد أخبر الله به، أما كيفيته فالأمر إلى الله جل وعلا، زلزالٌ أو بركانٌ أو أمراضٌ أو حربٌ أو مصيبة، المهم ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦].
كم أنفق على هذه الحرب من الأموال الطائلة الكثيرة! ونحن نسأل الله أن يكون ما أنفق فيها دفعاً عن المسلمين لأنواع البلاء، وتطهيراً للمسلمين من المتشابهات والمختلطات، وإنا على ثقة أن الدعاء كان أعظم سلاحٍ قاتلنا به الأعداء، والله إنا على ثقة أن الدعاء كان أعظم سلاحٍ قاتلنا به الأعداء، ثم بعد ذلك بهذا الدعاء سخر الله للمسلمين من هم أقوى منهم، وبهذا الدعاء ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال:١٧] وبهذا الدعاء ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] وبهذا الدعاء كان المقدور لطيفاً وكان سهلاً ميسوراً على أمة المسلمين فيما أصابهم، فلنكن صرحاء مع أنفسنا، صادقين، حتى في الاستفادة من تجاربنا، وفي هذه الحرب جربت أسلحةٌ جديدة لأول مرة، فكانت درساً لشركات الأسلحة التي كانت تنتظر فرصة أو لا تنتظر، المهم كانت تتمنى يوماً تقيم فيه أسلحتها وتعرف مواطن السلب والإيجاب، والزيادة والنقص، والنفع والضرر في هذه الأسلحة التي صنعت، فكان من عبر هذه الحرب أن جربت فيها أسلحة جديدة، واستفاد منها من كان عاملاً، وهي سنة كونية، إن من يعمل يجد نتيجة، حتى لو كان يهودياً، حتى لو كان نصرانياً، حتى لو كان بوذياً، حتى لو كان مجوسياً، إن من يعمل يجد نتيجة، فأمة الإسلام إن تعمل وتكن على مستوى العمل ستجد نتيجة، كيف لا والله يؤيدها ويسددها بمنٍ وعونٍ وتوفيقٍ منه.
стр. 183
أثر الدعاء في صد العدوان
كذلك أيها الأحبة: كما قلنا، بهذا الدعاء الذي هو أعظم سلاحٍ نزلنا به هذه المعركة دفع الله أنواع البلاء، وأنتم ترون كم أسقط على المملكة من صاروخ أسكود، صاروخ يسقط في طريق الخدمة فلا ينحرف يميناً لكي يهدم الأسواق والمباني والمحلات التجارية، ولا يسقط يساراً فيقع في الخط الدائري فتحصل الحوادث المرورية، وصاروخ آخر يقع في شارعٍ في أحد الأحياء لا ينحرف يميناً فيصيب مبنى ولا ينحرف يساراً فيصيب بناية، وصاروخ آخر يسقط على بناية بطريقة قوسية أو وترية، حتى تكون الأنقاض محتوية داخل البناء، ولو ضرب من جهة لمال على الأخرى، ولو ضرب من أخرى لمال على التي تليها، حتى تكون الإصابة أقل ما تكون، ويوم أن سقط صاروخ أسكود آخر مات فيه ثمانية وعشرون قتيلاً وحوالي تسعين جريحاً، نحن لا نقول هذا شماتة، ولا نقول هذا فرحاً، وإنما نقول: اعتبروا، فإن هذا الدين وهذا التوحيد وهذا الدعاء، هو الذي جعل هذه الصواريخ تحملها الملائكة يمنة ويسرة حتى تقع بها في موقعٍ بعيدٍ عنا: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢] ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام:٦١] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار:١٠] هذه آياتٌ قرآنية وجدناها آيات واقعية فعلية وعملية، وانظروا كم سقط على أبناء القردة اليهود من الصواريخ، انظروا كم سقط عليهم من الصواريخ، وماذا أحدثت ودمرت في أرضهم وبلادهم، ما الفرق؟ هل الصاروخ الذي أطلق على اليهود صاروخٌ يختلف عن الذي أطلق على المسلمين؟ بل والله كانت أشد الصواريخ فتكاً تلك التي أطلقت علينا؛ لأنها أبعد مسافة وحملت بوقودٍ أكثر، ومع ذلك فإن الله دفع البلاء بمنه وفضله ولله الحمد والمنة.
стр. 184
ضرورة الاستعداد للحرب
ثم أيضاً من هذه الدروس: أن الاستعداد للحروب أصبح أمراً طبيعياً، أصبح كل واحدٍ يحدث نفسه أن يكون جندياً، أن يخرج إلى الجبهة، أن يتطوع، أن يتسلح، أن يقتني السلاح، أن يتعامل مع السلاح، وقد انتهى ذلك الزمن الذي كان الناس لا يعرفون فيه حمل السلاح، وأيضاً شهادة جليلة لشباب هذه الأمة في صدق تجاوبهم لحفظ الأمن والحرص على أمن المسلمين، حيث ترون في مختلف الساعات واللحظات ليلاً ونهاراً هؤلاء الشباب الذين يقفون على الشوارع، ومداخل الطرق، والله ما مررت بشابٍ إلا دعوت له، ونسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجعل لهؤلاء الشباب الذين تطوعوا في هذا الأمر، وكانت نيتهم صادقة مخلصة، أسأل الله أن يجعل لهم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، اللهم لا تدع لهم ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مرضاً إلا عافيتهم منه، ولا حاجة إلا قضيتها، ولا أيماً منهم إلا زوجته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، هذه هديتنا لإخواننا ولشبابنا ولأبنائنا المتطوعين، هديتنا لهم الدعاء في ساعة من ساعات الإجابة، يوم يقوم الخطيب على المنبر، نسأل الله ألا يحجب دعاءنا لهم، ونسأل الله أن يمن عليهم بالهداية والاستقامة والصلاح، وأن يحبب إليهم الدين، وأن يكره إليهم الذنوب والمعاصي، وأن يبارك لهم فيما أباح لهم بمنه وكرمه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 185
دور الإعلام في توجيه الناس
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
стр. 186
الدور التضليلي للإعلام
أيها الأحبة في الله: ومن دروس هذه الفتنة والمحنة: دور الإعلام الخطير في توجيه الأمة، فإن الإعلام البعثي انظروا كيف عبث بالمسلمين، ودبلج صوراً حول البيت الحرام يطوف بها العراة والكفار، وقال للناس: انظروا إن هذه البلاد قد جعلت الكفار في مكة ويطوفون بالبيت الحرام، فصدق ذلك الهمج والغوغاء، ومتى كانت وسائل الإعلام مصدراً من مصادر الفتوى، ومصدراً من مصادر توجيه المسلم في شريعته؟! لكن أن يخرج عالم ويُبين في هذه الوسيلة موثوق بعلمه، فهذا أمرٌ آخر، أو أن يقول للناس أموراً تتعلق بالدين، من كان يغني للبعث:
آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما لهُ ثاني
فذلك غباءٌ من شعوب المسلمين إلا من رحم الله منهم، كان للإعلام دورٌ خطير، ضللت كثيرٌ من الشعوب والجماهير بهذا الإعلام.
стр. 187
الحاجة إلى توجيه الإعلام لخدمة الإسلام
ونحن بحاجة إلى أن نسخر إعلامنا في دعوة الناس إلى الله، نحن بحاجة إلى أن نسخر هذا الإعلام إذاعةً وتلفازاً وصحافةً لكل ما يرفع هذا الدين ويرفع لواء الإسلام، ويعز الأمة ويبين حقائق مواقفها من أعدائها، نحن بحاجة إلى إعلامٍ واضح جلي نقي يعرف أهدافه، ويعرف أسسه، ويعرف مبادئه، ويعرف منطلقاته وتوجهاته، إن الإعلام الذي يبحث عن رضا الجماهير ذلك إعلامٌ ينقاد للجماهير، وأما الإعلام الذي يصنع الأمة ويصنع الجماهير ويربي الجماهير هذا هو الإعلام الذي ينبثق من الأمة الواحدة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢].
إن الإعلام في دول الغرب ودول الكفر إعلامٌ ينطلق من الديمقراطية، فما تريده الجماهير يكون حكماً ونظاماً وقانوناً، وما تريده الجماهير إعلاماً يكون إعلاماً، لكن الدول المسلمة قد علق الله الأمانة في رقاب ولاة أمورها، قد علق الله الأمانة والعهد والميثاق الغليظ على عواتقهم من أجل أن يصنعوا الأمة، وأن يحكموا فيها كتاب الله، وأن يقوموا فيها بالعدل، وأن يصنعوا جماهيرهم، وأن يربوهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] شأننا في بلادنا في إعلامنا يختلف عما يكون عليه الأمر في بلاد الكافرين أو دول الديمقراطية، أو كما يسمونها.
