Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
فتنة النساء سبب للغفلة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: أيها الأحبة! إن كثيراً من الذين لجَّوا في الغفلة لجاجة واضحة كما قلت كان داؤهم ومرضهم كما أخبر النبي ﷺ أنهم إنما غفلوا بسبب الدنيا أو بسبب فتنة النساء، وفتنة النساء اليوم أصبحت أمراً خطيراً وتلونت، فليست فتنة المرأة في شيطانة تتسلط على رجل لتغريه، بل -أيضاً- في شياطين يتسلطون على النساء، ومنظمات عالمية لا يتسلطون على فرد أو على مجتمع بل يتسلطون على شعوب بأكملها لإفسادهم وتخريبهم عبر هذه القنوات، وإن فتنة النساء اليوم قد استحكمت في هذه القنوات أو ما يسمى بالدش فتنة عظيمة، وأصبحت القنوات الفضائية تنافس أيها أكثر خلاعة وأيها أكثر مجوناً، وأيها أكثر سخافة وإسفافاً، وكسراً للحياء، وهدماً للفضيلة حتى تنال من المشاهدين والمتابعين أكبر حظ ورصيد، فأصبحت فتنة المرأة فتنة عظيمة.
وخير للرجال والنساء العفة وغض الأبصار، لكن مكر الأعداء عظيم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦] ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح:٢٢] في أمر النساء والفتنة بالنساء، بداية بعضهم معاكسات، عبث بالهاتف، ثم لا تلبث أن تتطور إلى علاقات، ثم لا تلبث أن تتحكم في القلوب عشق الصور والمشاهد فلا يبالي أحدهم ولا يبالي كثير منهم أن يعمق ويسفي شهوة الصور بهذه القنوات وما يعرض فيها، فتعلق في القلوب صور وأشكال لغفلة أصحابها لا يجدون لها دواءً إلا الداء ذاته،
وداوني بالتي كانت هي الداء
لا يجدون لها دواءً إلا أن يذهبوا إلى ما رأوا، وأن يركعوا ويخضعوا عند من وجدوا وعشقوا، ثم والعياذ بالله تستحكم فيهم هذه الغفلات، وبعضهم بهذا الشر يتسلط على بنات مجتمعه فيترصد لهن ليسقطهن وليغريهن وليقتنصهن في حبائل وشرك مغازلاته ومعاكساته، فكم من عفيفة انقلبت فاجرة! وكم من طيبة انقلبت فاسدة! وكم من صالحة تحولت أحوالها وبكت بعد الدمع وقبله دماً؛ بسبب هذه الفتنة العظيمة التي أورثت فتنةً لا أول لها ولا آخر، ولا سبيل إلى النجاة منها إلا عود صادق ورجوع وإياب بقوة إرادة وجلد وعزيمة وإصرار، تقول لكل معصية: الطلاق الطلاق الطلاق، ثلاثاً بتاتاً، بينونةً كبرى لا رجعة فيها أبداً؛ طاعةً لله، خوفاً من عذابه، رغبة في ثوابه.
هو أحق أن يخشى، هو أحق أن يذكر فلا ينسى، وأن يطاع فلا يعصى، فمن عظم أمر الله في قلبه شفي بإذن الله من داء الغفلة.
يقول سلمان الفارسي ﵁: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث: ضحكت من مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل لا يغفل عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أمسخط ربه أم مرضيه، وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي رب العالمين حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة.
فيا أيها الأحبة! هل نعود؟ وهل نرجع؟ وهل نئوب من هذه الغفلة أم نخلط ونلفق ونرقع؟
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فطوبى لعبد آثر الله ربه وجاد بدنياه لما يتوقع
стр. 1542
الوسط المحيط سبب للغفلة
أيها الأحباب! إن أردنا أن نستيقظ من هذه الغفلة فلننظر هذا الوسط والمحيط والمجتمع الذي نخالط أصحابه ونتقلب فيه، فإن كان في خير خرجنا من الغفلة إلى خير، وإن كان في شر فنحن كمن رام تغسيل الدم النجس بالدم، من غفلة إلى غفلة، ومن معصية إلى معصية، كيف تريد السلامة من البلل وأنت ترمي بنفسك ذات اليمين وذات الشمال في المياه؟
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
من تعود في منزله المعصية، ومع جلسائه المعصية، وفي سيارته المعصية، وفي عمله المعصية، وفي علاقاته المعصية، وفي سمته وسلوكه المعصية كيف يريد أن يسلم من الغفلة؟ إذا أردت أن تسلم من الغفلة فاخرج عن هذا الوسط، أقلع، ابتعد، ابحث عن قومٍ تخالطهم، ومجتمع تخالطهم، وعلاقات تجددها في غير معصية الله، تعينك على طاعة الله، تذكرك إذا نسيت، تعينك إذا ذكرت، أما الذين تعودوا سهر المعصية ومجالس المعصية، ومهما تغيرت الأسماء: البشكة، الشلة، المجموعة التي فيها ما فيها، لا تخادع نفسك، أسأل: هل هم أهل غفلة فيجعلونك غافلاً معهم أم أهل ذكرى فيجعلونك من الذاكرين معهم؟ لا تزين هذا الفساد الذي تراه في شلتك وتسميهم: الشلة، الحبايب، الأصحاب، الفرندز لا، اجعل قولك ونطقك بهم صحيحاً: هم أهل غفلة أم أهل طاعة، أم أهل عودة إلى الله ؟
стр. 1543
نتيجة الغفلة وثمرة الطاعة
أيها الأحبة! لقد قست القلوب من فضول النظر، ومن فضول الكلام والمخالطة، وقست القلوب واستحكمت الغفلة مع هذا بإفراط في الشهوات، وإفراط في الملذات والمباحات، فماذا حصل بعد ذلك؟ حصلت قسوة القلب فأورثت اكتئاباً وقلقاً وشروداً وأمراضاً نفسية، يقول لي طبيب استشاري من أطباء الأمراض النفسية يقول: يأتي إلي شباب قد بلغ بهم مرض الاكتئاب -يسمونه ديبرسيشن- قد بلغ الاكتئاب بهم إلى درجة أن بعضهم مرات ومرات حاول أن ينتحر غفلة لم تجد طريقاً أو لم يفتح عليها من الوعظ والإرشاد والإصلاح والتوجيه طريق، غفلة مسورة بأسوار الشهوات والمعاصي وجلساء السوء، ولا يزال يمضي ويمضي حتى إذا خلا بنفسه تمنى أن ينتحر.
لكن انظر إلى أصحاب الطاعة: الدنيا زاوية من زوايا قلوبهم، تجد الدنيا كلها يدخلها في زاوية من قلبه، لا أعني أنه يتعلق بها بل الدنيا صغيرة في قلبه، لكن أصحاب المعاصي والإصرار عليها والعناد والمكابرة؛ أتفه قضية تجعل الدنيا علامة إكس في وجهه ينتحر من أجلها، يحاول أن يتخلص من نفسه عند أدنى مشكلة، لكن انظر إلى أهل الإيمان وطاعة الرحمن:
ترددت في الأهوال حتى تركتها تقول أمات الموت أم ذعر الذعر
مصيبة تلو المصائب، تكسر النصال على النصال، ومع ذلك لا يزال رابط الجأش، ثابت الجنان، أشم كالجبل، كالطود العظيم من شدة ثقته بالله ، ما هذه الدنيا بالنسبة لما يرى؟ أما أهل المعاصي الذين يعودون ويئوبون ويتوبون ويرجعون فحيهلا على باب التوبة، وحي على الإنابة والرجوع، أما أهل المعاصي المصرون على هذه المعاصي، المعرضون عن ذكر الله وطاعته فيا ويح عيشهم! وما أبأس حالهم! ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] لما استحكمت الغفلة شاع ما شاع وانتشر ما انتشر في كثير من الناس: أنواع القلق والاضطراب والاكتئاب، وضيق النفس، والأمراض النفسية، ولو تأملوا وعرفوا أن مرضهم وعلتهم وداءهم هو الغفلة، وعالجوه بذكر الله واليقظة والرجوع لوجدوا أنساً بالله، ولذة وسعادة بذكر الله : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
стр. 1544
كيفية معرفة الغافل
أيها الأحبة إن كثيراً من الغافلين لا يعلمون أنهم في غفلة، وإذا أردت أن تعلم هل أنت من الغافلين أم لا، فانظر كما قال ابن مسعود: [ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي].
إن كنت تمر عليك الأيام والليالي لا تتحسر على فواتها لأنها مضت في غير طاعة أو لم تتزود منها كما ينبغي فاعلم أنك غافل، إذا أردت أن تعلم هل أنت من الغافلين أم لا فانظر اهتمامك بوقتك، فانظر عنايتك بالوقت إن كنت تقتله سدى، تضيعه هباءً، لا تبالي بما أدبر وأقبل منه فأنت غافل مسكين، وإن كنت كما يقول القائل:
ينافس أمسي في يومي تحرقاً وتحسد أسحاري علي الأصائل
إن كنت كذلك فأنت بإذن الله من أهل الذكرى إذا كنت تجعل ذلك في مرضاة الله .
أيها الأحبة في الله! إن من المصيبة -كما قلت- أن ترى من الناس من لا يعلم أنه في غفلة فلا تراه يتألم على فوات الجماعة أو قيام الليل، أو فوات العبادة أو انقضاء مواسم مضاعفة الأجر دون أن يستفيد منها، كل ذلك لا يهمه، بل لا يتحسر لِمَ لم يزرع في موسم الزراعة؟ لِمَ لم يقترض يوم أن كان البنك متاحاً؟ لِمَ لم يتوظف يوم أن كانت الوظيفة والفرصة سانحة؟ لِمَ لِمَ لِمَ؟ كل حسراته على فوات دنياه، والدنيا لا يسوفها أبداً ويبادر ويكابد من أجل الحصول عليها، ويتحسر على ما فات منها، وأما الآخرة فسيان عنده إن أقبلت أو أدبرت في أمرها، أو حصَّل أو فرط أو ضيع في شأنها.
стр. 1545
ظاهرة عدم مبالاة الغافل بذنوبه
أيها الأحبة! أيضاً من دلائل استحكام الغفلة في القلوب أن يرى الواحد منا نفسه يقع في الصغيرة تلو الصغيرة ولا يبالي بما ارتكب من الذنوب، يجمع محقرات الذنوب ولا يهتم بها، وقد حذر النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره فقال: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) يقول كعب: إن العبد ليذنب الذنب الصغير ولا يندم عليه ولا يستغفر منه فيعظم عند الله حتى يكون مثل الطود -يعني: الجبل- ويعمل الذنب العظيم فيندم عليه ويستغفر منه فيصغر عند الله حتى يغفر له:
ومن البلاء وللبلاء علامة ألا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها والحر يشبع مرة ويجوع
أيها الأحبة! ما أعظم غفلتنا وإن عدنا الناس ملتزمين أو قالوا متكلمين، كيف لا نقر بالغفلة ونحن نرى التقصير الفاضح البين في قيام الليل وفي نوافل العبادات والتسابق إلى الخيرات؟
стр. 1546
طريق الشفاء من الغفلة
يا أيها الأحبة! ليست الغفلة ضربة لازب أو مرضاً لا يوجد له دواء لا، الغفلة داء وما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء؛ علمه من علمه وجهله من جهله، يمكننا أن نتخلص من هذه الغفلة بالاستعانة بالله ، فعن أنس ﵁ قال: قال ﷺ لـ فاطمة: (يا فاطمة! ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به، أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) رواه البزار والنسائي والحاكم.
стр. 1547
التقوى والدعاء علاج للغفلة
إذا أردنا أن نعالج أنفسنا من الغفلة فلنتعلق بالله ولنقل: يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، لنتعرف بأننا غافلون، ولنتعلق بالله لينجينا ولينقذنا من هذه الغفلة تعلق الغريق، وننادي نداء المكروب: اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأصلح لنا شأننا كله لا إله إلا أنت.
يا أيها الأحبة! حطموا قسوة القلوب بتمريغ الأنوف والجباه سجوداً لله، واشكو إلى الله قسوة قلوبكم وشدة غفلتكم وطول طريقكم وقلة زادكم، عسى أن تنجلي تلك الغشاوة من الغفلة، قال ﷺ : (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينما القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم إذ تجلت عنه فأضاء) إذاً فهذه الغفلة سحابة على القلب يمكن أن تنجلي بإذن الله ، لكن سحابة الغفلات لا تنجلي بالأماني ولا تنجلي بالكلام وإنما تنجلي بالتطبيق، وتنجلي بالمجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
стр. 1548
تذكر الخاتمة علاج للغفلة
أيها الأحبة: تزول الغفلة بتذكر الخاتمة، عش ما شئت فإنك ميت، يقول أبو الدرداء لما حضرته الوفاة: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لساعتي هذه؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ ثم تلا قول الله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠] مر ابن الجوزي مرة بقصر من قصور الأثرياء فقال وهو يخاطب صاحب القصر الذي كان جالساً في شرفة من شرفات القصر، فقال ابن الجوزي له:
ستنقلك المنايا عن ديارك ويبدلك الردى داراً بدارك
وتترك ما غنيت به زماناً وتنقل من غناك إلى افتقارك
فدود القبر في عينيك ترعى وترعى عين غيرك في ديارك
إذا أردنا أن تنجلي هذه الغفلة فلنتذكر أننا راحلون، كم جنازة صلينا عليها تذكر أنك يوماً من الأيام واحدة من الجنائز التي يصلى عليها، زر المقابر وتأمل أحوال هذه المقابر:
أتيت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر
وأين المدل بسلطانه وأين الغني إذا ما افتقر
أين الملوك ذوي التيجان من إرم وأين ما ساسه في الفرس ساسان
أتى على الكل أمر لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
زر قبر الرئيس وقبر الزعيم، وقبر الأمير وقبر الوزير، وقبر الملك، وقبر الثري وقبر الفقير؛ كلها بجوار بعضها، أين الحجاب، وأين البواب، وأين الاستئذان، وأين البرتوكول، وأين المواعيد؟ انتهى الأمر: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] هذا هو المرد وهذه هي النهاية، فمن تذكر ذلك حتى وإن ركب ما ركب وسكن ما سكن وجمع ما جمع فإنه بإذن الله يعود منكسراً إلى الله: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:٨] لذا أمرنا النبي ﷺ بزيارة القبور لأنها تذكر الآخرة، بل (لما جيء بجنازة وجلس ﷺ على شفير القبر بكى حتى بل الثرى، ثم قال ﷺ : يا إخواني لمثل هذا فأعدوا) رواه ابن ماجة وغيره.
فليتفكر العبد في هذا، وليعلم أنه لا يعالجه من هذه الغفلة إلا أن يكسر ويحطم قسوة قلبه بأن يرى الأموات يغسلون، ويرى الأموات يكفنون، ويقف عند المقابر، ويزور المرضى، وينظر أحوال أصحاب العاهات الذين سلبت منهم العافية بين لحظة ولحظة ليعرف حاله وأن ما أصابهم ليس ببعيد أن يصيبه.
