Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
قصة وعبرة
كم من إنسان قد ضمن من هرب وتركه أسير المطاردة والملاحقة من جراء جرأته في الضمان وفي بدايته من غير تقديرٍ لعواقبه، وكم من إنسانٍ قد كفل آخر وهو لا يدري أين يسكن؟ أو أين مكانه؟ أو أي جهةٍ تعرفه أو تُعرف به؟ وبعد ذلك في وقت الحاجة إلى حضوره يراه مفقوداً، وأذكر لكم قصةً أعرف صاحبها تمام المعرفة: كان سجيناً في يومٍ من الأيام مع آخر في حقٍ من الحقوق، فقال الأول الذي دخل السجن أولاً للآخر: اكفلني حضوراً وأنا أقضي ما عليك من الدين، فظن ذلك المسكين أو الجاهل أو الغافل أن هذا أمرٌ من الإرفاق أو النفع أو تقديم العون، فقال: إذن كيف أخرج أنا؟ قال: أنا أدفع عنك ما تريده من المال، وكان مرهوناً بمالٍ يسير، فقدم السجين الأول ذلك المال ليخرج الآخر، فلما خرج عاد ثانيةً ليُخرج الأول، فلما خرج هرب ولم يعلم أن الدين الذي عليه يقدر بخمسة ملايين من الريالات التي لا يستطيع هو ولا أسرته ولا قبيلته ولا من معه أداء هذا الدين.
وبعد ذلك عاد أسيراً مرهوناً بسبب هذه الكفالة التي اجترأ عليها ووقع أسيراً بها، وإن بعض الناس قد يجعلون الكفالة والضمان سبباً للاستدرار المالي، وسبباً لتحصيل المال، ألا وإن ذلك مما لا ينبغي، إن بعض الناس قد يكفل آخر مقابل شيءٍ من المال، فإذا خرج بعد ذلك تركه يبقى قبيلاً وحميلاً ضامناً أمام خصمائه وغرمائه، وأخذ يقلب ويدعو بالويل والثبور على ذلك المال اليسير الذي أوقعه في هذه المصيبة العظمى.
أكرر وأقول: أيها الأحباب! إن الشريعة لا تنهى عن الضمان والكفالة، بل جاءت من الإرفاق والرحمة والحاجة إليها بين المسلمين، ولكن ينبغي أن نعرف حدودها ومقدارها ومن نكفلهم أو نضمنهم فيها، ونوع الحق الذي نقدمه فيها، وبعد ذلك يكون الإنسان على بينةٍ وحذر.
أسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يجنبنا وإياكم مواقع الزلل، وأسأله جل وعلا ألا يميتنا بحق مسلمٍ في ذممنا؛ لا بمالٍ ولا دينٍ، ولا مظلمةٍ ولا عينٍ، ولا شتيمةٍ ولا عرضٍ أو نحو ذلك.
اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء.
اللهم اختم بالسعادة آجالنا وأكرم بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله، اللهم ثبت قدمه، اللهم لا تفرح عليه وعلى من حوله حاسداً، ولا تفرح أو تشمت بهم عدواً برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا ألا تجعل لنا في هذا المقام ذنباً إلى غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً راغباً في النكاح إلا زوجته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره برحمتك يا أرحم الراحمين.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وارض الله عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم ارحم موتانا وجميع موتى المسلمين، الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1577
الكنوز الضائعة
إن الله جل وعلا قد أعطى هذه الأمة كنوزاً كثيرة، تحصنهم من الشيطان، وتلين القلوب، وتنشط الجوارح، وتطرد الهموم، وتهدي إلى الصراط المستقيم، وتصل العبد بربه حتى تجعله لا يتعلق بأحد سواه، ومن مارس عرف، وفي هذه المادة ذكر طرف من ذلك.
стр. 1578
المسارعة في الخيرات
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله في مستهل هذا اللقاء أن يجعل قولنا واستماعنا وسعينا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجنبنا النفاق والرياء والسمعة، وألا يجعل للشيطان في أعمالنا حظاً ولا نصيباً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! الحديث عن الكنوز الضائعة حديثٌ يطول ولا يسعه مقامٌ قصير كهذا، ولكن حسبنا أن نشير إلى أن ثمة كنوزٍ نضيعها بأيدينا ونسعى في تلفها، ويا ليت ما ضاع منها يتدارك، لكن ما مضى منه مضى بظرفه وزمانه، ومن كان له حظٌ في الاستدراك قبل الفوات والاستعداد قبل الممات، فإنه إن أعين على ذلك بنية وعزمٍ صادق فلعل الله أن ينيله خيراً فيما بقى من حياته.
إن الله وصف خيرة خلقه وهم أنبياؤه ورسله بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] فالمسارعة والمسابقة والمبادرة والاغتنام من الأمور التي لا تكون إلا على شيء يضيع أو يفوت، إن شيئاً قد توفر وتجمع بكمياتٍ هائلة لا أظنك تقول لأخيك: اذهب فاغتنم حظك من هذا؛ لأنك تعلم أن الكثير الكثير من أجناسه وأنواعه باقية لا تنفذ، لكن ما فات وما يزول وما يتخطفه الناس فإنك تقول لصاحبك: بادر واغتنم وأسرع ولا تدع الفرصة تفوتك وانتهز ذلك، إنها غنيمة، والمحروم من حرم والخاسر من خسر في أمرٍ إذا مضى ربما كان فوته لا يستدرك أبداً، فما بالك بأعمال تضيع في أوقاتٍ لا يمكن أن نتداركها، بل لو اجتمع الإنس والجن وكان بعضهم لبعضٍ ظهيراً على أن يعيدوا لنا ساعة مضت قبل غروب شمس هذا اليوم لما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فما بالك بما مضى من الأيام والسنين والأعوام وما فيها من خزائن، الله يعلم كم من حسرة سوف يبثها العباد إذا فتحوا خزائنهم يوم القيامة ليروا أنه قد مضى عليهم أوقاتٌ كثيرة وودعت خزائنها خالية فارغة ليس فيها من العمل الصالح شيء، قال الله سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقال عز شأنه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣].
فيا عجباً كيف يدعونا ربنا إلى المسارعة؛ نسارع إلى المغفرة ونسارع إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ولماذا ندعى بخطاب المسارعة والمبادرة؟ الجواب واضح: لأن الآجال لا تدع أحداً ربما يحقق أو يطبق ما سوف أو وعد بفعله في المستقبل
صادفن منها غرة فأصبنها إن المنايا لا تطيش سهامها
يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
стр. 1579
فضل ذكر الله جل وعلا
قال ربنا جل وعلا: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] والخيرات كثيرة، ولكن حسبنا أن نركز جل وقتنا هذا على عبادة جليلة، بجارحة صغيرة لتحقيق وتحصيل حسناتٍ كثيرة، ألا وهي: ذكر الله، قال : ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥].
والذكر شأنه عظيم، وإني أسألكم الآن: هل يستطيع أحدكم أن يحرك يديه ورجليه بقدر ما يحرك لسانه؟! إنك لا تستطيع، بل لا يمكن أن تحرك جفن عينك على خفت وزنه وقربه فضلاً عن تحريك يدك أو قدمك بقدر ما تحرك لسانك، فهذا اللسان يمكن تحريكه بأيسر وسيلة وطريقة لتحصيل عبادة جليلة ثوابها كثير وخيرها وفيرٌ بإذن الله، ولكن من الناس من لديه استعداد أن يهجر ويلغو ويثرثر ويتكلم ويهرف بما لا يعرف، ويهذي بما لا يدري ليقول ما يضر ولا ينفع، الليل والنهار، وإذا قيل له: قل لا إله إلا الله ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] فيا عجباً كيف يطيب لهذه الألسنة أن تتكلم الساعات الطوال في الغيبة والنميمة، وفي القيل والقال، والغادين والرائحين، والذين أعطوا والذين حرموا، والذين أخذوا والذين منعوا، ثم يكل عليها أن تتكلم بذكر الله الذي هو شفاء الأبدان ودواء القلوب، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
أيها الأحبة السلامى هي المفاصل، فهذه الأنملة كل مفصلٍ فيها يسمى سلامى، فكم في بدنك منها؟ إنها كثيرةٌ جداً والنبي ﷺ يقول: (إن علينا لله في كل سلامى من أبداننا صدقة) حيث قال في الحديث الذي يرويه أبو ذر: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما العبد من الضحى).
أولاً: هذا الحديث رواه الإمام مسلم فهو حديث صحيح، ومفاده: أن علينا لنعم الله علينا واجب الشكر وأداء النعم وإن كنا لا نستطيع حصرها ولا شكرها،
إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الآماد واتصل الدهر
إذا عم بالسراء أعقب مثلها وإن عم بالضراء أعقبها الأجر
إذا كان مجرد هذا المفصل الذي يتحرك في الأنامل لله عليك فيه صدقة؛ بتسبيحة، أو بتهليلة، أو بتكبيرة، أو بأمر بالمعروف، أو بنهيٍ عن المنكر، أو إغاثة ملهوف، أو مساعدة محتاج، أو ابتسامة في وجه مسلم، أو ما شئت من وجوه الصدقات، فما بالك بما لله علينا من الصدقات الواجبات في أبصارنا؟! ماذا أحدثك عن عينك، ماذا أحدثك عن هذه الماسحات التي كلما علق الغبار على هذه الزجاجة أو هذا الغشاء الرقيق تحركت حركة أنت لا تدركها برطوبة لكي تغسل العين، وماذا أحدثك عن القَرَنِية وعن الشبكية وعن عصب العين؟! وماذا أحدثك عن جارحة الشم أو جارحة السمع أو جارحة الهضم أو جارحة التنفس أو جوارح كثيرة؟ إذا كانت السلامى -المفصل- لله عليك فيه صدقة، فكم من صدقة لله عليك في سمعك، وكم لله عليك من صدقة في بصرك، وكم لله عليك من صدقة في يدك وفي قدمك وفي جوفك وفي الكلى.
خذ على سبيل المثال واسألوا إخواننا الذين يرقد الواحد منهم في كل أسبوعٍ أربع مرات على السرير أو في غرفة الغسيل الكلوي لكي يغسل الدم، إن جلوس هذا المريض في وحدة الكلى ست ساعات كاملة من أجل تنقية الدم إن هذه العملية ليست كما قرر الحذاق من الأطباء إلا عشرة في المائة من الوظائف التي تؤديها الكلية، فما بالك بتسعين في المائة من الوظائف؟ أليس لهذه الكلى من حقوق الله علينا في شكرها الشيء الكثير؟ فحدث ولا حرج عن كل عرقٍ ساكن لو تحرك لما وجدت للحياة طعماً ولا لذة، وحدث ولا حرج عن كل عرقٍ متحركٍ لو سكن لما وجدت للحياة طعماً ولا لذة، ناهيك عن هذه الجوارح وهذه الحواس العظيمة.
ثم إنا لنعجب أيضاً من هذا الحديث، وفيه دلالة على أن هذا الدين لم يجعل طريق الخير واحداً لا يحسنه إلا فئة أو شريحة أو طبقة من الناس، فإن الله لما أوجب علينا الصدقات في شكر هذه النعم التي لا نحصيها فضلاً عن القيام بشكرها وحق الله علينا فيها، إن الله لم يجعل كل الخير في بابٍ واحد، بل جعل الخير في أبوابٍ شتى، بل جعل الخير في مذاهب شتى حتى يستطيع كل عبدٍ أن يذهب كل مذهب وأن يأتي بكل خير في وسعه وقدرته واستطاعته ليحقق لله شكراً في نعم الله عليه، فتسبيح صدقة، وتحميد صدقة، وتهليل صدقة، وتكبيرٌ صدقة، واحتسابٌ صدقة، ودعوة صدقة، وإماطة الأذى صدقة، وإعانة المسكين صدقة، وحمل متاع الرجل معه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، والابتسامة صدقة، بل وحتى إتيان العبد شهوته في حلالٍ صدقة، قال الصحابة لما قال ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة! قالوا: يا رسول الله! يأتي أحدنا شهوته ثم يكون له بذلك أجر؟ قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم.
قال: فكذلك لما وضعها في حلالٍ كان له بها أجر).
إذاً -أيها الأحبة! - لم يعجز أحدٌ أن يأتي بخير، لا أظن أن أحداً يعجز عن ابتسامة، أو عن كلمة طيبة، أو عن إفشاء السلام، أو إطعام الطعام، أو التسبيح والتهليل والذكر.
стр. 1580
تلاوة كتاب الله كنز ضائع على الكثير
أيها الأحبة: من أجل الأذكار تلاوة كتاب الله ، والقرآن شأنه عظيم، ففي الحديث الذي يرويه ابن مسعود ﵁ قال: قال ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (آلم) حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
سبحان الله العلي العظيم، أن تجلس قبيل أو بعيد الصلاة أو في سيارتك أو في متجرك أو في مكانك فتفتح المصحف فتقرأ حروفاً وكلماتٍ وجملاً من كتاب الله ، فإذا بك تؤجر أجراً عظيماً وتثاب ثواباً عظيماً، هل تعبت؟ هل تنفست الصعداء؟ هل حملت أثقالاً؟ هل مشيت خطواتٍ؟ هل أخرجت مالاً؟ هل تعبت في ذلك؟ مجرد أن تفتح المصحف وتقرأ لك بكل حرفٍ حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لنسأل أنفسنا يا من ننظر إلى من حولنا نظرة الرحمة والإشفاق بأنهم يضيعون أوقاتنا، كم نحن نضيع من الأوقات الكثير الكثير لا نقرأ فيها من كتاب الله.
ينبغي ويجب علينا أن نجعل في كل يوم علينا فيه ورد وحق واجب، ولكن -أيها الأحبة- إنها كنوز القرآن الضائعة، ولو أن الإنسان بنية إذا شئت -يا أخي الكريم- حتى تفرح بعاجل بشرى المؤمن خذ معك ورقة وقلماً وعد عدد الأحرف في صفحة من صفحات المصحف، ستجد مئات الأحرف بمئات الحسنات مضروبة في عشر أمثالها، كم مر عليك من يوم لم تفتح المصحف فيه؟ كم مضى عليك من أسبوع لم تقرأ فيه من كلام الله ؟ فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا كما قال الشاطبي ﵀:
وإن كلام الله أوثق شافعٍ وأغنى غَناءٍ واهباً متفضلا
وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبض على جمرٍ فتنجو من البلاء
ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت سحائبها بالدمع ديماً وهطلا
ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا
стр. 1581
من فضل قراءة القرآن
إن قراءة شيء من القرآن يعدل شيئاً كثيراً، قال ﷺ فيما يرويه عقبة بن عامر: (خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة، فقال الحبيب ﷺ : أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين -يعني: بناقتين سمينتين- في غير إثم ولا قطيعة رحم، فقلنا: يا رسول الله! كلنا نحب ذلك، فقال ﷺ : أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيقرأ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين، وثلاث خيرٌ له من ثلاث، وأربع خيرٌ له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل) رواه الإمام مسلم.
