← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

كلمة موجهة إلى الطلاب قبل الامتحانات الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة في دين الله ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها المسلمون: تحت سعير المونديال ولهيب بدعايته وسياطه المغرية المشغلة للطلبة عن الامتحانات والاستعداد لها، يوشك أو يستقبل أبناؤنا غداً موسماً حافلاً من الاختبارات والامتحانات، وهو مرحلة من مراحل التحدي لكل جيل وفي كل مرحلة وفي كل مجال، والذي نريده من شبابنا وأبنائنا أن يتقوا الله ، وأن يحتسبوا دراستهم ومذاكرتهم وطلبهم للعلم، وأن يتذكروا قول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتى لعاصي يا شباب الإسلام: عليكم بطاعة الله، عليكم بتقوى الله تفوزوا بعلم الدنيا والآخرة، تجنبوا المعصية فإنها من أسباب حرمان الرزق والعلم، وأحسنوا النية واجتهدوا وجدوا في الطلب، واصبروا وصابروا في كل مجال تدرسونه، في الطب أو الشريعة أو الاقتصاد أو السياسة أو الأنظمة، أو في أي مجال، احتسبوا ذلك عند الله ، ولا تجعلوا مقاصدكم محدودة في شهادة أو وظيفة، والأمة بأمس الحاجة إلى كثير مما تعلمون وما لا تعلمون، وإلى كثير مما تتعلمون وما لا تتعلمون، ولكن أملنا في الله الذي ما خاب من أمله أن يجعل فيكم البركة، وأن يسدد على طريق الخير خطاكم، وأن يعلمكم ما جهلتم، وأن يذكركم ما نسيتم، حتى نتجاوز مرحلة التحدي، ونقول للغرب: إننا أمة مسلمة منذ أربعة عشر قرناً والإسلام هو الإسلام، والقرآن هو القرآن، والسنة هي السنة، وما بقي إلا الرجال فهم في سبيل الجد والطلب والمثابرة والاجتهاد رحم الله فتىً قد هذب الدين شبابه ومضى يزجي إلى العلياء في عزمٍ ركابه مخبتاً لله صير الزاد كتابه وارداً من منهل الهادي ومن نبع الصحابه إن طلبت الجود منه فهو دوماً كالسحابه أو نشدت العزم فيه فهو ضرغام بغابه جاذبته النفس للشر فلم يبد استجابه متقٍ لله تعلو من يلاقيه المهابه رق منه القلب لكن زاد في الدين صلابه بلسمٌ للأرض يمحو عن محياها الكآبه ثابت الخطو فلم تطفِ الأعاصير شهابه جربته صولة الدهر فألفت ذا نجابه إن يقم يوماً خطيباً يسمع الصم خطابه أو يسر في الدرب يوماً أبصر الأعمى جنابه مسلم يكفيه فخراً أن للدين انتسابه نريدكم هكذا يا شباب الإسلام، واحتسبوا الأمر وأنتم تذاكرون وتستعدون لهذه الامتحانات، ونريدكم أيضاً -يا شباب الإسلام- أن ترتفعوا بأنفسكم إلى مستوى المرحلة، لا أن تقنعوا من المليار بالهلل، لا تقنعوا بعرضٍ حقيرٍ وحطام يسير لتعرضوا به عن جنة عرضها السماوات والأرض، نريد منكم الشهيد والمخترع، والمبتكر، والداعي، والمعلم، والذي ينفع الناس بعد أن ينفع نفسه وأهله وأمته. نريد من شبابنا أن يرتفعوا بأنفسهم إلى مستوى العلياء الذي يريده الإسلام منهم، وإنا لنحزن حينما نرى شاباً جل همه انتظار مكالمة من صديقته، أو جل همه انتظار موعد مقابلة مع حبيبته، أو جل همه أن يفوز بحطام يسير لا لينفقه في سبيل الله بل لينفقه على شهوته وملذته، إنا لله وإنا إليه راجعون! عظم الله أجرنا وأجركم في شباب هذا همهم وذلك ديدنهم! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم اهد شبابنا، اللهم اهد أبناءنا وبناتنا، اللهم وفقهم في امتحاناتهم، اللهم يسر لهم العلم النافع والعمل الصالح، اللهم يسر أمورهم، واشرح صدورهم، واحلل عقداً من ألسنتهم، اللهم يا حي يا قيوم اجعلهم هداة مهتدين نافعين للدين والمسلمين يا رب العالمين، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجمع اللهم شملنا وشمل حكامنا وعلمائنا ودعاتنا، ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسدا، اللهم صل على محمد وآله وسلم.

стр. 1507

الغزو الفضائي [١] إن أعداء الله من اليهود والنصارى قد غزونا إلى عقر دارنا، وداخل بيوتنا ومجتمعاتنا، وأدخلوا السم الزعاف من إلحاد وفسق وفجور وتمييع للمجتمعات وغير ذلك عبر الأطباق (الدشوش)، ولكن الأسى والحزن على بني قومنا الذين ظل بعضهم يدافع عن مثل هذه الأطباق، ويدعي أنه يريد معرفة الواقع، وآخر يقلد الغرب في كل شيء من أخلاق وصفات، ومأكل ومشرب، وملبس وهيئة، وآخر يعترف بجرمها وفسادها لكنه يدعي أنه لا مفر لأحد منها إذ لا بديل من ذلك!! ولكن لابد من الرجعة، وتصحيح الدين، وهجر هذه الأطباق والقنوات حتى نحافظ على أخلاقنا ومجتمعاتنا، وأسرنا المسلمة.

стр. 1508

فساد الأخلاق والانخلاع من الدين الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا شبيه، ولا مثيل ولا نظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا لله تعالى حق التقوى، فلا نجاة ولا سعادة، ولا فوز ولا فلاح إلا بها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]. أيها الأحبة في الله! كثيراً ما يشكو بعضُنا إلى بعض في المجالس والمناسبات المتعددة ما نشكو مصائب مفجعة، وحوادث مؤلمة في مجتمعاتنا، ونتفق بلا خلاف أننا في خطر، ولا نتنازع في وجوب الاهتمام والعناية؛ ولكن يبقى شيء واحد قل ما نتطرق له، ألا وهو الحديث بدقة وجُرأة وصراحة عن الأسباب بوضوح والعلاج: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]. ولو أردنا أن نتحدث بصراحة عن سبب من أسباب الدمار في المجتمعات المعاصرة اليوم، لقلنا: إن مجتمعاتنا الصغيرة، ومجتمعاتنا الكبيرة التي غزتها رياح التغريب والانحلال، وتعاودها أعاصير الإباحية، وزلازل التخريب والفساد، فتُحدث بين الفينة والأخرى، براكين مسعورة تقذف بحممها على بعض الأسر والبيوت. كل ذلك من نافذة لا نستطيع إغلاقها، ومن سقف لا نستطيع له سداً، إنها الحرب القادمة من الفضاء، حرب القنوات الفضائية التي هي أشد تنكيلاً، وأشد تخريباً، وأشد إفساداً من حرب الدبابات والطائرات. إنها الحرب التي تمنح طوائف ممن تقبلوها قبولاً حسناً، تمنحهم جنسية أعدائهم، وهوية من يودون عنَتهم، ولا يألونهم خبالاً، تصيرهم عبيداً لغير خالقهم، وأتباعاً لغير قادتهم، ومنتمين لغير مناهجهم وأفكارهم وأوطانهم، الكل ينادي ويصيح: الفضاء مملوء بالصور والكلمات، والعالم أصبح قرية صغيرة، وانتقال الأفكار والسلوك والعادات والمناهج أصبح أسرع من الريح، ويقابل كل ذلك الشر الوافد من تلك القنوات تهافت عند طائفة من الذين يتسابقون أيهم يجعل من عقله وذاكرته، ويجعل من عقول أبنائه وبناته وذاكرتهم، أيهم يجعل من هذه العقول مسرحاً ومرتعاً لذلك الإعلام الوافد، والخراب القادم. فترى بعضهم يباهي ويفاخر بعدد القنوات التي يستقبلها ذلك الجهاز والطبق دون تأمل وتبصر فيما تجنيه تلك القنوات على نفسه وزوجه وأولاده أولاً، وعلى المجتمع من حوله ثانياً من دمار وبلاء. إن السكوت على ضرر هذه الأطباق، أو ما تُسمى بالدشوش، وإن السكوت عن نصيحة المسلمين في شرها وخطرها، ربما عُد من الخيانة، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. أيها الأحبة! قد نستثني طائفة ممن تعنيهم وتهمهم بعض أمور تبثها بعض تلك القنوات؛ لاعتبارات أعمالهم ومهماتهم، وهم نزر يسير، ومع ذلك فهم محاسَبون عما يسمعون ويشاهدون في حدود ما تتطلبه مسئولياتهم؛ ولكن هل نرى كل من حولنا، من هؤلاء الذين ركَّبوا هذه الأطباق التي تفتح أحضانها لغزو الشهوات والشبهات القادم من الفضاء، هل كلهم من أصحاب تلك الاهتمامات، وتلك المواقع؟ الجواب الذي لا ينازع فيه منازع: أن لا، بل السواد الأعظم ممن ركَّبوا هذه الأطباق من الذين يقول فيهم القائل: ويقضى الأمر حين تغيب تَيْمٌ ولا يُستشهدون وهم شهودُ أيها الأحبة! ليس الموضوع هجوماً سافراً، أو تنديداً فاضحاً بالذين ركَّبوا هذه الأطباق أو المستقبلات، إنما هو حديث: (الدين النصيحة) وإنما هو حديث من القلب إلى القلب: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦]. تعالوا إلى كلمة سواء، مستحضرين كافة قوى العقل والتدبر والاعتبار، مستبعدين كل الأهواء، ودوافع الشهوات؛ لنتساءل، ولنتواصى، ولينصح بعضنا بعضاً، فإن الدين النصيحة، وليأمر بعضُنا بعضاً بالمعروف، وينهى بعضُنا بعضاً عن المنكر، فتلك صفات المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١].

стр. 1509

شبهة والرد عليها يا قومنا! يا أصحاب الأطباق! إما أن تقولوا أو نكون أول من يسأل: لماذا ركَّبتم هذه الأطباق؟ سيجيب طائفة كبيرة منهم قائلين: جعلناها في بيوتنا لمعرفة الأخبار لا غير. وتلك حجة داحضة، دخل الشيطان بها على كثير ممن وضعوا هذه الأجهزة في بيوتهم، فما وجدوا من أوقاتهم لتلك الأخبار إلا قليلاً، أما بقية ما يُعرض في هذه القنوات من أفلام ماجنة، ومسلسلات خليعة، وأغانٍ تعلم الشباب التخلف، وتعلم النساء الترجل والرذيلة، بقية العرض من تلك الأفلام أصبح من نصيب الزوجة والأولاد. فيا عارف الأخبار! فيا مهتماً بالأخبار! هل أغنت تلك الأخبار عنك من شيء؟ وهل أغنيت عن أحوال أهل تلك الأخبار من شيء؟ وهب أنك تابعت كل خبر، وكل شاردة وواردة، فهل استطعت أن تقدم أو تؤخر شيئاً؟ وحينما استطعت، هل فعلت شيئاً؟ أيها الأحبة! إن كثيراً ممن وضعوا هذه الصحون المستقبلة للبث ما كان حجتهم يوم أن وضعوها سوى قضية الأخبار، مع العزم والإصرار على حجب الأولاد والأسرة عن مشاهدة تلك القنوات، ولكن ما لبث الأمر أن تفلت من يد صاحبه، فما عاد صاحب الطبق الذي أدخل بيته يجد وقتاً للأخبار، وربما أصبح يبحث عن غير الأخبار، ولن أسمي قنوات جديدة فاضحة ضجت منها البيوت، وشكت منها النساء إلى الله خراب أزواجهن، وفساد أبنائهم، ومصيبة بناتهم فيها، انتقلت العدوى إلى البنين والبنات، خاصة المراهقين والمراهقات، فتسللوا لواذاً، واسترقوا النظرات، وتأججت غريزة حب الاستطلاع على هذا الجهاز الذي أسره والدهم في مجلسه أو حجرته إلى أن طغى الماء على الجارية، وتدفق الشر إلى أهل البيت؛ لأن بعض الذين أدخلوا هذه الأطباق إلى بيوتهم يقول أحدهم: إنما الجهاز في حجرتي، أو إنما الجهاز في مجلس معين، ولا يوجد في بقية المجالس، وحاله مع حال أولاده، وهو يدافعهم عن هذا الجهاز الذي أدخله، كقول القائل: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماءِ يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. ويقول ﷺ : (كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته). فيا أيها المسلم الكريم! إني على يقين مع وجود هذا الطبق وجهاز الاستقبال في بيتك، إني على يقين أنك لا تزال غيوراً على محارمك، محباً لخالقك، ونبيك، ودينك، ولا يسرك أن ترى أولادك أو بناتك يقلدون ما يرون في هذه القنوات، أو يتفرجون على مشاهد مخزية، أو صور خليعة؛ ولكن تبقى الشهوات والغفلة تقلبك بين التساهل بالأمر والتسويف في التخلص منه. لماذا لا تتخلص من هذا الجهاز، وأنت أدرى بحقيقة حاجتك إليه: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤]. والله إن هذا الجهاز ليس بشراب تشربه حتى تهلك من الظمأ إن عُدم من بيتك، وليس بطعام تأكله حتى تموت من الجوع لو أُزيل من بيتك، وليس بدواء فيه الشفاء حتى تموت من المرض لو أُخرج من بيتك.

