← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

ما كان النبي ﷺ ينتقم لنفسه ومن شأنه وسمته ﷺ أنه ما كان ينتقم لنفسه. أما نحن في هذا الزمان فإذا ابتلينا وإذا ظلمنا في أنفسنا أو في أموالنا أو في حاجاتنا أو في مصالحنا ترى البعض يلبس هذه القضية بلباس الدين، ويظن أنه ينتقم لدين الله وهو ينتقم لنفسه، ويظن أنه يذب عن دين الله وهو يذب عن نفسه، ويظن أنه ينافح عن دين الله وهو ينافح عن نفسه، وإن تجريد المقاصد وإخلاص النيات لأمر عظيم، فالناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم. فلنتعود -أيها الأحبة- أن تكون غيرتنا وأن يكون غضبنا وأمرنا وسعينا وإقبالنا وغدونا ورواحنا خالصاً لوجه الله ، وما أعظم شأن الإخلاص في هذا الزمان! والله إن الواحد -أيها الأحبة- ليخشى أن يلقى الله ما قبل من خطبه ولا من محاضراته ولا من أعماله ولا من سعيه ولا من كتابته ولا من كل ما يفعل شيئاً، والخطر على الجميع من متصدق أو مجاهد أو أو إلى آخره، إذا سمع وتلا قول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:٣٩]. نعم -أيها الأحبة- إن العاقل يخشى أن ينقلب عمله فيكون هباءً منثوراً، إن العاقل إذا قرأ قول النبي ﷺ في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) أشرك شهرته، أشرك شخصيته، أشرك هواه، أشرك مصلحته، أشرك جانبه الشخصي، أشرك أموره، أشرك منفعته فإن الله غني عن هذا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) فلنمحض الإخلاص -أيها الأحبة- قبل أن نفد على الله فيقال لأحدنا: يا عبدي ما قبلنا صيامك! ما قبلنا صلاتك! ما قبلنا خطبك! ما قبلنا كلامك تأليفك عملك سعيك صدقتك! لأن العاقل والله يخشى -أيها الأحبة- أن يكون عمله هباءً منثوراً، وعلينا أن نجاهد وأن ندقق في هذا الأمر، وألا نخدع ذواتنا فنظن أننا نخدم الدين ونحن ربما استخدمناه، قالها رجل كبير قابلته في زغرب القريبة من البوسنة في مؤتمر لحقوق الإنسان فقال ذلك الرجل الطاعن في السن الكبير وقد التفت إلي: يا بني! ما أسهل أن نستخدم الإسلام! وما أشق وما أعظم أن نخدم الإسلام! إن استخدام الإسلام سهل، واستخدام الإسلام يكسب أرباحاً وتجارة ومنافع وصولة وجولة وبروزاً وشهرةً وتقدماً، ما أسهل أن نستخدم الإسلام! ولكن ما أعظم وأشق أن نخدم الإسلام خدمة نتجرد فيها من كل مصالحنا! أيها الأحبة: لقد كان نبينا ﷺ أحسن الناس خلقاً، ونحن اليوم لا نشكو أزمةً أخلاقية في الأخلاق التجارية، وفي أخلاق المجاملات، وفي أخلاق المداهنات، وفي أخلاق المصالح، وفي أخلاق المعاملات، تلك لا نشكو من أزمة فيها وإنما نشكو تكدساً وكساداً وزخماً وتضخماً فيها، أما الأخلاق الخالصة، أما الأخلاق النقية، أما المعاملة التي باعثها ومقصدها وجه الله ، وأولها وآخرها وجه الله فما أندرها في هذا الزمان!! إن من حسن خلق النبي ﷺ في عظيم تواضعه، ولين لطفه، وكريم شمائله، ما ذكر عثمان بن عفان ﵁ حين قام خطيباً فقال: [إنا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، كان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن ناساً يعلموني به عسى ألا يكون أحدهم رآه قط] وكأن عثمان ﵁ يشير إلى الذين ألبوا الجموع حوله، وأشعلوا الفتنة في عهده، وجمعوا الناس ينتقدونه ويقولون في عثمان ما يقولون؛ فقام عثمان في خطبة ويقسم بالله فيقول: (صحبنا نبينا في السفر والحضر، فكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن أناساً يعلموني به) أي: أناس لم يروا النبي ﷺ يعلمون عثمان بالنبي ﷺ ! يعلمون عثمان المبشر بالجنة على لسان النبي ﷺ ، وهذا يدل على أن التطاول من قديم وليس في هذا الزمن الذي رأينا وسمعنا من يتطاول فيه على إمام أهل العلم في هذا الزمان، على وجه الأرض قاطبة فيما نعلم وهو سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، لقد أوذينا في إمامنا، وأوذينا في علامة أمتنا، وأوذينا في علامة ملتنا، وأوذينا في مفتي هذه الملة وهذه الطائفة المنصورة المباركة، لقد أوذينا في عرض شيخنا وعرض إمامنا، يتكلم فيه الأقزام، يقولون فيه ما يقولون: إذا عير الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل وطاولت السحب السماء سفاهة وفاخرت الأرض الحصى والجنادل وقال السهى للشمس أنت خفية وقال الدجى يا صبح لونك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل أصبح الصغار يتطاولون على الكبار! أصبح الجهلة يتطاولون على العلماء! أصبح البخلاء يتطاولون على الكرماء! يا سبحان الله! متى عرفنا هذا التطاول إلا في منشور يتسلل لواذاً ويدس دسيسة، من أجل تفريقكم يا شباب الصحوة، من أجل الفجوة العظيمة التي يراد لها أن تزداد بين العلماء والعامة، وبين الولاة والعلماء، وبين العامة والولاة، نحن لا نقول: قولوا للأسود إنه أبيض، ولا نقول: سموا المنكر معروفاً، ولا قولوا للباطل حقاً، فإن الباطل باطل، والظلم ظلم، والشر شر، ولكن إن سبيل الإصلاح إذا بلغ بطريق أصبح الأمر فيه يتطاول أصحابه أو شأنه إلى الكبار وإلى العلماء، وإلى الذين شابت لحاهم في الإسلام، وبلغوا منزلة فيما ندين لله ، بلغوا منزلة ما أصبح يضرهم ذم ذام ولا مدح مادح؛ لما علم من صلاحهم، ونسأل الله أن يثبتهم، ولا ندعي العصمة لهم، إذا بلغ الأمر هذا فمن يعذرنا -أيها الأحبة- من أناس تطاولوا على علمائنا وأئمتنا؟ وأنتم المستهدفون، وأنتم المقصودون فافهموا ما تسمعون، وأدركوا ما تقرءون فإن وراء الأكمة ما وراءها: أرى خلل الرماد وميض نار ويوشك أن يكون لها ضرام نبينا ﷺ خير الخليقة: وما حملت من ناقة فوق ظهرها أبر وأوفى ذمةً من محمد ورضي الله عن حسان حيث قال: إذا ما الأشربات ذكرن يوماً فهن لطيب الراحل فداء فأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء

стр. 1647

حلم النبي ﷺ أما حلم نبينا إمام الهدى ﷺ فهو لا يعدو ولا يتجاوز قول الله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وما كان ﷺ يختار الشاق من الأمور، بل كان حليماً يختار الأيسر كما قالت عائشة ﵂، وقد مر بنا آنفا.

стр. 1648

حلمه ﷺ على الأعرابي الذي جبذه بردائه من الصور المشرقة الجميلة، وكل حياة إمام الهدى إشراق وجمال، من الصور المشرقة الجميلة في حلمه ﷺ ما ورد في الصحيحين عن أنس قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذة الأعرابي، فقال الأعرابي: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك؛ فالتفت رسول الله ﷺ -وما تظنونه فعل؟ وما تظنونه قال؟ وما تظنون الذي ارتسم على قسمات وجهه وملامح محياه ﷺ من الأمور؟ - التفت رسول الله ﷺ ضاحكاً، ثم أمر له بعطاء وقال: أعطوه). ما ظنك لو أن واحداً من أبنائك الذين أوجب الله عليك نفقتهم جبذك بطرف ثوبك لا بحاشية عاتقك، لا بحاشية قميصك، ثم قال: يا أبت! أعطني. والله لتصفعنه أو لتضربنه أو لتؤدبنه أو لتفعلن به فعلاً عظيماً، ناهيك أن لو فعل هذا واحد من الأباعد دون الأقارب، فهذا أعرابي فض غليظ يجر النبي ﷺ بحاشية البرد حتى أثرت حاشية البرد من الجانب الآخر في صفحة رقبته ﷺ ، ثم يقول الأعرابي: يا محمد! مر لي من مال الله، فإنك لا تعطينا من مالك ولا من مالك أبيك، فالتفت ﷺ ضاحكاً، التفت متبسماً، التفت حليماً، التفت صافحاً غافراً لهذا الأعرابي. إن عفو النبي له شأن عجيب وله صور عجيبة، يقول أبو عبد الله الجدلي: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: [لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح] رواه الترمذي والطيالسي وأحمد، وإسناده صحيح. هكذا شأنه، هكذا أمره، كان ﷺ يعفو، كان ﷺ يصفح، والعفو دليل القوة،، والكرم، والعفو دليل العزة، والمنعة، لا نظن أن العفو دليل ضعف، ولا نظن أن العفو دليل جهل، ولا نظن أن العفو دليل غفلة، بل العفو دليل وعي ورحمة وحكمة، وخير الناس من تحلى واقتدى بسيرة إمام الهدى ﷺ ، فقد كان يعفو ويصفح.

стр. 1649

حلمه ﷺ على من أراد قتله عن أنس ﵁ (أن ثمانين هبطوا على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح يريدون اغتيال النبي ﷺ ، فأخذوا أخذاً -أي: أمكن الله المسلمين من رقاب هؤلاء الذين انحدروا من جبل التنعيم فجأة- فلما جمعوا بين يدي رسول الله ﷺ أعتقهم رسول الله ﷺ ؛ فأنزل الله قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح:٢٤]) رواه مسلم والترمذي وأبو داود وأحمد. ومن دلائل عفوه القصة المشهورة المعلومة في شأن اليهودية التي قدمت للنبي ﷺ شاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها فسألها إمام الهدى ﷺ : (ما الذي حملك على هذا؟ فقالت: أريد قتلك. فقال الصحابة: ألا نقتلها يا رسول الله؟ قال: لا. قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ الحديث رواه مسلم. لقد كان ﷺ يعفو، ليس يعفو عمن تكلم في عرضه أو يعفو عن من تكلم في خاصة أمره فحسب، بل يعفو ﷺ عمن حاول اغتياله، عمن حاول الاعتداء عليه، وذلك من جميل شمائله، ومن كريم أخلاقه ﷺ . تقول عائشة ﵂ في لطف معاملة الحبيب ﷺ : [ما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله] فهذا شأنه، وهذا عطفه، وهذه مكارم أخلاقه ﷺ .

