← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق أيها الإخوة: إن الإسلام ما جاء ليلغي كل أفعال الآباء والأجداد، قال ﷺ : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ما جاء النبي ﷺ بنسخ كل ما فعلته العرب من قبله، بل أثبت أموراً كانت العرب تفعلها، وهو ما كان مشروعاً محموداً مشكوراً في القرآن والسنة؛ من الوفاء والصدق والأمانة، وإكرام الضيف، والتعاون على الحق، ونصرة المظلوم، ودفع الظالم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فيا أحبابنا: لنعلم تماماً أن من علمنا عنده شيئاً من عادات آبائه وأجداده، فما كان منها موافقاً لكتاب الله وسنة رسوله فنعمت الأخلاق، ونعمت الجبلة والسجايا، وما كانت مخالفة لأمر الله ورسوله، فلن ندع قول جبار السموات والأرض لعادات بشر يمرضون ويتغوطون، ويتبولون ويمتخطون، وينامون وينسون، ويسأمون ويموتون، لن ندع قول الله لقول هؤلاء، ولن ندع قول نبي معصوم لقول هؤلاء أيضاً، قال الله في بيان حوار جميل بين إبراهيم ﵇ وقومه الذين -أيضاً- كانوا يحتجون بالآباء والأجداد: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٥٤]. انظروا ماذا قالوا؟ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين، يبين ابن كثير ﵀ بقوله: لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضُّلال، ولهذا قال: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤] أي الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم فأنتم وإياهم على غير هدى وعلى غير طريق مستقيم.

стр. 1682

العجب من التقليد في عصر التقنية والتكنولوجيا العجب -أيها الإخوة- في زمننا هذا، في عصر التقنية والتكنولوجيا، في عصر استخدام العقل -كما يقال- أن تجد أناساً ربما فيهم المهندس والطبيب، وفيهم عالم الرياضيات، والمتخصص في الأحياء والفيزياء وغيرها من الأمور التي تحتاج إلى إشغال العقل وإعماله بدقة يقبل أموراً يحتج عليها بفعل الآباء والأجداد. لئن كانت قبلنا أمم أو أناس يحتجون بفعل آبائهم وأجدادهم لأنهم أميون لا يقرءون ولم يتعلموا، ولم يعرفوا الحساب ولم يعرفوا استخدام العقل في مكانه، فما حجة أولئك الذين برعوا في العلم والفيزياء والرياضيات، والصيدلة والكيمياء وعلوم أخرى، لئن كان في الآباء من لم يتعلم فانطلت عليه عادات الآباء والأجداد؛ فأنت أيها المتعلم، يا من لك عقل، ويا من لك هدى وبصيرة كيف تنطلي عليك هذه.

стр. 1683

تعطيل العقول سبب الضلالات إذاً: من واجبنا أن نستخدم عقولنا لو أن رجلاً قال لي أو قال لك أو قال لأي واحد: أرجوك أن تغمض عينيك وأن ترمي بعقلك في الزبالة أو في صندوق، واتبعني في كل ما أنا فيه ولا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً؛ لقلت: لا وألف لا، إن الله ما خلق هذا العقل عبثاً. لو أن رجلاً أراد يلقمك تلقيماً ويلقنك أموراً، وقال لك: احفظها ولا تناقش ولا تحاور ولا تجادل، ولا تبحث ولا تسأل ولا تناظر، إنما خذها وسلم بها؛ لقلت: وما قيمة العقل، وما الحاجة إليه إذاً؟! أيعقل أن العقل قد خلق عبثاً، إنما خلق العقل لكي يهتدى به إلى الحق، مستنيراً بنور الوحي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾ [الحجرات:١]. بل إن الله بين أن طوائف الكفار الذين يصلون جهنم وساءت مصيراً يعترفون بأن تعطيل عقولهم كان سبباً في دخولهم النار، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠ - ١١] فالأولى قالوا: لو كنا نسمع أو نعقل، لو أنا حكمنا عقولنا لما دخلنا النار، ثم قال: فاعترفوا بذنبهم، أي: فأقروا أن تعطيل العقول ذنب، وأقروا أن تعطيل العقول أمر منكر، فكانت العاقبة أنهم من أهل النار ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيها الأحبة: اسمعوا قول الجبار الذي خلقنا وإياكم، وخلق جميع البشر، وهو أدرى بما يصلح أحوالنا، وأدرى بما ينفعنا وأدرى بما يضرنا، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] اسمعوا قول الجبار : ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود:١٠٩] يعني: لا يصبك الشك فيما ترى من فعل هؤلاء، فإنهم يعبدون ما كان يعبد آباؤهم من قبل. قال ابن كثير: فلا تكن في مرية مما يعبد المشركون، إنه باطل وجهل وضلال، إنهم يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، وليس لهم من مستند إلا اتباع الآباء في تلك الجهالات. وقال أيضاً: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم:٩ - ١٠] أيضاً القضية في الآباء، أنتم تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم:٩] الرسل يدعونهم وينصحونهم ويأتي هؤلاء يردون أيديهم في أفواه الرسل حتى لا يسمعوا منهم حقاً، ولأجل ذلك تجد بعض المساكين إذا قيل له ما قيل، قال: لا. انتبه لنفسك، إن عندهم كلاماً كالسحر، ضع في أذنيك قطناً أو سدادة حتى لا تسمع هذا الكلام.

стр. 1684

قصة الطفيل بن عمرو الدوسي إن الطفيل بن عمرو الدوسي قبل إسلامه كان قد سمع بخبر النبي ﷺ ، فبعث أخاً له يستفسر الخبر أو يستنبئ الخبر، فلم يشف غليله، فقال: إني أريد أن أذهب إلى هذا الصابئ -يعني محمداً ﷺ فأنظر في شأنه، فجاءه قوم محمد ﷺ وقالوا: انتبه! إن عنده كلاماً كالسحر يفرق بين المرء وزوجه، فخذ قطناً وضعه في أذنيك حتى لا تسمع من كلامه، أي اذهب فاسأل أبا لهب أو أبا جهل، أو الوليد بن المغيرة أو أمية بن خلف، اسأل هؤلاء، أما هذا الرجل فلا تسأله فإن عنده كلاماً يفرق به بين المرء وزوجه، قال الطفيل: فوضعت في أذني القطن وقدمت إلى مكان هذا الرجل لأسأل عن حاله، قال: فلما كنت في الطريق قلت لنفسي: إني لشاعر، بل إني لمن شعراء العرب وأشعرهم، وأعرف سجع الكهان من كلام الحق، وأعرف رديء القول من طيبه وجيده، فلماذا أضع في أذني هذا الكرسف وهذا القطن، قال: فأزلته فجئت إلى محمد ﷺ فسمعت منه، فما هو إلا أن شرح الله صدري للحق. أيها الأحبة: إن كثيراً من الناس ليس لديه استعداد أن يسمع الحقيقة، أنا أقول لكل عاقل ولكل من يحترم عقله: إياك أن تجعل عقلك في خزانة جدك وأبيك، وإياك أن تجعل عقلك تحت سرير نومك أو في خزانة والدتك، أريدك أن تحمل عقلك معك أينما انتهيت، واسمع مني وأسمع منك، والله لو علمت أن الحق معك لتركت ما أنا عليه واتبعتك، لكن لو بينت لي بصريح قول الله، وصريح قول رسوله ﷺ أن هذا هو الحق، ليست القضية أن يقل هؤلاء أو أن يكثر هؤلاء أو العكس، القضية أين الحق فنتبعه؟ أين الهدى فنسير عليه؟ أين الصراط فنلتف حوله؟ أين الراية فنجتمع عندها؟ هذا الذي يرضي الله .