стр. 1510

نجاح التغريب أيها الأخ المحب! لعلك ترى وتلحظ كثيراً من المراهقين في مجتمعنا أصبحوا في سلوكهم، وتصرفاتهم، بل وفي زيهم برهاناً ودليلاً قاطعاً على نجاح التغريب، أتدرون ما هو التغريب؟ أن تتعلق النفوس والقلوب والأفكار بالغرب وما فيه، وبما أنتجه، وبما صدَّره، وبكل رذيلة وفاسدة، مع بقاء هذه الأجسام حتى لو لبست زيها، أو تقلدت سمتها، إن هذا لأكبر دليل على نجاح التغريب عبر القنوات الفضائية، وإلا فبِمَ تفسرون ظاهرة تقليد الكثير من المراهقين وغيرهم لغالب ما يرون من الشاشة؟ فكم رأيتم وعُدوا وأحصوا في تجوالكم وفي أيامكم، في ذهابكم وإيابكم، في تجوالكم وتطوافكم، كم رأيتم من شاب من المراهقين خرج على غير عادة أهله، وسمت مجتمعه في سروال إلى ركبته، وقد لبس قميصه، يحمل من الشعارات والعبارات ما يفقه وما لا يفقه، ولا تنسَ تلك القبعة المضحكة، التي أصبحت اليوم تقليداً لبسه أغلب المراهقين، ولو لُبست بالأمس قبل أن يراها المراهقون على تلك الشاشات والقنوات لضحكوا على من لبسها، لكنها الآن لا تجد طفلاً صغيراً أو مراهقاً أو شاباً بالغاً إلا وقد لبسها إلا القليل، فيا سبحان الله! كيف يُصبح أولياء المهزوم والمذبوح والقتيل مغرمين بتقليد السفاح والمتسلط في هيئته، ولبسه وزيه؟ لو أن أحداً قتل قريباً من أقاربه، أو آذى ولداً من أبنائه، أو آذى أحداً من أقاربه لكرهت زيه وهيئته وما كان من خصوصياته، لو أن شخصاً بينك وبينه عداوة، لوجدت أن أبغض ما لديك أن تقلده أو تحاكيه فيما هو من خصائص شخصيته، فَلِمَ يقلد بعض شبابنا اليوم أعداءهم الذين يحتقرونهم ويبغضونهم، ولا يكفون عن تدبير المؤامرات لسلب ثرواتهم، وإضعاف شوكتهم؟! إن إيقاظ جذوة العداء النفسي عند المسلمين تجاه أعدائهم، من الأمور التي تحفظ على الأبناء تميزهم، واستقلال شخصياتهم. إن تبسيط مفاهيم الولاء والبراء لدى هؤلاء الناشئة، في المدارس وعبر الإعلام وغير ذلك، وغرسها في قلوبهم من أهم ما يحفظ على الأمة استقلال شخصيات أبنائها. إن إيحاء وتصريح المعلمين إلى الطلاب في تلك المراحل بأن أعداء الإسلام وإن ضحكوا أو هادنوا إلا أن الأحقاد الكامنة تبدو في فلتات الألسنة، وتقلبات المواقف. قد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هِيَ نحن لا نريد أن نضخم أعداءنا فنعطيهم أكبر وأكثر مما يستحقون من واقعهم وقدرهم؛ ولكن لا يجوز أن يُنسينا لين ملامس الأفعى عما في جوفها من السم الزعاف. إن الأفاعي وإن لانت ملامسها عند التقلب في أنيابها العطبُ

стр. 1511

أسر ومجتمعات دمرتها الأطباق هذا واحد من أخطار الغزو القادم عبر السماء في قوالب الصور والكلمات، ومن أخطاره المدمرة: إفساده للأسرة، فكم تلقينا، وكم قرأنا، وكم سمعنا، عديداً وعدداً من الشكاوى التي تحكي أسرة كانت آمنة مطمئنة، فلما دخل المشئوم عليها جعل عاليها سافلها، وبدل شكر نعمة الله فيها كفراً، وأحل أهلها الشقاق والطلاق؟! هذه امرأة غيور تبكي وتستنجد، من ينقذ زوجها من هذه العزلة التي اختارها لنفسه، أو اختارها مع شلته أمام ما يُسمى بـ (الدش) حتى الهزيع الأخير من الليل، والزوجة الحرَّى تطاول ليلها، واحلولك ظلامه، وزوجها مشغول عنها وعن أطفالها الذين قد ناموا، مشغول بتلك القنوات الجديدة، وبتلك القنوات القديمة، وعبر ما يُسمى بـ (الريموت كنترول) يتنقل من قناة إلى قناة، ومن وجه إلى وجه, ومن صدر إلى صدر، ومن ساق إلى ساق، ومن صورة ماجنة إلى حالة عارية، فما المخرج والبديل لتلك المرأة الحرَّى، التي تطاول ليلها، واحلولك ظلامه؟! إن كانت صالحة: جاهدت نفسها بذكر الله وطاعته، والتهجد، وقراءة القرآن، تدعو الله في ليلها الذي غفل فيه زوجها، تدعو الله أن يرد زوجها إليها رداً جميلاً. وإن كانت امرأة غير صالحة: أشغلت نفسها بمثل ما أشغل به زوجُها نفسه، وربما بما هو أسوأ من ذلك "ودقة بدقة، وإن زدت زاد السقا" "وكما تدين تُدان" فهل ترون في حياة كهذه سعادة أو حبوراً؟! لا أشك لو أن بين أيدينا إحصائيات دقيقة لرأينا تزايد نسب الطلاق، والفشل في الدراسة، والإخفاق في الوظيفة، وتوالي الأحداث، وأنواع الجرائم من السرقات والخطف والسطو، قد تزيد طرداً مع تزايد انتشار تلك الأطباق المستقبِلة للبث. نعم لا يخلو مجتمع من جريمة قلَّت أو كثرت؛ لكن الخط البياني للجريمة يرتفع ويعكس زيادة الجرائم كماً ونوعاً وكيفاً، بازدياد انتشار قنوات البث، وأجهزة استقبالها، فهل يبقى نزاع أو شك في أن تلك الأجهزة التي تستقبل البث قد جلبت إلى المجتمع أخطاراً متعددة؟ وهل يليق بعاقل أن يقبل ما يُفرزه وجود تلك الأجهزة من أخطار وأضرار أمام مصلحة أو فائدة يسيرة اسمها: أخبار، أو أسعار العملات والأسهم؟ وهل عُدمت أسباب الاطلاع على تلك الأمور أو الأخبار أو أسعار الأسهم والعملات إلا بطريق تخرب معها البيوت، وتُهدم الأسر، وذلك بهذه الأطباق؟! أيها الأحبة! ليس غريباً ولا عجيباً من رجل ولو في بيته جهاز الاستقبال وآلته أن يغضب وأن ينزعج، ولا يرضى حينما يرى غريباً يكلم أولاده وبناته حتى لو كان ظاهره الصلاح، حتى يعلم ولي البيت الذي في بيته الطبق ماذا يقول هذا الغريب لأولاده، وما نوع الحديث الذي يدور؟ وما مداه؟ وإلى أي قضية يتطرق؟ لكن العجيب المدهش أن ترى هذا الغيور على أهله وبيته يسمح للداخلين بغير استئذان، وهم ضيوف الشاشة من ممثلين ومطربين، وعارضات وراقصات، يسمح لهم بالخلوة مع أولاده الساعات الطوال، بل وفي كل عُصَير ومساء، فهلا تحركت تلك الغيرة لتطرد هؤلاء اللصوص بإبعاد هذا الطبق، أو هذا الدش عن البيوت؟! لقد نادى بعض الغربيين الذين لا يتمسكون بدين صحيح بإبعاد هذا الجهاز، وكتبوا، وحاضروا، وناظروا، مثبتين خطر تلك المستقبلات على عقول الناشئة، ومن ثم على الأسر والمجتمعات. لقد صرَّحت منظمة اليونسكو، وهي منظمة غربية بأن البث المباشر أدى إلى زعزعة عادات ترجع إلى مئات السنين، وممارسات حضارية كرَّسها الزمن، ولا يريدون أن يقولوا بصريح العبارة: إن البث المباشر قد أفسد على المسلمين دينهم وعبادتهم.

стр. 1512

مفكرون يصفون خطر الأطباق يقول أحد المفكرين: لقد خرج الاستعمار الفرنسي من شوارع تونس عام: (١٩٥٦م) لكنه عاد إليها عام (١٩٨٩م) إن هذا الاستعمار الفرنسي الجديد لم يرجع إلى الأسواق فقط، بل رجع ليشارك الناسَ في بيوتهم، وأسرة نومهم، ورجع ليقضي على الدين والأخلاق. كان المستعمر يقيم بين أهل تونس بغيضاً مكروهاً؛ لكنه رجع ليُستقبل بالحب والترحاب، كانوا ينظرون إلى المستعمر يمشي في شوارعهم، فيمقتونه، أما الآن فيتلذذون بمشاهدته وبالجلوس معه، إنه الاستعمار الجديد، استعمار القلوب، وليس استعمار الأرض، إنه يهدد الأجيال الحاضرة والقادمة، والبنين والصغار. ويقول الدكتور العبدان، أمين المجلس الأعلى للإعلام في هذه البلاد المباركة حماها الله وحرسها: إن البرامج الموجهة للصغار هي أكثر البرامج خطورة؛ لأن الطفل أكثر تعلقاً، وأسرع تأثراً، وأقل تمييزاً لِمَا يُقَدَّم من خلالها؛ لأن تأثيراتها السلبية قد يؤثر على سلامة العقيدة والسلوك. ويقول الدكتور حمود البدر عضو مجلس الشورى: إن الأبحاث والدراسات أثبتت أن بعض التلاميذ في البلاد العربية عندما يتخرج من الثانوية العامة يكون قد أمضى أمام التلفاز خمسة عشر ألف ساعة، بينما لم يقضِ في حجرات الدراسة أكثر من عشرة آلاف وثمانمائة ساعة على أقصى تقدير، إذا لم يتغيب درساً أو حصة واحدة. أيها الأحبة! ولو ذهبنا نسرد وننقل لكم ما قاله الغيورون، وما قاله المفكرون، وماذا قاله أهل الاختصاص عن خطر هذه الأطباق لطال بنا المقام؛ ولكن تبقى كلمة واحدة: من يستجيب، ومن يبلغه النداء إلى قلبه، فيبادر بجوارحه لإخراج هذا الطبق. أيها الأخ الحبيب! لا تتستر عن جيرانك برفع السور، أو وضع الطبق أقصى السطوح فإن الله يراك، وما يضرك وما عليك إذا رضي الله وسخط جيرانك؟ وما ينفعك لو رضي جيرانك وسخطَ الله؟

стр. 1513

نصيحة وتوجيه يا أيها الأخ الحبيب! لا تتوار عن القوم، وأنت تعلم أنك تدخل سماً زُعافاً إلى بيتك وإلى أولادك وأهلك، ولا تخادع نفسك. يا أيها الأخ الحبيب! بادِر بإخراجه قبل أن يكون تركةً تورَث بعدك، فيقال: مات فلان، وخلف دُشَّين أو طبقين. إن من المضحكات المبكيات، وما سمعناه، وما تأكدنا منه: أن رجلاً قد ملأ بيته بسبعة دشوش، بسبعة أطباق، كل واحد منها يجلب ألواناً وأنواعاً من هذه القنوات، فلما ضاقت السطوح بهذه الدشوش، طلب من جيرانه أن يسعفوه، بأن يُسْلِفوه سطحهم أو يؤجروه، لماذا؟ لكي يضع فيه مزيداً من الأطباق. يا خيبة هذه العقول! ويا خسارة عقول هؤلاء الذين لا يجدون فيها مجالاً أو مسرحاً أو ميداناً، إلا وترتع فيه هذه القنوات بسُمِّها، وفسادها، وخرابها، ومن ثم ينتقل إلى أولادهم. إننا لتدمى قلوبنا، وتتقرح أكبادنا حينما نسمع أن فلاناً بن فلان مات، وترك في بيته ثلاثة أطباق أو أربعة أطباق، هلك هالك عن زوجة وأولاد، وماذا ترك لهم؟ ترك دُشَّين أو ثلاثة، وترك مستقبِلات، وترك أسهماً وأموالاً، ذلك أمر مخزٍ أن تموت وقد تركتَ هذا. وخير لك أن تموت، وقد حجبت هذا الطبق عن بيتك ليُقال: هلك فلان عن ولد صالح، وصدقة جارية، وعلم يُنتفع به، هذا خير ما تموت عنه. أيها الأحبة! وثمة أخطار! وثمة أضرار بهذه المستقبِلات! وهذه الأطباق في الجوانب الأمنية، وفي الجوانب الاجتماعية، وفي الجوانب التربوية، وفي الجوانب التعليمية، تكون موضوعاً لخطبة الجمعة القادمة. أسأل الله بمنه وكرمه أن يهدي من وضعها لإخراجها عاجلاًَ غير آجل. اللهم اهدِ من وضعها، واشرح قلوبهم، وافتح على أفئدتهم بأن يتبصروا عِظَم الخطر الذي يوجد في منازلهم ليخرجوها عاجلاً غير آجل. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله! انظروا أنفسكم وناصحوا جيرانكم وأقاربكم، وبينوا لهم خطر هذا الأمر، خطره في الدين، وخطره في الدنيا، خطره على الزوجات، وخطره على الأولاد والبنات، خطره في كل جانب، وفي كل مجال وميدان، وما ضر الناس إذا غابت هذه الأجهزة عن بيوتهم؟! بل كثير من الناس لا يوجد في بيوتهم تلفاز أيضاً، ومع ذلك يأكلون ويمشون في الأسواق، وأولادهم يدرسون ويتخرجون وينافسون وينالون أعلى الأوسمة والدرجات والشهادات، لا كما يظنه البعض أن بيتاً لا يوجد فيه طبق فإن أهله يبقون متخلفين، تلك كلمة أو مصيبة أصبح البعض ينهزم أمامها لما يقوله بعض من ينتسبون إلى الثقافة، فيقول: إن بيتاً ليس فيه آلة، أو ليس فيه جهاز يطلع أهل البيت على واقع العالم من حوله يبقى بيتاً متخلفاً، وتبقى شخصيات أهله ناقصة. وهل هذا البيت سيحكم العالم؟ وهل هذا البيت سيربط العلاقات الخارجية والسياسات الدولية؟ وهل هذا البيت سوف يعقد اتفاقيات الجات؟ وهل هذا البيت سوف يعقد صفقات عالمية؟ أو يدخل في ترسيم حدود حتى يضطر إلى مثل هذه الأجهزة؟ لا والله؛ لكنها دعاوى؛ لكنها مداخل يدخل فيها الشيطان على كثير من الناس، حتى يتزين بها في بعض المجالس، فيقول: رأيتُ في القناة الفلانية ذلك البرنامج الذي قيل فيه، ورأيتُ البرنامج الفلاني في القناة الفلانية ذلك البرنامج الذي يقال فيه، وخير لك أن تقول: غضضتُ بصري عن كل شر، وحميت سمعي عن كل لفظ، وأسلمتُ قلبي لله رب العالمين، لا شريك له.

стр. 1514

الغزو الفضائي [٢] إن أعظم خطر يداهم الأمة في عصرها الحاضر، ويؤثر على أخلاقها وجيلها هو خطر هذه الدشوش التي نشرت السم الزعاف بين أبناء المسلمين؛ فأثرت على المجتمع في الملبس والمأكل والمشرب، والأخلاق والتربية وغير ذلك، ولكن ثمة مخرج وهو: إخراجها من البيوت وتكسيرها، وغرس المفاهيم الصحيحة بدلاً عنها، والتناصح بين أفراد المجتمع، وغير ذلك من الأمور.