هكذا -أيها الأحبة- ينبغي أن ننتبه وأن نحذر من هذه الغفلة، ومن لازم ذكر الله فهو في خير وعلى خير بإذن الله .
стр. 1549
مجالس الذكر علاج للغفلة
فيا أيها الشاب! ويا أيتها الفتاة! من شكا قسوة فؤاده، ومن شكا هذه الغفلة فعليه برياض الجنة، وعليه بمجاهدة النفس، وعليه بمجالس الذكر عسى أن يجد قلبه هناك، وليعلم أن هذه الدنيا برق خلب وفيء زائل: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥]، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤] انظروا إلى الذي غرس غرساً فما أكل ثمره، وبنى قصراً فما سكنه، وهيأ داراً فما انتقل إليها، وأعد وظيفة فما وصلها، ورتب شيئاً فما أدركه، وكان الموت سابقاً له قبل ذلك، ثم افترض وهب لو أنك عشت فيما شئت من شهوات ولذات أوليس الموت نهايتك؟ وهب أنك عشت منذ أن ولدت في مفارش الحرير إلى أن مت أوليست غمسة في النار تنسي هذا كله؟ كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره قال ﷺ : (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في جهنم صبغة ثم يقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب.
ويؤتى بأشد الناس بؤساً من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة فيقال له: يا ابن آدم! هل مر بك بؤس قط؟ هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا والله يا ربي ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط).
стр. 1550
أمور نحتاج إلى التفكر فيها
فيا معاشر المؤمنين! الصبر الصبر فإنما هي أيام وكل يعرف مكانه، وكل يعرف مرتبته، وكل يرى منزلته، وكل يرى عاقبة عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران:١٩٦] ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧] كان عمر بن عبد العزيز ﵁ ورحمه جالساً ذات يوم على عرش الخلافة يقرأ القرآن فلما بلغ هذه الآية ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧] نزل من عرش الخلافة وكرسيها، وأخذ بلحيته يهزها ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٧].
فليست هذه الدنيا بشيء تسوؤك حقبةً وتسر وقتا
وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إذ حلمتا
سجنت بها وأنت لها محب فكيف تحب ما فيه سجنتا
وتطعمك الطعام وعن قريب ستطعم منك ما فيها طعمتا
وتشهد كل يوم دفن خل كأنك لا تراد لما شهدتا
ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها فجئت لما خلقتا
وإن هدمت فزدها أنت هدماً وحصن أمر دينك ما استطعتا
ولا تحزن على ما فات منها إذا ما أنت في أخراك فزتا
فليس بنافع ما نلت منها من الفاني إذ الباقي حرمتا
وتذكر مواقف يشيب لها الولدان، تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، الشمس تكور، النجوم تنكدر، السماء تنفطر، البحار تسجر، الجبال تتطاير كالعهن المنفوش، يجعلها الله قاعاً صفصفاً كل ذلك من الأهوال التي بين أيدينا سنراها ونعتقدها ونؤمن بها حق اليقين، أفلا يليق بواحد منا تأمل ذلك أن يقلع عن غفلته وأن يتدبر لنهايته؟ فيا أيها الأحبة! حري بنا أن نعد أنفسنا لما نحن قادمون عليه، يقول إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس! أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً.
قلت: فأنت في الأمنية فاعملي، فأنت في الأمنية فاعملي.
وخف من سوء الخاتمة، وأعد لهذا الأمر عدته، لقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فلما أصبح قيل له: كل هذا خوفاً من الذنوب؟ فأخذ جفنة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذا وإنما أبكي من خوف سوء الخاتمة.
قال ابن القيم: وهو من أعظم الفقه؛ أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة.
أفي دار الخراب تظل تبني وتعمر ما لعمران خلقتا
وما تركت لك الأيام عذراً لقد وعظتك لكن ما اتعظتا
تنادى للرحيل بكل حين وتعلن إنما المقصود أنتا
وتسمعك النداء وأنت لاه عن الداعي كأنك ما سمعتا
وتعلم أنه سفر بعيد وعن إعداد زاد قد غفلتا
تنام وطالب الأيام ساع وراءك لا ينام فكيف نمتا
معائب هذه الدنيا كثير وأنت على محبتها طبعتا
يضيع العمر في لعب ولهو ولو أعطيت عقلاً ما لعبتا
فما بعد الممات سوى جحيم لعاص أو نعيم إن أطعتا
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب أن يوقظنا وإياكم من هذه الغفلة، وألا يجعلنا من الغافلين، وأن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم إنا نسألك عيشة هنية، وميتة سوية، ومرداً إليك غير مخز ولا فاضح.
اللهم استعملنا في طاعتك، وتوفنا على مرضاتك، إلهي وربي وخالقي لا تدع لنا جميعاً في هذا المقام وفي هذا المسجد؛ ذكوراً وإناثاً، رجالاً ونساءً ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته.
стр. 1551
الغنيمة الضائعة
إن هناك غنائم تضيع على كثير من الناس إلا من رحم الله، ومن تلك الغنائم: الشباب، الصحة، الفراغ، الحياة، الغنى.
وفي هذه المحاضرة يحث الشيخ على اغتنام هذه الخمس ذاكراً حديث رسول الله ﷺ في ذلك، كما تكلم عن أهمية اغتنام الصحة والفراغ؛ لأن الكثير من الناس إلا من رحم الله مغبونون في هاتين النعمتين.
стр. 1552
وقفات مع كلمة (اغتنم)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرضين ومن فيهن، ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت يا رب من شيءٍ بعد، أشهد أن لا إله إلا الله حده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرةً أخرى، وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم السداد في القول والإخلاص في العمل، وقبل أن ندخل في موضوعنا أود أن أنبه إلى مسألة مهمة: وهي أنه ليس من منهج أهل السنة والجماعة أن يمدح الإنسان على الملأ، ولا يجوز هذا ولا ينبغي، وكلٌ أدرى بعيوب نفسه، والله جل وعلا يقول: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] فالناس لو مدحوك آناء الليل وأطراف النهار فأنت أدرى بعيوبك وذنوبك، ولو نالوا من عرضك واغتابوك وذموك فأنت أدرى بما ترجوه من ربك.
وابن الجوزي ﵀ في صيد الخاطر يقول: [يا ضعيف العقل! اعلم أن الناس إذا أعجبوا بك فإنما أعجبوا بجميل ستر الله عليك] ويقول أبو العتاهية:
قد أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح
نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح
لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح
على أني أذكر أخي المقدم جزاه الله خيراً، ولا بأس بالشعر وإن كان أعوج مكسورا، وعلى أية حال فهذا جهد المقل: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨].
أيها الأحبة: الحديث أو المحاضرة بعنوان: "الغنيمة الضائعة" وإن كان أهل هذا الحي معظمهم من البادية أو من أهل الغنم والوبر والإبل والرعي والماشية، فقد يظن البعض أن العنوان "الغُنيمة الضائعة" وليس هذا بصحيح بل العنوان: "الغَنيمة الضائعة" فمن جاء يبحث عن غنمةٍ ضائعةٍ فليست ضالته هنا، ليبحث عن معرفٍ لها لعله أن يجدها، فمن فاته شيء نسأل الله أن يخلف علينا وعليه ما فات.
أيها الأحبة: قال ﷺ : (اغتنم حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) هذا الحديث أخرجه البيهقي والحاكم عن ابن عباس بسندٍ صحيح، وأخرجه الإمام أحمد في المسند، وذكره الألباني حفظه الله في صحيح الجامع، وفي معناه الحديث الذي قال به النبي ﷺ : (بادروا بالأعمال سبعاً هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائبٍ ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر؟!) رواه الترمذي وقال حديثٌ حسن، وفي سنده محرر بن هارون، قال الحافظ في التقريب: متروك.
أيها الأحبة: العبرة في الحديث الأول الصحيح وهو قول النبي ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس) ونحن نذكرها واحدةً واحدة.
стр. 1553
في كلمة (اغتنم) إشارة إلى السرعة والمبادرة
في قول النبي المصطفى ﷺ : (اغتنم) إشارةٌ إلى أهمية وضرورة المبادرة بالإسراع فلا يقال لأمرٍ غير ذي بال، ولا يقال لأمرٍ ليس ذي شأن، ولا يقال لأمرٍ حقيرٍ أو تافه اغتنم، وإنما يقال اغتنم لأمرٍ مهم، ولخطبٍ جلل، ولحدثٍ ذي بال، ولمسألة تركها يفوت، وإهمالها يضيع فرصةً عظيمة، ولذلك قال ﷺ : (اغتنم) من الغنيمة والمسارعة والمبادرة وإدراك الشيء قبل فواته، والمسارعة إليه قبل أن تتقضى فرصته أو يتقاسمه الناس والمقبلون عليه ما وجدنا رجلاً يقول لصاحبه وهو عند الخباز مثلاً والخبز قد ملأ هذه الطاولة يميناً ويساراً وليس في المخبز إلا هو واثنين أو ثلاثة ويقول: اغتنم اغتنم هذا الخبز لا يفوتك، لأنه شيءٌ كثير، والزبائن قليل، وليس بأمر يخشى فواته، فلا يقال لصاحبه أو من يدعى إليه اغتنم، وإنما يقال (اغتنم) لأمر ثمينٍ خطيرٍ مهمٍ جللٍ ذي بالٍ لو فوته الإنسان اعتبر مضيعاً لفرصةٍ ثمينة.
стр. 1554
غنيمة الله غالية
أيها الأحبة: الغنيمة فيها إشارة إلى أن الأمر لا يدرك إلا بالجهاد، وهذه مسائل خمس قد ذكرها النبي ﷺ ؛ فغنيمة الحياة قبل الموت، وغنيمة الصحة قبل السقم، وغنيمة الفراغ قبل المشاغل، وغنيمة الشباب قبل الهرم، وغنيمة الغنى قبل الفقر، مسألة لا تنال بالنوم والكسل والدعة والتعليل والتسويف، وإنما تكون غنيمة وتنال بالمجاهدة، وتنال بدفع الإنسان مشاغل كثيرة للحصول على ما هو أجل وأهم، لأن الواحد ربما عرضت له مكاسب عديدة، ولكن قد يفوت الإنسان مكاسب عدة من أجل تحصيل مكاسب أعظم ومكاسب أكبر وأجل، فإذا أدرك العاقل ذلك علمنا -أيها الأحبة- أنا وإياكم والله في هذه الدنيا قد دعينا إلى دارٍ عظيمة؛ إلى دار البقاء، وإلى دار الخلود، وإلى دار النعيم، وإلى دار الرضوان، وإلى دارٍ الحياة فيها أبدية لا موت يكدرها، والصحة فيها أبديةٌ لا سقمٌ يفسدها، وشباب دائمٌ متجدد، وغنىً مما أعطى الله وأنعم الله به على عباده قال جل وعلا: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥].
أيها الأحبة في الله! إننا ندعى ونعد ونبشر ونقرب وكل واحدٍ منا ينادى إلى دارٍ
فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
إلى أن قال:
ترابها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه وإن بناها بشرٍ خاب بانيها
أيها الأحبة: أنا أسألكم سؤالاً: هل رأيتم واحداً دخل المحكمة وقيل له: ما الذي جاء بك إلى دار القضاء؟ ما الذي جاء بك إلى هذه المحكمة؟ فقلت أو قال الداخل: إني أنازع فلاناً مبلغاً عظيماً وقدره مثلاً مليون ريال، ثم لما دخل هذا الرجل في ردهات المحكمة التفت إلى ما فيها من الأساس وانشغل بوجوه الداخلين والذاهبين من حوله، فلما جلس وعرضت دعواه وتأمل ما عنده إذ به يقنع بريالين أو ثلاثة، رجلٌ يطالب بمليون أتظنونه يقنع بثلاثة ريالات أو ريالين، هذا ضربٌ من الخبل أو ضربٌ من الجنون، إذا كان يطالب بحقٍ ولم يكن عفوه أو إعراضه عن التسامح بفضل ماله ولم يكن عفوه لأجل مرحمةٍ أو ثوابٍ أو مغفرةٍ يرجوها، نحن وإياكم في هذه الدنيا نشبه من دخل تلك الدار يطالب بشيءٍ عظيم فرضي بمتاعٍ حقير ويسير.
стр. 1555
الجنة تنال بالمجاهدة
نحن خلقنا لعبادة الله، ووعدنا بجنات الله، وبشرنا برضوان الله، ودعينا إلى خلودٍ في دارٍ أعدها الله، فلما بقينا على ظهر هذه الدنيا واستوينا واستتمت لنا العقول، واكتملت لنا الأفئدة، وأصبحنا نبصر بالبصيرة وندرك بالتجربة؛ اشتغل الكثير منا بمتاع الدنيا وحطامها الفاني، فاشتغلنا بحفنةٍ من الرمال عن جنةٍ عرضها السماوات والأرض، واشتغلنا بلذةٍ زائلة، واشتغلنا بأمرٍ يزول وينتهي وتعقبه الندامة والحسرة عن نعيم لا ينقطع أبداً، لأجل ذلك قال ﷺ : (اغتنم) والغنائم لا تكون إلا بعد الجهاد ولا تكون إلا بعد الصبر والمصابرة، ولا تكون إلا بعد الرباط، وبعد التواصي، فمن حصل ذلك نال -بإذن الله- هذه الغنائم على أوفر حظٍ يطلبه، ومن اشتغل عنها بسواها من حطام الدنيا وقليلها الفاني فقد ضيع الغنيمة ونالها رجالها وأبطالها:
يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنان
يا سعلة الرحمن سوقك كاسدٌ فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن كيف تصبرالـ ـخطاب عنك وهم ذوو إيمان
أيها الأحبة في الله: من لم يجاهد فلن ينال غنيمة نريد الغنيمة بالنوم على الفرش؟!! نريد الغنيمة بالاشتغال بالدنيا على الآخرة، نريد الغنيمة بتقديم شهوات أنفسنا على ما رضيه الله لنا وما طلبه منا، وما شرعه نبيه ﷺ لنا؟! الغنيمة لا تنال إلا بالصبر، ولا تنال إلا بالمجاهدة، أما الذي يعلل النفس أو يتعلل بسوف ولعل وربما وليس ولو أنه فلا يستطيع أن ينال شيئاً، وكما قال القائل:
أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
الواقع أن التمني هو رأس أموال المفاليس، أما الأثرياء بالحسنات، والتجار بالصالحات، والمتنافسون بالطاعات، فأولئك جعلوا مهرهم أن أعرضوا عما يسخط الله، وأقبلوا على ما يرضي الله جل وعلا، وأنتم -معاشر الأخوة السامعين- فيكم خيرٌ كثير ولكن اسألوا أنفسكم: هل تريدون الغنائم أم تعرضون عنها؟.
