Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
المصرون على الهلاك
يتحدث الشيخ عن رحمة الله لخلقه، وعن حكمته في أوامره ونواهيه، ثم يضرب أمثالاً لرحمة الله وحكمته في خلقه، وبعد ذلك ينتقل إلى ذكر أسباب هلاك المجتمعات والأمم بعقاب من الله جل وعلا، فمن أسباب الهلاك التي تكلم عنها الشيخ: الإصرار على الذنوب؛ وجود أئمة في الضلال، كراهية صلاح الناس؛ عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلخ.
стр. 1612
فضل حلق الذكر
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجه ربنا وعظيم سلطانه، الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، الحمد لله حتى يرضى والشكر له إذا رضي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة، نشهد أن لا إله إلا الله ولا رب ولا معبود بحقٍ سواه، نشهد أن الذي خلقنا هو الله، وأن الذي أحيانا ويميتنا ويبعثنا ويحشرنا وينشرنا هو الله، نشهد أن الذي يرزقنا ويمنعنا ويقبض رزقنا ويبسط في حظنا هو الله جل وعلا.
نشهد أنه المتصرف المالك المدبر المحيي المميت، المعز المذل، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عمن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أشهد أن لا إله إلا الله فلا سجود ولا ركوع ولا توكل ولا حلف إلا به وعليه وله، ولا يجوز صرف قليل أو كثيرٍ من ذلك لغيره: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
أشهد أن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] فأسماء الله حسنى بالغة في الحسن غايتها، وصفات الله جُلَّى لا يشابهه فيها أحد جل عن الشبيه والند والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
أيها الأحبة في الله: أحمد الله الذي جمعنا وإياكم وهدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي منَّ على قلوبنا فأَمرَتْ جوارحنا وانقادت لحضور حلقة من حلق الذكر لا نرجو فيها إلا ثواب الله جل وعلا، أنتم تعلمون أن المكان هنا ليس فيه حظٌ من حظوظ الدنيا، لا مال نقبضه، ولا رزق تقبضونه، ولا مرتبة تنالونها، وإنما اجتمعنا ونشهد الله ربنا المطلع علينا وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور منا، نشهده أنا جئنا حباً لكم في الله وأشهد الله جل وعلا وأشهدوا ربكم على أنفسكم أن ما جاء بكم إلا ابتغاء أن تحفكم الملائكة، وتغشاكم السكينة، وتتنزل عليكم الرحمة، ويذكركم الله فيمن عنده، ففي الحديث (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ من ملئه).
أحبابنا إخواننا يا رجال التوحيد يا وجوه الإيمان يا عزة الأمة بإذن الله جل وعلا: أيسركم أن تذكروا الآن في السماء السابعة في الملأ الأعلى؟ الله أكبر! فلان بن فلان تذكره الملائكة في الملأ الأعلى في السماء السابعة، يجلس حلقة من حلق الذكر جاء إليها لا يريد ريالاً ولا درهماً ولا خميصة ولا خميلة، ولا وظيفة ولا منصباً، جاء لكي يرضى الله عنه، وفي الحديث الطويل تعرفونه وأعيده حتى نستذكر النية: (إن لله ملائكة سيارين يبتغون حلق الذكر، فإذا وجدوا نادى بعضهم بعضاً أن هلموا، فإذا اجتمعوا ناداهم ربهم علام اجتمع عبادي هؤلاء؟ فتقول الملائكة: يا ربنا! اجتمعوا يسألونك الجنة، ويستعيذون بك من النار، فيقول الله جل وعلا: يا ملائكتي! وهل رأوا جنتي؟ فتقول الملائكة: لا يا رب! ما رأوها، فيقول الله: كيف لو رأوها؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد لها طلباً، فيقول الله جل وعلا: وهل رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: لا.
فيقول الله جل وعلا: يا ملائكتي! كيف لو رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد منها هرباً، فيقول الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني قد غفرت لهم).
هنيئاً لنا إن مشت بنا الأقدام إلى هذا المكان خالصين مخلصين لوجه الله لا نريد إلا رضا الله، هنيئاً لنا إن خلصت نياتنا لا نبتغي إلا رضا الله، إن رضي الله عنا فلا نسأل، إن رضي الله عنا فلا نبالي، إن صحت الحال بيننا وبين الله فما بيننا وبين الناس يصلح.
فليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضاب
إذا صح منك الود فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب تراب
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خراب
وفي الحديث وقول النبي أبلغ وقول الله أبلغ: (من ابتغى رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن ابتغى رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عنه الناس).
اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، اللهم اجعل لنا من كل ضيقٍ مخرجاً، اللهم اجعل لنا من كل بلاءٍ عافية، ومن كل فتنة عصمة، اللهم جئنا نبتغي خيراً من فضلك ونعمة من نعمك، اللهم فلا تردنا محرومين يا رب العالمين! اللهم لا تفرق جمعنا إلا بذنبٍ مغفور، وعيبٍ مستور، وتجارة لا تبور، اللهم لا تدع لهذه الوجوه الطيبة المباركة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً من ذكرٍ أو أنثى إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين!
стр. 1613
رحمة الله لخلقه وحكمته فيهم
أيها الأحبة: حديثنا اليوم بعنوان: " المصرون على الهلاك " تصور أن ناراً ملتهبة وألسنتها تتطاير في السماء، وأنتم ترون مجموعة من الرجال والنساء والفتيان والفتيات كلٌ ينزع ثيابه يريد أن يدخل هذه النار ويقتحمها، وأنتم تمسكون بحجزهم، وتأخذون بأعناقهم، وتدفعونهم إلى الوراء عن النار دفعاً، وهم يقولون: ابعدوا أيها المعقدون! ابعدوا أيها المتشددون! ابعدوا أيها المطاوعة! انقلعوا، يا أيها الذين لا تفقهون! نحن نفقه، هذه ليست ناراً هذه حضارة هذه مدنية هذه جنة هذه ليست ناراً هذه تقدم وتمدن وتحضر! أولئك هم المصرون على الهلاك.
المصرون على الهلاك: الظالمون الفاسقون، المصرون على المعاصي الذين لا يريدون أن يتوبوا المصرون على الهلاك الذين آذوا عباد الله، وناصبوا أولياء الله العداوة، وجعلوا وظيفتهم ومهمتهم إيذاء الصالحين من عباد الله جل وعلا، هؤلاء هم المصرون على الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولن نستعرض اليوم كل المصرين لكن سنستعرض طائفة منهم.
أيها الأحبة: ديننا عظيم! ديننا عظيم عظيم عظيم! ومادام الذي شرع الدين عظيماً فلا غرابة أن يكون الدين عظيماً، إذا شرع الدين حكيمٌ فلا عجب أن تكون الحكمة فيه، إذا شرع الدين رحيمٌ فلا غرابة أن تكون الرحمة في هذا الدين: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] إن ما ترون مِنْ شرع الله في هذا الدين في كل أمرٍ ونهي فيه من علم الله وصفاته جل وعلا حظاً ونصيباً، فرفع الحرج ودفع المشقة والتخفيف عن الناس من باب الرحمة بالعباد، والرحمة من أين جاءت؟ جاءت من الرحمن الرحيم، الذي نردد ونلهج بذكر اسمه في كل يومٍ في سبع عشرة ركعة في المفروضات: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٣] وأنت يوم أن يحرم عليك في الدين شيء ليقال لك: اجتنب واترك وانزجر وابتعد وجانب ولا تقرب إنما ذلك لحكمة؛ لأن الله لا يشرع بلا حكمة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! لأن الله لا يشرع عبثاً لأن الله لا يشرع حيفاً أو ظلماً أو جوراً، إنما يشرع الله لحكمة: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨]؟ بلى.
إذاً: فإذا قال الله: افعلوا كذا، اجتنبوا كذا، فإن الله ما أمرنا بهذا الأمر تشدداً أو تزمتاً أو هوىً أو ظلماً أو جوراً، إنما ذلك لحكمة يراها الله.
ما هو رأيكم -يا إخوان- لو أننا زرنا مريضاً في المستشفى ووجدناه ينتفض من البرد، ووجدنا الطبيب قد مد يده هكذا على السرير ووضع المغذي في وريده، ماذا سيكون في المغذي؟ (جلوكوز) أو (دكتروز) سكر ثنائي أو سكر أحادي على ما يقرر الأطباء مع أشياء تنفع المريض في حالة الحمى أو البرد أو انخفاض درجة الحرارة، فإذا جاء واحدٌ من الذين لا يفقهون قال: يا دكتور! لماذا لا تضع في هذا المغذي زنجبيلاً حتى يدفيه؟! هذا مريض بردان ما تراه ينتفض من البرد؟ ما رأيك لو أننا أخذنا حقنة زنجبيل وجعلناها في المغذي لأجل يستدفئ الرجل فيتصبب عرقاً!! ماذا يقول الطبيب؟ يقول: يا أحمق! وهل تفقه في الطب شيئاً؟! هل تظن أننا جعلنا هذا المغذي من هذا النوع من فصيلة هذا الدواء عبثاً، أم أننا جعلناه لحكمة يعرفها الأطباء، ويعرفون أنها حينما تسري في بدن المريض فإن حرارته تعتدل من الانخفاض إلى الاعتدال أو من الارتفاع إلى الاعتدال؟! إذاً الطبيب لا يقرر من هوى نفسه حينما يعطيك دواءاً، وإنما يقرر لحكمة يعرفها درسها في الطب أن الذي يناسب هذا المريض هذا الدواء.
الطبيب حينما يكشف عليك ويقلب السماعات على صدرك -والحمد لله أن السماعات ما تخرج ما في القلوب لو أن السماعة تخرج ما يفكر به الإنسان لما ذهب أحد إلى المستشفى؛ لأن الناس في نفوسهم الشيء الكثير الكثير، ومن رحمة الله أن الله جل وعلا كما قال النبي ﷺ : (إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تفعل) فحديث النفس معفو عنه، قال جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] قال الصحابة: يا رسول الله! إن كان الذي نبديه نحاسب عليه، وإن كان الذي نخفيه نحاسب عليه فقد هلكنا، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:١٨٤ - ٢٨٦].
فإذا كان حديث النفس مما لا يقدر الإنسان على رده وكبحه، وإذا كانت خطرات الفكر مما لا يستطيع الإنسان أن يردها فحينئذٍ يعفى عن ذلك، وقال الله جل وعلا حينما دعاه المؤمنون، قال: قد فعلت قد فعلت ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] وفي كلٍ يقول الله: قد فعلت قد فعلت، فالله جل وعلا لحكمة سلمنا وعافانا من حديث القلوب وما يدور في الخطرات، الحاصل أنك حينما تذهب إلى الطبيب ثم يعطيك الكبسولة الحمراء والصفراء والخضراء فإذا ذهبت إلى (الصيدلي) وأعطيته الورقة وقلت له: تفضل الطبيب كشف عليَّ وأعطاني هذا العلاج، فقام (الصيدلي) ونظر ما كتب الطبيب فأخذ كبسولاتٍ صفراء وحمراء وخضراء، لا يمكن أن يقول أحد: يا أخي! أنا هلالي أريد كبسولة زرقاء وبيضاء، أو أنا نصراوي أريد كبسولة صفراء وزرقاء! لا.
القضية ليست أمزجة وهوى، المسألة مسألة حكمة، الطبيب يعرف ما يناسبك من الدواء فلا تتجاوز ذلك.
إذاً: فليست هوى، أتظن أن الطبيب الذي يصرف لك من الدواء ما يناسبك ولا يتعداه إلى ما تشتهي أو تهوى، يعطيك الدواء المر وأنت تشتهي الحلو، ويحرمك هذا الحلو ويختار لك المر؟ الطبيب يفعل ذلك لحكمة، أفتظن أن الله حرم عليك شيئاً وأباح لك شيئاً لغير حكمة؟! الله أكبر! الله جل وعلا ما شرع عبثاً وما خلق عبثاً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] تعالى الله ربنا، جل تعالى وتقدست أسماؤه! ننزه ربنا أن يحرم علينا أشياء هوى، أو أن يأمرنا بأشياء مزاجاً وإنما هي لحكمة، وقد عرفنا أن الطبيب يأمرك لحكمة وينهاك عن حكمة، ويأمرك بأكل هذا الطعام وينهاك ويحجبك عن الطعام الآخر لحكمة، فإن الله أحكم الحاكمين يوم أن يأمرك وينهاك أيها العبد الفقير الذليل المسكين! يوم أن ينهاك عن الربا وعن التحاكم إلى غير شرعه، وينهاك عن الظلم، ويأمرك بالصلاة، ويأمرك على لسان نبيه بإعفاء لحيتك، ويأمرك بترك اللهو، ويأمرك بترك المعاصي، ليس ذلك عبثاً وإنما ذلك لحكمة جليلة.
إذا عرفنا ذلك -أيها الأحبة! - فإن كل خصال الدين مبنية على الحكمة، والله جل وعلا لا يقدِّر عبثاً.
стр. 1614
من رحمة الله عدم محاسبته على حديث النفس
الطبيب حينما يكشف عليك ويقلب السماعات على صدرك -والحمد لله أن السماعات ما تخرج ما في القلوب لو أن السماعة تخرج ما يفكر به الإنسان لما ذهب أحد للمستشفى؛ لأن الناس في نفوسهم الشيء الكثير الكثير، ومن رحمة الله أن الله جل وعلا كما قال النبي ﷺ : (إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تفعل) يعني: حديث النفس معفو عنه، قال جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] قال الصحابة: يا رسول الله! إن كان الذي نبديه نحاسب عليه، وإن كان الذي نخفيه نحاسب عليه فقد هلكنا، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:١٨٤ - ٢٨٦].
فإذا كان حديث النفس مما لا يقدر الإنسان على رده وكبحه، وإذا كانت خطرات الفكر مما لا يستطيع الإنسان أن يردها فحينئذٍ يعفى عن ذلك، وقال الله جل وعلا حينما دعاه المؤمنون، قال: قد فعلت قد فعلت ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] وفي كلٍ يقول الله: قد فعلت قد فعلت، فالله جل وعلا لحكمة سلمنا وعافانا من حديث القلوب وما يدور في الخطرات، الحاصل أنك حينما تذهب إلى الطبيب ثم يعطيك الكبسولة الحمراء والكبسولة الصفراء والكبسولة الخضراء فإذا ذهبت إلى الصيدلي وأعطيته الورقة وقلت له: تفضل الطبيب كشف عليَّ وأعطاني هذا العلاج، فقام الصيدلي ونظر ما كتب الطبيب فأخذ كبسولاتٍ صفراء وحمراء وخضراء، لا يمكن أن يقول أحد: يا أخي! أنا هلالي أريد كبسولة أزرق وأبيض، أو أنا نصراوي أريد كبسولة أصفر وأزرق! لا.
القضية ليست أنسجة وهوى، المسألة مسألة حكمة الطبيب يعرف أنما يناسبك من الدواء الكبسولة الزرقاء والخضراء والحمراء لا تتجاوزها.
إذاً: فليست هوى، أتظنون أن الطبيب الذي يصرف لك من الدواء ما يناسبك ولا يتعداه إلى ما تشتهي أو تهوى يعطيك الدواء المر وأنت تشتهي الحلو، ويحرمك هذا الحلو ويختار لك المر، الطبيب يفعل ذلك لحكمة، أفتظن أن الله حرم عليك شيئاً وأباح لك شيئاً إلا لحكمة؟! الله أكبر! الله جل وعلا ما شرع عبثاً وما خلق عبثاً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] تعالى الله يجل ربنا جل تعالى تقدست أسماؤه تنزه ربنا أن يحرم علينا أشياء هوى، أو أن يأمرنا بأشياء مزاج وإنما هي لحكمة، وقد عرفنا أن الطبيب يأمرك لحكمة وينهاك عن حكمة، ويأمرك بأكل هذا الطعام وينهاك ويحجبك عن الطعام الآخر لحكمة، فإن الله أحكم الحاكمين يوم أن يقول وينهاك أيها العبد الفقير الذليل المسكين يوم أن ينهاك عن الربا وينهاك عن التحاكم إلى غير شرعه، وينهاك عن الظلم، ويأمرك بالصلاة، ويأمرك على لسان نبيه بإعفاء لحيتك، ويأمرك بترك اللهو، ويأمرك بترك المعاصي، ليس ذلك عبثاً وإنما ذلك لحكمة جليلة.
إذا عرفنا ذلك -أيها الأحبة! - فإن كل خصال الدين مبنية على الحكمة، والله جل وعلا لا يقدر عبثاً.