стр. 188
من دروس الفتنة كشف العداوات والصداقات
كذلك أيها الأحبة: كشفت الصداقات والعداوات من الدول المجاورة، وكنا نظن أننا نضع أجنحة الأمان في روابط أقمناها أو أقيمت مع أناسٍ، ومن خدعنا بالله انخدعنا به، ولكن:
جزى الله الشدائد كل خيرٍ عرفت بها عدوي من صديقي
وظهرت هذه العداوات في أحلك الظروف وأشد الساعات خطراً على أمتنا، وهذا درسٌ لكي تعتبر به الأمة، وتعرف أن العلاقة التي تكون سبباً من أسباب التمكين والتأييد والاجتماع والقوة هي العلاقة التي تبنى على الحب في الله والبغض في الله، العلاقة التي تقوم على روابط العقيدة والدين، أما أن يجمعنا بدولة من الدول روابط العروبة والرقعة الجغرافية والدم أو اللون، فهذه روابط انتهت واتضحت عداواتها، وقد أفلست الشعارات التي قيدت بها أمة الإسلام، قاد الأمة عبد الناصر فيما مضى فأورثها نكبة عظيمة لا زالت تعاني من ويلاتها وهي حرب (٦٧م)، ثم رفع شعار البعث والعلمانية، وماذا كان وراءه؟ مصيبة لا يعلمها إلا الله، بسبب تجمع هذه الأمة ولا أقول: كل الأمة، لكن تلك التي طبلت ودندنت وراء هذا الطاغية الفاجر الذي أورث قومه بواراً ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨] لقد مزقت تلك المذاهب شملنا، مذاهب البعث ومذاهب العلمانية، والنظريات المستوردة والقومية، وكل نظرية لم تكن مستنبطة من كتاب الله وسنة نبيه فإن حظ الأمة فيها الهلاك، وحظ الأمة فيها الفشل، وحظ الأمة فيها الذلة والهوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! ونسأل الله جل وعلا أن يصلح أحوال المسلمين.
هكذا مزقت الأحزاب أبناء العروبة
الأحزاب، الأنظمة الحزبية، الأنظمة السياسية الحزبية التي تحكم أمة الإسلام بغير كتاب الله، وبغير شرع الله
هكذا مزقت الأحزاب أبناء العروبة
وادعتهم في مجالاتٍ من الذل رهيبة
لقد انقادوا لهذا الباطل الخداع واستحلوا نعيبة
وكتاب الله دنيا في الورى جد رطيبة
كتاب بين أيديهم يدَّعونه أولئك، فلماذا لا يعودون إلى الله؟ وإن كتاب الله أوثق شافعٍ وأغنى واهب متفضل، لكنهم يهجرون القراح إلى النتن، ويهجرون الطهارة إلى النجاسة، ويهجرون العزة إلى الذلة، ويهجرون الكرامة إلى الهوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 189
معرفة الشارع العربي والإسلامي
كذلك أيها الأحبة: من دروس هذه الفتنة: أننا عرفنا ما يسمى بالشارع الإسلامي أو الشارع العربي، وهذه مسألة ينبغي ألا نقيم لها كثيراً، هذا الشارع الذي يمثل كثرة في هذا الزمان، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] كثرة الشارع الإسلامي والشارع العربي هي تلك الشوارع الغوغائية التي كانت تطبل وتظهر وتخرج بهذه المظاهرات، كيف كان موقفها لما أعلن انسحابه، ثم أعلن ضعفه، ثم أعلن تنازله، ثم أعلن استسلامه؟ لكي يقول: انطلت اللعبة على هذه العقول لمدة خمسة وأربعين يوماً، أو سبعة وأربعين يوماً، الشارع الإسلامي ماذا وجدنا؟ إلى متى وأمة الإسلام تقاد بهذه القيادات المطبلة المطنطنة؟ في يومٍ من الأيام طبلت دولٌ غير هذه البلاد لطاغية قام في واحدة من الدول الأفريقية، وقالوا: عادت الخلافة من جديد، وواحدٌ من طواغيت الأمة جاءه العلماء بعد الاستقلال وحرب الفرنسيين، وقالوا: سمعنا أن لك اتصالاً بالفرنسيين، فقال: لا، أنا سأترك هذا الأمر كله، حررت البلاد وأنا أعود إلى مكتبي (مكتب المحاماة الصغير)، ولما طرقوا عليه الباب قال خادمه: إنه الآن يتوضأ ليصلي ركعتي الضحى، ولما جلسوا معه، قالوا: سمعنا أنك ستتركنا يا سيدنا الحبيب، قال: أنا لا أريد الرئاسة والزعامة، وكان يرتب ترتيباً استعمارياً عدوانياً، فلما تولى السلطة شنق العلماء وذبحهم وقتلهم، وهكذا تنخدع شعوب المسلمين بطاغية وراء طاغية.
كم عدد الذين طبلوا لـ جمال عبد الناصر؟ طبلت الملايين، من الصباح: ناصر كلنا بنحبك ناصر، ونعيش ونقلك: ناصر، يا حبيب الكل يا ناصر، وأصبحت الأمة تصيح في ناصر ناصر، وماذا قدم لها ناصر؟ كانت القاهرة تغسل بالصابون من ثراءٍ ونعمٍ فيها، والآن أصبحت فقيرة مسكينة، لما أمم أملاكها وعسف المزارعين على أسلوب الاشتراكية في اقتصادها، ماذا حقق لها ناصر؟ أيتها الجماهير اتبعي ناصر وانظري ماذا سيقول لك جمال عبد الناصر؟ ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢]، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤] ومن وجد عقولاً غبية وأفئدة سخيفة مثلها فليست الملامة عليه، الملامة على هذه العقول السخيفة التي تتبع كل ناعق.
стр. 190
بعض أخطاء الحركات الإسلامية
والله لو قلنا لتلك الدول التي وقفت سواء كانت حركات إسلامية، ولست بهذا أعادي الحركات الإسلامية، بل أنا أسأل الله أن يسددها وأن يصوبها، تلك الدول التي فيها ما يسمى بالحركات الإسلامية، لو قلنا لهم: إن بلادكم ستغلق الدكاكين وقت الصلاة، وستحكم كما يحكم عندنا بالشريعة، وسوف تترك القوانين الوضعية، وسوف يقتل القاتل، ويقطع السارق، ويفصل التعليم في الجامعة والثانوي بين البنات والبنين، وسوف يجعل لكم جهاز في الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسوف يجعل الدعاة يتكلمون، وسوف تفتح مراكز الدعوة في كل مكان؛ لقالوا: نعم، هذه الخلافة التي كنا ننتظرها، هذه الخلافة، لو أن هذه الأوضاع طبقت في هذه الدول لقالوا: عادت الخلافة وظهر المهدي في آخر الزمان، وأما بالنسبة لنا فلا تعتبر دولة إسلامية، لماذا العداء للسعودية؟ لماذا العداء لنا؟ هل العداء لملابسنا؟ لماذا هذا العداء؟ أهم قومٌ مثلونا خارج بلادنا؟ أم شبابٌ رأوا في سلوكهم جنوحاً وانحرافاً فظنوا أن كل السعوديين هكذا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! تلك الشعوب التي طبلت والحركات التي دندنت خلف هذا الظلم وهذا الطغيان ساذجة غبية، ولا عجب في ذلك؛ فتلك الحركات التي تنتسب إلى الإسلام، وفيها حركاتٌ إسلامية، وفيها جماعاتٌ عظيمة من الشباب الصادق المخلص المجاهد التقي النقي ولكن فيه غباء، ومن أين أتى الغباء؟ من القيادات، من أين هذه القيادات؟ هندسة زراعية يقود حركة إسلامية! هندسة نفطية يقود حركة إسلامية! إن الحركات الإسلامية إذا أريد لها أن تسير في مسيرٍ صحيح فليقدها العلماء الشرعيون الذي حفظوا المتون، وفقهوا السنن، وأحاطوا بالأحاديث، وعرفوا أصول الفقه والقواعد الفقهية، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، وجميع أحكام الدين، لا تعجبوا أن تروا هذا الانحراف في مسار بعض الحركات الإسلامية، لماذا؟ حينما يكون الذي يقود الحركة دكتوراه في الفلسفة، بروفيسور في الهندسة، دبلوم في الزراعة هذا يصلح مزارعاً أو يقود مزارعين، أما أن يقود حركة إسلامية بأكملها فلا.
يشارك في حركة، نعم يشاور في أمرٍ، نعم ويستفاد من عقله، لكن أن تكون الحركة كلها تنقاد -ولا أقول: كل الحركات بل بعضها- تنقاد بهذا الفكر الزراعي أو الهندسي أو الفلسفي فلا، إن هذا أمرٌ من أمور الدين، ولا يقوم أمور الدين إلا على العلم الشرعي والفقه الحقيقي، أسأل الله جل وعلا أن يدفع البلاء عنا أجمعين.
стр. 191
مكانة المملكة في نفوس المسلمين
ومن دروس هذه المحنة: حساسية مكانة المملكة في نفوس العالم الإسلامي انزعجت كثيرٌ من الشعوب لما جاءت القوات الأجنبية، وهذا الانزعاج مختلف المذاهب متعدد الأهداف، ولكن بعضاً منهم انزعج لأن للمملكة في نفسه منزلة وخاصية معينة.
يقبلون -مثلاً- أن تحصل المنكرات، أن يقع الانحراف، أو تحصل المصائب في أي دولة أخرى؛ لكن في المملكة العقول لا تقبل هذا، وهذه نعمة عظيمة أن لهذه البلاد قداسة في نفوس المسلمين ولله الحمد والمنة، ولا نقول هذا نفاقاً، معاذ الله! ولكن التوحيد فضله عظيم التوحيد -يا عباد الله! - ألا تجد قبراً يعبد! ألا تجد ضريحاً يذبح له! ألا تجد مزاراً يتقرب به! ألا تجد ولياً يقبل الناس ظهر يده علناً ويقولون: مدد، أو ادفع لنا الكربات واجلب لنا الحاجات! التوحيد شأنه عظيم، ولأجل هذا التوحيد أودع الله هذه المكانة للمملكة في نفوس المسلمين في مختلف دول العالم بفضل الله جل وعلا، فالناس قد يقبلون الانحراف في كثيرٍ من الدول ويستسيغونه ويتصورونه أما في المملكة فلا، ولأجل ذلك فإن بعض الذين انزعجوا من وجود القوات الأجنبية كان انزعاجهم انزعاج الشفقة والخوف والمحبة لحساسية مكانة المملكة في نفوسهم أجمعين، ثم إن الأحداث صنعت الرجال، وأخرجت المتوكلين من غيرهم.