стр. 1685

نهاية أتباع الآباء والأجداد قال الله عن أهل الجحيم: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٠] أولئك الذين اتبعوا آباءهم فكانوا معهم والعياذ بالله في دار الجحيم. أيها الأحبة: إن قضية الاتباع للآباء والأجداد سوف تحسم وتنتهي في الآخرة يوم أن يتبرأ المتبوع من التابع، ويوم أن يتبرأ القائد، من المقود، يوم أن يتبرأ كل من الآخر، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] أين هؤلاء الذين أضلونا وغررونا، أين الذين كنا نرى الحق أبلج فيضعون على أعيننا غشاوة، وكنا نسمع الحق واضحاً فيضعون في آذاننا وقراً حتى لا تصل الحقيقة إلى قلوبنا. قال : ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٦] لاحظوا البراءة، أخذ بعضهم يلعن بعضاً، ويتبرأ ويتباعد عن بعض: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] في الدنيا أتبعك وتتبعني، لأنك قريبي ومن جماعتي، ومن قبيلتي، ومن صحبي ومن جيراني، الآن تقطعت بنا الأسباب: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٧] المساكين الضعفاء الذين يتبعون ويلحقون على غير علم ولا هداية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] هذا الاتباع المحموم المجنون بغير ضابط ولا عقل يكون حسرة على التابعين أمام المتبوعين، وبراءة المتبوعين من التابعين يوم القيامة، بل إن الله يبين أن طوائف من الذين يتبع بعضهم بعضاً يتحاجون في النار ويلعن بعضهم بعضاً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٦ - ٤٨]. فهؤلاء أهل النار يتحاجون ويتخاصمون، ويقول الضعفاء للكبراء، يقول الأتباع للمتبوعين، يقول المساكين للسادة والكبراء: إنا كنا لكم تبعاً، أطعناكم فيما دعوتمونا، واستجبنا لكم فيما وجهتمونا إليه في الدنيا من الضلال، فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار؟ هل تتحملون عنا شيئاً من العذاب، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر:٤٨] إنا وإياكم سواء في النار لا أحد يتحمل عن أحد شيء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1686

النهي عن التقليد المحموم أيها الأحبة: إن التقليد المحموم والاتباع على ضلالة لمن أخطر الأمور؛ لأجل ذلك فإن المسلم منهي عن التقليد إلا إن كان عاجزاً عن الاجتهاد، فيتبع من شهدت له الأمة بصلاح منهجه وسلامة طريقته في الاتباع واستنباط الأحكام والأدلة. قال ابن عبد البر في مسألة مهمة: هل الآيات الواردة في شأن الكفار لا يستدل بها إلا على الكفار وحدهم؟ كأن يقول قائل: يا شيخ! محاضرتك أو كلامك هذا في شأن الكفار، نقول: هذه الآيات في شأن الكفار وفي شأن المقلدين، وفي شأن الأتباع والمتبوعين. قال ابن عبد البر في مسألة مهمة وهي: هل الآيات الواردة في شأن الكفار لا يستدل بها إلا الكفار فقط؟ أجاب ﵀: وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل رجلاً فكفر، وقلد رجل آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة من مسائل الدنيا فأخطأ وجهتها، فكان كل واحد منهم ملوماً على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضاً وإن اختلفت الآثام فيهم. أيها الأحبة: إن التقليد لمما يلبسه الشيطان على هذه الأمة لتزيغ في اتباع إبليس. قال ابن الجوزي ﵀ في كتابه تلبيس إبليس، قال: ومما لبسه الشيطان على هذه الأمة في العقائد والديانات: أن دخل عليها في عقيدتها من طريقين: أحدهما: التقليد للآباء والأسلاف. والثاني: الخوض فيما لا يدرك غوره ويعجز الخائب عن الوصول إلى عمقه. فأوقع أصحاب هذا القسم في فنون من التخليط. فأما الفريق الأول فإن إبليس زين للمقلدين أن الأدلة قد تشتبه، والصواب قد يخفى والتقليد سليم، وقد ضل في هذا الطريق خلق كثير وبه هلاك عامة الناس، فإن اليهود والنصارى قلدوا آباءهم وعلماءهم فضلوا، وكذلك أهل الجاهلية، ثم قال ابن الجوزي: وقد ذم الله سبحانه الواقفين مع تقليد آبائهم وأسلافهم فقال : ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:٢٣ - ٢٤] المعنى: أتتبعون. أنتم الآن تقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:٢٤] إذا جئتكم بكتاب من عند الله لا يضل ربي ولا ينسى، بكتاب من عند الله الذي خلقني وخلقكم وخلق آباءكم وأجدادكم، هل تتبعون وتستجيبون؟ لكنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون. قال ابن الجوزي: اعلم أن المقلد غير واثق فيما قلد فيه، وفي التقليد إبطال لمنفعة العقل، لأن العقل إنما خلق للتأمل والتدبر. قال ابن الجوزي كلمة جميلة احفظوها: وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة. أي: يعطيه الله نور العقل فيترك شمعة العقل ويتبع أقواماً آخرين في ضلال أفعالهم وسلوكهم، فلم لا يستدل بشمعة عقله ويستضيء به؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما التقليد الباطل المذموم: فهو قبول قول الغير بلا حجة. ثم قال بعد أن ساق بعض الآيات في ذلك: فهذا الاتباع والتقليد الذي ذمه الله، وهو اتباع الهوى، إما للعادة أو النسب كاتباع الآباء، وإما للرئاسة كاتباع الأكابر والسادة والمتكبرين، فقد بين الله أن الواجب الإعراض عن هذا التقليد إلى اتباع ما أنزله على رسله فإنهم حجة الله، أي: الرسل حجة الله التي أعذر الله بها إلى خلقه.

стр. 1687

الاحتجاج بالأعراف والعادات على البدع والضلالات أيها الأحبة: هناك طائفة يحتجون بالآباء والأجداد كما أسلفنا وسردنا الأدلة، وطائفة يحتجون بالأعراف العامة، فيقولون: هذه أعرافنا وعاداتنا، والعرف ما تعارف الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك، وللأعراف البشرية مكانة عظيمة عند الأمم التي تسودها تلك الأعراف؛ ولذلك تجد في بعض القبائل من يقول لك: نتحاكم إلى العارفة، العارفة هو مرجع الأعراف والتقاليد، هو الحجة في هذه القضية، وهذا هو الكفر بعينة، قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. كانت تلك الأعراف لها قوة؛ لأنها بمنزلة القوانين التي تحكم الأمم والشعوب، وللأسف كانت تلك الأعراف جداراً صلباً صد الناس عن اتباع الحق، وقد قام صراع مرير بين الرسل وما جاءوا به من الشرائع الإلهية وبين أصحاب الأعراف والعادات من الزعماء وغيرهم، الذين يقدسون تراث آبائهم أو أجدادهم ولا يرضون أن تمس الأعراف التي تنسب للآباء والأجداد بأي قدح أو كلام، حتى ولو كان القادح لها من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، أو من كلام أئمة الإسلام وصحابة النبي الكرام عليهم رضوان الله . إن الأعراف والعوائد البشرية في كثير من الأحيان تقف حاجزاً أمام دعاة الإصلاح في مختلف العصور، فترى دعاة الحق مظلومين، وتراهم منبوذين،؛ لدعوتهم الناس إلى الرجوع إلى الدين الحق الذي أنزله ﵎؛ ولمطالبتهم الناس بترك ما هم عليه مما يخالف شريعة الإسلام وآدابه في كثير من بقاع الدنيا. لقد كانت الأعراف والعادات التي اختصها البشر، وتلقاها اللاحقون عن السابقين ديناً يتبع وشرعة لا تخالف، وميراثاً يحرص عليه حرصاً عظيماً، يصل إلى درجة أن تسفك في سبيل الحفاظ عليه الدماء، وتزهق النفوس، وتهدر الأموال، وهذا ديدن البشرية عبر تاريخها الطويل، حجتهم دائماً: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثرهم مقتدون، والأمة هنا هي الطريقة التي سلكها آباؤهم والعادات والأعراف التي اعتادوها ودرجوا عليها. وهكذا يرفض الحق بلا دليل، ويرد الصواب بلا بينة، والهدى بلا برهان، وكل ما في الأمر أن الآباء والأجداد كانوا على ذلك والعياذ بالله. ولقد كانت هذه الأعراف سبباً في ضلال كثير من النفوس، وتعطيل كثير من العقول، وحرمان كثير من الأفئدة من معرفة الحق والاهتداء به. أيها الأحبة: هذه الأعراف من يضعها؟ يضعها طاغوت من الطواغيت، ظالم من الظلمة متنفذ في قومه ويجري التعامل بها عليهم، ولو قال لهم: إنها من عندي لكفروا بها ولكن يقول: هذه من الآباء، والآباء عن الأجداد، والأجداد ما كانوا على ضلالة بأي حال من الأحوال. ولذلك كان المشركون يقتلون أولادهم، فمن الذي زين لهم ذلك الأمر؟ الشياطين: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧] والمقصود بالشركاء أولئك الزعماء والقادة ورجال الفكر الذين يقولون قولاً فيصبح طريقة متبعة، فيكونون بذلك مشرعين، يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله.