стр. 1650

شبهة في الطعن في حلمه ﷺ والرد عليها قد يقول قائل: إن من الناس من يدعوه للعفو هوان شأنه أو ضعف أمره، أو قلة حيلته أو حدود مكانته -أي: لم يبلغ مكانة عظيمة- فنقول: إن مكانة النبي عظيمة، وإن منزلته كريمة، ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة عن أبي بكر الصديق ﵁ -وهذا الحديث هو حديث الشفاعة الطويل الذي يدلنا على عظم منزلة النبي ومكانته- قال: (أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم فصلى الغداة، ثم جلس حتى إذا كان من الضحى ضحك رسول الله ﷺ ، ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب؛ كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الآخرة، ثم قام إلى أهله فقال الناس لـ أبي بكر: ألا تسأل رسول الله ﷺ ما شأنه صنع اليوم شيئاً لم يصنعه قط. قال: فسأله. فقال: نعم. عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا وأمر الآخرة، فجمع الأولون والآخرون في صعيد واحد، ففظع الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم ﵇ والعرق يكاد يلجمهم فقالوا: يا آدم! أنت أبو البشر، اصطفاك الله ، اشفع لنا إلى ربك. فقال: لقد لقيت مثل الذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣] قال: فينطلقون إلى نوح ﵇ فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فأنت اصطفاك الله، واستجاب لك في دعائك، ولم يدع على الأرض من الكافرين دياراً، فيقول: ليس ذاكم عندي، انطلقوا إلى إبراهيم ﵇، فإن الله اتخذه خليلا. فينطلقون إلى إبراهيم، فيقول: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى موسى ﵇ فإن الله كلمه تكليماً، فيقول موسى ﵇: ليس ذاكم عندي ولكن انطلقوا إلى عيسى ابن مريم فإنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى. فيقول عيسى: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم فإنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، انطلقوا إلى محمد ﷺ فيشفع لكم إلى ربكم . قال: فينطلق، فيأتي جبريل ﵇ ربه فيقول الله : ائذن له وبشره بالجنة، قال: فينطلق به جبريل فيخر ساجداً قدر جمعة -بمقدار أسبوع- ويقول الله : ارفع رأسك يا محمد، وقل يُسمع، واشفع تُشفع. قال: فيرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربه خر ساجداً قدر جمعة أخرى، فيقول الله : ارفع رأسك، وقل يُسمع، واشفع تُشفع. قال: فيذهب ليقع ساجداً فيأخذ جبريل ﵇ بضبعيه فيفتح الله عليه من الدعاء شيئاً لم يفتحه على بشر قط، فيقول: أي ربي! خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، حتى إنه ليرد على الحوض أكثر مما بين صنعاء وإيلة، ثم يقول: ادع الصديقين فيشفعون، ثم يقال: ادع الأنبياء، قال: فيجيء النبي ومعه العصابة، والنبي ومعه الخمسة والستة، والنبي وليس معه أحد. ثم يقال: ادع الشهداء فيشفعون لمن أرادوا، وقال: فإذا فعلت الشهداء ذلك. قال: يقول الله : أنا أرحم الراحمين، أدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئاً). إن هذا الحديث الطويل الذي رواه الإمام أحمد في مسنده لدليل على ما للنبي من المنزلة، وما له من العظمة، وما له من الكرامة، وما له من الرفعة العالية عند رب العالمين ، فما كان عفوه عن ضعف، هذه منزلته وذاك عفوه، هذه كرامته وذاك صفحه، هذا قدره وذاك إحسانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. عن ابن عباس عن عمر ﵃ أنه قال: (إن الله بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، ثم قال: "قد كنا نقرأ أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم" ثم إن رسول الله ﷺ قال: لا تطروني كما أطري ابن مريم، وإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) هذا شأنه وتلك كرامته عند الله، ومع ذلك لا يرضى بالمديح ولا بالغلو فيه ولا بالإطراء وإنما يقول: إنما أنا عبد. ولقد شرفه الله بهذه العبودية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن:١٩] فأشرف منزلة لإمام الهدى أن يكون عبداً لله، وقد أكرمه الله بذلك.

стр. 1651

تواضعه ﷺ مع عظيم منزلته ﷺ فلقد كان متواضعاً عاملاً بقول ربه : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨] يقول أنس ﵁: (إن كانت الأمة الجارية لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت) رواه البخاري. والله إنا لنجد من أنفسنا فضاضة وغلظة، أو نجد من أنفسنا جفاءً ورعونةً في الأخلاق يوم أن يأتي أحد فيجر أحدنا بردائه أو بثوبه أو بعباءته فيقول: لي إليك حاجة ربع ساعة أو عشر دقائق بعد الصلاة، فإذا أطال قليلاً جعل الواحد منا يضيق ويتبرم من هذا، والنبي ﷺ إمام الأمة، إمام الهدى، إمام الدولة، الإمام الأعظم، أنيطت به كل المهمات العظيمة ومع ذلك تأخذه الجارية الصغيرة فتتنحى به قليلاً وتحدثه في حاجتها ﷺ .

стр. 1652

تواضعه ﷺ مع الأنصار وضعفاء المسلمين (وكان ﷺ يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رءوسهم) رواه النسائي بإسناد صحيح، وكان ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، وكان ﷺ (يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويحلب الشاة -يحلب شاته بيده- ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير) رواه الطبراني بإسناد صحيح. يا أحبابنا أين نحن إذا دعانا فقير أو عبد مملوك لا يُلتفت إليه؟ أين نحن إذا دعانا أشعث أغبر مدفوع بالأبواب ذي أطمار هل نجيبه أم لا؟ لقد كان ﷺ يجيب الدعوة تواضعاً لربه، ويخفض الجناح عملاً بقول ربه : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].

стр. 1653

تواضعه ﷺ في حمله الحسين بن علي على كتفه يقول علي ﵁: (كان على الكعبة أصنام، فذهبت لأحمل النبي ﷺ إليها -يريد علي أن يحمل النبي لكي يتكئ النبي بقدمه الشريفة على كتفه ليتطاول إلى تلك الأصنام فيكسرها- قال علي: فلم أستطع أن أحمل النبي ﷺ ، قال: فحملني هو ﷺ فجعلت أقطعها ولو شئت لنلت السماء) النبي يرفع علياً ويجعله يصل إلى تلك الأصنام ليكسرها! علي بن أبي طالب وأي منزلة بقربه من النبي، والنبي يحمله ويرفعه، والنبي يخضع ويتواضع بكتفه لقدم علي، من أجل ماذا؟ من أجل التوحيد، من أجل أن تكسر الأصنام، من أجل ألا يعبد إلا الله .

стр. 1654

تواضعه ﷺ في قبول الهدية وإجابة الدعوة ومن تواضعه ﷺ أنه يقول: (لو أهدي إلى ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت) ما ظنكم لو أن واحداً انتظر أحدكم ثم أعطاه ذراع شاة عند باب المسجد لقال له: أي تخلفٍ تعيشه؟! ألا تعرف وروداً جميلة؟ ألا تعرف هدية مناسبة؟ ألا تعرف شيئاً من المزركشات ومن المنمقات ومن المجملات تلفها حول هديتك؟ والنبي ﷺ لو أهدي إليه ذلك لقبله، ولو دعي إلى كراع شاة لأجاب. وفي رواية أنه قال: ﷺ : (لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت) ويقول أحد الصحابة: (ما رأيت رسول الله ﷺ عاب طعاماً قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه) رواه البخاري. هكذا كان شأنه ﷺ حتى لا تنكسر نفوس صحابته، وحتى لا تنكسر نفوس الفقراء والمساكين، لو دعوه إلى ذراع لأجاب، ولو أهدوه كراعاً لقبل؛ فأين نحن من هذا أيها الأحبة؟ إن من الناس من يأنف من زيارة بعض الفقراء، ومن الناس من يأنف أن يأكل مع بعض العمال، ومن الناس من يأنف أن يزور بعض الناس في بيوتهم القديمة أو في مساكنهم التي ما عرفت رحبات الفلل ولا جنبات القصور، أما هو -أشرف الخلق ﷺ فقد كان يجيب دعوة الداعي، وكان يقبل الكراع، ولو دعي إلى ذارع لأكل منه ﷺ .

стр. 1655

تواضعه ﷺ في عشرته مع أهله ولا تسل عن لين معشره، ولا تسل عن عذوبة خلقه ﷺ ، وما أحوجنا أن ندرس ونقرأ ونبحث ونفتش، وأن نقلب عن دقائق وزوايا وجوانب في حياته ﷺ تدل على أنه يرفع الكلفة بينه وبين زوجته، يمازحها، يداعبها، يرقق لها الخاطر، يلين لها الكلام، يسعدها ويؤنسها! وكما قلت آنفاً: فإن منا من تراه عذب اللسان مع الناس ولكن إذا دخل بيته سلقهم بألسنة حداد أشحة على هذا الخلق الحسن. فلماذا يا عباد الله؟ من لين عشرة رسول الله ﷺ ما قالت عائشة: [كان الحبشة يلعبون عند رسول الله ﷺ في يوم عيد، قالت: فاطلعت من فوق عاتقه ﷺ فطأطأ لي رسول الله ﷺ -طأطأ منكبيه- فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت] هذا النبي ﷺ يطأطئ بعاتقه وعائشة على بني أرفدة تتفرج -على الأحباش- وهم يلعبون بالحراب، والنبي قد طأطأ كتفه لها وهي متكئة ومعتمدة على منكبه ﷺ . أين نحن من ذلك؟ لو جاءت زوجة أحدنا أو صغيرة أحدنا تريد ذلك لقال: اذهبي وابتعدي، خذي كرسياً أو أي شيء غير هذا؟ لطف ورقة ولين وعذوبة في المعاملة، هذا هدي نبينا، وهذا شأن نبينا ﷺ . ومن تواضع وعذوبة لطفه ﷺ ما تقوله عائشة قالت: [كانت تلعب بالبنات -ومعنى البنات: هي الدمى التي لا صورة لها، أي: لم ينقش لها عين ولا أنف ولا فم وإنما هي دمىً تحشى بالقطن معروفة- تقول عائشة: كنت ألعب بالبنات فكان ﷺ يأتي بصواحبي يلعبن معي] يخرج النبي ﷺ فيجد البنيات الصغيرات أتراب عائشة ﵂ فيدعوهن ويدخلهن.

стр. 1656

تواضعه ﷺ في أخذه بزمام راحلة معاذ ومن تواضعه ما تفرد به الإمام أحمد في روايته عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن خرج معه رسول الله ﷺ يوصيه، ومعاذ راكب على الدابة ورسول الله يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال الرسول ﷺ : (يا معاذ! إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، أو لعلك أن تمر بمسجدي هذا أو قبري، فبكى معاذ لفراق رسول الله ﷺ ، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: إن أولى الناس بي المتقون أين كانوا وحيث كانوا). ما أجمل تواضع النبي ﷺ ! إمام الأمة، الغبار يعفر قدميه وهو يودع قائداً من قواده، وهو راكب والنبي يمشي، النبي يمسك بزمام الراحلة ويحدث معاذاً يقول له: لعلك لا تلقاني، لعلك أن تمر بمسجدي، يقرب له مصيبة لا بد من حلولها، وقدراً لا بد من بلوغه، وأجلاً لا بد من حلوله وهو موته ﷺ فيقول: (أو تمر بمسجدي، أو تمر بقبري) فيجهش معاذ بالبكاء، ثم بعد ذلك يقول ﷺ : (إن أولى الناس بي) بنو هاشم؟ لا. القرشيون؟ لا. القبليون؟ الأحباش؟ العجم؟ الأثرياء؟ السادة؟ الملوك؟ الوزراء؟ الأمراء؟ لا (أولى الناس بي المتقون أين كانوا وحيث كانوا) فمن كان تقياً فهو من أولى الناس بالنبي ﷺ ، ولن ينفع أبا لهب أنه قرشي من جرثومة وأرومة قريش، وما ضر بلالاً أنه عبد حبشي ﵁ فقد سمع النبي ﷺ دف نعليه في الجنة.

стр. 1657

تواضعه ﷺ في نقله التراب يوم الخندق ومن تواضعه ﷺ أنه لما كان يوم الأحزاب قام ﷺ ينقل التراب مع الصحابة، قال أبو إسحاق: سمعت البراء يقول: (كان رسول الله ﷺ ينقل معنا التراب، ولقد وارى التراب بياض بطنه وهو يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا إن الألى قد بغوا علينا وربما قال: إن الملأ قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا يرفع بها صوته) وفي رواية عن البراء بن عازب قال: [رأيت النبي ﷺ يوم الخندق وهو يحمل التراب]. كان بوسعه ﷺ أن يصدر الأوامر ألا تغيب الشمس إلا وقد حفر الخندق، كان بوسعه ﷺ أن يدور عليهم ويأمر هذا ويزجر هذا وينهى هذا، لكنه ﷺ يحفر كما يحفرون، ويحمل التراب كما يحملون، وذلك لأن هذه المشاركة تفجر طاقات الحب، والولاء، وتفجر طاقات الاستجابة، وتجعل النفوس متعلقة بإمامها وقائدها وحبيبها ﷺ ، يعلمهم التواضع بهذا، حتى إذا كانوا قادة في المستقبل ما تأمروا وما تجبروا وما تسلطوا، وإنما شاركوا وعملوا ورحموا وتداركوا، وما بغوا وما ظلموا ولا يظلمون.

стр. 1658

تواضعه ﷺ في كراهيته للقيام له ومن تواضعه ﷺ أنه مع حب الصحابة له كانوا إذا رأوه لا يقوم له أحد منهم لما يعلمون من كراهيته لذلك، كان يكره إذا قدم أن يقوم له الناس، ويكره أن يقوم الناس على رأسه ﷺ من شدة تواضعه، ونحن -أيها الأحبة- على مستوانا معاشر العامة والمساكين! لو دخلنا مجلساً ثم رأينا الناس جالسين ما قاموا لقلنا: لماذا قلة الأدب؟ لماذا قلة الأخلاق؟! أما دخل إنسان عليهم؟! لماذا لم يتمثلوا قياماً؟! ونسينا (من أحب أن يمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار) نعم إذا كان من عادات قومه وأعرافهم وجميل أخلاقهم ومعاملتهم أن القادم أو أن الداخل يوقف له، وخشينا أن يظن أن ذلك من الاحتقار، وخفنا أن يقذف الشيطان في قلبه سوءاً فلا بأس أن نقوم له من غير تعظيم، ولكن من باب التحبيب وطرد وسوسة الشيطان، مع أن للقادم حقاً خاصة إذا كان قادماً من السفر: فلما بصرنا به مقبلاً حللنا الحبا وابتدرنا القياما ولما جاء سعد بن معاذ قال ﷺ للأنصار: (قوموا إلى سيدكم) احملوا سيدكم، وأنزلوا سيدكم المهم أنه كان ﷺ في قمة وغاية التواضع الذي نكاد أن نفقده حتى مع الفقراء والعالة، ومع السوقة والمساكين إلا من رحم الله، فضلاً عمن عنده ريال أو ريالات أو دينار أو ديناران.