فهذا فضل آيتين من كلام الله يعدل الكثير الكثير من ناقتين وثلاث وأربع وأعدادهن من الإبل، وقال ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة، فإن من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] في ليلة فقد قرأ ليلته ثلث القرآن) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] الله الذي اختار هذا الكلام، وهو من هذه الأحرف التي نتحدث بها، ولكن الله اختار هذا الكلام ليكون أطيب الكلام وأجمله وأحكمه وأصدقه، واختار من هذا الكلام آيات وسوراً جعل الله فضلها عظيماً عميماً ومن ذلك: قل هو الله أحد.
عن عبد الله بن خبيب ﵁ قال: (خرجنا في ليلة مطرٍ وظلمةٍ شديدة نطلب رسول الله ﷺ فأدركناه فقال: قل، قلت: ما أقول؟ قال: قل هو الله أحد والمعوذتين حين تصبح وحين تمسي ثلاث مرات تكفيك من كل شيء) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي.
стр. 1582
القرآن شفاء لما في الصدور
أين الذين يذهبون للعيادات النفسية ويشكون القلق والانفصام والاكتئاب؟ أين الذين يذهبون لعلاج ما يسمى بضيق الصدر؟ أين الذين يخسرون أموالاً بل ويرتكبون شركاً في الذهاب إلى المشعوذين والكهنة والعرافين ليعلق عليه من التمائم وليعطيه من الرقى والطلاسم، وليلبسه من التول ومن أشياء كثيرة كلها لا ترضي الله بل تجرح وتقدح في التوحيد إن لم تنافي التوحيد كله؟ والعلاج سهلٌ بين يديه أن يقرأ عند صباحه ومسائه: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، اسألوا الذين يترددون على العيادات النفسية، فقد بذل بعضهم مئات الآلاف من الأموال، أنا أعرف رجلاً، قال: إن ما خسرته على العيادات النفسية متردداً عليها والأدوية أكثر من أربعمائة ألف ريال، يعني: أقل من نصف مليون، فوالله إن هذا لقليل يعني: قد خسر أكثر، قلت: وهل وجدت نتيجة؟ قال: لا.
قلت: إذاً كيف تعالج نفسك؟ قال: والله ما وجدت علاجي إلا في جزءٍ من القرآن آخر الليل، إن قرأت تلك الليلة جزءاً من القرآن في تلك الليلة أو قبل النوم أو في آخر الليل فإني أصبح نشيطاً سوياً سليماً معافى، وإن تركت القرآن أصبحت مريضاً قلقاً مكتئبا، فانظروا كم لله من النعم والفضل حينما يبتلي عبداً من العباد بلاءً يجعل دواءه في ذكره ليؤجر في دواء بلوى أصابته، أو في شفاء سقمٍ قد ألم به، نعمة عظيمة لكن ما أكثر الذين يترددون على المشعوذين، ويحيطون أنفسهم بالسرية وبالكتمان، وأنا أعرف لك واحداً موجوداً وراء الجبل وتحت الوادي وخلف المكان وفي آخر الطريق ولا تخبر به أحداً، ثم يأتي إلى بيتٍ نتن الرائحة خسيس المنظر والشكل؛ في حالة مزعجة وفي هيئة مريبة، ثم لا يلبث أن يعطيه من الطلاسم ومن البخور ومن التمائم ومن أمور الشعوذة ما الله به عليم، ثم يظن أنه بهذا قد سلك سبيلاً للشفاء والدواء، ووالله ما سلك إلا سبيلاً لزيادة البلوى والأذى، فهل يفهم هذا إخواننا؟ هل يفهم هذا أخواتنا؟ هل يفهم هذا الرجال والنساء الذين حينما يبتلى أحدهم ببلية في نفسه أو في ولده لا يتردد أن يذهب إلى فلانة التي تكشف، أو فلان الذي يشعوذ، أو علان الذي يعقد ويفك ويحل ويربط إلى غير ذلك؟ ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] ولا يدبرون ولا يقدمون ولا يؤخرون شيئاً قد قدره الله .
من العجائب: يقول لي أحد الإخوة الذين يتبرعون في الرقية يقول: جاء رجل ومعه امرأة تشكو آلاماً وأمراضاً من أجل الرقية عليها، قال: فكنت أرقيها ولا تجد أي أثرٍ أبداً، قال: فسألته: هل هذه المرأة تلبس شيئاً من الحروز؟ هل تلبس شيئاً من التمائم؟ هل تعلق شيئاً؟ هل أعطيت شيئاً؟ قال: إن شئت الحق فإنها سبق أن ذهبت إلى رجلٍ وأعطاها حرزاً تعلقه على جسدها ولا تستطيع أن تفكه لأنها إذا فكته أصابها البلاء، قال: فطلبته منه وبعد إصرار وإلحاح شديد أخرجه لي، قال: فلما فككناه وجدنا فيه نداء لشياطين الجن ومردة الشياطين: يا عبدوس يا شيطون يا حبوس يا كذا يا كذا، زد على ذلك قال برائحة نتنة قال: والذي استظهرته أنه مكتوبٌ أجلكم الله والملائكة وبيته والسامعين أنه مكتوبٌ بدم حيض -والعياذ بالله- انظروا كيف يبتلى هؤلاء؟! بل وبعضهم يشرك وهو لا يدري ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] بسبب الوقوع في هذه الأمور وعندهم الكنز الثمين وعندهم المورد العظيم كلام الله ، لو تداووا به واهتدوا به وتذكروه وجعلوه ذكراً لكان حرزاً ودواءاً وشفاءً وكفاءً ولكن:
ومن العجائب والعجائب جمة قرب الحبيب وما إليه سبيل
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول
стр. 1583
التسبيح كنز ضائع
من الكنوز الضائعة في ساعاتٍ تمر علينا فلا نغتنمها: ذكر الله في التسبيح، والتسبيح هو أن تقول: سبحان الله، تصوروا يا إخوان أنك حينما تسبح مائة تسبيحة فلك بها من الأجر ألف حسنة، وأنا الآن أريد أن أجري معكم اختباراً بالدقائق، قال ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يكسب كل يومٍ ألف حسنة؛ يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب الله له بها ألف حسنة، ويحط عنه بها ألف خطيئة) رواه الإمام مسلم والإمام أحمد والنسائي، حديث صحيح.
نختبر أنفسنا دقائق، أريد أن نسبح مائة، اختبار وعبادة وذكر، كلٌ يسبح مائة بينه وبين نفسه لننظر كم تستغرق مائة تسبيحة من الوقت، ابدءوا من الآن.
أظن أكثر إنسان استغرق في مائة تسبيحة دقيقتين، ثم عدل ما بين دقيقة ونصف إلى دقيقتين إلا ربع، يعني: يا إخوان! ألف حسنة أليست كنزاً يضيع، في دقيقتين تحصل ألف حسنة، بإطراق بإخبات بخشوع بتذكر بتدبر أيضيرك هذا؟ كم يضيع من التسبيح أدبار الصلوات؟ كم يضيع من التسبيح وقت السحر؟ كم يضيع من التسبيح الأوقات المشروعة لهذه الأذكار؟ وذكر الله مشروع للإنسان في كل وقتٍ أيضاً.
فيا أيها الأحبة: يفوتنا والله من الخير الكثير، وتلك أيضاً كنوزٌ ضائعة، قال ﷺ : (خير العمل أن تفارق الدنيا ولسانك رطبٌ من ذكر الله) رواه أبو نعيم في الحلية.
وقال ﷺ : (خير الكلام أربع لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الإمام أحمد وابن حبان.
وقال ﷺ : (ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة) أخرجه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان.
فكم ساعة سوف نتحسر عليها؟: (وما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه إلا كان عليهم ترة وندامة) يعني: حسرة وندامة يوم القيامة، فيا أحبابنا! فعلاً تضيع منا كنوزٌ لا نحصيها.
стр. 1584
أذكار غائبة عن كثير من المسلمين
وهنا كنزٌ عظيم ينبغي لكل واحد من الشباب والشيب، والرجال والنساء، والكبار والصغار ألا يضيعه أبداً، قال ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يومٍ مائة مرة؛ كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل عملاً أكثر من ذلك) وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم.
حرز وعتق رقاب وكفارة مائة سيئة وكسبٌ لمائة حسنة، وعمل عظيم تنافس به خلق كثير بمجرد أن تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، والله لو استطعنا أن نركب على هذه الألسنة والأفواه عدادات لتعد كم كلمة قلناها في غير ذكر الله وكم كلمة قلناها في ذكر الله لنعلم أن حظ القيل والقال، وفضول السؤال والتدخل فيما لا يعنينا، والسؤال عما لا يهمنا، والانشغال بالغيبة وبالنميمة وبالكلام الذي لا يليق أو لا يجوز، لوجدنا الذكر شيئاً قليلاً بالنسبة إلى ما نقول من لهو القول أو رديء الكلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إنها أذكار باللسان، تحريك اللسان كما قلت شيء يسير وخفيف جداً لا يكلفك بشيء، وتستطيع أن تحرك لسانك وأنت قائم وقاعد ومضطجع وعلى جنب، ومستلقٍ وعلى فراشك، وأنت ذاهب وآيب، وراكب وماشٍ، ومسافر وفي حل وفي ترحال وأنت قادرٌ على هذا الذكر، أما والله إنها لكنوزٌ ضائعة، أما والله إننا في غفلة وضياعٍ في أعمارنا ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 1585
أذكار بعد الآذان
قال ﷺ : (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً وبمحمدٍ رسولاً وبالإسلام ديناً، غفر الله له ما تقدم من ذنبه) رواه الإمام مسلم وغيره.
ثم -يا شباب! - ليس عيباً إذا جلسنا مجلساً ثم كثر لغطنا وكثر قيلنا وقولنا ينبغي أن يقول أحدنا ليكن أوسطنا وأقومنا وأعدلنا: يا إخوان! جلسنا ونقوم ما ذكرنا الله، اجلسوا والله لا تقوموا من بيتي وما تخرجوا من مجلسي حتى تذكروا الله ، كلٌ يذكر ربه في نفسه، لا تقوموا من هذا المجلس الذي يشهد علي وعليكم بأننا جلسنا وأكلنا وشربنا فلم نسمِّ ولم نحمد ولم نشكر ولم نذكر، ثم نقوم هكذا، لا يمكن هذا، لا بد أن نؤجر في هذا المجلس أقلها دقيقتين نقول: سبحان الله مائة مرة، أقلها خمس دقائق نقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، نقولها مائة مرة، ممكن مجاملات وابتسامات وزيارات ولقاءات يا فلان! أزورك تزورني، لكن لا يوجد تواصٍ، نعم.
يوجد تمادح؛ أنت ما مثلك، وأنت أحسن من ذاك، وذاك أحسن منك بقليل، وأنت أوشكت أن تتعدى ذاك، وكثير من الشباب قد ضر بعضهم بعضاً بهذا التمادح وهذا الثناء في الوجوه، أما النصيحة والتناصح، أما التواصي بالحق والتواصي بالصبر والتعاون على الخير فما أقل أن نجد ذلك في مجالسنا! ماذا يمنع أنه عندما أزورك أو تزورني أو يزور بعضنا بعضاً أمسك بتلابيبه وقل له: تعال -يا أخي- أكلنا وشربنا وما ذكرنا الله في هذا المجلس، اجلس نذكر الله (ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة وندامة) أي: حسرة وندامة يوم القيامة.
стр. 1586
سيد الاستغفار
إذاً نحن نحقق خيراً كثيراً بعبادة يسيرة في وقتٍ قصيرٍ جداً، ولكن كما قلت: التمادح والتشاغل أمرٌ عجيبٌ جداً.
في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم: (من قال حين يصبح أو حين يمسي: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فمات من يومه أو ليلته دخل الجنة) كلنا نحفظ هذا الدعاء ومن لم يحفظه فليحفظه، فهو سيد الاستغفار، إقرارٌ بالربوبية وإقرارٌ من العبد بعبوديته لله، واعترافٌ بالذنب واعترافٌ بالنعم لله ووعد على الثبات والتوبة، أمرٌ يسير وسهل فلا ينبغي لأحدٍ أن يضيع حظه من هذا الدعاء في صباحه ومسائه.
стр. 1587
سبحان الله العظيم وبحمده غرس الجنة
قال ﷺ : (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة) قل فقط: سبحان الله وبحمده غرست في الجنة، بنية صادقة، بقلبٍ مخلص، القضية ليس فيها صعوبة: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] لا تقل: إن ذلك أجرٌ كثير بعملٍ يسير، هذا فضل الله لا يحده شيء، خزائنه ملأى، يده سحاء الليل والنهار، الدنيا كلها بما فيها بالنسبة لما عند الله في الآخرة لا تساوي إلا قطرة تنحدر من أناملك إذا أنت أدخلت إصبعك في اليم، قال ﷺ فيما يرويه الإمام مسلم في كتاب وصف الجنة: (ما الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) أنت حين تدخل إصبعك في البحر وفي المحيطات هذه كلها والبحار ثم تخرج إصبعك من البحر هل خرجت بنصف البحر؟ بربع البحر؟ بكيلو بكيلوين بلتر؟ خرجت بقطرة، اعلم أن هذه القطرة هي الدنيا بملوكها وأملاكها وثرواتها وما فيها، وكل كنوزها الظاهرة والباطنة في هذه القطرة، أما الآخرة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هي ما أعده الله لعباده المتقين المؤمنين، نسأل الله أن نكون منهم.
يمكن أن ندرك فضل هذه الآخرة بأسبابٍ عديدة: ومنها: ألا نضيع هذه الكنوز، وأن نستثمر وأن نغتنم هذه الفرص العظيمة.
سبحان الله العظيم وبحمده غرس في الجنة، لا تقل كيف ولماذا ولعل وربما وأين؟ أبداً، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] الله اختار أن تكون هذه الكلمة ثوابها غرسٌ في الجنة، تعترض على الله، تستكثر على الله، تستكثر أن الله يعطيك غرساً في الجنة مقابل أن تقول: سبحان الله وبحمده، لا.
لكن الضياع والخسران والحرمان في هذه الألسنة والأبصار والقلوب، قال ﷺ : (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة لم يأت أحدٌ يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ قال مثل ذلك وزاد عليه) يعني: بأعمالٍ صالحة، رواه الإمام مسلم وأبو داود والترمذي.
وفي الحديث الذي رواه الشيخان: (من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) أجر عظيم وفضل عميم في ذكر الله .