стр. 1688

نوح ﵇ مع قومه إن نوحاً ﵇ أقام في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فما الذي جعل جهد تسعمائة وخمسين سنة من الدعوة يضيع في هؤلاء هباءً فلا يهتدون ولا يستفيدون؟ السبب أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح:٢٣] تسعمائة وخمسون سنة من الدعوة ضاعت في عقول أولئك هباءً منثوراً لم يستفيدوا منها؛ لأنهم كانوا متعلقين بآلهة الآباء والأجداد، ولما رأى نوح أنهم لا يستجيبون وليس لله في نفوسهم وقار، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ [نوح:٥ - ٩] ثم ذكرهم بالنعم فقال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢] مع كل هذه الأساليب وكل هذه الطرق في الدعوة لم يستجيبوا، فعرف العلة التي في نفوسهم، قال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] لو كان لله في نفوسكم وقار وخوف لاتبعتم ما أقول لكم من الله، لكن إذا كان الآباء والأجداد في النفوس أعظم من الله، وأعراف الآباء والأجداد في النفوس أعظم مما عند الله، وعادات الآباء والأجداد أعظم من كلام الله وكلام رسوله فحينئذ اعلم أنه الهوى، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]. إن نوحاً لما رأى هؤلاء لا يستجيبون؛ دعا عليهم فقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]. نبينا محمد ﷺ جاء بالحق الأبلج والملة السمحاء والشريعة الغراء، فنابذه العرب العداء، ورموه عن قوس واحدة، وعذبوا صحابته، وآذوه وحاصروه وتآمروا عليه لسفك دمه أو إخراجه أو حبسه قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠] وأرسلوا الجيوش الجرارة لقتاله وقتل منهم من قتل كل ذلك حفاظاً على ما اعتادوه من عادات آبائهم وأجدادهم، قال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ [ص:١ - ٧]. ولكن العرب بعد جهد جهيد ولأواء ومشقة أظهروا الحق، وأقلعوا عما اعتادوه وتعارفوا عليه من عادات وأعراف جاهلية، وعلت كلمة الله، واستنار الناس بنور الحق، وجاهد العرب الأمم الأخرى حتى أخرجوهم عن عادات آبائهم وأعرافهم الضالة، وهدوهم كما اهتدوا.

стр. 1689

اتباع الآباء والأجداد بسبب انتشار البدع والضلالات إن المتأمل في كثير من البدع الشركية والبدع المفسقة، يجد أن من أخطر أسبابها: اتباع الآباء والأجداد، وقد بين الإمام الشاطبي ﵀ في الاعتصام قال: إن من أسباب انتشار البدع اتباع الآباء والأجداد. وحول هذه الآية يحدثنا أحد المشايخ عن رجل كبير في السن كان يصلي بجماعته التراويح ويقرأ قول الله : ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١] حتى بلغ هذه الآية: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] سكت والجماعة سكتوا وراءه وهو يفكر في الآية: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] يعني يستغرب من منطق الكفار، فقال وهو يقرأ: انظر الجرأة، من شدة مناقشته في نفسه وتدبره وتأمله لهذه القضية، لما بلغ هذه الآية: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] سكت قليلاً ثم قال: انظر الجرأة، رفع صوته ونسي أن وراءه من يأتمون به، وذلك من شدة هذا الباطل الذي تمسك به الكفار ووقعوا فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيها الأحبة: إن اتباع العادات أمر خطير من أسباب الضلال وانتشار البدع، ولا تكاد طائفة من الطوائف التي لم تهتد إلى الحق تسلم منه أبداً، حتى عند الذين يدعون أنهم عقلانيون، وأنهم أصحاب براهين وأصحاب حجج ومنطق فيجعلون كلام أساتذتهم ورؤسائهم وقادتهم مسلمات قطعية لا يصح الاعتراض عليها، أما نحن فمن قال فينا أو قال لنا كلاماً قلنا: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف:٤] والجميل في الحق والهدى أنك لا تستحي بل تتشرف ويتشرف العالم أن أصغر طفل يقف أمام أكبر عالم ويقول: يا شيخ! ما دليلك على هذا الفعل؟ الدين من عند الله ورسوله فأين الدليل من كلام الله وكلام رسوله؟ لكن مصيبة الطوائف الضالة أن هذا السؤال ممنوع، أن تسأل عند الدرجة المعينة لك أن تسأل من الطهارة إلى كذا، لكن بعد ذلك لا تسأل، واسمع فقط لقول الشيخ، اسمع لقول الأب، اسمع لقول الجد، وإن فعلت غير ذلك فإنك على خطر أو أنت من الضلال أو من الخارجين عن الطريقة. وكذلك اتباع العادات التي درجت بين الناس فتجد بعض المبتدعة يسلكون طريقة في العبادات على وجه من الابتداع، ويجري الناس في العلم معهم، وتجد هذا المنكر ينتشر يمنة ويسرة، ويتلقاه الناس جيلاً بعد جيل، ثم بعد ذلك يقولون: لو كان هذا باطلاً لما تتابع الناس على فعله، ولو كان هذا خطأً لما تواتر الناس على فعله. أيها الإخوة: ينبغي أن ندرك القضية تماماً وخاصة من ينخرطون ويهتمون بالدعوة وسلك الدعاة، ينبغي أن يفهموا أن تقليد الأبناء للآباء، وتقليد الخلف للسلف فيا يعتقدون ويعملون من الحوائل العظيمة التي تقف دون قبول المقلدين للحق ومعرفته، بل إنها كثيراً ما تدفعهم إلى مناهضة الحق وأهله؛ لكونه مما كان يعتقده آباؤهم أو يعرفونه. ومن أجل ذلك فإنك إذا قابلت أحداً جلس أمامك وناقشته وقال: تعال، أنا لا أسلم لك، أي: أنني مثلاً حينما أدعو شخصاً ما إلى أمر معين، أنا لا أريد منه من البداية أن يسلم لي، لكن أريد منه أن يعطيني عقله ويضعه على الطاولة مثلما يقولون. ضع عقلك وأضع عقلي ولنجعل العقول بوحي الشرع تتحاور وتتناظر وتتناقش، لكن مصيبتك من إنسان يقول لك: أنا ما عندي استعداد اسمع، ولا عندي استعداد أناظر، ولا عندي استعداد أحاور، ولا أريد أن أسلم ولا استمع لشيء ويكفيني الذين عندي ولا أريد أن أقابلك ولا أسمع منك، هذه مشكلة الدعاة في عصرنا الحاضر، حينما تقابل إنساناً مصراً على ما عنده من تراب أجداده وجداته غير راض بأن يحرك من جمود عقله شيئاً. حينما يتقابل العقل مع العقل فللعقل مع العقل حديث، وللروح مع الروح كلام، وللعين مع العين خطوات، وللنفس مع النفس أسلوب، لكن حينما تقابل عقلاً جامداً، أو جمجمة لا عقل فيها، فأسألك بالله كيف تناظر وتحاور، وكيف تناقش؟ وهنا تكمن هذه القضية، ولذلك إبراهيم ﵇ لما ناقش قومه أخذ يناقشهم بالعقل لعله أن يستدرجهم في إحضار عقولهم من خزائن أجدادهم؛ ليدخلوا في هذه المناظرة.

стр. 1690

إبراهيم ﵇ في معركة مع قومه إبراهيم ﵇ في معركة مع المقلدين، قال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] فأجاب المقلدون: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٣] قال إبراهيم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤] فقال المقلدون: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٥ - ٥٦] فسألهم مرة قائلاً: ما تعبدون؟ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١] فاستفهمهم إبراهيم ليوبخهم وليقلع جذور التقليد من قلوبهم، قال عن هذه الأصنام: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء:٧٢ - ٧٣] فأجابوه في غفلة المقلد وأسر التقليد: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤]. واستمر إبراهيم ﵇ يحارب التقليد في أجلى صوره وفي أعظم مظاهره بذلك السلاح العظيم، بالحجة النقلية والأدلة العقلية، والبراهين المنطقية، فحينما تدعو أحداً ممن خزن عقله في صندوق جده وجدته، أو ممن لا يريد أن يسمع منك، حاول أن تستدرجه بالحوار والمنطق إن كان له عقل ويحترم عقله واستعد لأن يقبلها، وكما قلت: لئن كان أناس لم يدرسوا في الجامعات ولم يعرفوا استخدام العقل في الكيمياء والطب والفيزياء والهندسة والأحياء والرياضيات، فما عذر جيل فيهم الطبيب والدكتور، والأستاذ والصيدلي، والكيميائي وعالم الرياضيات والفيزياء، لماذا لا يستخدمون عقولهم؟! تستخدم عقلك في حل المعادلة ذات المجهول والمجهولين والثلاثة من الدرجة الأولى والرابعة والخامسة، وفي اكتشاف الميكروب، وفي محاربة الفيروس، وفي معرفة النظرية والقوانين والآلات وغير ذلك، ولا تستخدم عقلك في أخطر قضية تموت عليها وتحيا لأجلها، وخلقت لأجلها وتبعث عليها يوم القيامة؟!