стр. 1659

تواضعه ﷺ مع الصبيان أما تواضعه مع الصغار ورحمته ولطفه ﷺ مع الصغار فيدل على ذلك ما رواه أنس، يقول ﵁: (إن رسول الله ﷺ مر على صبيان يلعبون فسلم عليهم) رواه مسلم. الرسول، الإمام، إمام الأمة الذي ينزل عليه جبريل بالوحي، ويخير أن تسير الجبال ذهباً أو فضةً وراءه، ويخير أن تطبق الجبال على أهل مكة، ويخير بعذاب أقوام، يمر على صبيان فيقول: السلام عليكم. النبي ﷺ يسلم، ويلقي هذه التحية. إن كثيراً منا لا يسلم على الكبار فضلاً عن الصغار، وللأسف أن كثيراً من المسلمين والذين يلامون أكثر من غيرهم من الطيبين يمر الواحد منهم فلا يبتسم، ويمر فلا يسلم، يا أخي الحبيب! سلم ولو كان الذي تراه عليه شيء من آثار التقصير، سلم فلعل الله أن يحبب الخير إليه بسلامك، سلم فلعل الله أن يقذف في قلبه الحياء من المعصية، سلم لعل هذا السلام يكون سبباً في دخولك إلى حديث معه لإنكار هذه المعصية التي تراها منه. أما ما يحصل من كثير من الشباب -هداهم الله- فينبغي للواحد إذا مر على أخ أو إذا مر على مسلم حتى ولو كان عاملاً، حتى ولو كان من سوقة، حتى ولو كان من أي فئة أن يسلم عليه ويبتسم فله بالسلام حسنات، وبالابتسامة صدقة: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة) فهذا النبي يمر على الصبيان ويسلم عليهم. بعض الإخوان إذا مر على الصبيان وهم يلعبون فإنه يضغط على بوق السيارة حتى يطردهم عن لهوهم يميناً ويساراً، لماذا يا أخي؟ مر، فإن كان وقت صلاة سلم عليهم، يا شباب! ما رأيكم لو نصلي وبعد الصلاة نكمل اللعب؟ يا شباب! السلام عليكم، أنا سمعت واحداً يقول لصاحبه: الله يفعل بك كذا يسب ويشتم، وهذا ما يجوز، والنبي ﷺ ما يرضى بذلك، فلنتعلم من أخلاق النبي ولنطبقها، لا تكن هذه السيرة أوراقاً في الكتب، وحروفاً وأسطراً في المجلدات، نريد من هذه السيرة أن نتأسى بها حتى نطبقها في واقعنا. وكان ﷺ يلاعب زينب بنت أم سلمة ويقول: يا زوينب! يا زوينب! مراراً يداعبها ويلاعبها ﷺ . ومن تواضعه مع الصغار ولطفه بهم ما رواه أنس قال: (كان ﷺ يدخل علينا، وكان لي أخ صغير، وكان له نغر -الطائر النغري المعروف- يلعب به، فمات نغره الذي كان يلعب به، فدخل النبي ﷺ ذات يوم فرأى أبا عمير حزيناً فقال: ما شأن أبي عمير حزيناً؟ فقلنا: مات نغره الذي كان يلعب به يا رسول الله، فيلتفت ﷺ إلى هذا الصغير فيقول: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ فيقول أبو عمير: مات يا رسول الله! مات يا رسول الله!) فالنبي بقدره وجلالة هيبته يتنزل إلى مستوى هذا الطفل فيتفاعل معه في مصيبته الصغيرة وهي: موت عصفوره. قبّل الطفل ولو لم يك لك إنما الطفل على الأرض ملك عطفة منك على لعبته تخرج المكنون من كربته ومن تواضعه ولطفه بالصغار ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: (مر علينا النبي ﷺ ونحن نلعب فقال: السلام عليكم يا صبيان، السلام عليكم يا صبيان) هذا نبينا إمام الهدى على جلالة قدره يقف ليسلم على هؤلاء الصبيان! وكذلك يقول أنس ﵁: (كان ﷺ أحسن الناس خلقاً، أرسلني يوماً لحاجة -وكان أنس خادم رسول الله ﷺ قال أنس: فخرجت حتى مررت على صبيان وهم يلعبون في السوق فوقفت ألعب معهم) النبي أرسل أنساً في حاجة فأنس في الطريق وهو ذاهب لحاجة النبي صلى الله عليه وسلمن إذ وجد أطفالاً يلعبون فنسي حاجة الرسول ﷺ وجلس يلعب مع الأطفال، فمر النبي ﷺ ووقف خلف أنس ومن ورائه قال أنس: (فنظرت إليه وإذ به ﷺ يضحك، والنبي يقول: يا أنيس! ذهبت حيث أمرتك؟ فقال أنس: أنا ذاهب الآن يا رسول الله، أنا ذاهب الآن يا رسول الله!). فالنبي يرسل أنساً، وأنس يجد أطفالاً يلعبون، فيقف يلعب معهم، ثم يأتي النبي ﷺ خلفه، ثم يلتفت أنس في لحظة وينظر إلى النبي ﷺ يتوقع أنه سيعاتبه على تأخره عن الحاجة، والنبي ينظر إلى أنس ويضحك ويقول: ما فعلت بالحاجة التي أمرتك؟ فيقول أنس: (أنا ذاهب الآن يا رسول الله) فانظروا إلى لطفه ﷺ . ومن تواضعه وعذوبة لطفه ورحمته بالصغار ما رواه أبو قتادة قال: (بينما نحن جلوس في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ﷺ يحمل أمامة بنت العاص بن الربيع وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ قال: فصلى النبي ﷺ وهي على عاتقه؛ يضعها إذا ركع ويعيدها على عاتقه إذا قام، حتى قضى صلاته يفعل ذلك في صلاته كلها) من أجل ماذا؟ رحمةً بهذه الطفلة، رحمةً بهذه الصغيرة، رحمةً بـ أمامة بنت زينب زوجة العاص بن الربيع، يعني جدها رسول الله ﷺ .

стр. 1660

رحمته ﷺ

стр. 1661

رحمته ﷺ بالأمة ومن رحمته ﷺ العامة بالأمة ما ذكر الله في شأنه في محكم كتابه حيث يقول الحق ﵎: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ومن رحمته ﷺ أنه قال: (إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز -يعني: أقصر الصلاة- فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه) يعني: أخشى على أمه، ومما أعلم من شدة شفقة ورحمة أمه من بكاء ولدها، فيقصر ويتجوز ﷺ من بكائه. رواه البخاري ومسلم. ومن رحمته ﷺ بهذه الأمة أنه راجع ربه في قصة الإسراء والمعراج لما فرض الله عليه خمسين صلاة فجعل يراجع ربه في كل مرة، والله يخفف عن الأمة حتى عادت إلى خمس صلوات بأجر خمسين صلاة. من رحمته أنه قال: (أيها الناس! إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا فقالوا: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فقال: لو قلت: نعم. لوجبت، الحج مرة وما زاد فهو تطوع). لقد صلى النبي ﷺ التراويح بالصحابة فصلى بهم اليوم الأول والثاني، ثم بعد ذلك صلاها في بيته، فقال الصحابة: (هلا نفلتنا بقية شهرنا يا رسول الله؟ فقال: خشيت أن تفرض عليكم فلا تطيقوا ذلك) كل ذلك -أيها الأحبة- من رحمته ﷺ بالأمة. بل من عظيم رحمته أنه ادخر دعوة الإجابة شفاعة لأمته ﷺ .

стр. 1662

رحمته ﷺ في تعليم أصحابه ومن رحمته ولطفه في تعليم صحابته ﷺ ما جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فزجره أصحاب النبي ﷺ ، فقال ﷺ : دعوه لا تزرموه -أي: اتركوه حتى ينتهي من بوله- ثم قال ﷺ للأعرابي لما انتهى: إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن -ثم التفت النبي ﷺ لأصحابه وقال-: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه دلواً من ماء) لأن من الناس من إذا وقع في زلة أقام أحدهم الدنيا ولم يقعدها؛ لأنه أخطأ، فلا يأتيه باليسر، ما يأتيه باللين، ما يأتيه باللطف، بل البعض ربما يتمنى أن يجد من يخطئ حتى يتعنتر عليه في توجيهه وإرشاده ولا حول ولا قوة إلا بالله! وعن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ (بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فنظر الصحابة إليَّ الصحابة وهم يضربون بأيديهم على أفخاذهم فقلت: وا ثكل أمياه، ماذا فعلت؟!) أي: في المرة الأولى قال: يرحمك الله، فأخذوا ينكرون فعله هذا ويضربون بأيديهم على أفخاذهم؛ فقال: وا ثكل أمياه! ماذا فعلت حتى تفعلوا بي هذا؟! فلما انتهت الصلاة سأل النبي ﷺ عن المتكلم في الصلاة، فقال معاوية: (أنا يا رسول الله. فقال معاوية: بأبي وأمي هو ﷺ ، والله ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، فقال ﷺ لـ معاوية بن الحكم السلمي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) رواه الإمام مسلم. ما أجمل هذا الأدب! ما أعذب هذا التعليم! ما ألذ هذه المعاملة! ما أطيب هذه النفس التي تجعل الحجر الأصم ينقلب إلى ألين ما يكون، وأسهل ما يكون، وأقبل ما يكون للإرشاد والتعليم!

стр. 1663

عيشه ﷺ أما عيشه ﷺ وهو إمام الهدى الذي خير أن تتبعه الجبال ذهباً وفضةً، فقد كان لا يشبع ثلاثة أيام تباعاً من خبز بر حتى مات ﷺ ، تقول عائشة ﵂ في ما رواه الشيخان: (ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعاً) والآن نحن عندنا مراكز (تخسيس) ومراكز (ريجيم) -نعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ومراكز رشاقة، ومراكز لياقة؛ من أجل أننا أصبحنا نتدحرج بهذه الكروش من كثرة ما نأكل! والإنسان إذا نزل على صحن فساء صباح المنذرين؛ ما يرفع رأسه بتاتاً والنبي ﷺ ما شبع ثلاثة أيام تباعاً أبداً. وتقول عائشة ﵂: [إنا كنا آل محمد ليمر بنا الهلال ما نوقد ناراً، إنما هما الأسودان التمر والماء] رواه البخاري ومسلم، بل ويمر على بيته ﷺ الهلال تلو الهلال تلو الهلال، أي: يمر الشهر والشهر الذي يليه ولم يوقد في بيته ﷺ نار، قيل: (ما كان طعامكم يا أم المؤمنين؟ قالت: الأسودان: التمر والماء). يقول عمر بن الخطاب ﵁: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يتلوى من الجوع، ما يجد ما يملأ بطنه من الدقل) رواه مسلم أي: من رديء التمر. الله أكبر! إمام الهدى يخير أن تسير الجبال خلفه ذهباً وفضة! إمام الأمة ﷺ يتلوى من الجوع لم يجد دقلاً يشبع منه! (وكان ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء). رواه أحمد في مسنده بسند حسن. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (ما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق بربه، ولا شاةً سميطاً) رواه البخاري يعني: ما رأى شاة مشوية، ما رآها بعينه قط فضلاً عن أن يكون أكل هذا الرغيف المرقق أو البر الناعم أو الشاة السميط المشوية. وهذا من دعائه ﷺ فقد كان يقول: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) رواه البخاري ومسلم.