стр. 1615
مثال يدل على حكمة الله
حدثني قبل يومين رجلٌ عن صديقٍ له قال: توفيت زوجته أثناء الولادة رحمها الله، والمرأة التي تموت بالولد شهيدة، وهذه من كرامات النساء إن المرأة إذا ماتت أثناء الولادة فلها أجر الشهيد عند الله جل وعلا، قال: ماتت هذه المرأة وقد أنجبت طفلة وخرجت الطفلة إلى الحياة، روحٌ تخرج وروحٌ تصعد! روحٌ تخرج إلى الحياة من ظلمات ثلاث وروحٌ تصعد إلى باريها! انتهى أجلها، فأين الثدي الذي يرضع هذه البنية؟! من يربي هذه الفتاة؟! من يلتفت لها؟! كتب الله أن تزوج الرجل زوجة أخرى، فمكث معها سنة وسنتين وثلاث سنوات ما أنجبت فأراد أن يطلقها، قال له أحد العلماء: لا تطلقها يا أخي، لا تعجل والله جل وعلا سيقسم لك رزقاً، فبلغت السنة الرابعة ما أنجبت، فأبى الرجل يريد أن يطلق قال له الشيخ: يا بن الحلال! لا تطلق، الله يريد لك خيراً، فلما جاءت السنة السابعة حملت المرأة فأنجبت، فجاء الرجل إلى الشيخ وقال: يا شيخ! أنجبت المرأة في السنة السابعة، قال: لو أنجبت المرأة في أول سنة لانشغلت بولدها عن طفلتك، فمنعها الله الحمل سبع سنين حتى تتفرغ لرعاية ابنتك الصغيرة، ولما بلغت سبع سنين في بداية التمييز، أذن الله بالنطفة أن تلتقي في رحمها بما أودع في جوفها فكان إنساناً كونه الله وهو أرحم الراحمين.
أحبابنا لا تظنوا أن الله جل وعلا قدر شيئاً عبثاً، وما دامت مقادير الله في العباد ليست عبثاً، فمن باب أولى أن شرع الله دينه الذي هو مبني على افعل ولا تفعل التزم واجتنب وأن تلتزم وتفعل وأن تنتهي وتترك هذه مبنية على الحكمة البالغة.
стр. 1616
دخول الجنة برحمة الله لا بالأعمال
أيها الأحبة: قال ﷺ : (الجنة أدنى إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك) إن الجنة التي عرضها السماوات والأرض، الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الجنة التي يقول فيها ابن القيم:
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسدٌ فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ ـخطاب عنك وهم ذوو إيمان
خودٌ تزف إلى ضرير مقعدٍ يا محنة الحسناء بالعميان
الجنة قريبة إلينا، إن بغياً من بغايا بني إسرائيل نزلت بئراً لتستقي فشربت، فلما خرجت من البئر إذ بها تر ى كلباً يأكل الثرى من العطش، فقالت الزانية: لقد بلغ بهذا الكلب ما بلغ بي من العطش، فنزلت مرة أخرى إلى البئر فنزعت موقها -أي: خفها- ثم ملأته ماءً وخرجت به إلى الكلب فسقت الكلب؛ فغفر الله لها فدخلت الجنة.
يا إخوان أتظنون أن الله جل وعلا محتاج إلينا حتى يجعل قضية الجنة محاسبة، القضية مبنية على الرحمة، وبعد ذلك على الاستجابة، الله جل وعلا حينما يدخلك الجنة لا يدخلك الجنة بأعمالك فقط، إنما قبل عملك برحمته، وبعد رحمته ينظر إلى استجابتك، ولو أن من عصى الله لا يدخل الجنة، ما دخل الجنة إلا المعصومون، وكما قال ﷺ : (إنه لن يدخل الجنة أحد بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
стр. 1617
من رحمة الله مناداة المسرفين بـ (يا عبادي)
فيا أحبابنا الجنة قريبة لنا، والجنة تفتح أبوابها صباح مساء، والتوبة أبوابها مفتوحة والغني ينادي الفقراء، العزيز ينادي الأذلاء، والقوي ينادي الضعفاء: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] الذنوب جميعاً: اللواط، الزنا، المخدرات، المسكرات، الأفلام، المجلات، الملاهي، كل هذه إن نتب إلى الله توبة صادقة يغفرها الله جميعاً، بعض الناس يظن أن المغفرة تتناول أو تقبل النظرة والغلطة واللمسة والهمسة والقبلة والضمة فقط، أما الزنا واللواط والمخدرات والربا والفواحش فهذه كبائر لا يغفرها الله، لا.
الله جل وعلا ما نادى المذنبين ما قال: أيها المذنبون! بل حببهم إلى نفسه وقال: (يا عبادي) وكلمة (عبد) حينما يسمي الله عبداً من عباده أو خلقاً من خلقه بلفظ العبد فهو نداء التحبيب والتقريب والتشريف، قال الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَاب﴾ [الكهف:١] وقال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله).
الله جل وعلا ينادينا نحن المذنبين المفرطين المسرفين، وينادي معنا الذين زنوا، والذين فعلوا اللواط، والذين أكلوا الربا، والذين اقترفوا المكس، والذين نشروا الملاهي، والذين فعلوا، الذي يتوب منهم توبة نصوحاً بشروطها يغفر الله له: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر:٥٣] ما قال: أذنبوا فقط، بل أسرفوا وبالغوا في الذنوب: ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] (وأنيبوا) نريد إنابة! نحتاج إلى استجابة: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤].
وهذا نداءٌ فيه بشارة وبعده تحذير: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] لأن الله ما دعانا ليشق علينا، وإنما دعانا لكي يحيينا ويسعدنا وينفعنا ويجعل الطمأنينة في قلوبنا، وإن لم نستجب، وإن لم نتب؟ فإن ذلك يعني أن الإنسان قد يحال بينه وبين قلبه، ويصبح كالذي أصيب بحالة إدمانٍ لا يمكن معها الشفاء إلا برحمة الله جل وعلا.
أرجو ألا يقول سامعٌ: إنني في حالة إدمان ولست من الذين يشفون، لا.
أنت الآن بإمكانك الشفاء، والطريق بين يديك، وباب التوبة مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أو أن روحك بلغت الحلقوم وأصبحت في حال الغرغرة فحينئذٍ تنتهي القضية، لكن لا شك أن الذين يتوبون من قريب خيرٌ من الذين يتوبون من بعيد، الذي يتوب بعد فاحشة واحدة أقرب إلى الله من الذي يتوب بعد عشر فواحش، والذي يتوب إلى الله بعد ذنب أقرب إلى الله منه بعد كبيرة، والذي يتوب إلى الله بعد كبيرة أقرب إلى الله من الذي يتوب إلى الله بعد كبائر، وكل الناس قربهم من الله بحسب تقواهم، وبحسب إخباتهم إلى الله جل وعلا، المهم أن نعرف أن ديننا يدعونا إلى الخير، ويقربنا إلى الجنة، ويفتح لنا أبواب السعادة
عطايانا سحائب مرسلات ولكن ما وجدنا السائلينا
وكل طريقنا نورٌ وعزٌ ولكن ما رأينا السالكينا
стр. 1618
من سعة رحمة الله عدم مضاعفة السيئات بعكس الحسنات
الله جل وعلا حينما تفعل حسنة من الحسنات لا يضيعها، ولا يجعلها تذهب هباءً منثوراً إذا حافظت عليها ولم تضيعها؛ لأن من الناس من يفعل الحسنات ويعطيها الناس، إنسان يصلي الفجر مع الجماعة، افرض كتبت له ألف حسنة، ثم صلى الظهر مع الجماعة وكتبت له ألف حسنة، ثم تصدق بعد الظهر بألف ريال وكتبت له ألف حسنة، -على سبيل المثال- جمع الرجل ذلك اليوم ثلاثة آلاف، لكنه بعد صلاة العشاء عاد يعلب البلوت، ومع اللعب يدخل في السباب والشتام واللعان، تنتهي اللعبة وقد استهلك بسبب اللعان والشتائم والكلام الزور الذي لا يرضي الله جميع حسناته، عنده ثلاثة آلاف حسنة ذهبت خمسمائة حسنة أثناء اللعب، ثم يجلس ويلعب الحجر ويأخذ المعسل ويبدأ مع زملائه بالغيبة: فلان ما فيه خير، وفلان فيه كذا، وفلان وفلان حتى استهلك ثلاثة آلاف وخمسمائة حسنة، بمعنى: أنه كتبت عليه أربعة آلاف سيئة من بعد المغرب إلى الساعة الثانية عشرة من الليل، والرجل جمع الصباح ثلاثة آلاف حسنة، فخرج ذلك اليوم عليه خسارة قدرها ألف حسنة؛ لأن الرجل جمع ثلاثة آلاف حسنة وفعل أربعة آلاف سيئة، والله جل وعلا من رحمته يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠].
من بركات هذا الدِّين أن السيئة سيئة والحسنة حسناتٌ تتضاعف، لكن الذين يعاجلون الحسنات، بعض الناس منذ أن يعمل حسنة يتبعها بسيئة، نحن أولاً متى نعرف أن الحسنة قبلت؟ متى نعلم أن هذه العبادة قبلت حتى تكتب لنا بها حسنة؟ فليس كل من صلى كتبت له الحسنات، إن من الناس من يدخل الصلاة فلا يكتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها، ومن الناس من يخرج من الصلاة لم يكتب له منها شيء، بمعنى أنه يؤدي الركوع والسجود ويحضر الجماعة فقط ليسلم من الإثم لكن قد لا يكسب حسنات يكبر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وقلبه في درج المدير.
وفيما يروى أن موسى ﵇ قال: يا رب! إن عبدك فلان يدعوك فلا تستجيب له، فقال الله: يا موسى! إنه يدعوني وقلبه عند ماله.
لو أن أحدكم يكلم المدير أو الضابط أو الرئيس وتنظر بعينك إلى وجهه، وقلبك عند الغنم أو عند الإبل، ولله المثل الأعلى، ولا نقيس الخالق بالمخلوق، لكن حتى تعرف أن المسألة ليست مجرد أفعال بل هي أفعالٌ وعبادة قلب، فمن حضر قلبه نفعته عبادته بإذن الله جل وعلا.
стр. 1619
من هم المصرون ؟
قال ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) سبحان الله! يوجد إنسان يأبى أن تفتح له أبواب الجنة يقول له: تفضل، يقول: لا أريد (قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟) من هو المجنون الذي يأبى؟ من هو الذي لا عقل له يدعى إلى الجنة فيأبى؟ فقال ﷺ : (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).
أيها الأحبة: إننا بحاجة أن نبلغ اليقين أن وعد الله حق، إذا بلغنا هذه الدرجة وأدركنا أن الله إذا توعد بوعيدٍ فإن وعيده يحل، وإذا وعد بوعدٍ فإنه يعطي؛ والله يعطي عطاء لا حدود له، والناس إن أعطوك اليوم يمنون عليك غداً، وإن أعطوك غداً منعوك بعد غد، وإن أعطوك بعد غد، منوا عليك وطردوك وأقفلوا الباب في وجهك.
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُني آدم حين يُسأل يغضب
لا تسألن بُني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٤] هذا يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٦] هؤلاء المصرون على الهلاك الذين دعوا إلى السعادة فاختاروا الشقاوة، والذين دعوا إلى الهدى فاختاروا الضلالة، والذين دعوا إلى الاستقامة فاختاروا الانحراف، والذين دعوا إلى التوبة فاختاروا الإصرار على المعصية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧] الله فعال لما يريد، من الذي يشفع لك عند الله؟ من الذي يتوسط لك عند الله إذا كتبت لك النار وأخذت كتابك بشمالك وعدت تدعو ثبوراً لتصلى سعيراً؟
стр. 1620
خطر قرناء السوء
جاء إلي شاب -والله- ما لبث دقائق حتى أخذ يبكي، قلت: ماذا فيك يا فلان؟ قال: والله أنا أذنبت وأسرفت وفعلت وتعرف ما هو؟ قال: أنا أشعر بعقدة الذنب، أنا أشعر أنني حينما أخطئ أعرف أنني أخطأت، أنا ما أرتكب معصية وأقول: إني صليت، أو أفعل فاحشة وأقول: إني تصدقت، وأعرف أن للفاحشة شؤماً، وأن للمعصية عاقبة وخيمة، ولكن عندي مجموعة أصدقاء يقولون لي: يا أبا فلان! لا يهمك، نحن نتوسط لك وسنقف معك، ولا نتركك أبداً.
قلت: يا أخي الحبيب! هذا كلامٌ لا ينفع، ولكن افرض أن أصدقاءك كانوا صادقين جادين فيما يقولون، أنك إذا وقعت في ورطة خلصوك منها، هل يستطيع إخوانك إذا حملت على النعش أن ينزلوك من النعش وتمشي على قدميك؟! هل يستطيع زملاؤك إذا جاءت الملائكة لتقبض روحك أن يدفعوا الملائكة عنك بواسطة؟! هل يستطيع زملاؤك إذا جاء أقرباؤك وأدخلوك القبر ثم أدخلوك ظلمة اللحد، وضرب رأسك على الأرض؟! أحد الإخوان في البارحة قال: كنا في مسجد الشيخ ابن قعود قال: وإذ بي أجد شاباً شعره ما شاء الله، مسرف على نفسه -أسأل الله لنا وله الهداية- أجده متأثراً ويستغفر ويقرأ القرآن، يقول: فرأيت فيه علامات الانكسار وظاهره الانحراف، فسلمت عليه، فقال: يا (مطوع)! تعرف تدفن ميتاً؟ قلت: خيراً إن شاء الله، نصلي وبعد ذلك ندفنه، قال: فصلينا ثم صلينا على الجنازة، وكل واحد منكم سيُصَلَّى عليه، وسوف تُخْلَعُ ثيابه، ويُصَبُّ الماء على بدنه، وأنا أولكم وسوف أُغسَّل وتُغسَّلُون، وأُكفَّن وتُكفَّنُون، ونُحمل على النعش وتُحْمَلُون، وندخل في ظلمة اللحد وتدخلون، وسوف نُسْأَل وتُسْأَلون، وسوف يغلق اللِبنَ -ويمكن أن لبنةً تنزلق على وجهك في القبر- وسوف يغلق اللبن علينا ويغلق عليكم، وحينئذٍ لا تجد بصيص نور ولا شمعة أو نصف شمعة أو ربع شمعة في اللحد، هذه الفلل الفسيحة التي تتمشى فيها وتتعب من المشي، أين تتمشى في اللحد؟! لا تستطيع أن تحرك كتفك هكذا ولا هكذا، هذه قضية ضعوها بين أعينكم، وهذا المصير سوف يجمع كل الناس، الملوك الأمراء الوزراء الأثرياء الأغنياء الفقراء كلهم سيدخلون المقابر، كلهم سوف يوضع اللبن على رءوسهم، كلهم سوف يدخلون ظلمة اللحود، كلهم سوف يلبسون الشاش الأبيض وتنزع منهم الملابس وكل ما تحلو به في الدنيا.
تذكروا هذا جيداً يقول صاحبنا: فلما صلينا على الجنازة وذهبنا إلى المقبرة ثم نزلنا، وهؤلاء لا يعرفوا كيف يقبرون؟ وهذا صديقٌ له وربما من أهله كذلك.
أحياناً -يا إخوان- تعجب! والله رأيت بعيني جنازة ويتبعها ثلاثة أو اثنين فقط، سنة اتباع الجنائز مضيعة، الناس لا تتبع إلا جنازة من تعرف، وإذا جاء الناس دخلوا المقابر يتفاخرون، وأعجب ما ضحكت له -وشر البلية ما يضحك- قبل مدة كنا في المقبرة وإذ بي أجد شخصاً قاعداً يوزع على الناس قوارير ماء بارد، جزاكم الله خيراً يوزع على الناس ماءً بارداً، أيها الحبيب! اجعلهم يذوقون العطش قليلاً، أنت الآن توزع على الموجودين الذين دفنوا الميت ماءً بارداً، لكن هذا الميت الذي نشف ريقه، والتراب انهال على رأسه، من الذي يعطيه قارورة ماء؟ القضية صعبة صعبة جدا، ً ولكن الناس في غفلة، والغافلون من المصرين على الهلاك، الذين يستمرون ويصرون على الغفلة هم من المصرين على الهلاك.
قال صاحبنا: فنزلنا وأخذنا الشاب الذي نريد أن ندفنه، ونزلت في القبر ومعي صاحبي قال: فلما جئنا ننزله هكذا تعرفون الإنسان عندما يقف على شفير اللحد، أنت حينما تضع الميت ربما تضع رجلاً في اللحد ورجلاً فوق اللحد أو رجليك فوق اللحد وأنت تنحني لتضع الميت في القبر، قال: فلما وضعته هكذا سألت نفسي، قلت: ماذا ينفعه الآن؟ هل ينفعه أنه فلان بن فلان آل فلان؟! هل ينفعه أنه فلان بن فلان من قبيلة كذا أو من قبيلة كذا أو من نسب كذا؟! هل ينفعه أن أباه كان صاحب ملايين؟! هل ينفعه أن عنده شهادة ترجمة؟! هل ينفعه أن عنده وعنده؟! والله لا ينفعه إلا عمله الصالح: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩].