стр. 192
من الدروس: التوبة والرجوع إلى الله تعالى
ومن فوائد هذه الأزمة: أن كثيراً من الناس عادوا إلى الله جل وعلا، من أبناء الجزيرة وأبناء الكويت، إنني لا أعتبر للكويت نصراً تاماً حتى تحكم شريعة الله، حتى تحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، إن الانتصار على البشر نوعٌ من النصر، ولكن الانتصار على الجاهلية والانتصار على الشيطان والانتصار لتحكيم كتاب الله وسنة نبيه، هذا أمرٌ أصعب وأخطر، فنسأل الله جل وعلا كما رد بلادهم إليهم، ونسأل الله جل وعلا كما نصرهم على أعدائهم البعثيين أن ينصرهم على الشياطين، التي تؤزهم إلى الكفر أزاً وتدفعهم إلى الجاهلية دفعاً ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] ذلك الشيطان الذي يصور في النفس خطر تحكيم الشريعة، نسأل الله أن ينصرهم بتحكيمها أيضاً.
стр. 193
واجب كشف المصائب في وقتها
كذلك أيها الأحبة: لقد آن لنا أن نفضح كل جريمة في وقتها، لقد لامنا الناس في المجالس وقالوا: أنتم الخطباء لماذا سكتم عن حلبجة؟ لأجل من سكتم؟ فما كان منا إلا أن وقفنا بين موقفين أحلاهما مر، أن نقول: لا نعلم، فكيف يكون لخطيبٍ يأخذ من وقتكم ساعة لا يعلم شيئاً عن مذابح المسلمين؟ أو أن نقول: علمنا وسكتنا، فما هو جوابنا أمام الله ولو بدعوة في ساعة إجابة أن ندعو الله أن يرفع البلاء عن المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله؟ فمن واجب الأمة ومن دروسها في هذه المحنة: أن تكشف المصائب في وقتها، وأن تبينها على الأقل أن يتعاطف الناس ولو بالدعاء بظهر الغيب مع إخوانهم وجميع المسلمين.
стр. 194
حول القوات الأجنبية
أيها الأحبة: واستطعنا أخيراً أن نصل إلى هذه الساعات التي اطمأنت فيها القلوب بعد محنة دامت أياماً، نسأل الله ألا يفرح على المسلمين عدواً، وألا يشمت بالمسلمين حاسداً، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، الحمد لله أولاً وآخراً لقد كان استدعاء القوات خيراً اختلفت فيه الأمة، فكان خيراً لدفع أعظم الضررين وأكبر المفسدتين، وقد كانت الحرب خيراً وارتاعت منها الأمة، وكانت الحرب البرية خيراً وارتاعت الأمة ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) [النساء:١٩] ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [البقرة:٢١٦].
وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببٌ ما بعده سبب
وأثني وأعقب على كلمتي هذه لما قلت في القوات: إنها خير نعم، حقق الله منها خيراً، ونسأل الله أن يدفع عنا منها الشر، لأنه ما من نفسٍ بشرية إلا وفيها شر، حتى أنتم فيكم شر، والرسول يقول: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) والسنة جاءت بأن الإنسان يضع يده على ناصية الزوجة يوم أن يبني بها ويقول: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه) فدل على أن الزوجة فيها شر، والله يقول: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤] ففي المال والولد عداوة، فليس من العقل أن نقول: إن القوات الأجنبية كلها خير، بل فيها خيرٌ وفيها شرٌ، نسأل الله أن يتمم لنا خيرها، وأن يسخر لنا ما فيها من الخير، وأن يدفع عنا ما فيها وما في غيرها من الشر بمنه وكرمه.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم آمنا في دورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم وحد صفنا، اللهم اجمع شملنا وكلمتنا وصفوفنا وأفئدتنا، اللهم اهد ولاة أمرنا، اهد ولاة أمرنا، اهد ولاة أمرنا، اهد ولاة أمرنا، وارزقهم البطانة الصالحة، ولا تفرح بنا ولا بهم عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، ربنا سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، يا رب العالمين، يا أرحم الرحمين.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان.
стр. 195
الخطر الحقيقي
إن الخطر الحقيقي الذي يواجه الأمة هو تفرق المسلمين وقتل بعضهم بعضاً، وليس الخطر في تكالب الأعداء وحشدهم لقواتهم، أو خطر الزلازل والبراكين أو (الكوارث الطبيعية)؛ لأن الله وعد نبيه أن هذا لن يكون مع تمسكنا بالدين، ومن الأخطار التي وقعت فيها الأمة خطران: الربا، ومماطلة الضعفاء والمساكين، وهضم حقوقهم.
стр. 196
حفظ الله لعباده المؤمنين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بهذا الدين، واعلموا أنه لا عز ولا نصر ولا تمكين إلا به.
عباد الله: إن الله جل وعلا يقدر المقادير بقضاءٍ وقدر، ويجعل القدر بعدلٍ وحكمة ورحمة، والعباد أمام مقادير الله جل وعلا، بين متعظٍ متدبر ومتأملٍ متفكر، وبين لاهٍ غافلٍ ساه.
فيا عباد الله! إن المحنة التي مرت بالمسلمين لجديرة في أن يستلهم الناس من أحداثها ومقدماتها وواقعها ونتائجها أكثر أنواع العبر في مختلف الميادين والمجالات.
عباد الله: لقد كان أعداء الإسلام ممثلين في البعثيين والعلمانيين، الذين طبلوا لهذا القائد البعثي في زمن سلطته وشهرته، والذين تابع بعضهم تطبيلاً وتزميراً له كانوا معه ومع حزبه يراهنون على مجتمعكم، أن هذا المجتمع سوف يتفكك وسينقسم ويتناثر ويصبح كل حزبٍ فيه بما لديهم فرحون، ولكن بحمد الله ومنه وفضله لم ينالوا ولم يجدوا ولم يروا مما أملوا شيئاً، على الرغم من أنهم أجلبوا وأرعدوا وزمجروا عبر إذاعاتهم وعبر أصواتهم وعبر المأجورين المسخرين للإشاعة وعبر كثيرٍ من العقول المأجورة، والأقلام المسعورة، والحناجر المستوردة، رغم هذا كله لم ينالوا ولم يستطيعوا أن يجدوا في هذا المجتمع بمن الله وفضله نافذة يتسللون من خلالها أو باباً يدخلون خلسة منه، واعلموا -يا عباد الله- أنه لا بحولكم ولا بطولكم ولا بجنسيتكم ولا بأموالكم ولا بنعمكم وأموالكم نلتم هذا، ولكن هذا كله من فضل الله، بل الله يمن عليكم وهو المتفضل عليكم أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، فالحمد لله على هذه النعمة، إن أي مجتمعٍ يواجه غزواً خارجياً بالحرب، وداخلياً بالإشاعة أو عبر الأصوات المتسللة، وعبر موجات الأثير، يوشك أن تجد الإشاعة والمقالة فيه وسطاً مناسباً.
أما في هذا المجتمع بمن الله وفضله لم تجد تلك الإشاعات ولم تجد تلك الأصوات النتنة التي دأبت على إثارة النعرات، واستغلت أموراً كثيرة، لعلها أن تجد باباً يكون بداية الانقسام أو الحزبية، ومع هذا باءت بالفشل، وإني لأعزو هذا بمن الله وفضله أن الله جل وعلا قد ثبت هذه البلاد بالجبال الشامخات الراسيات من العلماء الذين يدينون لله جل وعلا في فتواهم وفي قولهم وفي مواقفهم ويدركون الحكمة والسبيل حسب المصالح الشرعية.
أيها الأحبة: لقد كان خطراً عظيماً على أمة الإسلام، ولكن ما هو أعظم خطرٍ يواجه الأمة؟ والله إن الأمة لو حشد عليها أضعاف أضعاف ما حشد، فإن هذا ليس بخطرٍ بالنسبة إلى الأمر الذي يهلكها؛ لأن النبي ﷺ قال: (سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين، سألت ربي ألا يسلط على أمتي عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) إن النبي ﷺ سأل الله جل وعلا ألا يسلط علينا عدواً كافراً يهودياً أو نصرانياً، سأل الله ألا يتسلط علينا عدوٌ بحربٍ عسكرية، أو اجتياحٍ غاشم، فأجاب الله جل وعلا هذه الدعوة، والأخرى يقول ﵊: (وسألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة) أي: إن النبي ﷺ سأل الله ألا يتسلط على هذه الأمة جدبٌ، أو قحطٌ، أو زلازل، أو براكين، فتهلك الأمة عبر هذه الكوارث الخطيرة، فأجابه الله جل وعلا، وسأل النبي ربه الثالثة وهي التي لم تجب؛ لأنها علقت بنا، ولأنها ارتبطت بنا، وهي متمثلة في سلوكنا وعلاقاتنا والتزامنا وعضنا بالنواجذ على شرع ديننا، سأل النبي ربه الثالثة (ألا يجعل بأسهم بينهم) فلم تكن هذه كالتي قبلها.