стр. 1664

كرمه وجوده ﷺ ولقد كان رسول الله ﷺ من أكرم الخلق: (وكان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري. وأجود خلق الله صدراً ونائلاً وأبسطهم كفاً على كل طالب نعم. ما قال: لا، وما سأله أحد شيئاً فمنعه إياه، بل أعطاه وبذله. ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم تعود بسط الكف حتى لو أنه ثناه لقبض لم تجبه أنامله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله ما كان ﷺ يرد سائلاً أبداً، وروى مسلم عن أنس ﵁ (أن رجلاً سأل النبي ﷺ فأعطاه غنماً بين جبلين، فقام ذلك الرجل الذي أعطي الغنم وأتى قومه يقول: يا قوم! أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر) الله أكبر! يعطي غنماً بين جبلين، ويبيت ﷺ طاوياً، ما قال: أبقي من هذه الغنم من أجل أن أشبع، أو أنا أدخر لحاجتي، أو أنا لابد أن أفعل لحاجتي ما أفعل، بل يبذل ﷺ ولا يخشى من ذي العرش إقلالاً أبداً. يعطي ﷺ عطاء من لا يخشى الفقر، وكان الرجل يجيء إلى رسول الله ما يريد إلا الدنيا فيعطيه النبي ﷺ ، فما يمسي الرجل حتى يكون دينه أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها. ولما فتح الله مكة على المسلمين -كما روى مسلم في صحيحه - (خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين إلى حنين فاقتتلوا فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذٍ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة ثم مائة فقال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ) هذا من كرمه ﷺ . وما كان يستكثر على أحد عطاء أعطاه لو كان النبي يقيم لهذه الدنيا حساباً ووزناً وهي التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة لما أرخص بها، ولكنه ﷺ بذلها طيبة بها نفسه ﷺ . بل من المعلوم أنه في غزوة حنين عندما طلب صفوان بن أمية مئات من الإبل جاء الأقرع بن حابس التميمي وأعطاه مائة ناقة، ثم جاء عيينة بن حصن الفزاري فأعطاه مائة، ثم جاء غيره وأعطاه مائة، انتهت النوق فما بقي شيء، فجاء العباس بن مرداس السلمي وهو شاعر من الشعراء فقال: يا رسول الله! أعطني، أنا شاركت معكم، فأعطاه النبي ﷺ خمسين من الإبل فقال العباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العبيد العبيد: فرس عند العباس بن مرداس اسمها العبيد، فيقول يخاطب النبي ﷺ ، يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع أنا الذي ما زلت أقاتل ثم الغنائم يتقاسمها الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن الفزاري! أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع فما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع إلا قراريط أعطيتها عداد قوائمه الأربع فقال ﷺ : يا علي! كفوا عنا لسانه، أعطوه ما يرضيه، فأعطوه حتى رضي، ﵁.

стр. 1665

انتقاله إلى ربه ﷺ هكذا -أيها الأحبة- كان ﷺ يعطي ويبذل بذلاً سخياً، ومع أنا لم نحط بدرر سيرته -وكل سيرته أقمار ولآلئ ودرر- ﷺ إلا أن سنة الله ماضية: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]. ولو كانت الأعمار تبقى لواحد رأيت رسول الله حياً مخلدا روى البزار في مسنده وصححه الحاكم قال ﷺ : (جاءني جبريل فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] قال الله لنبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] والنبي ﷺ يعزي من ابتلي بمصيبة أن يذكر مصيبة الأمة في فراقه ﷺ ؛ حيث روى ابن عباس ﵄ قال: قال ﷺ : (إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته فيّ فإنها أعظم المصائب) رواه الإمام مالك والدارمي والطبراني في الكبير وغيره. وعن عائشة ﵂ قالت: قال ﷺ : (يا أيها الناس! أيما أحد من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته في عن مصيبته التي تصيبه، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي) رواه ابن ماجة اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها فاذكر مصابك بالنبي محمد ﷺ . نعم -أيها الأحبة- لا بد من الفراق، ولا بد من الوداع، هذه الصفحات المشرقة والليالي المقمرة بحياة النبي ﷺ ، والأيام المنيرة بشمائله ﷺ ، لا بد لهذا النبي من سنة الله في خلقه أن يموت وأن يفارق هذه الدنيا: عزاء فما ينفع الجازع ودمع الأسى أبداً ضائع بكى الناس من قبل أحبابهم فهل منهم أحد راجع عرفنا المصائب قبل الوقوع فما زادنا الحادث الواقع وكل أبي لداع الحِمام إن يدعه سامع طائع يسلم مهجته سامحاً كما مد راحته البائع وللمرء لو كان ينجي الفرار في الأرض مضطرب واسع وكيف يوقى الفتى ما يخاف إذا كان حاصده الزارع؟ ولو أن من حدث سالماً لما خسف القمر الطالع لو أن الأحداث يسلم منها أحد، لو أن الموت يسلم منه أحد، لو كانت الأعمار تبقى لواحد لرأيت رسول الله حياً مخلداً، فقد كتب الله على نبيه ما كتب، فعن عائشة قالت: (كان ﷺ وهو صحيح يقول: إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير قالت: فلما اشتكى وحضره القبض غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت، ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى، تقول عائشة: فقلت: إذاً لا يختارنا) رواه البخاري ومسلم. ولما نزل به ﷺ الموت طفق يطرح خميصةً له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو كذلك، ثم يقول: (لعنة الله على اليهود، لعنة الله على اليهود، لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري. وقد دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة وعندها رسول الله ﷺ وفي يد عبد الرحمن سواك وعائشة قد أسندت رسول الله ﷺ إليها، تقول عائشة: (فرأيت رسول الله ينظر إلى السواك في يد عبد الرحمن فعلمت أنه ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك. فأشار بيده أن نعم، قالت: وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل ﷺ يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه الشريف يقول: لا إله إلا الله. إن للموت لسكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده ﷺ . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (لما ثقل النبي ﷺ وجعل الكرب يتغشاه قالت فاطمة ﵍: واكرب أبتاه! فقال ﷺ : ليس على أبيك كرب بعد اليوم فلما مات قالت فاطمة: يا أبتاه أجاب رباً دعاه يا أبتاه إلى جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه). فلما دفن وعاد الصحابة بعد دفنه ﷺ قالت فاطمة ﵍: (يا أنس! أطابت نفوسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ ؟!) رواه البخاري. وعن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر في العالية فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله، فجاء أبو بكر ﵁ فكشف عن وجه رسول الله ﷺ فقبله، وقال: بأبي أنت وأمي! طبت حياً وميتاً يا رسول الله، والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبداً. ثم خرج أبو بكر ﵁ ووجد عمر يتكلم والناس حوله، فلما تكلم أبو بكر التفت الناس إليه وتركوا عمر، فجلس عمر وقام أبو بكر وأثنى على الله وقال: ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] فكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية أنزلت حتى تلاها أبو بكر، قال عمر ﵁: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها حتى هويت إلى الأرض -سقطت على الأرض- وعلمت أن النبي ﷺ قد مات). صُلي عليه ﷺ ، ودفن وغسل ﷺ ، ومع ذلك ما تيقن عمر أنه قد مات ﷺ من شدة حبه لنبيه إمام الهدى. فهذا نبينا، وهذا إمام الهدى ﷺ ، وما أجمل قول القائل فيه: يا من له الأخلاق ما تهوى العلا منها وما يتعشق الكبراء زانتك في الخلق العظيم شمائل يغرى بهن ويولع الكرماء وإذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت ما لا تفعل الأنواء وإذا عفوت فقادراً ومقدراً لا يستهين بعفوك الجهلاء وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هم الرحماء وإذا غضبت فإنما هي غضبة في الحق لا ضغن ولا بغضاء وإذ رضيت فذاك في مرضاته ورضا الكثير تحلم ورياء وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو النديَّ وللقلوب بكاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء بك يا بن عبد الله قامت سمحة بالحق من ملل الهدى غراء بنيت على التوحيد وهي حقيقة نادى بها الحكماء والعقلاء الله فوق الخلق فيها وحده والناس تحت لوائها أكفاء والدين يسر والخلافة بيعة والأمر شورى والحقوق قضاء أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى فالكل في حق الحياة سواء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء أيها الأحبة: حق نبينا ﷺ أن نكثر من الصلاة عليه خاصة يوم الجمعة وليلتها، وأن ننافح عن سنته، وأن ننشر دعوته، وأن نهتدي بهديه، وأن نصدق حبه باتباعنا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك.

стр. 1666

الأسئلة

стр. 1667

كلمة توجيهية لرجال الحسبة السؤال فضيلة الشيخ: إخواننا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد كان لديهم اليوم محاضرة في مقرهم، فرأى فضيلة رئيس الهيئة أن يحضر جميعهم إلى هذا المسجد، ومعهم فضيلة الشيخ/ عثمان الشهري رئيس الهيئة في جدة، ويطلب كلمة توجيهية قصيرة إليهم. الجواب أما أحبابنا وإخواننا المحتسبون القائمون على ثغر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلهم منا خالص الدعاء، وجميل الثناء، والتواصي فيما بيننا وبينهم بالحق والصبر، وإن هذا الثغر لنفع متعد، وعبادة ليست قاصرة، لأن البعض قد يقول: ماذا لو اشتغلت بخاصة نفسي، وما الذي يشغلني بالذهاب والإياب ومطاردة المجرمين والأشرار والفجار؟ نقول: يا أحبابنا! هذا ثغر عظيم، والقائمون عليه هم الذي يحمون السفينة من أن تغرق بإذن الله ، فواجبنا وحقهم علينا أن ندعو لهم. ونصيحتنا لهم أن يتذكروا الإخلاص وأن يتذكروا الاحتساب، نحن نعلم أن الهيئة ليس فيها من المرتبات المغرية حتى يصر العاملون في البقاء فيها، ونعلم أن الهيئة ليس فيها الحوافز الجيدة، ونعلم أنهم بأمس الحاجة إلى أمور كثيرة، لكننا نعلم أن الذي أبقاهم رغم هذا كله هو الغيرة لدين الله، والغيرة لشرع رسول الله ﷺ : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠] ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] فإنهم بإذن الله على خير من عند الله في الدنيا والآخرة. كما نوصي أحبابنا بالرفق واللين وعدم العجلة، ولأن نخطئ في العفو خير من أن نخطئ في العقوبة، والنبي ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً) فالمنكر الذي ينكر هو الذي رأيناه وتحققنا منه أو رآه من بلغنا، ثم تحققنا بعد ذلك من بلاغه، فلا نعجل في اتخاذ إجراءات، لأن من الفجار من يمثلون تمثيليات من أجل الإيقاع بالهيئة في دعوى التسرع وعدم التثبت ونحو ذلك؛ ولذلك فلابد لنا من التثبت والتريث. المسألة التي تليها: الستر على المسلمين ما أمكن إلى ذلك سبيلا؛ سواءً بستر الأمور إذا بلغت للهيئة، لأن الأمور خاصة إذا بلغت إلى رئيس المركز وهو نائب السلطان في الحسبة فلم يكن من حقه أن يعفو أو أن يستر (تعافوا الحدود في ما بينكم، فإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع) أي: فلا يجوز التساهل بهذا الأمر، لكن لعل ذلك بالإمكان إذا كان في مسائل التعزير، إذا كان في مسائل التعزير ورأوا من المصلحة أن يعالج الأمر بطريقة معينة، وأن يقام الأدب بطريقة معينة من دون هتك ولا فضح، وهو المعروف المشهور المعلوم عن إخواننا في الهيئة، والذي نعلم عنهم -جزاهم الله خيراً- أن القضية إذا تعلقت بالفتيات أو بالنساء فإنهم أحرص ما يكونون على سترها حفاظاً على مستقبلها، وأملاً في زواجها حتى لا تفضح، فإذا هتك سترها فإنها لا تجد من يتزوجها، وربما كان سبباً في طلاق أخواتها المتزوجات أو في بقاء أخواتها العانسات لا يتزوجن، فهم يراعون ذلك أشد المراعاة. ثم إني أدعوكم جميعاً أنتم -أيها الإخوة- أن تتفقدوا الهيئة بأنفسكم بمعنى: إذا كان بجواري أنا جهاز للهيئة وأنا أعرف أحد التجار والمحسنين، هذا المركز محتاج إلى جهاز حاسوب (كمبيوتر) بحاجة إلى شيء من الأثاث، بحاجة إلى التعاون في إصلاح سيارة، فلا نقول: جهاز الحسبة جهاز حكومي ونحن لا علاقة لنا به ألبتة، فكثير من الدوائر الحكومية تقبل الهبات والتبرعات والهيئة من ضمنها، فمن واجبنا أن نجتهد في إعانة القائمين على هذا الثغر وإكمال احتياجاته ومستلزماته، ولنا بذلك أجر عظيم عند الله . واعلموا يا إخوان أن العلمانيين يسوؤهم يوم أن يروا سيارة هيئة أو رجل حسبة، ولكن يأبى الله ذلك والمؤمنون، لابد أن تبقى الهيئة، ولابد أن تبقى الحسبة، ولابد أن يبقى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلينا أن نتمسك بذلك وأن نفوت مصالحنا في مختلف الجهات الأخرى حينما نتمسك بالهيئة، ونعلم ما يفوتنا من التمسك بها من الحوافز الأخرى، لكن لن يضيع عند الله ، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

стр. 1668

بيان الكتب الشاملة لسيرة المصطفى ﷺ السؤال نرجو منكم يا فضيلة الشيخ أن تدلنا على كتاب في السيرة يبين لنا دقائق شماله ﷺ . الجواب كتب السيرة كثيرة جداً، ولكن الكثير منها غير مضبوط بالسند، أعني: غير محقق بالأسانيد، لكن أنا أقول: من أراد أن يبحث في شمائل وفضائل النبي ﷺ بحثاً مضبوطاً بالأسانيد، ويعرف الصحيح من الحسن من الضعيف أو من الموضوع حتى يتجنبه فعليه بكتب الحديث، فإن كتب الحديث لا تخلو من فصول في سيرة النبي ﷺ ، وفي مبعثه، وفي أخلاقه، وفي كرمه، وفي عفوه، فكتب السنة فيها خير كثير. لكن هذا لا يجعلنا نقول: لا نلتفت ولا نعتبر ولا نستفيد من كتب السيرة بل نستفيد منها، وعلى سبيل المثال سيرة ابن هشام الشاملة الكاملة، وكذلك لها مختصرات كـ مختصر السيرة للشيخ/ محمد بن عبد الوهاب، ومختصر السيرة للشيخ/ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، والرحيق المختوم في سيرة النبي المعصوم للمباركفوري وغيرها من كتب السيرة النافعة المفيدة.