ثم أيضاً: الخطاب من النبي ﷺ بقوله: (اغتنم) فإنه خطابٌ للسامع، والشارع يخاطبنا إلى يوم القيامة؛ فالمرأة مدعوةٌ للغنيمة، والرجل مدعو إليها، والذكر مدعو للغنيمة، والأنثى مدعوةٌ إليها، والشاب مدعو للغنيمة والفتاة أيضاً، فلا يظن سامعٌ أن هذه دعوةٌ أن يغتنم الرجال هذا الخير دون النساء، أو أن يغتنم الذكور دون الإناث، أو يغتنم الشباب دون الشابات، فهي غنيمة وربما كان حظ كثيرٍ من النساء أطيب وأكثر وأبلغ من حظ كثيرٍ من الرجال
ولو كان النساء كمثل هذه لفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب وما التذكير فخرٌ للهلال
إذاً: فهي دعوةٌ أن يغتنم الرجال والنساء هذه الخيرات على حدٍ سواء.
стр. 1556
اغتنام الحياة قبل الممات
الأولى: (اغتنم حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك).
الحياة -أيها الأحبة- قصيرة فإن عاش الواحد في ملذة واجتماع شملٍ، وإن عاش في نعمةٍ، وإن عاش في مال، ربما مرت عليه الأيام والليالي سريعة، ومن عاش في زنزانة، أو في سجن، أو عاش في نكد وفي قلق، وفي ضيق عيشٍ وتنغيص من حاله، فربما مرت عليه الحياة بطيئة، والحقيقة أن اليوم والليلة أربعٌ وعشرون ساعة، تمر على الملوك كما تمر على الصعاليك، وتمر على الأثرياء كما تمر على الفقراء، ولكن بطبيعة الحال تمر أيام اللذة سريعة، وتمر أيام البلاء بطيئة، وقديماً قال الشاعر:
مرت سنون بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيام
ثم انثت أيام هجرٍ بعدها فكأنها من طولها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأننا وكأنهم أحلام
أيها الأحبة: الحياة سريعة الزوال، واسأل من عاش مائة عام، أو ستين عاماً، ومن بلغ الستين فقد أعذر كما روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: (قد أعذر الله إلى امرئ بلغه الستين من عمره) من بلغ الستين فلا عذر له في التقصير ولا عذر له في التواني وليس هذا بحجة أن يضيع الواحد العمل ويقول: لم أبلغ الستين، فإن الواحد محاسبٌ بالتكليف فإذا بلغ العبد أصبح مكلفاً مخاطباً بالشريعة، وما يدري الواحد متى يموت:
فكم من صغارٍ يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
وكم من عروسٍ زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
أيها الأحبة: الواجب أن الواحد ينتبه لهذه الحياة فهي تمر سريعة، وروي أن نوحاً ﵇ قيل له: يا أطول الأنبياء عمراً! كيف وجدت الدنيا؟ وتعلمون أنه لبث في قومه: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ [العنكبوت:١٤] فقال: كداخلٍ من باب وخارجٍ من آخر، الدنيا مهما طالت فإنها قصيرة لأننا إذا نسبنا الدنيا إلى الآخرة وجدنا الدنيا متاعاً يسيراً قليلاً بالنسبة للآخرة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨] فكل متاعٍ في الدنيا؛ سواءً كان صحةً أو غنى، أو شباباً، أو ثراء أو مالاً، أو عافية أو جناناً، أو زوجاتٍ حسان، أو ضيعاتٍ ومزارع، فهي ليست بشيء بالنسبة لما في الآخرة، قال ﷺ : (مثل الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة كمثل ما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) تخيل -أخي الكريم- أنك وقفت على ساحل المحيط ثم جعلت أصبعاً من أصابعك في البحر، ثم أخرجتها من البحر مرةً أخرى إن القطرة التي تعلق بأنملك هي الدنيا، وأما الآخرة فهي البحر المتلاطم العظيم الكبير بكنوزه وأسراره، فمن ذا يبيع قطرةً بمحيط؟ من ذا يبيع يسيراً بشيءٍ كثير؟ سبحان الله العلي العظيم!! إن عقول كثيرٍ من العباد في غفلة، وإننا والله في غفلة، ولو كانت قلوبنا في تمام الحياة لما وجدتنا نصر على المعصية، نصبحها ونمسيها، ونقارفها ونرضى بها، ونداوم عليها، وربما جاملنا فيها.
أيها الأحبة: من عرف الآخرة عشقها وطلبها وأحيا ليله وأظمأ نهاره وجاهد نفسه وعصى هواه وعارض شيطانه، حتى تبلغ به المنية، وكما قال عبد الله بن الإمام أحمد وقد رأى ما فعل بأبيه، وقد رأى ما ثبت عليه أبوه من المجاهدة في الثبات على السنة قال: "يا أبت متى الراحة؟ فقال أحمد بن حنبل ﵀ ورضي عنه: يا بني! الراحة عند أول قدم تضعها في الجنة" فمن تأمل هذه المسألة أدرك أن الحياة غنيمة، كم عاش قبلنا من الملوك ومن الأثرياء ومن العظماء ومن الفقراء ومن الوضعاء والرفعاء، عاشوا وسكنوا القصور، ثم دفنوا في القبور، وتنوروا بأنواع الإنارة ثم انتهوا إلى ظلمة اللحود، وجلسوا على ألوان الحرير ثم نازعهم الدود أكفانهم، وعبث بنواعم أبدانهم.
стр. 1557
اغتنام الشباب قبل الهرم
أيها الأحبة: لو نظرنا إلى شأن الدنيا لوجدناها برقٌ خلب، سحائب طيفٍ عن قريبٍ تقشع، ويقول ﷺ : (اغتنم شبابك قبل هرمك) فالشباب أيضاً سريع التحول وسريع الزوال:
شيئان ينقشعان أول وهلة شرخ الشباب وخلة الأشرار
إن غنيمة الشباب فيها مصلحةٌ عظيمة، ذاك لأن في الشباب مقدرةٌ على فعل الطاعات، ومجاهدة النفس عليها، نعم في الشباب قدرةٌ، من الشباب من يقدر على أن يتهجد واقفاً على قدميه، أما الكهل الكبير المسن فربما تهجد قاعداً لا يستطيع الوقوف، الشاب ربما صام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وصام الإثنين والخميس وصام فرضه وصام نوافله، أما الكبير فربما كان عاجزاً عن أن يقوم بهذا، في الشباب طاقات وقدرات لا يجدها كبار السن، في الشباب قدرةٌ على الإقلاع عن الذنوب، يوم أن تخاطب شاباً مدخناً أو سامعاً للملاهي والأغاني، أو شاباً قد وقع في شيءٍ من المعاصي والمسكرات، فإن عنده من القوة والطاقة والحيوية والمقدرة ما يستطيع معه أن يصارع شهواته، فينتصر عليها في شبابه، أما إذا شاب على المعصية فإنا لله وإنا إليه راجعون! والشيء بالشيء يذكر.
حدثني أحد طلابي في الكلية ووقفت في نفسي على نفس صاحب المحل، وقال عن ذلك الرجل: إنه كان يبيع الأسطوانات من زمنٍ قديم ثم يبيع الأشرطة (المكرات) ثم أخذ يبيع ألوان الأشرطة الكافرد والكاسيت وغيرها، قال فقلنا له: يا عم! كم عمرك؟ قال: فوق الستين أو عند السبعين، والنبي ﷺ يقول: (أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وقليلٌ منهم من يجاوز ذلك) يقول: قلنا يا عم: أنت في هذا السن وتبيع أسطوانات الأغاني، وتبيع الأشرطة، وتبيع الملاهي في هذا الدكان بجوار أهل الشيشة، وأهل هذه الأمور المحرمة النجسة والروائح النتنة؟ قال: يا (وليدي) أنا من عهد محمد بن إبراهيم إلى يومك هذا وأنا على هذه الحال، إنا لله وإنا إليه راجعون! أهذه مفخرة أن يستمر الواحد على معصية من حياة الشيخ محمد بن إبراهيم إلى يومنا هذا! وأقبح من هذا أن قال: إن الشيخ سبق أن نصحني ولكني ما تركت، يعني في معنى: أنني عاجزٌ عن أن أقلع أو أغير، والله ما عجز ولكن على الران القلوب: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] لأن من نشأ في معصية، وترعرع في معصية، وشب في معصية، وشاب في معصية، وبات شيخاً على معصية، فإن الشيخوخة في هذه الحال تعني: إدماناً وبقاءً على المعاصي وربما رأى الإنسان ألواناً من المواعظ والمذكرات والمغيرات ومع ذلك لا يتغير إلا يوم أن يأتيه الموت، فإذا أدركه الموت قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ﴾ [يونس:٩٠ - ٩١] الآن تتوب لما وصل الموت فحينئذ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام:١٥٨] إن الواحد ينبغي له أن يغتنم حياته -أيها الأحبة- وأن يستغلها في طاعة الله .
أنا أسألكم سؤالاً: نحن خلقنا لأجل عبادة الله جل وعلا، وأما نكاحنا زواجنا بيعنا شراؤنا سكنانا دوابنا سياراتنا هذه حاجات على الطريق، أما الغاية هي أن نعبد الله وأن نرضي الله حتى ندخل جنة الله، فتخيلوا معي الآن هذا المثال: رجلٌ سافر إلى مكة أو يريد السفر إلى مكة، وفي الطريق مر على محطةٍ وجد فيها دكاناً أو حانوتاً يبيع ألوان الخبز والمرطبات والمشروبات والمكسرات، ماذا تقولون لرجلٍ وقف عند هذا الحانوت أو هذا الدكان وقال: هنا وصلنا مكة، لا.
الحانوت الذي على الطريق تأخذ منه حاجتك وليس غايتك أن تأخذ الشراب أو الطعام أو الملبس، غايتك أن تتجه إلى مكة أما وقوفك عند الحانوت لأجل أن تغير ثوباً أو تغير قطعةً أو تشتري دابةً أو تحصل حاجة، فحالنا حال الذي أراد السفر إلى مكة فظن أنه وصل إلى مكة بمجرد وقوفه عند محطةٍ من المحطات، أي: جعل ما يتزود به إلى الطريق غاية ونسي الغاية العظمى، فنحن غايتنا الآخرة خلقنا لعبادة الله، لكن كثيراً منا وقف عند حوانيت الدنيا، كثيرٌ منا جعل غايته عند زوجةٍ نالها، غايته عند بيتٍ سكنه، غايته عند سيارةٍ ملكها، غايته عند أرضٍ يبنيها، غايته عند أموالٍ يستثمرها، هذا المال والزوجة والسيارة والدابة هي مثل الكيك والكعك والمرطبات والمكسرات التي تجدها على جنبات الطريق؛ لكن لا يعقل أن واحداً يرضى بهذه المكسرات ويقول: هذه الغاية، بل ربما أكل منها شيئاً في الطريق ثم رماها من نافذة سيارته وحث السير بخطىً جادة حتى بلغ مكة أو بلغ غايته.
إذا علمنا هذا -أيها الأحبة- فلا نخلط بين الغاية وبين المتاع الذي في الطريق قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] لا بأس أن تقف عند أي حانوتٍ وتأخذ منه حاجتك من لباسٍ أو طعامٍ أو شراب، لكن الغاية أن تبتغي بما أوتيته من سمع أو بصرٍ أو مالٍ أو جاهٍ أو قوةٍ أو وجاهةٍ أو قدرةٍ أن تبتغي بها وجه الله ، ففي الشباب قدرةٌ على الإقلاع عن الذنوب، وفي الشباب قدرةٌ على طلب العلم، وفي الشباب قدرةٌ على مجاهدة النفس:
ومن لم يذق ذل التعلم ساعةً تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه فكبر عليه أربعاً لوفاته
أيها الأحبة في الله: الحياة قصيرة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥].
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٥] والله عشتم سنين!! عشتم منكم من بلغ العشرين سنة، ومنكم من بلغ الثلاثين، ومنكم من بلغ الأربعين، ومنكم من بلغ الخمسين وجاوزها، والسبعين وتعداها، ماذا فعلتم بها؟ ظننتم أنكم لن تحاسبوا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة:٣٦].
يا أخوان: لو أن رجلاً استقدم مائة عامل ثم تركهم هكذا لقلنا: هذا مجنون يستقدم مائة عامل ويتركهم هملاً في الأرض!!، أو استورد مائة جهاز ثم يقفل عليها في الخزينة ويتركها!! فما بالك بأحكم الحاكمين أتظنونه خلقنا عبثاً؟! هل خلقت هذه الأبدان لنلبس عليها أفخر المشالح والثياب وألوانها وأنواعها، أم خلقت الأعين لنقلبها في أفلام الفيديو والمجلات الخليعة؟! أم خلقت الآذان لنسمع بها إلى الأغاني والأهازيج والموسيقى والطرب؟! لا والله ما خلقت لهذا وإنما خلقت لطاعة الله.
إذاً خلق الإنسان كله لغاية وهي عبادة الله، لا يعقل أن يكون جزء منه لغير عبادة الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] كلك يا بن آدم من أخمص قدمك إلى مفرق رأسك مخلوق لعبادة الله، أتظن أن الجسم كله خلق لعبادة الله والعين خلقت لكي تنظر إلى فلانةٍ وعلانة؟: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣٠ - ٣١].
أيها الأحبة في الله: الواقع يشهد أننا ضيعنا كثيراً من الفرص وفاتتنا كثيرٌ من الغنائم، فيا ترى هل نعود لاستدراك ما فات؟ هل نستعد قبل الممات؟ هل نجتمع ونعقد العزم على تكفير السيئات وتجاوز الزلات والخطيئات؟
стр. 1558
اغتنام الصحة قبل السقم
اغتنم خمساً قبل خمس، وذكر منها: (صحتك قبلك سقمك) أنت الآن معافى وأنت الآن قادر.
أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرةٌ فلا يدوم على الإحسان إمكان
ليس كل مرةٍ أنت قادرٌ على أن تفعل الخير، فما دمت اليوم قادراً على فعل الخير فافعله وبادر وأسرع واغتنم فربما غداً لا تستطيع، ما دمت اليوم قادراً على أن تبذل الفضل في مرضاة الله فعجل فربما تكون غداً عاجزاً عن ذلك، اليوم الناس يحتاجون إليك، وغداً أنت تحتاج إلى الناس، اليوم أنت تخدم غيرك وغداً قد تسقط صحتك وتقف قواك فتبحث عمن يعينك.
ولقد رأينا وزرنا وجالسنا أناساً كم كان لهم في الحياة من صولات وجولات، وكان لهم مواقف شهدت لهم الأرض وشهدت عليهم، ولو نطقت جوارحهم لتكلمت بما فعلوا، كانوا بالأمس يبطشون، وبألسنتهم يتكلمون، وبأقدامهم يمشون، وربما إلى حرامٍ أو مشبوهٍ يسعون، فنالهم من أمر الله ما نالهم، كان الواحد منهم يقضي حاجته بنفسه والآن على سرير المرض إن لم تأت ممرضة ثم تعطيه في دبره ما يخرج الغائط من جوفه وإلا ما استطاع، كان بالأمس يقضي حاجته بنفسه واليوم تُقضى حاجته ويُعان على قضاء حاجته، كان بالأمس يحتاج الناس إليه واليوم احتاج إلى الناس، كان بالأمس يتحرك حيثما أراد واليوم لا يتحرك إلا بمن يدفعه بعربيته إلى المكان الذي يريد، كان بالأمس يقرأ ما يشاء واليوم يُقرأ عليه فقد فَقَدَ بصره، كان بالأمس يسمع كل كلام واليوم احتاج إلى الإشارة لأن نعمة السمع فاتته في أمرٍ من الأمور.