يقول ﷺ : (يموت ابن آدم ويتبعه ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وولده ويبقى عمله) ثم إذا وضعوك في اللحد وأغلقوا اللحد باللِبن وأهالوا التراب، ثم بعد ذلك ذهبوا وتركوك، أيها الناس! في فصل الشتاء لا أحد يعطينا بطانية، درجة البرودة في الأرض عالية لا يوجد شيء ينفع، عندك عمل صالح يدفئك في البرد، أيها الناس! درجة الحرارة خمسين، وباطن الأرض ملتهب بالحرارة لا أحد يعطينا (مكيفاً) لا أحد يعطينا ماء لا أحد يرش على القبر ماء حتى يصلنا أيها الناس! كلبٌ من الكلاب يتبول على القبر لا أحد يبعد الكلب عن القبر! أنا فلان بن فلان ما يدخل علي أحد إلا بعد أن يستأذن من السكرتير، الآن الكلب بن الكلب يدخل ويبول على القبر ولا أحد يرده عن القبر؟! أيها الحبيب! هذا مصير الدنيا.
افتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراً جلل
آخر الشراب بول نجس، وآخر الطعام خراءة وعذرة، وآخر الجمال دودٌ وضعف، وآخر التفتح ذبولٌُ ونهاية.
إن الذين يتأملون حقيقة الدنيا وما تئول إليه يزهدون فيها حتى لو اجتمعت بين أيديهم، نسأل الله أن يبصرنا بحقيقة هذه الدنيا: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
стр. 1621
تبرؤ الأصحاب والأحباب منك يوم القيامة
أيها الأحبة: المصرون على الهلاك الذين شقوا في النار لهم فيها زفير وشهيق: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] من الذي يرد عنك عذاب الله؟ من الذي يحول بينك وبين ملائكة جهنم؟ من الذي يثبت لك الجسر على الصراط حتى تمر عليه مطمئناً؟ من ينفعك: رئيسك؟ قريبك؟ حبيبك؟ أميرك؟ ما ينفعك إلا الله ثم عملك الصالح؛ فتعلق بهذا يا مسكين.
وقال كل خليل كنت آمله لا ألهينك إني عنك مشغول
أمك التي جعلت جوفها لك حواءً، وثديها لك سقاء، وسهرت عليك الليل، وزالت عنك القذى والأذى بيمينها التي تأكل بها تأتيك وتقول: أعندك حسنة يا ولدي؟ ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] إذا نفخ في الصور تضيع الأنساب، الأم ما عادت أماً، والأب ما عاد أباً، والزوجة لم تعد زوجة، والقريب لم يعد قريباً: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] ما الذي ينفع؟: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣] خسروا أنفسهم، ما خسر المال ولا خسر سيارته، ولا خسر وظيفته، بل خسر نفسه، أولئك الذين نسوا الله فنسيهم، خسروا أنفسهم.
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٥] وهذا السؤال لكل مصرٍ على المعصية ولكل مصممٍ على الذنب، ولكل متكبرٍ على التوبة والأوبة والرجوع إلى الله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٥ - ١٠٦] الشقاوة جلساء السوء الشيخ فلان بن فلان في الجمهورية الفلانية العربية يفتي بجواز الربا، وأخذت بفتواه واكتتبت في بنك كذا، اذهب نادي الشيخ بسلامته واجعله يحاج لك عند الله جل وعلا: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء:١٠٩].
الشيخ الذي أفتى الناس بجواز الربا إذا جاء يوم القيامة رب العباد يفصل بينهم ويحاسبهم ولا تخفى عليه منهم خافية يقول: يا ألله! أنا الذي أفتيتهم، لا.
أبداً أنت كنت تعرف أن الشيخ ابن باز أتقى علماء الأرض، وأنت تعرف أن الشيخ ابن عثيمين لا يحابي أحداً، وأنت تعرف أن الشيخ ابن جبرين من أتقى عباد الله الصالحين، نحسبه ولا نزكي على الله أحداً، فما الذي جعلك تترك فتوى الصالحين الأتقياء الأبرار الأطهار الأخيار وتختار فتوى المدخنين وفتوى الذين ربما أفتوا مداهنة للحكام وإرضاء للعوام؟ ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٥ - ١٠٦] كانت شطارة ومعلومات صحافة وتحدياً وإمعاناً في العناد، الأصوليون يفعلون، والمتشدقون يتوصلون والذين يفعلون يتركون، وهلم جرا ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] لكن عندنا طلب ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٧ - ١٠٨].
انتهت القضية فصل الأمر طويت الصحف جفت الأقلام وقف الناس للقضاء ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠] أولئك المصرون على الهلاك الذين يستهزئون بدين الصحوة، الذين يستهزئون بالذين نوَّر الله وجوههم بالطاعة، وشرَّف الله جباههم بالسجود، وكرم أنوفهم بالركوع، المستهزئ بهؤلاء ولم يتب من المصرين على الهلاك: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠] تستهزئون بهم تعلقون عليهم (كاريكاتير) زاوية صحفية تنكيت مجالس (مطاوعة) هيئة أمر بمعروف ونهي عن منكر، (مطاوعة معقدون): ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون:١١١].
لقد كان الاستهزاء يؤذينا، لقد كان (الكاريكاتير) يجرح قلوبنا، لقد كانت الكتابات الصحفية تؤذينا: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١] هذه النتيجة في الصبر والثبات بإذن الله جل وعلا.
стр. 1622
أسباب الهلاك
стр. 1623
من أسباب الهلاك: الإصرار على الذنوب
أيها الأحبة: إن الإصرار على الذنوب من أسباب الهلاك، والمصرون على الذنوب هم المصرون على الهلاك، الذين يدعوهم الله جل وعلا، ويدعوهم نبي الله، ويدعوهم الدعاة إلى الله بكلام الله وكلام رسوله فيصرون، يقول الله جل وعلا وياليتنا نتدبر القرآن: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ [الأنعام:٦].
أنتم الآن تعيشون على أرضٍ عاش فيها قومٌ قبلكم، ومنهم من أهلكهم الله جل وعلا، ومن هذه الأمم التي كانت قبلكم كانت أشد منكم قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرناها نحن، لا تظنوا أننا سخر لنا في الأرض ما لم يسخر لمن قبلنا، بل لقد سخر للذين من قبلنا أشياء أعظم مما سخرت لنا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:١ - ١١] قبلنا أمم أقوى منا فأهلكهم الله بذنوبهم وأنشأ بعدهم قرناً آخرين.
أفتظنون أنا معاشر هذا القرن نكون أقوى ممن قبلنا، أو نكون أقوى على الله جل وعلا؟ لا والله؛ والله ما صنعنا شيئاً وإنما أودع الله في الكون شيئاً وخلق لنا عقولاً أدركته فاستفادت منه، الذين صنعوا الطائرة هل صنعوا القوانين التي ترفعها من الأرض، أم أن الله جل وعلا جعل قوانين الجاذبية والسرعة وقوانين أخرى تتناسب مع سرعةٍ معينة في اتجاه ريحٍ معينة، في دفعٍ معين أن ترتفع الأجسام بسببها عن الأرض، إذاً نحن ما خلقنا الهواء الذي له دورٌ في رفع الأجسام عن الأرض، ونحن ما خلقنا قانون الجاذبية الذي يثبت هذه الأمور على الأرض، وإنما هدانا الله إلى سنن أودعها في الكون فعملنا بها وأنتجنا.
هذه السنن لا يختص بها الكفار، بعض الناس يتوقع أنه لا ينتج إلا كافر، ولا يخترع إلا كافر، بل الذي يعمل عقله ينتج، بوذي ينتج نصراني ينتج يهودي ينتج مسلم ينتج، المهم من أعمل عقله وتفكر في سنن الله جل وعلا فإنه ينتج ويطور ويخترع ويبتكر، وإلا فما معنى أن شخصاً يسافر من إسرائيل يدرس في كندا، وشخصاً يسافر من دول عربية يدرس في كندا، وآخر يسافر من كوريا ويدرس في كندا، ورابع يسافر من الصين ويدرس في كندا، فيرجع ثلاثة يخترعون والرابع لا يخترع؟ هل العقل العربي عقل منتهي الصلاحية لا يخترع والعقل الإسرائيلي والعقل الكوري والعقل الصيني يخترع؟ لا.
القضية قضية اعمل وفكر وطور وادرس وحلل واستنتج واستقرئ حينئذٍ تستطيع أن تعلم أن القضية ليست قضية عجز، أنوفنا كأنوفهم، وعيوننا كعيونهم وآذاننا كآذانهم لا نستطرد كثيراً، المهم ينبغي أن ندرك ذلك جيداً، فهناك أمم أقوى منا عاشت على الأرض وملكت أكثر مما ملكنا، وأبدانهم أقوى من أبداننا، ومع ذلك لم يبال الله بهلاكهم، فلنتنبه جيداً.
ولذلك قارون لما قال قومه له: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٦ - ٧٧] ماذا قال؟ ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] ماذا قال الله؟ ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨] إذا أصر الإنسان على الذنوب وأصبح في هذه الحالة من العناد والإصرار والمكابرة والغفلة فهو مصرٌ على الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 1624
من أسباب الهلاك: كراهية الصلاح للأمة
المصرون على الهلاك أولئك الذين يريدون لنا ألا تصلح بيوتنا ومجتمعاتنا وأمتنا؛ لأن الله جل وعلا قد جعل سنة كونية إن نحن اجتهدنا في الإصلاح أن الله لا يهلكنا، وإن تهاونا ورأينا المعروف يضمحل ويقل، والمنكر يزيد ويكبر وسكتنا، وكلٌ جعل عمامته على وجهه وكأن الأمر لا يعنيه، هذا مؤشر الهلاك، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٦] اسمع: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] يعني: إذا أصلحنا أنفسنا فإن الله لن يهلكنا، وإذا تساهلنا وقعد بعضنا يثبط بعضاً وقع الهلاك.
ما رأيت أقبح من الذين يلومون المصلحين على العمل، تجد عبداً من عباد الله وداعية من الدعاة إلى الله مجتهداً في الإصلاح، فإذا ابتلي بنوعٍ من أنواع البلاء يأتي أحد عامة الناس، ويقول: ما الذي جعله يتدخل في الناس؟ لماذا يتدخل فيما لا يخصه؟ نحن أمة خير فضلنا الله لأننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونصلح مجتمعاتنا وندعو إلى الله، أما أمة الماعز هذه ليست أمة الإسلام، أمة الغنم! أمة النعاج! هذه ليست أمة الإسلام.
ولذلك كما قال ﷺ : (أنتم يومئذٍ كثير) تصور! الأمة جفنة من الطعام وكل الأيدي تخدش وتأكل من الطعام، وتنهش من كل جانب: (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا.
أنتم يومئذٍ كثير -الآن العالم الإسلامي مليار مسلم، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة، ولكن قال ﷺ أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يصيبكم الوهن، وينزع الله المهابة من صدور أعدائكم؟ قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) أصبحت أمة غثائية إلا من رحم الله وقليلٌ ما هم، ولو كانت أمة شهادة أمة تضحية أمة فداء أمة تتاجر بالدم ما يقتربها صربي ولا يقتربها كرواتي ولا شيوعي ولا غربي ولا نصراني.
نقول أيها الأحبة: إن ترك الإصلاح من أسباب الهلاك، والذين يثبطون أو يرجفون بالمصلحين أولئك الذين يريدون الهلاك، ولماذا لا نتعاون على إصلاح بعضنا بعضاً، إصلاح بيوتنا، إصلاح مجتمعاتنا؟ فإن من حذرنا ونهانا وأبعدنا وطردنا عن الإصلاح فذلك الذي يريد هلاكنا علم بذلك أو لم يعلم:
فإن كان لا يدري فتلك مصيبة وإن كان يدري فالمصيبة أعظم
стр. 1625
من أسباب الهلاك: انتشار الظلم
أيضاً من أسباب الهلاك: الظلم، هلكت أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتعٍ فيه.
أيها الأحبة: الظلم من أخطر الأمور، رب عبدٍ من عباد الله يرتكب ذنباً فيما بينه وبين الله فيتوب منه، ورب شاب يفعل فاحشة ثم يتوب توبة نصوحاً بعدها، لكن الظلم من أخبث أسباب الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يونس:١٣] وقال ابن تيمية ﵀ عند قوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] قال: وإن دلت الآية ابتداء وأصالة على أن الظلم الوارد فيها معنيٌ بالذي جاء في سورة لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] لكن يدخل فيه ظلم العباد بعضهم بعضاً.
وبين ذلك النبي ﷺ : (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه) لأن هذا فلان بن فلان! هذا له واسطة! هذا له جاه! (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع) أحضروا هذا الذي لا يستحي، هذا الذي ليس بكفوٍ، أحضروه لنا: (أقاموا عليه الحد) هذا من أسباب الهلاك؛ لأن هذه صورة من صور الظلم، إذا كان الظالم قوياً لا ينتصف منه للمظلوم فبقي المظلوم مظلوماً.
تنام عينك والمظلوم منتبهٌ يدعو عليك وعين الله لم تنم
وما من يدٍ إلا يد الله فوقها ولا ظالمٍ إلا سيبلى بأظلم
هذه من صور الظلم والحيف والجور في التطبيق، ولذلك ينبغي أن نتواصى في أن يكون الإنكار على الشريف والوضيع، والصغير والكبير، فإن كان منكراً كلٌ ينكر عليه، ويؤتى إليه، ويعطى ما يناسبه، لكن لا يعني ذلك محاباته ومداهنته، وإن كانت القضية حداً من حدود الله: (وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) لما سرقت المخزومية فعظم ذلك على قومها فقالوا: بمن نشفع؟ من الذي يتوسط لنا عند رسول الله ﷺ ؟ قالوا: حب رسول الله وابن حب رسول الله ﷺ ، أسامة بن زيد بن حارثة، كان الرسول يحبه ويحب أباه، فجاء أسامة يتوقع أن المسألة شفاعة عادية، فغضب النبي ﷺ واحمر وجهه وانتفخت أوداجه: (يا أسامة! أتشفع في حدٍ من حدود الله؟! وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
فإذا رأيت الأمة تقام فيها الحدود على الصغير والكبير، والشريف والوضيع، والعالي والحقير فهي علامة من علامات سلامتها، وإذا رأيت الأمة في محاباة: فلان يفعل وفلان لا يفعل وفلان يسجن وفلان لا يسجن وفلان يقام عليه الحد، وفلان لا يقام عليه الحد، وفلان تقع عليه العقوبة وفلان لا تقع عليه العقوبة وفلان عليه القانون وفلان لا قانون عليه، فهذه من علامات الهلاك ومن مؤشرات الهلاك.
стр. 1626
من أسباب الهلاك: الترف والإعراض عن المواعظ
المصرون على الهلاك أولئك المتسلطون بالترف، المعرضون عن المواعظ، المصرون على الذنوب، الغارقون في وحل الشهوات، القاعدون بكل صراطٍ يوعدون وكما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] ينهون الناس عن الخير، وهم أيضاً ناءون عن الخير، يعني: لم يقتصر شره على نفسه أنه بعيد عن الخير لوحده، بل هو بعيدٌ ويقول للناس: ابتعدوا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] إذا رأيت المترفين الفساق متسلطين معرضين فتلك من علامات الهلاك، قد تقول: يا ربنا! وما بالنا نحن، هؤلاء مترفون مصرون غارقون؟! لا.
لأن الأمة إذا رضيت بالمنكرات وسكتت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر النصيحة، مصيبة الأمم الآن ألسنة في المجالس الخاصة، حال الشخص إذا أغلق المجلس في الأربعة الجدران قام يتكلم وينتقد (فيلسوف) وأستاذ، وإذا خرج وجلس مجلساً لا ينكر منكراً ولو برسالة، إذا كنت لا تستطيع أن تواجه لقصور أو لعدم قدرة أو لعدم تعود، اكتب رسالة إلى صاحب المنكر الذي تراه وقل له: اتق الله وأنت فلان بن فلان.
أعرف شاباً لم يؤت لساناً فصيحاً ولم يؤت بلاغةً ولم يؤت علماً ولا شيئاً يذكر، ولكن متخصص في أسلوب من أساليب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول: أنا أنصح بالرسالة، أي إنسان صاحب منكر أرسل له رسالة، وأرسل له الرسالة الثانية، ومستمر معه في الرد، أنا ماذا أخسر؟ حبر أكتبه على ورقة، والدافع الغيرة على الأمة إرضاء لله جل وعلا، تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقول النبي ﷺ : (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليوشكن الله أن يعمكم بعقاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم).