стр. 1669

أخلاق المعلم المتطلبة فيه السؤال ما هي أخلاق المعلم التي يجب اتباعها على ضوء أخلاق المعلم الأول ﵊؟ الجواب العدالة وإذا المعلم لم يكن عدلاً سرى روح العدالة في الشباب ضئيلا أن يكون المعلم عدلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢] ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨] أن يطبق على نفسه وأن يجتهد، ولكن إياه أن يترك التعليم والإرشاد؛ لأنه زل زلة أو أخطأ خطيئة أو لم يستطع أن يفعل شيئاً مما أمر به، فإن ذلك ليس من الحتم اللازم الذي لا يجوز إلا به، بمعنى أن الإنسان إذا كان لا يستطيع أن يفعل هذا الشيء فلا يأمر به! فكم من فقير يخطب وينصح ويأمر بالصدقات، وقد لا يكون قادراً على إخراج الصدقات، فربما لا يستطيع إلا أن يحقق مصاريف بيته وحده فقط. وعلى سبيل المثال أشياء أخرى، لكن الحذر الحذر من الوقوع في المخالفات التي ينهى عنها الإنسان، فإن وقع فيها فليتب إلى الله ، وليبادر هذه الزلة بالتوبة؛ لأن من الناس من لو علم أو نصح أو أفاد قال: أنا أخطأت ذاك اليوم الخطأ الفلاني إذاً أنا منافق، إذاً إذاً إذاً. نقول: لا، اسمع قول الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] المنافق يدمن المعصية في السر ويدمن إظهار الخير في العلن، لكن المسلم يدمن الخير ويستمر على الخير ظاهراً وباطناً. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1670

إن أكرمكم عند الله أتقاكم لقد جاء عن المصطفى ﷺ ما يبين أن التفاضل بين الناس ليس بالتراب ولا العنصر ولا الجمال، ولا العشيرة ولا الجاه والسلطان، وإنما التفاضل بما يكون في القلوب من تقوى وتعظيم لله، ولقد حاول أعداء الله زرع التفرقة والتمييز العنصري بين المسلمين، ونجحوا بذلك عند المغفلين من الناس، ولو رجعوا إلى الله لذابت العنصرية.

стр. 1671

العصبية القبلية في ميزان الشرع إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات:١٣] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. ويقول ﷺ : (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، الناس سواسية كأسنان المشط، أبوهم واحد، الأب آدم). معاشر المؤمنين: هذه مما لا تخفى على أدنى المتعلمين في أقل الدرجات الدراسية، والمستويات التعليمية، ولكن أناساً كبرت أجسامهم، وسفهت أحلامهم، تقدم بهم العمر، ولا تزال عقولهم صغيرة، لا تزال تعشعش العصبية في نفوسهم، والقومية الجاهلية في قلوبهم، أولئك الذين لا زالوا ينظرون إلى أنفسهم نظرة الكمال؛ لأنهم من قبيلة بني فلان، أو من أسرة بني فلان، أو من فخذ بني فلان، ويرون غيرهم نظرة الدون؛ لأن غيرهم من بني فلان وآل فلان. سبحان الله!! هل عندهم كتاب في هذا أو أثارة من علم حتى يحتجوا بها، ويفرِّقوا بين العباد بها؟! أسوق هذا -أيها الأحبة- لما سمعته، ودنا إلى علمي، وظهرت بوادره في بعض المجتمعات، وإن كان المجتمع الإسلامي قاطبة يشكو من هذه العصبية الجاهلية، والقومية البغيضة، والعرقية النتنة، إلى يومنا هذا. أيها الأحبة في الله: إن الإسلام نقل الناس من ضيق القبلية إلى العالمية الإنسانية، ومن أزقة القومية المسدودة إلى صراطه المستقيم الواسع الذي يقبل العباد أحمرهم وأسودهم وأبيضهم، وأميرهم وفقيرهم، ووضيعهم ووزيرهم في هذا الصراط، ومن أبى إلا الخروج عنه، فتباً له وسحقاً وبعداً. تباً لمن يفتخر بعظم نخر، قال ﷺ : (من رأيتموه يفتخر بنسبه فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) أي قولوا له: ضع ذَكَرَ أبيك في فمك، أو كما قال ﷺ . أيها الأحبة: إن نغمة العصبية الجاهلية، والعرقية الضيقة، طالما عزف عليها البعث في حرب الخليج، طالما دندنت عليها إذاعة مكة المزعومة، وصوت المدينة في إذاعتها المشئومة، وأرادوا أن يمزقوا شمل هذا المجتمع، وأن يقطِّعوا نياط هذه الأمة، وأن يشتتوا اجتماع هذه الأمة بإثارة النعرات والعصبيات، والثارات القبلية القديمة، بين القبيلة الكبيرة ضد القبيلة الكبيرة الأخرى، وبين الفخذ العريض ضد الفخذ الآخر من نفس القبيلة، ولكن الله سلَّم، وأصبحت تلك الصيحات الداعية إلى إثارة النعرات هباءً منثوراً، لا تجد لها أثراً ولا وجوداً ولا نتيجة، ولا غرابة أن يبعث العصبية أو أن يبعث القبلية بعثي ضد المسلمين، أو يبعثها قومي اشتراكي ضد الموحدين، أو أن يبعثها علماني أجنبي ضد الآمنين، لكن أن تنبعث العصبية، وصيحات العرقية بين بني جلدتنا، بين إخواننا، بين أبنائنا، بين أفراد مجتمعنا، فذاك جهل عريض! إن الذين يحاولون أن يرفعوا هذه العصبية، أو أن يتألف بعضهم على بعض في إطار العرقية القبلية، والهمجية الضيقة الجاهلية، أولئك يدقون المسامير في نعش هلاك الأمة، ويهدمون بمعاولهم في كيان وأساس الأمة، ولماذا يفتخر بعضنا على بعض بالنسب؟ ولماذا يفتخر بعضنا على بعض بالقبيلة، ولماذا يفتخر بعضنا على بعض بالفخذ؟ وهب أن ذاك الذي افتخر بنسبه، أو اعتز بقبيلته، أو جعل طوق الجاهلية في عنقه، فلم ير رابطة إلا من خلال تلك القبيلة، ولا يحب إلا في إطار تلك القبيلة، ولا يوالي إلا في إطار تلك القبيلة، ولا يمنع ولا يعطي إلا في إطار تلك القبيلة، هب أن ذاك فعل هذا كله، فهل ضمن الجنة بين عينيه؟!! هل جاوز الصراط بقبيلته؟!! هل نال الشفاعة بنسبه؟!! هل دنا من حوض نبينا بأرومته؟!! هل وجد الأمن في قبره أو الأنس في لحده؟!! هل أعطي فسحة في الأجل بهذه الدعوة الضيقة؟!! معاذ الله. إن هذا الدين العظيم لم يكن ديناً خالداً يصلح لكل زمان ومكان، ولم تكن هذه العقيدة معجزة متجددة للبشرية إلى قيام الساعة إلا يوم أن جعلت العباد سواسية، لا فضل لعربي على عجمي، ولا أسود على أبيض، ولا أحمر على غيره، إلا بالتقوى. ولئن كانت دول الغرب التي طعنت في الحضارة، وأغرقت في التمدن، وأبعدت النجعة في وسائل التقنية تفتخر بهذا إلا أنها لا تزال تعيش عقدة الملونين، ولا تزال ترى أسباب العصبية، وألوان العنصرية ضاربة متحكمة في مجتمعها، الأمر الذي نراهن عليه، ونقطع به، بل نجزم بأن انهيار الحضارات الغربية بات وشيكاً قريباً، لأنها تنظر إلى المجتمع نظرة التفرقة العنصرية، ونظرة التفريق بين الملونين.

стр. 1672

النبي ﷺ ومحوه لداء العنصرية والتفرقة ولنعد إلى دولة الرسول ﷺ لنرى صورة بين أسود وأحمر تلاحا ﵄ في حالة غضب، وفي حالة ضعف شيئاً ما، بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ ، الأسود الحبشي، وأبو ذر الغفاري من غفار، فلما كان بينهما من الكلام ما كان قال أبو ذر: (اسكت يا ابن السوداء، فسكت بلال ﵁ وسكت لأنه يعلم أن النبي ﷺ لن ولا ولم يقر يوماً ما، شيئاً من هذه العصبية، أو من ريحها، وحاشا الصحابة أن تتحكم فيهم الجاهلية، إنما هي نزغات من الشيطان يستعيذون بالله منها، فيولي شيطانهم خنيساً بعيداً. فلما علم بذلك النبي ﷺ قال: (بئس ما قلت له أن عيرته بأمه، ثم التفت إلى أبي ذر وقال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية) لم يقل: أنت من أهل الجاهلية، ولم يقل: أنت جاهلي، وإنما قال: (فيك جاهلية) يمكن أن تزول بالتوبة، يمكن أن تضمحل وتتوارى بالأوبة. (فبكى أبو ذر ﵁، وعاد إلى أخيه بلال يقبله، ويضمه، ويستسمحه، ويطلب منه العفو والمغفرة، فما كان من أبي ذر إلا أن وضع خده على التراب، وقال: يا بلال! لا أرفع خدي حتى تضع رجلك السوداء عليه). ولم يقل: أنا غفاري وهذا حبشي ولم يقل: أنا عربي وهذا أجنبي ولم يقل: أنا من غفار وهذا من الحبشة لا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف:٢٠١] يعودون، ويستغفرون، ويتوبون، ويئوبون، وبهذا نعرف كرامة كل مسلم، لو كان رصيده في البنك هللة، أو كانت أطماره بالية، أو كان على بند الساعات والأجور، أو كان لا يملك فلة فارهة، أو لا يجد ريالاً يركب به مع النقل الجماعي فضلاً عن كونه يملك سيارة أو لا يملك. بهذا نعرف أن منزلة كل مسلم، إنما هي بما يحمل في قلبه من قربة إلى الله فمن كان أقربنا إلى الله، فهو أعلانا منزلة، وأما الأموال والأولاد، فكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ:٣٧] ليس البنون والولدان يقربان كل بعيد، أو يرفعان كل وضيع، أو يقويان كل ضعيف، أو يعزان كل ذليل، لا والله! إنما هو الإيمان، إنما هي التقوى، إنما هو الارتباط بالله جل وعلا. مر رجل غني ثري وجيه رفيع وكان الرسول ﷺ والصحابة جالسين، فسأل ﷺ قال: (ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله! هذا رجل حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع فجدير بأن يشفع، وإن تكلم فضمان أن يسمع، ثم مر ضعيف فقير) ويا محنة الفقراء في هذا الزمان! يمشي الفقير وكل شيء ضده ويرى العداوة لا يرى أسبابها حتى الكلاب إذا رأت ذا نعلة هشت إليه وحركت أذيالها وإذا رأت يوماً فقيراً معدماً نبحت عليه وكشرت أنيابها حتى النفاق دخل في الكلاب، ثم مر فقير طرير لا يُلتفت إليه فقال ﷺ : (ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله! هذا رجل مسكين، إن تكلم لا يسمع له، وإن خطب لا يزوج، وإن شفع لا يشفع له، فقال ﷺ : لهذا خير من ملئ الأرض من ذاك). وليس الفقر منقبة بعينه، لكن لعل رسول الله ﷺ علم من انكسار ذلك الفقير، وقربه من الله جل وعلا، ما لم يكن موجوداً عند ذلك الغني بأمواله. ويقول ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره) يعني: لو قال: أقسمت يا رب عليك أن تمطر السماء الآن لأمطرت. (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب) ربما يطرق الباب سائلاً أو محتاجاً أو واقفاً، فيفتح الباب ثم يدفع في وجهه (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره). إذاً فإلام يمضي أولئك الذين يريدون أن يمزقوا شملنا في بلادنا بالعصبيات الجاهلية، والقوميات العنصرية؟! ونقول لأولئك الذين يرفعونها شمالاً أو جنوباً، شرقاً أو غرباً، وسطاً أو قريباً أو بعيداً، نقول لمن أراد أن ينظر إلى قوته وموقعه بنسبه أو بحسبه، أو بأرومته، نقول له: تفتخر بماذا؟ بالخراءة والعذرة في جوفك؟ بالبول في مثانتك؟ بالقذى في عينك؟! بالمخاط في أنفك؟! بالوسخ في أذنك؟! بالبخر في فمك؟! بالنتن في بدنك؟!! هذا هو الإنسان، قذى في العين، مخاط في الأنف، وسخ في الجوف، أذىً في البطن. بماذا يفتخر إنسان على آخر؟! حج الخليفة الأموي ومعه ولداه، وكان الذي يتولى الإفتاء في المناسك بأمر الخليفة هو عطاء بن أبي رباح؛ عبد مولى أُعتق فطلب العلم، فبلغ فيه قمته، فانتهت إليه الفتوى في أمور المناسك، وكان الناس يقفون عليه سماطين أو ثلاثة -بما نسميه طابوراً- كل ينتظر دوره لكي يسأل عطاء بن أبي رباح، وهل كان عطاء جميلاً طويلاً مهيباً وسيماً؟ كان عطاء ﵀ مفلفل الشعر، لا يرى إلا بعين واحدة، أفطس الأنف، إذا رئي من بعيد كأنه غراب ﵀، فلما بلغ الأمر حد الخليفة، يريد الخليفة أن يسأل في شأن من شئون المناسك، فجاء الخليفة وجثا بركبتيه عند عطاء بن أبي رباح، وأجلس ولديه على يمينه ويساره، وطأطأ مطرقاً هيبة للعلم، وإجلالاً للعالم، الخليفة الأموي يطأطئ ويجثو بركبتيه بين يدي عطاء بن أبي رباح، فهل ضر عطاء أن كان عبداً؟! وهل ضر عطاء أن كان مفلفل الشعر؟! وهل ضر عطاء أن كان أسود اللون؟! وهل ضر عطاء أن لم يكن له إلا عين واحدة؟! وهل ضر عطاء كل ما لا يحبه أولئك القوميون والعصبيون؟!