أيها الأحبة: إن أخطر خطرٍ وأعدى عداوة تلك التي تنشأ في صفوفنا، تلك التي تنبعث من بيننا، أما أن يأتي زلزال أو بركان أو كارثة تأخذ الأمة أجمع، فهذه لن تكون، واطمئنوا وقد تكفل الله بإجابتها لنبيكم، أو أن عدواً يتسلط عليكم فيجتاحكم هذه لن تكون بمن الله وإذنه، يوم أن تكون الأمة على هذا المستوى الذي ينبغي أن تصل إليه بالإعداد وأخذ الأسباب، أما أن ينشأ خللٌ وانشقاقٌ وانقسامٌ وهلكةٌ بسبب هذه النفوس، فهذا وارد وممكن.
стр. 197
بماذا ننافس أعداءنا ؟
إذاً أيها الأحبة: هذا يجعلنا نجمع صفوفنا، ونوحد شملنا، ونثبت رابطي الجأش على أمرٍ يرضي الله جل وعلا.
إننا لن ننافس أعداءنا بالتعداد، إذا كان الكفار في مختلف دول الغرب ودول الشرق مئات الملايين، والواقع يشهد إمبراطوريةً بدأت تذوب وتضمحل؛ فإن هذا تمهيدٌ لإمبراطورية أوربية جديدة، الأوربيون ينافسون الأمريكان، ويريدون أن يقفوا موقف الند للند على الأقل ألا تستأثر القوة الأولى في العالم -في حد زعمهم ومقاييسهم- ألا تستأثر بمصالح الشعوب وخيراتها، فلابد من منافس يشارك في القسمة، ومن أجل هذا بدأت أوربا تنزع الخلاف، وتزيل أسباب الانقسام، كانت كتلة شرقية وغربية، فبدأت كلها تتوجه وتتحد تحت كتلة غربية واحدة، وصدق الله العظيم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣] ظهرت الولاية بين الألمان الغربيين والألمان الشرقيين، أزاحوا الستار والجدار بينهم، هدموا سور برلين، ووحدوا عملتهم، وشكلوا دولةً واحدة، ولا يزال الأوربيون الآن يسعون لمزيدٍ من الوحدة، ولذلك فإن في مخططهم واستراتيجياتهم، أن تكون أوربا عام ٢٠٠٠م هي أوربا الموحدة، أو دولة أوربا الواحدة، وعاصمتها بروكسل في بلجيكا، يريدون أن تكون قوة أوربية من بداية أول شبرٍ في قارة أوروبا إلى آخرها تكون دولة واحدة، وإن اختلفت شيئاً يسيراً في قوانينها الداخلية أما في الدفاع والخارجية والمواقف الخطيرة فستكون دولة واحدة تعدادها يقارب ٣٢٠ مليون نسمة دولة واحدة، يكون عدد سكانها ٣٢٠مليون نسمة أو أقل من هذا قليلاً لينافسوا الأمريكان في عددهم ٢٤٠مليون نسمة تقريباً، وماذا وراء هذا؟ أخرجوا لنا من أمة الإسلام مائة مليون على قلبٍ واحد، على هدف واحد، المسلمون عددهم في هذا الزمان مليار مسلم، أين هم إذا دعت الجراح؟ إسلام بالهوية، وبالإقامة، وبالحفيظة، وإسلامٌ بالتابعية، وبالجواز، أو بأي وثيقة رسمية، أما أن تريد هذا العدد بحقيقته، فلن تجد إلا ما شاء الله:
يا ألف مليار وأين همُ إذا دعت الجراح؟
هاتوا من المليار مليوناً صحاحاً من صحاح
من كل ألفٍ واحداً نغزو بهم في كل ساح
الكفر جمع شمله فلم النزاع والانتطاح؟
من خان حي على الصلاة خان حي على الكفاح
شعبٌ بغير عقيدة ورق تذريه الرياح
إن كنا نظن أننا بالتعداد سوف ننافس الغرب، فإن تعداد الغثاء من المسلمين الذي نشهدهم في هذا الزمان لا يقدم ولا يؤخر، بل هو زبد ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد:١٧] ولا يبقى إلا أقل القليل منه، وإن كنا نظن أننا ننافس الغرب بالأسلحة، أو بالتقنية أو بالتكنولوجيا، أو بالاختراع أو بالتطوير، فلنكن صادقين مع أنفسنا، نحن أممٌ متخلفة مستهلكة أمام الغرب المنتج المخترع المفكر المصدر، وهذا يعود لأسباب كثيرة لعل دورة الحضارة عبر عنصر الزمن واحدٌ من أسبابها أو من أهم أسبابها، ولكن أيها الأحبة! بماذا ننافس أعداءنا؟ بالتعداد؟ هم أكثر منا، ولن نجتمع على أهدافنا ومبادئنا كما اجتمع الكفار على أهدافهم ومبادئهم، وهذه من الجراح والمصائب والآلام، ولكن حينما يكون الطبيب صادقاً، فليصدق في تشخيص المرض، وليكن صادقاً في بيان موضع العلة وأعراضها ومظاهرها، ولن نكون أقدر منهم في مجال تطوراتهم واختراعاتهم، على الرغم من أن من شبابنا وأبنائنا من استطاع أن يقود الطائرة ويعرف أن يصلح بعض أجهزتها في الاتصالات والرادار والمعدات والميكانيكا، وأشياء معقدة، ولا يزال أبوه يرعى الغنم، هو ابن البادية، وابن الحقل والقرية والمزرعة، وابن المدينة الصغيرة المتواضعة، ومع ذلك تجده ولداً ذكياً مستوعباً لآخر ما وصلت إليه الحضارة، لكن هل وصل إلى درجة الإنتاج؟ هل وصل إلى درجة الاختراع؟ هل وصل إلى درجة التطوير؟ أقول: البعض قد وصل إلى هذا وهم قلة، وفي هذا يعجب أحد البريطانيين لما رأى عدداً من أبنائكم في هذه المعركة الماضية يبدي تفوقاً في سرعة الاستيعاب، والدقة في التصويب، والتخطيط والبرمجة، قال: عجباً لهؤلاء! لا يزالون أبناء بادية ومع ذلك ينافسوننا ونحن من صنعنا هذه الطائرة في إعداد الحسابات اللازمة لبرمجة عملها وتحديد أهدافها، فقلنا وقلت لهم: أخبروهم أن هذا عقلٌ لا يزال بكراً لم تستهلكه الخمرة، وهذه قوى لا تزال شابة لم يستهلكها الزنا والإباحية والانحطاط، فليس غريباً أن يستوعب هذا، ولكن أيها الأحبة! لا نزال نعيش واقعاً نحتاج فيه أن ننافس، فإن كنا نريد أن ننافس بالتعداد، فهم أكثر منا، وإن أردنا أن ننافس بالتقنية والاختراع، فهم أكثر تقدماً منا، إلا أمراً واحداً أن ننافس بهذا الدين، ونقول هذه ليست مقولة المضطر إليه الذي لم يجد ما ينافس به إلا الدين، فلو وجد حضارة لنافس بها وترك الدين، أو لو وجد تجمعاً نافس به وترك الدين، لا، بل نقوله ونرفعه وننافس به ابتداءً وانتهاءً أولاً وآخراً ظاهراً وباطنا، الله جل وعلا قد تكفل لكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨] آمنوا حقيقة الإيمان، ولا تنزعجوا من عدد عدوكم، ولا تنزعجوا من أسلحته، فالله يدافع عنكم، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار:١٠] ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢] لا حافظ إلا الله.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان
أيها الأحبة: إذا كنا نعرف ألا نجاة للمسلمين إلا بهذا الدين، فلننظر واقع المسلمين، أهم على مستوى من الإيمان، وإثباته بالبرهان، حتى يصلوا درجة يعصمهم الله من غيرهم، ويدافع عنهم ويسخر لهم، ويغير السنن والقوانين لهم، هذه هي الحقيقة التي ينبغي على كلِّ قرد أن يجيبُ نفسه، هل يرى نفسه على مستوى الإيمان الذي به يحفظ الله الأمة؟ اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، ولا تؤاخذنا بما فعلنا، ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 198
لا ننافس أعداءنا بغير ديننا
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله: قلنا فيما سبق: إننا لن ننافس أعداءنا بعددنا ولا باختراعنا، وإنما ننافسهم بديننا، ونقارعهم بديننا، ونرعبهم بديننا، ونقتلهم بديننا، وبغير ذلك لن نستطيع أن ننافس شيئاً، من ظن أننا سننافس بغير هذا الدين، فهو يعلق الأمة بالمذلة، ومن ظن أننا سننافس ونبقى أعزاء كرماء أقوياء بغير الدين فإنه يعلق نفسه وأمته بالمذلة.
أيها الأحبة: لما ذهب عمر بن الخطاب ﵁ -وكان يلبس ثياباً مرقعة فيها ثماني عشرة رقعة، وهو الخليفة- على حمارٍ أهزل، التفت إليه أحد الصحابة، ولعله أبو عبيدة قال: [يا أمير المؤمنين! لو لبست حلة غير هذه وركبت برذوناً بدلاً من هذا الحمار] لأنك تقدر الآن لتتسلم مفاتيح بيت المقدس أمة اليهود التي سبقت أمة الإسلام في وجودها وحضارتها وما عندها، [لو أنك يا أمير المؤمنين! لبست حلة بدلاً من مرقعتك هذه وركبت برذوناً بدل هذا الحمار، فالتفت إليه عمر بن الخطاب ﵁ وقال: يا أبا عبيدة! لو قالها غيرك لأوجعته ضرباً، نحن أمةٌ أعزنا الله بالإسلام، فمهما أردنا العزة بغيره أذلنا الله] تكون كل درجة في غير هذا الدين موصلة إلى العزة سلماً إلى الذلة باتجاه معاكس، وكل خطوة غير مرتبطة بالدين في سبيل العزة خطوة إلى الوراء بالمذلة والهوان، هذه حقيقة لم يثبتها واقع النصوص فقط أو الآيات والأحاديث، بل أثبتها الواقع، فأخبرونا ماذا قدمت القيادات لأمة الإسلام بعد سقوط الخلافة وانقسام الدول في محاولاتٍ لإعادة بعث الأمة من جديد، كل محاولة نشأت وجعلت غير الإسلام وسيلة وغير التوحيد هدفاً وعقيدة؛ فهي لا تزيد الأمة إلا خبالاً وضعفاً.