стр. 1691

الأخذ بالاحتياط في الأمور المشتبهات وهنا كلام عام للشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، قال ﵀ وهو يذكر أموراً ينبغي للإنسان أن يقدم التفكر فيها ويجعلها نصب عينيه وهي: ينبغي لمن كان في ضلالة أو شبهة من ضلالة أن يأخذ نفسه بالاحتياط في مخالفة ما نشأ عليه، فإذا كان مما نشأ عليه أشياء يرى هو أنه لا بأس بها، ويرى أنها مستحبة، ويعلم من آخرين من أهل العلم من يقول أنها شرك أو بدعة أو حرام فليأخذ نفسه بالأحوط وليتركها حتى يتبين له بالحجج الواضحة صحة ما نشأ عليه. وهكذا ينبغي أن ينصح غيره ممن هو في مثل حاله، فإن وجدت نفسك تأبى ذلك- إذا وجدت نفسك تميل إلى ما تشتهي أو تميل إلى ما تراه مباحاً وأنت تسمع بملايين من حولك يقولون: هذا حرام ولا يجوز -فإذا وجدت نفسك تأبى ذلك فاعلم أن الهوى قد استحوذ على نفسك فجاهدها، واعلم أن ثبوت هذا القدر على المكلف -يعني: أن يثبت عنده أن ما يُدعى إليه أحوط مما هو عنده- كاف في قيام الحجة عند الله ، وبذلك قامت الحجة على أكثر الكفار، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦]. إلى الذين يردون أنفسهم وينهون وينأون عن الحق -يا عباد الله- أعظكم بواحدة، أدعوكم بواحدة: أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا، لا نريد معارك ولا نريد سباباً ولا شتائم، نريد تحكيم هذا العقل المهتدي بمنطق الشرع. نريدك أن تعطينا عقلك فنتناقش: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦] لماذا قال مثنى وفرادى؟ لأن الإنسان إذا دخل مع مجموعة وهتفت المجموعة يهتف مع المجموعة ولا يبالي، ويصرخ مع المجموعة ولا يفكر، ويردد ما تقوله المجموعة ولا يتأمل. يقول أحد علماء النفس والاجتماع: إن الجماهير لا عقول لها، ويضرب على ذلك مثال بمظاهرات العمال، يقول: مثلاً مظاهرات العمال أو حزب العمال في ألمانيا الغربية تبدأ المظاهرة بمطالبة رفع أجور العمال بواحد مارك ألماني، وتبدأ مسيرة المظاهرة ثم تردد المظاهرة ارفعوا أجور العمال واحد مارك، ارفعوا أجور العمال واحد مارك، وبعد قليل مع الحماس والغليان في أوج المظاهرة يقول قائد المظاهرة: فليسقط وزير العمل، فتردد المظاهرة وليسقط وزير العمل، ونريد رفع أجور العمال بمارك، تدخل معلومة في إثر معلومة من دون تفكير، ويتحمس لها أناس، فتدخل قوات الشرطة فيصارعون الشرطة ويكافحونهم ويضاربونهم، وأصل المظاهرة بدأت بمارك واحد، ما جاءت المظاهرة بإسقاط وزير العمل، ثم بعد قليل يشتد الحماس فيقول المتظاهرون: ولنحطم مبنى وزارة العمل ولنكسر الزجاج، فكل يأخذ الحجارة ويضرب على مبنى وزارة العمل. والعقول كما يقول علماء الاجتماع: العقول في المجموعة تضيع، لكن إنما أعظكم بواحدة: أن تقوموا لله مثنى وفرادى، أعطني عقلك وأعطيك عقلي ونتناقش بحوار وبحجة ولا ندخل في الضجيج؛ لأن الكلام في الضجيج والغوغاء لا يسمع، طرح الأفكار أمام الغوغاء لا ينفع. ولأجل ذلك أدعو نفسي وإخواني إلى دعوة كل ضال ترونه حتى وإن كان في ظاهر الأمر لا يقبل، بلغ لأن الانتصار هو البلاغ، وليس الانتصار أن تغسل عقول الناس، الانتصار هو أن تبلغ؛ لأن الله أحكم وأعلم: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] ليست مهمتنا أن نغسل عقول الناس، فلنفرض أنك في مكان فيه تسعمائة ألف كافر ومائة ألف مسلم مثلا، مهمتك هي أن تدعو إلى الله، فإذا لم يستجب لك من هؤلاء واحد فلا يعتبر ذلك فشلاً؛ لأن النبي ﷺ قال: (ورأيت النبي يوم القيامة يجيء ومعه الرهط، والنبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان) يعني النبي ما أسلم معه إلا سبعة أو ثمانية، أو خمسة عشر أو سبعة عشر، والنبي ما أسلم معه إلا واحد، ونبي لم يسلم معه إلا اثنان، قال: (ورأيت النبي وليس معه أحد) هل نعتبر أن هذا النبي فاشل؟ هل نعتبر أن هذا النبي لم يفهم، ليس النجاح في الدعوة هو أن تذهب نفسك حسرات على الذين عرض عليهم الحق فلم يستجيبوا له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦]. قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] ويقول: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] لكن الانتصار الحقيقي هو أن ندعو إلى الله وأن نبين كلام الله، وأن نبين كلام رسوله، وأن نبين كلام صحابته الكرام: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩]. أيها الأحبة: إن أولئك الذين يردون الحق ولا يستجيبون له لا يردونه عن قناعة، وإنما تارة يحتقرون من جاء به، وتارة يرونه ضعيفاً، وتارة يرونه فقيراً، وأعجب من ذلك أن بعض الطوائف لا تزال حبيبهم وصديقهم وسوياً في أعينهم وكريماً بينهم ما لم تدعهم إلى الهدى، فإذا دعوتهم إلى الهدى سقطت من أعينهم وهذا المنطق ليس بجديد كما قال قوم صالح له: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا﴾ [هود:٦٢] أي: قد كنا نحترمك قبل هذا يا صالح، وكانت لك منزلة في نفوسنا: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود:٦٢] بعض طوائف الضلالة يحرجونك بجو من الاحترام وجو (بالإتكيت) كما يسمى، حتى تهاب دعوتهم، لكن إذا دعوتهم انظر إلى منزلتك بينهم.

стр. 1692

قصة موسى وهارون مع فرعون وقومه وكذلك نفس الإجابة تكرر؛ قال فرعون وملأه لموسى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [يونس:٧٨] ولأجل ذلك نهى القرآن عن اتباع الآباء والأجداد وطاعة الكبراء والرؤساء، ويعرض فيها القرآن صوراً واضحة، قال : ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]. وفي سورة أخرى يقول : ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب:٦٦] هذا جزاء الذين يجعلون العقول في خزائن الجدات والعجائز، ولا يخرجون العقول للمناقشة والمناظرة، هذا جزء الذين يجعلون العقول تحت الأرض في السراديب المظلمة ولا يخرجونها إلى النور والحق والهدى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٦ - ٦٧] هؤلاء لا ينفعهم يوم القيامة أن يلعن بعضهم بعضاً أو يسب بعضهم بعضا. وفي سورة أخرى يقول : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١] وهذا أمر خطير.

стр. 1693

التعصب الأعمى أيها الأحبة: إن أشد ما يطمس العقل البشري هو التعصب الجامد المظلم الذي يحبس صاحبه في قمقم قديم كان عليه الآباء أو الواقع الذي عليه الأكثرية والرؤساء، فلا تعتبر بالأكثرية، كما أن الآباء والأجداد ليسوا بالضرورة على هدى وصواب، فكذلك الكثرة ليست بالضرورة على هدى وصواب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦] ويخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنهم ضلال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:٧١] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم وإنما هم في ظنون كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦]. قد يقول قائل: نحن الآن على حق، ونحن في كثرة من الحق والحمد لله، إذاً هذه الكثرة لا يعتد بها؟ أقول: لا تقس المسألة بحدود المملكة التي أنت فيها، قس الواقع كله في الداخل والخارج في العالم، في قارة آسيا وأمريكا وأوروبا وأفريقيا، انظر إلى أكثر أهل الأرض وستعرف من هم الأكثرية، فلا تعتد بهم في أي حال من الأحوال. وينبغي للعاقل ألا يكون إمعة كما جاء في الأثر: [لا يكون أحدكم إمعة يقول: إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت] وإنما ينبغي للإنسان أن يحسن إذا أحسنوا وإذا أساءوا فعليه أن يجتنب الإساءة. أيها الأحبة: ينبغي للعاقل ألا يغتر بكثرة أهل الضلالة، وعليك ألا تكون ممن قال فيهم القائل: وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد بل ينبغي للإنسان أن يتميز، وإن كنت مثل الناس إنساناً لكن عليك بالتميز: فإن ضل الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال أي: ليس ضالاً، ولكن تتميز عنهم بالهداية بإذن الله: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة:١٠٠]. وينبغي لمن يحترم عقله ويقول إنه مكرم بهذا العقل والفكر إلا يتعصب للباطل. إن قريشاً قد ضلت ضلالاً بعيداً مع تعصبها على باطلها، فمع معرفتها للحق لم تدع الله أن تهتدي إليه وإنما قالت منطقاً أعوج كما بيَّن في حال أولئك الذين قادهم التعصب إلى أن يسألوا الله العذاب، هذا التعصب يعمي المرء ويصمه ويجعل عقله كأنه منحوت من الحجر الأصم، انظر كيف فعل التعصب بكفرة مكة الذين قالوا في عناد غريب: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] من شدة التعصب لم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا، قالوا: إن كان هذا هو الحق فأمطر علينا حجارة، ولو عقل القوم لقالوا: إن كان هذا هو الحق فاجعلنا مهتدين وإليه هداة داعين، أو اجعلنا من أنصاره، ولكن صدق الله العظيم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]. وحكى القرآن حالهم: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥] وينبغي للمسلم إذا سمع الحق أن ينقاد إليه وأن يدع قول الآباء والأجداد والأعراف والتقاليد، فإن المجادلة بعد بيان الحق ووضوحه مشاقة لله ورسوله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٣٢]. فالعاقل لا يجادل في باطل، وإنما ينظر بعقله مهتدياً بوحي من عند الله ، فإن وجدت الحق فيما دعيت إليه فاقبل ولا حاجة أن تتعصب على الباطل وتموت عليه، وتبعث عليه وتحشر مع أهله، وتعبد ربك على باطل.