стр. 1673

القومية ونعرتها الجاهلية أيها الأحبة: إن نعرة القومية نعرة فاشلة، ولما أن سقطت بلاد المسلمين في يد المستعمرين، وأصبحت أمة الإسلام حمىً مباحاً، وعرضاً مدنساً، ودوحاً حلالاً، لكل غريب، ولكل شرير، ولكل كافر من يهودي ونصراني. أراد من خدعوا الشعوب بدعوى جمع شمل الأمة من جديد، أرادوا أن يجمعوا الأمة تحت شعارٍ يلم شتاتهم، ويشد ما ارتخى من حزامهم، ويجمع شملهم، ويعيد صفوفهم، فكانت بولةً زرارية كبرى، أن جمعت الأمة في الستينات على شعار القومية العربية، وطبَّل الناصريون، وجعجع العلمانيون، وقلَّد الببغائيون والقرود، وتقلب الحربائيون وراء هذه الدعوى. من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر لبيك عبد الناصر وأخذوا يرددون هذا الشعار. وقال الآخر: هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم وماذا كان بعد ذلك؟ لقد عظمت الأشكال، أما النفوس فما تزال صغيرة، لقد كثرت الملابس أما الحقائق فما تزال حقيرة، وقيل لإسرائيل: إنها ستباد وستقتل: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع وبعثت برقية عاجلة، للحيتان في البحار: يا معاشر الحيتان! تجوعوا فسنلقي باليهود إليكم، لتأكلوهم غداءً وعشاءً في أيام متتالية، تجوَّع يا بحر، كما صرح بذلك من صرح، وانخدع الحوت وما وجد طعاماً ونزلت الطائرات: وأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب وقاتلت دوننا الأبواق صامتة أما الرجال فماتوا ثم أو هربوا أيها الأحبة: شعار شبيه بالشعار الذي يطرحه بعض الجهلة، وإني لأجزم أن من يرفع دعوى العصبية اليوم في مجتمعنا الواحد، في أمتنا الواحدة، في جزيرتنا الآمنة، في حدودنا المطمئنة، إن الشعار الذي ربما دندن بعض من أراد أن يجتمع أو يحوم عليه، شبيه بذلك الشعار، ولكن يغفر لهؤلاء الجهل والسذاجة والبراءة، وعدم براءتهم من الدين، وعدم قصدهم بعد الإسلام، وإنما هي نعرة جاهلية. أما أولئك القوميون العرب، فكانوا يرفعون الشعار يريدون أن يفصلوا الأمة عن العالم الإسلامي، عن الهند والسند وعن إندونيسيا وماليزيا وعن جميع المسلمين في جميع بقاع المعمورة، يريدون أن يجعلوها عربية قومية صرفة. أعود فأقول -أيها الأحبة-: إننا لم نبعد كثيراً عن تاريخ توحيد المملكة عام (١٣٥١هـ) توحدت هذه البلاد الآمنة، وماذا كان قبلها، لعل أجدادنا أدركوا وعاشوا زمناً ما كانت الضعينة تأمن، وما كانت القافلة تسلم، وما كانت الأموال يطمأن عليها، وما كانت الأعراض في مأمن من أن ينالها ما ينالها. أوبعد أن من الله علينا بجمع شملنا، وتقارب نفوسنا، ووحدة صفنا، في دولة واحدة، وفي مجتمع واحد، نجد من يرى نفسه من أهل نجد لينظر إلى أهل الحدود الشمالية أو الجنوبية نظرة الدون؟! أنجد من يرى نفسه من أهل الحجاز لينظر إلى من عاش في الشرق أو الغرب نظرة الدون؟! لا والله يا عباد الله إن أولئك فيهم من هم خير منا، وفينا من هو خير منهم، والخير مرتبط بالقرب من الله جل وعلا. ما ارتبط قط لا بنسب، ولا بسبب عرقي، أو بنعرة عصبية، فإن أدركتم هذا استطعتم أن تجمعوا أمتكم على صراط واحد، وفي خيط واحد، وفي محجة واضحة، وإن عاش كل يسب من يقابله في الجهة، فذاك نذير الخطر، والخطر على من تكلم به، والخطر على من رفع هذه الراية، والخطر على من رفع هذا الشعار. فعلينا -عباد الله- أن نتذكر قول النبي ﷺ : (المسلم أخو المسلم، لا يخذله، ولا يسلمه، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) إن كان فيك احتقار لواحد من أهل الجنوب والشمال، أو الشرق والغرب، أو إن كان في واحد من أهل الجنوب أو الشرق أو الغرب أو الشمال احتقار لمسلم في أي جهة أخرى، نقول: يكفيه أن امتلأ قلبه شراً بنظرة الدون هذه، وبنظرة الاحتقار هذه. ألا يا عباد الله: افعلوا ما يقربكم من الله، وابتغوا إليه الوسيلة، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وجعلكم محل نعمته، ومحط رحمته، وجعل الخيرات تتدفق إلى أرضكم، والتفتوا يميناً وشمالاً إلى حدود بلادكم، تجدوا أرضاً ملتهبة، وتجدوا فتناً وقلاقل وبلاء ومصائب متعددة، فهل جزاء شكر نعمة الله إلا أن نسليها بالخضوع والركوع، والذكر والشكر له جل وعلا، بدلاً من أن نظن أننا لأننا من بني فلان أصابتنا هذه النعم، لا والله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1674

دعوة إلى الاجتماع ونبذ القبلية والعرقية الجاهلية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: اعلموا أن دعوى القبلية البغيضة، والعرقية الضيقة، والقومية التي لا أصل ولا دليل لها، اعلموا أنها دعوى إن سلمنا بها لأحد؛ فإن كل قبيلة تريد أن تحتج بها، وإن كان بعض العرب، أو إن كان بعض أفراد قبيلة بني فلان أو بني فلان، يريدون أن يروا لهم فضلاً أو مكانة أو منزلة في بقعة من البقاع أو في مكان من الأمكنة، أو بين طبقة من الناس، فليسألوا أنفسهم: لمن الملك قبل ذلك؟ ألم يكن الملك لله يورثه من يشاء من عباده؟ خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد رب لحد قد صار لحداً مراراً والهاً من تزاحم الأضداد الذين يظنون أنهم هم بنو فلان، الذين لا يتقدمهم أحد في مقام كذا أو في منزل كذا نقول لهم: دونكم فلعلكم تمشون على أجساد أقوام قبلكم، وستمشي أمم بعدكم على أجسادكم وعلى ثراكم، فالله الله أن تفرقنا القبلية، أو أن تمزق شملنا العصبية، أو أن تنطلي حيل أعدائنا فينا. لقد حاول الأعداء بكل سبيل أن يفسدوا هذا الكيان، إن نعمة الأمن ونعمة الوحدة والاجتماع في هذه المملكة حاول كثير أن يمزق شملها بمختلف الصيحات العلمانية والبعثية، وبمختلف ألوان فتح أبواب الفساد أو تصدير الفساد عبر المخدرات، وعبر الخلاعة وعبر المجون. ووالله ما نراه من بث مباشر علينا وليس علينا فقط، أو فحسب، بل على كثير من بقاع المسلمين، وفي بعض الليالي يسلط البث بمكثفات ومقويات لكي يرى الناس أفلام الدعاية والخلاعة والمجون، ما هذا إلا خطوةً أو عاملاً يساعد على تفتيت شمل الأمة، وتكسير شمل هذه الدولة المجتمعة، فحذار حذار يا عباد الله أن تنطلي علينا الحيل، ولنتآلف ولنكن عباد الله إخواناً. واعلموا أنه لن يجمعنا التراث، ولن تجمعنا الفنون، ولن تجمعنا التقاليد، لن يجمعنا إلا لا إله إلا الله محمد رسول الله، إن أردنا أن نؤلف صفوفنا، وأن نجمع شملنا، وأن نحافظ على كياننا، فلنغرس رابطة العقيدة، ورابطة الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله، هذه أعظم رابطة تجمع القلوب، وتؤلف النفوس، وتجمع الأفئدة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. وأما التقاليد، وأما ما يسمى بالتراث، أو ما يسمى بالفنون، فإنها لا تجمع أمة متفرقة، أو لا تعالج دعوى العصبية، ولا توحد شمل المتفرقين. أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يبطل كيد الزنادقة والملحدين. اللهم من أراد بنا في هذه المملكة خاصة، وفي سائر بلاد المسلمين عامة، اللهم من أراد بشملنا فرقة، وباجتماعنا شتاتاً، اللهم أزهق روحه، وعطل أركانه، وخذ سمعه وبصره، وأرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم لا تحجب دعاء المسلمين فيه. اللهم اجمع شملنا، ولا تفرح فينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم لا تشمت بنا حاسداً، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا على طاعتك، وسخر لنا ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل اللهم ذلك في طاعتك، وإعلاء كلمتك، ورفعة دينك، ونصرة أوليائك، ومعاداة أعدائك. اللهم لا تشمت بالمسلمين حاسداً، اللهم لا ترنا يوماً فيه فرقة أو شتاتاً، اللهم احفظ أبناءنا وبناتنا، ونساءنا وزوجاتنا، اللهم احفظ شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم اجعلهم خير الشباب لدينهم، وفي طاعة ربهم، واتباع سنة نبيهم، واجعلهم خير الشباب لأمتهم. اللهم إنا نسألك أن تسلط على من أراد بالفتيات والنساء تبرجاً واختلاطاً وسفوراً في أي مجال من المجالات يا رب العالمين! اللهم أهلك الصربيين، اللهم أهلك الصربيين، اللهم أهلك الصربيين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم إنك تعلم أن مطار سراييفو كان وشيك السقوط في أيدي المسلمين، فتدخل نصراني حاقد، فأمسك بهذا المطار حتى لا تقع فيه إمدادات من السلاح عسكرية للمسلمين، وإنما ليبقى لمجرد الأغذية والأدوية، لا أن يصل السلاح إلى المسلمين. اللهم انقطعت الأسباب، وتقطعت السبل، وأغلقت الأبواب، ولم يبق إلا الفرج والنصر من عندك، اللهم فأنزل النصر على إخواننا في البوسنة والهرسك، اللهم أنزل بالصربيين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أنزل بالصربيين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وأنزل عليهم طيراً أبابيل، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم. اللهم أقم دولة سنية في قلب أوروبا، تكون شجاً وغصة في حلوق النصارى يا رب العالمين! اللهم أقم دولة إسلامية في قلب أوروبا ترفع كتابك وسنة نبيك. اللهم أحقن دماء المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم احفظ ضائعهم، وأطعم جائعهم، وعاف جريحهم، وارحم ميتهم. اللهم أصلح شانهم، اللهم تكفَّل بهم، اللهم قوهم وانصرهم وأغنهم، اللهم أنزل الرعب في قلوب أعدائهم، وأنزل القوة في نفوس المسلمين هناك يا رب العالمين! اللهم عجل نصرهم، اللهم عجل نصرهم، اللهم لا تحجب دعاء وقنوت المسلمين ليل نهار لهم، اللهم ارفع الكربة عنهم، اللهم ارفع البلاء عنهم، اللهم فانصرهم وانصر المسلمين في فلسطين وفي بورما وفي كشمير وفي أفغانستان وفي سائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين! اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1675