فقعودنا وسكوتنا عن إنكار المنكرات فيما نرى في مجتمع لا أحد يقول: مجتمعنا خير، نعم.
مجتمعنا فيه خير عظيم، أقول: في مجتمعنا خير عظيم، لكن لا يعني وجود الخير عدم وجود الشر، ولذلك كان لا بد من الثناء على الخير وعرفان الفضل لأهله، ولا بد من إنكار المنكر، وأنزلوا الناس منازلهم، وحدث الناس بما يفقهون حتى لا يكذب الله ورسوله.
البطر أيضاً من الأسباب التي تذكر ضمن الترف، والتي من وقع فيها وأصر عليها ولم يلتفت لطاعة الله حريٌ بأن يختم له بخاتمة السوء ما لم يتب إلى الله جل وعلا قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨] بطرت من البطر والأشر.
يا أمة محمد! أسأل الله ألا يأتي زمان يقال: كان هنا أمة يقال لهم: أمة كذا.
أسأل الله ألا يأتي زمانٌ بعدنا يقال: كان في ذلك المكان بيوتٌ ودورٌ وضِياعٌ ومزارع.
أسأل الله ألا يأتي يومٌ يقال: كان في البلد الفلانية كذا وكذا من المنشئات والطرق، وغيرها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨] نعم، ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٨] القضية قضية عبودية لله، خلقنا للعبادة فلماذا نضيع الوقت في بنيات الطرق، أنت مخلوقٌ للعبادة أين كان منصبك؟ وأين كان موقعك؟
الناس للناس من بدوٍ ومن حضرٍ بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدم
الناس وجدوا ليخدم بعضهم بعضاً: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف:٣٢].
стр. 1627
من أسباب الهلاك: الإصرار على الكبر
أيضاً من أسباب الهلاك: الإصرار على الكبر والإصرار على التعالي والإصرار على ادعاء الفضل للنفس، يوسف ﵇ لما عبر الرؤى للمساجين في السجن، وأثنوا على تعبيره والتفتوا إليه وأعجبوا به قال لهم: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف:٣٧] لم يقل: معكم شخص محترم، أنتم معكم إنسان متخصص في تعبير الأحلام بالقدرة الخارقة والتنبؤات الصادقة: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف:٣٧] ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] اعترف أن الفضل لله واشتغل بالدعوة إلى الله في السجن.
والنبي ﷺ يقول: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] ما نسب النبي ﷺ الهداية إلى نفسه أو قوته الذاتية أو قدراته الشخصية، قال: ﴿إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] ولذلك فالمتكبرون من المصرين على الهلاك بالتكبر وغمط الناس.
أولاً نقول لكل متكبر: يا سعادة المتكبر! إذا ذهبت إلى دورة المياه ما الذي يخرج من جوفك؟ عسل مصفى، إن ذبابة النحل أطيب منك، يخرج من جوفها عسل: ﴿شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩].
الذي يفتخر بطوله وعرضه وشحمه ولحمه يقال له:
لا تحقر الرأي يأتيك الصغير به فالنحل وهو ذبابٌ طائر العسل
المتكبر نقول له: إذا دخلت إلى دورة المياه فانظر ماذا يخرج من جوفك؟ لا يخرج إلا نجاسة، فالذي يتكبر فلينظر ماذا يخرج؟ يخرج العذرة، مر أحد الضعفاء بجوار واحد من المتكبرين أخذ يبحلق ويلتفت ولا يراه إلا بطرف عينه، فقال ذلك المتكبر للمسكين: أنت أما تعرفني؟ قال: بلى والله أعرفك؛ أنت ابن آدم المسكين، تحمل في جوفك العذرة، وبعد موتك جيفة قذرة، وتدميك البعوضة، وتقتلك الشرقة:
إلى الماء يسعى من يغص بلقمة إلى أين يسعى من يغص بماء
الماء الذي أنت تسعى إليه لكي تدفع الغصص إذا شرقت بالماء هلكت، وتقتلك الشرقة، فعلامَ الكبر إذاً؟ ولذلك المتكبرون من صورة هلاكهم قال ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، يطؤهم الناس بأقدامهم) نعم.
يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر من هوانهم على الله، قال ربنا جل وعلا: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري) من الذي ينازع الله في صفاته؟ ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية:٣٧] الله جل وعلا له الكبرياء فالمتكبر على العباد هذا أهون الناس يوم القيامة.
فيا أخي الحبيب: كما قال ﷺ : (إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد) وكان ﷺ سيد الأولين والآخرين يتواضع، تأخذه العجوز وتجره إلى قارعة الطريق وتتحدث معه الساعة، فيسمع حاجتها ثم ينتهي ويعود إلى صحابته، والصبي يقابله ويكلمه، ويجلس الصبيان على حجره، ويحمل أمامة بنت زينب بنت بنته على كتفه، وجدها تتعثر فحملها ﷺ وصلى وهي معه، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، نسأل الله أن يمنح المسلمين التواضع.
стр. 1628
من أسباب الهلاك: التنطع والتشدد
أيضاً من أسباب الهلاك: التنطع والتشدد الذي يخرج الإنسان عن دائرة تعبد الله بالشرع حتى يخرج عن الشرع، النبي ﷺ في الحديث قال: (هلك المتنطعون! هلك المتنطعون! هلك المتنطعون!) من هم المتنطعون؟ الذين يتقربون إلى الله بالتشديد على أنفسهم في الامتناع عن أمورٍ أباحها الله لكي يتقوى بها العباد على طاعة الله، أولئك الذين جاءوا إلى بيت النبي ﷺ وسألوا عن عبادته فأجيبوا عما سألوا فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: وما نحن بالنسبة لرسول الله ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكن نحن ينبغي أن نتعبد عبادة خاصة، فقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: وأما أنا فلا أستظل، وقال الآخر: وأما أنا فلا أتزوج النساء، وقال أحدهم: وأما أنا فأصوم ولا أفطر، فلما علم النبي ﷺ بذلك غضب وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني، إني آكل اللحم، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
стр. 1629
أسباب أخرى للهلاك
من الناس من يهلك نفسه ويصر على الهلاك بأن يرى أن الناس هؤلاء كلهم ليس فيهم خير ولا أمل أن ينجوا أو يتوبوا ولا يدخل أحد منهم الجنة ولا يبقى إلا هو فتجده متنطعاً متشدداً، حتى يأتي اليوم الذي ربما مل من العبادة فعصى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله على بصيرة! وقد سمعنا بأناس عجباً لشأنهم تجده يتقرب إلى الله بما ليس من أسباب القربة، التقرب إلى الله يكون بما شرع الله جل وعلا.
أيضاً إذا انتشر الفساد وكثر الخنا والخبث فإن ذلك من علامات الهلاك، قالت عائشة: (أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟ قال: نعم.
إذا كثر الخبث) والخبث هو الزنا ودواعيه، فإذا رأيتم البلاد ينتشر فيها ما يدعو ويقرب إلى الزنا، ويتيح الاتصال الممنوع بين الرجال والنساء عبر كل صعيدٍ ومجال فذلك نذير الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله! ومن علامات الهلاك: ترك الإنفاق في سبيل الله، كان الصحابة في غزوة فحمل أحد المسلمين على الروم، فقال الناس: أما هذا فألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري: نزلت فينا نحن معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه؛ كنا أهل ضياعٍ وزراعة، فقلنا: لو عدنا إلى زراعتنا وضياعنا، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥].
إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فاعلم أنها من علامات الهلاك، إذا وقف الصائح يصيح تبرعوا للمسلمين الذين ذبحوا ذبح الشياه، تبرعوا للبوسنة والهرسك تبرعوا لـ أفغانستان، تبرعوا لـ كشمير، تبرعوا للفليبين، تبرعوا لـ بورما، تبرعوا لـ أرومو، تبرعوا لكذا، ورأيت الناس يمرون معرضين لا يبالون، وإذا نظروا إليه يبيع أحذية بريالين سارعوا إليه معرضين عن الإنفاق في سبيل الله مقبلين على عرضٍ تافه من الدنيا حقير.
فهي خطيرة جداً ومن الذي يدعى إلى ذلك إلا الذي يجد فضلاً من المال، أما الذي لا يجد إلا ما يكفي نفسه وأولاده فلا حرج عليه: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة:٩١].
стр. 1630
من أسباب الهلاك: وجود أئمة الضلال
من المصرين على الهلاك أولئك الذين يَضلون ويُضلون وينهون عن الحق وينئون عنه، أولئك الذين يحملون أوزارهم ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون، مجموعة علمانيون يجلس بعضهم يقول: اللحى سبب التخلف الثياب القصيرة سبب التخلف من يوم نظرنا هؤلاء (المطاوعة) ونحن نرجع عشر سنين إلى الوراء، يا أخي الحبيب! ولو حلق الناس لحاهم هل يستطيعون صنع طائرة؟ لو أسبل الناس ثيابهم هل يصنعون صاروخاً؟ سبحان الله! كأن اللحى هي التي منعت التقنية والتطور، كأن اتباع السنة في الثياب هو الذي منعنا من التقدم، وكأن بيننا وبين أن ننافس في صناعة القنبلة الذرية إلا أن نشتري في كل بيتٍ طبلةً وعوداً وبثاً مباشراً، سبحان الله العلي العظيم! إذا كان -كما يقول العلمانيون وأذنابهم- هؤلاء المتدينون المتشددون المعقدون هم سبب التخلف والتمدن، ففي المقابل سيكون الفن والسينما وما أدراك ما تحت هذه الأسماء من أسباب التقدم، هل رأينا شيئاً؟! الدول تدخل في حروب فحينما يشتد حمى الحرب، فهل نذهب ونرسل ثلاثين فناناً وثلاثين طبالة على الحدود من أجل أن يرجع العدو؟! لا.
لا ينفع إلا جندي في قوة، ويقاتل على عقيدة وفي سبيل الله، وعالِمٌ يثبت بقال الله وقال رسوله، ويعد الناس إن صدقوا وجاهدوا لتكون كلمة الله هي العليا بالجنة، هذا الذي يدفع عن البلاد الشر.
أحياناً أجلس في مجالس وقد لا أعرف فيها، بل أُعد من عامة الناس بفضل الله جل وعلا، أحضر مجلساً بدون (بشت) وبدون شيء وأجلس، وأستمع فيأتيك شخص يقول: والله -يا أخي- هؤلاء المعقدون هؤلاء (المطاوعة) والله لا يدرون ما في الدنيا، هؤلاء الملتحون هم سبب التخلف، أقول: الذين عصوا وعاندوا هل هم الذين قدموا للأمة الخير؟ ماذا قدم مجموعة من أولئك الذين أخذوا ينتقدون الدين والمتدينين والأصوليين ولا همَّ لهم إلا: الهيئة فعلت الهيئة طاردت الهيئة لاحقت شخصاً، والهيئة شخص قفز من السور ومات، والهيئة والهيئة؟! يا أحباب: هل تظنون أننا إذا حلقنا لحانا سوف نتقدم؟! وهل إذا أسبلنا الثياب سوف نتقدم؟! وإذا عصينا الله سوف نتقدم؟ والله ما يزيدنا ذلك إلا هلاكاً: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
قال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) لقد عرفنا أناساً أهل ذنوب ومعاصي لكن إذا تلكم علماء الدين والشباب الذين يدعون إلى الدين ورقعته قبلوا ذلك، نعم.
سيجارته في جيبه لكن كل شيء يهون إلا الدين فلا يترك أحداً يتعرض للدين وأهله، أنا صاحب معصية لكن إياك أن تتعرض للدين! فهذا ترجو له خيراً عظيماً، فذلك العاصي الذي يحب الصالحين ويحب الدعاة وأهل الخير، تسأل الله له بحبه الصالحين أن يمن عليه وأن يرزقه ويستر عليه، وأن يعينه ويعافيه ويهديه إلى التوبة، وربما يأتيك إنسان قد يكون ربما أقل ذنوباً ومعاصيَ، لكن يكره شيئاً له دين ومتدين، وكلمة حق، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، هذا فليبشر بالفضيحة، وليبشر بالمصيبة: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).
اللهم من أراد بنا فتنة فأشغله في نفسه، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، اللهم من أراد بنا وبعلمائنا وولاة أمرنا وحكامنا هلاكاً فأشغله بنفسه، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا ودعاتنا وحكامنا على طاعتك، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك بأعداء الصالحين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم من افترى عليهم فأخرس لسانه، وعطل أركانه، وأهلك بنانه ولسانه يا رب العالمين! اللهم إنك قلت: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) اللهم من عادى الصالحين بغضاً فيهم ومن عادى العلماء كرهاً لهم، ومن عادى الدعاة أشراً وبطراً وكبراً، اللهم أهلكه وخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! إنهم لا يعجزونك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام! ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين وصلى الله وسلم على محمد.
стр. 1631
الأسئلة
стр. 1632
السبيل الأمثل في البعد عن الملاهي
السؤال
ما هو السبيل الأمثل في البعد عن الملاهي والملذات التي توقع الإنسان في المعاصي والهلاك؟
الجواب
أول طريقٍ إلى ذلك التخلص؛ فالذي يريد أن يتخلص من الخمر لا يبقي عنده قوارير منه، والذي يريد أن يتخلص من المخدرات لا يبقي حبيبات فوق الرف، والذي يريد أن يتخلص من المجلات الخليعة يحرقها كاملة، والذي يريد أن يتخلص من الأغاني والصور الخليعة فعليه أن يحرقها جميعاً، هذا أمرٌ ينبغي أن ندركه، أنت كيف تتخلص من نفايات بيتك؟ تخرجها من البيت وترميها في الزبالة، فكذلك زبالة المعاصي وحثالة الذنوب تتخلص منها بإبعادها.
الأمر الثاني: بأن تبتعد أنت عن أهلها، لا تجالس أصحابها، ولا يعني ذلك أن تترك مجالسة أهل الشر وتبقى وحيداً، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، لكن عليك أن تبحث عن الأخيار وأن تجالسهم.
стр. 1633
خطاب يمنع توظيف النساء في ميادين عمل الرجال
أيضاً هذا خطاب يقول: إشارة لحالة سعادة وكيل وزارة الصحة المبني على إحالة معالي وزير الصحة لخطاب سماحة الشيخ ابن باز الرئيس العام للإفتاء والدعوة، المعطوف على ما جاء في اللائحة التنفيذية لنظام المؤسسات الطبية الخاصة للمادة (٢٧) فقرة (د) حول قيام بعض العيادات الخاصة بتوظيف نساء في الاستقبال يستقبلن الرجال والنساء في مرافق العيادات والتحدث معهن وهن متبرجات، وقد كثرت الشكاوى في هذا الجانب، وعليه فيجب مراعاة عدم توظيف النساء في ميادين عمل الرجال، كما يجب أن تكون العيادات غير مختلطة بين الرجال والنساء، مع التأكيد على منع التبرج والسفور من الموظفات والطبيبات، نأمل الاطلاع والتمشي بما جاء به.
مدير عام للشئون الصحية في منطقة الرياض الدكتور/ بدر بن عبد العزيز الربيع جزاه الله خير الجزاء وفرج عنه كل كربة، وصلى الله وسلم على محمد.
стр. 1634
المعوقون يتكلمون [١]
المعوقون والمعوقات طائفة منسية في المجتمع، وما أقل من يذكرهم، أو يتابع شئونهم أو يرصد أحوالهم، أو يتفقد حاجياتهم ومشاكلهم؛ لأنهم في اعتقاد بعض المفكرين عالة على المجتمع، وما علم هؤلاء أن الإعاقة الحقيقية في العقل وليس في البدن.
стр. 1635
مناط التكليف هو العقل وليس الجسد
الحمد لله على نعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة، نحمده سبحانه خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل خير سألناه أعطانا، نحمده سبحانه ونشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يفجره، نرجو رحمته ونخشى عذابه، إن عذابه الجد بالكفار ملحق، ونشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، واحدٌ في ربوبيته، واحدٌ في ألوهيته، واحدٌ في أسمائه وصفاته، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، لم يعلم سبيل خير إلا دل أمته عليه، ولم يعلم سبيل شر إلا حذر أمته منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، وذلك بالتمسك بأوامره، والانزجار عن زواجره ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين! حديثنا اليوم عن طائفة من أحبابنا وأبنائنا وإخواننا وأخواتنا يتقطع القلب حسرةً وألماً على ما هم فيه من الحال، ولكن قضاء الله وقدره بعباده جميلٌ ولو جهلنا حكمة ربنا فيه.