стр. 1515

آثار الغزو الفكري على الفرد والمجتمع ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]. معاشر المؤمنين! مر بنا الحديث في جمعة ماضية عن خطر يقع فيه بعض إخواننا باختيارهم، ومرض يحل في أبدانهم بمحض إرادتهم، ذلكم هو خطر غزو الإعلام القادم الذي يتقبله بعض المسلمين بقبول حسن، وربما ترى وتسمع من بين هؤلاء من ينتقص أو يتهم الناصحين والمحذرين من شؤم هذه السموم الوافدة، يتهمهم بالرجعية أو التخلف، أو عدم مواكبة العصر والقدرة على فهم متطلبات الحياة المعاصرة، وحيث وعدنا بالحديث عن آثار هذا الغزو الفكري الإعلامي على جوانب عديدة في حياة الأفراد والمجتمعات فهاك ذلك.

стр. 1516

خطره على العقيدة فأولها خطره على العقيدة: (الخطر العقائدي): ذلك أن الحقائق المستقرة في نفوس الناشئين خاصة وغيرهم عامة، ذلك أن الحقائق المستقرة في نفوسهم عن ربهم، وعن الغيب، وعن النبوات، وعن الأديان، وعن الملل تتعرض للزعزعة، وتدخلها الشكوك والرِّيَب، بسبب ما يُعرض في تلك القنوات من مضامين متعددة، في قوالب الأفلام والمسلسلات والحوارات والندوات. ولقد علمتم وربما بعضُكم رأى أن حوارات تدور حول مُسَلَّمات العقيدة وتُطرح قضايا العقيدة، التي لا يجوز الشك والريب فيها للجدال والنقاش؛ لتصبح فرضيات ونظريات تقبل الرد أو القبول أو التطوير، مع كونها مُسَلَّمات لا يجوز أن ترد محل الخيار في القبول أو الرد، فأي خطر أعظم من هذا؟ في قناة فضائية عربية، عُرض فيلم هندي مترجم، ومن مشاهده الأليمة أن طفلاً لما رأى أخته الجميلة قد لدغها الثعبان، هرع مسرعاً إلى صنم، وأخذ يدعوه وينحني له، ويرجوه ويتوسل إليه أن يشفي أخته اللديغة، وإن لم يفعل هذا الصنم فالطفل يقول له -والعبارات بالعربية مكتوبة-: وإن لم تفعل فلن تُعبَد بعد اليوم، ثم عاد هذا الطفل إلى أخته ليجدها قد أفاقت وسلمت من شر الثعبان، وليستنتج الطفل المشاهد أن الصنم قد أجاب الدعاء، وكشف كربة أخته، ودفع المرض والسم عنها، فعاد الطفل إلى الصنم مرة أخرى، وقال له: سأظل أصلي لك شكراًَ على ما فعلت لأختي. أيها الأحبة! تأملوا ما في هذا المشهد من المصائب الخطيرة: أولها: الكفر بالله . ثانيها: دعاء لغير الله، واعتقاد أن المخلوق يقايظ أو يهدد الخالق إن لم تفعل لم أفعل، وإن فعلتَ فعلت. أي خطأ أعظم من هذا؟ أن تتعرض حقائق الربوبية الربوبية التي آمن بها كفار قريش، وهؤلاء يعرضونها في طفل يعبد صنماً، ويهدده إن لم تفعل لم أفعل، وإن فعلتَ فعلت، إن لم تشف أخته لم يعبد، وإن شفيت أخته عبد!! أي ضلال أعظم وأخطر من هذا؟! هذا غيض من فيض المشاهد التي تدعو صراحة إلى عبادة غير الله، واللجوء إلى غير الله، وعدم الثقة بالخالق، واتخاذ الوسطاء مع الله، فهل من غيور يخاف على ذريته الشرك، فيبادر بإخراج هذا الجهاز وذاك الطبق؟! لقد تصور كثير من الأطفال تصورات غريبة عن الرب والإله المستحق للعبادة وحده لا شريك له، من خلال تَجسيم تلك الأفلام، وتشبيهها، وتقريبها صورة الخالق بصفات المخلوق، أو تصوير المغيبات التي لا يعلم حقيقتها إلا الله، بصور تفسد مقاصد الرهبة منها، أو الترغيب فيها، ناهيك عن نسج العجائب والقصص عن الأنبياء، أما تعويد نفوس الناشئة على صور الصلبان، ومشاهد الكنائس والطقوس الشركية، فذلك أمر بات معهوداً في جل ما تعرضه تلك القنوات، ولا تسل عن تحبيب الكفار والمجتمع الكافر والأسرة الكافرة إلى نفوس ناشئتنا عبر تلك المشاهد والمواقف التي تحكي السعادة المزيفة، والأنس والحيوية الوهمية من قبل أبطال تلك الأفلام والبرامج، وربما قارن المشاهدون حياة الكفار بحياتهم فوجدوا بَوناً شاسعاً بين التمثيل وما هم فيه من بعض المشكلات، فلا يلبث أحدهم أن يتمنى أن يعيش بين الكفار، ثم يحتقر من حوله من المسلمين؛ لأوهام ما رأى، أليس هذا هدماً للولاء والبراء. أين البراءة من الكافرين؟ وأين الولاء للمسلمين، والله يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١]؟! والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:٧٣] إلا تفعلوا ولاءً أعظم من هذا، إلا تحققوا ولاءً بينكم، كما يحقق الكفار ولاءً بينهم: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣]. فهل يدرك هذا الخطر إخوانُنا وأحبابنا الغيورون على دينهم وعقيدة أبنائهم، فيبادروا بإبعاد هذا الجهاز وإزالة هذا الصحن؟!

стр. 1517

تقليد الكفار في اللبس وغيره قلتُ في خطبة ماضية: إن من المشاهد المؤلمة التي أصبحت ظاهرة في كثير من الطرقات والأسواق، مشاهد بعض الشباب الذين قلدوا الكفار في لبس قبعة، وذلك اللباس الذي تقسم أنك رأيت مثله يرتديه أبناء الغرب وشبابهم في بلدانهم، ولا أقول: إن لبس القبعة حرام؛ لكن لبسها على وجه مشابهة الكافر، وتقليد الكافر هو الحرام، فقد أُمرنا وسُن لنا وشُرع في ديننا أن نخالف الكفار. إليك تعدو قلقاً وضِيْنُها معترضاً في بطنها جنينُها مخالفاً دينَ النصارى دينُها أيها الأحبة في الله: يا من يضعون هذه الأطباق في بيوتهم، ويستقبلون ما يعرضه الغرب عبر تلك القنوات! هل رأيتم الغربيين يقلدونكم في لبس ثيابكم، وغُتَركم، وعباءاتكم، أو أي أمر من طبيعة مجتمعكم؟! الجواب لا. بل إن الغرب يجعلون زيكم شعار الجريمة، ويجعلون سمتكم عنوان التخلف في أفلامهم ومسلسلاتهم، فتراهم كثيراً ما يعرضون الزي العربي وزي المسلم، يعرضونه على حال رجل مشغوف بالجواري والنساء، يعبث بالأموال ويسرف بها، يعبث يميناً ويساراً بالمخدرات، متسلط بالسطو والجريمة. فاسأل نفسك: من المهزوم ومن المنتصر؟ من الذي يقلد الآخر منهما؟ لو قدر لك أن تخالط أحد المنهزمين لأي سبب من الأسباب، لوجدت تقليداً أعمى في كثير من الأمور، لا لشيء سوى أن الغربي يفعل ذلك. كثير من الفتيان والفتيات اليوم يرقصون ويسمعون ويسهرون ويلبسون ويخرجون ويتحدثون ويتصرفون، بل ويتخذون الكلاب، ويؤيدون الغرب في سلوك حياتهم المرفوضة ديناً وعقلاً، ويفعلون ما يفعله الغربيون، لا لنسب ولا لسبب، سوى الهزيمة أمام هذا الغزو القائم القادم. أما الأثر الثقافي الذي أحدثته تلك القنوات الفضائية: فحسبك أن تعلم أن نسباً كبيرة من الطلاب قد انحدروا في مستوياتهم التعليمية إلى حد يعجز الكثير منهم عن المواصلة في المجالات النافعة المثمرة والبناءة. ولا غرابة في ذلك فقد أثبتت الإحصائيات أن كثيراً من الطلاب اليوم يجلسون أمام الشاشة في متابعة القنوات أكثر من جلوسهم في مقاعد الدراسة. لقد أصبح حتى الكفار يشكو بعضهم من غزو بعض؛ لما رأوا من تأثر شبابهم بما يُعرض في تلك القنوات، على الرغم من تقاربهم في شتى المجالات، ومع ذلك باتوا يشكون هذا الأمر، والخطر على الثقافة والتعليم؛ أفترون أننا بمنأىً عن ذلك الشر؟ لقد وقف رئيس فرنسا وزعيمها يشكو إلى الجماهير من خطر الأفلام الأمريكية، وتسلط المسلسلات الأمريكية على الشباب الفرنسي، ويصيح غاضباً: لماذا استولى الفكر والثقافة الأمريكية على التقاليد الفرنسية؟ بات الكفار يشكو بعضهم من بعض. إننا لفي أشد خطراً، وأولى بالحذر مما يقع. لقد أنتجت هذه القنوات جيلاً غريباً، صاغت القنوات الإعلامية فكره، وحددت مساره وثقافته، غالبهم حصرته في الفن والرياضة والأفلام والتمثيل، لقد أنتجت تلك القنوات جيلاً ليس له جلد على البحث والقراءة، أو التطبيق والتجربة أو المشاهدة والاستنتاج. فيا أيها الغيور! هل ترى ذمتك بريئة في وضعك لهذا الدش وأنت ترى فيه ضياع مستقبل أولادك العلمي والثقافي، في وقت أصبح الحصول على مقاعد الدراسة بالجامعات من صور النجاح التي لا تُنال إلا بالدرجات والمستويات العالية؟! فهل ترى هذا الجهاز يقرب فرص النجاح والقبول لأولادك أم لا؟

стр. 1518

آثار الغزو في جانب التربية أما آثار هذا الجهاز من جهة التربية: فثق أن من يتابع هذه القنوات من أهل بيتك إما صالح تفسده، وإما فاسد تزيده، وإما بريء تعلمه، وكلها شرور وظلمات بعضها فوق بعض. فهل يسرك أن تجعل طبيعة وسلوك وسمت أبنائك وأسرتك يتكيف بما يرون ويشاهدون في هذه القنوات؟ من أين تعلم الأطفال والشباب الجريمة في بيت ليس فيه مجرم؟ لقد علمهم الدش. من أين تعلمت الفتاة الجرأة على هتك الحياء والاستهتار بالعفاف؟ لقد علمها الدش. تشكو أمٌّ من الأمهات فاجعتها في بُنَيَّتها الصغيرة التي تبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، لما اكتشفت الأم أن الطفلة الصغيرة تعاكس بالهاتف رجلاً كبيراً. فمن علم هذه الطفلة؟ إنه الدش. من علم المرأة الإعراض والتكبر والنشوز على زوجها، والإمعان في هذا الإعراض، ومناقرته نقار الند للند، بعد أن كانت مطيعة قاصرة الطرف؟ إنه الدش. وما الذي جعلها تهمل أولادها وبناتها لتشتغل بما رأت، أو بآثار ما رأت في ذهاب وإياب لا طائل وراءه ولا نتيجة بعده؟ بل ما الذي علم بعض النساء والرجال أساليب الخيانة الزوجية، وسبل إخفاء الجريمة؟ إنه البث المباشر الذي قاد بكثيرين إلى الزنا، الذي قاد بالكثيرين إلى الخنا، الذي قاد بالكثيرين إلى الفاحشة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] والدش اليوم من الأساليب التي تقرب إلى الزنا.

стр. 1519

تطور أساليب الجريمة إن من آثار هذا الغزو القائم والقادم: تطوُّر أساليب الجريمة، وانتشار مجالاتها. لقد كانت الجريمة بدائية بسيطة سرعان ما تنكشف للأدلة الواضحة التي يخلفها المجرم وراءه. أما الآن فقد تعلم كثير من المجرمين أساليب جديدة، منها ما يعتمد على التفكير المسبق، والتخطيط الدقيق، ومنها ما يعتمد على الفن والتقنية؛ لذا شاع وانتشر عند بعض المجرمين أساليب جديدة في السطو على المنازل، وسرقة السيارات، وترويج المخدرات، هذا مع إدراكنا وعلمنا أن بلادنا هذه ولله الحمد أقل البلدان على وجه الأرض من حيث وجود الجريمة ونوعها؛ لكن هذا لا يمنع من خطر الغزو القادم في هذا المجال، والتأثر به، ولو لم يكن من خطر هذا البث سوى تصدير أنواع الأفلام التي لا تمر على الرقابة الإعلامية، ومن ثم بيعها وترويجها، لكان كافياً في إفساد أمن المجتمعات وأخلاقها. وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتماً وعويلاً إنما الأمم الأخلاق ما بقِيَتْ فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا لقد أشارت إحصائيات أُجريت في أسبانيا إلى أن (٣٩%) من الأحداث المنحرفين قد اكتسبوا أفكار العنف من مشاهدة الأفلام والبرامج العدوانية. وذكر بحث عن السلبيات في التلفاز العربي أن (٤١%) ممن أجري عليهم الاستبيان يرون أن التلفاز يؤدي إلى انتشار الجريمة و (٤٧%) يرون أنه يؤدي إلى النصب والاحتيال. لقد تعلق بعض الشباب بالسفر إلى الخارج لما رأوا من مشاهد وصور خدعتهم بزيفها وبريق باطلها. فظن بعضهم أن السعادة والأنس في تلك البلاد التي رآها عبر تلك القنوات، سيما وقد رأى صور النساء الفاتنات في الدعاية، يدعونه ويُغرونه، ويغمزون ويضحكون له في الشاشة؛ للسفر إلى تلك البلاد. فلا تعجب يوم أن ترى بعض الشباب يعمل مدة، ثم لا يجد بعدها شيئاً يدخره أو يجمعه، لقد أنفق كل ما ادخره بلا اختيار، تحت سياط الدعاية الملحَّة؛ لإخراجه من بلاده الآمنة المطمئنة، إلى بلاد يجد فيها الخنا والفساد والخمور؛ حيث لا رقيب ولا حسيب.