إنا وجدنا آباءنا على أمة إن الحق لجلي واضح لمن أراده وطلبه من مظانه، إلا لمن كان في قلبه ظلم أو هوى، وقد أرسل الله الرسل ليبينوا الحق للناس، وفي هذه المادة يتعرض الشيخ لصور رد الحق على مرور التاريخ، وكذلك الحجج والأسباب التي بسببها يرد الحق، منبهاً على وجوب علاج ذلك الداء العضال.

стр. 1676

الحق جلي لمن أراده وطلبه الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد أوله وآخره، وظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا مضل لمن هديت ولا هادي لمن أضللت، ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مباعد لما قربت ولا مقرب لما باعدت، اللهم عائذون بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا. نسألك اللهم ربنا الأمن يوم الخوف، والنعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول يوم القيامة، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، واحشرنا في زمرة نبينا محمد ﷺ غير خزايا ولا مفتونين، بمنك ورحمتك يا رب العالمين! أيها الأحبة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأشكر الله جل وعلا ثم أشكركم على حسن إنصاتكم وحضوركم واجتماعكم، وأشكر مركز الدعوة الذي يسر هذا الشرف بالمثول بين يديكم والتحدث إليكم، أسأل الله جل وعلا أن يذكر بعضنا بعضاً هذا المقام في مقعد صدق عند مليك مقتدر. أيها الأحبة في الله: موضوع المحاضرة في هذه الليلة بعنوان: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]. أيها الأحبة: الحق أبلج وواضح وجلي. والحق أبلج لو يبغون رأيته هيهات يبصر من في ناظريه عمى والله إن الحق لجلي لمن أراده وطلبه، إلا من كان في قلبه ظلم، أو كبر وعلو، أو هوى كما قال : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل:١٤] بألسنتهم، بألفاظهم، بأقوالهم، بأفواههم: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] في قرارة قلوبهم يعلمون أن الحق هو ما جاء من عند الله وعند رسوله ﷺ : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فلماذا يجحدون؟ ﴿ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤].

стр. 1677

صور لرد الحق على مرور التاريخ إن لرد الحق على مرور التاريخ صوراً عديدة، فتارة يرد الحق؛ لأن الذي جاء به ضعيف كما قال قوم شعيب له: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود:٩١] فإنهم يرون أن شعيباً ضعيف، ويرون ضعفه سبباً لرد الحق الذي جاء به، وآخرون يرون أن الفقر والفاقة والمسكنة سبب لرد الحق ممن جاء به، ولذلك قال فرعون يحدث قومه ويرد الحق الذي جاء به موسى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] وهو يفتخر بأمواله ويقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]. وقريش تقول لمحمد: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:٥٣] فهذه صورة من الصور التي بينها القرآن وذكرتها السنة في حال كثير من الذين يردون الحق ولا يقبلونه ممن جاء به. وإن كثيراً ممن يردون الحق لا يردونه لأنهم يجهلونه، والله إنهم ليعلمونه ويعرفونه، ولكن الظلم والكبر، والهوى والعلو، والعناد والإصرار هو الذي ساقهم لذلك، قال : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص:٥٠] لم يقل: فإنهم يجهلون أو لا يعلمون أو لا يفقهون أو لا يدركون، قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] وقال : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] إنه لم يضل عن جهل ولم يضل عن نقص فقه أو فهم، وإنما ضل على علم، كذلك الهوى يعمي صاحبه عن البصيرة ويرده عن اتباع الصراط المستقيم. فالحق أبلج، حينما ندعو من ضل عن الحق إلى الحق ندعوه بدعوة الله لا نسبه ولا نشتمه: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] وإنما شفاء العي السؤال ﴿ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] وحينما نعالج المريض فإننا لا نشتمه ولا نشتم مرضه، وأول ما نحتاج إليه وأول ما ننبهه إليه أن ندعوه إلى استخدام عقله وفكره؛ حتى لا يكون من الذين قال الله فيهم: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] إن من الصور الواردة في رد الحق ودفعه ممن جاء به، ما ذكره القرآن في مواضع شتى، وإن الحاصر والمتتبع لها في القرآن ليجد صورة من الصور تكررت في مواجهة كثير من الأنبياء والرسل، تلكم الصورة التي يرد فيها الضالون الحق ممن جاء به؛ لا لأن عندهم حقاً يوازيه أو ينافسه أو أفضل منه، ولا لأنهم لم يفقهوه، ولا لأنهم لم يدركوه، وإنما قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢]. قال الله : ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٢١ - ٢٤] في هذه الآية ذكر ردهم للحق بسبب اتباعهم لآبائهم. فالأولى قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، والأمة في هذه الآية بمعنى الملة والطريقة ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] وبعد هذه الآية في نفس السورة: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] يقول ابن كثير: يقول منكراً على المشركين في عبادتهم غير الله بلا برهان ولا دليل: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الزخرف:٢١] إي من قبل شركهم، من قبل ضلالهم وبدعهم، من قبل ظلمهم وعدوانهم، هل عندهم كتاب كانوا به يستمسكون؟ ثم بين أن حجتهم في هذا أن آباءهم سبقوا إلى هذا، وهذا حال كثير من أمثالهم ونظرائهم. ويقول في آية أخرى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُون َ﴾ [البقرة:١٧٠] قال المفسرون: إن هؤلاء إذا قيل لهم اتبعوا ما جاءت به الرسل من عند الله، وما جاء على لسان النبي ﷺ ، وكلام النبي وحي يُوحى؛ لأن النبي لا ينطق عن الهوى، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال قالوا: لا. بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والأنداد، فينكر الله عليهم: أولو كان آباؤكم هؤلاء الذين تتبعونهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون، أي: أنتم مصرون على اتباع آبائكم وأجدادكم حتى ولو كان آباؤكم ليس عندهم كتاب يستمسكون به، ولا فهماً، ولا يعقلون شيئاً ولا يهتدون. وفي آية ثالثة يقول : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا﴾ [المائدة:١٠٤] ما هو حسبهم، وما الذي يكفيهم، وما الذي ملأ قلوبهم دون هذا الحق؟ ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة:١٠٤] قال المفسرون: أي أنهم إذا دعوا إلى الله وشرعه وما أوجبه، وإذا دعوا إلى ترك ما حرم الله وحرم رسوله ﷺ قالوا: حسبنا، أي: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك، فالله يرد عليهم ويقول: أولو كان آباؤكم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون؛ أفأنتم تتبعونهم حتى ولو كانوا لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون أبداً. بل وأخبث من هذا وأضل أنهم يفعلون الفواحش والمنكرات ويحتجون بأنهم ألفوا آباءهم عليها وهم سائرون على ما سار عليه أسلافهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨] انظروا الكذب والعياذ بالله، يحتجون بآبائهم ثم يكذبون على الله ويقولون إن الله أمرهم بها: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨] تعالى الله ربنا ، مولانا وخالقنا، الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، وهدانا، ومن كل خير سألناه أعطانا، أيأمر ربنا بالفحشاء وهو الذي حرمها: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف:٣٣] ربنا الذي يحرم الفواحش ظاهرها وباطنها أيعقل أنه يأمر بالفحشاء؟! أفيكون هذا دليلاً وحجة يكذبون على الله ويحتجون بآبائهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٨ - ٢٩] والعبرة في النصوص القرآنية والنصوص النبوية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كان لهذه الآية سبب وقصة كما ذكر ابن كثير قال: كانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، فكانت قريش وتسمى الحمس، ويقال حمساً حمستهم الشمس، كانوا يطوفون في ثيابهم، وما سواهم من قبائل العرب يقولون: لا نطوف بالبيت وعلينا ثياب عصينا الله فيها، فمن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه، ثم يلقيه فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوباً ولم يجد أحداً من الحمس يعيره ثوباً طاف عريانا، وربما كانت المرأة تطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر وتقول وهي تطوف: اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا نحله وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وهذا شيء ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند من أمر من الله وشرعه فأنكر الله عليهم ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨] فرد عليهم ربنا فقال: قل أي: يا محمد إن الله لا يأمر بالفحشاء، هذا الذي يصنعونه منكر وفاحشة والله لا يأمر به، أتقولون على الله ما لا تعلمون؟!

стр. 1678

حكم الاحتجاج بفعل الآباء والأجداد وكذلك الحال -أيها الإخوة- في كثير من الناس في هذا الزمان في كثير من البدع، سواءً كانت بدعاً في الاعتقاد، أو بدعاً في التعبد، أو بدعاً في السلوك أو المعاملات، أو إسرافاً، أو تجاوزاً، تجد أن كثيراً من الناس إذا نهوا عن منكر شائع وخطأ فادح، وأمر منتشر بينهم غير محمود؛ فإنهم يحتجون بفعل آبائهم وأجدادهم وعلى سبيل المثال:

стр. 1679

الإسراف تبعاً للآباء والأجداد منذ أيام كنا في مناسبة في منطقة من مناطق شمال المملكة، وإذ بنا نجلس على موائد لا ينتهي إليها البصر من أول هذا المسجد إلى آخره وصفوف متتابعة، ثم دعي الناس إلى الطعام فأكلوا ووالله ما حركوا ربع ما في هذه الصحون، ثم قيل هذه الضيافة الأولى، وأنتم بعد صلاة الظهر غداً على موعد في الضيافة الثانية، وحياكم الله بعد صلاة العشاء غداً في دخول العريس على زوجته في ضيافة ثالثة، فقلنا لصاحب الزفاف -يا عبد الله- أما تتقي الله ؟! ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٧] والله يقول: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] فكيف تقعون في هذا الإسراف؛ فقال بعضهم: هذه من عادات آبائنا وأجدادنا، وعيب علينا أن نترك عادات الآباء والأجداد، والأعجب من ذلك أن من مد هذه الموائد وهذه السماطات فقراء يشترون السيارة الصالون التي قيمتها مائة بمائة وتسعين ألف ريال من أجل هذا الإسراف والتبذير، وإذا قيل له: لماذا تصر على هذا المنكر وهذا الحرام؟ ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢] يقول: هذه عادة أبي وجدي ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]. وكذلك بعضهم تجده يبتدع في العبادة ويتعبد الله بأمر لا دليل عليه من كلام الله ورسوله، ولا دليل عليه من فعل أبي بكر الصديق ولا من فعل عمر بن الخطاب ﵁، ومع ذلك إذا قيل له: هل عندك حجة من القرآن؟ هل عندك دليل من السنة؟ هل عندك من هدي الذين قال النبي ﷺ فيهما: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) هل عندك شيء من علم أو آثارة من علم فتخرجه لنا؟ قال: لا. لكنا أدركنا آباءنا وأجدادنا على هذا، ولا يعقل أن يكون والدي وجدي على ضلال. لماذا لا يكون والدك أو جدك على ضلال؟ أهو معصوم؟ أم أوحي إليه؟ أم سلم من هذا كله؟ أم استوثق العلم وحفظه من جميع جوانبه؟