أيها الأحبة! حديثنا اليوم عن المعوقين والمعوقات من أبنائنا وبناتنا، وإخواننا وأخواتنا، أولئكم طائفة منسية من هذا المجتمع إلا من رحم الله، وما أقل من يذكرهم، أو يتابع شئونهم، أو يرصد أحوالهم، أو يتفقد حاجياتهم ومشاكلهم، وليس بدعاً، أو جدارةً، أو ذكاءً مني أن أطرقه بينكم، ولكن لما وجدته من إلحاح ومتابعة من طائفة من المعوقين من خلال رسائلهم واتصالاتهم الشخصية إلى حد قال لي فيه أحدهم: والله إن المشايخ لا يهتمون بنا، وإنهم هم أول الذين يحتقروننا، قلت: يا سبحان الله! ما الذي بلغك إلى هذا الحد حتى قلت هذا الكلام، أو أصدرت هذه الأحكام؟! فقال: لأننا منذ مدة طويلة نجتمع مع أمثالنا المعوقين، ونكتب حاجياتنا، ونرسلها إلى عدد من إخواننا، ولكن لا نجد من يلتفت لنا، أو يتفهم مشاكلنا، أو يتفقد حاجياتنا.
اعلموا -أيها الأحبة- أن الله جل وعلا جعل مناط التكليف العقل، فحيثما وجد العقل فالإنسان مكلفٌ بعقله، وإذا غاب العقل سقط التكليف، يقول ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل، وعن الصغير حتى يكبر، أو يبلغ).
وكل هذا فيه دلالة جلية واضحة على أن مناط ومتعلق الأمر والنهي هو العقل، فحيثما وجد العقل، فصحابه مكلف سواءً كان أعمى أي: لا يبصر بعينيه، أو كان مشلولاً، أو معوقاً، لأن مركز الاستجابة والاستقبال وهو العقل لا يزال حياً يقظاًَ نابضاً بتلقي وتفهم الأمر، فعند ذلك يكون صاحبه مكلفاً مهما كانت نوع إعاقته بالقدر الذي يستطيع العمل معه لقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
أيها الأحبة في الله! إذا علمنا ذلك، علمنا أن كل معوقٍ مطالب بالالتزام، ومطالبٌ بالاستقامة، ومطالبٌ بالمحافظة على الصلوات مع الجماعة بحسب استطاعته وقدرته، ومطالبٌ بالاستجابة لأمر الله في كل دقيق وجليل من أوامر الله جل وعلا ومناهيه، لا كما يظنه بعض النفسانيين أو التربويين الذين هم أجهل الناس بحقيقة علمهم، ولا أقول كل النفسانيين أو التربويين جهلاء، لكن أقول: إن الجهل يخص طائفة منهم أولئك الذين يعالجون المعوقين بالطبول والعزف والموسيقى والطرب وعرض أمور لا ترضي الله جل وعلا، ويقولون: هذا نوعٌ من العلاج النفسي، وهذا نوعٌ من العلاج التدريجي لأولئك المعوقين، نقول: ينبغي أن تعيدوا لأولئك المعوقين الثقة بأنفسهم، أعيدوا لهم الجدارة والقدرة، وأشعروهم بأنهم قادرون أن يفعلوا أشياء قد لا يفعلها كثيرٌ من الأصحاء السليمين، ألم يعلموا أن أحمد ياسين من قادة الانتفاضة في فلسطين وهو رجل مصابٌ بالشلل الثلاثي، أو الرباعي، ما عاقه شلله، وما ردته إعاقته من أن يكون عنصراً وقطباً محركاً محرضاً مجاهداً في فلسطين.
أولم يعلموا أن عمرو بن الجموح الأنصاري قبل أحمد ياسين وقبل غيره كان رجلاً أعرج، وأراد الدخول في معركة مع النبي ﷺ ، فقال له أبناؤه: إن الله أعذرك، فأنت من أهل الأعذار ﴿وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧] فغضب عليهم، وجاء إلى رسول الله ﷺ ، وقال: يا رسول الله! أولادي هؤلاء يردونني عن الجنة، والله لأطأن بعرجتي هذه الجنة يا رسول الله! فأذن له الرسول في الجهاد، فجاهد في سبيل الله، وصبر وثبت حتى قتل ﵁ وأرضاه.
ألم يعلموا أن كثيراً من علماء المسلمين وقادة الجهاد والمجاهدين لا يزالون على نوع إعاقةٍ، وما ردتهم إعاقتهم عن أن يمضوا في سبيل الله، وأن يقدموا لدين الله ما استطاعوا من جهودهم.
стр. 1636
النظر للمعوقين بنظرة الاستخفاف والعجز ونتائج ذلك
ينبغي أن ننظر إلى أولئك المعوقين نظرة الثقة، ونظرة الجدارة، ونظرة المسئولية، ونظرة الكفاءة بأنهم ليسوا من العاجزين، أو المخلفين، وكثيرٌ منهم يسرف في عبارات الخضوع والرحمة والانكسار إلى حد يجعل المعوق يضيق من نفسه، أحدهم يقول: والله لا يؤذيني معوقٌ من المعوقين، يقول: والله لا يؤذيني إلا مبالغة كثيرٍ من الناس في هذا الانكسار، وفي تلك العبارات التي يظنون أنهم بها يترحمون، وما علموا أنهم بها يكسرون الجدارة والقوة والكفاءة، نعم.
نحن ننظر والله لهم بعين نسأل الله معها أن يعينهم، وأن يرفع إعاقتهم، وننظر لهم -أيضاً- بأنهم عليهم نصيبٌ من مسئوليات مجتمعهم، ولا أقول إن كل المعوقين من الذين وقعوا في هذه الحال، بل منهم رجالٌ عرفناهم يعولون أسراً عديدة، ولهم أدوار بارزة بناءة في مجتمعاتهم.
لكن المصيبة في هذه الأيام مصيبة طائفة من الشباب المعوقين يشكون هذه الحالة، وهذه النظرة، وهذا الموقف الاجتماعي منهم، ما هي النتيجة؟ ما هي النتائج التي ظهرت من خلال هذا الموقف الاجتماعي من نظرتنا إلى المعوقين؟ لقد انعزل طائفة من المعوقين، والتف بعضهم حول بعض، وماذا تظنون -أيها الأحبة- أن تملأ اجتماعاتهم به؟ يقول صاحبنا هذا: والله إننا لنجلس، وقد يكون صاحب المنزل، أو المعوق الذي يضيفهم يدق نوعاً من الحبوب، فيمزجه بالشاي، فنشربه حتى يطرب، أو يتخدر طائفةٌ منهم، فقد وقعوا في المخدرات.
ومن خلال رسالته، ومقابلتي له شخصياً، واطلاعي على هذا الأمر، علمت أن صديقاً له من المعوقين نظر إلى مجتمعه نظرة البعد، ونظرة اليأس والقنوط من أن يفتح له المجتمع دوراً، أو مجالاً بارزاً بناءً، فآثر العزلة، ووقع في طلق المخدرات ومصيبتها، فأخذ يتناول حبوباً بيضاء، وما هي إلا مدةً يسيرةً حتى أدمنها جسمه، فتناول حبوباً حمراء حتى أدمنها جسمه، ثم أصبح يتناول أنواعاً من الحشيش وغيرها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما هي النهاية؟ لقد مات على هذه الحالة، مات وهو معوقٌ على هذه الحالة، وكثيرٌ من زملائه وأصدقائه لا يزالون يعانون من هذه المشكلة، يقسم بالله العلي العظيم، يخرج لي عصاه وعكازه الذي يتوكأ عليه، يقول: أرأيت هذا العكاز، والله إن من خلاله لتدخل مئات الحبات من المخدرات، وتدخل سجائر الحشيش، وتدخل أمور محرمة ممنوعة، وقد ينظر إلى هذا المعوق نظرةً بالغةً في الشفقة والرحمة، فيمر، ولا يقع في أيدي رجال الأمن، ولا ينتبه لما يوجد في عكازه، لست هنا أدعو إلى التشديد وسوء الظن بالمعوقين وتفتيش عكازاتهم.
ولكن أقول: اعلموا أن الالتفات عنهم، وعدم إعطائهم مكانتهم ومنزلتهم المناسبة في المجتمع جعلتهم يبحثون عن أمور أخرى حتى وقعوا في جحيم المخدرات، وما أدراك ما يقع بين بعض الشباب من المعوقين، ولا أعمهم، لأني أعرف منهم طائفةً من الصالحين، وطلبة العلم، والرجال الأكفاء، لقد اجتمع كثيرٌ منهم على مثل هذه المجالس مع ترك الصلاة والسباب والشتيمة، والجلوس على أفلام خليعة لمشاهدتها، وكثيرٌ ينظر إليهم بعين الرحمة والشفقة، يراه يقع في نوعٍ من المخدر، أو يقع في شرب الدخان، أو ينظر إلى الأفلام الخليعة، ويقول: هذا مسكين، هذا معوق.
إذا كنت تنظر إليه بعين الرحمة والمسكنة، فواجبك أن تشعره بدوره، وأن توقظه من غفلته، وأن تبوأه مكاناً مناسباً يزول عنه به تلك العقدة التي علقت به من نظرة مجتمعه إليه.
ووالله -أيها الأحبة- إن الحديث عن بعض الشباب المعوقين ليؤلم ألماً عظيماً إلى حدٍ يستحي الإنسان أن يذكر ما يدور بينهم، ولكن لم نجد ألذ من الصراحة، ولم نجد أسرع في العلاج من تشخيص المرض بصراحة: يقع كثيرٌ من بعض الشباب المعوقين حتى في اللواط والزنا -والعياذ بالله- والله لقد وقع كثيرٌ منهم في هذا، وبعضهم يلتف حول بعض، ويجالس بعض، فأصبحوا في بوتقة، وفي حلقة مفرغة مغلقة، لا يعلم كثيرٌ من رجال المجتمع ما يدور في أوساطهم، ولا يجدون من يدخل إليهم حتى ينظف دائرتهم وحلقتهم مما يدور بينهم فيها.
فيا أيها الأحبة! ينبغي أن ننظر إلى إخواننا المعوقين، وأن نلتفت لهم، وأن نعطيهم من أنفسنا، ومن وقتنا، ومن شفاعاتنا، ومن حاجياتهم التي نبذلها لهم، ومن كل سبيل نستطيع أن نشعرهم من خلاله أن لهم محبة ومكانة ودوراً عظيماً، لا كما يظنه الكثير منهم أن المعوق ليس واقفاً إلا للاستجداء والمكيدة وسؤال الناس عند أبواب المساجد.
أحدهم يقول: كنت ذات يوم في المسجد، فإذ برجل يخرج من جيبه ريالات، فيضعها في يدي، إلى هذا الحد تضاءل وتناقص الفكر والعقل عند بعضهم؛ إلى حد أنه يظن أن كل معوق فقير، ليس هذا هو النظر العاقل، وليس هذا هو الموقف المطلوب، بل المطلوب هو أن نشعرهم بمكانتهم، وعن المكانة التي يمكن أن يتبوءوها، وإذا كان بعضهم لم يجد سبيلاً يستطيع من خلاله أن ينفع المجتمع، فعلينا أن نقترح، وأن نبحث عن أساليب نستطيع أن نضعهم فيها في مواقع اجتماعيةٍ مناسبةٍ نرد إليهم بها ثقتهم بأنفسهم، ومكانتهم، ونظرات المجتمع إليهم العادلة، لا كما وقع الآن من كثير من الناس بنظرة كلها انكسار وخضوع وشفقة متناهية، فالغلط أن ينظر إليهم بهذه العين حتى أصبح بعض الذين يعنون بشئونهم لا يرون علاجاً لهم إلا بالموسيقى وبالطبول وبالزمر ونحو ذلك.
آلمني ذات يومٍ ما رأيته في مجلة في مقابلة لأحد المعوقين بماذا برز؟ بماذا تفنن؟ أخرجوه وهو يضرب عوداً، ويدق أوتاراً، أهذا نموذج للمعوقين أن يظهر بين الشباب، لماذا لا نظهر معوقاً مخترعاً؟ لماذا لا نظهر معوقاً من طلبة العلم؟ هو معوقٌ، ولكن الأصحاء حوله جلوسٌ يستمعون إلى علمه، لماذا لا نظهر معوقاً له الدور البناء؟ نستطيع أن نجد آلاف ومئات المجالات التي نظهر ونبرز ونعيد الثقة لهم فيها، لا كما يظنه البعض نظراً لحالتهم الاجتماعية المرتبطة بالأحوال النفسية لا نجد لهم إلا الرسم التشكيلي، والفنون التشكيلية، والطبول والزمر، ونحو ذلك.
ليس هذا بعلاج للمعوقين، وليست هذه بخطة عمل للمعوقين، بل العلاج والخطة المناسبة أن تشعرهم أن مناط التكليف عقولهم، وليس مناط التكليف هو الرجل، أو اليد، أو العين، أو السمع، لقد سرني ما رأيته ذات يومٍ في نادي معهد الأمل للصم والبكم أن وجد عشرات عديدة من الشباب الصم والبكم عليهم سيم الالتزام في لحاهم، وفي ثيابهم، وفي سمتهم، وفي صلاتهم، بسبب شباب -أسأل الله أن يجعل جهودهم في موازينهم- دخلوا بين هؤلاء الصم، وفهموا إشاراتهم وعباراتهم، ووجدوا في صفوفهم حتى ظهر هذا الالتزام، وظهرت هذه الصحوة حتى بين الذين يشكون الصمم والبكم.
فمن الذي يكون لأولئك المعوقين، ويدخل مجتمعاتهم، ويخالطهم، ويعيد إليهم الثقة بأنفسهم حتى يشعل صحوة في الاستجابة والاستقامة لأمر الله جل وعلا؟ إن أوامر الله عامة، وليست تستثني من فقد عيناً، أو رجلاً، أو يداً، بل إنها تخاطب من له عقل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك:٢٣] الآيات كثيرة التي تبين وتظهر أن مناط الأمر والاستجابة والتكليف والنهي هو العقل والقلب، وليست هي اليد والرجل.
أسأل الله أن يعافيهم، وأن يشفيهم، وأن يردهم إلى الحق رداً جميلاً، وأن يرينا من بينهم العلماء وطلبة العلم، والمجاهدين والمفكرين والمخترعين؛ إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1637
من مشاكل المعاقين
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة! إن مما يشكوه، بل إن أشد ما يعانيه إخوانكم المعوقون نظرة محجمة منصرفة معارضة من القرب والدنو منهم ألا وهي: مشكلة زواجهم، مشكلة الزواج عند المعوقين من أعظم المشاكل -أيها الإخوة- كثيرٌ منهم وأكثر ما وصلني من رسائلهم أنهم لا يجدون من يزوجهم، أتدرون ما الحل؟ ما هو البديل؟ أليسوا بشراً؟ أليس لهم شهوة وغريزة؟ بل إن بعضهم ليكون أشد شهوة وغريزة ممن نراهم أمامنا من الأصحاء والأقوياء، إنهم يعانون من هذه المشكلة، ولا يجدون من يزوجهم، وإذا تقدم أحدهم رد ولم يزوج.
ولا أقول: إن بوسع كل واحد أن يكره، أو يجبر ابنته على أن تتزوج منهم، ولكن ما الأمر برجل عنده ابنة معوقة، وفتاة معوقة، فإذا خطبها شابٌ معوقٌ رده، ولم يسأل ابنته، ولم يعرض الأمر عليها، ينتظر رجلاً سوياً صحيحاً يأتي ليخطبها، إذا تقدم لابنتك نصيب، وما أكثر البنات اللائي يرضين! ولو بمعوق خير لهن من أن يبقين عانسات بلا أزواج، لو أن الأب عرض الأمر عليهم؟ والله قال لي واحد منهم: التمس لي زوجةً جزاك الله خيراً , ولو كانت أكبر مني، ولو كانت معوقةً، ولو كان فيها الذي فيها، أريد أن أتعفف بالحلال، ثم أخرج لي بطاقته بطاقة التخفيض للمعوقين، إذا سكن فندقاً يخفض له نصف التكلفة، وإذا صعد طائرة يخفض له نصف التذكرة، وإذا نزل مكاناً فيه رسوم رسمية يخفض له نصف ذلك، قال: اعلم أن هذا هو البديل، اعلم أن أمثالي من زملائي كثيرون لم يجدوا بديلاً إلا بطاقة المعوق المخفضة، قلت: وكيف تكون البطاقة بديلاً؟ قال: السفر إلى البلاد الفلانية، فأفخر الفنادق نسكنها بنصف الأجرة، وما نطلبه من البغاء والشراب، وغير ذلك يبذل بنصف التكلفة، هذا هو البديل يا عباد الله.
إذا أجرمنا في حقهم، قدناهم وسقناهم واضطررناهم إلى الوقوع في أوحال المعصية، لماذا لا يزوجون؟ لماذا لا يوجد من يهتم ويعتني بأمرهم؟ أليس في المجتمع فتيات معوقات؟ بلى والله، ما الذي يمنع أن تقوم طائفة من الصالحين بالتنسيق مع دائرة رسمية بحصر المعوقين والمعوقات، أو من يرغبون الانتساب والانضمام إلى هذه المؤسسة، أو هذا المكتب؟ لا لغرض تعليمهم الموسيقى والفنون التشكيلية، لا.