إذاً الصحة عارية وربما تذهب الصحة بمرضٍ أو بسقمٍ أو بموتٍ أو ببلاء، ولأجل ذلك فإن من نعمة الله عليكم -يا معاشر أمة محمد- أن النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) هذه بركة الطاعة، وهذه بركة المجاهدة، وهذه بركة مجاهدة الله في الشباب؛ إذا كنت في شبابك مطيعاً فقعد بك الهرم والشيخوخة عن النوافل وأنت على فراش مرضك كتبت لك حسناتك وصيامك وقيامك، إذا كنت في إقامتك وحلك مجتهداً في الطاعة، فإنه يكتب لك في سفرك ما كنت تفعله كما قال ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً).
العمر جميلٌ بطاعة الله وفي غير طاعة الله نقمةٌ على صاحبه، العمر لذيذ في مرضاة الله، ومن كان معمراً على معصية، أو معمراً على فساد أو فاحشة، فمثل ذلك حياته وبال عليه ولو مات لكان خيراً له: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤].
قيل للأعشى ميمون بن قيس وقد جاوز مائة سنة: يا أعشى! كيف وجدت الحياة؟ فقال:
المرء يرغب في الحياة وطول عيشٍ قد يضره
تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره
وتسوءه الأيام حتى ما يرى شيئاً يسره
كم شامتٍ بي إذ هلكت وقائلٍ لله دره
أيها الحبيب: إذا علمت هذا فاسأل الله ربك أن يجعل حياتك في طاعته، وفي الحديث: (إن الله إذا أراد بعبدٍ خيراً استعمله!! قيل: وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه إلى عملٍ صالح ثم يتوفاه عليه) هكذا يستعمل الإنسان في طاعة الله، وكم سمعت مراراً من سماحة المربي العالم المفتي سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز وهو يدعو ويردد ويقول: اللهم استعملنا في طاعتك، اللهم استعملنا في طاعتك، اللهم استعملنا في طاعتك.
فيا أيها الأحبة: العاقل يسأل الله أن يكون عمره في طاعة الله، إن كنت بلغت العشرين فقل: اللهم اجعل ما مضى خالصاً لوجهك في طاعتك، وأسألك أن تعينني وأن تثبتني على ما بقي؛ لأنك -أيها المسكين- لا تدري فأنت في زمن الفتن، يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، فعمرك نعمة، وما أسعد حال أولئك الذين شابت لحاهم في الإسلام! ولأجل ذلك في الحديث: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم) رجل كبير طاعن في السن لحيته بيضاء قد اشتعل الرأس منه شيباً، إن إكرامك له وإجلالك له من تعظيم الله سبحانه، لماذا؟ لأنه مكث ستين عاماً على التوحيد، أو سبعين عاماً على التوحيد، أو ثمانين عاماً على التوحيد، وأنت يا مسكين يا شاباً قد أعجبتك خطابتك أو محاضراتك، أو يا شاباً قيل لك: أنت ملتزم، أو أشير إليك بالبنان، أو قيل من الصالحين ما تدري ماذا يختم لك به، وكم من أناسٍ كانوا شباباً على الطاعة فتهاونوا أو غيروا أو تساهلوا فانقلبت طاعاتهم إلى معاصٍ، وختم لهم بسوء الخاتمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! لأجل ذلك فإن الحياة على طاعة الله نعمةٌ عظيمة، أما الحياة على المعصية؛ أو على أحوالٍ يبعد فيها المرء عن مرضاة الله، ذلك بابٌ من الحرمان والخذلان.
стр. 1559
قصة رجل تجاوز السبعين يحرص على الربا
شابٌ يعمل في أحد البنوك قال: جاء إلي رجلٌ عمره فوق الستين عاماً حول السبعين، قال: وكان له وديعة ربا قدرها ستين مليون دولار قال: جاء إلي ذلك الرجل الكبير ومعه عصاه وقال: يا ولدي! كم بلغت الفوائد الآن؟ فقلت: يا أبي يا عم يا رجل يا طيب يا كريم، أنت الآن عمرك ستون، قال: بس خل عنك كلامك كم بلغت الوديعة؟ قال: فأخبرته، ثم بلغني أنه أصابه مرضٌ في قلبه واحتاج إلى صمام أو شريان أو شيئاً من هذا قال: فقلت: لا أظن أن هذا الرجل الكبير يعود إلى الربا، بل ربما وهو في المستشفى يتصدق بجميع أمواله كي ينجو، قال: فما لبثت أشهراً إلا وجاءني ذلك الرجل ومعه عكازته دخل به رجلٌ معه علي وقال: يا ولدي! كم بلغت الفائدة؟ كم بلغت الوديعة؟ قال: فقلت: يا عم! أنت الآن في قلبك ما فيه، وفي صحتك ما فيها، وأنت الآن جاوزت الستين وقاربت السبعين، قال: أنت حاطينك البنك هنا مطوع وواعظ تعظ الناس، قال: فعلمت قول الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] ستين مليون دولار وديعة فضلاً عن فوائدها صاحبها مصابٌ بشريان أو بجلطةٍ أو بصمام يرى الأموال والملايين، هل يستطيع أن يتزوج فتاة؟ لا هل يستطيع أن يأكل ما يشاء؟ لا.
هل يستطيع أن يسافر حيثما شاء؟ لا.
هل يستطيع أن يمارس أي رياضةٍ شاء؟ لا.
ومع ذلك يسأل عن ستين مليون، هذا هو المحق بعينه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٦] قد يكون صاحب الربا يرى مليارات بين يديه ويرى أموالاً طائلة لكن بمعصيته وبعمره في معصية تمحق منه بركة المال، ينتظره الورثة متى يموت، ويتمنى العصبة والورثة فراقه ودفنه وإيداعه في اللحد حتى يتلذذوا كما يشتهون بأمواله التي جمعها، إن كان حراماً فعذاب، وإن كان حلالاً فحساب.
стр. 1560
العصاة يدعون الوسطية
أيها الأحبة: إن هذه الحياة وهذه الصحة إذا لم تستغل في طاعة الله فلا شك أنها ماضيةٌ في معصية الله، وإن كثيراً من الناس قد وسوس له الشيطان بقوله: لا تكن فاجراً زانياً خبيثاً مروجاً للمخدرات، ولا تكن مطوعاً متشدداً معقداً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وإنما كن وسطاً؛ بمعنى: صل كما يصلي الناس ولا تتشدد على أولادك، وإن فاتتك الفجر فلا بأس، وإن جعلت المنبه قبل الدوام بنصف ساعة فلا بأس، وإن سمعت أغنية فلا بأس، وإن دعيت لتكتتب في أسهم بنك من البنوك فغاية الأمر سهمان أو ثلاثة فلا بأس، وإن دعيت إلى كذا فلا بأس؛ المهم ألا تكون مطوعاً معقداً متشدداً كما يريد هؤلاء الدعاة، ولا تكن متساهلاً مروجاً للمخدرات مسافراً لتلك البلدان التي يفعل بها الزنا، اجعل نفسك وسطاً.
وإني أعجب وأقول: إذا كان هذا يعد نفسه وسطاً فما هي وسطية النبي ﷺ ، إذا كان هذا الذي يتساهل ويضيع ويسمع ويداهن ويترك الأمر بالمعروف، ويرى المنكر ويسكت، ويرى أهله أو إخوانه أو أهل بيته على معصية ويقول: أنا لست متشدداً، إذا وصلت المسألة الزنا تكلمت، أما مادام لم تصل الزنا فأنا ساكت، لا تكن متشدداً اجعل نفسك وسطاً، إذا كنت وسطاً فماذا يكون أبو بكر الصديق؟ ماذا يكون عمر بن الخطاب؟ ماذا يكون عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان؟ ماذا يكون المصطفى ﷺ الذي قال: (أتعجبون من غيرة سعد؟! إني لأغير من سعد، وإن الله لأغير مني، وإن غيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله عليه) وفتاةٌ أخرى تقول: لا أريد أن أكون متشددة معقدةً مطوعةً متخلفةً، إذا خرجت لبست القفاز ولبست عباءةً صفيقةً غير شفافة، ولبست ثياباً واسعة لا تحجم بدني ولا تصف جسمي، ولا أتكلم مع الباعة أو أكاسرهم أو أماكسهم وإذا أردت أن أخرج لا أتطيب، أنا لا أريد أن أكون متشددةً هكذا، ولا أريد أن أكون منحرفةً زانيةً أو مضيفةً لكن لا بأس أن أخرج إلى الشارع ويداي ظاهرتان، وشيءٌ من الساق قد بدا بما شق من الثوب من أسفله، ولو ظهر شيءٌ من النحر فلا حرج، وإن كان الغطاء خفيفاً فلن أبصر الطريق كما ينبغي، ولو تكلم رجلٌ في الهاتف تحدثت معه حديثاً لا بأس به، وأخذت وأعطيت ولو من باب التعرف، أو من باب قضاء الوقت؛ أنا لا أريد أن أكون زانيةً أو مضيفةً على الطائرة، ولا أريد أن أكون متشددةً متحجبةً ملتزمة، أريد أن أكون وسطا.
يا أمة الله! يا بنت المسلمين! إذا كنت تدعين الوسطية بهذا فماذا تكون فاطمة ﵂، وماذا تكون عائشة ﵂، أصبح العصاة يدعون الوسطية، فإذاً ماذا يسمى أهل الطاعة، وأهل العبادة؟ هذا أمرٌ عجيبٌ جدا!
стр. 1561
الصحة والفراغ
أيها الأحبة: في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس الصحة والفراغ) وهذا الحديث الصحيح فيه من معنى الحديث الذي هو موضوع المحاضرة: (صحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك).
إذاً الصحة والفراغ نعمتان عظيمتان وإن كنا كثيراً ما نسمع على ألسنة الشباب قولهم: هيا بنا نحل مشكلة الفراغ، ونقضي على مشكلة الفراغ، ونتأمل مشكلة الفراغ، النبي يقول: الفراغ نعمة وليس بمشكلة كما يقول القائلون، ولاحظ قول النبي ﷺ : (الصحة والفراغ نعمتان عظيمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس) كثير جداً يغبنون في هذه النعمة، فدل ذلك على أن القليل من الناس هم الذين لا يغبنون في الصحة بمعنى: يسخرونها في طاعة الله، قليلٌ من الناس هم الذين لا يغبنون في الفراغ فيسخرون فراغهم لطاعة الله، نعم الفراغ هو إناء الأعمال، الوقت هو زمن العمل أو هو وعاء العمل، فهذه ساعةٌ أنتم جلستم الآن في هذه المحاضرة تسمعون الكلام تذكرون الله تسبحونه تنزهونه تكبرونه وتصلون على النبي ﷺ ، هذه الساعة بالضبط الآن فيها شابٌ يبيع في محل الفيديو، وفيها شاب يتعاطى المخدرات، وهذه الساعة فيها رجلٌ الآن يبيع في البنك ويشتري بالودائع والفائدة، وهذه الساعة هناك من يبيع ويشتري أسهم البنوك الربوية، وهذه الساعة فيها من يمشي إلى معصية، وهذه الساعة فيها من يراود على معصية، وهذه الساعة فيها من يجاهد نفسه عن معصية الله، وهذه الساعة فيها معتكفٌ في بيتٍ من بيوت الله، وهذه الساعة فيها طائع لله جل وعلا، إذاً فالزمن هو وعاء العمل، ساعةٌ فيها من يعصي الله وفيها من يطيع الله، لكن من عصى مغبون؛ لأن الساعة ولت، هل يستطيع الآن واحد منكم أن يمسك دقيقة حتى لا تفلت؟ هل يستطيع إنسان أن يمسك ثانية من الوقت؟ أبداً
يسر المرء ما ذهب الليالي وكان ذهابهن له ذهابا
الواحد منا يفرح أن ينتهي الشهر يقول: الحمد لله اليوم ثلاثين يصرفوا له الراتب، نعم إنهم صرفوا الراتب ولكن صرف من عمرك شهر، اذهب إلى صندوق الدفع وهو القبر لترى ماذا صرفت هذا الشهر فيه، أنت تفرح أن مضت خمس سنوات حتى يخرج اسمك في صندوق التنمية العقاري، نعم اسمك أنت في الدفعة التي ستخرج الآن، أنت في الدفعة التي سيؤخذ ما عندها من القمح أو البر، ولكن أنت في الدفعة التي دنا أجلها وستموت في ذلك اليوم الذي قدر لها.
قال عمر بن الخطاب ﵁: [إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً] أي: فارغاً لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.
الأصل أن المسلم لا يعيش فارغاً، فإما يكون في عبادة، وإما أن يكون في مباحٍ يفضي إلى عبادة، أو يقوي على عبادة، فالذي يجلس في المغرب في حلقة تحفيظ القرآن، أو في المحاضرة، أو في ندوة، أو في كلمةٍ نافعة، فهذا يؤجر بإذن الله، والذي يبيع ويشتري في دكانه ثم يجني أرباحه آخر النهار، فيكفل يتيماً، أو يجهز غازياً، أو يحفر بئراً، أو يتصدق، أو يغيث ملهوفاً، أو يفرج كربة، فهو أيضاً في مباحٍ جمع به مالاً قاده إلى عبادة، لكن الذي ليس في عبادة وليس في مباحٍ يعين على عبادة ماذا يفعل أيها الأحبة؟ ثم اعلموا أنه ربما حصل للإنسان صحة ولم يحصل له فراغ، وربما وجد فراغاً لا صحة فيه، فأنت ترى المرضى الذي لهم في المستشفى ست سنوات وثلاث سنوات وسبع سنوات لا شغل عندهم، ولكن فراغهم هذا بسبب زوال صحتهم، فهل فكرت يوماً ما أنك الآن في نعمةٍ عظيمة بإمكانك أن تستغل الدقائق والثواني والساعات والأيام قبل أن يهدمك الموت، وينقلك إلى دارٍ قريبةٍ، وما أكثر من تراهم كل يومٍ يحملون على الأكتاف
هو الموت ما منه ملاذٌ ومهربٌ متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في السما وفي علمنا أنا نموت وتخرب
وقال الآخر:
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
إذاً الآن اجتمع لكم الصحة الفراغ فاغتنموها يا عباد الله.
إن الذين يرقدون على الأسرة البيضاء في المستشفيات فارغون لا شغل لهم، ولكن فراغهم لزوال صحتهم وعافيتهم، يتمنى الواحد أن يقوم من الشلل أو من الفشل، أو من البلاء أو من السقم والمرض ويعبد الله ليل نهار ولكن هيهات، إن ابن آدم ظلومٌ كفار قال تعالى في شأنه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢].