стр. 199
من أسباب الهلاك والزوال
أيها الأحبة: إن أمة الإسلام على خطرٍ عظيم من أمور عديدة، وأذكر من أخطرها أمرين خطيرين جداً، هي من أسباب الهلاك والزوال، ومن أسباب النقمة والعقوبة، وزوال النعم، وزوال الخيرات والأمن والطمأنينة.
стр. 200
الربا
أولها: الربا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] إن لم تأبهوا بهذا الخطاب، وتتداركوا أوضاعكم، إن لم تصلح الأمة الإسلامية أحوالها؛ ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا)) إيذان وإعلان وإخبار ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والحرب من الله ورسوله لا تسأل عن كيفيتها، ولا تسأل عن صفاتها، ولا تسأل عن وضعها وحدودها وزمنها ومواقعها، قد تكون الحرب في شرايينك، وقد تبدأ الحرب في دماغك أو في أطرافك، أو في بيتك أو في بلادك، أو في أمنك، وطمأنينتك، في كل شيء، إن أمة الإسلام مأمورة أن تنتبه لهذا الخطر، فكثيرٌ من المسلمين كأنه كبر وسادته ولين فراشه، فقد انتهت فتنة العراق وأزمة حزب البعث، وليس على كاهل الأمة من ذنب تخشاه، أو مصيبة تخافها، لا، إن الربا من أخطر ما يواجه أمة الإسلام، وإنا كنا نسأل الله جل وعلا أن ينصرنا وأن يسخر لنا من هو أقوى منا ونحن ننظر بعينٍ هكذا إلى الربا ونقول: نسأل الله أن يعفو عنا، ونسأل الله أن يجعل ما استقبل من أيامنا بداية لتحقيق شرعه وأمره ونهيه في التجنب والخلاص من هذه المصيبة العظيمة.
стр. 201
المماطلة في أداء الحقوق
المصيبة الثانية هي: أننا لا نصدق حينما نوفي الناس بحقوقهم، قد يقول البعض: كنا نظنك ستتكلم عن أفلام الفيديو، أو كنا نظنك ستتكلم عن محلات الأغاني، أو كنا نظنك ستتكلم عن التبرج والسفور، هذه من المصائب، لكن من أعظم المصائب ألا ينال الضعيف حقه إلا بعد إلحاحٍ شديد، وهذه من أخطر المصائب، عاملٌ عندك مستخدمٌ لديك، فقيرٌ بين يديك تماطله في حقه لأنك قوي، هذه مصيبة عظيمة، ولو كان الذي يواجهك قوياً لأعطيته الحق مرغماً أنفا، والنبي ﷺ بين أن من أسباب الهلاك (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم القوي تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) فاطمة أم الحسن والحسين، سيدة نساء أهل الجنة لو سرقت لقطع النبي صلى عليه وسلم يدها، والنبي حينما عبر بالسرقة لم يقصد ذات السرقة فحسب، بل أراد السرقة وأراد كل المعاملات التي لا ينتصف للمظلوم فيها، ولذلك فإن الظلم مرتعه وخيم، ودعوة المظلوم مستجابة.
فما من يدٍ إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم
تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنمِ
أحبتنا في الله: خذوها نصيحة لأنفسكم وناصحوا بها في جميع مجالات حياتكم من لزمه الحق فليؤده، من لزمه الحق فلا يماطل، ومن وجب الحق بذمته بصكٍ شرعي أو بتحاكمٍ إلى من يرضى حكمه فيهما هو في حكم الله جل وعلا، فليؤد الحق راغماً مذعناً ذليلاً لحكم الله جل وعلا، وبغير هذا فلا نجاة.
إن الأمم لا تعيش إلا بالعدل، وإذا لم تؤد الحقوق، فهذا ظلم والظلم مرتعه وخيم، وعاقبته أليمة ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] هل يكفي أن نذهب إلى المحكمة ونتحاكم؟ لا.
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥] لا تنزعج ولا تحرج ولا تتغير يوم أن تمثل وأنت فلان بن فلان أمام القاضي مع المسكين الفقير المهين، لا تجد في نفسك حرجاً، وماذا بعد ذلك؟ أن تسمع فقط بعد الوصول إلى المحكمة؟ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ َ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] تسليماً، تسليماً، تسليماً، كررت بالمفعول المطلق الدال على منتهى الأداء والمتابعة والقيام والاستمرار في أداء الحق، وبغير هذا فلن يكونوا مؤمنين، وإن لم يكونوا مؤمنين، فلن يدافع الله عنهم، وإذا لم يدافع الله عنهم، فسوف يتسلط عليهم أعداؤهم، وإذا تسلط الأعداء برقبة مؤمنٍ أو مسلمٍ، فلا تسأل عن هلكته ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هاتان مصيبتان، والمصائب جمة، لكن ولست بهذا أحدد أرضاً بعينها أو بلاداً بعينها، بل أخاطب أمة الإسلام في شرقها وغربها، الربا والعدل في أداء الحقوق، يقول ابن تيمية: إن الله لينصر الحكومة الكافرة العادلة، ولا ينصر الأمة المسلمة الظالمة، هذه من أعظم المخاطر.
فيا عباد الله: نصيحة لمن تورط في الربا أن يقلع، وانصحوا من تعرفون، ومن تورط في حقوق الناس، فليتق الله، ولا يقل أعرف واحداً، أو لي واسطة، أو أتردد يمنةً ويسرة، أو لا يستطيع أحدٌ أن يلزمني بتنفيذ هذا الصك، أو الحكم، نستطيع أن نلزمك بهذا الشرطي الذي بين أضلاعك، بهذا الجندي الذي في قلبك، نلزمك بالإيمان الذي أنت تخضع وتدين لله به، فإن كنت مؤمناً فأذعن، إن كنت مسلماً فسلم، وإلا
فالدعاوى إن لم يقيموا عليها بيناتٍ أصحابها أدعياءُ
دعاوى الإيمان، ودعاوى الانقياد، والإنسان إذا قيد وأمر بتطبيق حكم الله، قال: لا.
اشكني، فإذا شكوته، لم يصدر الحكم، فإذا صدر الحكم، اعترض، فإذا قطع بالحكم، نقض، فإذا صدق الحكم يمنة ويسرة وعبثاً والمسكين يبكي؛ لقمته، حقوقه، ماله، بضاعته، فلا يجد إلا باباً يطرقه وسط الليل بعد أن يهجع الناس ويطيب نوم الخاسرين، يدعو ربه: اللهم إني مظلومٌ فانتصر، اللهم إني مظلومٌ فانتصر، اللهم إني مظلومٌ فانتصر، اللهم غلبني بحوله، اللهم غلبني بقوله، اللهم غلبني بطوله، اللهم غلبني بقوته، أما أنا فلا حول لي ولا قوة ولا طول إلا أنت، يا حي يا قيوم، وحينئذٍ تنفتح أبوب السماء بالمدد طامة على قلب الظالم، ومصيبة على ماله وثروته وكل ما يملك ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وأن يجعلنا للحق مسلمين مذعنين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أرادنا بسوءٍ فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم لا تحجب دعاء المسلمين فيه، اللهم انصرنا، اللهم ثبتنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم أصلح جليسهم، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم قرب لهم من علمت فيه خيراً لهم، وأبعد عنهم من علمت فيه شراً لهم.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في جميع الأرض يا رب العالمين، اللهم انتقم للمسلمين من التاميل في سرلنكا، أقول هذا الدعاء وأقوله في الجمعة الماضية، لأنه وصلني مجموعة من الصور التي ذبح المسلمون فيها في سرلنكا، مذابح صفٌ كامل كله موتى، أكفانٌ مغطاة، وأناسٌ دماؤهم ترشق الجدران يرفسون متشحطين بالدماء، لا تزال المعركة على الإسلام قائمة، لا يزال المسلمون مستضعفين ولا حول ولا قوة إلا بالله، فلذلك ندعو لهم، اللهم فانتقم لهم من الهندوس، اللهم انتقم من جميع أعدائهم يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك هذا الشهر الكريم على توبة صادقة، اللهم بلغنا هذا الشهر الكريم على مغفرة منك لذنوبنا، وعفوٍ منك لسيئاتنا، وأعنا على صيامه وقيامه، واجعل لنا فيه أوفر الحظ والنصيب، اللهم اجعلنا ممن يصوم شهره، ويفوز بليلة قدره، ويستكمل أجره بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم بارك لنا فيما آتيتنا ولا تكلنا إلى أنفسنا، اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتا فجازه بالحسنات إحسانا، وبالسيئات عفواً وغفرانا، اللهم وسع لهم في لحودهم، ونور قبورهم، وافتح لهم أبواباً إلى الجنان، واجمع شملنا بهم في عليين يا أرحم الرحمين.