стр. 1588
حكم التسبيح بالسبحة
بعض الناس عندما يرى أحداً يذكر الله كثيراً قال: أظن أن هذا صوفي، وهذا غير طبيعي، لأنه كثير ذكر الله تقول عنه صوفي؟ أو مجرد بعض الناس حينما يرى أحداً مولعاً بالذكر مشغولاً به قال: لا يهمك هذا سبحته لا يتركها من يده، ويسبح بها، الشيخ محمد بن صالح العثيمين في (نورٌ على الدرب) قبل أيام سئل وبأذني هذه وأنا مسئول عن هذا، سئل عن رجلٍ يقول: إنني أحرص أن أسبح ألف أو خمسمائة تسبيحة، وعندي سبحة فيها خمسمائة حبة، فهل هذا جائز، هل التسبيح بهذه جائز؟ فقال الشيخ: التسبيح بالسبحة لا بأس به ما دام أن السائل يقول: أنه يضبط بها العدد، لا يعتقد في السبحة اعتقاداً، إنما لضبط العدد، وهو يريد أن يسبح المائة يضيعها بسبحةٍ ما، أنا لست أدعو إلى التسبيح بالسبح، وقال الشيخ العلامة ابن عثيمين متع الله به: ولكن التسبيح بالأنامل أفضل لأن النبي ﷺ لما دخل على إحدى زوجاته ورأى عندها حصىً تسبح به ما أنكر عليها ولكن أرشدها إلى التسبيح بالأنامل، فالأفضل أن تسبح بأناملك لأنهن مستنطقات.
فيا أخي الكريم إذا رأيت من هو على عناية بذكر فاستعن بالله واستفد منه، ما لم يكن يبتدع لنفسه أذكاراً معينة، من قرأ ألم نشرح لك صدرك مائة مرة فإنه يفعل كذا، من قرأ ويل لكل همزة لمزة؛ لأن هناك بعض المخرفة وإن كان الذكر حقيقة لكنه يعتقد عدداً معيناً في وقتٍ معين بشيء لم يشرعه الله ورسوله فهنا نقول: قفوا ولا تبتدعوا وإنما عليكم الاتباع.
لكن إذا جاء واحد وقال: يا أخي! أنا أعد بأناملي وأخشى وربما يجيك شايب كبير يقول: أنا لا أستطيع ضبط العدد بأناملي، مضطر أعد بهذه السبحة أو بشيءٍ من هذا، مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، تقول له: لا.
قد ورد الشرع والنص والدليل بهذا الذكر وبهذا العدد، فلماذا تعترض عليه؟ لماذا تنكر عليه؟ إن كان بك خير،
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
في الحديث أيضاً: قال ﷺ : (من قال حين يمسي: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يمسي ثلاث مرات لم يصبه فجأة بلاء حتى يمسي) رواه أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه الألباني.
بصراحة وبعبارة واضحة: يا معاشر الإخوة! يا معاشر المسلمين! نحن قد ضيعنا الأذكار، أقل الكلام حظاً على ألسنتنا هو ذكر الله ، وما سوى ذلك فحدث ولا حرج، نحن ضيعنا الأذكار، أذكار الصباح أذكار المساء أذكار الصلوات أذكار الحفظ؛ الأذكار التي تحفظنا من شر العين والحسد والشيطان والجان ومن كيد الإنسان؛ كل هذه الأذكار نحن ضيعناها، وما كان السلف يتهاونون بها أبداً أبداً.
стр. 1589
(لا حول ولا قوة إلا بالله) وفضلها
عن أبي موسى الأشعري قال: (كان رسول الله ﷺ قال لي: يا عبد الله بن قيس! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله) أخرجه البخاري.
سبحان الله! لا حول ولا قوة إلا بالله كنزٌ من كنوز الجنة، الآن الناس إذا رأى شيئاً عجيباً صفر هذه التصفيرة الطويلة، لا يقول: (سبحان الله) حينما يرى شيئاً عجيباً لا يقول: الحمد لله على هذه النعمة، أو إذا حل بلاء لا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، بل يقول: (أف) أو بعضهم يسخط على الله، وأنا ماذا عملت -يا رب- حتى يقع لي كذا، بل بعضهم يقع في الاعتراض وربما السخط على مقادير الله ؛ وذلك من الجهل العظيم، لكن لو ألزمنا أنفسنا الأذكار إذا رأينا عجباً سبحنا، وإذا صعدنا مرتفعاً كبرنا، وإذا هبطنا منخفضاً سبحنا، وإذا رأينا مبتلى قلنا: لا حول ولا قوة إلا بالله وسألنا الله العافية، إذا رأينا نعمة حمدنا الله، إذا رأينا شيئاً يعجبنا قلنا: ما شاء الله، فسنجد أن هذه الأذكار على ألسنتنا في كل مناسبة وفي كل ما نرى، لكن لما تعودت الألسنة المكاء والتصدية (التصفيق والصفير) والكلام العجيب والألفاظ الغريبة والحركات التي لا تليق أصبحت هي السائد عند كثيرٍ من الناس، وعند الشباب خاصة، ولو أننا عودنا أنفسنا هذا الذكر لكان بإذن الله خيراً نؤجر عليه.
стр. 1590
اللسان وعظم أمره
يا أحبابي إن الإنسان إذا تعود الذكر ربما ذكر الله في موطنٍ يؤجر فيه فيبلغ به أعلى الدرجات، قال ﷺ : (إن العبد ليقول الكلمة لا يلقي لها بالاً تبلغ به من رضوان الله أعلى الدرجات) ما هي الكلمة التي يمكن أن تقولها من غير أن تخطط لها ومن غير أن تدبر لها، أنت قلتها ولم تلق لها بالاً فبلغت بك أعلى الدرجات من رضا الله؟
الجواب
هي الكلمة التي أنت قد تعودت عليها يا حبيبي، إذا كنت متعوداً على ذكر الله ، فسيأتي مقام أو مكان أو ظرف أو شيء معين، فتقول كلمة من ذكر الله في رضوان الله ما خطرت على بالك لكنك بلغت بها أعلى الدرجات: (وإن الرجل ليقول الكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً) فإذا شئت أن تتعود الأجر والخير فعود نفسك أن تكتب لك الحسنات وأن تمحى عنك السيئات كما تأخذ هذا الزفير والشهيق في النفس بمحاولة تعويد النفس على ذكر الله ، والسلامة من الكلمات التي لا تليق، فحينئذٍ تؤجر بأجرٍ عظيم، فكما أن اللسان وهو الجارحة الصغيرة الذي يسبب أو تحصل به على حسناتٍ كثيرة يجعلك تنال درجات كبيرة ومنازل عظيمة وهذا اللسان ربما كان سبباً أن يكب عبدٌ من عباد الله على أنفه في نار جهنم، وكلكم يعلم حديث معاذ حيث قال: (يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون على ما نتكلم به؟ فقال ﷺ : ثكلتك أمك يا معاذ) وهذه كلمة تقولها العرب لا تعني بها معناها، يعني: الرسول لا يدعو على معاذ بأن أمه تفقده وإنما هي من الكلمات التي تقولها العرب ولا يراد بها معناها، فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم) فكما أن هذا اللسان جارحة الذكر يسبب لك أجراً وخيراً عظيماً، فربما جر عليك وبالاً وشقاءً عميماً وكبيراً ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1591
الثلث الأخير من الليل كنز ضائع
إن من الكنوز الضائعة الثلث الأخير من الليل، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن في الليلة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه، وذلك كل ليلة) رواه الإمام مسلم.
وفي حديثٍ لـ مسلم أيضاً: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر) رواه مسلم والترمذي، وفي حديث عند الإمام أحمد والنسائي: (ينزل الله في كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه، هل من مستغفرٍ فأغفر له، هل من تائبٍ فأتوب عليه حتى يطلع الفجر) هذا فضلٌ يتكرر وكنزٌ يفتح بابه ويدعى الخلق إليه في كل ليلة، فأين الذين يسألون؟ أين الذين يطلبون؟ أين الذين؟ لو قال: يا إخوان! توجد قطعة أرض عشرة في عشرة مجاناً من أراد وقد تجمعت فيه الشروط فليأت في المكان الفلاني، وجدت الناس من بعد الفجر إلى أن تغيب الشمس كل واحد يمسك ملفه ويقدمه ويتنافس مع غيره، يا أخي! هنا كنوز عظيمة من عند الله من فضل الله، الذي يفرح إن سألته ويرضى عنك إن دعوته:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب
وإذا بليت ببذل وجهك سائلاً فابذله للمتفرد المفضال
الناس إذا أعطوك اليوم غداً يمنون، وبعده يسخطون، وفي الرابعة يضربون، ولذلك لما رأى الأعرابي عطاء النبي ﷺ بعد غزوة حنين جن ذاك الأعرابي، جاء ينظر إلى وادٍ مليءٍ بالغنم والنعم يسمع فيه الثغاء والرغاء والخوار فقال الرجل لرسول الله ﷺ معناه أن الخير كثير، وهذه النعم جيدة، وهذه الغنم ممتازة، فقال ﷺ : (أيسرك أن لك هذا؟ قال: إي والله يا رسول الله، قال: اذهب فهو لك) فقام الرجل يصيح بأعلى صوته: يا قوم! أسلموا فإن هذا ليس بعطاء بشر هذا عطاء نبي لا يخشى الفقر أبداً.
فالبشر إن أعطوا مرة مرتين ثلاثاً يملون، بل قال الله: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً﴾ [الإسراء:١٠٠] ما التفسير؟ لو أنك تملك خزينة ليس المقصود أنها خزينة عظيمة لا يخطر على البال الذي فيها، بل أيضاً مع هذا خزينة لا تنقص أبداً لأمسكت خشية الإنفاق وكان الإنسان قتوراً، لكن الله كلما ألححت عليه كلما رضي عليك، فأين الملحون على الله ؟ أيها الأحبة أين أصحاب الحوائج؟ من الناس من له حاجات وحاجات وحاجات، ما ترك باباً إلا طرقه، ولا وجيهاً إلا تشفع عنده، ولا ثرياً إلا قصده، ولا معطاءً إلا مدحه، ولا باذلاً إلا بلغه ووصله، يريد منه أن يقضي حاجته، وربما رده الناس مراراً وتكراراً، فنقول لمثل هذا: هل سألت الله في آخر الليل؟ هل سألت الله في ساعة الإجابة يوم الجمعة؟ هل سألت الله في أوقات الإجابة؟ أبداً ما سأل ولا فكر أن يدعو، بل جلس الأيام الطوال في زمهرير الشتاء وحر شمس الصيف يسأل فلاناً وعلاناً لكنه ما سأل الله، ومن تعلق بشيء وكل إليه، بعض الناس ربما تعجل له العقوبة يوم أن ينصرف إلى سؤال الناس قبل أن يسأل الله ، اسأل الله أولاً وإن كانت حاجتك عند البشر، السماء لا تنزل معاملات وتعاميد هذا صحيح ومؤكد، لكن قبل أن تسأل فلان بن فلان اسأل الله أن يسخر لك فلان بن فلان وأن يقضي حاجتك وأن يغنيك عنه: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢].
стр. 1592
فضل الصلاة على رسول الله
هنا كنزٌ أيضاً وهو كنز الصلاة على النبي ﷺ ، قال حبيبنا ﷺ : (ما من عبدٍ يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة ما دام يصلي علي فليقل العبد من ذلك أو ليكثر) رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
صل على النبي فتصلي عليك الملائكة وتدعو لك، الآن لو أقول سماحة الشيخ ابن باز، وسماحة الشيخ ابن عثيمين متع الله بهما وعافاهما من كل مكروه وإياكم أجمعين، لو قلت إنهم يدعون لك، قلت: أسألك بالله العلامة الجليل سماحة الشيخ يدعو لي، بل أقول: الملائكة تصلي عليك وتدعو لك إذا أنت قلت: اللهم صل على نبينا محمد، فالصلاة والسلام على الحبيب ﷺ أجرها عظيم جداً، ولكن أيضاً من الغافلين، بل بعض الناس لو يذكر عنده اسم بشر استعد وغير جلسته وأنصت وقال كلاماً يعني: أشعركم أني مهتمٌ بهذا الاسم، فيمر اسم النبي ﷺ فكأن اسم نبيٍ من أولي العزم لم يمر على مسمعه فلا يصلي أبدا، صلى الله على نبينا محمد.
وقال ﷺ : (من صلى علي واحدةً صلى الله عليه عشر صلواتٍ، وحط عنه عشر خطيئاتٍ ورفع له عشر درجات) رواه أحمد والنسائي وغيره.
وقال ﷺ : (من صلى علي حين يصبح عشراً وحين يمسي عشراً أدركته شفاعتي يوم القيامة).
стр. 1593
يوم الجمعة كنز عظيم
وأما الكنز الذي يلي ذلك فهو كنز يوم الجمعة، فقد قال ﷺ فيما رواه الشيخان: (إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم قائمٌ يصلي يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه، وقال بيده) قال ﷺ بيده، يعني: يقلل هذه الساعة، يعني الساعة قصيرة جداً، فعلاً ساعة من آخر النهار كما في بعض الأحاديث الأخرى، من الذي يعجز أن يوقت الساعة ويرتب نفسه لكي يجلس بعد صلاة العصر، وعندكم هذا البيت العتيق والكعبة المباركة، ومقامٌ الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، أفلا نجلس لذكر الله ؟ أفلا نجلس لمحاسبة النفس؟ أفلا نجلس للاستغفار؟ أفلا نجلس للسؤال والدعاء وطلب الحاجات وقضاء الحوائج؟ إن ذلك ميسر ولكن القلوب ما امتلأت بالاعتقاد الكامل القوي العظيم الذي يكفيها عن الحاجة إلى البشر، قال ﷺ : (التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس) رواه الترمذي.
وقال ﷺ : (يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة منها ساعة لا يوجد عبدٌ مسلمٌ يسأل الله فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر) رواه أبو داود والنسائي.
وهنا مسألة فقهية: ورد في بعض الأحاديث: (لا يوافقها عبدٌ يصلي) وإذا كانت بعد العصر فإن بعد العصر من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فكيف يكون ذلك؟ لقد سبقنا أئمة الفقه من الصحابة، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة قال: ﷺ : (خير يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط منها، وفيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم يصلي فيسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه إياه.
قال أبو هريرة: فلقيت عبد الله بن سلام فذكرت له هذا الحديث، فقال: أنا أعلم بتلك الساعة، فقلت: أخبرني بها ولا تضنن بها علي، قال: هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس؟ قلت: فكيف تكون بعد العصر وقد قال ﷺ : لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو يصلي وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: أليس قد قال ﷺ : من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة) وهذا دليل على فقه الصحابة رضوان الله عليهم.
فالخيبة والخسران لمن تكلم في الصحابة أو قال في أبي هريرة خاصة إنه يروي من الأحاديث ما لا يفقه ولا يدري، هذا أبو هريرة يحاور ويناقش عبد الله بن سلام، صحابيان جليلان إمامان عظيمان يتناقشان حول هذه المسألة العظيمة، قال: (أليس قد قال ﷺ : من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة.
قلت: بلى، قال: فهو ذاك) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
стр. 1594
حث على التبكير لصلاة الجمعة
من الكنوز الضائعة على كثيرٍ من الأخيار قبل عامة الناس، كنز يوم الجمعة، فكلكم يعرف الحديث الذي رواه أبو هريرة قال ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح من الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) رواه البخاري ومسلم.