стр. 1680

كشف النساء عن وجوههن بحجة عادات الآباء والأجداد كذلك كشف النساء وجوههن لإخوة الزوج مثلاً، تجد في بعض المناطق تساهلاً، وإن كانت ولله الحمد والمنة مع الدعوة والاحتساب، ونشر الكتب والأشرطة النافعة بدأت هذه الظاهرة تزول. وفي بعض المناطق تجد كثيراً من الناس يتساهلون في الدخول على المحارم، فإذا قيل لبعضهم: اتق الله ولا تفعل هذا، فإن نبيك وحبيبك ﷺ يقول: (إياكم والدخول على المحارم، فقال رجل: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) يقول بعضهم: لا. هذه أختي هذه لحمي ودمي هذه شعرة من جسمي لا يمكن أن أهم فيها بسوء، فنقول له: مالنا ومواقفك الشخصية، وما علينا من نزاهتك وطهارتك الذاتية، لكن المهم أن الله أمرك فاستجب، ونبيك ﷺ أمرك فاستجب أياً كانت درجة النزاهة والطهارة في ذاتك أو في شخصيتك، أو أياً كانت درجة العفة في ذاتك، قال الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] لا تقل: آباؤنا وأجدادنا كانت المرأة فيهم تكرم الضيف وتخدمه، ولم يكن الضيف يهم بالمنكر، أنتم أيها الأجيال الأخيرة الذين تسيئون الظن بالناس، لا. أياً كانت القضية فنحن عندنا هدي من الله مأمورون بالاستجابة له والالتزام به. وقس على ذلك كثيراً من العادات والتقاليد، والبدع والأخطاء والأغلاط في أمور العقائد والتعبد والعادات العامة عند الناس في مناسباتهم وغيرها مما يحتج عليه بفعل الآباء والأجداد، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١] وهذه مصيبة هؤلاء الذين لا يجدون حجة إلا أن يقولوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، إنا وجدنا آباءنا على أمة، إنا وجدنا آباءنا على طريقة، وجدناهم على ملة، أيعقل أن الآباء والأجداد ضالون؟ أيعقل أن الآباء والأجداد يخطئون؟ يا حبيبي: أقول لك: هذا كلام الله بين دفتي المصحف لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] أعطيك القرآن وتقول: قال أبي وجدي، أعطيك قول نبيك ﷺ فتعطينا من خزانة أبيك وجدك، ألا فليتق الله من كان هذا حاله. أيها الأحبة: من أراد الحق والبصيرة، وأراد أن يعبد الله عبادة تنفعه إذا حشرجت روحه وبلغت الحلقوم، من أراد أن يعبد الله عبادة تنفعه إذا حمل على الجنازة، وإذا وضع في القبر، وإذا بعث بين يدي الله ووقف للحشر والنشر والحساب والسؤال والجواب، إذا وقف الناس على الصراط بين الجنة والنار، من أراد أن ينفعه عمله فليتق الله ولينظر إلى ما كان يفعله آباؤه وأجداده، فما وجد عليه هدى وأثارة من علم من كلام الله ورسوله فنعم الفعل فعل الآباء والأجداد.

стр. 1681

إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق أيها الإخوة: إن الإسلام ما جاء ليلغي كل أفعال الآباء والأجداد، قال ﷺ : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ما جاء النبي ﷺ بنسخ كل ما فعلته العرب من قبله، بل أثبت أموراً كانت العرب تفعلها، وهو ما كان مشروعاً محموداً مشكوراً في القرآن والسنة؛ من الوفاء والصدق والأمانة، وإكرام الضيف، والتعاون على الحق، ونصرة المظلوم، ودفع الظالم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فيا أحبابنا: لنعلم تماماً أن من علمنا عنده شيئاً من عادات آبائه وأجداده، فما كان منها موافقاً لكتاب الله وسنة رسوله فنعمت الأخلاق، ونعمت الجبلة والسجايا، وما كانت مخالفة لأمر الله ورسوله، فلن ندع قول جبار السموات والأرض لعادات بشر يمرضون ويتغوطون، ويتبولون ويمتخطون، وينامون وينسون، ويسأمون ويموتون، لن ندع قول الله لقول هؤلاء، ولن ندع قول نبي معصوم لقول هؤلاء أيضاً، قال الله في بيان حوار جميل بين إبراهيم ﵇ وقومه الذين -أيضاً- كانوا يحتجون بالآباء والأجداد: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٥٤]. انظروا ماذا قالوا؟ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين، يبين ابن كثير ﵀ بقوله: لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضُّلال، ولهذا قال: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤] أي الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم فأنتم وإياهم على غير هدى وعلى غير طريق مستقيم.

стр. 1682

العجب من التقليد في عصر التقنية والتكنولوجيا العجب -أيها الإخوة- في زمننا هذا، في عصر التقنية والتكنولوجيا، في عصر استخدام العقل -كما يقال- أن تجد أناساً ربما فيهم المهندس والطبيب، وفيهم عالم الرياضيات، والمتخصص في الأحياء والفيزياء وغيرها من الأمور التي تحتاج إلى إشغال العقل وإعماله بدقة يقبل أموراً يحتج عليها بفعل الآباء والأجداد. لئن كانت قبلنا أمم أو أناس يحتجون بفعل آبائهم وأجدادهم لأنهم أميون لا يقرءون ولم يتعلموا، ولم يعرفوا الحساب ولم يعرفوا استخدام العقل في مكانه، فما حجة أولئك الذين برعوا في العلم والفيزياء والرياضيات، والصيدلة والكيمياء وعلوم أخرى، لئن كان في الآباء من لم يتعلم فانطلت عليه عادات الآباء والأجداد؛ فأنت أيها المتعلم، يا من لك عقل، ويا من لك هدى وبصيرة كيف تنطلي عليك هذه.

стр. 1683

تعطيل العقول سبب الضلالات إذاً: من واجبنا أن نستخدم عقولنا لو أن رجلاً قال لي أو قال لك أو قال لأي واحد: أرجوك أن تغمض عينيك وأن ترمي بعقلك في الزبالة أو في صندوق، واتبعني في كل ما أنا فيه ولا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً؛ لقلت: لا وألف لا، إن الله ما خلق هذا العقل عبثاً. لو أن رجلاً أراد يلقمك تلقيماً ويلقنك أموراً، وقال لك: احفظها ولا تناقش ولا تحاور ولا تجادل، ولا تبحث ولا تسأل ولا تناظر، إنما خذها وسلم بها؛ لقلت: وما قيمة العقل، وما الحاجة إليه إذاً؟! أيعقل أن العقل قد خلق عبثاً، إنما خلق العقل لكي يهتدى به إلى الحق، مستنيراً بنور الوحي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾ [الحجرات:١]. بل إن الله بين أن طوائف الكفار الذين يصلون جهنم وساءت مصيراً يعترفون بأن تعطيل عقولهم كان سبباً في دخولهم النار، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠ - ١١] فالأولى قالوا: لو كنا نسمع أو نعقل، لو أنا حكمنا عقولنا لما دخلنا النار، ثم قال: فاعترفوا بذنبهم، أي: فأقروا أن تعطيل العقول ذنب، وأقروا أن تعطيل العقول أمر منكر، فكانت العاقبة أنهم من أهل النار ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيها الأحبة: اسمعوا قول الجبار الذي خلقنا وإياكم، وخلق جميع البشر، وهو أدرى بما يصلح أحوالنا، وأدرى بما ينفعنا وأدرى بما يضرنا، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] اسمعوا قول الجبار : ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود:١٠٩] يعني: لا يصبك الشك فيما ترى من فعل هؤلاء، فإنهم يعبدون ما كان يعبد آباؤهم من قبل. قال ابن كثير: فلا تكن في مرية مما يعبد المشركون، إنه باطل وجهل وضلال، إنهم يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، وليس لهم من مستند إلا اتباع الآباء في تلك الجهالات. وقال أيضاً: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم:٩ - ١٠] أيضاً القضية في الآباء، أنتم تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم:٩] الرسل يدعونهم وينصحونهم ويأتي هؤلاء يردون أيديهم في أفواه الرسل حتى لا يسمعوا منهم حقاً، ولأجل ذلك تجد بعض المساكين إذا قيل له ما قيل، قال: لا. انتبه لنفسك، إن عندهم كلاماً كالسحر، ضع في أذنيك قطناً أو سدادة حتى لا تسمع هذا الكلام.

стр. 1684

قصة الطفيل بن عمرو الدوسي إن الطفيل بن عمرو الدوسي قبل إسلامه كان قد سمع بخبر النبي ﷺ ، فبعث أخاً له يستفسر الخبر أو يستنبئ الخبر، فلم يشف غليله، فقال: إني أريد أن أذهب إلى هذا الصابئ -يعني محمداً ﷺ فأنظر في شأنه، فجاءه قوم محمد ﷺ وقالوا: انتبه! إن عنده كلاماً كالسحر يفرق بين المرء وزوجه، فخذ قطناً وضعه في أذنيك حتى لا تسمع من كلامه، أي اذهب فاسأل أبا لهب أو أبا جهل، أو الوليد بن المغيرة أو أمية بن خلف، اسأل هؤلاء، أما هذا الرجل فلا تسأله فإن عنده كلاماً يفرق به بين المرء وزوجه، قال الطفيل: فوضعت في أذني القطن وقدمت إلى مكان هذا الرجل لأسأل عن حاله، قال: فلما كنت في الطريق قلت لنفسي: إني لشاعر، بل إني لمن شعراء العرب وأشعرهم، وأعرف سجع الكهان من كلام الحق، وأعرف رديء القول من طيبه وجيده، فلماذا أضع في أذني هذا الكرسف وهذا القطن، قال: فأزلته فجئت إلى محمد ﷺ فسمعت منه، فما هو إلا أن شرح الله صدري للحق. أيها الأحبة: إن كثيراً من الناس ليس لديه استعداد أن يسمع الحقيقة، أنا أقول لكل عاقل ولكل من يحترم عقله: إياك أن تجعل عقلك في خزانة جدك وأبيك، وإياك أن تجعل عقلك تحت سرير نومك أو في خزانة والدتك، أريدك أن تحمل عقلك معك أينما انتهيت، واسمع مني وأسمع منك، والله لو علمت أن الحق معك لتركت ما أنا عليه واتبعتك، لكن لو بينت لي بصريح قول الله، وصريح قول رسوله ﷺ أن هذا هو الحق، ليست القضية أن يقل هؤلاء أو أن يكثر هؤلاء أو العكس، القضية أين الحق فنتبعه؟ أين الهدى فنسير عليه؟ أين الصراط فنلتف حوله؟ أين الراية فنجتمع عندها؟ هذا الذي يرضي الله .

стр. 1685

نهاية أتباع الآباء والأجداد قال الله عن أهل الجحيم: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٠] أولئك الذين اتبعوا آباءهم فكانوا معهم والعياذ بالله في دار الجحيم. أيها الأحبة: إن قضية الاتباع للآباء والأجداد سوف تحسم وتنتهي في الآخرة يوم أن يتبرأ المتبوع من التابع، ويوم أن يتبرأ القائد، من المقود، يوم أن يتبرأ كل من الآخر، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] أين هؤلاء الذين أضلونا وغررونا، أين الذين كنا نرى الحق أبلج فيضعون على أعيننا غشاوة، وكنا نسمع الحق واضحاً فيضعون في آذاننا وقراً حتى لا تصل الحقيقة إلى قلوبنا. قال : ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٦] لاحظوا البراءة، أخذ بعضهم يلعن بعضاً، ويتبرأ ويتباعد عن بعض: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] في الدنيا أتبعك وتتبعني، لأنك قريبي ومن جماعتي، ومن قبيلتي، ومن صحبي ومن جيراني، الآن تقطعت بنا الأسباب: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٧] المساكين الضعفاء الذين يتبعون ويلحقون على غير علم ولا هداية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] هذا الاتباع المحموم المجنون بغير ضابط ولا عقل يكون حسرة على التابعين أمام المتبوعين، وبراءة المتبوعين من التابعين يوم القيامة، بل إن الله يبين أن طوائف من الذين يتبع بعضهم بعضاً يتحاجون في النار ويلعن بعضهم بعضاً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٦ - ٤٨]. فهؤلاء أهل النار يتحاجون ويتخاصمون، ويقول الضعفاء للكبراء، يقول الأتباع للمتبوعين، يقول المساكين للسادة والكبراء: إنا كنا لكم تبعاً، أطعناكم فيما دعوتمونا، واستجبنا لكم فيما وجهتمونا إليه في الدنيا من الضلال، فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار؟ هل تتحملون عنا شيئاً من العذاب، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر:٤٨] إنا وإياكم سواء في النار لا أحد يتحمل عن أحد شيء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
следующие страницы →