стр. 1520

صور مما تجني المجتمعات من الدشوش ثم حدث ولا حرج -أيها الأخ الغيور- عما يعود به المهزوم الذي سافر إلى تلك البلدان بقصد الخنا والفساد، تحت وطأة تلك الدعايات المفسدة للأخلاق والحياء والعفة! فكر بما يعود به ذلك المهزوم المنحرف الذي قضى وقتاً طويلاً في تلك البلاد، بين جنبات الغانيات, وبين صور الخنا، وبين صور الفساد! يقول المفكر الأمريكي بلومر، في بيان خطورة التلفاز الأمريكي على الأمريكيين، يقول: إن الأفلام التجارية التي تنتشر في العالم تثير الرغبة الجنسية في معظم موضوعاتها، كما أن المراهقات من الفتيات، يتعلمن الآداب الجنسية الضارة من الأفلام. وقد ثبت للباحثين أن فنون التقبيل والحب والمغازلة والإثارة الجنسية والتدخين يتعلمها الشباب من خلال السينما والتلفاز. وقام الدكتور ريتشارد الأمريكي، بدراسة مجموعة من الأفلام التي تُعرض على الأطفال عالمياً فوجد أن (٢٩%) تتناول موضوعات جنسية و (٢٧%) تتناول الجرائم و (١٥%) تدور حول الحب الفاسد. وأنا أقول للذين يضعون الجهاز وطبق الاستقبال: اسألوا أنفسكم: كم نسبة مئوية من مسلسلات أو برامج تربوية، أو هادفة أو بناءة تعرضها تلك القنوات؟ أيها الأحبة! لِمَ نصر ونكابر ونعمد بإصرار على إهلاك أولادنا وبناتنا؟! لِمَ نتعمد طعن قلوب أبنائنا؟ لِمَ نتعمد هتك حياء وعفاف بناتنا؟ لِمَ نصر على بقاء هذه الأجهزة في بيوتنا؟! ألسنا نكد ونكدح من أجلهم، ونجمع المال لننفق عليهم، ونسهر إذا أصابهم مس أو ألم أو مرض؟ لماذا نعارض أنفسنا؟ لماذا نناقض أنفسنا بعد هذا كله؟! ثم بعد أن نعتني بلباسهم وعافيتهم وصحتهم وتعليمهم ندخل مجرماً يطعنهم في وجوههم، ومن خلف أظهرهم. أيها الأحبة! بِمَ تفسرون تعلق بعض الشباب والشابات -والمراهقين خاصة- بشخصيات أقل ما تستحق عند اللقاء الركل والبُصاق، وأقل ما تستحق عند السماع الاشمئزاز والإعراض من أولئك الذين يسمَّون بالنجوم؟! لا شك أن البث المباشر هو الذي صنع لهم هذه القمم الشمعية التي تذوب عند أدنى حرارة في مواجهة بين الحق والباطل. إننا أمة لنا تاريخ مجيد، فيه صفحات مشرقة، مملوءة بمواقف حقيقية، وليست كرتونية، وليست مواقف في خدع سينمائية، بل هي مواقف حقيقية؛ فجدير بشبابنا أن يتشبهوا بالقمم السابقة في الحق والجهاد، والبطولة والإباء. ولكن يا للأسف! لقد استطاع هذا البث أن يرضيهم بالبديل عنها، جعله في الثرى مكان الثريا، والقبر مكان الصدر، والتبعية محل القيادة. ومن خلال النقل المباشر يتعرف أولئك الشباب على الشخصيات العالمية التي تسمى بارزة في مختلف الأنشطة أو النجومية، ويتأثروا بها غاية التأثير، ويتعلق قلبه بها، ويحاكيها في سلوكياته المنحرفة، فكم تأثر من شباب بالشاذ الذي يسمى: (مارادونا) وكم تأثرت فتاة وفتى بالذي يُسمى: (مايكل جاكسون) في شذوذهم وفي تعاطيهم للمخدرات، وفي رقصهم، وفي عبثهم؟! أليس في القوم رجل رشيد؟! لقد أفسد هذا البث على الأسرة والمجتمع روابطه وأواصره التي كانت متينة في كثير من المجتمعات، فهل ترضى أن يظل هذا البث عندنا أو في بيوتنا حتى يصيبنا ما أصابهم من التمزق والتفكك؟ إن ضعف العلاقات الأسرية، وتضييع حقوق الوالدين والأرحام والجيران، وبروز الأخلاقيات الفردية السيئة من الأنانية وضعف الروح الجماعية، وضعف التعاون والتكافل الاجتماعي، وظهور المشكلات الزوجية، والتأخر في الزواج، وتفشي العزوبة والعنوسة، وتفشي الطلاق، ومحاربة تعدد الزوجات، والتعارف والصداقة، صداقة الفتى بالفتاة قبل الزواج، والتشجيع على ذلك، وتأثر المرأة المسلمة بتقاليد المرأة الغربية من الاهتمام بالأزياء العالمية، والحرص على صرخات وصرعات الموضة، وأنماط حياة الغرب، والإعجاب بعاداتهم، لَمِنَ الأمور التي أفرزها وجود هذه الأجهزة، ووجود هذه المستقبلات، وكل ذلك قد تزايد بنسب عالية بالتزامن مع قدوم الغزو المباشر، عبر تلك القنوات الفضائية. أيها الأحبة! لقد أصبح مشاهَداً ملحوظاً على كثير أو على بعض المنهزمين ممن يتابعون قنوات البث المباشر أن البث والإعلام القادم قد اختص بنصيب الأسد من ساعات المشاهد، ولا شك أنه يعرض أنماطاً وعقائدَ وقيماً وسلوكاً وتعاملاً وأخلاقاً لا تمت إلى دينه أو مجتمعه أو قيمه بأدنى صلة؛ اللهم إلا العداوة والبغضاء. لقد أصبح هؤلاء يرون كل بث وإعلام قادم بعين الإعجاب والمتابعة، وأما النافع من إعلام بلادهم والجيد منه فلا يرون له اعتباراً أو قيمة. نسأل الله أن يردهم إلى الحق رداً جميلاً. نسأل الله أن يوقظ في قلوبهم جذوة الغيرة، وجذوة الفهم، وجذوة الإدراك لخطر هذه الأجهزة الموجودة في البيوت، وأن يدفع عنا وعنهم العناد والإصرار على المعصية. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1521

شبهة والرد عليها الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراًَ إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله! قد يقول كثير من الناس، وقد يقول بعض المثقفين، وقد يقول كثير من المتعلمين: ليس كلامك هذا وصراخك ونواحك حلاً جذرياً لمشكلة البث المباشر والقنوات الفضائية، أن تقول للناس: أخرجوه من بيوتكم، بل لا بد من التحدي والمواجهة، وهذا كلام فيه تخليط وتقريب بين الخطأ والباطل، وذلك أن مواجهة الشر لا تكون بقبول الشر، وإنما تكون أولاً برفضه وإبعاده، وتكون بأخذ الوقاية منه والتحذير من شره؛ حتى لا يقع الناس فيه وهم يشعرون أو لا يشعرون، وبعد ذلك التصدي له بجهد نعده ونصدره، لا أن نجعله في بيوتنا، ونجعل أولادنا وبناتنا وزوجاتنا وأطفالنا يتفرجون عليه، ثم نقول: إن مواجهة البث المباشر لا تكون بإخراجه من البيوت. نعم إن سلامة أبنائنا وزوجاتنا وبناتنا من خطره تكون بإخراج هذه الأجهزة من البيوت أولاً، ثم نتصدى للبث المباشر بإعلام آخر، وبفكر آخر: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣]. كثيراً ما سمعتُ هذه الكلمة في حوارات ومناقشات وفي جلسات يقول أحدهم لناصح أو لغيور: كلامك هذا فيه عاطفة إسلامية، وفيه غيرة جياشة؛ ولكن لا تظنن -يا أخي- أن الوقاية من خطر البث المباشر تكون بإخراجه من البيت، ثق أولاً، واعلم قبل كل شيء أنك مسئول عن نفسك، ثم من ولاك الله أمره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. فأول ما نريد منك أن تسلم من خطر البث المباشر في نفسك، وأن تدفع عن أولادك خطره وأن تسلمهم من شره بإذن الله، لا أن تجعله في بيتك، ثم تقول في الأندية والمقالات والمناسبات: لا تكون السلامة من الخطر إلا بفكر آخر، أو بطريق آخر، وهو موجود في بيتك! أبعده أولاً، أخرجه من بيتك أولاً، ثم بعد ذلك نفكر كيف نغزو هذا الإعلام في ذاته. إن مُكِّن لنا ساعات من البث المباشر نُلقي فيها من المحاضرات والدروس والندوات؛ حتى ولو كانت المحاضرة بين فيلمين ومسلسلين ومشهدين، لا يمتنع أن يكون الخير في وسط يحارب فيه الشر، ولو كان الشر محيطاً به من كل جانب، لا يمنع أن نستأجر ساعات من تلك القنوات لنبث فيها فكراً إسلامياً، ولنفند فيها أباطيل وشبهات، لا يمنع أن تكون عندنا قناة إسلامية لنجعل بثها من أوله إلى آخره لتفنيد ذلك الشر الوافد، والأفكار المسمومة. أما أن نجعله في بيوتنا، وأن نوزعه في المجالس وغرف النوم على أولادنا وبناتنا، ثم نقول: إن مواجهة الخطر المباشر أو البث المباشر لا تكون بالسب والشتم وإخراجه من المجالس، لا، إخراجه من المجالس يجعلنا في مأمن على أولادنا وفي طمأنينة على بناتنا وزوجاتنا، ثم محاربتُه ولو كانت هذه المحاربة في ذات قنواته، وأنتم تعلمون أن المجتمع الغربي خاصة، وكثيراً من هذه القنوات العربية أيضاً هي تجارية محضة، فلو دفع لها من المال ما يغريها لقبلت أن توجد من بين بثها ومن بين برامجها برامج ربما كانت داحضة ومبطلة لما يبثه أصحاب تلك القنوات، وأصحاب تلك البرامج. إذاً أيها الأحبة! هذه الحيلة لا تنطلي علينا، فقول البعض: ليس الحل إخراجه من البيت خطأ، بل السلامة والعافية والصحة والنجاة بإذن الله بإخراجه من البيت، هذا فيما يتعلق بشخصك وأبنائك. وأما فيما يتعلق بعموم الأمة، فذلك بأن نغزو، وأن نجاهد هذا الإعلام، إما بقنوات نصدِّرها ونبث منها، وإما بأن نستأجر من تلك المحطات، أو نشارك فيها بقدر ما استطعنا، فكلمة حق تقذف بالباطل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١].

стр. 1522

كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته أيها الأحبة في الله! إن من أهم الأمور التي ندفع بها هذا الخطر: أن نعود إلى الله عودة صادقة، وأن نتذكر: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:٨] إن الرجعى إلى الله، وإن المآل إلى الله، وإن المنتهى إلى الله، فماذا نفعل أو نقول، أو نُبدي حجة أو عذراً حينما يسألنا الله : ماذا فعلتم بهذه النعم التي بين أيديكم؟ اجعلوا الله بين أعينكم، وراقبوه في أفعالكم وتصرفاتكم. ثم إن من الأمور التي ندفع بها هذا الشر: أن يهتم كل واحد منا ببيته، وأن يحذر على أولاده وأسرته: (كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته). إن غاية الاهتمام والعناية بالولد لا تقف عند كونك تربيه أو تعالجه، بل إن كنت تريد أن تستفيد منه فاجعله ولداً صالحاً يدعو لك: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث منها: ولد صالح يدعو له) أتخلف ولداً صالحاً يدعو لك وأنت قد جعلت الأفلام والقنوات بين ناظريه منذ طفولته؟! أتخلف ولداً صالحاً يدعو لك وأنت قد أسلمت له الزمام والقيادة فذهب كيفما شاء، وارتحل كيفما اتفق؟! إنها لمن أعظم المصائب! وإن التفكير الجاد، وإنها دعوة لأولي العقول والمخترعين والمكتشفين والنابغين من المسلمين، أن يفكروا بكل جدية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، أن يفكروا في إيجاد أجهزة أو اختراعات تشوش على هذا البث، وتمنع من شره وخطره. إن هذا داء (وما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه, وجهله من جهله) وإنا نقول بإذن الله: ما عقمت عقول أبنائنا الشباب الذين برزوا في الطب، والهندسة، والذرة، والهندسة النووية، وفي شتى المجالات، ما عقمت ولن تعجز بإذن الله عن اكتشاف ما يشوش على هذا بإذن الله ومنه، خاصة إذا استحضروا التقوى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. ثم إن المناصحة، والمكاتبة، والمراسلة، والزيارة لأولئك الذين تهاونوا بهذه الأطباق، وجعلوا هذه الأجهزة في بيوتهم، ومناصحتهم غاية النصيحة لمن أهم الأمور. إننا لنفزع ونتحرك ونبادر حينما نرى رجلاً أهمل زوجته، أو نبادر حينما نرى آخر في ذمته دين وهو يقدر على سداده فيماطل، ونبادر حينما نرى خطراًَ على أحد لنناصحه، فلماذا لا نناصح أصحاب هذه الأجهزة في بيوتهم؟! لِمَ لا نزورهم فرادى وجماعات؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦] ادخلوا عليهم، واسألوهم وقولوا لهم، وردوا وأجيبوا بالحسنى والحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن. يقول سماحة العلامة الشيخ: محمد بن صالح بن عثيمين في خطبة له ألقاها في يوم الجمعة: (٢٥/ ٣/١٤١٧هـ) قال فيها: إن النبي ﷺ يقول: (الرجل راعٍ في أهله، ومسئول عن رعيته) وعلى هذا فمن مات وقد خلف في بيته شيئاً من صحون الاستقبال -الدشوش- فإنه قد مات وهو غاش لرعيته. ولهذا نقول: إن أي معصية تترتب على هذا الدش الذي ركبه الإنسان قبل موته فإن عليه وزرها بعد موته، وإن طال الزمن وكثرت المعاصي. فاحذر أخي المسلم أن تخلف بعدك ما يكون إثماً عليك في قبرك، وما كان عندك من هذه الدشوش فإن الواجب عليك أن تكسره؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا في وجه محرم غالباً، لا يمكن بيعه؛ لأنك إذا بعته سلطت المشتري على استعماله في معصية الله، وحينئذ تكون ممن أعان على الإثم والعدوان، وكذلك إن وهبته، فأنت معين على الإثم والعدوان، ولا طريقة للتوبة من ذلك قبل الموت إلا بتكسير هذه الآلة (الدش) التي حصل فيها من الشر والبلاء ما هو معلوم اليوم للعام والخاص. ثم يمضي فضيلته قائلاً: احذر يا أخي أن يفاجئك الموت وفي بيتك هذه الآلة الخبيثة، احذر احذر احذر فإن إثمها ستبوء به، وسوف يجري عليك الإثم بعد موتك. نسأل الله السلامة والعافية. أيها الأحبة! إذا علمنا أن هذا خطره، وقلنا وبيَّنا فيما مضى أن الذين تلزمهم طبيعة أعمالهم أو مهماتهم أو درجاتهم ومناصبهم الأمنية والسياسية أن يتابعوا ما يلزمهم متابعته، أو يفترض عليهم متابعته، فإن ذلك ليس بعذر لبقية الناس، ولبقية بعض الذين وضعوه لا لشيء إلا للشهوات، أو النظر إلى الشبهات، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ثم اعلموا -عباد الله- أننا ننتظر من الله الفرج في إنزال الغيث من السماء؛ ولكننا نغفل أن من بيننا من يستقبل هذا البث وأن فينا من يتعاطى الكبائر، وأن فينا من غصب الحقوق ولم يرد المظالم. فالله الله بالتوبة إلى الله ، وإن كثيراً من المسلمين يستقبلون تلك المصائب والمنكرات برضىً وطيب نفس، كأنهم أمنوا مكر الله , ونسوا لقاءه وحسابه، إن الله يمهل ولا يعاجل العقوبة بعباده. فاحذروا يا عباد الله سخط الله وعذابه، وتأملوا حال السلف وحذرهم من المعصية، حتى أن بعضهم قال: [إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله من الموبقات] أي: من المهلكات. اللهم وفق واهد وأصلح أولئك الذين وضعوا هذه الأطباق في بيوتهم إلى إخراجها. اللهم أصلح ذرياتهم، واهدهم واهدنا جميعاً، وأعنا وإياهم على الحق بإخراجها، والبراءة من المنكر في إبعادها وتحطيمها. اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم لا تمنع عنا الغيث بالربا، أو المنكرات، أو المعاصي، اللهم إن عَظُمت ذنوبنا فإن فضلك أعظم, وإن كثرت معاصينا فإن فضلك أكثر وأكبر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، لا غنى لنا عن رحمتك، ولا غنى لنا عن فضلك ومنك وجودك وكرمك، يا من رحمتك وسعت كل شيء. اللهم اسقنا غيثاً هنيئاً مريئاً مغيثاً سحاً طبقاًَ مجللاًَ نافعاً غير ضار. اللهم اسق العباد، والبهائم، والبلاد، واجعله اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، يا رب العالمين! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجمع اللهم شملنا وعلماءنا وحكامنا، واهد اللهم ولي أمرنا، ومتعه بالصحة والعافية على طاعتك، واجمع شمله وإخوانه وأعوانه، وسخر له ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل اللهم ذلك في عز دينك وإعلاء كلمتك. اللهم ثبتنا على طاعتك إلى أن نلقاك، وتوفنا على أحسن حال يرضيك عنا. اللهم إنا نسألك عيشة هنية، وميتة سوية، ومرداً إليك غير مخز ولا فاضح، يا رب العالمين! اللهم صلِّ على محمد وآله وأزواجه وصحبه.