لو قلنا لك يا أخي الحبيب: تعال أعطنا ثلاثة آلاف ريال نريد أن نشتري بعيراً على حسابك ونذبحه لوجه الله ونوزعه على الفقراء، قلت له: يا أخي! أنا رجل فقير ما عندي هذه الثلاثة آلاف أشتري بعيراً، لو أردت دجاجة ما وجدتها عندي، حسناً: تعال -يا أخي- بإمكانك أن تقرب بعيراً كاملاً؛ تعال الساعة الأولى إلى المسجد وكأنما قربت هذه الناقة لوجه الله وقسمتها على الفقراء، تعال في الساعة التي تليها كأنما قربت بقرة، تعال في التي تليها، فكأنما قربت كبشاً، وهذا من الخير العظيم.
إذاً: الإسلام ما تعامل مع أرباب الأموال فقط، هذا التشريع لم يتعامل مع طائفة من الناس عندها قدرات معينة، بل الجميع يستطيعون أن ينالوا قدرات، فالذين لا يملكون الأموال، إذا كان ذهب أهل الدثور بالأجور لهم فضول أموالٍ يتصدقون بها فإن الفقراء عندهم فضول التسبيح والتهليل والعبادة والتكبير يستطيعون أن يسبقوا هؤلاء، بل وربما وجدت فقيراً لا يملك ريالاً قد أجر أجر الملايين بدلالة على خيرٍ أو دعوة إليه: (من دل على خيرٍ فهو كفاعله، ومن دل على هدىً فله أجره وأجور من عمل به إلى يوم القيامة).
стр. 1595
الاغتسال يوم الجمعة
خذ أيضاً من كنوز يوم الجمعة من اغتسل يوم الجمعة كما قال ﷺ في الحديث الذي يرويه مسلم عن أبي هريرة: (من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه؛ غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام) وبعض الناس يقول: ما دام هذا كافياً إذاً لا داعي للصلاة مع الجماعة، ولا داعي إلى العناية بكثير من الأمور ما دامت هذه تغفر، لا، هنا مسألة الإصرار على الصغائر كبائر، ترك الصلوات من أعظم الكبائر، التهاون بالصلوات مما توعد عليه بويل: (وهو وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من حره).
فيا أخي الكريم: لك أجرٌ عظيم بهذا، ووالله هذا الحديث الذي سأتلوه عليكم الآن قلبت وأعدت وسألت بعض طلبة العلم عن الرجال وبحثت عن الرجال رجلاً رجلاً يعني: أمر عجيب من عظم الأمر العظيم الذي يترتب على هذا الحديث، قال ﷺ : (من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع وأنصت ولم يلغ -بعض الروايات ليس فيها: ومشى ولم يركب- كان له بكل خطوة يخطوها من بيته إلى المسجد عمل سنةٍ أجر صيامها وقيامها) الله أكبر! كم بينك وبين المسجد مائة خطوة، ربما أجرت أجر مائة سنة، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن ورجاله ثقات.
قال النووي في شرح المهذب معنى غسَّل: يروى غسل بالتخفيف والتشديد والأرجح عن المحققين التخفيف والمختار أن معناه: غسل رأسه ويؤيده رواية أبي داود في هذا الحديث: (من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل) وإنما أفرد الرأس بالذكر؛ لأن الناس قريباً كانوا يجعلون في الرأس الدهن والخطم ونحوهما وكانوا يغسلون الرأس أولاً ثم يغتسلون، وقيل المراد: غسل أعضاءه ثم اغتسل وقيل: غسل أي: جامع أهله قبل الخروج إلى الصلاة؛ لأنه يعين على غض البصر في الطريق، يقال: غسل الرجل امرأته بالتخفيف أو غسلها أي: جامعها.
стр. 1596
فضل الوضوء وإسباغه
في فضل الوضوء كنزٌ عظيم فعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: (كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي أرعاها، فروحتها بالعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائماً يحدث الناس وأدركت من قوله: ما من مسلمٍ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة، فقلت: ما أجود هذا! فإذا قائلٌ بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقال: إني قد رأيتك قد جئت آنفاً، قال: ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيبلغ الوضوء أو يسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) أخرجه مسلم.
فهذا الطهور وهذا الوضوء فضله عظيم، فإذا أعقبته بصلاةٍ كانت سبباً في مغفرة ذنبك كما قال ﷺ : (ما من عبدٍ يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله من ذلك الذنب إلا غفر الله له) رواه أحمد وأصحاب السنن.
وقال ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما غفر الله له ما تقدم من ذنبه) رواه الإمام أحمد وأبو داود.
فكل هذا من الفضائل العظيمة ومن الخيرات العميمة ومن الأجر الذي كتبه الله واختاره وقربه إلى هذه الأمة لما كانت أمة أعمار أهلها قصيرة، جعل الله لها من الخيرات والبركات في ليلة القدر وفي ساعات الإجابة، وفي فضل الذكر، وفي فضل التسبيح، وفي فضل هذه الأعمال ما نسبق به الأولين ونفوق به الآخرين إذا صلحت منا النية، وصدق منا الفعل، وكان ذلك خالصاً لوجه الله .
стр. 1597
كنوز أخرى
стр. 1598
فضل صلاة الفجر جماعة
يا إخوان أليس من فضل الله العظيم أن صلاة الفجر مع الجماعة تجعلك في ذمة الله : (من صلى الصبح فهو في ذمة الله فانظر يا بن آدم! لا يطلبنك الله من ذمته بشيء) كما قال ﷺ ؟ كم الذين تفوتهم صلاة الفجر الآن؟ بل كم من الذين يؤقتون ويثبتون الساعة والمنبه على وقت الانصراف إلى الدوام، والله يا أخي الحبيب إن قصد تفويت الصلاة وقصد تثبيت الساعة على وقت ينبهك بعد خروج وقت الصلاة لفيه دلالة على ترك الصلاة عمداً وتأخيرها عمداً، وهذا ربما كان سبباً أن يطبع على قلب صاحبه، وربما كان ذريعة إلى ترك الصلاة بالكلية؛ لأن ذلك تأخير (إن لله بالليل عملاً لا يقبله بالنهار، وإن لله بالنهار عملاً لا يقبله بالليل) الآن لو يأتي موظف يريد أن يداوم بعد صلاة العشاء والناس مداومون الصباح هل يقبل منه هذا العمل؟ لا يقبل مديره منه هذا، ولله المثل الأعلى، لا يمكن أن يقبل عمل الليل بالنهار أو عمل النهار بالليل، إلا من كان له عذرٌ شرعي، فحينئذ الله يقبل التوبة عن عباده، ويعذر عباده ، وقد يقول قائل: ما بال الفقراء، ما بال الأقوياء الذين سلبت منهم نعمة الصحة فأصبحوا من ذوي السقم والمرض، ما بال العجزة، ما بال الذين لا يقدرون على فعل هذه الأعمال ما حظهم من الثواب؟ نذكرهم بحديث النبي ﷺ : (إذا مرض المسلم أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيما) فأنت -يا أخي الحبيب- عود نفسك الآن على الأذكار وعود نفسك على العبادة، واجعلها برنامجاً يومياً لا يشغلك عنه شاغل، ولا يصرفك عنه صارف، فلو كتب لك بعد ذلك أمرٌ من المقادير يحول بينك وبين ما كنت قد تعودته وأمضيته من العمل الصالح والأذكار فإن أجرك باقٍ كما هو لا ينقص من أجرك شيءٌ بأي حالٍ من الأحوال.
стр. 1599
من الكنوز الضائعة السنن الرواتب
من الكنوز الضائعة السنن الرواتب، قال ﷺ : (من صلى في يومٍ وليلة اثنتي عشرة ركعة بني له بيتٌ في الجنة: أربع قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الغداة) رواه الترمذي وصححه الألباني، وفي رواية أخرى للإمام مسلم وذكر فيها هذا الأجر العظيم.
فيا أحبابنا! هذا أجرٌ عظيم! السنن الرواتب أدركتها حققت خيراً كثيرا، ثم إذا لقيت الله وقد نقص من الفريضة شيء فإن الله سبحانه يقول: (انظروا -يا ملائكتي- هل لعبدي من تطوع؟) فإن كان لك من عملك تطوع من صيام النافلة لصيام الفريضة، تطوعٌ من صلاة النافلة لصلاة الفريضة، تطوعٌ من حج النافلة لحج الفريضة، تطوعٌ من هذا العمل لهذا العمل، فإنه -بإذن الله- يكمل به ما نقص من عملك، فما الذي يضرك أو يجعلك تتقاعس أو تتأخر، أو ما الذي يثبطك عن القيام بهذا، ونحن اليوم في يوم صيامٍ وغداً وبعد غدٍ عاشوراء ويومٌ قبله وبعده أو قبله وبعده.
стр. 1600
الصيام كنز ضائع
فيا أحبابنا أيضاً كنزٌ ضائعٌ الصيام، وكثير من الناس عنده استعداد أن يفوت أجر كفارة سنة ماضية مقابل وجبة الساعة الحادية عشرة، ويمكن أنه لا يأكل الوجبة الثانية إلا قبل المغرب بربع ساعة، يا أخي الكريم! ارفع رأسك قليل من الصوم ينفعك -بإذن الله- في بدنك وفي عبادتك قال ﷺ : (صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة، وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية) رواه الإمام مسلم والترمذي.
وقال ﷺ : (صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) فالله الله لا نترك الصيام يا أحبابنا، وامروا أهلكم وأزواجكم وأولادكم وبناتكم وخذوا أجرهم، فإن في هذا من الثواب ما تدركونه بأمركم وإرشادكم إليه.
стр. 1601
فضل الصدقات
كذلك من الكنوز الضائعة: الصدقات من الحلال، قال ﷺ : (إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره؛ حتى أن اللقمة لتصير مثل جبل أحد) أنت تتصدق من حلال بلقمة فالله يتقبلها بيمينه ويربيها لك كما تربي مهرك أو فلوك، ثم تأتي يوم القيامة وتجد أن هذا الريال أصبح مثل جبل أحد، تجد أن هذه اللقمة أصبحت مثل جبل أحد.
أذكر ذات مرة تكلم أحد إخواننا في مسجدنا في الرياض أو المسجد الذي نصلي فيه فدعا الإخوان المصلين أن يتصدقوا وأن يساعدوا رجلاً محتاجاً، وكالعادة توضع الأوراق خلف المصلين من أراد أن يجود بشيء، فرمقت بعيني وتابعت عاملاً رث الهيئة خلق الثياب فما كان منه إلا أن ذهب ووقف عند هذا المكان الذي توضع عليه الصدقات فأخرج خرقة معقدة كذا وفكها وأخرج منها ريالاً ووضعه مع الصدقات، سبق درهمٌ ألف درهم، هذا عامل نسأل الله أن يعيننا وإياه وجميع إخواننا المسلمين من عرق جبينه ومن كد يمينه، والله -يا أحباب- ربما الواحد أحياناً يقول: يا ليت أن الإنسان يعلم لو تقبل منه نصف ريال أو ريال، أو أنه من الحلال المحض، اليوم اختلط الحلال بالحرام واختلطت الشبهات بالمباحات، واختلط الحابل بالنابل فتغبط من ترى درهمه ومدخله ومصرفه ونفقته من عرق جبينه ومن كد يمينه، فمن تصدق من حلال وزاد أن تصدق سراً فإن صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وفعل المعروف يقي مصارع السوء، فقال ﷺ في حديث معاذ: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار).
стр. 1602
وقفات مهمة مع حسن الخلق
أيها الأحبة! حسبنا في هذا الوقت الذي مضى ما ذكرناه من هذه الكنوز، وثمت كنوزٌ كثيرة وعظيمة ومن أجلها وأهمها: حسن الخلق:
أبني إن البر شيءٌ هين وجه طليقٌ وكلامٌ لين
وكما قال ﷺ : (إن من أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافا) وقال ﷺ : (وإن المسلم ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم لا يفطر والقائم لا يفتر).
ولم أرَ في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
إنني أوصي جميع إخواني وأخواتي، وأوصي الشباب الطيبين خاصة ألا يجعلوا في التزامهم ثلمة يمقتها من رآهم، أو ينتقدهم بها من قابلهم؛ إما بغلظة، أو جفاء، أو إغضاءٍ، أو انصرافٍ عن الخلق بهذه الابتسامة (وتبسمك في وجه أخيك صدقة) ماذا تخسر أن يكتب الله لك صدقة، ماذا تخسر أن تكسب الناس، وأن تؤثر عليهم بحسب الخلق بخفض الجناح بلين الجانب بالتواضع، ماذا تخسر يا أخي الكريم حين تبدؤهم بالسلام؟ وبالمناسبة فإن من إخواننا من رأى رجلاً عليه معصية لا يعطيه من الخلق الحسن شيئاً، وهذه من المفاهيم الخاطئة، أنت تمر على رجل يدخن أيضيرك أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبابتسامة وبوجه طليق، وتحنو عليه وتدنو إليه، وتقول: يا أيها الحبيب! إن هذا لا يرضي الله ولا يرضي رسوله، وإن هذا يضرك، ونصيحتي لك محبة وغيرة وإشفاقاً ألا تفعل هذا.
تجد بعض الإخوان -وفقهم الله ونفع بهم- بمجرد أن يرى على شخصٍ منكراً من المنكرات فإن وقوع هذا الشخص في المنكر كفيل بإسقاط حقوقه، فلا يبدأ بالسلام ولا يرد إذا سلم، ولا يشمت إذا عطس، ولا يعاد إذا مرض، ولا يصلى عليه إذا مات، ولا ينصح إذا استنصح، ولا يدل إذا استرشد، هذا ليس بصحيح يا أخي الكريم، بل إننا حينما نقابل هؤلاء بحسن الخلق، وربما تجد من الناس على ما فيه من معصية ظاهرة قد سلم من ذنبٍ قد يكون في أو فيك وهو خطير.
فيا أخي الكريم لا تتصور أن ما تراه من كمال الظاهر هو الدليل على الكمال في كل شيء، ولا تتصور أن ما تراه من النقص في الظاهر أو شيءٍ من الظاهر هو الدليل على النقص في كل شيء، نعم جنس الكمال في الظاهر صلاح الظاهر إشارة وقرينة على صلاح الباطن بإذن الله، وربما كان فساد الظاهر قرينة أو إشارة على تقصيرٍ في الباطن أعظم، لكن هذا ليس على إطلاقه، وإن من الكنوز الضائعة المتعلقة بمعاملة الخلق هي حسن الخلق وإنك لتؤجر عليها أجراً عظيما، يا أخي الحبيب! كما من الله عليك بالالتزام والاستقامة، واتباع السنة، وحب الخير، والدعوة والإرشاد إليه، وحب الدعاة إليه، احرص على أن تكون على درجة طيبة من حسن الخلق.