خذ هذا المثال: شابٌ قوي البنية مفتول والعضلات، طويل عريض ضخماً أصابه ذات يوم مرض الزائدة -قطعةٌ صغيرةٌ في أسفل بطنه- فأخذ يتلوى ولا يستطيع أن يقف، كان سابقاً يقف نافخاً صدره مصعراً خده ينظر إلى الناس بنصف عين من شدة ما في نفسه من القوة والعافية وربما بطرته العافية، فلما أصابه أمرٌ من أمر الله ومسه الألم ما استطاع أن يقف، وأنتم تعرفون أن صاحب الزائدة لا يستطيع أن يقف هكذا بل يتلوى ويمسك أو يضع يده على أيسر بطنه ثم يتلوى ويصيح أو ينوح يريد الوصول إلى المستشفى، يريد أن يشق بطنه، يريد أن يقبض على هذه الزائدة وسط لحمه ودمه ثم تقطع وتجرح بالمشرط ثم يخيط بطنه كما يخاط السقاء والوعاء.
هكذا شأن الإنسان إذا أصابه البلاء: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ [يونس:١٢] لما شفي وعوفي وزال عنه المرض وولى البلاء: ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] بعد ذلك إذا جاءت الممرضة حاول أن يلمس يدها، حاول أن ينظر إليها، حاول أن يضاحكها، حاول أن يكون له معها شأن، سبحان الله! لما جيء بك على السرير وأنت داخلٌ المستشفى تقول: يا ألله آه يا رب عالجوني اقطعوا هذه الزائدة شقوا بطني شرحوني افعلوا بي ما تشاءون، ولما عادت العافية: ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] لماذا أيها الحبيب؟ لماذا أيها الأخ؟ لماذا هذا شأنك؟ ألا تعرف ربك إلا في الشدة؟ (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) تعلق بالله في الرخاء ينفعك في كل حينٍ وفي حال شدتك أيضاً.
стр. 1562
لا فائدة من صحة دون فراغ
ثم تأملوا -أيها الأخوان- أن الصحة قد تكون موجودةً لكن لا يكون معها الفراغ، خذ مثالاً على ذلك: هل رأيتم عمالاً يحملون أكياس الرمل على ظهورهم؟ خذوا مثالاً على ذلك: العمال الذي يحمل الواحد منهم (الطوبتين) والثلاث (البلك) يحملها على ظهره من طلوع الشمس إلى مغيبها، ثم ترى الآخر يحمل أكياس الرمل على ظهره من الدور الأرضي إلى الدور الثالث والرابع، عنده صحة وعافية، لكن عنده فقر فذهب للبحث عن لقمة العيش، فإذا جاء المساء وحان المغيب وجدته لا يستطيع أن يتمالك نفسه واقفاً من شدة الإعياء والتعب، ثم إذا وضع رأسه على فراشه غط في نومٍ عميق يداوي بنوم الليل تعب النهار، لكن أنتم في عافية وفي فراغ وفي نعمة، لو كان الواحد فقيراً ما كان عنده وقت أن ينظر إلى الفيديو أو ينظر إلى معصية أو أن يضيع أوقاته في منكرٍ أو فاحشة.
يوم أن كنا في الحدود الصومالية في منطقة منديرا وما حولها والحدود الأثيوبية أيضاً في المجاعة التي لا يخفاكم شأنها، الناس هياكل عظمية من الجوع، والأقوياء من القوم يحفرون القبور ويدفنون الموتى، هذه حياة المخيمات، فكان بجواري أحد الأخوة فقلت له: هل ترى هؤلاء النساء الواحدة منهن تفكر في مشغل نسائي؟ هل ترى واحدةً تفكر ماذا تلبس من فساتين في المناسبة الفلانية أو الزواج الفلاني؟ هل ترى هؤلاء الرجال يفكر أحدهم أين يقضي سهرة الليلة في حديقة كذا أو على رصيف كذا؟ هل يخرج إلى قوم معهم شيشة على الطريق الدائري؟ هل يخرج إلى قومٍ عندهم طربٌ وسمر بالمكان الفلاني؟ لا.
يا أخي! القوم جياع، القوم لا يفكرون إلا بشبع بطونهم فقط، إذاً: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] لما حصل له الغنى ظهر منه الطغيان، ولو كان مريضا ً ما ذهب يبحث عن قومٍ يعصي الله معهم، ولو كان مشغولاً بلقمة العيش والسعي والكد لما وجدته يضيع وقته، هل وجدت عاملا ً من العمال طول النهار يشتغل فلما جاء الليل قلت له: تعال معنا في مجلس للشباب عندهم بلوت، وعندهم شيشة، وعندهم أغاني، وعندهم لهو وطرب، تعال وسع صدرك معنا، يقول العامل: لا يا أخي، أنا مسكين أولادي ينتظرونني، أنا أعمل عندك بستمائة ريال بألف ريال أكد عافية النهار وأداوي بالنوم في الليل تعب النهار، وهكذا تتوالى الأيام حتى أجمع لأولادي مالاً أعالج فيه مريضهم، وأستر فيه عاريهم وأبني لهم بيتاً أو كوخاً صغيراً يؤويهم.
стр. 1563
نعم الله علينا تترى
أيها الأحبة: والله لقد اجتمعت لنا نعم ما اجتمعت لغيرنا، نحن الآن على قيد الحياة، هل في المسجد أحد ينازع سكرات الموت لا يدري هل ينطق الشهادة أو لا؟ نحن الآن نتقلب في نعمة الحياة، هل فينا مريضٌ مرضا ًيقعد به على فراشٍ لا يستطيع أن يقضي حاجته بنفسه؟ من الناس من يكون عنده مرض بسيط (ربو أو سكر خفيف) أو أي مرض من الأمراض، لكن فرق بين من يمشي بعلته وبين من أقعدته علته على فراشه، شتان بين هذا وهذا، من الناس من يقول: والله أنت تتكلم عن الصحة وأنا مريض ما أمشي إلا ومعي ما يفتح التنفس، أو لا أمشي إلا ومعي حبوب السكر والضغط، أو لا أمشي إلا ومعي، يا أخي الكريم! حتى ولو كانت ما يدريك أن الله جل وعلا ابتلاك بهذا السكر أو بهذا الربو أو بهذا الأمر الذي تعاني منه من أجل أن يستمر تكفير سيئاتك، من أجل أن تنتهي هذه السيئات قال ﷺ : (ما يصيب المؤمن من همٍ ولا غمٍ ولا نصب ولا وصبٍ؛ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بذلك من خطاياه).
إذاً: أنت في صحة؛ لكن السقيم الذي تراه الآن في المستشفى؛ جهاز البول يمتد إلى أنبوب لا يستطيع أن يتحكم فيه، ومثله الغائط ومثله التنفس، وبعضهم يفتح له في رقبته فتحة حتى يصل الطعام إلى المريء، لأنه لا يستطيع أن يبلع ذلك؛ فأنت الآن في عافية وأنت في فراغ؛ عندك فراغ يا أخي؛ نعم عندك دوام من الصباح من الساعة السابعة إلى الساعة واحدة أو اثنتين، لكن ما هو شغلك؟ تحمل طوباً، أو تحمل أكياس رمل، أو تحت السيارات، أو ترفع أثقالاً؟ أبداً؛ على كرسي دوار وعلى مكتب، أو تشرح لطلاب وفي مكان مكيف، أو في حانوت وآمن ومطمئن ولست تخشى شيئاً أو تخاف شيئاً.
(وشبابك قبل هرمك) أنت الآن قادر تستطيع أن تذهب إلى المحاضرة، وتمشي إلى المسجد، وتستمع الخطبة وتنصت إلى كلام الله وتناقش بعقلك، هل أنت على حقٍ أم على باطل؟ هل أنت في رضى الله أو في معصيته وأنت في غنى؟ لست فقيراً تخاف أن تموت جوعاً، من الناس وللأسف من فقره في قلبه ويده.
منذ مدةٍ جاءني في المسجد رجل وعليه علامات النعمة، يعني: لا بأس به، فقال: أريدك أن تساعدني، قلت: والله يا أخي الكريم أنت تعلم أننا نساعد المحتاجين نتكلم في جماعة المسجد ونقول: يا إخواني! جزاكم الله خيراً ساعدوا محتاجين منكوبين في البوسنة والهرسك، ساعدوا الذين يموتون جوعاً في الصومال، ساعدوا المعوقين والأرامل في أفغانستان، ساعدوا المجاهدين في الفليبين، ساعدوا رجلاً معوقاً في مستشفى النقاهة هو الذي يصرف على أولاده أصابته إعاقةٌ وشلل دائم يعني: اجمعوا له مالاً واصرفوه على أولاده.
لكن -يا أخي الكريم- أنت والله ليس وراءك نصراني يلحقك يذبحك كما يفعل الصرب بالمسلمين في البوسنة والهرسك، ولست الآن تموت جوعاً، قال: والله إني بعض الأيام لا أجد ما آكل، قلت: لو تقف عند زبالة شبعت؛ لو تقف عند زبالة من زبائل المطاعم شبعت، ما تستحي؟ أنت في نعمة وفي عافية وفي خير، ثيابك جميلة، وصحتك جميلة، وفي غنى، وفي نعمة، وفي أمن، وراءك صربي أو نصراني يلقي عليك النار بالرشاش؟ قال: لا.
قلت: أتموت جوعاً أو واحد من عيالك الآن هيكل عظمي يموت جوعاً؟ قال: لا.
قلت: عريان ما عليك ما يكسوك؟ قال: لا.
قلت: ما تتقي الله عندما تقول: أنا أحوج من هؤلاء؟ ما تخشى الله جل وعلا عندما تقول: أنا أحوج من الذين في البوسنة والهرسك، وأنا أحوج من الذين في الصومال؟ أين غنى القلب؟ (من يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستغن يغنه الله جل وعلا).
فالحاصل أننا -أيها الأخوة- في نعم، ولا يغرك بعض الناس ويقول لك: انظر إلى فلان وانظر إلى علان، وأنت المسكين ليس عندك شيء، لا.
أنت في نعمةٍ عظيمة، من قال: أنا فقير ليقف الآن أمامي وأقول له: تبيعني عينك بمليون؟ تبيعنا أذنك بمليون؟ تبيعنا لسانك بمليون؟ تبيعنا واحدة من الكلى بمليون؟ تبيع قلبك بمليون؟ أنت تملك ما يقارب ملايين!! كل جارحة من جوارحك لو قيل لك نشتريها بالملايين رفضت وأبيت، فتقول أنا فقير وأنت تملك هذا كله.
أقول أيها الأحبة: إن الواحد منا يملك الشيء الكثير، ولكن الشيطان يغرر بالإنسان ويوسوس له، ويضعف قدرات نفسه أمامه، حتى يجعله عبداً لشهواته، وعبداً لوسوسة قرينه من شياطين الإنس، وقرينه من شياطين الجن الذين: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢].
والآن أيها الأحبة: أما آن لنا أن نغتنم؟ أما آن لنا أن نستفيد مما نحن فيه مادمنا على القدرة؟ فلنبادر قبل أن نكون عاجزين، ولعل من الناس من يقول: لا بأس ولكن أمامنا شبابٌ لا بد أن نتلذذ به، وأمامنا فرصةٌ من الحياة لا بد أن نتمتع بها، فبماذا تتمتع؟ تتمتع بمعصية الله أو تقول: ليس هذا أوان الطلب، وليس هذا زمان الاجتهاد، أو تسوف فيما بعد، وتؤجل إلى ما بعد، فما يدريك أن الموت يفاجئك؟
إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى
стр. 1564
إياك والتسويف فالقبر أمامك
اغتنم هذا كله وإياك أن تسوف؛ فإن الدنيا دول والدهر قلب: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] تلك الأيام يداولها الله جل وعلا بين أمم وأمم.
ذكر أن واحداً من البرامكة دخلت عليه ابنته وقالت: يا أبت! ما الذي حول حالنا إلى ما نحن فيه اليوم، بتنا في عزٍ وأصبحنا في ذل، بتنا في غنىً وأصبحنا في فقر؟! فقال: يا بنيه
رب قومٍ أمنوا في نعمةٍ زمناً والدهر ريان غدق
سكت الدهر زماناً عنهم ثم أبكاهم حين نطق
أيها الأحبة: العاقل يغتنم كل شيءٍ حوله، ثم أسوق لكم أبياتاً جميلةٍ أريد من كل واحدٍ أن يحاسب أو يسائل نفسه بها:
خل ادكار الأربع والمعهد المرتبع
والضاعن المودع وعدِ عنه ودع
واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا
ولم تزل معتكفا على القبيح الشنع
كم ليلةٍ أو دعتها مآثماً أبدعتها
لشهوةٍ أطعتها في مرقد ومضجع
وكم خطىً حثثتها في خزيةٍ أحدثتها
وتوبةٍ نكثتها لملعبٍ ومرتع
وكم تجرأت على رب السماوات العلا
ولم تراقبه ولا صدقت فيما تدعي
وكم غمضت بره وكم أمنت مكره
وكم نبذت أمره نبذ الحذا المرقَّع
وكم ركضت في اللعب وفهت عمداً بالكذب
ولم تراعِ ما يجب في عهده المتبع
فالبس شعار الندم واسكب شآبيب الدم
قبل زوال القدم وقبل سوء المصرع
واخضع خضوع المعترف ولذ ملاذ المقترف
واعصِ هواك وانحرف عنه انحراف المقلع
إلى متى تسهو تني ومعظم العمر فني
فيما يضر المقتني ولست بالمرتدع
أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط
ومن ينح وقت الشمط بفوزه فقد نعي
ويحك يا نفس احرصي على ارتياد المخلص
وطاوعي وأخلصي واستمعي النصح وعي
واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى
واخشي مفاجأة القضا وحاذري أن تخدعي
وانتهجي سبل الهدى وادكري وشك الردى
وأن مثواك غدا في قعر لحدٍ بلقع
آهٍ له بيت البلى والمنزل القفر الخلا
ومورد السفر الألى واللاحق المتَّبع
بيت يرى من أودعه قد ضمه واستودعه
بعد الفضاء والسعة قيد ثلاث أذرع
لا فرق أن يحله داهية أو أبله
أو معسرٌ أو من له ملكٌ كملك تبع
هذه النهاية إن نهاية الذين اغتنموا حياتهم أن ينتقلوا إلى المقبرة، ولكنهم يبشرون بروحٍ وريحان وجنة نعيم، ويفتح لهم أبوابٌ إلى الجنان فيروا ما أعد الله لهم فيقول قائلهم: رب أقم الساعة رب أقم الساعة، وأما الذين ضيعوا أوقاتهم وأصروا على المعصية، وسمعوا الموعظة ثم دخلت من هاهنا وخرجت من هاهنا، وسوفوا ثم جاءهم داعي الموت وخطفتهم سهام المنون ونقلتهم إلى بيت الدود وضيق اللحود يقول أحدهم: رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة، لأنه يرى شيئاً يستوحش منه فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك السيئ.