стр. 1523

الغفلة في حياة الناس الغفلة داء معنوي يصاب به الناس، فلا يروق لهم سماع الموعظة، ولا التفكر في الموت أو الآخرة، والمشكل في هذا الداء أن المصابين به لا يشعرون به، بل ويظنون أنهم في حال حسنة. وفي هذه المادة بيان لمظاهر الغفلة، وبعض أسبابها، والمواطن التي ينتبه فيها الإنسان من غفلته. كما وردت في ختام هذه المادة بعض الأمور التي تعتبر علاجاً للغفلة، وبعض الأمور التي تحتاج إلى التفكر فيها.

стр. 1524

غفلة الناس عن المواعظ الحمد لله القائل عن أهل الغفلة: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة في الله! الحديث عن الغفلة وواقعنا في الغفلة، وحينما نتحدث عن الغفلة لا نخاطب أقواماً خارج المساجد فقط، أو بعيدين عن حلق الذكر ورياض الجنة، بل نخاطب أنفسنا الغافلة، وعقولنا التي تشتت بها أمور الدنيا وذهبت بها كل مذهب، لعلنا أن نعالج أنفسنا قبل أن نعالج غيرنا، ولعلنا أن نعظ أنفسنا قبل أن نعظ غيرنا، فحاجة القلوب إلى المواعظ والزواجر كحاجة النبات إلى الماء إذا انقطع عنه الماء مات. أيها الأحبة! إن طائفة من إخواننا المسلمين لا يجعلون لتعهد إيمانهم ومراقبة حياة قلوبهم وقفات أو جلسات كما يجعلون الأوقات الطوال لأمور معيشتهم ودنياهم، وكثير منهم يحبون الحديث عن الرجاء والرحمة والمغفرة والجنة فقط، أما الحديث عن الغفلة والخوف والنار وسوء الخاتمة وعاقبة الذنوب والموت والقيامة وأهوال الحشر فلا ترى الكثيرين يحبون الحديث عن ذلك. بل لقد سمعنا هذا مراراً من أقوام إذا ذكروا بالله وخوفوا بعذابه وعقابه، وخوطبوا بالتذكر والتدبر لآيات الله وكلام رسول الله ﷺ ، والذي فيه الاستعداد قبل الممات، والاستدراك قبل الفوات قالوا: هذا شيخ متشائم! وهذا شيخ عباراته قاتمة! وليس عنده عبارة فيها بشارة أو تفاؤل! لا يحدثنا إلا عن الموت، عن الصراط، عن القبر وعذابه، عن الحشر وأهواله، عن سوء الخاتمة، عن خطر الحرام ماذا تشتهون من المواعظ؟ يقولون: حدثنا عن الرحمة الواسعة، حدثنا عن المغفرة الشاملة، حدثنا عن الجنة، حدثنا عن الوعد ولا تحدثنا عن الوعيد. وذلك أمر خطير إذ الحق والشرع والدين أن يتحدث عن ذاك وذاك، عن الخوف والرجاء، والمغفرة والعقوبة، وعن الجنة والنار.

стр. 1525

الإعراض عن معرفة الآخرة والاهتمام بمعرفة الدنيا فيا أحبابنا! ينبغي أن نقف وقفات تلو وقفات، فإن تكلمنا عن نعيم الجنة فلنتحدث عن عذاب النار، وإن تكلمنا عن البشائر والتفاؤل فلنتحدث عن الخطر والتغافل، إن حرصنا على الدنيا ومعرفتنا بها بلغ حداً لا يوصف، أما شأن الآخرة فكثير منا قد جمع فيه بين الجهل والغفلة، يقول الحسن البصري: [والله لبلغ من أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم والدينار على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي]. معاذ الله، وعياذاً بالله، ونلوذ بالله ونلتجئ به أن نكون ممن قال الله فيهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا: يعلمون أمر معاشهم كيف يكتسبون، وكيف يتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون، ومتى يحصدون، وكيف يعيشون ويبلون، أما شأن الآخرة فهم عنها ساهون وبها جاهلون، لا يتفكرون فيها ولا لأجلها يعملون.

стр. 1526

إنكار الناس لغفلتهم نرى كثيراً من إخواننا هداهم الله ينزعج من الكلام عن قضية الغفلة، ولا يحب طرح هذا الموضوع، بل ربما بادرك برده قائلاً عاجلاً: ألست ترانا نصوم ونصلي فعن أي غفلة تتحدث؟ لا إله إلا الله! ويا سبحان الله! لقد عظمت هذه الغفلة حتى حجبت الكثير عن التفكر والتدبير، نحن في غفلة عن الآخرة، والحساب قريب: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]. فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قريب ستندم أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم أهل الدنيا في غفلة، ونحن نعيش غفلة بالغة في دنيانا، ويردنا ويبعدنا ويوقظنا من سبات الغفلة أمثال هذه المجالس، حلق الذكر ورياض الجنة التي بإذن الله يجد الذين ضلت قلوبهم منها بغيتهم، والذين فقدوا رقة وشفافية أفئدتهم يجدونها في هذه الأماكن، حيث تغشى السكينة، وتحف الملائكة، وتتنزل الرحمة، ويذكر الله هذا الملأ فيمن عنده بمنه وكرمه ومشيئته. أيها الأحبة في الله! نحن في غفلة عظيمة، وأهل الدنيا عموماً في غفلة، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] فأهل الدنيا في غفلة، روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل أهل النار النار، وأدخل أهل الجنة الجنة يجاء بالموت كأنه كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟! قال: فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. ثم ينادي مناد: يا أهل النار أتعرفون هذا؟! فيشرئبون وينظرون، وكلهم قد رأوه، فيقولون: نعم، هذا الموت. فيؤخذ ويذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود ولا موت!، ويا أهل النار خلود ولا موت! فذلك قول الله تعالى: ((وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ)) [مريم:٣٩] قال: أهل الدنيا في غفلة) رواه البخاري ومسلم والنسائي. كان عمر بن عبد العزيز ﵀ يتمثل بهذه الأبيات: أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم وكيف يطيق النوم حيران هائم فلو كنت يقظان الغداة لحرقت مدامع عينيك الدموع السواجم نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم يغرك ما يفنى وتشغل بالمنى كما غر باللذات في النوم حالم وتشغل في ما سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم

стр. 1527

الدنيا أهم أسباب الغفلة نحن في غفلة عظيمة، غفلة في الدنيا عن الآخرة، وذلك -وايم الله- جماع المصائب وبؤرة الحرمان، وقال ﷺ في هذا: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) رواه ابن ماجة وابن حبان والإمام أحمد ﵏. الذين يتشاغلون وهم في غفلة لأجل ماذا هذه الغفلة؟ ولأي غاية هذه الغفلة؟ تجد جواب الحال إن لم يجيبوا بلسان المقال، تجد جواب الحال: أن غفلتهم من أجل دنياهم. وما علموا أن اشتغالهم بأمر الدنيا يشتت عليهم أمورهم، ويجعل الفقر بين أعينهم، ولا يزيد لهم في قسمة الله التي قسمها لهم من أرزاقهم، ولو أنهم جعلوا الهم والغاية والمنى والقصد في مرضاة الله لجمع لهم كل ما تشتت، وجعلت الدنيا تتبعهم رافضة ذليلة تلحقهم، وتكفل بشئونهم وأمورهم، وكما قال ﷺ : (من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به هموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك) رواه الحاكم وأبو نعيم في الحلية. يقول ابن عباس ﵄: [ما انتفعت بعد رسول الله ﷺ منفعتي بشيء كالذي كتب به إلي علي بن أبي طالب ﵁ إذ قال: أما بعد: فإن المرء يسره درك ما لم يدركه فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فات منها، وليكن همك لما بعد الموت].

стр. 1528

أهم الأمور التي نغفل عنها أيها الأحبة! نحن في غفلة عن يوم القيامة وما ينتظرنا فيه، ونحن في غفلة عن القيامة أو عن أول أحوال القيامة ألا وهي سكرات الموت وأهواله ومطلعه، يقول تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢] والمعنى: لقد كنت في غفلة من هذا اليوم، كنت في الدنيا في غفلة عن ذلك اليوم فكشفنا عنك غطاءك: ذلك الران، وذلك الغطاء الذي كان على قلبك وسمعك وبصرك، فبصرك اليوم حديد: أي نافذ تبصر ما كنت تنكره في الدنيا.

стр. 1529

الغفلة عن الآيات الشرعية والكونية ونحن في غفلة -يا عباد الله- عن آيات الله ، وكما يقول ربنا سبحانه: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٩٢] الآيات الكونية والآيات الشرعية التي توجب الاعتبار والتدبر والادكار والتفكر، التي توقظ من سنة الغفلة، ونحن عنها غافلون إلا من رحم الله وقليل ما هم ذلك، ونحن في غفلة عن آيات الله ، ومعاذ الله أن تبلغ بنا الغفلة إلى أن تكون غفلة كاملة مستحكمة تامة كما غفل الكافرون عن آيات الله ، فجمعوا بعداً وقنوطاً من الآخرة، ورضىً بالدنيا وطمأنينة بها، وهم بعد ذلك وقبله في غفلة عن آيات الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨]

стр. 1530

غفلة الإنسان عن نفسه وذنوبه الغافل عن نفسه، والغافل عن ذنوبه، والغافل عن أعماله يجمع المصائب تلو المصائب، وبلايا مع البلايا، وفتناً مع الفتن، وعظائم مع العظائم، وهو لا يدري ما تجمع عليه وما تحصل له من سوء عاقبة ما اجترحت يداه، ونطق به لسانه، ومشت إليه قدماه أو نظرت إليه عينه، أو سمعته أذنه، لا يبالي أأصبح مطيعاً أم عاصياً، أمضى ومشى إلى طاعة الله أم إلى معصيته، إلى حلقة ذكر أم إلى جلسة لهو، إلى مجلس عبادة أم إلى مجلس فسق وباطل، إلى مجلس حلال أم إلى مجلس حرام، أولئك الذين غفلوا عن أعمالهم فلا يحاسب الواحد نفسه قبل أن يخرج: إلى أين؟ ولأجل من؟ وما هي العاقبة؟ وما الخاتمة؟ وما النتيجة؟ أولئك هم الغافلون. الذين يتذكرون، الذين هم أصحاب القلوب الحية والسليمة يسائلون أنفسهم في كل حركة وخطوة وكلمة وصمت وذهاب وإياب وغدو ورواح: ماذا أرادوا بهذا؟ ولأجل من؟ وما الغاية؟ وما الطريق؟ وما النتيجة؟ وكيف العاقبة؟ وهل يباعد من الله أم يقرب منه؟ أما الغافل والجاهل وأما المنافق فهو لا يبالي بذلك أبداً، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: [إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به: هكذا] رواه البخاري ومسلم موقوفاً عن ابن مسعود. وقال ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاًُ يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) رواه البخاري ومسلم. فيا سبحان الله! ممن تراهم يكابرون ويصرون ويعاندون وينكرون أنهم في غفلة، تقول لهم وتحذرهم وتخوف نفسك وإياهم من الغفلة فيقولون: وأي غفلة تتحدث عنها؟! وأي غفلة تخوف الناس منها؟! وأي غفلة تصيح بها في كل ناد وفي كل واد؟! وتقول للناس: أنتم في غفلة. الناس في خير، والناس على كل خير، والناس إلى خير، فأي غفلة تتحدث عنها؟ عن أشباح في الظلام، أم عن شياطين وهمية؟ ما هي هذه الغفلة التي تتحدث عنها؟ وذلك من أعظم المصيبة: ألا يعلم الغافل أنه في غفلة كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] إنهم في نسيان وينسون أنهم في نسيان، وذلك هو العذاب المضاعف، وذلك هو البلاء المركب. أو ما ترون -يا عباد الله- البث المباشر يعرض ألوان الفساد في البيوت وينكر الكثيرون أنهم في غفلة، الغناء واللهو ينعق في دور كثير من المسلمين ليل نهار وينكرون أنهم في غفلة، أولادهم في حالة يرثى لها من سوء التربية وسوء الأخلاق وينكرون أنهم في غفلة، نساء وبنات غاديات رائحات متبرجات متعطرات في الأسواق وينكرن أنهن في غفلة، ويعاندون ويكابرون أنهم في غفلة! إن لم تكن هذه هي الغفلة، وإن لم تكن المعصية هي الغفلة فبم نسمي هذه الغفلة؟ نسميها القربات؟ نسميها الدرجات؟ نسميها المسابقة إلى الخيرات؟ نسميها المنافسة إلى الصالحات؟ لا إله إلا الله ما أشد جدلنا! وما أعظم إعراض المعرضين والغافلين! ولا حول ولا قوة إلا بالله! ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩].