أما أنا فوالله إذا قابلني شابٌ لا أرى فيه حسن الخلق يمرضني يوماً أو يومين، أمرض مرضاً شديداً حينما أقابل إنساناً بابتسامة فيكفهر، أو أبدؤه بالسلام فلا يرد، أو تعطيه معاملة حسنة ثم لا تجد إلا جماداً لا تتحرك فيه مشاعر، لماذا يا أخي الكريم تصد بوجهك عني، ما أنا فحمة ولا أنت فرقد، يعني: ما بالناس فحم وأنت النجم، فحسن الخلق أمر مطلوب جداً، وأكرر ما أقول لكم أنني يؤذيني إذا رأيت من إنسان تعطيه من حسن الخلق ما تعطيه ثم ينصرف عنك بكل فظاظة وجفاء، وهذا لا يجوز ولا ينبغي: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ [الحجر:٨٨] ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
يا أحبابنا لماذا لا نتصف بهذه الصفة؟ لماذا نجعل الخلاف في مسائل فرعية، الخلاف في مسائل فقهية، الخلاف حول قضايا معاصرة، شخص اختلفت أنت وإياه في أزمة الخليج، انتهى، فأصبح لا يسلم عليك، ولا يبتسم في وجهك، ولا يقابلك كأن أزمة الخليج هي فتنة القول بخلق القرآن؟ وهل نلزم أن نجعل عقولنا أجهزة نسخ أفكار بدون أن نحرر أو نغير أو نناقش؟ هنا قضايا متفق عليها، فمالي ولا لك فيها رأي ولا اجتهاد مع النص، وهنا مسائل محل اجتهاد؛ فما اجتهادك بأولى من اجتهادي، لكن إذا اختلفت معي فإن ذلك لا يبيح لي أن أغتابك، ولا يجيز لي أن أتناول عرضك، ولا يسمح لي أن أنم فيك، ولا يجيز لي أن أسقط حقوقك، أو أن أسكت عن الذب عن عرضك إذا تُكِّلم فيك وأنا جالس، وكذلك العكس بالنسبة لي، لأن من إخواننا من ضيع الكنز العظيم كنز الخلق الحسن بسبب الاختلاف، يقول أحدهم: فلان لا يهمك تراه يرى الرأي الفلاني في القضية الفلانية، وهل هذه القضية الفلانية هي تحويل القبلة، لا يسع أحد الانصراف عنه، مسألة ربما ليست ربما من الشرع في شيء وإنما محل اجتهاد فكري أو سياسي أو اقتصادي أو إعلامي، وللنظر فيها مجال، وللاجتهاد فيها مكان ومرتع، لكن أبداً، تعال ووافقني على آرائي وكن نسخة طبق الأصل، وببغاء قلدني وتابعني فيما أقول وإلا فلست من جماعتي ولا من أحبابي ولا أعترف بك وأنت من هؤلاء ولست من هؤلاء.
متى خلقنا هكذا؟ العقول التي خلقها الله عظيمة دفاقة كالبحار؛ آتي وأضع عقلي في قربة من أجل أتبعك في هذه المسألة، أنا أخالفك في هذه المسألة؛ لكن مخالفتي لك لا تجعلني أسكت إذا اغتيب عرضك في مجلس، ومخالفتي لك لا تسمح بأن أغتابك أو أتكلم فيك أو أنم عنك، وكذلك العكس لك علي هذه الحقوق ولي عليك مثل هذه الحقوق، فلا نضيع حسن الخلق بمثل هذه الخلافات الفرعية في المسائل الفكرية والمسائل الاجتهادية.
أقول ما تسمعون أيها الأحبة، وأسأل الله أن يجعل أعمالنا وأعمالكم خالصة لوجهه، إنما نؤكد ونوصي ونشدد ونعيد ونزيد أن الأزمة أزمة العمل، ما أظن أنني في هذه المحاضرة قد جئتكم بجديدٍ لا تعرفونه، بل كل ما قلت أنتم أدرى به مني، وحالي معكم كقول الشاعر:
فقل لمن يدعي في العلم معرفة علمت شيئاً وغابت عنك أشياء
ما جئتكم بجديد، لكن جئنا بذكرى لأنفسنا ولكم حتى نعلم ونطبق والله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا﴾ [النساء:٦٦] إذا نحن طبقنا ما نسمع في خطب الجمعة وفي المحاضرات وفي الندوات، وفي إذاعات القرآن الكريم، وفي المناسبات النافعة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨] أربع ثمار وفوائد عظيمة تكفل الله بها لمن جعل نيته فيما يسمع أن يعمل ويطبق، أما السماع للثقافة، السماع للمناظرة، السماع للنقد، السماع للتشفي، السماع للتمحل والتأويل، السماع لأغراض أخرى، هذا يضر صاحبه ولا ينفعه بأي حالٍ من الأحوال.
أيها الأحبة ختاماً: أود أن أؤكد على ضرورة الالتفات لإخواننا في البوسنة والهرسك، فلا يخفاكم معاناتهم وحاجتهم إلى الدعم والبذل والمساعدة، ولعل الشيخ قد جعل على الباب الشمالي من يجمع التبرعات التي تجود بها أنفسكم وستصرف للهيئة العليا التي بدورها على أتم حرصٍ وعناية فيما أشهد وأعلم واطلعت على ذلك لإيصالها لإخواننا المحتاجين في البوسنة، فالله الله يا إخواني ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] صدقة وذكر وعبادة، نسأل الله أن يجعلها كفارة لذنوبنا ورفعة لدرجاتنا ورحمة لنا ولوالدينا.
اللهم أعز الإسلام والمسلم ودمر أعداء الدين، اللهم اجمع شملنا وحكامنا وعلماءنا ودعاتنا، اللهم لا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم ثبتنا على دينك واستعملنا في طاعتك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1603
الماضي والمستقبل
المؤمن تراه دائماً يحاسب نفسه، فإذا مضى عليه يوم أو أسبوع أو شهر رأيته يحاسب نفسه على هذه الساعات التي انقضت، والتي تعتبر شيئاً من عمره، فيحاسب نفسه: ماذا فعلتُ من خير في هذه الأيام؟ ما هي الذنوب التي اقترفتها؟ مما يدعوه لعمل الخير فيما يأتي من عمره، وفي هذه المادة ما ينشطك لذلك، فطالعها.
стр. 1604
الموقف الأرشد تجاه العمر
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعنيه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إني لأقف في هذا المقام خجلاً بين أيديكم مع أن في القوم من هو أمثل وأخير وأعلم مني، ولكن المحبة في الله جمعت بيننا في هذا المكان، بين متكلم وسامع، ومستفيد ومتذكر، لعل الله أن يجعل هذا الكلام عوناً لنا على طاعته، وحجة لنا لا علينا بمنّه وكرمه.
أيها الأحبة: الحديث اليوم عن الماضي وعن المستقبل، وله مناسبة وهي أننا قبل أيام ودعنا عاماً كاملاً بأشهره ولياليه وساعاته، وما مر فيه شاهد لنا أو علينا، كلما أُحدث في هذا العام على وجه الأرض، وفي كل مكان من هذه الدنيا، فإنه في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى.
أيها الأحبة الماضي والمستقبل هو العصر والليل والنهار، الماضي والمستقبل هو الضحى والصباح والمساء، هو الأيام والشهور والسنون والأعوام: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١ - ٢] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧] ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التوبة:٣٦] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠].
هذا هو الماضي، وهذا هو الحاضر، وهذا هو المستقبل، لا نتحدث عن كوكب غريب، ولا عن عالم عجيب، إنما هي أيامنا وساعاتنا التي تمر على أعمارنا، لتقضى فيها مقاديرنا وآجالنا وأعمالنا، وإن أقواماً لا يدركون قيمة الحاضر، ولأجل ذا لا يأسفون على ما مضى، ولا يستعدون لما بقي، لقد اشتغل أقوام بالحسرات على ما مضى، تحسروا دون أن يحدثوا توبة وندماً واستغفاراً ورجوعاً إلى الله ، وإن أقواماً يخافون من المستقبل دون أن يستعدوا لهذا المستقبل.
إن الحزن على الماضي والخوف على المستقبل ما لم يكن لأجل الإعداد والاستعداد بالعمل الصالح فهو ضرب من الوسوسة، وهو ضرب من الأمراض النفسية؛ لأن الذين يخافون من المستقبل، ويحزنون على الماضي، إما أن يكون حزنهم وخوفهم مملوءاً عبقاً، باستعدادٍ لهذا المستقبل بالعمل الصالح، وندماً على ما فرطوا في جنب الله ، وحرصاً على أن يجعلوا مكان السيئة حسنات، وحرصاً على أن يجعلوا هذه الحسنات ماحية للسيئات، فأولئك حزنهم على ما مضى محمود، وخوفهم على المستقبل ممدوح.
أما الذين يحزنون ويخافون من غير إعداد ولا استعداد، فذاك ضرب من الوسوسة والجنون.
ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كلام جميل معناه يدور حول ما نملكه للماضي وللمستقبل، قال في الفوائد: هلمّ إلى الدخول على الله، هلمّ إلى مجاورة رب العباد في دار السلام بلا نصب ولا تعب ولا عناء، بل من أقرب الطرق وأسهلها، وذلك أنك في وقت بين وقتين، وهو في الحقيقة عمرك، وهو وقتك الحاضر، بين ما مضى وبين المستقبل.
فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار، وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة، إنما هو عمل قلب، وتمتنع فيما تستقبل من الذنوب، وامتناعك ترك وراحة، وليس هذا الامتناع عملاً بالجوارح يشق عليك معاناته، وإنما هو عزم ونية جازمة تريح بدنك وقلبك، فالذي مضى تصلحه بالتوبة، وما تستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية، وليس للجوارح فيما مضى، ولا للمستقبل نصب ولا تعب، ولكن الشأن كل الشأن في عمرك وهو وقتك الذي بين الوقتين، بين الماضي وبين المستقبل.
стр. 1605
اشتغل بالساعة التي أنت فيها
إن الساعة التي نجلس الآن فيها هي ساعة بين ساعات مضت، وبين ساعات قادمة، فما مضى لا نستطيع أن نفعل فيه شيئاً إلا ما قدمنا، إن كان خيراً سألنا ربنا الثبات عليه، وإن كان تفريطاً استغفرنا وندمنا، وأما المستقبل فلا نملكه، وليس بأيدينا أي شيء منه، يقول ابن القيم ﵀: الشأن في عمرك هو وقتك الذي بين الوقتين، بين الماضي والمستقبل، فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك، وإن حفظته مع إصلاح الوقتين اللذين قبله وبعده بما ذكر، نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم.
وحفظ الوقت الحالي أشق من إصلاح ما قبله وما بعده، فإن حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها، وأنفع لها، وأعظم تحصيناً لسعادتها، وفي هذا يتفاوت الناس تفاوتاً عظيماً، فهي والله أيامك الخالية التي تجمع فيها الزاد لمعادك.
ثم يقول ﵀ رحمة واسعة ما معناه: إن الصبر عن المعصية والصبر على الطاعة في اللحظة التي تعيشها الآن لهي أهون بإذن الله من ندم على معصية فيما مضى، وأهون من خوف ووجل وقلق وهم على معصية تهم بها أو تخطط لفعلها.
قال الغزالي: إن الساعات ثلاث: ساعة مضت لا تعب فيها على العبد كيفما انقضت في مشقة أو رفاهية، وساعة مستقبلة لما تأت بعد، لا يدري العبد أيعيش إليها أم لا، وساعة راهنة ينبغي أن يجاهد العبد فيها نفسه، فإن لم تأتِ الساعة الثانية، لم يتحسر على فوات الساعة الحاضرة، وإن أتته الساعة الثانية استوفى حقه منها كما استوفى من الأولى.
ومن كلام ابن القيم أيضاً: إن دأب العبد واجتهاده في ساعته ولحظاته في طاعة الله ، وصبره عن معصيته، واجتهاده في مرضاته، تمر به الأيام بعد، ثم ينسى تعب الطاعة، ويبقى الأجر والثواب، وأما أهل المعصية فمهما تفننوا وفعلوا واجترحوا وأجرموا من الذنوب والمعاصي، فإن لذاتهم الموهومة قد مضت وانقضت وولت، ونسوا تلك اللذة، وبقي إثمها ووزرها وشؤمها.
يقول الحسن البصري ﵀ عن الدنيا: إنها ثلاثة أيام: أما أمس فقد ذهب بما فيه، وأما الغد فلعلك لا تدركه، وأما اليوم فهو الذي لك أن تعمل فيه، إنك أيها المسلم بين مخافتين: بين ماض لا تدري ما الله قاض فيه، وبين مستقبل لا تدري ما الله صانع فيه، فاستعن بالله ولا تعجز، وإن من جهل قيمة الوقت، وتهاون بوقته وزمنه وعمره، والله ليأتين عليه موقفان وسيعرف حينئذ أنه قد ضيع، وفرط في أمر ثمين.
إن كثيراً من الناس لا يعرفون قيمة الماضي والحاضر والمستقبل، ولكنهم سيعرفونها أتم المعرفة، ويدركونها أوفى الإدراك، وذلك ساعة الاحتضار إذا استدبر العبد الدنيا واستقبل الآخرة، يتمنى أن يمنح ولو ساعة من الزمان، يتمنى أن يؤخر إلى أجل قريب ليصلح ما أفسده، وليتدارك ما فاته: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١٠ - ١١].
فالساعة الأولى التي سينقلب كل غبي بالوقت إلى ذكي، وكل جاهل بالوقت إلى عالم، وكل مفرط في الوقت إلى حريص، الساعة الأولى التي سيتحول فيها المفرط إلى حريص على وقته هي ساعة الموت، ولكن لا ينفع الندم ولات حين مندم، وأما الساعة الثانية، والموقف الثاني فذاك في الآخرة، يوم توفى كل نفس ما عملت، وتجزى بما كسبت، ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هناك يتمنى أهل النار أن يعودوا ولو مرة واحدة إلى حياة التكليف، ليبدءوا عملاً جديداً صالحا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] ويقول : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُور * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر:٣٦ - ٣٧] ألم تعيشوا ثلاثين وأربعين وخمسين وسبعين وثمانين: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] وفسر النذير في بعض الآيات بالشيب.
هيهات هيهات! يطلبون أمراً في زمن قد مضى، ويتمنون الخروج من دار هم يجنون ما زرعوا، ويحصدون ما بذروا.
اغتنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت فارغاً مستريحا
وإذا ما هممت بالقول في الباطل فاجعل مكانه تسبيحا
стр. 1606
الوقت ومحافظة السلف عليه
قال ابن هبيرة صاحب الإفصاح ﵀:
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أهون ما عليك يضيع
كان عمرو بن دينار قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء، فجزء يدرس فيه الحديث، وجزء ينام فيه، وجزء لصلاته وتهجده، والحال اليوم قد تبدلت، والأمور قد تغيرت، إن في الليل لسهراً، وإن في الليل لجهداً، وإن في الليل لعملاً، ولكن عمل على ما يضيع هذه الحسنات، وجهد فيما يفوت الصالحات، وسعي لأجل دنيا فانية، ولأجل حطام حقير، أما الآخرة فلا ينظر إليها بعين، ولا يرمى لها بسهم إلا من عباده من الأقلين، وما أقلهم:
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
كان الشافعي ﵀ يجزئ الليل ثلاثة أجزاء: جزء يكتب فيه، وجزء يتهجد فيه، وجزء ينام فيه، أما ليل شبابنا وليلنا وليل كثير من الناس، بل وليل بعض الصالحين هدانا الله وإياهم، فسهر طويل في القيل والقال، والحال والمآل، والكلام عن أحوال أقوام منهم من مضى ومنهم من بقي، وأقوام لا نسأل عنهم يوم القيامة ألبتة، فلا نلبث إلا أن ندرك أن منتصف الليل قد أدركنا، ثم نقوم إلى بيوتنا كسالى، ونأوي إلى فرشنا ضعافاً، الواحد ينقر الوتر نقراً، هذا إن كان فيه بقية من عزم على صلاة الوتر، ثم ينام متأخراً ليدرك ركعة أو ركعتين من الفجر، وربما فاتته صلاة الفجر، بسبب ماذا؟ بفيروس الوقت وهو ضياعه، وهو سهر فيما لا ينفع، وإنها من الأمراض التي يشكو منها كثير من الناس في هذا الزمان.