اللهم اهدِ شبابنا، اللهم اهدِ شبابنا، اللهم بغض إلى نفوسهم الطرب واللهو، والمعازف وأدوات الشيطنة واللهو، وحبب إليهم الإيمان والدعوة والحكمة والمواعظ الحسنة، اللهم اجعلهم هداة مهتدين، اللهم اهدِ بناتنا، وأصلح نساءنا، واهد زوجاتنا، وجنبهم الاختلاط والتبرج والسفور، اللهم جنبهم الاختلاط في الوظائف، وجنبهم الاختلاط في التعليم، ومن أراد بهم سوءاً فافضحه بين الخلائق، اللهم ما علمت في علمانيٍ سوءاً يدبر ويخطط للمسلمين سوءاً، اللهم افضحه على أشد خزية، وافضحه على أشد عار، وافضحه على أشد مصيبة، حتى يفطن المسلمون لشره يا من لا تخفاه خافية.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمدٍ وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 202
فيروس الوقت
تحدث الشيخ -حفظه الله- عن بلية ابتلى بها كثير من المسلمين اليوم، ألا وهي السهر القاتل إلى أوقات متأخرة من الليل، وذكر أن من مفاسد هذا السهر تضييع العبد للأوقات الفاضلة بل وزيادة على ذلك؛ تركه لصلاة الفجر جماعة، وإهماله لأهل بيته وتضييعه من يعول، ولكن في مقابل أولئك وجد من يتقلبون على فرشهم شوقاً إلى الوقوف بين يدي ربهم جلَّ وعلا.
стр. 203
مفاسد السهر الطويل
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين: لقد ابتلينا في هذا الزمان ببلية أفسدت علينا أوقاتنا، وضيعت علينا ساعاتنا، وأشغلتنا بأدنى الأمور دون أعلاها، وكثيرٌ منا خادع نفسه وظن أنه يحسن فيما يفعل صنعاً، لقد ابتلي الكثير منا ببليةٍ جعلته يهجر أولاده وزوجه، ويضيع بيته، وينام عن فريضة ربه، لقد ابتلي كثيرٌ من المسلمين بهذه البلية إلى درجةٍ أفسدت عليه صلاته ودنياه، جعلته كسولاً متأخراً، متواكلاً، لا تراه إلا في مؤخرة الركب أو ذنب القافلة، وإنها لبليةٌ لم تفرض نفسها علينا ولم ترم بجرانها على صدورنا، وإنما باختيارنا فعلناها وبإرادتنا زاولناها، وباختيارنا أن نقلع عنها وأن نهجرها ونتركها، ويبقى من احتاج إليها بحدود إرادته، وبقدر ضرورته حينما تكون المصلحة راجحة والمفسدة غائبة، أتدرون ما هذه البلية؟ يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس:٦٧] ويقول : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم:٢٣] ويقول أيضاً: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١] ويقول أيضاً: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أنا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل:٨٦] ويقول : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً﴾ [الفرقان:٤٧].
стр. 204
تضييع المرء لمن يعول
أيها الأحبة: لعلكم من خلال هذه الآيات البينات الواضحات عرفتم ما هي البلية التي ابتلي بها كثير من الناس باختياره؛ ألا وهي السهر بالليل، ومكابدة المجالس، ومتابعة المواعيد واللقاءات إلى وقتٍ متأخر لا يأوي الواحد فيه إلى بيته إلا بعد أن يمضي الليل نصفه أو أكثر من نصفه، ثم يعود الواحد إلى بيته وقد طال على أبنائه السهاد، يرجون أباهم أو وليهم أن يقدم عليهم لحظةً أو لحظاتٍ يجلس فيها يسأل عن دروسهم، يتفقد حاجاتهم، يوجههم أو يؤدبهم، يعلمهم أو يربيهم، يمازحهم أو يلاعبهم، يضاحكهم أو يداعبهم، ينتظرون أباهم ليروا ابتساماته مشرقةً في وجه زوجته وأطفاله، ولكن حتى إذا استيئسوا من مجيئه وغلبهم السهاد وأسلمهم الرقاد؛ ناموا يائسين من عودة أبيهم إلا في وقتٍ متأخرٍ من الليل.
فإذا جاء ذلك الرجل أباً كان أو شاباً أو عازباً أو متزوجاً، إذا عاد وقد أسلم القوم أعينهم لنومٍ سبات، جاء وحده يتسلل لواذاً، يلتفت يمنةً ويسرة، ثم رمى بجنبه على فراشه، قد أنهكه الإعياء والتعب والسهر، وأنى له أن يتوضأ قبل نومه بعد سهرٍ طويل، الغالب فيه القيل والقال، وأنى له أن يصلي ركعاتٍ بخشوعٍ وهجوعٍ بعد سهرٍ طويل الغالب فيه الكلام في الأعراض، أو في علان وفلان، وأنى له أن يسجد ويقنت وأن يوتر ويدعو بعد سهرٍ طويل الغالب فيه -إلا من رحم الله- النظر إلى الأفلام والشاشات والمسلسلات عبر مختلف القنوات، فيرمي بنفسه ضجعة الغافلين، فينادى للصلاة: حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خيرٌ من النوم، فلا تجد إلى أذنه سبيلاً، وأنى لها أن تجد السبيل إلى أذن الساهر اللاهي الغافل وقد ملأ فؤاده وقلبه البارحة بألوان الصور ومختلف الكلمات الساقطة، والعبارات الرديئة، أو الكلام فيما لا يعنيه، أو الاشتغال فيما لا ينفع دينه ودنياه، وأنى لها كلمات النداء أن تجد إلى أذنه وقلبه سبيلاً وقد عقد الشيطان على قافيته عقداً ثلاثاً، وقال له: عليك ليلٌ طويلٌ فنم، وربما جاءت أمه العجوز، أو أمه الفتية، أو والده يوقظانه للصلاة، فيخور كما يخور الثور عند المذبح، يتقلب يمنةً ويسرة، فلا يبرحان يفارقانه، أو لا يلبثان يفارقانه حتى يعود في غطيطه ونومه وسباته، في نومةٍ طويلةٍ سبقتها معصيةٌ أو لهوٌ أو غفلة، ومرت بقعودٍ عن ساعات فضيلة، واكتنفتها معصية وهي ترك صلاة الفجر، تركها إثم عظيم، ولكم أن تحسبوا نسبة الحاضرين الصلوات إلى الذين يشهدونها صلاة الفجر، أين المصلين في صلاة الفجر؟ هل زاغت عنهم الأبصار؟ هل تخطفتهم سهام المنون؟ هل نزلت بهم المقادير فأعاقتهم عن القيام والخروج إلى العبادة؟ أهم من ذوي الأعذار؟
الجواب
لا، ولكنه السهر، ولكنه الحديث الطويل والقيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال، وما أكثر الذين يسهرون! لو دعوا إلى حلقة من حلق الذكر لأبوها، ولو دعوا إلى شفاعةٍ أو نجدةٍ لمسلمٍ لتثاقلوا وقعدوا عنها، ولو دعوا إلى أمرٍ رشيدٍ لسوفوا وعللوا، ولكن السهر للكلام والقيل والقال والسماع والمشاهدة والرؤية وتتبع القنوات والمسلسلات والأفلام تهون فيه الساعات، أما إذا دخل في السهر لعب الورق ذلك الفيروس الذي يسري في دماء بعض الناس سرياناً يجعله يكابد السهر ويغالب النوم ويصارع السنة، وربما غسل وجهه مرتين أو ثلاثاً من أجل أن ينشط على جودة لعبه حذراً من أن يفوقه اللاعبون أو يغلبوه.
стр. 205
فوات أفضل أوقات العبادة عليهم
أما العبادة أين الذين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] لأنهم يعملون بسنة المصطفى ﷺ إذ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها، نعم قد يزور الواحد شيئاً من الساعة تزيد أو تنقص قليلاً إجابة لدعوة، زيارةً لمريض، إعانةً لذي حاجة، قياماً بواجب، عملاً بأمر فيه مصلحة، لا بأس، أما أن يمر بعد العشاء ثلاث ساعات وأربع ساعات وخمس ساعات والواحد يجول الطرقات والأسواق والممرات والمجالس وغيرها حتى يأوي إلى بيت قعيدته الحسيرة الكسيرة، فإذا أقبل إليها وهي تنتظر وجهاً مشرقاً، أو جبيناً طلقاً، أو ابتسامة ولو متواضعة، أعرض ونأى بجانبه، وجعل وجهه إلى جدارٍ حتى يقول لها: لا تسألي أين كنت البارحة.
إن هذا بلاء وداء عضال ومرضٌ خبيث، إن كثيراً من الذين فشلوا في دراساتهم ليس بغباء في عقولهم، ولا بقصورٍ في إدراكهم، ولا بعجزٍ عن أن يبلغوا ما بلغه المعلمون من أترابهم وأمثالههم، ولكنه السهر أشغلهم بالليل فتثاقلوا عن طلب العلم في الصباح، فتعلموا على وسادة الغفلة، وعلى فرش اللهو، ثم إذا أصبح أحدهم تعلل بالمرض والتعب والألم وما إلى ذلك، فإذا جاء آخر العام تأوه وعض أصابع الندم:
ومن زرع البذور وما سقاها تأوه نادماً وقت الحصاد
وإن آخرين فصلوا من أعمالهم، وما كان ذاك بسبب قصورٍ أو ضعفٍ في العلم والإدراك، ولكنه السهر يجاملون بعضهم، تعال يا فلان! اجلس معنا، لا يضرك، ساعة، تعود بعد قليل، فيئوب إلى بيته متأخراً، وعن صلاة الفجر يقعد على فراشه، وفي صبيحة يومه يسلم جنبه لنومٍ عميق يترك فيه عمله، فيتكرر هذا التأخر وهذا الكسل، ويكذب في اليوم الأول بعذرٍ مفتعلٍ مفترى، ويكذب في الثاني، ويفتري في الثالث حتى تنتهي الكذبات وتنتهي الأعذار، ثم لا يلبث أن يسلم نفسه لاستسلام لقرارٍ خطير وهو فصله والسبب هو: السهر! لذا أيها الأحبة! وهذا الأمر قد يشترك فيه كثيرٌ من الناس حتى من الصالحين أو ممن يذكرون بصلاح، فإن البعض هداهم الله يسهرون سهراً ربما أفضى وأدى إلى ترك صلاة الفجر مع الجماعة، إن بعضهم لا يتركها قاصداً ولا مختاراً، ومعاذ الله أن يكون ذلك منه، ولكنه يجني طائعاً ومريداً مختاراً في هذا السهر، وإنك لا تجني من الشوك العنب، أتريد أن تسهر الليل كله في قيل وقال، وسمرٍ وحديثٍ لا ينتهي، ثم تسلم جنبك بعد تعبٍ من نهارٍ وليلٍ طويل إلى فراشٍ تريد بعده أن تستيقظ نشيطاً لصلاة الفجر؟! هيهات ما أبعد ما تكابد!!