стр. 1565
حث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أيها الأحبة في الله: أيها الأخوة في الله عامةً! ويا أهل هذا الحي خاصةً! عليكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعليكم بالمبادرة والتوبة إلى الله، وعليكم بأن تجتهدوا في إصلاح أحوالكم ظاهراً وباطناً وداخلاً وخارجاً، ليكن كل واحدٍ منكم عضواً ورجلاً من رجال الحسبة، إذا رأيت متبرجةً فقل: يا أمة الله! أيتها الكريمة! يا بنت الطيبين! تستري وتعففي لا تدعي البرقع هكذا يكشف وجهك ولا تخرجي يدك، ولا تخرجي متعطرة ولا تخضعي بالقول مع الرجال ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] وإن رأيتم من يتردد على السحرة أو الكهنة أو المشعوذين أو العرافين فقولوا له: يا مسكين! إن قدر الله ماضٍ لا يرده كيد كائد ولا يدفعه حرص حريص، فعليك بطاعة الله، وما عند الله لا ينال إلا بمرضاة الله، فاجتهد في ذلك تنل من الله مغفرةً ورضواناً.
وتناصحوا شباب هذا الحي وتعاونوا على نشر الخير، ودعوة الضال، وتعليم الجاهل، لأن من كان جاهلاً قد يعذر بجهله، لكن كلكم الآن يا من تجتمعون في هذا المسجد ليس فيكم أحد إلا وقد سمع شريطاً أو محاضرةً أو خطبةً، وقرأ كتاباً وعرف أحكاماً وعلم علوماً، فأسألك بالله ماذا عملت بعلمك، هل نصحت جيرانك؟ هل أصلحت بيتك؟ هل دعوت زملاءك؟ هل سترت على من حولك؟ واجبكم أن تتناصحوا وما دمتم بفضل الله على فطرة ودينٍ وتآلفٍ وتعاونٍ فيما بينكم فضعوا أيديكم في أيدي بعض، وتعاونوا على مرضاة الله وإظهار كل خير، ومقاومةٍ كل منكر فإنه أمرٌ يدفع عن المسلمين الهلاك قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] وقال في الآية التي قبلها: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧] نبشركم بالنجاة من الهلاك إذا تعاونا على إصلاح نسائنا وبناتنا وزوجاتنا وأولادنا وشبابنا وصغارنا وكبارنا.
أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يجعل اجتماعكم هذا في موازين أعمالكم، وأن يجعل اجتماعكم في صحائف حسناتكم، اللهم لا تدع لهذه الوجوه التي حضرت هذه المحاضرة ولإخواننا المسلمين ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا ميتاً إلا رحمته.
اللهم خذ بأيدينا إلى طاعتك، واصرفنا عن معصيتك، اللهم إنك تعلم تسلط الهوى، وتحكم الشهوة، ووسوسة الشيطان، وجليس السوء، وقلة المعين، اللهم فأعنا على طاعتك، واصرفنا عن معصيتك، وخذ بأيدينا إلى ما يرضيك، وتوفنا على أحسن حالٍ تقربنا إليك، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وصلى الله على محمد.
стр. 1566
الأسئلة
стр. 1567
أعظم الغنائم
السؤال
هذا سائل يقول: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أخبرك بأني أحبك في الله وسؤالي: ما هي أكبر الغنائم التي ضيعت في هذا الزمان؟
الجواب
أعظم غنيمةً يحصلها العبد هو أنه مؤمنٌ بالله ولد بين المسلمين وعاش في مجتمع مسلم، إذ أن كثيراً كما قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] فأعظم نعمة هي نعمة الإسلام ونعمة الإيمان، فمن تساهل بهذه النعمة ولم ينمها، ولم يرفع درجة إيمانه ويترقى في مدارج السالكين وطرق السائرين في منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، أعني: الواحد لا ينبغي أن يكون هكذا، تجد شاباً يتساهل في الصلاة، ويسمع الغناء، ويرتكب بعض المعاصي ويستمر عشرين خمسة وعشرين ثلاثين خمسة وثلاثين وهو هكذا لم يتغير، الأصل أن المسلم إذ زل الزلة فهي حال استغناء أما الأصل فهو استقامته على طاعة الله، وإن زل تاب من الزلة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود:١١٤] ثم بعد ذلك يترقى في الإسلام والإيمان والإحسان واليقين ودرجاتٍ تقربه إلى رب العالمين.
أما أعظم نعمةٍ أرى كثيراً من الناس ضيعها فهي كما ذكر النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم، ولن يكون أفصح وأبلغ منه، فانظر إلى حال هذه المسائل الخمس: الحياة قبل الموت، الصحة قبل السقم، والفراغ قبل الشغل، والشباب قبل الهرم، والغنى قبل الفقر.
أكثر الناس قد ضيع حياته ولم يأخذ منها ولم يستعد لموته، وكثيرٌ ضيع صحته وصرفها فيما لا ينفعه، انظروا مثالاً على ذلك: بعض الشباب الذين يتدربون في الصالة الرياضية، ويتدرب في كمال الأجسام ويتدرب في كذا تعد هذا الجسم لماذا؟ هل تدرب رجلك على طول التهجد والقيام في الليل؟ هل تدرب نفسك على حمل السلاح في الجهاد سبيل الله؟ هل تدرب نفسك على أمرٍ ينفعك؟ من الشباب من تدرب فرفع مائتين كيلو وزن أثقال، ثم نزل مائتين كيلو ورفع مائتين كيلو وصفق له الحاضرون وخرج من الملعب وماذا بعد ذلك؟ صحةٌ لم تستغل في طاعة الله، وحياةٌ ما نفعت صاحبها؛ لأن الواحد يندم يوم أن يكون بينه ويبن الموت شعرة، فيندم على ما مضى ويندم على ما فات ويندم إذا حل به المرض ويقول: آه يا ليتني أطعت الله! يا ليتني تخلصت مما عندي! بل إن بعض الشباب نسأل الله أن يتوب علينا وعليهم وأن يتجاوز عنا وعنهم ربما مات ووراءه من المعاصي ما وراءه.
شابٌ أعرفه جيداً جاءني ذات ليلة ووجهه متغير، وخاطره متكدر قلت له: يا سليمان! ما الذي بك؟ ما شأنك؟ قال: فلان ابن فلان من أقاربي لتوه جاء من مكان كذا وأعطي بيتاً في كذا حصل له حريقٌ فمات على إثره، ولما دخلنا لنقلب تركته وجدنا كذا شريط فيديو، وكذا شريط أغاني، وكذا مجلة.
يا أحبابنا! لو مات الواحد منا هذه الليلة؛ أشهد أن هذا اليوم صلاة الظهر صلينا في مسجد سارة على امرأةٍ هي قريبةٌ؛ لي أسأل الله أن يعفو عنا وعنها وأن يتجاوز عنا وعنها سألت ولدها: متى ماتت؟ قال: ماتت الصباح، كيف حدث ذلك؟ قال: كانت عندها جارةٌ من جاراتنا وهي تشرب الشاي هكذا ثم أصابها أمر أقل من التشنج ثم تقيأت قليلاً وجاءت ابنتها وأسندتها على صدرها، وجاء الطبيب قال: هذه ماتت، مع أنها مصبحة مع الناس ما فيها شيء، تقول هذا يقودها إلى الموت، فالموت قريب ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥].
ولا تشعرون.
يا أحباب: الواحد يستعد، فلو أن ملك الموت استأذن في هذا المسجد ليقبض روح واحد من الحاضرين، أو ليقبض عدداً منهم: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩] هل فينا من يستعد للقاء الله؟ والله لو قيل لأحد الشباب: إن ساعة موتك قد حانت الآن قال: هاه طلعوا الأفلام الذي تحت الدولاب، والمجلات التي فوق الماسة أبعدوها أحرقوها أتلفوها وصل الموت وأحاسب عليها، وأعذب بها، لا يراها أحد بعدي، ثم آخذ وزره، فتوقع أن يأتيك الموت في أي لحظة وبماذا تستعد، ولذلك أحد السلف من صلاحه وورعه يقال عنه: لو قيل له إن ملك الموت سيأتيك الآن لما زاد في عمله شيئاً.
هكذا يستعد المسلم لطاعة الله ، اجعل بيتك خالياً من آلات اللهو والمعاصي والأفلام والأشرطة، الطرب واللهو، لا تجعل السيئات تتراكم عليك بتساهلك بالصلاة مع الجماعة، لا تجعل صحائفك تسود بالذنوب والمعاصي بمجالس اللهو والغيبة والنميمة وفلان وعلان، لا تجعل أقدامك ويدك تشهد عليك بما اقترفت وبطشت من المحرمات، هذا هو استعدادك في طاعة الله، ثم امض حيث شئت في تجارة وزراعة وصناعة المهم ما دمت لم ترتكب محرماً في طريق.
стр. 1568
علاج قسوة القلب
السؤال
فضيلة الشيخ! ما هو علاج القلب القاسي؟
الجواب
الله جل وعلا قال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وقسوة القلوب إنما تكون بكثرة المعاصي والرضا بها، نحن لا نتصور أن بشراً لا يعصي أبداً، قد تحصل المعصية؛ ولكن إياك أن تجعل المعصية تتراكم وتتضاعف، يعني: حصلت اليوم معصية أتبعها بصدقة، أتبعها بمائة تسبيحة وتكبيرة وتهليلة، اجلس في المسجد ساعة وساعتين، اجعل رأسك بين رجليك وأطرق برأسك واستغفر واندم وتفكر، واسأل الله أن يسلمك من شؤم هذا الذنب، وأن لا يؤاخذك به، وأكثر من التوبة والاستغفار.
ولكن هنا مسألة تعينك على علاج قسوة القلب: فأولها: مجاهدة النفس، بمعنى: قد يكون الإنسان قلبه أقسى من الحجر، لكن إذا كنت تريد أن تلين قلبك فجاهد نفسك على الجلوس في حلق الذكر؛ لأن حلق الذكر تزول عنها الشياطين، لماذا يبقى قلبك قاسياً؟ لقرب الشيطان منك، فلا بد أن توجد في بيئة ومحضن ليس فيه شيطان، المساجد لا تدخلها الشياطين، ذكر الله والاستغفار والتسبيح والتهليل يجعل الشيطان بعيداً عنك، فأكثر من حلق الذكر وجلوسها، وأكثر من زيارة المرضى وعيادتهم.
وإن تيسر لك أن تشهد رجلاً يعاني سكرات الموت فقف عند رأسه وانظر كيف تبرد أطرافه، وتجذب الروح من ساقيه، ثم تنتفض ركبتاه، ثم يهتز فخذه، ثم تقرقر الروح في جوفه، ثم تسمع لها حشرجة في صدره، ثم تخرج من نحره، وترى بصره يتبع روحه حيث خرجت.
هذه مشاهد تؤثر على الإنسان، إذا أراد أن يمشي إلى معصية وتذكر صورة ذلك الذي يحتضر ويموت وتذكر حاله ونفسه.
أيضاً تغسيل الموتى فيه عبرة وفيه عظة، تجد الرجل الذي كان طويل اللسان قد عض على لسانه من شدة آلام الموت وسكراته، تجد الرجل الذي كان يبطش بيده تترك يده هكذا فتسقط، وتترك يده الأخرى هكذا فتسقط، تجد الرجل التي مشت وسارت الأميال والفيافي والقفار هامدة لا حراك بها، تجد الذي له صولة وجولة الآن يقلبه الغاسل يمنة ويسرة لكي يجعل الحنوط في مغابنه ونحوها.
ثم أيضاً عليك بزيارة المقابر، وشارك في دفن الموتى، وكن مع الذين يضعون الميت في لحده، لترى كيف أنت تحمل رأس الميت ثم يسقط رأسه من يدك في الحفرة، حينما أنت تضع يدك تحت رأس الميت لتدفنه، ثم آخر الوداع أن تسحب يدك من عند رأسه ويبرد رأسه، ويرتطم قليلاً في الأرض ولا يئن ولا يصيح والشاش على وجهه، ثم تحل الأربطة منه، ثم تأتي باللبن وتصفها واحدة واحدة، حينئذٍ تتذكر، عجيب! هذا فلان بن فلان الذي ما كنا ندخل عليه إلا باستئذان، ولا نقابله إلى بحجز مواعيد، ولا ندخل عليه إلا بسكرتير وطريقة سكرتير، الآن يوضع في القبر، ويوضع التراب عليه، ثم توضع اللبن والتراب عليه، ثم نخرج من المقبرة ونتركه لوحده، كان يمشي وعنده خدامه وحشمه وموظفوه، وعنده من عنده، الآن يترك لحاله في المقبرة؟ ثم ماذا بعد ذلك؟ قد تأتي ذات يوم إلى قبره تعوده فيهولك المنظر أن ترى كلباً من كلاب المقبرة قد ربض على قبر فلان بن فلان.
الله أكبر! فلان الذي لا يستطيع أحد أن يجلس عنده إلا باستئذان ومقدمات وحجز، تجد كلباً من الكلاب يربض على قبره؟! هذه نهاية الدنيا، هذه نهاية الدنيا يا إخوان، الذي يتعلق بها يتعلق بسراب بلقع، لا نتيجة لهذه الدنيا، العصير والماء الذي نشربه يخرج بولاً نجساً يضايقنا لو بقي في أجوافنا، الطعام الجميل الذي نأكله يخرج من بطوننا عذرة وغائطاً لو احتبس في بطوننا لذهبنا إلى المستشفى ونقول: شقوا بطوننا وأخرجوا الطعام الذي أكلناه.
أي ضعفٍ في دنياك وفي حالك يا مسكين أنَّ ما تشتهيه تفارقه؟ الذي تشتهيه على أطيب حال يخرج منك على أخبث حال وأنجس حال، وجعلت مفاتن الدنيا في مناتنها، ولأجل ذلك ملذات الدنيا رخيصة أما الملذات العظيمة هي طاعة الله ولذلك قال أحد السلف: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، يعني: مع الداخلين الأول، أي: جنة العبادة وجنة الخضوع، وجنة التوبة، وجنة مواجهة النفس بالصراحة.
افرض أنك الآن ضابط تحقق، أو تحقق مع خادم من عمالك، أو مع واحد من أولادك، تقول: لا تلف ولا تدور، أنا أعطيك الحقيقة اعترف، أنا أريدك -يا أخي- أن تقف أمام المرآة وتقول لنفسك، وتؤشر بيدك إلى يدك، وتضع عينك في عينك، ووجهك أمام وجهك وتقول: يا فلان! لا تلف ولا تدور، هل أنت على حالٍ ترضي الله أم لا؟ هل لو مت الآن تموت على حالٍ تسرك أم لا؟ هل أنت راضٍ عما تفعل؟ هل نهايتك هذه لو مت عليها نهاية سعيدة أم سيئة؟ يا أخي الحبيب: صارح نفسك، إلى متى العبث؟ إلى متى الخداع؟ الواحد منا لو يصب بنزيناً ثم يخدعه موظف محطة البنزين، صب بواحد وعشرين ريالاً وقال: هات خمسة وعشرين، تلتفت إليه وتقول: ماذا يا مجرم؟ أنت تخدعني؟ لك واحد وعشرين وتطلب خمسة وعشرين؟ نعم.