стр. 1531

ضرورة المبادرة باليقظة من الغفلة نعم -أيها الأحبة- الذين هم في غفلة وينكرون أنهم في غفلة متى يستفيقون؟ ومتى يستيقظون؟ ومتى ينتبهون؟ ينتبهون إذا حلت المصائب بدورهم، وتربعت بين أظهرهم، ونزل الخوف وتسربلت به أيديهم وأقدامهم وأرجلهم، وفصل على أبدانهم، إذا ذاقوا لباس الخوف والجوع بما كانوا يصنعون، إذا رأوا عاقبة ما كانوا يفعلون أدركوا بعد غفلتهم أنهم كانوا في غفلة، وقد كانوا يجادلون ويكابرون وينكرون أنهم في غفلة، ولا يحبون الناصحين، ولا يحبون من يقول لهم: إنكم في غفلة. عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج) رواه الإمام أحمد وغيره.

стр. 1532

غفلة الناس عن ذكر الله الغفلة عظيمة، وحسبنا الغفلة عن ذكر الله، إن كثيراً منا وإن عد نفسه من الأخيار والصالحين لا يذكر الله في غالب أحيانه، وإنما نصيب الذكر من أوقاته، ونصيب الذكر من حالاته نصيب قليل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩] الخاسر: الذي يغفل عن ذكر الله، المغبون: الذي تضيع أيامه وتضيع لياليه وسنواته وأشهره وساعاته وأوقاته، قد شغل بكل قيل وقال وكل غاد ورائح، وقد شغل بما لا يعنيه إلا ما كان من ذكر الله ، الذي يهمه وينفعه في الدنيا والآخرة فتراه مشغولاً عنه ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهل يعجز أحد عن ذكر الله؟ تلكم العبادة التي جعل الله فيها أجوراً كثيرة في جارحة صغيرة بحركة يسيرة، تلكم العبادة العظيمة الجليلة، لا تعجز عن ذكر الله، ولا تعجز المسلمة عن ذكر الله في كل أحوالها، لا يعجز الجميع عن ذكر الله غادين أو رائحين، قائمين أو قاعدين، مضطجعين أو يتحركون، مصبحين أو ممسين، في كل أحوالهم، والله لو كان الذكر بحركات الأيدي لخلعت الأيدي، ولو كان الذكر بحركات الأقدام لكلت عن المشي، لكن الذكر بحركة اللسان، بأصغر جارحة، وبأيسر جارحة، وبأهون حركة في أيسر جارحة، أن تحرك لسانك قائلاً: لا إله إلا الله، سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر، أستغفر الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، تستغفر ربك وتدعوه وتناجيه فيكتب لك ذلك. وفيه من الأجر العظيم ما الله به عليم، تمحى به السيئات، وترفع به الدرجات، وتحيا به القلوب، ويكون حرزاً لك من الشيطان، لا يصيبك مس، لا يصيبك سحر، لا تصيبك عين، ولا أذى: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، مائة مرة كان كمن أعتق عشرة من ولد إسماعيل، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة خطيئة، وكانت حرزاً له من الشيطان سائر يومه ذلك) بنقل جبال؟ بنقل بحار؟ بمشي أميال؟ بصدقة أوزان الجبال من الأموال؟ لا، حركة يسيرة على جارحة صغيرة، بهذا اللسان الذي لو جعلنا آلة تحصي حركاته وتحصي كلماته وتحصي حروفه لوجدنا أننا تكلمنا ملايين الكلمات أو مليارات الكلمات، ولو أحصينا ما نطقنا به من ذكر الله وطاعة الله وتسبيح الله وتهليله وتحميده وتكبيره لوجدنا أقل القليل من ذلك ما كان في ذكر الله . يقول ابن القيم ﵀ في الوابل الصيب: الذكر أصل موالاة الله ورأسها، والغفلة أصل معاداة الله ورأسها، فإن العبد لا يزال يذكر ربه حتى يحبه الله فيواليه، ولا يزال العبد في غفلة عن ربه حتى يبغضه الله فيعاديه. فيا حسرة الغافلين عن ذكر الله! يا حسرة الغافلين بالملاهي! ويا حسرة الغافلين بالأغاني! ويا حسرة الغافلين بالأفلام! ويا حسرة الغافلين والغافلات بالمسلسلات في القنوات الفضائية عبر الدشوش وغيرها! إن بعض المسلمين -هداهم الله- منذ أن يصبحوا إلى أن يمسوا وهم في غفلة، وهم في لهو عن ذكر الله ، البيت مملوء باللهو، والسيارة مشغولة باللهو، والمجالس مشغولة باللهو، فأخبروني بالله عليكم متى يتذكر أولئك؟ إذا بلغت الروح الحلقوم متى يتذكر ذلك؟ إذا حلت المنية متى يتذكر أولئك؟ إذا عجز عن الذكر وأصبح مقهوراً عاجزاً حاسراً بعد أن كان قادراً، أحسن إذا كان إمكان ومقدرة فلا يدوم على الإحسان إمكان

стр. 1533

غفلة الناس في مجالسهم لقد حذرنا نبينا ﷺ عن الغفلة عامة، وحذرنا عن الغفلة بالمجالس، واعلموا أن كل مجلس لم يذكروا الله فيه إلا عدوا من الغافلين، وكان مجلسهم شاهداً عليهم في الغفلة، قال ﷺ : (ما من قوم يقومون من مجلسهم لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة) رواه أبو داود والحاكم. وقال ﷺ : (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا لله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما، ومعنى: (إلا كان عليهم ترة): أي تبعةً وحسرةً وندامةً يوم القيامة. فيا أيها الأحباب! إذا علمنا أن المجالس، أن العلاقات، أن الجلسات، أن اللقاءات ستكون حسرات وندامات ما لم يكن ذلك في طاعة الله ومرضاته، ما لم نطرد الشياطين ونعطر القلوب والأسماع والحاضرين بذكر الله وبالصلاة على نبيه ﷺ ، وهل يضيرنا أي اجتماع اجتمعناه، وأي لقاء التقينا فيه، هل يضيرنا قبل أن نبدأه -أياً كان- أن نستفتحه بآيات من كلام الله، وأن نعلق عليه بحديث رسول الله ﷺ فيجتمع لنا خير المجلس، وخير الكلام، وطيب الدعاء، ثم بعد ذلك نفيض فيما نشاء أن نفيض فيه من أمور دنيانا، أيضيرنا ذلك؟ أيعجزنا ذلك؟ لا والله، لكنك تعجب يوم أن يكون الذكر ثقيلاً على الأنفس، فإذا استفتح جالس من الجالسين مجلسة وقال: أيها الحضور أيها الأحباب أيها المجتمعون حتى لا يكون المجلس ترة، حتى لا يكون حسرة، حتى لا يكون ندامة دقائق نستفتح بها هذا المجلس بكلام الله وكلام رسوله ﷺ ، رأيت كثيراً أو رأيت بعض الجالسين يشمئزون ويزورُّون وتدور أعينهم كما تدور أعين الذي يغشى عليه من الموت يا سبحان الله! ولو كان الحديث أوله وآخره وأوسطه وقلبه وقالبه وباطنه وظاهره في سخافات وفي هراء، وفي ما لا تحمد عاقبته لقهقهوا وضحكوا، وطال المجلس إلى ساعات طويلة حتى يرتفع النهار أو ينتصف الليل، ولا يبالون ولا يعدون ذلك شيئاً، ولا يعدونه أمراً ثقيلاً، لكن إذا قام قائم أو ابتدأ متكلم وقال: يا معاشر الأحباب! يا معاشر الحاضرين! في هذا الزواج، في هذه المناسبة، في هذه العقيرة، في هذه الوكيرة، في هذا اللقاء، قبل أن نفيض في شأن دنيانا وعلاقاتنا نبدأه بذكر الله ، وجدت منا من تدور عينه، ووجدت منا من يزوَّر بوجهه، ووجدت منا من يتأفف مم تتأفف؟ أما تخشى أن تكون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]؟ أي غفلة استحكمت في المجالس اليوم؟ أي غفلة استحكمت في اللقاءات اليوم؟ حتى بلغ الأمر إلى درجة أنهم لا يذكرون الله فيها؟ بل يعترضون ويتأففون ممن يدعوهم إلى ذكر الله .

стр. 1534

الغفلة خسارة عظيمة أين نحن ممن أوصاهم النبي ﷺ وحذرهم من الغفلة كما أخبر ﷺ في وصيته لـ عبد الله بن عمر ﵄ لما أخذ الحبيب بمنكبه فقال له: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: [إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك] لقد غبنا، إننا نخسر خسراناً مبيناً ونخسر خسراناً عظيماً، والله لو أن الواحد إذا جاء يستلم راتبه أو يستلم أجرته أو يستلم ما يتقاضاه من أجر على عمل أنقص له من أجره وراتبه شيء لجحظت عيناه، وشخص بصره، واشرأب عنقه، واشتد حنقه، وانتفخت أوداجه، واحمر وجهه غضباً على ما نقص من حطام الدنيا من أجر أو متاع قليل، ولكننا نخسر خسارة عظيمة، صفقات خطيرة تضيع منا ونخرج متضاحكين، ونخرج ساهين، ونخرج لاهين، لقد استحكمت فينا الغفلة حتى إننا لنغبن غبناً واضحاً ثم لا ندري ما الذي حل بنا. أي غبن وأي صفقات نخسرها من الصحة والعافية ومن الفراغ؟ يضيع منا الكثير منه في غير طاعة الله ، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري. أرأيتم صحيحاً سخر عافيته وجلده وقوته ونشاطه لطاعة الله أيعد مغبوناً؟ لا وايم الله، ولكن الكثيرين من الأقوياء يسهرون ويتعبون، ويجعلون أوقاتاً مخصصة محددة بكل دقة لتخفيف الوزن ولرفع الأثقال، ولكمال الأجسام، ولبلوغ الأرقام القياسية في تنمية عضلات الزند وعضلات الفخذ وتقوس الظهر وعضلات البطن وعضلات الصدر، وينفقون على ذلك أموالاً وأوقاتاً ولا يذكرون الله فيها، ومع ذلك لا يرى أنه ضيع شيئاً، هذه العافية بدلاً من أن تكون في طول القيام وطول القنوت وطول الخشوع وطول التذلل والانكسار لله ، الجلد، الحيوية، القوة، الشباب ما صرفت في صيام النهار، وما صرفت في قيام الليل، وما صرفت في قضاء الحوائج، ولا في شفاعة للمسلمين، ولا في إغاثة للملهوفين، ولا إعانة للمحتاجين، ولا كفالة للأيتام، ولا إعالة للأرامل، ولا قيام على المساكين في ماذا؟ كثير من الشباب جعلها في العدو والركض والسباق، وكمال الأجسام وحمل الأثقال والسير على الجهاز والعدو على الدراجة الواقفة وغير ذلك. إننا لا نحرم أن تنمي بدنك، وأن تعتني بصحتك، وأن تتعاهد قوتك، ولكن انظر الفرق العظيم والبون الشاسع بين ما تجعله لبدنك، وما تجعله لطاعة ربك: يا خادم الجسم كم تسعى لراحته ضيعت عمرك فيما فيه خسران أقبل على الروح فاستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان إن كانت النفس والقلب وإن كان الفؤاد والعقل يحمل هماً في طاعة الله ومرضاته، والاشتغال بعبادته والخوف من عذابه فتلك والله نفس إنسان، وإن كانت نفساً لا هم لها إلا الأكل والشرب والنكاح والنوم فتلك نفس بهيمة إذ البهائم تشاركه في هذا.

стр. 1535

موقفان يتنبه فيهما الغافلون لقد استحكمت فينا الغفلة حتى فاتتنا غنائم كثيرة فلم نسخر هذه الغنائم في طاعة الله ونيل مرضاته، بهذه الغفلة -أيها الأحبة- فاتتنا غنائم الحياة فلم ننتبه إلا عند الموت، وفاتتنا غنيمة الصحة فلم ننتبه إلا عند المرض، وفاتتنا غنيمة الفراغ فلم ننتبه إلا عند الانشغال، وفاتتنا غنيمة الشباب فلم ننتبه إلا عند الهرم، وفاتتنا غنيمة الغنى فلم نفق إلا حال الفقر. قال ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان. ولذا يتفطن الغافلون إلى هذه الغفلات ولكن متى ينتبهون أنهم كانوا في غفلات، وكانوا في أمر مريج، وفي أمر عجيب في غفلتهم، في تضييع هذه الأمور مجتمعة؟ ينتبهون في موقفين: الموقف الأول: في ساعة الاحتضار يعلم الغافل أنه كان غافلاً، الغافل الذي ضيع وقته وشبابه وعافيته وفراغه وصحته متى يعلم أنه غافل؟ الغافل الذي كان يكابر ويعاند في هذه الغفلة متى ينتبه؟ عند ساعة الاحتضار، عند هجوم المنية، إذا بلغت المنية منه مبلغها: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] في هذه اللحظة يعلم أنه غافل ويستفيق ويصرخ: (رَبِّ ارْجِعُونِ) أريد العودة، أريد الرجعة (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ) فيرد بكل زجر وتوبيخ (كَلَّا) لا مرد ولا رجعة، ما بعد هذا إلا حياة برزخية، مضى وفات وانقضى زمن العمل وأنت في زمن البرزخ، إما أن تكون في حسرة فتقول: رب لا تقم الساعة، وإما أن تكون فرحاً جذلان مما ترى من كرامات الله وفضله ومنه، وروح من الله وريحان فتقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة. ينتبه الغافلون في ساعة الاحتضار فيقول أحدهم: ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠] ولم لم تتصدق يوم كنت تدعى إلى الصدقة وكنت غنياً؟ ولم لم تتصدق وأنت تدعى إلى أداء الزكاة والأموال تملأ حسابات البنوك بأرصدتها؟ ولم لم تتصدق وأموالك تئط أطيط الرحل من كثرة الأرصدة؟ ولم لم تتصدق وكنت قادراً على الصدقة من قليل أو من كثير؟ أما إذا جاء الموت: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠] و الجواب ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١١] هذا هو الموقف الأول يتذكر فيه الغافلون أنهم في غفلة، في ساعة الاحتضار. والموقف الثاني الذي يتذكر الغافلون أنهم في غفلة: هو موقف الآخرة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] الصيف ضيعت اللبن! إنا موقنون الآن! موقنون الآن بعد أن قامت القيامة! موقنون الآن بعد أن تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم! موقنون الآن بعد أن جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة! لا ينفع اليقين حينئذٍ، كان اليقين نافعاً في حياة الدنيا، يوم أن كنتم تؤمرون وتنهون وأمامكم فرصة للعمل وفرصة للكسب والسعي في طاعة الله ، لذلك يتذكر الغافلون فيقولون: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] هيهات هيهات انتهى زمن العمل وفات. يقول أبو سليمان الداراني: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير طاعة الله لكان خليقاً أن يحزنه ذلك إلى الممات فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله؟! كيف من يستقبل ما مضى من عمره من الغفلة يستقبل بقية العمر بمثل الغفلة السابقة؟!