بل لتزويجهم، وهو يعانون أكبر المشاكل من الزواج، يعانون من ذلك أعظم المشاكل، والكثير منهم أصبح يائساً من مجتمعه حتى أن بعضهم يقول لأحد الصالحين منهم: أنت أشغلتنا بالشيخ فلان وعلان، لو كان في أولئك خير، لتناولوك أو تحدثوا عنك أو التفتوا لك، تعال واشرب، ويقسم بالله العلي العظيم أنه أرسل رسالة إلى أحدهم، قال: فرد لي الرسالة وفي داخلها حبوب مخدرات، هذا جواب الرسالة، جواب الرسالة ظرف فارغ إلا من الحبوب المخدرة، يعني: بلسان الحال، لا بلسان المقال، الجواب ما ترى لا ما تسمع، الجواب هو: الانحراف، الجواب هو: الغفلة، الجواب هو: الضلالة، ووالله لو تلطف بعض الشباب في الدخول إلى أوساطهم ومجتمعاتهم، لوجدوا خيراً عظيماً فيهم، ولاستطاعوا أن يوجدوا من أولئك المعوقين قادةً من الدعاة إلى الله جل وعلا، ليس العمل للإسلام محصورٌ للجهاد في أفغانستان، أو محصور في المنابر، أو محصور في الوعظ والإرشاد في المساجد، أو محصور في الخطب والمحاضرات.
إن العناية بأمثال المعوقين، ودراسة أحوالهم، وتتبع مشاكلهم-والله- لمن أعظم وجوه الدعوة إلى الله، والعمل لدين الله.
فيا أيها الأحبة! من عرف معوقاً فليساعده، وليكن نعم العون له على طاعة الله جل وعلا، لا أن يكون معيناً له على سفرٍ، أو غفلةٍ، أو لهوٍ، أو ضياعٍ، بل كن معيناً له في تفقد حاجته، في البحث له عن زوجة، توجد لهم سيارات تناسب قدرتهم بدلاً من الأجهزة التي تعتمد على الأقدام في القيادة وعلى الأيدي، وأعرف كثيراً منهم وهم معوقون يسوقون السيارات ويقودونها، توجد سيارات من هذا النوع- وأنتم تعلمونها- بعضهم يحتاج إليها فلا يستطيع أن يجمع قيمتها، ينظر المجتمع إلى هذا المعوق، سيارته عكازته، إذا زوجناه، لا يستطيع أن يذهب بابنتنا، أو يأتي بها، من الذي يصرف عليه؟ من الذي ينفق عليه؟ والله لو أن القلوب فيها رحمة وشفقة، لوجد المعوق من يزوجه ويصرف عليه وينفق عليه ابتغاء ما عند الله، ولا أقول إن المجتمع قد خلا من المعوقات، الكثير منهم يقولون: نحن لا نريد ملكات الجمال، نحن لا نريد شروطاً في زوجاتنا، نريد زوجة ولو معوقة مثلنا، لكن الكثير يرفضون تزويجنا، ومنهم من قال: حتى إني طلبت أن أتزوج من الخارج، فرفض أهلي وجماعتي، لأن هذا ليس من طريقتنا، أو من عاداتنا، فإذا كان من عادتكم ألا تزوجوا معوقاً، وليس من عادتكم ألا يتزوج من الخارج، ماذا يفعل؟ أينتحر المعوق؟ لا بد أن تلبى حاجته، لا بد أن تفرغ شهوته في قالب شرعي غريزي فطري مناسب ألا وهو بالزواج، فأعينوهم وتفهموا مشاكلهم.
ويا معاشر الدعاة! يا معاشر الشباب عليكم بجبهة المعوقين، اقتحموها وادخلوها، وانظروا ماذا يدور بينهم؟ أصلحوا شأنهم وأحوالهم، ووالله لو توغلتم في داخل ما يدور بهم، لوجدتم ما تشيب له الرءوس من المصائب التي يقعون فيها.
أسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1638
المعوقون يتكلمون [٢]
من ابتلاه الله ببلية ثم صبر، وعلم أن الله رءوف بعباده، ولولا رحمة الله ورأفته بعباده لما قدر عليه ذلك، ثم سلَّم الأمر والحكمة لله جل وعلا - كان هذا من أجلِّ وأعظم أنواع التوحيد الذي لصاحبه عند الله مكانة عظيمة وأجر عظيم، وديننا الإسلامي قد أوصانا بالمعاقين، وأخبرنا أن في مساعدتهم أجراً لنا وصدقة، بخلاف الأديان الأخرى، فإنها تعتبرهم عضواً غير فعال في المجتمع، لا يجب الاهتمام بهم ورعايتهم، ومن الأشياء التي تحدث عنها الشيخ: المعاقات، وما هي أهم مشاكلهن في المجتمع
стр. 1639
كل ابتلاء من الله فيه حكمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً.
معاشر المؤمنين! كان الحديث في الجمعة الماضية عن المعوقين ونظرة المجتمع إليهم، وموقفهم من ذلك، وما ينبغي نحوهم، ولهم وعليهم، واليوم الحديث عن المعوقات ومشاكلهن -والله- أعظم أثراً وثقلاً على النفس من مشاكل المعوقين؛ لأن المعوق -الذكر- قد يتحرك يمنة ويسرة، وقد يذهب ويجيء، ويغدو ويروح، أما المعوقة، فطائر مكسور جناحاه.
فيا عباد الله! قبل أن نخوض في هذا الحديث ينبغي أن نقف وقفة متأملة، ألا وهي أن الإسلام نظر إلى من ابتلي ببلية نظرة فيها وعد جزيل بالثواب لمن صبر واحتسب على ذلك، أليس الله جل وعلا يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧] فمن ابتلي ببلية أياً كانت، أو إعاقة أياً كانت، ثم صبر واحتسب الأجر من الله على ذلك، فعليه من ربه صلوات ورحمة، وله من ربه الفوز والهداية، أليس الله جل وعلا يقول في شأن من صبر على ما ابتلي به: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
فمن رأى بلية الله فيه، ومن رأى ابتلاء الله له جل وعلا، ثم صبر وعلم أن الله رءوف بعباده، ولولا رحمة الله ورأفته بعباده لما قدر عليه ذلك، ثم سلم الأمر والحكمة لله جل وعلا، لكان هذا من أجل وأعظم أنواع التوحيد الذي لصاحبه عند الله مكانة عظيمة وأجر عظيم.
يقول النبي ﷺ في الحديث القدسي عن ربه: (من أخذت حبيبتيه -أي: عينيه- فصبر واحتسب، لم أجد له جزاءً إلا الجنة) الله أكبر يا عباد الله! الله أعلم بك، وأعلم بما يسرك، وأعلم بما ينفعك، وآتاك بمقدار فيه خيرك وصلاحك وهدايتك، ثم يأمرك بالصبر على ذلك، وبعد ذلك يعدك بالجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر من النعيم المقيم.
إن الله جل وعلا ما قدر أمراً من المقادير إلا وللعباد فيه مصلحة، ووالله كم من شخص يتمنى أنه لم يبتل ببلية، ولو سلم من هذه البلية التي قدرها الله جل وعلا، فقد يكون له شأن آخر من الضلال، أو الغواية، ولكن لحكمة وتقدير وتدبير ينبغي أن يسلمها العبد لربه جل وعلا، وإذا رأى عافيةً، أو تحسناً، أو صحةً، أو مزيداً، فذاك تقديرٌ وتدبيرٌ من الله فهذا ينبغي أن يتمثله كل واحدٍ منا، وليس منا في هذه الدنيا إلا مبتلى سواءً كانت بلية ظاهرة، أو بلية باطنة ليجعل الله جل وعلا لنا هذه الدنيا داراً ننظر منها إلى الأكدار وما ينغص ملذاتها، فتكون طمعاً إلى دار لا ينكدها، ولا ينغصها شيء.
ما أضيق العيش ما دامت منغصةً لذاته بادكار الموت والهرمِ
وهذه الدنيا ليس يخلو أحدٌ فيها من بلية، أو ابتلاء، أو امتحان أياً كان هذا النوع، ظاهراً وباطناً، ولله جل وعلا في ذلك حكمة، وفي قصة أهل الكهف مما يدل على أن تقدير الله في المصيبة سواءً كانت في النفس، أو في المال، أو في غير ذلك، إنما هي لحكمة ربانية عظيمة، أليس الخضر لما ركب السفينة، خرقها، فقال له موسى: ما هذا الذي أحدثته؟ هذه مصيبة على أصحاب السفينة ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف:٧١] إن هذا لأمرٌ عظيمٌ جداً، فقال له الخضر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٦٧] ثم إنه مر على قرية، أو مكان فيه صبية، فأخذ واحداً منهم، ثم قتله وأزهق روحه، فعجب موسى من ذلك، فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٤ - ٧٥] ثم لما أراد أن يبين له جميع ما عجز عن الصبر عليه، قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٩]، وفي قراءة: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً).
انظروا -يا عباد الله- أي الأمرين أعظم أن تخرق السفينة، فيمنع ذلك الظالم الغاشم عن مصادرتها وأخذها، أو تترك السفينة، ثم يأخذها ويدع المساكين بلا سفينة أبداً.
إذاً: فمصلحة المصيبة في خرق السفينة كانت أولى وأعظم وأجل من ترك السفينة صالحة، فهذا قدر من أقدار الله يفضي إلى الرضا، ويفضي إلى معرفة عين الحكمة، ودقة وجليل الصواب، والرحمة بأولئك الذين كان لهم الأمر والشأن، وأما الغلام الذي أزهقت روحه، فجاء بيان أمره ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١] فكانت مصلحة قتل هذا الغلام خيرٌ من أن يبقى، فيكون سبب فتنةٍ أي: كفرٍ على أمه وأبيه، والفتنة أشد من القتل، والكفر أشد من القتل، فكان مصلحة قتله فيها، وكان قدر قتله، أو تقدير إزهاق روحه فيها عين الرحمة، والصواب بالأم والأب وما نسل منهما من الذرية.
وهكذا فكل مصيبة نحن فيها سواءً كانت أمراضاً باطنيةً، أو عللاً ظاهرةً، والله، ثم والله، ثم والله إنها لعين العدل، وعين الحكمة، وعين الرحمة، والله جل وعلا أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا فما قدر لنا شيئاً إلا وفيه مصلحة عظيمة.
لما كان النبي ﷺ راجعاً من معركة حنين، ومعه سبي هوازن، حصل لهم من السبي شيء كثير من الشاء والنعم والأطفال والنساء، فبينما هم كذلك -وقد أعطى كل سائل ما أعطى وطلب- بينما هم كذلك إذ جاءت امرأة تركض من بين السبي، ثم أخذت وليداً من بين السبي، فضمته إلى صدرها، وأخرجت ثديها أمام الناس، وألقمت ثديها في فم الصبي، فقال ﷺ : (أتظنون أن هذه تلقي بولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! فقال ﷺ : لله أرحم بعبده من هذه بولدها).
إذاً: فمن عين رحمة الله، وعين تدبير الله وتقدير الله أن قدر على العباد ما قدر، وكثيراً ما جاء من يسأل النبي ﷺ الشفاء والعافية من البلية، فيقول له النبي ﷺ : (إن شئت، دعوت لك فشفيت، وإن شئت صبرت، ولك الجنة) وجاءت المرأة التي تصرع، فتتكشف، وقالت: (يا رسول الله! إني أصرع وأتكشف، فادع الله لي، فقال: إن شئت دعوت الله لكِ فشفيت، وإن شئت، صبرتِ ولك الجنة، قالت: أصبر يا رسول الله! ولكن ادع لي ألا أتكشف) فدعا لها ألا تتكشف، فصبرت حتى تنال الجنة، وأجيبت دعوة المصطفى أن إذا أتاها الصرع، أو ابتليت به أنها لا تنكشف عورتها.
стр. 1640
الفرق بين الإسلام والأديان الأخرى في النظر للمعوقين والفقراء
نظرة الإسلام لمن ابتلي بشيء من هذه البلايا أنه عين الرحمة، وعين القدر واللطف، وعين العدل من الله جل وعلا، لا كما ينظر إليه اليهود والملاحدة والنازية الذين قال زعيمهم هتلر: ينبغي أن نحرق كل من ليس للمجتمع منه نفع في الأفران ونصهرهم حتى لا يكونوا عبئاً على المجتمعات، هذه نظرة النازية، ونظرة الشيوعية، ينبغي أن يزهق كل من ليس للمجتمع فيه نفع أبداً، ويقول أحد مفكري اليهود -وليس من مفكريهم، بل هو والله من معتوهيهم ولو كان مفكراً، لهداه فكره إلى الإسلام- يقول: ينبغي ألا نتصدق على الفقراء، لأننا إذا تصدقنا عليهم، قادهم ذلك إلى النكاح فتزوجوا، ثم انتشرت ذرية فقيرة، ومن بين هذه الذرية ذريات أخرى، فتعظم مشكلة الفقر، فعلى ذلك ينبغي أن يترك الفقراء، ولا يتصدق عليهم حتى يموتوا ويبقى المجتمع في طبقة تنال كفايتها ورفاهيتها وجميع احتياجاتها.
هذه مفرزات الحضارة الغربية، وهذه مفرزات المذاهب الإلحادية، الله أكبر على دين الإسلام العظيم الذي جعل لكل مسلم صغيراً أو كبيراً، سليماً أو غير ذلك، جعل له منزلة ومكانة عظيمة عند الله، بل إن النبي ﷺ جاءه العتاب يوم أن انصرف عن رجل كفيف جاء يسأله والنبي ﷺ كان مشغولاً بصناديد قريش طمعاً في إسلامهم ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] انشغلت، أو تجهمت، أو تكشرت قليلاً يوم أن جاءك الأعمى طمعاً في إسلام أولئك من الصناديد وغيرهم.
هذا خطاب رباني من الله لنبيه ﷺ أن تكون العناية بأولئك عناية عظيمة، وحاشا النبي ﷺ أن يحتقر معوقاً، أو غير ذلك، ولكن كان يطمع أن يلتفت إلى هذا الكفيف في وقت آخر، وهو مشغول بإسلام صناديد قريش، وكبار رجالاتها، فجاء العتاب، وجاء التعقيب سريعاً ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤] أما صناديد قريش ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس:٥ - ٧] هذا من معجزات ومبينات، ومن موقنات هذا الدين العظيم أن لنا فيه أعظم السعادة، وأجل الرفعة والكرامة لكل فرد من أفراد هذا المجتمع.
أيها الأحبة! هذه نظرة الإسلام إلى المعوقين، وإن كان في النفس شيء أن يسموا معوقين، بل هم-والله- رجالات المجتمع، ومنهم قادة الأمة، أليس رجلٌ قد أعيق في أطرافه الأربعة بشلل رباعي، ليس فيه إلا رأسه يهدد دولة تملك القنابل الذرية، رجلٌ معوقٌ يهدد دولة إسرائيل، وقدم، أو سيقدم للمحاكمة في فلسطين وهو أحمد ياسين الذي نسب إليه القتل، وكيف يقتل من ليس له يدٌ يبطش بها، أو رجلٌ يمشي عليها؟ شلله رباعي، ويحاكم من اليهود بتهمة القتل، والله لقد قتلهم بإيمانه وبصبره وبثباته وبتحريضه للمؤمنين على القتال.
نعم -أيها الأحبة- فنحن لا نرضى أن ينسب لمسلم أياً كان نوع البلاء الذي ابتلاه الله به، لا نرضى أن ينسب له ضعف، أو نقص، أو عجز، بل له مكانة، وله منزلة، وله كرامة، وله قيادة، وله شأن عظيم، ولو عرف قدر نفسه وقدر تكريم الإسلام له لتبوأ منزلةً مناسبةً، ولكان أعظم من مئات الأصحاء.
والناس ألفٌ منهمُ كواحدٍ وواحدٌ كالألفِ إن أمر عنى
لرب معوقٍ خير من آلاف القاعدين الجبناء الضالين المنشغلين عن عبادة ربهم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1641
المعوقات
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراًَ.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتُها، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة: كما وعدنا في صدر هذه الخطبة أن يكون الحديث عن المعوقات، فهذا أوان الشروع في المقصود.