لا نرضى أن يخدعنا أحد في ريال أو ربع ريال، لكنا نخدع أنفسنا، الواحد منا معاصيه أدرى بها وأعلم بها، لو كل واحد يسأل عن ذنوبه، وأنا أسأل الآن وكل يجاوب نفسه في نفسه، ما هي ذنوبك؟ تقول: والله إني أعرف ذنوبي، ولأجل ذلك ليس من منهج أهل السنة والجماعة أن يمدح الإنسان بين الناس؛ لأنك أدرى بضعفك ونقصك وتقصيرك، ما هي ذنوبنا يا إخوان؟ كل واحد يعرف الذنب كما يرى هذه النجفة وهذه الثريا أو هذا الكرستال، أنت تعرف ذنبك جيداً، وإن مدحك الناس فأنت أدرى بأحوالك.
صارح نفسك، ولماذا لا تتوب؟ هل أنت ليست بكفء للتوبة؟ قد تاب من هو أفجر منك، فحفظ القرآن وأصبح إماماً ومؤذنا، قد تاب من هو شر منك فجاهد في سبيل الله ومات شهيداً بإذن الله، قد تاب من هو أسوأ منك فطلب العلم وأصبح معلماً وأستاذاً، لماذا لا تتوب؟ هل أنت بهيمة من البهائم عجماء لا تفقه الخطاب، ولا تدرك الخطأ من الصواب؟ حاشاك أخي الكريم، إذاً لماذا لا تتوب؟ هل كتب للناس أن ينالوا منازل الشرف والرفعة وكتب لك أن تكون مع العصاة في منازل الهوان والذلة؟ لماذا لا تتوب؟ لماذا لا تراجع نفسك؟ اسأل نفسك، وتب من هذه اليللة وارجع إلى الله، وكن مسلماً، إذا كنت موجوداً ظهر نفعك بالعبادة والدعوة، وإذا غبت ذكرت بصلاح عملك.
стр. 1569
الكفالة والضمانة
دعت الشريعة إلى الكفالة والضمانة رفقاً بالمسلمين ورحمة بهم، ولكن يقترن مع ذلك -حتى لا يتحمل الكافل أو الضامن عواقب شهامته- التأكد من المضمون عنه، ومقدار المبلغ المضمون، وهو ما بينه وأكد عليه الشيخ في هذه المادة، والتي بين فيها معنى الضمان والكفالة، والفرق بينهما وبعض أحكامهما.
стр. 1570
الضمان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فالتقوى وصية الله لكم ولسائر الأمم قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، وقد رتب جل وعلا على التقوى أجوراً عظيمةً وثواباً جزيلاً، يقول جل من قائلٍ عليماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين: لقد جاءت شريعة الإسلام شاملةً كاملةً عامةً لجميع شئون الحياة، وجاءت فيما يتعلق بالعبادات والمعاملات والجنايات والعلاقات على مختلف أنواعها، وفيما يتعلق بالمعاملات جاءت الشريعة بما يضمن الحقوق، وما يضمن سلامتها لأصحابها، ألا وإن من ذلك: الكفالة والضمان.
إن الضمان والكفالة لمن أهم الأمور التي جاءت بها الشريعة إرفاقاً بالمسلمين، ورحمةً بهم، وتوسيعاً لهم في مجال المعاملات والمداينات، وسائر أنواع العقود بينهم، ولكن كثيراً من الناس يخطئون في فَهْمِ هذين النوعين ويذهبون فيهما مذاهب خاطئة، وبعد ذلك يقعون في الزلل والحسرة.
стр. 1571
تعريف الضمان
أما الضمان: فهو في اللغة: مشتق من الضم؛ وهو ضم ذمةٍ إلى أخرى، أي: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون، فيثبت الحق المضمون به في ذمتهما جميعاً.
ويقول الفقهاء: الضمان: التزام رجلٍ ما وجب على غيرٍ وما قد يجب.
والأصل فيه قول الله جل وعلا: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢]، وللترمذي مرفوعاً: (الزعيم غارم).
أيها الأحباب: الحميل أو القبيل أو الزعيم أو الضمين، كل هذه العبارات يتم بها الضمان عن الحق المضمون به، وكل هذه العبارات التي جاءت لتُثبت ضم ذمة الضامن إلى المضمون عنه في الحق المضمون به، ولتؤكد أن الضمان أمر ليس بالهين ولا باليسير.
стр. 1572
التحذير من الضمان دون تحرٍ
كثير من الناس حينما يقع صديقٌ له في عُسرٍ، أو في بليةٍ من جراء مالٍ لم يستطع سداده، أو من جراء عملٍ لم يستطع إنتاجه أو تقديمه، جاء شهماً مبادراً ليضمن عنه أو ليكفله من دون أي تحديد لقدر هذا الضمان أو لمدته، أو من دون معرفةٍ دقيقةٍ للمضمون عنه، ألا وإن ذلك يصدق عليه قول القائل: (الضمان والكفالة أولها شهامة، وأوسطها ندامة، وآخرها غرامة) نقول ذلك -أيها الأحبة- لأننا نرى كثيراً ممن يسارعون ويبادرون من غير تثبتٍ أو تحققٍ في كفالة أو ضمان أحدٍ من الناس، وهم لم يتأكدوا عن مقدار الدين الذي في ذمته، ولم يعرفوا مقدار صلاحه واستقامته؛ ليعلموا بذلك أنهم حينما يسدون إليه جميلاً، ويقدمون إليه معروفاً أنه يعرف ذلك لهم، ويقابل إحسانهم بالإحسان؛ فيرد ما ضمنوه عنه، أو يلتزم بالحضور في الوقت الذي كفلوه بأجله، إن بعض الناس لَيَقْدُم على الضمان والكفالة من غير تحديدٍ أو تقديرٍ لهذه الأمور.
لذا ينبغي للإنسان ألا يضمن إلا فيما يقدر عليه، وألا يكفل إلا من يثق به، ولكن الملاحظ والذي نراه الآن أن كثيرا ًمن الناس حينما يهب منجدا ًومسرعاً لصديقٍ أو رفيقٍ أو قريب يضمنه بمالٍ في ذمته، أو يكفله بالحضور إلى أمدٍ معين، أو في مدةٍ محدودة، فإذا حل الأجل وجرت المطالبة بين صاحب الحق، وتوجهت على المكفول أو المضمون عنه، ثم لم يجدوه توجهوا إلى الضامن فأخذ يدعو بالويل والثبور، ويسب تلك الساعة التي عرف فلاناً فيها، أو ضمنه في حقٍ بها، أو التزم شيئاً من أجله، ألا وإن الإنسان هو الذي يخطئ على نفسه.
ولا يبلغ الأعداء من جاهلٍ ما يبلغ الجاهل من نفسه
لذا يا معاشر المؤمنين: إذا احتاج الإنسان إلى ضمان قريبٍ أو صديقٍ يعرفه بالثقة والاستقامة والخوف من الله والمحافظة على حقوق الله أولاً وأخيراً، لأن من حافظ على حقوق الله فهو لما سواها أحفظ، ومن ضيع حقوق الله فهو لما سواها أضيع، ينبغي لمن هَبَّ لكفالة أو ضمان قريبٍ أو رفيق أن يضمنه في مالٍ يستطيع تقديمه عند عجز المضمون عن أدائه، أما فعل كثيرٍ من الناس، فتراه يسأل: من فلان بن فلان!! أنا أضمنه في كل ما تريدون، وما يدري أنه يضمنه في مالٍ لا يستطيع هو ولا أسرته ولا قبيلته سداده، وبعد ذلك يعيش أسير الهم والحزن والبلاء من جراء ما اكتسبت نفسه عليه من دون توثقٍ أو تأكد.
стр. 1573
بيان من تتوجه إليه المطالبة وتعدد الضمناء
ونلاحظ أن كثيراً من الناس حينما يكون ضامناً أو كفيلاً وتتوجه المطالبة عليه ابتداء يضجر ويجزع ويشتكي، ويقول: لم لا تطالبون من ضمنته أولاً، ثم إذا عجز عدتم إليّ!! ألا وإن المقرر والمعمول به في المذهب، والمعمول به هنا أن لصاحب الحق مطالبة من شاء منهما؛ (الضامن والمضمون) وإن هذا الحق ليثبت في ذمة الضامن في حياته، ويثبت في تركته بعد مماته، من قوة وشدة الضمان.
إذن: ينبغي لكل مسلمٍ أن ينتبه لهذا الأمر، وألا يزج بنفسه فيما لا طاقة لها به، فالله جل وعلا يقول: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة:٢٨٦] فالله جل وعلا قد علمنا هذا الدعاء وينبغي أن نمتثله، وهو جل وعلا القائل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
فينبغي للإنسان ألا يتحمل شيئاً يجر البلاء عليه، وقد يجر البلاء على نفسه فتُباع داره التي يسكن فيها، وقد يؤخذ ماله من بين يديه وهو يرى، من جراء هذا الضمان الذي لم يقدر له قدره، أو يحسب له حسابه، وإن الضامن لا يبرأ أبداً إلا إذا برئت ذمة المضمون عنه؛ إما بإبراء صاحب الحق له، أو بقضاء المضمون عنه لذلك الدين، أو لتحويل الدين حوالةً تبرأ بها الذمة، وأما غير ذلك فلتعلموا أن الضامن ملزوم ملتزم بالحق في حياته ومماته إذا لم يكن الإبراء.
وإذا تعدد الضمناء لم يبرأ أحدهما ببراءة الآخر، ألا وإن ذلك معناه: أن إنساناً ما قد يكون مطلوباً في دينٍ معين، فيتقدم اثنان أو ثلاثة لضمان ما عليه من الحق، فإذا جاء صاحب الحق وأبرأ أحدهما فإن الاثنين الباقيين لا تبرأ ذمتهما إلا بإبرائه لهما، أو بأدائهما ذلك الحق، وليس لأحد الضامنين أن يقول: مادام فلان قد برئ فأنا أبرأ بالتبع، إن ذلك لا يمكن أبداً فالتفتوا لهذا الأمر.
стр. 1574
تعريف الكفالة والفرق بينها وبين الضمان
أما الكفالة: فهي التزام رشيدٍ إحضار من عليه حقٌ ماليٌ لربه؛ أن يلتزم إنسانٌ بإحضار إنسانٍ آخر عليه حق ٌ من الحقوق، والكفالة تنعقد بما ينعقد به الضمان، والناس في هذا مما يشيع على ألسنتهم بقولهم: كفيل غرم وأداء، أو كفيلٌ غارم، ألا وهو الضمان، أما الكفيل الحضوري فهو الذي يصدق عليه أمر الكفالة، والكفالة أهون قليلاً من الضمان؛ لأن المكفول إذا مات برئ الكفيل؛ ولأن العين إذا تلفت بفعل الله جل وعلا برئ الكفيل؛ ولأن المكفول إذا سلم نفسه برئ الكفيل.
أما الضمان فإن المضمون عنه لو مات لم يبرأ الضامن، ولو أن من عليه الدين سلم نفسه فإن للمضمون له الحق في أن يُطالب هذا الضامن ولو سلم ذلك نفسه، فينبغي أن ننتبه لهذا الأمر أشد الانتباه، وكم سمعتم وعلمتم بكثيرٍ من الناس بدءوا أمر الكفالة والضمان بالشهامة والنخوة والنجدة، وبعد ذلك عضوا أصابع الندم حينما رأوا من كفلوهم أو ضمنوهم يتهربون ويجعلونهم أمام المطالبة والمطاردة والإلزام بالدفع أو التقييد بالسجن ونحوه.
ألا وإن ذلك من ثبات الحقوق وضمانها في الشريعة الإسلامية، ولكن ينبغي للإنسان ألا يتسرع في ضمان أو كفالة شيءٍ حتى يتأكد منه، وحتى يعرف قدرته على أدائه وسداده عند عجز المضمون عنه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1575
الشريعة تدعو إلى الضمان والكفالة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه وعن المثيل وعن النظير، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، كل ذلك تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا لله حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر الأحباب: لا يظن مسلمٌ أننا بهذا الحديث المتقدم آنفا ً نحذر الإنسان أن يكفل أو يضمن! لا.
لأن الشريعة قد جاءت بهذا الأمر فلا ينبغي ولا يجوز أن يُحذر عن أمرٍ جاءت الشريعة به، ولكن الذي نُحذر فيه أن يضمن الإنسان في شيءٍ لا يعلم مقداره أو حدوده أو قدره، وهو الملاحظ من كثيرٍ من الناس، فإذا حُجز أحد أصحابه أو أقاربه جاء مقدماً هذا الضمان أو الكفالة وهو لا يدري ما مقدار الدين الذي في ذمته، ولا يدري ما مقدار جريمته، ولا يدري ما مقدار الحق الذي ثبت في ذمته، ومع ذلك تجده يبادر من غير سؤال، ألا وإن ذلك غفلةٌ وبلاهة وليس شهامة!! لأن الإنسان حينما يزج بنفسه فيما لا طاقة له به فإنه قد يكون من الجهل أقرب من العقل والتؤدة والتأني.
فلذلك ينبغي للإنسان أن يعرف أولاً نوع هذا الضمان، وما هو مقدار المال الذي سيضمن فيه، ثم ليجعل في حسبانه أنه لا بد مسلمٌ ومقدمٌ هذا المال الذي يضمن عنه، وليجعل في ذهنه أسوأ الاحتمالات وأشدها ضيقاً، ألا وهو عجز من ضمنه عن الأداء، وعند ذلك يُحاسب الإنسان نفسه في هذه اللحظة، هل يتقدم وهل يجترئ على هذا الضمان أم لا؟ وبعد ذلك ينبغي أن يعرف مقدار الدين، فقد يكون شيئاً يسيراً هيناً، لا يصعب عليه أن يقدمه عند عجز المضمون عنه، فبذلك يكون مأموراً ومندوباً ويُحث على أن يتقدم بالضمان عن ذلك إذا كان في مالٍ يسيرٍ يستطيع تقديمه، خاصة إذا كان الذي توجه عليه الحق معسراً ممن له عائلة وأسرةٌ يعولها، وأطفالٌ ينتظرونه، وزوجة لا تعرف كيف تُنفق على أولاده، فينبغي للإنسان أن يبادر إلى هذا النوع من الضمان فيما يستطيع به وفي معرفته حاجة المضمون عنه.
ثم بعد ذلك ينبغي أيضاً أن يعرف أن حقه ثابت ٌ في ذمة المضمون عنه، فإذا طالب صاحب الحق الضامن، ثم قدم هذا الضامن الدين الذي في ذمة الأول، فإن له بعد ذلك أن يعود إلى مطالبة من ضمنه بحقه الذي قدمه وسلمه، أما أن يضمن الإنسان فيما لا يستطيع فأكرر وأقول: إن هذا قد يكون من الجهل والبلاهة.