стр. 206
فوات دنياهم عليهم
أيها الأحبة! إن الله مَنَّ علينا بليل ونهار: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص:٧١ - ٧٢].
إن هذا الليل والنهار قد فصل الله فيه الأحوال والأحكام، وجعل الليل سكناً والنهار معاشاً، جعل الليل راحة وطمأنينة وجعل النهار مرتعاً خصباً للأعمال، وبذل الأسباب في طلب الرزق، وإن من اعتاد سهر الليل بدون عبادة أو دون حاجة، فقد خالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، إنه لا يزال -وقد يعد هذا ضربٌ من أضرب الخيال- ولله الحمد والمنة في مجتمعنا هذا أناساً إذا أوى العابثون واللاهثون والغافلون إلى فرشهم، فحينها يعرف أقوامٌ بأنهم انتصبوا في تهجد ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] يتقلبون على الفرش إذا مضى نصف الليل كما تتقلب الحبة على المقلاة، كأنما الواحد على جمر أو حديدة محمية، ولا يطيب له نوم أو تغمض له عين أو يهدأ له بال، حتى ينهض ويجافي مضجعه ويتوضأ ثم يقبل بوجهه إلى ربه راكعاً ساجداً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، ولله الحمد والمنة إن أناساً لا يزالون في هذا المجتمع وهم بإذن الله بركة لهذه الأمة، وبرحمة الله خير لهذه الأمة، ولولا شيوخٌ وعجائز ركع، وبهائم رتع، وأطفال رضع؛ لأصاب القوم من البلاء ما الله به عليم، ولكن بعد رحمة الله مما يدفع البلاء عن الأمم كثرة الصالحين، والعناية بهذا الأمر.
أيها الأحبة! إن هذا النوم جعل الله فيه من الوظائف العظيمة الشيء الكثير، ولكن الذين يصرون على السهر ويخالفون سنة المصطفى ﷺ ، وينامون عن صلاة الفجر مع الجماعة فيصلونها بعد طلوع الشمس: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] إنهم لا يتركونها ولكنهم يؤخرونها عن وقتها توعدهم الله بويل وهو عذابٌ شديد.
إن السهر أيها الأحبة يحرم العبد فضائل الصلاة مع الجماعة، وتعلمون أن من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله، وقيام الليل يطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار كما في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
ثم أيها الأحبة! إن في هذا السهر من تعويد النفس على الاهتمام بالسفاسف، والاشتغال بما لا ينفع، وتضييع الخير الكثير الذي جعل بركة للأمة في بكورها ما الله به عليم، هل وجدتم الساهرين يغدون مع الطيور في الصباح الباكر طلباً للبركات والخيرات والأرزاق؟ (بورك لأمتي في بكورها) وفي بداية كل أمر خير، لكن الساهرين يحرمون من هذا.
стр. 207
لا بأس بالمباح في حدود
فيا أيها الأحبة! لو سألنا أنفسنا ما الذي نجنيه من هذا السهر؟ سيجيب البعض قائلاً: إنها مناسبات ولقاءات ومواعيد نضطر لإجابتها، أقول أيها الحبيب: ليس من ضرورة هذه المناسبات إن كان لا بد منها أن نسهر فيها إلى آخر الليل، ساعة أو ساعة ونصف بعد صلاة العشاء، ثم عد إلى بيتك كما يعود الجنود إلى ثكناتهم، ثم عد إلى دارك وسابق الساعة بدقائقها حتى تدرك من أطفالك لحظاتٍ قبل أن يناموا ويبيتوا، إن كثيراً من الآباء هداهم الله ربما لا يرى أولاده في الليل والنهار إلا لحظة من العصر، أو عند الغداء، وما ذاك إلا لأنه نائم وقت خروجهم للمدارس، ويعود وقت الظهيرة أو عند العصر من عمله، وبعضهم ربما كان نائماً، ثم يخرج بعد العصر إلى مجالسه وصداقاته فيسهر ويعود إلى بيته وقد وجدهم نائمين، فبالله متى يربيهم؟ متى يوجههم؟ متى يعلمهم ويرشدهم؟ ناهيك عن كثيرٍ من الآباء الذين سيان عندهم إن صلى الولد في المسجد أو صلى في البيت، أو صلى الصلاة أو لم يصلها ألبتة، وبعضهم يقول: لا زال صغيراً لا زال ضعيفاً لا زال مسكيناً.
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 208
ما يحرم منه ساهر ليله
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: إن الذين يسهرون هذا الليل ويضيعون فضائل القيام وشهود الفجر مع الجماعة، ويضيعون الصباح الباكر وما فيه من الخيرات والأرزاق والبركات، ليحرمون في الليل ويحرمون في النهار حرماناً كثيراً لا يساوي جزءاً صغيراً مما يحققونه بوهمهم في سهر الليل أوليس الله يتنزل في ثلث الليل الآخر، فيقول لعباده وهو أعلم: (يا عبادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من داعٍ فأجيبه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟) الكثيرون يحرمون هذا، ونعوذ بالله أن نكون من أولئك.
أيها الأحبة: إن هذا السهر بلية ومصيبة، لو عرض للواحد فائدة في صباح يومه لحرمها بسبب سهره، لو عرض له رزق من الأرزاق لحرمه بسبب سهره، ولو ذهبنا نعد ونحصي آفات السهر لوجدنا أنها كثيرة لا يحصيها مقام، ولكن هناك سهرٌ أو نوع مكابدة لليل في باب العبادة نقوله لعلنا أن نبلغ مقام الذين بلغوه أو درجاتهم، ألا وهو القيام، ألا وهو التهجد، ألا وهو سؤال الله ، والإلحاح والخضوع والتضرع والإنابة لوجهه ، يقول ربنا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] لما قرأها حبر الأمة عبد الله بن عباس قال: [ذاك عثمان بن عفان].
فهل لنا أيها الأحبة أن تتجافى جنوبنا عن المضاجع ولو لحظات يسيرة، ولو بمجاهدة وتدريبٍ يسير، دقائق، ثم بضع الساعة، ثم جزء الساعة، ثم ما كتب الله لعلنا أن ننال شرف القائمين: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] يكابدون القيام والتهجد، وبعض السلف إذا انتصف الليل قام يلطخ فخذه، ويضرب ركبه، ويقول: إن الدواب إذا كلت بأصحابها عن بلوغ الغاية ضربوها حتى تبلغ بهم الغايات، والله لأضربنك حتى أبلغ الغاية والأمان، يخاطب ركبه ويخاطب أقدامه، كما يخاطب صاحب الدابة دابته! ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧] لما أخفوا العبادة فلا تسل عما أخفى الله لهم من النعيم، لما جعلوا حظهم من العبادة السرية العبادة في وسط الليل، لما جعلوا حظهم منها طاعة وإنابة لله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
ثم أيها الأحبة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية:٢١] أتريد سهراً وغفلة ولهواً وقيلاً وقالاً، وانشغالاً ونوماً عن صلاة الفجر، وتكاسلاً وضياعاً للعمل من يوم غد، ثم تريد كرامة ومنزلة وأجراً وثوابا؟! هل تستوي هذه مع من يأوي إلى بيته فيقوم بحق أولاده وزوجه ويعطي بدنه نصيبه، ويصلي ما كتب الله له قبل ما ينام أو بعد أن ينام، وينهض لصلاة الفجر حاضراً نشيطاً خاشعاً متدبراً متأملاً مستفيداً من صبيحة يومه، منتجاً فعالاً نشيطاً في عمله طيلة يومه، هل يستوي هذا وذاك؟! ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية:٢١]؟
الجواب
لا: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨] لا يستوون، وإن الكثير سيقولون: ما أجمل أن نترك السهر وأن نهجر المواعيد الكثيرة التي لا حاجة لنا بها بعد العشاء! إلا أننا نواجه بالإحراج.
فأقول: إن كان الموعد لا بد منه فاستعن بالله وأجب، ولكن بحدوده وضوابطه وبقدر الفائدة المرجوة منه، ثم أيها الأحبة: لماذا نحرج الناس إذا دعوناهم؟ ولماذا نحرج أنفسنا إذا دعينا؟ فتضيع ساعة أو أكثر من ساعة قبل بداية الاجتماع، وساعة تضيع أو أكثر بعد نهاية الاجتماع أو اللقاء؟ وليس من شرط كل اجتماع أن تمد فيه الموائد، ولو سئل المدعوون شيئاً من المال يشبعون وغيرهم جياع، يتقلبون على الجمر ويتلذذون باصطلاء النار وغيرهم يموتون في البرد والزمهرير؟ لو سئلوا شيئاً من المال -لعلهم ألا ينسوا إخوانهم في المجالس- لقال قائلهم: أدعوتنا لتكرمنا أم لتستجدينا وتسألنا؟ أقول أيها الأحبة: إن كان لا بد من اللقاء فليكن بحدوده، ولنتعود احترام الأوقات.