стр. 1694

بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً أيها الأحبة: لا تنزعجوا من الباطل أو كثرته، أو قوته وشوكته، أو جولته أو صولته، فإن النبي ﷺ قال: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء) وهو حديث متواتر عن النبي ﷺ ، وجاءت زيادات مفسرة في بعض الروايات: (قيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس) وفي رواية (قيل من الغرباء يا رسول الله قال: أناس صالحون في بناة سوء كبير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم). قال ابن القيم في كلام طيب جميل: فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس جداً سموا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فيهم غرباء، والداعون إلى السنة الصابرون على أذى المخالفين أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]. قال ابن القيم في صفات الغرباء: ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي ﷺ : التمسك بالسنة إذا رغب الناس عنها، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقاً، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم، فلغربتهم بين الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم. ثم يقول ابن القيم ﵀ في شأن المؤمن الغريب المتمسك بالسنة الداعي إليها، الصابر على الأذى في سبيلها: فهو غريب في دينه لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده لفساد اعتقادهم، غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طريقهم، غريب في نسبته لمخالفة نسبهم، غريب في معاشرته لهم؛ لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم، وبالجملة فهو غريب في أمور دنياه وآخرته، لا يجد من العامة مساعداً ولا معيناً، فهو عالم بين جهال، صاحب سنة بين أهل بدع، داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى أهل الأهواء والبدع، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قومٍ المعروفُ لديهم منكر والمنكر عندهم معروف، انتهى بنصه من مدارج السالكين ورحم الله ابن القيم وما أعذب وما أجمل كلامه في هذا. أيها الأحبة: أسأل الله أن أكون وإياكم ممن يسألون ربهم الهداية إلى الحق فيتبعونه، ويسألون ربهم ألا يشتبه الحق عليهم فيكونوا ضالين أو مضلين وهم لا يشعرون. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله كل خير.

стр. 1695

الأسئلة

стр. 1696

صحة حديث: (من لا تقية له لا دين له) السؤال هناك حديث نسمعه عن الرسول ﷺ : (من لا تقية له لا دين له) ما صحة هذا الحديث، وهل من التقية عدم السؤال في الدين؟ الجواب لا شك أنه حديث موضوع، وينسبونه إلى أئمة أهل البيت لعله جعفر يقول: التقية ديني ودين آبائي وأجدادي، من لا تقية له فلا دين له. وهذا موضوع عن النبي ﷺ مكذوب أيضاً على الإمام، ولا يجوز للمسلم أن يكون عنده تقية، لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] فليس للمسلم وجهان، للمسلم وجه واحد، قال ﷺ : (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) إنه لا خير في الكذب ولا صحة لهذا الحديث أبداً، بل هو موضوع مكذوب على النبي ﷺ .

стр. 1697

بدعة العزاء لأكثر من أسبوع السؤال أشهد الله أني أحبك في الله، يسأل عن العزاء في بعض في المناطق التي يمتد لأكثر من أسبوع؛ تنصب فيه الخيام، وتوقد فيه النار، وتوضع الصحون، ويكون في العزاء كثير من الحديث عن التجارة وغيرها؟ الجواب لا شك أن هذا مما ابتدعه المتأخرون، وليس هناك دليل على أن من كانت له مصيبة أن يفتح البيت، وأن يجلس للنياحة أو للحزن أو البكاء أبداً، والشيخ عبد الله بن جبرين متعه الله بعمره على طاعته شهدنا جنازة زوجته ذلك اليوم ودروسه من فجر غد كما هي، ومجلسه لطلبة العلم في بيته كما هو. ولا يجوز فعل هذا إلا إذا قابلك أحد إخوانك وهو عالم بمصيبتك أو أخبر بها؛ فلا بأس أن يعزيك فيها، يقول لك: عظم الله أجرك، أو: لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى. ومن السنة أن يصنع لأهل الميت في يوم وفاته طعام؛ لأنهم اشتغلوا بحال ميتهم عن إعداد طعامهم: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم). أما أن اليوم الأول والناس في المقبرة وفلان يقول: الغداء عندي، وفلان حاجز للعشاء، وتنقلب القضية من العبر والمواعظ إلى مراجل وافتخار والعياذ بالله وأخطر من هذا، وقد رأيت بعضهم يضع له حوشاً جاهزاً ومن جاء أدخل ذبيحة أو ذبيحتين وجلس مع الناس، وبعضهم يأتي معه بذبحية وكيلو هيل وكيلو قهوة ويقعدون في أكل وشرب لمدة أسبوع، بل إن بعضهم والعياذ بالله صارت الموائد من هنا، ولعب البلوت والورق، والتفرج على التلفزيون، وسماع الأغاني والملاهي في المجلس الثاني، والبدع لا تأتي بخير أبداً. والسنة في اليوم الأول أن يصنع لأهل الميت طعام ويرسل إليهم بقدر ما يكفيهم، وإياكم والإسراف، وما سوى ذلك فتصدقوا به: (أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام) هؤلاء الذين يأتون بهذه الذبائح وهذه الأطعمة لو قيل لهم: يا أخي! تصدق بقيمتها لجمعية تحفيظ القرآن أو للبوسنة أو لـ كشمير أو للفليبين قال: لا. هذه فقط من العادات والتقاليد، وهذا لا أجر عليه، بل كثير منهم لا يؤجر على هذا الفعل لأنه ما فعله تعبداً، وإنما فعله تقليداً للآباء والأجداد.

стр. 1698

حكم السجود لطاغية من الطغاة السؤال هل يسجد الإنسان لطاغية إذا ابتلاه بالقوة، وهل يدخل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]؟ الجواب لا يسجد، وما أجمل الموت في هذه اللحظة، وهذه ميتة مضمون بإذن الله مائة بالمائة أنها شهادة، أنت يقال لك اسجد له فتقول: لا أسجد إلا لله ولو قطعت رقبتك في هذه الحالة؛ لأنك أبيت السجود لغير الله، فلا تسجد أبداً.

стр. 1699

الاحتجاج بقصة موسى على الأخذ بدون محاورة ونقاش السؤال يحتج بعض الناس في قبول ما عنده بدون نقاش بقصة موسى ﵇ مع الخضر، ما هو الرد على ذلك؟ الجواب الرد واضح جداً أن هذا خبر من عند الله ، لكن هذا الذي يقول: لا تناقش فإن موسى لم يناقش الخضر هذا بشر، والخبر الذي جاء بين الخضر وموسى نبأ من عند الله . الأمر الآخر: فإن الله هو الذي أمر موسى وبين له أن الخضر أعلم منه، وذلك كما في سبب نزول الآيات في أكثر من تفسير وحديث: (أن رجلاً من بني إسرائيل قال يا موسى هل في الأرض أعلم منك قال: لا. فأوحى الله إليه، يا موسى إن عبدنا الخضر أعلم منك) فعندنا دليل أن الخضر أعلم من موسى ﵇، وهذا نبي والله يقول: (إن خضراً أعلم منك) لكن هل هذا الذي يقول لا تناقشني نبي؟ وهل السائل قيل له: إن هذا أعلم منك، بل ربما أن السائل أعلم بكثير بالمسائل من هذا المسئول، لكن على العادات والتقاليد ربما يتوج أو يعطى من لا يستحق، فليست هذه بحجة على الإطلاق.