إنك تلاحظ ضغطاً اجتماعياً غريباً عجيباً على الناس، إذا اعتذر أحدهم عن موعد أو مناسبة بعد العشاء، فربما قال له بعضهم: وهل أنت من العجائز؟! وهل أنت من الشيوخ والكهول حتى تنام بعد العشاء؟! بمعنى: لم لا تسهر؟ لم لا تبقى؟ لم لا تجلس؟ حتى يمضي من الليل أكثره، ثم عد إلى فراشك ضعيفاً هزيلاً كسلاناً، حتى تضيع الفجر أو تضيع تكبيرة الإحرام.
قال أبو سليمان الداراني: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير طاعة لكان خليقاً أن يحزنه ذلك إلى الممات، فكيف بمن يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله؟! وقال ابن عبد القدوس في قصيدته الزينبية:
صرمت حبالك بعد وصلك زينب والدهر فيه تصرم وتقلب
فدع الصبا فلقد عداك زمانه وازهد فعمرك مر منه الأطيب
ذهب الشباب فما له من عودة وأتى المشيب فأين منه المهرب
ضيف ألمّ إليك لم تحفل به فترى له أسفاً ودمعاً يسكب
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
واخش مناقشة الحساب فإنه لا بد يحصى ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
كانت سمات أهل العلم وأهل الآخرة، والسلف الصالح المحافظة على الوقت؛ لأن المحافظة على الأوقات من علامات ذوي الهمم القوية العالية، قال حماد بن سلمة: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعاً، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصلياً، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه متوضئاً تالياً، أو عائداً مريضاً، أو مشيعاً لجنازة، أو منتظراً لصلاة، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله ، كنا نرى أنه لا يعرف كيف يذنب ويعصي، ويرتكب جريمة أو فاحشة أو منكراً أو معصية.
أما اليوم فكثير من الناس تجده وقت الصلاة نائماً، ووقت الجد والعلم لاهياً، ووقت الغنيمة غافلاً ساهراً على لهو أو فيلم أو أغنية أو ملهاة، وما أكثر ما يضيع من الخيرات والثواب والحسنات من أوقاتنا وأعمالنا! كان الحسن يقول: [ما مر يوم على ابن آدم إلا قال له: يا ابن آدم! أنا يوم جديد، وعلى ما تعمل فيّ شهيد، وإذا ذهبت عنك لم أرجع إليك، فقدم ما شئت تجده بين يديك، وأخر ما شئت فلن يعود أبداً إليك].
وقال الإمام ابن الجوزي ﵀: واعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة، فإن في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة).
فكم نضيع -يا عباد الله- من نخلات ومن غراس في جنات النعيم؟!
ومن عجب الأيام أنك جالس على الأرض في الدنيا وأنت تسير
فسيرك يا هذا كسير سفينة بقوم جلوس والقلوب تطير
الإنسان العاقل يحرص على اغتنام عمره إلى النفس الأخير من حياته، قال عيسى بن الهذيل: يا ابن آدم! ليس لما بقي من عمرك ثمن، وهو قريب المعنى من قول سعيد بن جبير: إن بقاء المسلم كل يوم غنيمة لأداء الفريضة والصلاة، وما يرزقه الله ويفتح الله عليه من ذكره، وللنظر إلى اللحظات الأخيرة، والبقية الباقية من عمر الإمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المتوفى سنة مائة واثنين وثمانين، الذي كان يعرف بأنه كبير القضاة في زمنه، قال القاضي إبراهيم بن الجراح: مرض أبو يوسف فأتيت أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق أبو يوسف، قال للقاضي إبراهيم: يا إبراهيم ما تقول في مسألة كذا؟ قلت: في هذه الحالة -أي: مسألة فقهية وبحث ونقاش وحوار وفائدة، وأنت في هذه الحالة من الإغماء أو في سكرات الموت- قلت: في هذه الحالة؟! قال: لا بأس بذلك، لعله ينجو به ناج.
ثم قال أبو يوسف: يا إبراهيم! أيهما أفضل في رمي الجمار -أي: في مناسك الحج- أن يرميها ماشياً أو راكباً؟ فقلت: راكباً، قال: أخطأت، قلت: ماشياً، قال: أخطأت، قلت: قل فيها يرضى الله عنك، قال: أمّا ما كان من الجمار يوقف عنده للدعاء فالأفضل أن يرميه ماشياً، وأما ما كان لا يوقف عنده فالأفضل أن يرميه راكباً، ثم قمت من عنده، فما بلغت داري، حتى سمعت الصراخ عليه، وإذا هو قد مات ﵀.
أما الإمام شيخ المفسرين والمؤرخين ابن جرير الطبري ﵀، فقد كان على فراش الموت وكان قد سمع دعاءً عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة وصحيفة، فكتب الدعاء، فقيل له: يا ابن جرير! أفي هذه الحال؟! فقال: ينبغي للإنسان ألا يدع اقتباس العلم حتى الموت.
وعن نعيم بن حماد قال: قيل لـ ابن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى الممات إن شاء الله.
بقية العمر عندي ما لها ثمن وإن غداً ليس محسوباً من الزمن
يستدرك المرء فيها كل فائتة من الزمان ويمحو السوء بالحسن
стр. 1607
المسارعة في الخيرات قبل فوات الأوان
أيها الأحبة: إن ما بقي من أعمارنا فيه خير كثير بإذن الله، إن أحسنا النية، وصدقنا العزيمة في طاعة الله ، ولذا فإن النبي ﷺ نهى الواحد منا أن يتمنى الموت لضر نزل به، قال ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إنه إن مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً) رواه مسلم، وقوله: (وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً) قال في هذا ابن حجر: وفيه إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت أو الدعاء بالموت؛ لأن فيه انقطاع العمل بالموت، فإن الحياة سبب العمل، والعمل يحصّل به العبد زيادة الثواب، ولو لم يكن فيما بقي من العمر إلا زيادة التوحيد، فهو أفضل الأعمال.
ولنستمع لوصية محمد بن يوسف حيث قال: إن استطعت ألا يكون شيء أهم إليك من ساعتك فافعل، فاغتنم هذا العمر قبل فراق الحياة، واغتنم هذا العمر قبل فراق العافية، واغتنم هذا العمر قبل فراق الأمن.
يا رافلاً في الشباب الرحب منتشياً من كأسه هل أصاب الرشد نشوان
لا تغترر بشبابٍ رائقٍ نضرٍ فكم تقدم قبل الشيب شبَّان
ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم يكن لمثلك في اللذات إمعان
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ما عذر أشيب يستهويه شيطان
كان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد من الذي يصلي عنك بعد موتك؟! من الذين يصوم عنك بعد موتك؟! من الذي يرضي ربك بعد موتك؟! ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم بقية حياتكم، ويا من الموت موعده، والقبر بيته، والثرى فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر كيف يكون حاله؟! وأما الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ﵁ وأرضاه، فقد قام عند الكعبة ذات يوم، فقال: يا أيها الناس! أنا جندب الغفاري -هلمّ إلى الأخ الناصح الشفيق- فاكتنفه الناس، فقال: أرأيتم لو أن أحداً أراد سفراً أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه، قالوا: بلى، قال: فسفر يوم القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم، قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يوماً شديداً حره لطول يوم النشور.
وهنا أقول لإخواني: صوموا يوم تاسوعاء ويوم عاشوراء، واقتدوا بنبيكم ﷺ ، واغتنموا الأجر، فإن فيه من تكفير الذنوب ما الله به عليم.
قالوا لـ أبي ذر: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يوماً شديداً حره لطول يوم النشور، صلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها، أو كلمة سوء تسكت عنها لموقف يوم عظيم، تصدق بمالك لعلك تنجو من غيرها، اجعل الدنيا مجلسين، مجلس في طلب الآخرة، ومجلس في طلب الحلال، والثالث يضرك ولا ينفعك فلا ترده، اجعل المال درهمين، درهم تنفقه على عيالك من حله، ودرهم تقدمه لآخرتك، والثالث يضرك ولا ينفعك فتجنبه.
ثم نادى بأعلى صوته، يا أيها الناس! قد قتلكم حرص لا تدركونه أبداً، وإننا لنقول لكل من فتح الله عليه بشيء من المال: لماذا تسوف بالإنفاق والبذل والصدقات؟ فتقول: إذا مت فأخرجوا من تركتي، وافعلوا بها كذا وكذا.
نعم إن الوصية فيها خير ونفع، والوقف على أمور الخير فيه خير، ولكن من الخير -أيضا- أن تعجّل بما تحرص على بذله وفعله، ما الذي يضيرك لو أن المسجد الذي أوصيت ببنائه من تركتك بعد موتك أن يبنى الآن وأنت حي، فتصلي فيه وتتابعه وتعتني به؟ ما الذي يضيرك أن الدعاة الذين أوصيت أن يكفلوا من تركتك بعد موتك أن تكفلهم وأنت حي؟ ما الذي يضيرك أن الغزاة الذين يجهزون بوصيتك من تركتك بعد موتك أن يجهزوا وأنت حي؟ ما الذي يضيرك في هذه الكتب التي أوصيت أن تطبع من تركتك بعد موتك أن تطبع وأنت حي؟ إذا كان عندك مصنع، وتملك أن تجعله يشتغل من الآن، وينتج من الآن، فلماذا تؤخر الإنتاج إلى ما بعد الموت؟ إن كل من صلى واعتكف في مسجد أنت تبنيه، أو استفاد من داعية أنت كفلته، فلك أجره إلى أن تلقى الله ، فلماذا تسوف؟ وتقول: إذا أنا مت فافعلوا كذا وكذا؟
стр. 1608
محاسبة النفس تعين على فعل الخير
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] هذه إشارة إلى محاسبة النفس، أخرج الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]].
كم من شريك جلس وحده ربما أحسن الظن بشريكه أو أساء الظن؟ وكم من شريك أخذ بتلابيب شريكه يحاسبه عن الدرهم والدينار والهللة والريال؟ فيا من عملك جنايته عليك ونفعه لك، هل جلست لتحاسب نفسك؟ هل حاسبت نفسك في أعمالك؟ قال مالك بن دينار: رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم خطمها وألزمها كتاب الله، فكان لها قائداً، فحق على العبد المؤمن الحازم، ألا يدع محاسبة نفسه.
تمر الليالي والحوادث تنقضي كأضغاث أحلام ونحن رقود
وأعجب منها أنها كل ساعة تجد بنا سيراً ونحن قعود
الذي يجب علينا في ساعتنا ولحظتنا، وكل حال من أحوالنا ألا نضيع الزمن حزناً على ما مضى، أو خوفاً على ما بقي، بل الواجب أن نجتهد في الساعة؛ لأن الساعة هذه هي قبل حصولها كانت مستقبلاً، وبعد مرورها تصير ماضياً، فإن اجتهدت فيها فإنك قد أخذت بزمام أمرك، وتحكمت في حسنات من عمرك بإذن الله، فالواجب عليك التوبة والرجوع إلى الله، والعودة إلى ما يرضي الله.
стр. 1609
المبادرة بالتوبة مسارعة في الخيرات
يظن كثير من الناس أن التوبة واجب من الواجبات الموسعة على التراخي، وليست على الفور، وهذا من الجهل، إذ أن التوبة أمر واجب، لا تسوف التوبة إلى عام هجري جديد، أو إلى حج قادم، أو إلى ما بعد الزواج، أو إلى ما بعد بناء البيت، أو إلى ما بعد كذا، فإن كثيراً من الناس لا يزالون يسوفون والموت أقرب من تسويفهم هذا، قال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
فتأجيل التوبة إصرار، فإن كنت من المتقين، أو من الذين يراد بهم الخير، فلا تصر على ذنب، ولا تأخر التوبة، وبادر بالرجوع والإنابة، قال ﷺ : (ويل للمصرين على ما فعلوا وهم يعلمون).
يا أحبابنا! هل يؤتى الناس اليوم من جهلهم بالحلال والحرام؟! أترى كثيراً من الذين يرتكبون المعاصي، ويقترفون السيئات، ويتلبسون بالشهوات والفواحش والآثام والمنكرات، أتراهم يفعلونها جهلاً بأنها حرام؟ أو جهلاً بأنها لا تجوز؟ أو جهلاً بأنها تسخط الله؟ أو جهلاً بأنها تخالف أمر رسول الله؟!
الجواب
لا.
لكنه الإصرار، فهل ترضى أن تكون مصراً على عناد أمر الله؟! هل ترضى أن تكون مصراً على عناد أمر رسول الله؟! فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم دائرة، فليحذر هؤلاء المصرون أن تقع بهم مصيبة أو تنزل بهم نازلة على إصرارهم وعنادهم.
المسوف يقول: أتوب غداً، أتوب بعد غد، قال سهل بن عبد الله: وهذه دعوى النفس، وكيف يتوب عبدٌ غداً، وغداً لا يملكه؟ كيف تقول: أتوب غداً، وأنت في الغد لا تدرى هل أنت في مغسلة الموت، أم في غرفة الإنعاش، أم في ظلمات المقابر، أم في حال أنت لا تدري بها؟ إن الإنسان لا يعطي إلا مما يملك، فإن كنت تملك الغد فأعط فيه توبة، لكنك لا تملك الغد، بل أنت لا تدري أي نَفَس تدره، وأي نفس تجذبه.
إذاً الذي جعل كثيراً من الناس يسوفون أمر التوبة هو الاستغناء، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] لما استغنوا بالمال والمنصب والجاه أصابهم الطغيان، ولو علموا أن العافية عارية ومردها إلى المرض، وأن الصحة عارية ومردها إلى السقم، وأن العمر عارية ومرده إلى الموت، وأن الجاه والمنصب عارية ومرده إلى الزوال أو العزل أو البعد عنه، فحينئذٍ يعلم العبد ما الذي يضره وما الذي ينفعه.
إن من الناس من يعلق توبته بأمر، ودون هذا الأمر أمور، ودون كل أمر أمر، وهذا ملاحظ عند كثير من المتذبذبين الذين لا يملكون الإرادة، ولا يملكون زمام أنفسهم، والمسوف المسكين يتصور أن يكون للخائض في الدنيا فراغ، وهيهات فما يفرغ من الدنيا إلا من اطّرحها.