عباد الله! إن في مجتمعنا أولياء ظلمة، إن في هذه الأمة من أولياء المعوقات -والله- ينسبون إلى الظلم والظلمة، ألا يخشون الله فيما بين أيديهم من المعوقات؟ ولم أبحث معكم، أو أتكلم به أمامكم إلا بعد اتصال بعدد من المعوقين والمعوقات، وأخبرتكم في الجمعة الماضية ما الذي يفعله بعضهم، أو يشكو منه بعضهم تجاه مشاكله وإعاقته، واليوم اسمعوا إلى فتاة لها معونة سنوية من الدولة -أعزها الله- أبوها ووليها يصادرها ويأخذها في شهواته وملذاته، قد يقول قائل: أنت ومالك لأبيك، وأقول: إن شأن من ابتلي ببلية، وأعطي وليه مكافأة، أو معونة لتحسين حاله ينبغي أن يثمرها، وأن ينميها في عقار، أو في أسهم شرعية، أو في تجارة مناسبة حتى ينمو هذا لصاحبه، فإذا يسر الله له يوماً من الأيام زواجاً، أو حظاً مباركاً، كان له من المال -والله هو الرزاق ذو القوة المتين- كان له من المال ما يعينه على نفسه، لا أن يأكلها الأب، ويراها مناخاً أو شرهةً، أو عادةً يأكلها، وبين يديه من ابتلي ببلية في يده، أو قدمه، أو شيء من التخلف في مستوى ذكائه، ولا ينفقها لأجل تحسين تعليمه وتربيته، هذا -والله- من الظلم، وهذا لا يجوز أبداً.
كذلك -أيها الأحبة- فتاة معوقة تشكو أن أباها لم يعرض عليها أمر الزواج أبداً، وهي تعلم أنه يتقدم إليها من المعوقين من يرغب الزواج منها، وأبوها يرفض أن يزوجها، ما دامت رغبت هذا الحظ والنصيب فما الذي يجعلك تردعها وتمنعها؟ أتحرمها أن تتزوج فيدور عامٌ أو عامان، فتنجب طفلاً أو طفلةً صحيحةً سويةً سليمةً، وما أسرع مرور الأيام والأعوام، ثم يكون هذا الطفل شاباً جلداً يرعاها ويتولاها، وينفق عليها؟ أتظن أن هناك ما يمنعك من تزويجها؟ والله إن من كانت عنده كهذه، فرغب من الزواج منها فمنعها بحجة أن من تقدم إليها ليس سوياً كامل البنية، فإنه آثمٌ آثمٌ آثم، لا يجوز فعله، وابنته حجيجته أمام الله، فلينظر مظلمتها، وما تأخذ من حسناته، أو تعطيه من سيئاتها.
كذلك -يا عباد الله- ينبغي للأولياء من كانت عنده بنية معوقة أن يتلطف، وأن يبحث لها عن زوجٍ، ينبغي أن يحمل همها وشأنها، لا أن يكون قصارى همه وجهده أن يجعل لها عربية في البيت، أو يجعل لها حجرة مستقلة، فيضع التلفاز أمامها، وأنواع الفيديو بأنواعها، ثم يقول: ما قصرت معها، وأمامها كل المغريات، وكل وسائل الترفيه، والله لقد قتلتها فوق أمرها، ولقد ذبحتها فوق ذبحتها، والله ثم والله إنك لا تزيدها إلا هلاكاً، وإن من واجبك أن تبحث لها عن زوج حتى لو كانت ثانية وثالثة.
واعجبوا -يا عباد الله- إلى الطوائف المنحرفة والمذاهب الضالة الذين يزوجون المعتوهين والسفهاء والمجانين، يزوجونهم العوانس وكبيرات السن اللائي لم يتقدم لهن أحد، يقولون: هذا معتوه، لكن يخرج من نسله صحيح سوي، وهذه مجنونة، ويخرج من نسلها صحيح سوي، ويكاثرون أمة السنة، ويكاثرون أمة العقيدة والتوحيد يريدون أن يكونوا أكثر منهم بأي سبيل وأسلوب حتى ولو بتزويج السفهاء والمجانين والمعتوهين وكبار السن، وغير ذلك.
فنحن -يا عباد الله- انطلاقاً من أمر الله لنا، ورحمةً بإخواننا، وذكراً للفضل بيننا ينبغي أن ننتبه للمعوقات في مجتمعنا، وأن نسعى بكل ما نستطيعه بتيسير شئون زواجهن، وترتيب ذلك، وتقريب وجهات النظر بين من يبحث عن زوجة، وبين من تبحث عن زوج، فنقرب هذا من هذا، وإن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، وينبغي أن نجمع لهم ما تجود به الأنفس، وتطيب به الخواطر، فنهيئ لهم المكان والسكن والوسائل المناسبة لخدمتهم ورعايتهم حتى يأتي اليوم الذي تنشأ فيه ذريتهم، فيقوموا بخدمتهم وعنايتهم.
أما أن نظن أن قصارى همنا وجهدنا أن نعلمهم الطبل والزمر، وأن نخرج لهم الأفلام والمسلسلات، ونقول: إنا قد قمنا بحقوق المعوقين علينا، فما-والله- قمنا بحقٍ، بل بذلنا لهم بلاءً إن نحن فعلنا ذلك، وغفلنا عن تربيتهم وتوجيههم على الإسلام، والله ثم والله إنه يندر أن تجد من يفهم الفكرة الإسلامية الصحيحة في مسألة البلاء والامتحان، أو قضاء الله وقدره، فتراه راضياً مطمئناً، بل أكثرهم تجدهم من الساخطين على المجتمع، أو من الساخطات على المجتمع، ولو كان جل ما تعلموا أو نشئوا عليه أن يعلموا أولاً وبادئ ذي بدء أن قدر الله حكمةٌ وعدلٌ، ولطفٌ ورحمةٌ، وأن هذا عين الرحمة من الله بهم، لكان أول ما نرى منهم الرضا، والاستعداد، والإيجابية في كل مجال يعرض عليهم، لكن نظن أنهم بحاجة إلى اللهو والطرب، أو بحاجة إلى أن ننسيهم واقعهم، لا والله، بل يتذكروا أنفسهم ويتلذذوا بهذه المنحة.
يقول أحد مفكري الإسلام: ومن عرف ربه، وعرف ثواب ربه، تكون المحنة عنده منحة، يوم أن نعلمهم هذا تكون البلية بالنسبة لهم نعمة وشهادة وشفاعة، ويكونون بها أقرب إلى دخول الجنة من غيرهم، هذا هو الفكر والعلم الذي ينبغي أن يعمق في أذهانهم بعد التوحيد بادئ ذي بدء.
أسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع إلى ما يرضيه، وأسأله أن يوفق من له ولدٌ معوقٌ، أو ابنةٌ معوقةٌ إلى تنشئتهم وتربيتهم وتعليمهم وتزويجهم، والعناية بهم حتى يكون لهم أكبر الأثر وأطيب المكانة في أنفسهم ومجتمعاتهم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح مضغة قلبه، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلح جلساءه، اللهم قرب منه من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، واجمع اللهم شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين! وسخر اللهم لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، ربنا لا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، ولا تفرح علينا ولا عليهم عدواً.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم وحد صفهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم فك أسرهم، اللهم انصرهم بنصرك، وأيدهم بتأييدك، وأهلك أعداءهم يا جبار السماوات والأرض، فإنهم لا يعجزونك.
اللهم انصر المجاهدين في الفليبين، اللهم انصر المجاهدين في أثيوبيا، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم أقم علم الجهاد في جميع دول العالم الإسلامي المغتصبة، اللهم أقم علم الجهاد، ورد بلدان المسلمين إلى حوزتهم، اللهم أقم علم الجهاد في قعر ديار الكفار، وأهلك الظالمين بالظالمين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين.
اللهم اهد شبابنا، اللهم أرنا فيهم خيراً مما نرجو، اللهم أرنا فيهم ما يرضيك ويسرنا ويثلج صدور المسلمين أجمعين، اللهم وفقهم واعصمهم، وأصلح جلساءهم، واهدهم يا رب العالمين! اللهم اهد بناتنا، واستر زوجاتنا، اللهم جنبهن الاختلاط والتبرج والسفور والتبذل، اللهم اجعلهن خير الأمهات لهذا الجيل يا أرحم الراحمين! اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1642
إمام الهدى
إن لنا في المصطفى ﷺ عبرة وعظة، واقتداءً وتأسياً، فلذلك ذكرت كتب السير عن أخلاقه وحلمه وتواضعه وعيشه وحياته ووفاته الشيء الكثير، ولم يبق إلا أن نتدارس سيرته ونتعلمها ونطبقها، ونجعل نبينا لنا أسوة حسنة حتى ننال الأجر العظيم عند الله سبحانه في الدنيا والآخرة.
стр. 1643
خلق النبي ﷺ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في مستهل هذا اللقاء أسأل الله أن يكون اجتماعنا وإياكم مرحوماً، وتفرقنا من بعده معصوماً، وألا يجعل فينا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً.
والحديث عن إمام الهدى، وما أدراك ما إمام الهدى! ذاك محمد بن عبد الله ﷺ الذي بصر الله به عيوناً عمياً، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً، إمام الهدى ﷺ الذي هدانا إلى الصراط المستقيم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
ذاك إمام الهدى، ولا غنى لمسلم أياً كان عن سيرته، لا غنى للملوك عن سيرته، ولا غنى للزعماء عن سيرته، ولا غنى للأغنياء والفقراء عن سيرته، ولا غنى للمتعلمين والعلماء عن سيرته، ولا غنى للرجال والنساء عن سيرته.
لماذا؟ لأنه أسوة وقدوة لنا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فمن كان يرجو الله فعليه بالتأسي بإمام الهدى، ومن كان يرجو اليوم الآخر فليتأس بإمام الهدى، ومن كان من الذاكرين أو يطمح أن يكون من الذاكرين فعليه أن يتأسى بإمام الهدى، وما ذاك إلا لأن كلامه ﷺ وحي يوحى، ولأن سيرته ترجمة لهذا الوحي.
نحن بأمس الحاجة أن نعرف عنه ﷺ كل شيء من أحواله، كل دقيق وجليل في حياته، كيف كان ﷺ يأكل، وكيف كان يشرب، وكيف كان ينام، وما حاله في الرضا، وما حاله في الغضب، وما لباسه، بل كيف كان مشيه، وما علاقته بالصغير والكبير، وما تعامله مع الناس على اختلاف أجناسهم وأحوالهم.
حاجتنا أن نعرف سيرته ﷺ : أليس هو قدوتنا؟ بلى.
إذاً فلا بد أن نعرف عبادته، وأن نعرف أخلاقه، وأن نعرف حاله مع أزواجه، ولن يحيط القلم واللسان بحال إمام الهدى ﷺ في كل أحواله، ولكن كما قال علي بن أبي طالب في ما رواه ابن ماجة والدارمي: [إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثاً فظنوا برسول الله أهيأه وأهداه وأتقاه].
стр. 1644
خلق النبي ﷺ مع الناس
ولنبدأ بخُلقه ﷺ : يقول الله سبحانه في شأن نبيه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ولما سئلت عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ قالت: [كان خلقه القرآن].
قال عطاء بن يسار: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة.
فقال ﵁: (والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، وهذا وصفه في التوراة: يا أيها النبي! إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفض ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً) رواه البخاري.
وروى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله! ادع على المشركين، فقال ﷺ : (إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة) هذا من سمو خلقه، هذا من كريم شمائله، هذا من علو منزلته ﷺ يقال له: ادع على المشركين، فيقول: (ما بعثت لعاناً وإنما بعثت رحمة).
وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً، وكان يقول عند المعاتبة: ما له تربت يمينه) يعني: أصاب يمينه التراب، هذا من كريم شمائله ﷺ .
ولنقف عند هذه وقفة -أيها الأحبة في الله- إن بعض إخواننا من المسلمين تجده سليط اللسان في السباب والشتائم حتى على المشركين والكفار، وأنا لا أنافح عن كافر، ولا أدافع عن ظالم، ولا أقول ذلك خشية على عرض فاجر، ولكن نقول: فلنعود ألسنتنا ما تعودناه وما عرفناه من شمائل نبينا ﷺ ، خاصة إذا كان سباب الكافرين وشتمهم سيفضي إلى منكر أكبر: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] بل وفي المقابل لو قيل لأحدنا: ادع لهؤلاء الظلمة، أو ادع لهؤلاء الكفرة، أو ادع لهؤلاء الفجرة أن يهديهم الله أو أن يسخرهم للإسلام والمسلمين، التفت ضاحكاً، وسخر ملتفتاً وقال: ما شأنك وشأن الدعاء لهم؟ ألا تلعن؟ ألا تشتم؟ ألا تسب؟ ألا تقول كذا وكذا وكأنه حرام أن يدعو للضال بالهداية، وللفاجر بالاستقامة! وهذا جهل يا عباد الله.
نعم، إن الله لعن الظالمين وأعد لهم سعيراً، نعم.
إن الله لعن الكافرين، نعم.
إن الله لعن طوائف في كتابه: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ [النساء:٥٢] ولكن -أيها الأحبة- ينبغي أن نعود أنفسنا ما تعوده نبينا، ففعله وحيٌ، وقوله وحي، وسيرته وحي، فما كان سبّاباً ولا لعاناً ولا شتاماً ﷺ ، لقد جاء الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ فقال: يا رسول الله! ادع على دوس، فقال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم) وكانت دوس آنذاك مقيمة على الكفر والشرك، مقيمة على حال الجاهلية، وقال ﷺ : (اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك) يعني: أبا جهل أو عمر بن الخطاب، فدعا لهما وهما آنذاك من الكفار.
فنحن حينما نتعلم من شأن النبي ﷺ أنه لم يبعث لعاناً، ولم يبعث سباباً، ولم يبعث شتاماً، وإنما بعث رحمة أي: يدعو بالهدى ويدعو إلى الهداية، ويدعو بالرحمة، ويدعو إلى العفو والصفح والمغفرة، فإن ذلك يعلمنا ألا نعود ألسنتنا على السب أو الشتم أو التسلط على أعدائنا؛ فليس ذلك من الرحمة بهم، ولا اللطف بجنابهم، ولا العطف في شأنهم، ولكن حتى لا تتعود ألسنتنا السباب والشتيمة، ونظن أنه غاية خدمتنا لهذا الدين، وغاية رعايتنا لهذه الدعوة، أو نظن أن منتهى قيامنا على هذا الإسلام أن نسب الأعداء وأن نلعنهم، فإن من تعود ذلك سيكون أستاذاً في السباب، ولكن لن يكون أستاذاً في الميدان، لن يكون أستاذاً في العمل، لن يكون أستاذاً في الواقع، لن يكون أستاذاً في التطبيق، وما أحوجنا إلى ألسنة بكْم على أيد فصاح:
إنا نتوق لألسن بكم على أيد فصاح
стр. 1645
خلق النبي ﷺ مع أهل بيته
وعن يزيد قال: أخبرنا زكريا عن أبي إسحاق قال: حدثني أبو عبد الله قال: قلت لـ عائشة: كيف كان خلق رسول الله ﷺ في آله؟ قالت: [كان أحسن الناس خلقاً، لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح].
أين الناس من هذا الخلق وهذه الشمائل في وصف النبي ﷺ في بيته ومع أهله؟ فلم يكن سباباً، ولم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، ولا يجزي بالسيئة مثلها، إن من الناس من يتعوذ أهله من سوء لسانه وسلاطته، ومن شر لسانه وخبثه، فمن الناس من لو انكسر كأس لسب، ولو انكفأ قدر لشتم، ولو انشق ثوب للطم، ولو تغير حال لضرب، أين هو من إمامه وحبيبه وقدوته ونبيه محمد بن عبد الله ﷺ الذي ما كان فاحشاً؟ يعني: لا يقول فحشاً من القول، ولا يلفظ بالفاحش أو البذيء أو الرديء من الكلام.
إن من الناس من تعود هذا الفحش وهذه البذاءة والغلظة، وإن من شرار الناس من تركه الناس اتقاء فحشه.
ومن الناس من هم على طائفتين في هذا: فبعضهم تجد لساناً أحلى من العسل، وأبيض من القطن، وألين من الماء، فإذا كان عند أهله وجدت سباً وشتماً، كريم بكل خلق، وبكل قول وكلام لين، وبكل منطق عذب مع الناس أجمعين إلا مع زوجته، إلا مع أبنائه، إلا مع أولاده، إلا مع بناته فإنه لا يطيق أن يسمعهم كلمة طيبة.
ما هذا الانفصام؟! وما هذا التناقض؟! ولماذا يعامل الناس معاملة وتعامل الزوجة والأهل معاملة أخرى؟! والنبي ﷺ ما كان فاحشاً ولا متفحشاً ولا بذيء اللسان.
وطائفةٌ منهم من يفتخر أنه بذيء اللسان، فاحش في القول مع الناس ومع أهله، مع القريب والبعيد، ويعدها من الفصاحة ومن البيان، ويعدها من اللجاجة والقدرة على إسكات الخصوم، وليس هذا والله بحق، وليس هذا والله من الدين في شيء، بل الدين كل الدين فيما ورد عن رب العالمين وسنة إمام المرسلين في وصفه وشمائله: ما كان فاحشاً وما كان متفحشاً، وما كان بذيء اللسان ﷺ .