стр. 1700

حكم التدخين السؤال رجل يعاني من التدخين لا يستطيع أن يقطعه؟ الجواب على أية حال نوصيه بالمجاهدة، فإن هذا من البلوى، وهي من الخبائث التي حرمت في هذه الشريعة الطيبة التي جاءت على هدي نبوي بوحي من عند الله ، وسنة النبي ﷺ ؛ لتحل لنا الطيبات وتحرم الخبائث، فالعاقل لا يسعى في جنون بإهلاك بدنه وخسارة ماله، ومعصية ربه، وإيذاء الملائكة، وإيذاء الناس، وهذا التدخين يحرم الإنسان خيراً كثيراً. إن كثيراً من المدخنين فيهم خير كثير، ولكن رائحة الدخان تحرمه من دخول المسجد فيقول: أريد أن أصلي وأسمع المحاضرة، لكن سوف يتضايق الذين من حولي، لكن رائحة السيجارة طردته عن المسجد، وإذا ذكر له أناس على شيشة في الركن يفرح ويذهب للجلوس معهم فهذه السيجارة طردته عن المسجد وقادته إلى الرصيف. بل إن بعضهم تقوده السيجارة إلى أهون مكان، في الكلية بعض الطلاب يستأذن من الأستاذ، يقول: أنا أريد أن أذهب إلى دورة المياه؟ ويدخل دورة المياه ويجلس خمس دقائق ثم يأتيك وكله (فمه وبدنه) رائحة دخان، قبح الله هذه السيجارة التي جرتك من روضة العلم العاطرة المعطرة إلى مكان النجاسة الخبيث المخبث. فانظر كيف تجني السيجارة على صاحبها، تجره من المجالس الطيبة إلى المجالس الرديئة، وحسبك أن من كان في جيبه عطراً لا يتردد في أي لحظة أن يخرجه ويطيبك ويطيب الشيخ والقاضي والإمام والصغير والكبير، لكن الذي معه سيجارة، يذهب يبحث عن دورة للمياه يدخن فيها لكي لا يراه أحد؛ ولذلك أدعو إخواني المدخنين إلى العودة إلى الله، وأن يتجنبوا هذا وأن يكرموا أنفسهم وأن يترفعوا عنها.

стр. 1701

حكم الموسيقى السؤال ما حكم الآلات الموسيقية؟ الجواب لا شك أن الموسيقى لا تجوز أياً كان شأنها.

стр. 1702

رؤية الزوجة السؤال رجل تزوج من امرأة ورزقه الله منها طفلة، ولكنها لا تكشف وجهها له بحجة أنها تستحي؟ الجواب ما شاء الله جاءه مولود ولم ير وجهها بعد، ربما سمعت أن في بعض البوادي تعودت المرأة لبس البرقع فلا تكشف أبداً، وإن كان هذا من النادر، لكن على أية حال ينبغي إن تجتهد في رؤية زوجتك أعانك الله على ذلك، لا حول ولا قوة إلا بالله، وشر البلية ما يضحك.

стр. 1703

مشاهدة المباريات السؤال ما حكم مشاهدة المباريات؟ الجواب مضيعة للوقت لا فائدة فيه، ولا طائل منها إطلاقاً، ولو فازوا أو هزموا أو انتصروا، والله لو كنت عاطلاً ما أعطوك وظيفة، وإن كنت فقيراً فلن يغنوك، وإن كنت مديناً فلن يقضوا دينك، وإن كنت مريضاً فلن يساعدوك في المستشفى، وإن كان عليك أقساط في الكرسيدا التي اشتريتها فلن يسددوها عنك، فلا تشغل نفسك بتشجيع الرياضة، وفي الوقت الذي تشاهد فيه المباريات اشتر لك شاحنة بطيخ وبعها تكسب لك خمسمائة ريال خير لك من مشاهدتها، وبعض الناس مسكين تجده يزعج ويجن ويصيح: فازوا وهزموا ثم ماذا يا مسكين، والله لن يعطوك ولن ينفعوك، وهذا من صور تسليم العقول بلا فائدة. فلماذا تعطي عقلك تشجع وتطبل والله سيحاسبك عليه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] يوم القيامة لن أحشر مع الفريق، كل يحشر ويحاسب بعقله وبأعماله وفعله، لن ينفعك الانتصارات ولا الفوز، لئن هزموا ألف هزيمة لن تنزل بك درجة، ولئن انتصروا ألف انتصار لن تستفيد درجة، فالعاقل يحفظ وقته عن الضياع، نعم إذا قلنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض، بعض الشباب ربما كان لعبهم بالكرة اشتغال بالمباح، لا يلبسون القصير، لا يلعبونها وقت الصلاة، لئن يعلبوا الكرة خير من أن يسافروا للخارج أو يعبثوا، أو يفسدوا أو يجعلوا من أوقاتهم أوقاتاً يعصون بها الله، واشتغالهم في المباح خير من الاشتغال في معصية، وضياع الوقت في مثل هذا ولا ضياع الوقت في معصية الله، لكن أن تجعل شغلك الشاغل هذه الكرة، وتجعلها هي الولاء والبراء، توالي من والاك فيها وتعادي من عاداك فيها، فذلك أمر خطير، وما أكثر هؤلاء! وعندما كنت في ثالث ثانوي لا أنسى هذا الموقف. أذكر صديقين بينهم من الوفاق في أمور الصداقة إلا مسألة الفريق، كان أحدهم يشجع فريقاً والآخر يشجع الفريق الآخر، فجأة وأستاذنا يدرس في الفصل وكنا في ثانوية بدر إذ بأحد يأخذ النعل ويضربها في وجه الثاني، فلان يضرب صديقه فلان لماذا؟! قال: كل قليل يقول: يا أبو أربع يا أبو أربع، لأنه في مباراة الأمس هزموهم بأربعة أهداف، فضاق الرجل ولم يصبر، هذا الولاء والبراء ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 1704

قضاء الصوم السؤال رجل عليه صيام شهرين منذ أربع سنوات ولم يصمها؟ الجواب يبادر بصومها، وإن كان كفارة يشترط فيها التتابع فليحرص على التتابع فيها، وإذا انقطع التتابع يعيد من جديد.

стр. 1705

رؤية الله في الجنة السؤال هل يرى المؤمنون ربهم في الجنة؟ الجواب رؤية الله في الجنة ثابتة بنصوص القرآن ونصوص السنة، والمعتزلة وإن جادلوا بالباطل يجادلون بأمرين، الأمر الأول ما ورد في مسألة الرؤية من الأحاديث، يقولون هذه أخبار آحاد، وخبر الآحاد لا يحتج به في العقيدة، وخبر الآحاد إذا صح سنداً ومتناً احتج به في العقيدة والعبادة والمعاملات والأخلاق وغير ذلك، والأمر الآخر: يحتجون بالتأويل المنحوت المتكلف في اللغة، قال الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] ماذا ردت المعتزلة؟ قالوا: آلاء معناها: نعم. قالوا: مثناها إلاءان ومفردها إلى، فآلاء: نعم، وإلاءان نعمتان، وإلى: نعمة واحدة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ﴿إِلَى﴾ أي: (نعمة) ﴿رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فخرجوا بهذا التأويل المتكلف، وضلوا ضلالاً بعيداً. وفي الأحاديث الصحيحة الصريحة قال ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] النظر إلى وجه الله الكريم، فأحاديث الرؤية واضحة وثابتة، وما منعهم من اتباعها إلا تسلط الهوى عليهم فلا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون. ويذكر عن أحد من أهل السنة أنه كان في زمنه معتزلي ينكر عذاب القبر، فلما مات ذلك المعتزلي جاء هذا الإمام السني من أهل السنة ليصلي عليه صلاة الجنازة قالوا: تصلي على معتزلي، قال: نعم؛ فإني لما كبرت الرابعة في صلاة الجنازة قلت اللهم أذقه عذاب القبر فإنه كان ينكره.

стр. 1706

حكم التهاون بالصلاة والنظر إلى النساء السؤال رجل تهاون في الصلاة بتأخيرها ولا يكل نظره من النظر إلى النساء؟ الجواب نوصيه وأنفسنا بتقوى الله ، وليعلم أن كبائر الذنوب من جميع صغارها خلِ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى والله قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] لا تتهاون بقليل من الشر والمنكر فإنه محسوب عليك، واجتهد بكثرة الاستغفار وذكر الله، والتبكير للمساجد والتفكر في حالك ومآلك، ونعم الله عليك وكيف صرفتها، وماذا عملت بها، بمَ صرفت هذا النظر وهذا السمع وهذه الأقدام وهذه الأيدي، فالمتفكر يندم، والذي يفكر في نعم الله عليه ويفكر فيما بعد ينجو بإذن الله ، أما هذا المسكين الذي يضيع هذه النعم في غير ما شرع الله وغير ما أباح الله، وغير مبال فإنها يوم القيامة تجتمع عليه، ولا يغرك بعض حسناتك، لأن بعض الناس يقول: والله أنا بنيت مسجداً، فلا يضرني أن أنظر إلى الأفلام ولا يضرني أن أتكلم، ونقول: ربما عندك مسجد مقدار حسناته مليون حسنة ربما تجمع عليك مليونا سيئة، وتظن نفسك من الرابحين وأنت من الخاسرين ولا تدري، فلا تعمل السيئات اتكالاً على ما عندك من الحسنات، بل إذا عملت حسنة فاسأل الله أن تكون خالصة لوجهه، وأن يحفظها لك ولا يضيع عملك؛ لأن الإنسان إذا عمل صالحاً على خطر إن يضيع العمل بالرياء، وأن يضيع بالسمعة والعجب، وكذلك لا تتهاون بالسيئات، كما قال ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا يا رسول الله المفلس من لا دينار له ولا درهم، قال لا. المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وأعمال كالجبال، فيأتي وقد لطم هذا، وشتم هذا، وضرب هذا واغتاب هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته ويعطى ذاك من حسناته فإذا فنيت حسناته أخذت من سيئاتهم فطرحت عليه سيئاتهم ثم طرح في النار) والعياذ بالله. فلا تتساهل بالسيئات اتكالاً على ما عندك من الحسنات، وضع بين عينيك قول الله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] أكثر من الحسنات احتياطاً للسيئات التي مضت، والتي تفعلها والتي تقع فيها وأنت لا تدري، وقول النبي ﷺ : (وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).