وكذلك الكفالة في الأمور التي تحتاج إلى إحضار إنسان معين في دائرةٍ معينةٍ أو في مكانٍ معينٍ، فينبغي للإنسان ألا يستعجل بكفالة هذا النوع قبل أن يعرف من هو هذا الذي يكفله، أهو من الذين يقدّرون المعروف، أهو من الذين يعرفون حق الله، فمن باب أولى ألا يضيع حق العباد.
стр. 1576
قصة وعبرة
كم من إنسان قد ضمن من هرب وتركه أسير المطاردة والملاحقة من جراء جرأته في الضمان وفي بدايته من غير تقديرٍ لعواقبه، وكم من إنسانٍ قد كفل آخر وهو لا يدري أين يسكن؟ أو أين مكانه؟ أو أي جهةٍ تعرفه أو تُعرف به؟ وبعد ذلك في وقت الحاجة إلى حضوره يراه مفقوداً، وأذكر لكم قصةً أعرف صاحبها تمام المعرفة: كان سجيناً في يومٍ من الأيام مع آخر في حقٍ من الحقوق، فقال الأول الذي دخل السجن أولاً للآخر: اكفلني حضوراً وأنا أقضي ما عليك من الدين، فظن ذلك المسكين أو الجاهل أو الغافل أن هذا أمرٌ من الإرفاق أو النفع أو تقديم العون، فقال: إذن كيف أخرج أنا؟ قال: أنا أدفع عنك ما تريده من المال، وكان مرهوناً بمالٍ يسير، فقدم السجين الأول ذلك المال ليخرج الآخر، فلما خرج عاد ثانيةً ليُخرج الأول، فلما خرج هرب ولم يعلم أن الدين الذي عليه يقدر بخمسة ملايين من الريالات التي لا يستطيع هو ولا أسرته ولا قبيلته ولا من معه أداء هذا الدين.
وبعد ذلك عاد أسيراً مرهوناً بسبب هذه الكفالة التي اجترأ عليها ووقع أسيراً بها، وإن بعض الناس قد يجعلون الكفالة والضمان سبباً للاستدرار المالي، وسبباً لتحصيل المال، ألا وإن ذلك مما لا ينبغي، إن بعض الناس قد يكفل آخر مقابل شيءٍ من المال، فإذا خرج بعد ذلك تركه يبقى قبيلاً وحميلاً ضامناً أمام خصمائه وغرمائه، وأخذ يقلب ويدعو بالويل والثبور على ذلك المال اليسير الذي أوقعه في هذه المصيبة العظمى.
أكرر وأقول: أيها الأحباب! إن الشريعة لا تنهى عن الضمان والكفالة، بل جاءت من الإرفاق والرحمة والحاجة إليها بين المسلمين، ولكن ينبغي أن نعرف حدودها ومقدارها ومن نكفلهم أو نضمنهم فيها، ونوع الحق الذي نقدمه فيها، وبعد ذلك يكون الإنسان على بينةٍ وحذر.
أسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يجنبنا وإياكم مواقع الزلل، وأسأله جل وعلا ألا يميتنا بحق مسلمٍ في ذممنا؛ لا بمالٍ ولا دينٍ، ولا مظلمةٍ ولا عينٍ، ولا شتيمةٍ ولا عرضٍ أو نحو ذلك.
اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء.
اللهم اختم بالسعادة آجالنا وأكرم بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله، اللهم ثبت قدمه، اللهم لا تفرح عليه وعلى من حوله حاسداً، ولا تفرح أو تشمت بهم عدواً برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا ألا تجعل لنا في هذا المقام ذنباً إلى غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً راغباً في النكاح إلا زوجته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره برحمتك يا أرحم الراحمين.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وارض الله عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارحم موتانا وجميع موتى المسلمين، الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1577
الكنوز الضائعة
إن الله جل وعلا قد أعطى هذه الأمة كنوزاً كثيرة، تحصنهم من الشيطان، وتلين القلوب، وتنشط الجوارح، وتطرد الهموم، وتهدي إلى الصراط المستقيم، وتصل العبد بربه حتى تجعله لا يتعلق بأحد سواه، ومن مارس عرف، وفي هذه المادة ذكر طرف من ذلك.
стр. 1578
المسارعة في الخيرات
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله في مستهل هذا اللقاء أن يجعل قولنا واستماعنا وسعينا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجنبنا النفاق والرياء والسمعة، وألا يجعل للشيطان في أعمالنا حظاً ولا نصيباً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! الحديث عن الكنوز الضائعة حديثٌ يطول ولا يسعه مقامٌ قصير كهذا، ولكن حسبنا أن نشير إلى أن ثمة كنوزٍ نضيعها بأيدينا ونسعى في تلفها، ويا ليت ما ضاع منها يتدارك، لكن ما مضى منه مضى بظرفه وزمانه، ومن كان له حظٌ في الاستدراك قبل الفوات والاستعداد قبل الممات، فإنه إن أعين على ذلك بنية وعزمٍ صادق فلعل الله أن ينيله خيراً فيما بقى من حياته.
إن الله وصف خيرة خلقه وهم أنبياؤه ورسله بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] فالمسارعة والمسابقة والمبادرة والاغتنام من الأمور التي لا تكون إلا على شيء يضيع أو يفوت، إن شيئاً قد توفر وتجمع بكمياتٍ هائلة لا أظنك تقول لأخيك: اذهب فاغتنم حظك من هذا؛ لأنك تعلم أن الكثير الكثير من أجناسه وأنواعه باقية لا تنفذ، لكن ما فات وما يزول وما يتخطفه الناس فإنك تقول لصاحبك: بادر واغتنم وأسرع ولا تدع الفرصة تفوتك وانتهز ذلك، إنها غنيمة، والمحروم من حرم والخاسر من خسر في أمرٍ إذا مضى ربما كان فوته لا يستدرك أبداً، فما بالك بأعمال تضيع في أوقاتٍ لا يمكن أن نتداركها، بل لو اجتمع الإنس والجن وكان بعضهم لبعضٍ ظهيراً على أن يعيدوا لنا ساعة مضت قبل غروب شمس هذا اليوم لما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فما بالك بما مضى من الأيام والسنين والأعوام وما فيها من خزائن، الله يعلم كم من حسرة سوف يبثها العباد إذا فتحوا خزائنهم يوم القيامة ليروا أنه قد مضى عليهم أوقاتٌ كثيرة وودعت خزائنها خالية فارغة ليس فيها من العمل الصالح شيء، قال الله سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقال عز شأنه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣].
فيا عجباً كيف يدعونا ربنا إلى المسارعة؛ نسارع إلى المغفرة ونسارع إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ولماذا ندعى بخطاب المسارعة والمبادرة؟ الجواب واضح: لأن الآجال لا تدع أحداً ربما يحقق أو يطبق ما سوف أو وعد بفعله في المستقبل
صادفن منها غرة فأصبنها إن المنايا لا تطيش سهامها
يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
стр. 1579
فضل ذكر الله جل وعلا
قال ربنا جل وعلا: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] والخيرات كثيرة، ولكن حسبنا أن نركز جل وقتنا هذا على عبادة جليلة، بجارحة صغيرة لتحقيق وتحصيل حسناتٍ كثيرة، ألا وهي: ذكر الله، قال : ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥].
والذكر شأنه عظيم، وإني أسألكم الآن: هل يستطيع أحدكم أن يحرك يديه ورجليه بقدر ما يحرك لسانه؟! إنك لا تستطيع، بل لا يمكن أن تحرك جفن عينك على خفت وزنه وقربه فضلاً عن تحريك يدك أو قدمك بقدر ما تحرك لسانك، فهذا اللسان يمكن تحريكه بأيسر وسيلة وطريقة لتحصيل عبادة جليلة ثوابها كثير وخيرها وفيرٌ بإذن الله، ولكن من الناس من لديه استعداد أن يهجر ويلغو ويثرثر ويتكلم ويهرف بما لا يعرف، ويهذي بما لا يدري ليقول ما يضر ولا ينفع، الليل والنهار، وإذا قيل له: قل لا إله إلا الله ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] فيا عجباً كيف يطيب لهذه الألسنة أن تتكلم الساعات الطوال في الغيبة والنميمة، وفي القيل والقال، والغادين والرائحين، والذين أعطوا والذين حرموا، والذين أخذوا والذين منعوا، ثم يكل عليها أن تتكلم بذكر الله الذي هو شفاء الأبدان ودواء القلوب، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
أيها الأحبة السلامى هي المفاصل، فهذه الأنملة كل مفصلٍ فيها يسمى سلامى، فكم في بدنك منها؟ إنها كثيرةٌ جداً والنبي ﷺ يقول: (إن علينا لله في كل سلامى من أبداننا صدقة) حيث قال في الحديث الذي يرويه أبو ذر: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما العبد من الضحى).
أولاً: هذا الحديث رواه الإمام مسلم فهو حديث صحيح، ومفاده: أن علينا لنعم الله علينا واجب الشكر وأداء النعم وإن كنا لا نستطيع حصرها ولا شكرها،
إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الآماد واتصل الدهر
إذا عم بالسراء أعقب مثلها وإن عم بالضراء أعقبها الأجر
إذا كان مجرد هذا المفصل الذي يتحرك في الأنامل لله عليك فيه صدقة؛ بتسبيحة، أو بتهليلة، أو بتكبيرة، أو بأمر بالمعروف، أو بنهيٍ عن المنكر، أو إغاثة ملهوف، أو مساعدة محتاج، أو ابتسامة في وجه مسلم، أو ما شئت من وجوه الصدقات، فما بالك بما لله علينا من الصدقات الواجبات في أبصارنا؟! ماذا أحدثك عن عينك، ماذا أحدثك عن هذه الماسحات التي كلما علق الغبار على هذه الزجاجة أو هذا الغشاء الرقيق تحركت حركة أنت لا تدركها برطوبة لكي تغسل العين، وماذا أحدثك عن القَرَنِية وعن الشبكية وعن عصب العين؟! وماذا أحدثك عن جارحة الشم أو جارحة السمع أو جارحة الهضم أو جارحة التنفس أو جوارح كثيرة؟ إذا كانت السلامى -المفصل- لله عليك فيه صدقة، فكم من صدقة لله عليك في سمعك، وكم لله عليك من صدقة في بصرك، وكم لله عليك من صدقة في يدك وفي قدمك وفي جوفك وفي الكلى.
خذ على سبيل المثال واسألوا إخواننا الذين يرقد الواحد منهم في كل أسبوعٍ أربع مرات على السرير أو في غرفة الغسيل الكلوي لكي يغسل الدم، إن جلوس هذا المريض في وحدة الكلى ست ساعات كاملة من أجل تنقية الدم إن هذه العملية ليست كما قرر الحذاق من الأطباء إلا عشرة في المائة من الوظائف التي تؤديها الكلية، فما بالك بتسعين في المائة من الوظائف؟ أليس لهذه الكلى من حقوق الله علينا في شكرها الشيء الكثير؟ فحدث ولا حرج عن كل عرقٍ ساكن لو تحرك لما وجدت للحياة طعماً ولا لذة، وحدث ولا حرج عن كل عرقٍ متحركٍ لو سكن لما وجدت للحياة طعماً ولا لذة، ناهيك عن هذه الجوارح وهذه الحواس العظيمة.
ثم إنا لنعجب أيضاً من هذا الحديث، وفيه دلالة على أن هذا الدين لم يجعل طريق الخير واحداً لا يحسنه إلا فئة أو شريحة أو طبقة من الناس، فإن الله لما أوجب علينا الصدقات في شكر هذه النعم التي لا نحصيها فضلاً عن القيام بشكرها وحق الله علينا فيها، إن الله لم يجعل كل الخير في بابٍ واحد، بل جعل الخير في أبوابٍ شتى، بل جعل الخير في مذاهب شتى حتى يستطيع كل عبدٍ أن يذهب كل مذهب وأن يأتي بكل خير في وسعه وقدرته واستطاعته ليحقق لله شكراً في نعم الله عليه، فتسبيح صدقة، وتحميد صدقة، وتهليل صدقة، وتكبيرٌ صدقة، واحتسابٌ صدقة، ودعوة صدقة، وإماطة الأذى صدقة، وإعانة المسكين صدقة، وحمل متاع الرجل معه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، والابتسامة صدقة، بل وحتى إتيان العبد شهوته في حلالٍ صدقة، قال الصحابة لما قال ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة! قالوا: يا رسول الله! يأتي أحدنا شهوته ثم يكون له بذلك أجر؟ قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم.
قال: فكذلك لما وضعها في حلالٍ كان له بها أجر).
إذاً -أيها الأحبة! - لم يعجز أحدٌ أن يأتي بخير، لا أظن أن أحداً يعجز عن ابتسامة، أو عن كلمة طيبة، أو عن إفشاء السلام، أو إطعام الطعام، أو التسبيح والتهليل والذكر.
стр. 1580
تلاوة كتاب الله كنز ضائع على الكثير
أيها الأحبة: من أجل الأذكار تلاوة كتاب الله ، والقرآن شأنه عظيم، ففي الحديث الذي يرويه ابن مسعود ﵁ قال: قال ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (آلم) حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
سبحان الله العلي العظيم، أن تجلس قبيل أو بعيد الصلاة أو في سيارتك أو في متجرك أو في مكانك فتفتح المصحف فتقرأ حروفاً وكلماتٍ وجملاً من كتاب الله ، فإذا بك تؤجر أجراً عظيماً وتثاب ثواباً عظيماً، هل تعبت؟ هل تنفست الصعداء؟ هل حملت أثقالاً؟ هل مشيت خطواتٍ؟ هل أخرجت مالاً؟ هل تعبت في ذلك؟ مجرد أن تفتح المصحف وتقرأ لك بكل حرفٍ حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لنسأل أنفسنا يا من ننظر إلى من حولنا نظرة الرحمة والإشفاق بأنهم يضيعون أوقاتنا، كم نحن نضيع من الأوقات الكثير الكثير لا نقرأ فيها من كتاب الله.
ينبغي ويجب علينا أن نجعل في كل يوم علينا فيه ورد وحق واجب، ولكن -أيها الأحبة- إنها كنوز القرآن الضائعة، ولو أن الإنسان بنية إذا شئت -يا أخي الكريم- حتى تفرح بعاجل بشرى المؤمن خذ معك ورقة وقلماً وعد عدد الأحرف في صفحة من صفحات المصحف، ستجد مئات الأحرف بمئات الحسنات مضروبة في عشر أمثالها، كم مر عليك من يوم لم تفتح المصحف فيه؟ كم مضى عليك من أسبوع لم تقرأ فيه من كلام الله ؟ فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا كما قال الشاطبي ﵀:
وإن كلام الله أوثق شافعٍ وأغنى غَناءٍ واهباً متفضلا
وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبض على جمرٍ فتنجو من البلاء
ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت سحائبها بالدمع ديماً وهطلا
ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا
следующие страницы →