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أهون ما عليك يضيع
إن من الناس من يدعوك ليهينك ولا يكرمك! كيف؟ يدعوك بعد العشاء، فإذا انصرفت من المصلى إلى مكان الدعوة، نعست عيناك مراتٍ ومرات، وتمايلت رقبتك انتظاراً لضيفٍ أو ضيوف يدعون، تنتظر ساعة ونصف الساعة فإذا جاء الضيف أو من دعي القوم على شرفه بدءوا يقبلون ويدبرون ويخرجون، ثم خذ ساعة وساعتين بعد ذلك، هذه إهانة وليست كرامة، إن كنت تدعو أحداً لتكرمه فاحترم وقته، الدعوة في الساعة الفلانية، والعشاء في الساعة الفلانية، ومتى ما طاب لك الانصراف فانصرف، أما ما نفعله الآن فنحن والله نهين بعضنا، ونؤذي بعضنا، ويضايق بعضنا بعضاً، ما الذي يمنعنا أن نكرم أنفسنا وأن نحفظ أوقاتنا، وأن نعتني بها، فنجمع بين هذه وتلك، لا شيء يمنعنا سوى المجاملات، أما الذين لا يزالون يتلذذون بالسهر فسيأتي يومٌ يندمون على ما ضيعوه من الساعات.
إن الدقيقة لا يمكن أن تردها البشرية ولو اجتمع فيها الجن والإنس وكان بعضهم لبعضٍ ظهيراً.
إذاً أيها الأحبة: وداعاً لسهر الليل، وطلاقاً لسهرٍ لا فائدة منه، وهجراً لهذه المجالس التي ليس فيها إلا آخر الأخبار والقيل والقال وما لا فائدة منه أبداً، والعودة المبكرة إلى المنازل، العودة إلى الأطفال والذرية، العودة إلى الأولاد والزوجات، العودة إلى قراءة شيءٍ من القرآن قبل النوم، وقراءة كتابٍ قبل النوم، العودة إلى الطمأنينة في البيوت، إن من الناس من لا يحلو له بعد العشاء إلا أن يجوب الطرقات والدنيا، والأكل في المطاعم، والذهاب والغدوات والروحات، وما لا فائدة منه ألبتة.
والله لو طبقنا هذا، لوجدنا أثره في بيوتنا وأولادنا وزوجاتنا وتربية أبنائنا وأعمالنا وصحة أبداننا، وطاعة ربنا قبل ذلك، والقيام بأعمالنا في صبيحتها.
اللهم بارك لنا في أوقاتنا، وانفعنا اللهم بما علمتنا، وارزقنا اللهم العمل بما علمنا، اللهم ثبتنا على دينك إلى أن نلقاك، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم ولِّ علينا خيارنا واكفنا شرارنا، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مرضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته بمنك وكرمك يا رب العالمين.
اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم إنهم عراةٌ فاكسهم، اللهم إنهم جياعٌ فأطعمهم، اللهم إنهم ظمأى فاسقهم، اللهم إنهم حفاةٌ فاحملهم، اللهم إنهم مستضعفون فانصرهم، اللهم أنزل عليهم نصرك، وأنزل بأعدائهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم انصر المسلمين في أرومو وكشمير وطاجكستان، والفليبين وإريتريا، وفلسطين وفي سائر البقاع يا رب العالمين، اللهم عليك بالصرب، اللهم عليك باليهود، اللهم أحصهم عدداً، واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحدا، وأرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين، اللهم مكن لـ أهل السنة في كل مكان، اللهم مكن لأهل الحق في كل مكان، اللهم مكن لأهل الهدى في كل مكان، واقمع اللهم راية الكفر والزيغ والفساد والطغيان بقدرتك يا جبار السموات والأرض.
اللهم صلّ على محمدٍ وآله وصحبه.
стр. 209
يوم يقوم الناس لرب العالمين
إن الله قد ذكر يوم القيامة في كتابه الكريم، وما فيه من أهوال عظام، وقد بين النبي ﷺ لأصحابه حال الناس يوم القيامة، وما هم فيه غم وكرب، ذاكراً لهم شفاعته لهم لفصل القضاء بين العباد، وأخبر عما يكون من مشاهد ومواقف مع رب العالمين، كالحساب، والعرض، والجدال، وشهود الأعضاء، ونشر الصحف، وانتشار الفضائح وغير ذلك.
стр. 210
أهوال من يوم البعث والنشور
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجا ًوقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيءٍ فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، لم يعلم طريق خير إلا ودلنا عليه، وما علم سبيل شرٍ إلا وحذرنا منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠].
معاشر المؤمنين: إن لنا موعداً مع الأولين والآخرين، إن لنا موعداً مع السابقين واللاحقين، إن لنا موعداً مع الذين مضوا والذين يقدمون، سنجتمع نحن وإياهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، سنجتمع في يومٍ أمام رب العالمين، يوم ينزل الجبار للفصل والقضاء بين العباد: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] وفي ذلك اليوم: ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] وفي ذلك اليوم تطوى السماء كطي الكتب، ويقول الجبار : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
стр. 211
اضطراب الموازين
ذلك اليوم يا عباد الله: ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧] وكان ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:١٠] في ذلك اليوم: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] في ذلك اليوم ترى الولدان شيباً و ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
ذلك يوم الحاقة، ذلك يوم الواقعة، الخافضة، الغاشية، الرافعة.
ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] السماء تنشق وتنفطر، والنجوم تنتثر وتنكدر، والجبال تسير، والشمس تكور: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨].
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً * وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٢ - ١٠٨].
في ذلك اليوم يوم ترى الأرض بارزة، ويحشر الله الأولين والآخرين فلا يغادر منهم أحداً: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ﴾ يعني: جئتمونا حفاةً عراةً غرلاً: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٨ - ٤٩].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] الأرض تمد، وتلقي ما في جوفها وتتخلى عنه، وترج والأرض ترج، والنوق العشار تعطل، والقبور تبعثر، والنفوس تزوج، والصحف تنشر، ذلك يوم الفصل: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً﴾ [الطور:٩ - ١٠] ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] ذلك اليوم:
وقال كل خليلٍ كنت آمله لا ألهينك إني عنك مشغول
стр. 212
تشخص أبصار المجرمين ويقضى بينهم بالحق
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلاَّ لا وَزَرَ﴾ [القيامة:٧ - ١١].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] يوم تشخص فيه أبصار المجرمين والظلمة والطواغيت الذين آذوا عباد الله فتراهم: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم:٤٣ - ٤٤].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية:٢٨] ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٩] وأشرقت الأرض بنور ربها، وقضي بين الخلائق بالحق، ولا يظلم أحدٌ فتيلاً.
стр. 213
شفاعة النبي ﷺ في فصل القضاء
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ودعاء النبيين: يا رب! سّلَّم سَلِّم، وقد حل كربٌ، وبدا خطبٌ، وظهر أمرٌ عظيم، يجول الخلائق ويموج يومئذٍ بعضهم في بعض، فيفزعون إلى الأنبياء، يفزعون إلى أولي العزم من الرسل يسألونهم الشفاعة لهم ليخفف الله عنهم هذا الموقف والكرب والخطب في ذلك اليوم العظيم، فيتدافع الرسل هذه الشفاعة وكلٌ يقول: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قط قبله مثله) يتدافع أولوا العزم الشفاعة إلى أن تبلغ سيد الأولين، وإمام الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله ﷺ ، فيقول: (أنا لها، أنا لها) ذلكم المقام المحمود والوسيلة والدرجة العالية الرفيعة، فيخر ﷺ ساجداً عند عرش ربه، ويفتح الله عليه بمحامد لم يكن يعلمها أو يعرفها من قبل، حتى يقول الجبار جل وعلا: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيرفع النبي ﷺ رأسه، فيشفع ويقول: (يا رب! أمتي أمتي).
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] في ذلك اليوم لا ينفع الأغنياء غناهم، ولا الأثرياء ثراهم، ولا الملوك ملكهم، ولا الوزراء وزارتهم، ولا الأمراء إمارتهم، ولا كل صغيرٍ وكبير ينفعه ما كان عليه إلا من قام فيه بأمر الله، واستجاب فيه لشرع رسول الله ﷺ .
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] لا تنفع شفاعة أحدٍ لأحد: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه:١٠٩].
(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] نحن وإياكم واحدٌ من اثنين إما: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩] أو: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس:٤٠ - ٤١].
стр. 214
استلام الصحف باليمين أو الشمال
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٤٨ - ٥٠].
في ذلك اليوم حال كل واحدٍ منا يصفه الله فيقول: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤] ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤١ - ٧٢].
يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:١٧ - ٢٩].
стр. 215
اصطفاف الملائكة وندم المفرطين
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] يقوم الروح والملائكة صفاً صمتاً سكوتاً: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ:٣٨].
وفي ذلك اليوم: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤٢] ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة.
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر:٤٧ - ٤٨].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] يبعث الله من كل أمة شهيداً: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [النحل:٨٤ - ٨٥].
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ تجادل عن نفسها فقط، لا تجادل عن أمٍ ولا أبٍ، ولا خليلٍ ولا صديقٍ، ولا قريبٍ ولا شفيعٍ: ﴿يَومَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١].
следующие страницы →