стр. 1707

حكم سب الصحابة رضوان الله عليهم السؤال ما حكم سب صحابة رسول الله ﷺ ؟ الجواب من سب الصحابة فقد كفر، لأنه يكذب بكتاب الله، الله يزكيهم وهو يسبهم، والله يعدلهم وهو يجرحهم، والله يشهد لهم بالطهارة وهذا ينجسهم، الله يرفعهم وهذا يُنزل من قدرهم، قبحه الله وفعل به ما يستحق، من سب الصحابة فقد كفر كفراً أكبر لا شك فيه، أعوذ بالله، أعوذ بالله من الخذلان، وهذا من الضلال المبين والتسلط على أعراض الصحابة لا تخض في حق سادات مضوا إنهم ليسوا بأهل للدنس الصحابة رضوان الله عليهم ذكرهم الله في مواضع كثيرة من كتابه، وربك يخلق ما يشاء ويختار، اختار الله من نطف هذه البشرية هذه الثلة المباركة الطيبة؛ لكي يكونوا صحابة لرسول الله ﷺ ، اختارهم لصحبة نبيه ﷺ فمن الذي يكفرهم ويتجرأ عليهم؟ نعوذ بالله من الخذلان، وننصح من وقع في ذلك بتجديد الإسلام والتوبة، والدخول في الدين من جديد، وليندم على ما فعل؛ فإنه يوم القيامة سيضل ضلالاً بعيداً ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1708

حكم الصلاة قبل دخول الوقت السؤال أناس يجمعون صلاة المغرب مع العشاء مع العلم أنه لا أمر يرخص لهم بذلك، وإنما يصلون المغرب ويجلسون نصف ساعة ويصلون العشاء قبل دخول وقتها؟ الجواب لا يجوز الصلاة قبل دخول الوقت، ومن شروط الصلاة وصحتها: دخول الوقت، فمن صلى قبل دخول الوقت كمن صلى إلى غير القبلة، ولا يجوز ذلك بأي حال من الأحوال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] وجاء جبريل وصلى بالنبي ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم صلى به الظهر والعصر والمغرب والفجر وقال: الوقت بين هذا وهذا. فهناك وقت اختيار الذي هو أول الوقت وهناك وقت جواز، ما بعد الوقت، وهناك وقت الاضطرار الذي هو قبل خروج الوقت، فمن فاتته وصلاها قضاءً فهو أهون ممن يصليها قبل دخولها؛ لأنه لا ينفعه وكأنه لم يصلها أبداً، من صلى صلاة قبل دخول وقتها فليعدها، ومن كان يجهل فعفا الله عما سلف ويصلي استئنافاً.

стр. 1709

التدرج في الدعوة إلى الله السؤال كيف أدعو إلى الله؟ الجواب الدعوة إلى الله على بصيرة مبنية على علم، فلا يمكن أن يدعو الإنسان بحماس وصياح وسباب وشتائم وعاطفة. الأمر الثاني: أن تركز جهدك وكلامك في ذات المرض نفسه بغض النظر عمن يفعلونه، فإنك يوم القيامة لن يحاسبك الله لماذا لم تفضح فلاناً ولم تشتم علاناً، وإنما أنت مسئول على أن توجه نصيحتك في ذات المرض والعلة والداء، كالطبيب الذي يأتي إليه المريض، لا مصلحة للطبيب في سب المريض وشتمه، ولا مصلحة للطبيب في أن يضيع وقته في لعن المرض والمرضى، وإنما من واجبه أن يبين خطر المرض، وأعراضه ومراحله، وتطوره والوقاية منه، وأساليب العلاج منه، فهذا من البصيرة والحكمة في الدعوة إلى الله . ومن الحكمة أن يبدأ الإنسان في الدعوة بالأهم فالمهم، أي أن يتدرج في هذا، ففي هذا خير خاصة لمن ابتلي بكبائر العظائم والأمور، أو أمور في العقيدة، لا تكلمه في مسائل في الفروع وعنده ضلال في العقيدة، والإنسان بحسب نيته وحال المدعو، يعني ليس هناك طريقة عامة في كل شيء يختلف الناس ما بين جاهل يحتاج إلى بصيرة وما بين إنسان يطلب الحق وعنده شيء من الحوار والفطنة والنباهة والقدرة على المناظرة، ويحتاج إلى الصبر، وسماع الكلام، واحتواء ما عنده من الحجة، وسماع كلامه حتى الآخر، ثم أنك تجزئ له الحجة منطقاً منطقاً، فقرة فقرة حتى يستوعبها ويفهمها. من الناس من يكون على ضلال وتتصل به؛ لأنك تطمع في هدايته فافهم هذا جيداً، ومن الناس من تعلم أنه عدو ضال مضل عنيد معاند، يقعد للحق بكل صراط يوعد ويتوعد، فهذا يستحق أن ينابذ وأن يحذر منه وينتبه لشره، أي ليس هناك قاعدة مطردة في كل حال وفي كل زمان ومكان، بل لكل مقام مقال. وفي الختام أسأل الله أن يثبتنا وإياكم على طاعته، وأن يجمعنا وإياكم في دار كرامته، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأن تكثروا من سؤال الله أن يثبتنا وإياكم على طاعته إلى أن نلقاه. اللهم توفنا وأنت راض عنا، اللهم توفنا راكعين ساجدين، شهداء موحدين، مصلين قائمين هداة مهتدين يا رب العالمين! غير خزايا ولا مفتونين. اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم اجمع شمل العلماء والولاة والدعاة على طاعتك، اللهم لا تشمت بنا حاسداً ولا تفرح علينا عدواً. اللهم اهد الضالين، اللهم انصر عبادك الموحدين وانصر جندك المجاهدين يا رب العالمين، وارحم اللهم موتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، واقض اللهم الدين عن المدينين، وفرج هم المهمومين، يا أكرم الأكرمين يا رب العالمين! وفي الختام أرجو من إخواني أن يقف على الأبواب من يجمع تبرعات لإخوانكم المحتاجين في البوسنة والهرسك، تصلهم بإذن الله وعندنا تصريح في جمع التبرعات في هذا، أسأل الله أن يكون عملنا وعملكم خالصاً لوجهه الكريم وصلى الله على محمد ﷺ .

стр. 1710

أهمية العلم وحقيقته إن العلم الحقيقي هو الذي يوصل ويقود إلى خشية الله جل وعلا، وقد حث الشيخ على العلم، وبين جهل كثير من الناس في مجال العقيدة، وكذلك جهل كثير من المثقفين في أبسط أمور دينهم، ثم وقف وقفة مع تعليم المرأة ووضح الضابط في ذلك.

стр. 1711

العلم الحقيقي هو المرتبط بالله سبحانه إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. معاشر المؤمنين يقول الله جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ويقول جل وعلا في مقام بيان وحدانيته وفي مقام بيان سبيل تحقيق الوحدانية -وهو العلم- قال جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]. أيها الأحبة في الله: حسبكم بالعلم أن كل جاهل يدعيه، وحسبكم بالعلم أن الكل يفتخر به، وحسبكم بالجهل أن الجاهل إذا وصف به ينفر منه، وحسبكم أن العاقل إذا وصف بالجاهل يغضبه ويسخطه ذلك، فكفى بالعلم فخراً أن يدعيه كل من على الأرض، وكفى بالجهل شؤماً أن يتعوذ ويبتعد وينفر من وصفه كل من على الأرض، والله قد جعل لهذا العلم درجة ومقاماً ومنزلة رفيعة، حسبكم ما جاء فيها من كتاب الله ، والسنة النبوية المطهرة مليئة بذلك، مليئة ببيان فضل العلم: (من سلك طريقاً يبتغي له علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع) (إن الدواب والحيتان في البحر لتستغفر لطالب العلم) فحسبكم بهذا العلم منزلة وفخرا. أيها الأحبة في الله: يوم الجمعة هذا يوافق اليوم العالمي لمحو الأمية، يوم عالمي اتفقت واجتمعت عليه دول العالم أن يكون يوماً عالمياً لمحو الأمية، والدعوة إلى نبذ الجهل، والدعوة إلى تحقيق العلم بمختلف وسائله، ولكن للمسلمين كلمة في الأمية، وللمسلمين كلمة في حقيقة العلم الذي يدعى إليه، فإن العلم ما لم يكن مرتبطاً بالعلم بالله ، ما لم يكن العلم محققاً خشية الله ، ما لم يكن العلم سبيلاً إلى رحمة الله ورضوانه فلا حباً ولا كرامة في هذا العلم، لأن العلم ولو تحقق خالياً من هذه الأهداف والمقاصد ينقلب شؤماً على البشرية، وينقلب دماراً عليها، ويحقق الويل والهلاك والدمار لأبنائها. أرأيتم ما وصلت إليه دول الغرب والشرق في أفظع وسائل الفتك الحربية والهجوم والتفجير والقتال، أرأيتم لو كان هذا العلم منضبطاً مرتبطاً بالعلم بالله ، أتصنع الدبابات لتسحق بها جماجم الأبرياء؟! أتصنع القنابل لتفجر بها منازل الأطفال والثكالى؟! أتصنع الصواريخ ليعتدى بها على المحارم والحرمات؟! هذا شأن علم لم يكن مرتبطاً بالله ، وهذه حقيقة كل علم ما لم يكن هدفه رضوان الله جل وعلا، ما لم يكن هدفه رحمة الله ورضوانه جل وعلا فإنه يعود بلاءً ودمارا.