فما قضى أحد منها لبانته وما انتهى أرب إلا إلى أرب
قال ابن رجب ﵀: واعلم أن الإنسان ما دام يأمن الموت، فإنه لا يقطع أمله من الدنيا، وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من المعاصي وغيرها، ويرجّه الشيطان بالتوبة في آخر عمره، فإذا تيقن الموت، وأيس من الحياة أفاق من سكرته بشهوات الدنيا، فندم حينئذٍ على تفريطه ندامة يكاد يقتل نفسه، وطلب الرجعة إلى الدنيا ليتوب وليعمل صالحاً، فلا يجاب إلى شيء من ذلك، فتجتمع عليه سكرات الموت، وحسرات الفوت، وقد حذر الله عباده من ذلك في كتابه، ليستعدوا للموت قبل نزوله، حيث قال : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٦].
وقد سمع بعض المحتضرين من الناس وهو يعالج سكرات الموت، يلطم وجهه ويقول: يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله! وقال آخر عندما حضرته سكرات الموت: سخرت بي الدنيا حتى ذهبت أيامي، وقال آخر عند موته: لا تغرنكم الحياة الدنيا كما غرتني، فغاية أمنية الموتى الآن وهم في قبورهم، يتمنون حياة ساعة يستدركون فيها ما فات من توبة وعمل صالح، ونحن وإياكم يا أهل الدنيا نفرط في الحياة، فتذهب الأعمار بالغفلة، ومنا من يقطعها بالمعصية، قال بعض السلف: أصبحتم في أمنية أناس كثير، أي: أن الموتى كلهم يتمنون حياة ساعة، ليتوبوا فيها، ويجتهدوا في الطاعة، ولا سبيل إلى ذلك.
قال ابن القيم ﵀ فيما نظم من نظمه:
شاب الصبا والتصابي بعد لم يشب وضاع وقتك بين اللهو واللعب
وشمس عمرك قد حان الغروب لها والفيء في الأفق الشرقي لم يغب
وفاز بالوصل من قد جد وانقشعت عن أفقه ظلمات الليل والسحب
كم ذا التخلف والدنيا قد ارتحلت ورسل ربك قد وافتك في الطلب
فيا أحبابنا! اسألوا أنفسكم كيف مضى وقت الصحابة، وكيف مضى وقت التابعين؟ لقد مر عليهم المغرب والعشاء، والليل والنهار، والظهر والعصر والضحى، والإصباح والمساء، لقد مر عليهم ذلك فكانوا يكابدون الأيام ويجاهدونها، كان السلف يعتبرون اليوم معركة ساخنة حامية، إذا استطاع الواحد منهم أن ينتصر في يومه ذاك، انتهى من يوم مضى وانطوى، واستعد لمعركة يوم جديد، فكم من يوم مضى صرعنا فيه بغفلة؟! وكم من يوم يمر علينا نصرع فيه بالتسويف والإعداد لما لا نسأل عنه، والتفريط فيما نحاسب عليه؟!
стр. 1610
قصر الأمل وأهميته في تدارك الأوقات
إن قصر الأمل في الدنيا مما يعين على تدارك الأوقات بإذن الله، فعن ابن عمر ﵄ قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري، وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال ﷺ : (مالي وللدنيا؛ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها) رواه الإمام أحمد والترمذي وغيره، وقال علي بن أبي طالب: [إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصدكم عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل] رواه البخاري تعليقاً، ووصله ابن أبي شيبة في المصنف، ورواه ابن المبارك في الزهد.
قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم تحت حديث ابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب) قال: وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة وليست له وطناً، فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على واحد من حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد الغربة، همه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم ألبتة، بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا أوصى النبي ﷺ ابن عمر أن يكون في الدنيا على واحدٍ من هذين الحالين.
تأملوا أحوال كثير من الناس، هل بنوا لأنفسهم في الآخرة شيئاً؟ هل أعدوا لأنفسهم في الآخرة شيئاً يرجونه؟ ربما تجد كثيراً من الخلق قد بنوا لأنفسهم في هذه الدنيا قصوراً ودوراً ومزارعاً وضيعات وبساتين، ولكنهم ضيعوا أنفسهم في دار الخلود الأبدي السرمدي، قال ابن القيم:
فحيا على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلّم
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطَّت به أوطاره فهو مغرم
وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم
قال الحسن: اجتمع ثلاثة من العلماء، فقالوا لأحدهم: ما أملك؟ قال: ما أتى علي شهرٌ إلا ظننت أنني أموت في هذا الشهر، فقال صاحباه: إن هذا لأمل طويل، فقال للآخر: فما أملك؟ قال: ما تمر علي جمعة إلا وظننت أني أموت فيها، فقال: إن أملك لطويل، فقيل للأخير: ما أملك؟ قال: ما أمل من نفسه في يد غيره؟! رواه ابن المبارك في الزهد.
نعم أيها الأحبة: هل منا من كتب الآن وصيته تحت وسادة رأسه؟ هل منا من تخيل أنه يلبس ثوباً فلا يخلعه؟ ويدخل داراً لا يخرج منها؟ ويركب دابة لا ينزل عنها؟ هل منا من يتخيل أن الموت قد يفاجئه في أي لحظة؟ الواقع -أيها الأحبة- أننا لا نفكر بهذا أبداً، بل ربما نسمع المواعظ، ونتكلم بالمواعظ، وقلوب تعرف، وألسنة تصف، ولكن الأفعال تخالف، القليل من يستعد لهذا، وأكبر دليل أن الكثير منا عنده من الذنوب ما لم يتب منها، وعليه من الحقوق ما لم يردها، وعنده من التفريط ما لا يصلح به حاله.
فكيف -يا أخي الكريم- تعد نفسك من الأخيار، وتعد نفسك من أهل الآخرة، وأنت لا تزال متعلقاً متشبثاً بهذه الدنيا، وعن الآخرة معرضاً؟ كان أويس القرني إذا قيل له: كيف الزمان عليك؟ قال: كيف الزمان على رجل إن أمسى ظن أنه لا يصبح، وإن أصبح ظن أنه لا يمسي، فيبشر بالجنة أو بالنار، وعن أنس ﵁ قال: قال ﷺ : (يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان، حب المال وطول العمر) رواه البخاري.
وفي الأمل سر لطيف؛ لأنه لولا الأمل ما تهنّا أحد بعيش، ولا طابت نفسه أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا، إنما المذموم الإسراف والاستغفال في طول الأمل، وعدم الاستعداد لأمر الآخرة، فمن سلم من ذلك فهو على خير، قال ابن الجوزي: الأمل مذموم للناس إلا العلماء، فلولا أملهم لما صنفوا وما ألفوا.
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العمل
قال ابن مسعود ﵁: [ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أملي ولم يزد فيه عملي].
أيها الأحبة: المبادرة المبادرة! عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمساً قبل خمس، حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) رواه الحاكم وصححه، وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) رواه الإمام البخاري ﵀.
أيها الأحبة في الله: كم يمضي ويمر علينا من الأيام والشهور والأعوام، والواحد قبل خمس سنوات أو أكثر قد عزم على أن يفعل كذا ولم يفعل، عزم على أن يقلع عن كذا ولم يقلع، وحرص على أن يرد لصاحبه كذا وكذا فلم يرد.
فإلى متى؟ وحتى متى؟
خل ادكار الأربع والمنزل المرتبع
والضاعن المودع وعد عنه ودع
واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا
ولم تزل معتكفاً على القبيح الشنع
إلام تسهو وتني ومعظم العمر فني
فيما يضر المقتني ولست بالمرتدع
يا أحبابنا! ويا إخواننا! إذا رأينا جنازة، فهل تخيلنا أننا ذات يوم على مثلها نحمل؟ وإذا رأينا نعشاً هل نتخيل أننا على مثله نغسل؟ وإذا رأينا عجوزاً قد احدودب ظهره وابيض عارضاه، وقد ذبل خداه، وضمر جنبه من الضعف والسقم، هل تخيلت نفسك يا بن العشرين والثلاثين والأربعين؟! هل تخيلت إن غفل عنك الموت، أو إن أخرتك المنية؟! هل تخيلت نفسك وأنت تدب على عصا قد احدودب ظهرك؟ الله المستعان! انظر إلى أقوام قد جمعوا وجمعوا، ثم أصبحوا ينظرون إلى دنيا ما استطاعوا أن يتلذذوا منها بشيء في أي حال من الأحوال، فو الله -أيها الأحبة- إن هذه الدنيا ليست بشيء، والعاقل من تأمل فيها قول النبي ﷺ : (يقول ابن آدم: مالي مالي، وليس لك من مالك إلا ما لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأمضيت).
مضى أمسك الماضي شهيداً معدلاً وأعقبه يوم عليك جديد
فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثنِّ بإحسان وأنت حميد
فيومك إن أعتبته عاد نفعه عليك وماضي الأمس ليس يعود
ولا تُرجِ فعل الخير يوماً إلى غدٍ لعل غداً يأتي وأنت فقيد
فيا أحبابنا! إنها نصيحة ونحن في استقبال عام جديد، أن ننتبه ونستعد، وألا يكون مغيب الشمس أمراً عادياً، إن الذي تصارعه نفسه إذا غابت الشمس وقف وقفة حرقة كيف غاب الشفق؟! وهل أدركتُ من هذا اليوم أمراً جليلاً في مرضاة الله ؟ إذا صلى الجمعة وغابت آخر ساعة من يوم الجمعة، وهو جالس في مصلاه يتحرى ساعة الإجابة، وقلبه يتحرك كيف مضى من عمره أسبوع، وهل قضى فيه شيئاً يرضي الله ؟ إذا هل هلال شهر ليعلن شهراً منصرماً ماضياً، ويعلن شهراً جديداً قادماً، تحرك قلبه كيف مضى الشهر؟ أليست هذه المفكرة تنزع منها كل يوم ورقة، كأنها ورقة تنزع من عمرك، وكأنها صفحة تنزع من عمرك، وكأنها مرحلة تنزع من عمرك؟
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل
أسأل الله أن يجعلنا في ختام هذا العام المنصرم ممن ختم له بالتوبة والمغفرة والرجوع والإنابة، فنسأله أن يجعلنا ممن استعد لهذا العام القادم بنية صالحة، فإن من الناس من استعد بالمعصية، واستعد بالسفر للخارج، واستعد أن يفعل كذا وأن يعصي الله بكذا، وأن يمشي إلى الحرام، وأن ينفق في الحرام، وأن يفعل الحرام، ومن الناس من استعد لحفظ كتاب الله وسنة نبيه، والدعوة إلى سبيله، والسعي في مرضاته، والشفاعة لحاجات خلقه، والسعي فيما يرضي مولاه عنه.
فالعاقل من استعد بخير، والجاهل من استعد بشر، وكلٌ سيدرك ما أمّل، والله يقول: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني) فاستعدوا بخير، وظنوا بالله خيراً، أسأل الله أن يصلح أحوالنا، وأن يهدي ولاة أمورنا، وأن يجمع شملنا وحكامنا ودعاتنا وعلماءنا، وألا يفرح علينا عدواً، وألا يشمت بنا حاسداً، اللهم أصلح أحوالنا واهد شبابنا واستر نساءنا، اللهم من أراد بالشباب والنساء فتنةً وضلالة واختلاطاً، اللهم من أراد بالعلماء مكيدة، وأراد بالولاة فتنة، اللهم اكفناه بما شئت، إنك أنت السميع العليم يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1611
المصرون على الهلاك
يتحدث الشيخ عن رحمة الله لخلقه، وعن حكمته في أوامره ونواهيه، ثم يضرب أمثالاً لرحمة الله وحكمته في خلقه، وبعد ذلك ينتقل إلى ذكر أسباب هلاك المجتمعات والأمم بعقاب من الله جل وعلا، فمن أسباب الهلاك التي تكلم عنها الشيخ: الإصرار على الذنوب؛ وجود أئمة في الضلال، كراهية صلاح الناس؛ عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلخ.
стр. 1612
فضل حلق الذكر
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجه ربنا وعظيم سلطانه، الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، الحمد لله حتى يرضى والشكر له إذا رضي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة، نشهد أن لا إله إلا الله ولا رب ولا معبود بحقٍ سواه، نشهد أن الذي خلقنا هو الله، وأن الذي أحيانا ويميتنا ويبعثنا ويحشرنا وينشرنا هو الله، نشهد أن الذي يرزقنا ويمنعنا ويقبض رزقنا ويبسط في حظنا هو الله جل وعلا.
نشهد أنه المتصرف المالك المدبر المحيي المميت، المعز المذل، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عمن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أشهد أن لا إله إلا الله فلا سجود ولا ركوع ولا توكل ولا حلف إلا به وعليه وله، ولا يجوز صرف قليل أو كثيرٍ من ذلك لغيره: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
أشهد أن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] فأسماء الله حسنى بالغة في الحسن غايتها، وصفات الله جُلَّى لا يشابهه فيها أحد جل عن الشبيه والند والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
أيها الأحبة في الله: أحمد الله الذي جمعنا وإياكم وهدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي منَّ على قلوبنا فأَمرَتْ جوارحنا وانقادت لحضور حلقة من حلق الذكر لا نرجو فيها إلا ثواب الله جل وعلا، أنتم تعلمون أن المكان هنا ليس فيه حظٌ من حظوظ الدنيا، لا مال نقبضه، ولا رزق تقبضونه، ولا مرتبة تنالونها، وإنما اجتمعنا ونشهد الله ربنا المطلع علينا وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور منا، نشهده أنا جئنا حباً لكم في الله وأشهد الله جل وعلا وأشهدوا ربكم على أنفسكم أن ما جاء بكم إلا ابتغاء أن تحفكم الملائكة، وتغشاكم السكينة، وتتنزل عليكم الرحمة، ويذكركم الله فيمن عنده، ففي الحديث (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ من ملئه).
أحبابنا إخواننا يا رجال التوحيد يا وجوه الإيمان يا عزة الأمة بإذن الله جل وعلا: أيسركم أن تذكروا الآن في السماء السابعة في الملأ الأعلى؟ الله أكبر! فلان بن فلان تذكره الملائكة في الملأ الأعلى في السماء السابعة، يجلس حلقة من حلق الذكر جاء إليها لا يريد ريالاً ولا درهماً ولا خميصة ولا خميلة، ولا وظيفة ولا منصباً، جاء لكي يرضى الله عنه، وفي الحديث الطويل تعرفونه وأعيده حتى نستذكر النية: (إن لله ملائكة سيارين يبتغون حلق الذكر، فإذا وجدوا نادى بعضهم بعضاً أن هلموا، فإذا اجتمعوا ناداهم ربهم علام اجتمع عبادي هؤلاء؟ فتقول الملائكة: يا ربنا! اجتمعوا يسألونك الجنة، ويستعيذون بك من النار، فيقول الله جل وعلا: يا ملائكتي! وهل رأوا جنتي؟ فتقول الملائكة: لا يا رب! ما رأوها، فيقول الله: كيف لو رأوها؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد لها طلباً، فيقول الله جل وعلا: وهل رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: لا.