стр. 1536

نفور الناس من ذكر الموت فيا أحبابنا سؤال يسأله كل واحد منا نفسه: لماذا هذه الغفلة؟ وكيف حلت بنا هذه الغفلة؟ وما السبيل إلى العلاج من هذه الغفلة؟ لقد حلت الغفلة واستحكمت لما نسينا الموت ونسينا أو تناسينا أو تشاغلنا أن كل نفس ذائقة الموت، الموت بشديد أهواله وأهوال كربه وما فيه من كربات وسكرات وغصص نسيه كثير من المسلمين وتناساه، بل وكما قلت: كثير منا لا يحب أن يتحدث في مجالسه عن الموت، بعض المجالس إذا استفتحت الآية وأردت أن تذكر فيه بقول الله ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧] ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢] قالوا: أف يا شيخ ما هذا الكلام؟!! ما تستفتح إلا بالموت! ما تتكلم إلا عن الموت! ما كأن أمامنا إلا الموت! والله أمامك الموت، الموت أمامك والموت ينتظرك، لقد أخذ ملوكاً قبلك ورؤساء وأنبياء، وأعزة ونبلاء وأجلاء، وأغنياء وفقراء، فلم تنزعج من ذكر الموت؟ هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب لا بد أن تركب هذه الآلة الحدباء، ولا بد أن تغسل، ولا بد أن تكفن، ولا بد أن تدفن، ولا بد أن تترك، ولا بد أن تودع في هذه الحفرة الضيقة وفي هذا اللحد المظلم، تكره أن نحدثك عن مصيرك؟ أولست تحب من يكون صادقاً معك في تجارتك؟ ألست تحب الطبيب الذي يكون صادقاً ماهراً حاذقاً في تشخيص دائك ومرضك؟ فلماذا تكره الواعظ، أو تكره الداعي، أو تكره المذكر، أو تكره أخاك الذي يذكرك بحقيقة ما أنت مقدم عليه؟! نعم، الموت يكدر عليك أغنيتك، والموت يكدر عليك فيلمك، والموت يكدر عليك مسلسلك، والموت يكدر عليك ما يعرض في هذه القنوات الفضائية، والموت يكدر عليك ما تقبض من الحرام، والموت يكدر عليك سهرك في المعصية، والموت يكدر عليك فسادك حينما تسافر للخارج، والموت يكدر عليك كل معصية فتكره ما يكدر! والعاقل من يحب هذا الكدر من أجل أن يستفيق من تلك الغفلة، من يحب هذا الكدر في ظاهره وإن كان في حقيقته موعظة وذكرى ولكن لمن؟ لأولي الألباب، لمن ألقى السمع وهو شهيد. أيها الأحبة! أوليس الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢] قال ميمون بن مهران: دخلت على عمر بن عبد العزيز يوماً وعنده سابق البربري ينشده شعراً، فكان مما قال: فكم من صحيح بات للموت آمناً أتته المنايا بغتة بعدما هجع فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتةً فراراً ولا منه بحيلة امتنع ولا يترك الموت الغني لماله ولا معدماً في المال ذا حاجة يدع لا تكره أن تذكَّر بالموت وإن كرهت سماع اسمه، لا تكره أن تذكر بالخاتمة، لا تكره أن تذكر بالعاقبة، لا تكره أن تذكر بالنار وأنت تذكر بالوعيد، وأنت تذكر بالتخويف من الزقوم والغسلين وكل ما أعده الله لمن عصاه، لا تكره هذه الذكرى، إن الذين يبتعدون عن الأجواء الإيمانية إذا قيل لأحدهم: تعال يا رجل الأعمال، تعال يا تاجر، تعال يا غني، تعال يا كبير، تعال يا مسئول، تعال يا حبيب، تعال يا قريب بعضهم يقول: لا يا أخي، هذه مجالس، أنا أريد أن أتمتع بدنياي لا أريد أن يكدرها علي شيء. فيبتعد عن مجالس الإيمان وأجواء الإيمان فتستحكم الغفلة مع ترك للجمع والجماعات، وتستحكم الغفلة مع إعراض عن العبادات والطاعات ولا حول ولا قوة إلا بالله! ثم ما الذي يحصل؟ تقع منه غفلة كالظلمات التي بعضها فوق بعض.

стр. 1537

أهمية حضور المجالس الإيمانية والتأثر بها ما أكثر الذين نرى حضورهم في كل المناسبات الاجتماعية واللقاءات الدورية وغيرها، لكن بعضهم حضوره لمجتمع الإيمان وطاعة الرحمن وحلق الذكر لا يكون إلا قليلاً أو نادراً، وبعضهم لا يحضر مثل هذه المجالس البتة، ولذلك بعض العصاة الذين من الله عليهم بالتوبة، الذين أشرقت قلوبهم بنور الهداية يقول أحدهم: والله كانت الهداية وكانت الاستجابة وكان الرجوع وكانت الإنابة في أول مجلس حضرته من مجالس الذكر ورياض الجنة وحلق الذكر. كان في غفلة وفي بعد عن مجالس الإيمان. ولذلك -أيها الأحبة- نحن في حاجة أن نستمع إلى هذه المواعظ، وأن نستمع إلى هذه الدروس، وأن نستمع إلى هذه الكلمات منا أو من غيرنا، إني لأعجب من علماء أجلاء والله لا يشق لهم غبار في قيام الليل، وفي الصدقة، وفي الجهاد، وفي الدعوة، وفي التعليم، فإذا جلس أحدهم يسمع موعظة من طفل صغير أو من واحد من طلاب طلابه وجدته يهز رأسه، وجدته يتأثر وربما سمعت له نشيجاً وبكاءً، إنه يعلم مهما بلغ علمه ومهما ارتفعت في مراتب الدين درجته وسمت؛ فإنه يعلم أن لا غنى له عن الذكرى، إن بعض الشباب يقول: هل من قضية فكرية؟ هل من قضية سياسية؟ هل من قضية اجتماعية؟ هل من قضية إعلامية؟ أما المواعظ والكلام عن الغفلة، عن الجنة، عن النار، عن الموت، عن الصراط، عن الأهوال فاصرفوها لغيرنا، تحدثوا بها مع غيرنا، نحن شباب لا نريد أن نسمع إلا عن الأطروحات السياسية، المستقبل العالمي، القضايا المعاصرة، أل أل الخ، نحن ما حرمنا وما أنكرنا عليك هذا الاهتمام ولكن ثق أن انشغالك بهذه القضايا وابتعادك عن مجالس التذكير والمحاسبة والمعاتبة والمصارحة ليقف كل واحد منا موقفاً صريحاً مع نفسه، ولينظر حقيقة ما قدمه بين يديه يوم أن يلقى الله ، إذا لقيت الله وأنت سياسي حاذق وإعلامي متفنن واجتماعي متمكن، لكن لست من أهل عناية بالطاعة، ولا اهتمام بمتابعة النبي ﷺ وحرص على السنة، أينفعك ذلك؟ إن الناس ينفعهم أن يردوا إلى طاعة الله، وأن يخوفوا بالله، وأن يذكروا بعذاب الله وعقابه، وأن يشوقوا إلى جنته، وأن يرغبوا في رحمته، ولا بأس أن يأتي ما يأتي بعد ذلك تباعاً من الوعي السياسي والاقتصادي والإعلامي والتربوي وغير ذلك، أما أن نظن أن الناس لا حاجة لهم إلا في هذه القضايا، وما الفائدة من وعي سياسي مع صاحب سيجارة ثم بعد ذلك تنتهي السيجارة ويضطجع على جنبه، وإن أعجب بهذا الطرح لكنه لم يتحرك من مكانه إلى المسجد، لكنه لم يقلع عن الربا، لكنه لم يقلع عن الدعوة إلى الاختلاط، لكنه لم يقلع عن أفكار خبيثة رديئة. إن الفلاح والنجاح في رد الناس إلى طاعة الله ومرضاته، في تعبيد الناس لله، في أن يكون في قلوب الناس لله وقار: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] أول وأعظم وأجل وأكبر نجاح في أمر الدعوة أن تتحول القلوب القاسية، الصماء، إلى قلوب لينة تخشع وتهتز وتضطرب حينما تسمع كلام الله، تذكر الله خالياً فتفيض الأعين بالدمع، تسابق إلى الجماعات، تنافس في الطاعات: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط). فيا أحبابنا! لم لا ننتبه إلى حقيقة مهمة ينبغي لنا أن نعتني بها غاية العناية؟ أقول: ما أكثر الذين نراهم يحضرون مناسبات عديدة، لكن مناسبات كهذه، ورياض جنان كهذه، وحلق ذكر كهذه، ودروس علمية تراهم لا يحضرونها ولا يشهدونها، ذاك لا يصلي مع الجماعة، ولا يأتي الجمعة إلا دباراً، وهذا لا يحب الدروس العلمية، وذاك لا يفضل حلق الذكر، وآخر لا يلتفت إلى محاضرات أو ندوات لا حضوراً ولا استماعاً، لكنهم يجلسون مجالس القيل والقال، والبيع والشراء، ارتفعت الأسهم، انخفضت الأسهم، زادت البرصة، انخفض الين، ارتفع المارك، سقط الدولار، هلك الجنيه هكذا كلامهم، وهذه مجالسهم، ولو سألتهم عن ذكر الله! لا حرج أن تبيعوا وتشتروا، لا حرج أن تتاجروا فيما أباح الله، ولكن أكل المجالس هكذا؟ أكل الأوقات هكذا؟ أكل الساعات هكذا؟ لا يوجد ذكر لله؟ لا ترطب الألسنة والقلوب بذكر الله ؟ لا، مجالس الإيمان، حلق الذكر لا يحضرونها البتة. ثم بعد ذلك إذا قلت له: لا تكن من الغافلين. قال: أنا من الغافلين؟! سبحان الله العظيم! لا يشهدون الجمعة ولا الجماعة ولا يذكرون الله إلا قليلاً، ولا يأتون الجمعة إلا دباراً، وفي غفلة عظيمة ومع ذلك ينكر أحدهم أن يكون من الغافلين!! ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣].

стр. 1538

أهم أسباب الغفلة لقد اتفقت وصايا الأنبياء وأتباع الأنبياء على أن المؤمن ينبغي له أن يكون في الدنيا كأنه على جناح سفر يهيئ جهازه للرحيل، قال ﷺ : (ما لي وللدنيا، ما أنا فيها إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه أحمد والترمذي وغيرهم.

стр. 1539

طول الأمل من أسباب الغفلة إن من أسباب الغفلة -أيها الأحبة- طول الأمل، هذا الذي ينزعج حينما تعظه وتخوفه من الغفلة التي هو واقع فيها، لو كان يعلم أن المنية ربما تأتيه، تصبحه أو تمسيه لاستعد لها، ولكنه في أمل طويل، لا بأس أن توقع لمشروع لعشرين سنة قادمة، لكن لا يعني أن تغفل مدة عشرين سنة، لا بأس أن تؤجر عمارتك عشر سنوات قادمة لكن لا يعني أن تكون في غفلة وفي جهل خلال عشر سنوات قادمة، وهل يلزم أن تعيش هذه الفترة كلها؟ نعم، كما قال ﷺ : (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا تقوم -أي الساعة- حتى يغرسها فليغرسها فإن له بذلك أجراً). لا بأس أن تؤجر -كما قلت- عشرين سنة، عقد ثلاثين سنة، خطة خمسية، عشرية، ربع قرن، ليس هناك إشكال، خطط لخمسين سنة قادمة لا إشكال، خطط للدعوة -أيضاً- خمسين سنة قادمة، ليس التخطيط فقط للهاتف أو للمواصلات أو للنفط أو لأمر آخر لا، خطط للدعوة -أيضاً- لمدة خمسين سنة قادمة، ما يمنع ذلك، لكن لا يعني أننا سنعيش خمسين سنة، لا يعني أننا سنعيش عشرين سنة إذا وقعنا عقد إيجار مدته عشرين سنة، فمشكلة كثير من الناس طول الأمل الذي أهلكهم وضيعهم، وكما قال علي بن أبي طالب ﵁: [إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]. يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: اعلم أن الإنسان ما دام يأمل الحياة فإنه لا يقطع أمله من الدنيا، وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من المعاصي وغيرها، ويرجيه الشيطان بالتوبة في آخر عمره، فإذا تيقن الموت ويئس من الحياة أفاق من سكرته في شهوات الدنيا؛ فندم على تفريطه ندامة يكاد يقتل نفسه، وطلب الرجعة إلى الدنيا ليتوب وليعمل صالحاً فلا يجاب إلى شيء من ذلك، فيجتمع عليه مع سكرات الموت حسرات الفوت. وقد حذر الله في كتابه عباده من ذلك ليستعدوا للموت قبل نزوله بالتوبة والعمل الصالح فقال سبحانه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٦] أحد الذين حضرتهم المنية وبلغت به الروح الحلقوم، أخذ يلطم وجهه ويقول: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] وقال آخر عند احتضاره: سخرت بي الدنيا حتى ذهب بأيامي. وقال آخر عند موته: لا تغرنكم الحياة الدنيا كما غرتني. إذا هبت رياحك فاغتنمها فعقبى كل خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون ما دمنا في هبوب ريح العافية وإقبال ريح الشباب، ما دمنا في قوة، ما دمنا في منعة رجالاً ونساءً، فماذا علينا لو أننا رجعنا إلى الله رجوعاً صادقاً وعدنا إلى الله عوداً حميداً فيجعل الله سيئاتنا حسنات؟ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] يا معاشر الإخوة! ويا معاشر الأخوات! بادروا بادروا فوالله ما ندري متى نفارق، بادروا بادروا فالذنوب كثيرة والعمل قليل ولا ندري من المقبول، بادروا بادروا فجنود الشيطان وأعوانه قد جرت في الدماء ووسوست في الصدور، وزخرفت المعاصي، وقربت الخطيئات، وجعلت الهوى مطاعاً، والشح متبعاً، بادروا بادروا اليوم بل الآن قبل أن نعجز عن الاستدراك.