تقول عائشة: [ما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة له قط ولا خادماً، ولا ضرب بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله] قالت: [وما نيل من رسول الله ﷺ شيئاً فانتقم إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله] قالت: [وما خير رسول الله ﷺ بين أمران أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار الذي هو أيسر إلا أن يكون إثماً، فإنه كان إثماً كان أبعد الناس منه].
فانظروا في شأنه ﷺ : ما ضرب بيده امرأة قط، ومن بيننا ونحن المسلمين من يجلد امرأته جلد البعير، ويؤذيها ضرباً وسحباً على وجهها، ويذيقها ألوان البلاء والأذى، أهذا من الدين في شيء؟ أعلمك الإسلام هذا أم وجدت هذا في سنة نبيك؟ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] وإن النبي ﷺ ما ضرب بيده امرأة قط مع أن ضرب النساء جائز بعد الموعظة والهجر: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] وهذا الضرب غير مبرح.
ولما نهى النبي ﷺ قبل ذلك عن ضرب النساء، جاء رجال من الصحابة إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! زئرن النساء على أزواجهن.
أي: كأن بعضهن تطاولن على أزواجهن، فأذن لهم بضربهن ضرباً غير مبرح، ثم قال عن الذين يضربون: (وما أولئك بخياركم) يعني: أن العاقل وأن خيار الناس وكرامهم من يستطيعون أن يصلحوا الأحوال وأن يصلحوا أمورهم دون أن يلجئوا إلى ذلك، وإن لجئوا إليه فبقدر ما يحتاج البدن إلى الدواء دون تطاول.
стр. 1646
ما كان النبي ﷺ ينتقم لنفسه
ومن شأنه وسمته ﷺ أنه ما كان ينتقم لنفسه.
أما نحن في هذا الزمان فإذا ابتلينا وإذا ظلمنا في أنفسنا أو في أموالنا أو في حاجاتنا أو في مصالحنا ترى البعض يلبس هذه القضية بلباس الدين، ويظن أنه ينتقم لدين الله وهو ينتقم لنفسه، ويظن أنه يذب عن دين الله وهو يذب عن نفسه، ويظن أنه ينافح عن دين الله وهو ينافح عن نفسه، وإن تجريد المقاصد وإخلاص النيات لأمر عظيم، فالناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم.
فلنتعود -أيها الأحبة- أن تكون غيرتنا وأن يكون غضبنا وأمرنا وسعينا وإقبالنا وغدونا ورواحنا خالصاً لوجه الله ، وما أعظم شأن الإخلاص في هذا الزمان! والله إن الواحد -أيها الأحبة- ليخشى أن يلقى الله ما قبل من خطبه ولا من محاضراته ولا من أعماله ولا من سعيه ولا من كتابته ولا من كل ما يفعل شيئاً، والخطر على الجميع من متصدق أو مجاهد أو أو إلى آخره، إذا سمع وتلا قول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:٣٩].
نعم -أيها الأحبة- إن العاقل يخشى أن ينقلب عمله فيكون هباءً منثوراً، إن العاقل إذا قرأ قول النبي ﷺ في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) أشرك شهرته، أشرك شخصيته، أشرك هواه، أشرك مصلحته، أشرك جانبه الشخصي، أشرك أموره، أشرك منفعته فإن الله غني عن هذا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) فلنمحض الإخلاص -أيها الأحبة- قبل أن نفد على الله فيقال لأحدنا: يا عبدي ما قبلنا صيامك! ما قبلنا صلاتك! ما قبلنا خطبك! ما قبلنا كلامك تأليفك عملك سعيك صدقتك! لأن العاقل والله يخشى -أيها الأحبة- أن يكون عمله هباءً منثوراً، وعلينا أن نجاهد وأن ندقق في هذا الأمر، وألا نخدع ذواتنا فنظن أننا نخدم الدين ونحن ربما استخدمناه، قالها رجل كبير قابلته في زغرب القريبة من البوسنة في مؤتمر لحقوق الإنسان فقال ذلك الرجل الطاعن في السن الكبير وقد التفت إلي: يا بني! ما أسهل أن نستخدم الإسلام! وما أشق وما أعظم أن نخدم الإسلام! إن استخدام الإسلام سهل، واستخدام الإسلام يكسب أرباحاً وتجارة ومنافع وصولة وجولة وبروزاً وشهرةً وتقدماً، ما أسهل أن نستخدم الإسلام! ولكن ما أعظم وأشق أن نخدم الإسلام خدمة نتجرد فيها من كل مصالحنا! أيها الأحبة: لقد كان نبينا ﷺ أحسن الناس خلقاً، ونحن اليوم لا نشكو أزمةً أخلاقية في الأخلاق التجارية، وفي أخلاق المجاملات، وفي أخلاق المداهنات، وفي أخلاق المصالح، وفي أخلاق المعاملات، تلك لا نشكو من أزمة فيها وإنما نشكو تكدساً وكساداً وزخماً وتضخماً فيها، أما الأخلاق الخالصة، أما الأخلاق النقية، أما المعاملة التي باعثها ومقصدها وجه الله ، وأولها وآخرها وجه الله فما أندرها في هذا الزمان!! إن من حسن خلق النبي ﷺ في عظيم تواضعه، ولين لطفه، وكريم شمائله، ما ذكر عثمان بن عفان ﵁ حين قام خطيباً فقال: [إنا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، كان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن ناساً يعلموني به عسى ألا يكون أحدهم رآه قط] وكأن عثمان ﵁ يشير إلى الذين ألبوا الجموع حوله، وأشعلوا الفتنة في عهده، وجمعوا الناس ينتقدونه ويقولون في عثمان ما يقولون؛ فقام عثمان في خطبة ويقسم بالله فيقول: (صحبنا نبينا في السفر والحضر، فكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن أناساً يعلموني به) أي: أناس لم يروا النبي ﷺ يعلمون عثمان بالنبي ﷺ ! يعلمون عثمان المبشر بالجنة على لسان النبي ﷺ ، وهذا يدل على أن التطاول من قديم وليس في هذا الزمن الذي رأينا وسمعنا من يتطاول فيه على إمام أهل العلم في هذا الزمان، على وجه الأرض قاطبة فيما نعلم وهو سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، لقد أوذينا في إمامنا، وأوذينا في علامة أمتنا، وأوذينا في علامة ملتنا، وأوذينا في مفتي هذه الملة وهذه الطائفة المنصورة المباركة، لقد أوذينا في عرض شيخنا وعرض إمامنا، يتكلم فيه الأقزام، يقولون فيه ما يقولون:
إذا عير الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل
وطاولت السحب السماء سفاهة وفاخرت الأرض الحصى والجنادل
وقال السهى للشمس أنت خفية وقال الدجى يا صبح لونك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
أصبح الصغار يتطاولون على الكبار! أصبح الجهلة يتطاولون على العلماء! أصبح البخلاء يتطاولون على الكرماء! يا سبحان الله! متى عرفنا هذا التطاول إلا في منشور يتسلل لواذاً ويدس دسيسة، من أجل تفريقكم يا شباب الصحوة، من أجل الفجوة العظيمة التي يراد لها أن تزداد بين العلماء والعامة، وبين الولاة والعلماء، وبين العامة والولاة، نحن لا نقول: قولوا للأسود إنه أبيض، ولا نقول: سموا المنكر معروفاً، ولا قولوا للباطل حقاً، فإن الباطل باطل، والظلم ظلم، والشر شر، ولكن إن سبيل الإصلاح إذا بلغ بطريق أصبح الأمر فيه يتطاول أصحابه أو شأنه إلى الكبار وإلى العلماء، وإلى الذين شابت لحاهم في الإسلام، وبلغوا منزلة فيما ندين لله ، بلغوا منزلة ما أصبح يضرهم ذم ذام ولا مدح مادح؛ لما علم من صلاحهم، ونسأل الله أن يثبتهم، ولا ندعي العصمة لهم، إذا بلغ الأمر هذا فمن يعذرنا -أيها الأحبة- من أناس تطاولوا على علمائنا وأئمتنا؟ وأنتم المستهدفون، وأنتم المقصودون فافهموا ما تسمعون، وأدركوا ما تقرءون فإن وراء الأكمة ما وراءها:
أرى خلل الرماد وميض نار ويوشك أن يكون لها ضرام
نبينا ﷺ خير الخليقة:
وما حملت من ناقة فوق ظهرها أبر وأوفى ذمةً من محمد
ورضي الله عن حسان حيث قال:
إذا ما الأشربات ذكرن يوماً فهن لطيب الراحل فداء
فأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء
стр. 1647
حلم النبي ﷺ
أما حلم نبينا إمام الهدى ﷺ فهو لا يعدو ولا يتجاوز قول الله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وما كان ﷺ يختار الشاق من الأمور، بل كان حليماً يختار الأيسر كما قالت عائشة ﵂، وقد مر بنا آنفا.
стр. 1648
حلمه ﷺ على الأعرابي الذي جبذه بردائه
من الصور المشرقة الجميلة، وكل حياة إمام الهدى إشراق وجمال، من الصور المشرقة الجميلة في حلمه ﷺ ما ورد في الصحيحين عن أنس قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذة الأعرابي، فقال الأعرابي: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك؛ فالتفت رسول الله ﷺ -وما تظنونه فعل؟ وما تظنونه قال؟ وما تظنون الذي ارتسم على قسمات وجهه وملامح محياه ﷺ من الأمور؟ - التفت رسول الله ﷺ ضاحكاً، ثم أمر له بعطاء وقال: أعطوه).
ما ظنك لو أن واحداً من أبنائك الذين أوجب الله عليك نفقتهم جبذك بطرف ثوبك لا بحاشية عاتقك، لا بحاشية قميصك، ثم قال: يا أبت! أعطني.
والله لتصفعنه أو لتضربنه أو لتؤدبنه أو لتفعلن به فعلاً عظيماً، ناهيك أن لو فعل هذا واحد من الأباعد دون الأقارب، فهذا أعرابي فض غليظ يجر النبي ﷺ بحاشية البرد حتى أثرت حاشية البرد من الجانب الآخر في صفحة رقبته ﷺ ، ثم يقول الأعرابي: يا محمد! مر لي من مال الله، فإنك لا تعطينا من مالك ولا من مالك أبيك، فالتفت ﷺ ضاحكاً، التفت متبسماً، التفت حليماً، التفت صافحاً غافراً لهذا الأعرابي.
إن عفو النبي له شأن عجيب وله صور عجيبة، يقول أبو عبد الله الجدلي: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: [لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح] رواه الترمذي والطيالسي وأحمد، وإسناده صحيح.
هكذا شأنه، هكذا أمره، كان ﷺ يعفو، كان ﷺ يصفح، والعفو دليل القوة،، والكرم، والعفو دليل العزة، والمنعة، لا نظن أن العفو دليل ضعف، ولا نظن أن العفو دليل جهل، ولا نظن أن العفو دليل غفلة، بل العفو دليل وعي ورحمة وحكمة، وخير الناس من تحلى واقتدى بسيرة إمام الهدى ﷺ ، فقد كان يعفو ويصفح.
стр. 1649
حلمه ﷺ على من أراد قتله
عن أنس ﵁ (أن ثمانين هبطوا على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح يريدون اغتيال النبي ﷺ ، فأخذوا أخذاً -أي: أمكن الله المسلمين من رقاب هؤلاء الذين انحدروا من جبل التنعيم فجأة- فلما جمعوا بين يدي رسول الله ﷺ أعتقهم رسول الله ﷺ ؛ فأنزل الله قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح:٢٤]) رواه مسلم والترمذي وأبو داود وأحمد.
ومن دلائل عفوه القصة المشهورة المعلومة في شأن اليهودية التي قدمت للنبي ﷺ شاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها فسألها إمام الهدى ﷺ : (ما الذي حملك على هذا؟ فقالت: أريد قتلك.
فقال الصحابة: ألا نقتلها يا رسول الله؟ قال: لا.
قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ الحديث رواه مسلم.
لقد كان ﷺ يعفو، ليس يعفو عمن تكلم في عرضه أو يعفو عن من تكلم في خاصة أمره فحسب، بل يعفو ﷺ عمن حاول اغتياله، عمن حاول الاعتداء عليه، وذلك من جميل شمائله، ومن كريم أخلاقه ﷺ .
تقول عائشة ﵂ في لطف معاملة الحبيب ﷺ : [ما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله] فهذا شأنه، وهذا عطفه، وهذه مكارم أخلاقه ﷺ .
стр. 1650
شبهة في الطعن في حلمه ﷺ والرد عليها
قد يقول قائل: إن من الناس من يدعوه للعفو هوان شأنه أو ضعف أمره، أو قلة حيلته أو حدود مكانته -أي: لم يبلغ مكانة عظيمة- فنقول: إن مكانة النبي عظيمة، وإن منزلته كريمة، ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة عن أبي بكر الصديق ﵁ -وهذا الحديث هو حديث الشفاعة الطويل الذي يدلنا على عظم منزلة النبي ومكانته- قال: (أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم فصلى الغداة، ثم جلس حتى إذا كان من الضحى ضحك رسول الله ﷺ ، ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب؛ كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الآخرة، ثم قام إلى أهله فقال الناس لـ أبي بكر: ألا تسأل رسول الله ﷺ ما شأنه صنع اليوم شيئاً لم يصنعه قط.
قال: فسأله.
فقال: نعم.
عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا وأمر الآخرة، فجمع الأولون والآخرون في صعيد واحد، ففظع الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم ﵇ والعرق يكاد يلجمهم فقالوا: يا آدم! أنت أبو البشر، اصطفاك الله ، اشفع لنا إلى ربك.
فقال: لقد لقيت مثل الذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣] قال: فينطلقون إلى نوح ﵇ فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فأنت اصطفاك الله، واستجاب لك في دعائك، ولم يدع على الأرض من الكافرين دياراً، فيقول: ليس ذاكم عندي، انطلقوا إلى إبراهيم ﵇، فإن الله اتخذه خليلا.
فينطلقون إلى إبراهيم، فيقول: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى موسى ﵇ فإن الله كلمه تكليماً، فيقول موسى ﵇: ليس ذاكم عندي ولكن انطلقوا إلى عيسى ابن مريم فإنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى.
فيقول عيسى: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم فإنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، انطلقوا إلى محمد ﷺ فيشفع لكم إلى ربكم .
قال: فينطلق، فيأتي جبريل ﵇ ربه فيقول الله : ائذن له وبشره بالجنة، قال: فينطلق به جبريل فيخر ساجداً قدر جمعة -بمقدار أسبوع- ويقول الله : ارفع رأسك يا محمد، وقل يُسمع، واشفع تُشفع.
قال: فيرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربه خر ساجداً قدر جمعة أخرى، فيقول الله : ارفع رأسك، وقل يُسمع، واشفع تُشفع.
قال: فيذهب ليقع ساجداً فيأخذ جبريل ﵇ بضبعيه فيفتح الله عليه من الدعاء شيئاً لم يفتحه على بشر قط، فيقول: أي ربي! خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، حتى إنه ليرد على الحوض أكثر مما بين صنعاء وإيلة، ثم يقول: ادع الصديقين فيشفعون، ثم يقال: ادع الأنبياء، قال: فيجيء النبي ومعه العصابة، والنبي ومعه الخمسة والستة، والنبي وليس معه أحد.
ثم يقال: ادع الشهداء فيشفعون لمن أرادوا، وقال: فإذا فعلت الشهداء ذلك.
قال: يقول الله : أنا أرحم الراحمين، أدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئاً).
إن هذا الحديث الطويل الذي رواه الإمام أحمد في مسنده لدليل على ما للنبي من المنزلة، وما له من العظمة، وما له من الكرامة، وما له من الرفعة العالية عند رب العالمين ، فما كان عفوه عن ضعف، هذه منزلته وذاك عفوه، هذه كرامته وذاك صفحه، هذا قدره وذاك إحسانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
عن ابن عباس عن عمر ﵃ أنه قال: (إن الله بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، ثم قال: "قد كنا نقرأ أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم" ثم إن رسول الله ﷺ قال: لا تطروني كما أطري ابن مريم، وإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) هذا شأنه وتلك كرامته عند الله، ومع ذلك لا يرضى بالمديح ولا بالغلو فيه ولا بالإطراء وإنما يقول: إنما أنا عبد.
ولقد شرفه الله بهذه العبودية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن:١٩] فأشرف منزلة لإمام الهدى أن يكون عبداً لله، وقد أكرمه الله بذلك.
следующие страницы →