فيقول الله جل وعلا: يا ملائكتي! كيف لو رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد منها هرباً، فيقول الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني قد غفرت لهم).
هنيئاً لنا إن مشت بنا الأقدام إلى هذا المكان خالصين مخلصين لوجه الله لا نريد إلا رضا الله، هنيئاً لنا إن خلصت نياتنا لا نبتغي إلا رضا الله، إن رضي الله عنا فلا نسأل، إن رضي الله عنا فلا نبالي، إن صحت الحال بيننا وبين الله فما بيننا وبين الناس يصلح.
فليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضاب
إذا صح منك الود فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب تراب
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خراب
وفي الحديث وقول النبي أبلغ وقول الله أبلغ: (من ابتغى رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن ابتغى رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عنه الناس).
اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، اللهم اجعل لنا من كل ضيقٍ مخرجاً، اللهم اجعل لنا من كل بلاءٍ عافية، ومن كل فتنة عصمة، اللهم جئنا نبتغي خيراً من فضلك ونعمة من نعمك، اللهم فلا تردنا محرومين يا رب العالمين! اللهم لا تفرق جمعنا إلا بذنبٍ مغفور، وعيبٍ مستور، وتجارة لا تبور، اللهم لا تدع لهذه الوجوه الطيبة المباركة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً من ذكرٍ أو أنثى إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين!
стр. 1613
رحمة الله لخلقه وحكمته فيهم
أيها الأحبة: حديثنا اليوم بعنوان: " المصرون على الهلاك " تصور أن ناراً ملتهبة وألسنتها تتطاير في السماء، وأنتم ترون مجموعة من الرجال والنساء والفتيان والفتيات كلٌ ينزع ثيابه يريد أن يدخل هذه النار ويقتحمها، وأنتم تمسكون بحجزهم، وتأخذون بأعناقهم، وتدفعونهم إلى الوراء عن النار دفعاً، وهم يقولون: ابعدوا أيها المعقدون! ابعدوا أيها المتشددون! ابعدوا أيها المطاوعة! انقلعوا، يا أيها الذين لا تفقهون! نحن نفقه، هذه ليست ناراً هذه حضارة هذه مدنية هذه جنة هذه ليست ناراً هذه تقدم وتمدن وتحضر! أولئك هم المصرون على الهلاك.
المصرون على الهلاك: الظالمون الفاسقون، المصرون على المعاصي الذين لا يريدون أن يتوبوا المصرون على الهلاك الذين آذوا عباد الله، وناصبوا أولياء الله العداوة، وجعلوا وظيفتهم ومهمتهم إيذاء الصالحين من عباد الله جل وعلا، هؤلاء هم المصرون على الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولن نستعرض اليوم كل المصرين لكن سنستعرض طائفة منهم.
أيها الأحبة: ديننا عظيم! ديننا عظيم عظيم عظيم! ومادام الذي شرع الدين عظيماً فلا غرابة أن يكون الدين عظيماً، إذا شرع الدين حكيمٌ فلا عجب أن تكون الحكمة فيه، إذا شرع الدين رحيمٌ فلا غرابة أن تكون الرحمة في هذا الدين: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] إن ما ترون مِنْ شرع الله في هذا الدين في كل أمرٍ ونهي فيه من علم الله وصفاته جل وعلا حظاً ونصيباً، فرفع الحرج ودفع المشقة والتخفيف عن الناس من باب الرحمة بالعباد، والرحمة من أين جاءت؟ جاءت من الرحمن الرحيم، الذي نردد ونلهج بذكر اسمه في كل يومٍ في سبع عشرة ركعة في المفروضات: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٣] وأنت يوم أن يحرم عليك في الدين شيء ليقال لك: اجتنب واترك وانزجر وابتعد وجانب ولا تقرب إنما ذلك لحكمة؛ لأن الله لا يشرع بلا حكمة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! لأن الله لا يشرع عبثاً لأن الله لا يشرع حيفاً أو ظلماً أو جوراً، إنما يشرع الله لحكمة: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨]؟ بلى.
إذاً: فإذا قال الله: افعلوا كذا، اجتنبوا كذا، فإن الله ما أمرنا بهذا الأمر تشدداً أو تزمتاً أو هوىً أو ظلماً أو جوراً، إنما ذلك لحكمة يراها الله.
ما هو رأيكم -يا إخوان- لو أننا زرنا مريضاً في المستشفى ووجدناه ينتفض من البرد، ووجدنا الطبيب قد مد يده هكذا على السرير ووضع المغذي في وريده، ماذا سيكون في المغذي؟ (جلوكوز) أو (دكتروز) سكر ثنائي أو سكر أحادي على ما يقرر الأطباء مع أشياء تنفع المريض في حالة الحمى أو البرد أو انخفاض درجة الحرارة، فإذا جاء واحدٌ من الذين لا يفقهون قال: يا دكتور! لماذا لا تضع في هذا المغذي زنجبيلاً حتى يدفيه؟! هذا مريض بردان ما تراه ينتفض من البرد؟ ما رأيك لو أننا أخذنا حقنة زنجبيل وجعلناها في المغذي لأجل يستدفئ الرجل فيتصبب عرقاً!! ماذا يقول الطبيب؟ يقول: يا أحمق! وهل تفقه في الطب شيئاً؟! هل تظن أننا جعلنا هذا المغذي من هذا النوع من فصيلة هذا الدواء عبثاً، أم أننا جعلناه لحكمة يعرفها الأطباء، ويعرفون أنها حينما تسري في بدن المريض فإن حرارته تعتدل من الانخفاض إلى الاعتدال أو من الارتفاع إلى الاعتدال؟! إذاً الطبيب لا يقرر من هوى نفسه حينما يعطيك دواءاً، وإنما يقرر لحكمة يعرفها درسها في الطب أن الذي يناسب هذا المريض هذا الدواء.
الطبيب حينما يكشف عليك ويقلب السماعات على صدرك -والحمد لله أن السماعات ما تخرج ما في القلوب لو أن السماعة تخرج ما يفكر به الإنسان لما ذهب أحد إلى المستشفى؛ لأن الناس في نفوسهم الشيء الكثير الكثير، ومن رحمة الله أن الله جل وعلا كما قال النبي ﷺ : (إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تفعل) فحديث النفس معفو عنه، قال جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] قال الصحابة: يا رسول الله! إن كان الذي نبديه نحاسب عليه، وإن كان الذي نخفيه نحاسب عليه فقد هلكنا، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:١٨٤ - ٢٨٦].
فإذا كان حديث النفس مما لا يقدر الإنسان على رده وكبحه، وإذا كانت خطرات الفكر مما لا يستطيع الإنسان أن يردها فحينئذٍ يعفى عن ذلك، وقال الله جل وعلا حينما دعاه المؤمنون، قال: قد فعلت قد فعلت ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] وفي كلٍ يقول الله: قد فعلت قد فعلت، فالله جل وعلا لحكمة سلمنا وعافانا من حديث القلوب وما يدور في الخطرات، الحاصل أنك حينما تذهب إلى الطبيب ثم يعطيك الكبسولة الحمراء والصفراء والخضراء فإذا ذهبت إلى (الصيدلي) وأعطيته الورقة وقلت له: تفضل الطبيب كشف عليَّ وأعطاني هذا العلاج، فقام (الصيدلي) ونظر ما كتب الطبيب فأخذ كبسولاتٍ صفراء وحمراء وخضراء، لا يمكن أن يقول أحد: يا أخي! أنا هلالي أريد كبسولة زرقاء وبيضاء، أو أنا نصراوي أريد كبسولة صفراء وزرقاء! لا.
القضية ليست أمزجة وهوى، المسألة مسألة حكمة، الطبيب يعرف ما يناسبك من الدواء فلا تتجاوز ذلك.
إذاً: فليست هوى، أتظن أن الطبيب الذي يصرف لك من الدواء ما يناسبك ولا يتعداه إلى ما تشتهي أو تهوى، يعطيك الدواء المر وأنت تشتهي الحلو، ويحرمك هذا الحلو ويختار لك المر؟ الطبيب يفعل ذلك لحكمة، أفتظن أن الله حرم عليك شيئاً وأباح لك شيئاً لغير حكمة؟! الله أكبر! الله جل وعلا ما شرع عبثاً وما خلق عبثاً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] تعالى الله ربنا، جل تعالى وتقدست أسماؤه! ننزه ربنا أن يحرم علينا أشياء هوى، أو أن يأمرنا بأشياء مزاجاً وإنما هي لحكمة، وقد عرفنا أن الطبيب يأمرك لحكمة وينهاك عن حكمة، ويأمرك بأكل هذا الطعام وينهاك ويحجبك عن الطعام الآخر لحكمة، فإن الله أحكم الحاكمين يوم أن يأمرك وينهاك أيها العبد الفقير الذليل المسكين! يوم أن ينهاك عن الربا وعن التحاكم إلى غير شرعه، وينهاك عن الظلم، ويأمرك بالصلاة، ويأمرك على لسان نبيه بإعفاء لحيتك، ويأمرك بترك اللهو، ويأمرك بترك المعاصي، ليس ذلك عبثاً وإنما ذلك لحكمة جليلة.
إذا عرفنا ذلك -أيها الأحبة! - فإن كل خصال الدين مبنية على الحكمة، والله جل وعلا لا يقدِّر عبثاً.
стр. 1614
من رحمة الله عدم محاسبته على حديث النفس
الطبيب حينما يكشف عليك ويقلب السماعات على صدرك -والحمد لله أن السماعات ما تخرج ما في القلوب لو أن السماعة تخرج ما يفكر به الإنسان لما ذهب أحد للمستشفى؛ لأن الناس في نفوسهم الشيء الكثير الكثير، ومن رحمة الله أن الله جل وعلا كما قال النبي ﷺ : (إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تفعل) يعني: حديث النفس معفو عنه، قال جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] قال الصحابة: يا رسول الله! إن كان الذي نبديه نحاسب عليه، وإن كان الذي نخفيه نحاسب عليه فقد هلكنا، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:١٨٤ - ٢٨٦].
فإذا كان حديث النفس مما لا يقدر الإنسان على رده وكبحه، وإذا كانت خطرات الفكر مما لا يستطيع الإنسان أن يردها فحينئذٍ يعفى عن ذلك، وقال الله جل وعلا حينما دعاه المؤمنون، قال: قد فعلت قد فعلت ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] وفي كلٍ يقول الله: قد فعلت قد فعلت، فالله جل وعلا لحكمة سلمنا وعافانا من حديث القلوب وما يدور في الخطرات، الحاصل أنك حينما تذهب إلى الطبيب ثم يعطيك الكبسولة الحمراء والكبسولة الصفراء والكبسولة الخضراء فإذا ذهبت إلى الصيدلي وأعطيته الورقة وقلت له: تفضل الطبيب كشف عليَّ وأعطاني هذا العلاج، فقام الصيدلي ونظر ما كتب الطبيب فأخذ كبسولاتٍ صفراء وحمراء وخضراء، لا يمكن أن يقول أحد: يا أخي! أنا هلالي أريد كبسولة أزرق وأبيض، أو أنا نصراوي أريد كبسولة أصفر وأزرق! لا.
القضية ليست أنسجة وهوى، المسألة مسألة حكمة الطبيب يعرف أنما يناسبك من الدواء الكبسولة الزرقاء والخضراء والحمراء لا تتجاوزها.
إذاً: فليست هوى، أتظنون أن الطبيب الذي يصرف لك من الدواء ما يناسبك ولا يتعداه إلى ما تشتهي أو تهوى يعطيك الدواء المر وأنت تشتهي الحلو، ويحرمك هذا الحلو ويختار لك المر، الطبيب يفعل ذلك لحكمة، أفتظن أن الله حرم عليك شيئاً وأباح لك شيئاً إلا لحكمة؟! الله أكبر! الله جل وعلا ما شرع عبثاً وما خلق عبثاً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] تعالى الله يجل ربنا جل تعالى تقدست أسماؤه تنزه ربنا أن يحرم علينا أشياء هوى، أو أن يأمرنا بأشياء مزاج وإنما هي لحكمة، وقد عرفنا أن الطبيب يأمرك لحكمة وينهاك عن حكمة، ويأمرك بأكل هذا الطعام وينهاك ويحجبك عن الطعام الآخر لحكمة، فإن الله أحكم الحاكمين يوم أن يقول وينهاك أيها العبد الفقير الذليل المسكين يوم أن ينهاك عن الربا وينهاك عن التحاكم إلى غير شرعه، وينهاك عن الظلم، ويأمرك بالصلاة، ويأمرك على لسان نبيه بإعفاء لحيتك، ويأمرك بترك اللهو، ويأمرك بترك المعاصي، ليس ذلك عبثاً وإنما ذلك لحكمة جليلة.
إذا عرفنا ذلك -أيها الأحبة! - فإن كل خصال الدين مبنية على الحكمة، والله جل وعلا لا يقدر عبثاً.
стр. 1615
مثال يدل على حكمة الله
حدثني قبل يومين رجلٌ عن صديقٍ له قال: توفيت زوجته أثناء الولادة رحمها الله، والمرأة التي تموت بالولد شهيدة، وهذه من كرامات النساء إن المرأة إذا ماتت أثناء الولادة فلها أجر الشهيد عند الله جل وعلا، قال: ماتت هذه المرأة وقد أنجبت طفلة وخرجت الطفلة إلى الحياة، روحٌ تخرج وروحٌ تصعد! روحٌ تخرج إلى الحياة من ظلمات ثلاث وروحٌ تصعد إلى باريها! انتهى أجلها، فأين الثدي الذي يرضع هذه البنية؟! من يربي هذه الفتاة؟! من يلتفت لها؟! كتب الله أن تزوج الرجل زوجة أخرى، فمكث معها سنة وسنتين وثلاث سنوات ما أنجبت فأراد أن يطلقها، قال له أحد العلماء: لا تطلقها يا أخي، لا تعجل والله جل وعلا سيقسم لك رزقاً، فبلغت السنة الرابعة ما أنجبت، فأبى الرجل يريد أن يطلق قال له الشيخ: يا بن الحلال! لا تطلق، الله يريد لك خيراً، فلما جاءت السنة السابعة حملت المرأة فأنجبت، فجاء الرجل إلى الشيخ وقال: يا شيخ! أنجبت المرأة في السنة السابعة، قال: لو أنجبت المرأة في أول سنة لانشغلت بولدها عن طفلتك، فمنعها الله الحمل سبع سنين حتى تتفرغ لرعاية ابنتك الصغيرة، ولما بلغت سبع سنين في بداية التمييز، أذن الله بالنطفة أن تلتقي في رحمها بما أودع في جوفها فكان إنساناً كونه الله وهو أرحم الراحمين.
أحبابنا لا تظنوا أن الله جل وعلا قدر شيئاً عبثاً، وما دامت مقادير الله في العباد ليست عبثاً، فمن باب أولى أن شرع الله دينه الذي هو مبني على افعل ولا تفعل التزم واجتنب وأن تلتزم وتفعل وأن تنتهي وتترك هذه مبنية على الحكمة البالغة.
следующие страницы →