стр. 1540

الركون إلى الدنيا سبب للغفلة أيها الأحبة! إن هذه الغفلة التي استحكمت ببعض إخواننا وفينا ما فينا من الغفلة -أيضاً- ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:٥٣] من أسبابها: الركون إلى الدنيا والتعلق بها، إذ الدنيا لها بريق لامع تأسر صاحبها وتشده إليها فيسعى جاهداً في تحصيلها، ويزداد بها تعلقاً حتى يصبح لها عبداً تأمره فيطيع، وتزجره فينزجر، فيهون عليه فعل الحرام بتحصيلها، ويفرط في الواجبات ليستكثر منها، وبذا تستحكم الغفلة، قال يحيى بن معاذ الرازي: الدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموت نادماً مع الخاسرين. لذا كان واجباً على كل عاقل أن يجعل من دنياه، أن يجعل من ماله، أن يجعل من قوته، أن يجعل من جاهه، أن يجعل من موقعه، أن يجعل من دنياه أبواباً وسبلاً تعينه على طاعة الله. فيا أخي الحبيب! هل جعلت من دنياك على سبيل الاستمرار لا على سبيل المرة الواحدة فقط؟ هل جعلت منها في نشر العلم؟ هل جعلت منها في تحفيظ القرآن، وطباعة الكتب، وكفالة الدعاة، وسقيا الماء، وكفالة الأيتام، وكفالة المجاهدين، وإعانة المحتاجين؟ إذا كنت ذا دنيا فاجعل الدنيا مما يعينك على الآخرة، واستخدم الدنيا ولا تخدمها، واستعبدها ولا تكن عبداً لها. إن أناساً -والله رأيناهم بأعيننا وعرفناهم- أصبحوا عبيداً للدنيا، أذلتهم، كسرت رقابهم، خضعت برءوسهم إلى الأرض، ولو أنهم استخدموها لوجدوا في تسخيرها لطاعة الله عزاً وكرامةً، قال ﷺ : (تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم) رواه البخاري. فالذي لم يجعل من دنياه وأمواله جسوراً وأبواباً إلى مرضاة الله ونيل ثوابه واتقاء عقابه، فإنه عبد للدنيا تعيس، وعبد للدرهم تعيس، ذليل، خدم الدنيا وما خدمته، وصار عبداً لها وما رفعته وإن ملك ما ملك وسكن ما سكن، وتقلب فيما تقلب. لقد حذر ﷺ من الدنيا فقال ﷺ : (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) رواه الإمام أحمد ومسلم. وما أكثر الذين غفلوا عن الذكرى ولجَّوا في الغفلة لجوجاً بيّناً، وأمعنوا فيها إمعاناً واضحاً بسبب شهوات النساء وفتنتهن، تجد أحدهم متزوجاً يعاكس هذه ويخادن هذه ويخالل هذه، فلا ينتهي من علاقة إلا وقد توسط في أخرى وبدأ في علاقة أخرى، ولا ينتهي من علاقة إلا وقد تورط في أخرى ووقع في علاقة أخرى ولا حول ولا قوة إلا بالله! وربما يقول: سأقلع فيما بعد: أقلع. ولكن متى يقلع؟ إذا كانت نهاية كل علاقة هي بداية لعلاقة جديدة، وعلى حد قول الشاعر: وحلفت ألا أبتديك مودعاً حتى أهيئ موعداً للقائي بل إن بعضهم من شدة لجاجته في الغفلة واستحكام أمر الغفلة في شأنه في أمر النساء لا يدع امرأة إلا إذا رتب علاقة مع امرأة أخرى، ولذلك لا عجب أن يتقلب وأن يتدحرج وأن يسحب على وجهه في هذه الغفلات.

стр. 1541

فتنة النساء سبب للغفلة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: أيها الأحبة! إن كثيراً من الذين لجَّوا في الغفلة لجاجة واضحة كما قلت كان داؤهم ومرضهم كما أخبر النبي ﷺ أنهم إنما غفلوا بسبب الدنيا أو بسبب فتنة النساء، وفتنة النساء اليوم أصبحت أمراً خطيراً وتلونت، فليست فتنة المرأة في شيطانة تتسلط على رجل لتغريه، بل -أيضاً- في شياطين يتسلطون على النساء، ومنظمات عالمية لا يتسلطون على فرد أو على مجتمع بل يتسلطون على شعوب بأكملها لإفسادهم وتخريبهم عبر هذه القنوات، وإن فتنة النساء اليوم قد استحكمت في هذه القنوات أو ما يسمى بالدش فتنة عظيمة، وأصبحت القنوات الفضائية تنافس أيها أكثر خلاعة وأيها أكثر مجوناً، وأيها أكثر سخافة وإسفافاً، وكسراً للحياء، وهدماً للفضيلة حتى تنال من المشاهدين والمتابعين أكبر حظ ورصيد، فأصبحت فتنة المرأة فتنة عظيمة. وخير للرجال والنساء العفة وغض الأبصار، لكن مكر الأعداء عظيم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦] ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح:٢٢] في أمر النساء والفتنة بالنساء، بداية بعضهم معاكسات، عبث بالهاتف، ثم لا تلبث أن تتطور إلى علاقات، ثم لا تلبث أن تتحكم في القلوب عشق الصور والمشاهد فلا يبالي أحدهم ولا يبالي كثير منهم أن يعمق ويسفي شهوة الصور بهذه القنوات وما يعرض فيها، فتعلق في القلوب صور وأشكال لغفلة أصحابها لا يجدون لها دواءً إلا الداء ذاته، وداوني بالتي كانت هي الداء لا يجدون لها دواءً إلا أن يذهبوا إلى ما رأوا، وأن يركعوا ويخضعوا عند من وجدوا وعشقوا، ثم والعياذ بالله تستحكم فيهم هذه الغفلات، وبعضهم بهذا الشر يتسلط على بنات مجتمعه فيترصد لهن ليسقطهن وليغريهن وليقتنصهن في حبائل وشرك مغازلاته ومعاكساته، فكم من عفيفة انقلبت فاجرة! وكم من طيبة انقلبت فاسدة! وكم من صالحة تحولت أحوالها وبكت بعد الدمع وقبله دماً؛ بسبب هذه الفتنة العظيمة التي أورثت فتنةً لا أول لها ولا آخر، ولا سبيل إلى النجاة منها إلا عود صادق ورجوع وإياب بقوة إرادة وجلد وعزيمة وإصرار، تقول لكل معصية: الطلاق الطلاق الطلاق، ثلاثاً بتاتاً، بينونةً كبرى لا رجعة فيها أبداً؛ طاعةً لله، خوفاً من عذابه، رغبة في ثوابه. هو أحق أن يخشى، هو أحق أن يذكر فلا ينسى، وأن يطاع فلا يعصى، فمن عظم أمر الله في قلبه شفي بإذن الله من داء الغفلة. يقول سلمان الفارسي ﵁: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث: ضحكت من مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل لا يغفل عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أمسخط ربه أم مرضيه، وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي رب العالمين حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة. فيا أيها الأحبة! هل نعود؟ وهل نرجع؟ وهل نئوب من هذه الغفلة أم نخلط ونلفق ونرقع؟ نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع فطوبى لعبد آثر الله ربه وجاد بدنياه لما يتوقع

стр. 1542

الوسط المحيط سبب للغفلة أيها الأحباب! إن أردنا أن نستيقظ من هذه الغفلة فلننظر هذا الوسط والمحيط والمجتمع الذي نخالط أصحابه ونتقلب فيه، فإن كان في خير خرجنا من الغفلة إلى خير، وإن كان في شر فنحن كمن رام تغسيل الدم النجس بالدم، من غفلة إلى غفلة، ومن معصية إلى معصية، كيف تريد السلامة من البلل وأنت ترمي بنفسك ذات اليمين وذات الشمال في المياه؟ ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء من تعود في منزله المعصية، ومع جلسائه المعصية، وفي سيارته المعصية، وفي عمله المعصية، وفي علاقاته المعصية، وفي سمته وسلوكه المعصية كيف يريد أن يسلم من الغفلة؟ إذا أردت أن تسلم من الغفلة فاخرج عن هذا الوسط، أقلع، ابتعد، ابحث عن قومٍ تخالطهم، ومجتمع تخالطهم، وعلاقات تجددها في غير معصية الله، تعينك على طاعة الله، تذكرك إذا نسيت، تعينك إذا ذكرت، أما الذين تعودوا سهر المعصية ومجالس المعصية، ومهما تغيرت الأسماء: البشكة، الشلة، المجموعة التي فيها ما فيها، لا تخادع نفسك، أسأل: هل هم أهل غفلة فيجعلونك غافلاً معهم أم أهل ذكرى فيجعلونك من الذاكرين معهم؟ لا تزين هذا الفساد الذي تراه في شلتك وتسميهم: الشلة، الحبايب، الأصحاب، الفرندز لا، اجعل قولك ونطقك بهم صحيحاً: هم أهل غفلة أم أهل طاعة، أم أهل عودة إلى الله ؟

стр. 1543

نتيجة الغفلة وثمرة الطاعة أيها الأحبة! لقد قست القلوب من فضول النظر، ومن فضول الكلام والمخالطة، وقست القلوب واستحكمت الغفلة مع هذا بإفراط في الشهوات، وإفراط في الملذات والمباحات، فماذا حصل بعد ذلك؟ حصلت قسوة القلب فأورثت اكتئاباً وقلقاً وشروداً وأمراضاً نفسية، يقول لي طبيب استشاري من أطباء الأمراض النفسية يقول: يأتي إلي شباب قد بلغ بهم مرض الاكتئاب -يسمونه ديبرسيشن- قد بلغ الاكتئاب بهم إلى درجة أن بعضهم مرات ومرات حاول أن ينتحر غفلة لم تجد طريقاً أو لم يفتح عليها من الوعظ والإرشاد والإصلاح والتوجيه طريق، غفلة مسورة بأسوار الشهوات والمعاصي وجلساء السوء، ولا يزال يمضي ويمضي حتى إذا خلا بنفسه تمنى أن ينتحر. لكن انظر إلى أصحاب الطاعة: الدنيا زاوية من زوايا قلوبهم، تجد الدنيا كلها يدخلها في زاوية من قلبه، لا أعني أنه يتعلق بها بل الدنيا صغيرة في قلبه، لكن أصحاب المعاصي والإصرار عليها والعناد والمكابرة؛ أتفه قضية تجعل الدنيا علامة إكس في وجهه ينتحر من أجلها، يحاول أن يتخلص من نفسه عند أدنى مشكلة، لكن انظر إلى أهل الإيمان وطاعة الرحمن: ترددت في الأهوال حتى تركتها تقول أمات الموت أم ذعر الذعر مصيبة تلو المصائب، تكسر النصال على النصال، ومع ذلك لا يزال رابط الجأش، ثابت الجنان، أشم كالجبل، كالطود العظيم من شدة ثقته بالله ، ما هذه الدنيا بالنسبة لما يرى؟ أما أهل المعاصي الذين يعودون ويئوبون ويتوبون ويرجعون فحيهلا على باب التوبة، وحي على الإنابة والرجوع، أما أهل المعاصي المصرون على هذه المعاصي، المعرضون عن ذكر الله وطاعته فيا ويح عيشهم! وما أبأس حالهم! ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] لما استحكمت الغفلة شاع ما شاع وانتشر ما انتشر في كثير من الناس: أنواع القلق والاضطراب والاكتئاب، وضيق النفس، والأمراض النفسية، ولو تأملوا وعرفوا أن مرضهم وعلتهم وداءهم هو الغفلة، وعالجوه بذكر الله واليقظة والرجوع لوجدوا أنساً بالله، ولذة وسعادة بذكر الله : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].

стр. 1544

كيفية معرفة الغافل أيها الأحبة إن كثيراً من الغافلين لا يعلمون أنهم في غفلة، وإذا أردت أن تعلم هل أنت من الغافلين أم لا، فانظر كما قال ابن مسعود: [ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي]. إن كنت تمر عليك الأيام والليالي لا تتحسر على فواتها لأنها مضت في غير طاعة أو لم تتزود منها كما ينبغي فاعلم أنك غافل، إذا أردت أن تعلم هل أنت من الغافلين أم لا فانظر اهتمامك بوقتك، فانظر عنايتك بالوقت إن كنت تقتله سدى، تضيعه هباءً، لا تبالي بما أدبر وأقبل منه فأنت غافل مسكين، وإن كنت كما يقول القائل: ينافس أمسي في يومي تحرقاً وتحسد أسحاري علي الأصائل إن كنت كذلك فأنت بإذن الله من أهل الذكرى إذا كنت تجعل ذلك في مرضاة الله . أيها الأحبة في الله! إن من المصيبة -كما قلت- أن ترى من الناس من لا يعلم أنه في غفلة فلا تراه يتألم على فوات الجماعة أو قيام الليل، أو فوات العبادة أو انقضاء مواسم مضاعفة الأجر دون أن يستفيد منها، كل ذلك لا يهمه، بل لا يتحسر لِمَ لم يزرع في موسم الزراعة؟ لِمَ لم يقترض يوم أن كان البنك متاحاً؟ لِمَ لم يتوظف يوم أن كانت الوظيفة والفرصة سانحة؟ لِمَ لِمَ لِمَ؟ كل حسراته على فوات دنياه، والدنيا لا يسوفها أبداً ويبادر ويكابد من أجل الحصول عليها، ويتحسر على ما فات منها، وأما الآخرة فسيان عنده إن أقبلت أو أدبرت في أمرها، أو حصَّل أو فرط أو ضيع في شأنها.

стр. 1545

ظاهرة عدم مبالاة الغافل بذنوبه أيها الأحبة! أيضاً من دلائل استحكام الغفلة في القلوب أن يرى الواحد منا نفسه يقع في الصغيرة تلو الصغيرة ولا يبالي بما ارتكب من الذنوب، يجمع محقرات الذنوب ولا يهتم بها، وقد حذر النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره فقال: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) يقول كعب: إن العبد ليذنب الذنب الصغير ولا يندم عليه ولا يستغفر منه فيعظم عند الله حتى يكون مثل الطود -يعني: الجبل- ويعمل الذنب العظيم فيندم عليه ويستغفر منه فيصغر عند الله حتى يغفر له: ومن البلاء وللبلاء علامة ألا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها والحر يشبع مرة ويجوع أيها الأحبة! ما أعظم غفلتنا وإن عدنا الناس ملتزمين أو قالوا متكلمين، كيف لا نقر بالغفلة ونحن نرى التقصير الفاضح البين في قيام الليل وفي نوافل العبادات والتسابق إلى الخيرات؟
следующие страницы →