стр. 1712

العلم ما قاد إلى خشية الله إن حقيقة العلم ما قاد إلى الخشية، ﴿كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] العلماء فاعل ولفظ الجلالة مخشي منه ، العلماء يخشون الله جل وعلا؛ لأنهم أقرب من غيرهم في معرفة إبداع الله وبديع صنعه في هذا الكون، يقول الله جل وعلا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣] حقق العلم الحديث أن غاية ما وصلت إليه العلوم في نوعين من العلم: علم الأبدان وعلم الأكوان، علم الأنفس وعلم الأفلاك، فمن توغل في هذا العلم ونال منه حظاً وقدراً ونصيبا، وكان مرتبطاً أو على أصل سليم من فطرة طيبة، أو لم يكن معانداً مكابرا فإن علمه هذا يقوده إلى خشية من الله ويقوده إلى تعظيم الله ويقوده إلى تحقيق وحدانية الله . أيها الأحبة في الله: لا خير في العلم ما لم يكن مرتبطاً بالخشية من الله، وبدون هذا الارتباط ينقلب العلم دماراً وهلاكاً على أبنائه، أما علوم الشريعة التي هي تاج العلوم وإمامها ورأسها وزعيمها، علوم الشريعة ما لم يكن الهدف منها مرتبطاً بتحقيق العدل وبذل العمل الصالح ونفع الآخرين وهداية الضلال وتبصير الجهلاء، فإن العلم قد يكون أيضاً حجة على صاحبه: (من سلك طريقاً مما يبتغى به وجه الله، من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يطلبه إلا للدنيا لم يرح عرف الجنة -أي: رائحتها- وإن عرفها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام). نعم -أيها الأحبة- علم الشريعة ما لم يدع صاحبه إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحقيق دين الله والدعوة إليه وبذل النفع للآخرين، والعزة والرفعة بهذا الدين فماذا يكون حظ صاحبه إن لم يكن هذا حظه من العلم. يقولون زند العلم كاب وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما فلو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما أأشقى به جمعاً وأجنيه ذلة إذاً فاتباع الجهل أولى وأحزما ما لم يكن الجد والاجتهاد في طلب العلم سبيل العزة في دين الله والرفعة في العلم بالله فلا خير لصاحبه مما علم إذا سخره للدنيا وحرم العباد من نفعه وفائدته. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1713

حث على العلم وأهميته الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله لا شك أن من حرم القراءة والكتابة فقد حرم خيراً كثيراً، ولا يدرك هذا الحرمان إلا إذا تقدمت به السن وانصرف عنه الأحباب والخلان فبدأ يمضي أوقاتاً كثيرة من أيامه ولياليه منفرداً وحيداً تدور به الوساوس والهواجس، ولو كان من المتعلمين لكان استغل فراغه ووقته وبقية عمره في قراءة كتاب الله جل وعلا، تجده يختم القرآن في كل يومين أو في كل ثلاثة أو أربعة، ما دام مستطيعاً للقراءة والكتابة، ما دام يملك وقتاً لهذا، فهو في خير، ومن كان لا يقرأ ولا يكتب ويعرف حاجته إلى كتاب الله وفضل تلاوة كتاب الله، وفقره إلى درجات وحسنات من ثواب الله وفضله فليبادر إلى تعلم القراءة والكتابة. إن من فاته التعليم وقت شبابه يفوته خير كثير، لكن يستطيع الكثير باجتهادهم ومواصلتهم أن يحققوا جزءاً كبيراً مما فات وما مضى، يقول الشافعي أو ينسب عنه: من لم يذق ذل التعلم ساعة تجرع ذل الجهل طول حياته ومن فاته التعليم وقت شبابه فكبر عليه أربعاً لوفاته أيها الشباب لا تفرطوا في العلم ولا تتهاونوا به، واجعلوا حياتكم جميعها علماً وعملا، فائدة وتطبيقاً واستقامة لما علمتم. أيها الإخوة في الله إذا كان هذا هو اليوم العالمي لمحو الأمية، فإننا بحاجة إلى أيام عالمية نمحو بها أمية العقائد في أمم يظنون الطواف بالقبور والذبح لها مع النذور، في أمم يظنون استغاثة الموتى، وندبهم ودعاءهم وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات وشفاء المرضى، يظنونه من أعظم القرب، يظنون الاعتقاد بالأولياء وتعظيمهم ورفعة منازلهم فوق منزلة النبي وغيره، يظنون ذلك من صميم دينهم، فهؤلاء أمم بحاجة إلى رفع أمية العقيدة عنهم. إن أناساً يشكون من أمية العقائد يعبدون الله بغير ما شرع، ويتعبدون الله على ضلالة، وإذا مات الكثير منهم على هذه الحال رغم كده ونكده وتعبه ونصبه فإنه قد يتحقق فيه قول الله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤]. يطوفون ويذبحون ويبذلون أموراً كثيرة يريدون الشفاعة يريدون الزلفى يريدون القربة، وما تزيدهم من الله إلا بعدا.

стр. 1714

أمية المثقفين فيا شباب الإسلام إن لهذه الأمم التي هي في أمية من عقائدها إن لها حقوقاً عليكم أن تبذلوا حق الله في علمكم فتبصرونهم بحقيقة العقيدة، بحقيقة التوحيد الذي يقوم على وحدانية الله في ربوبيته وألوهيته وصرف دقيق العبادات وجليلها له وحده لا شريك له، هناك أمية في المتعلمين أيضاً، يقرءون ويكتبون لكن أميتهم عجيبة غريبة في أبسط أحكام الإسلام وأركان الدين، قد تكون في سفر أو في حج أو في مناسبة مع واحد من حملة الشهادات فتعجب في أخطاء ومغالطات عجيبة، في وضوئه وصلاته ونسكه وأعماله، إنها لأمية المتعلمين، وأمية المثقفين قد يكتب صفحات يملأ بها الجرائد والمجلات لكنه قد لا يعرف أبسط قواعد الصلاة. فيا أيها الأحبة إن أمية المثقفين موجودة لا تظنوها مبالغة، فمثل أولئك بحاجة إلى تبسيط قواعد الفقه في الدين وعرضها عليهم بأيسر السبل، وما أجمل ما نراه بين الفينة والأخرى من الرسائل الجميلة التي توضح جملاً من أحكام الصلاة وأحكام الصيام وأحكام الحج وأنواع العبادات لأئمة الإسلام من علماء هذا الزمان، ففيها خير عظيم، وحيهلا على طبعها والإذن بطباعتها ونشرها وتوزيعها في مختلف الأماكن والدوائر لنرفع أمية طائفة من المثقفين في هذا.

стр. 1715

وقفة مع تعليم المرأة أيها الأحبة النساء إن كن في أمية فهذه الأمية قد تكون خطراً عليهن، بل قد يتحقق الخطر فيهن بسبب هذه الأمية. وإذا النساء نشأن في أمية رضع الرجال ضلالة وخمولا نعم -أيها الأحبة- لا بد أن تتعلم المرأة القراءة والكتابة، لا بد أن تتعلم حظاً يعينها على فهم دينها وأحكام عباداتها ومعاونة أبنائها وأطفالها، أما تعليم المرأة لأجل وظيفتها فتباً وبعداً وسحقاً، أما تعليم المرأة لأجل توظيفها لا يتحقق التعليم إلا لهدف الوظيفة فليس لهذا تعلم المرأة، نعم نحن نوافق على أن تتعلم المرأة لسد حاجة من حاجات المجتمع في الطب وفي التعليم، في طب النساء والولادة وفي التعليم، فهذا نوع فرض كفاية تقوم به طائفة من نساء المجتمعات الإسلامية لسد حاجة الأمة في هذا المجال، أما تعليم كل النساء من أجل الوظائف فلنكن صرحاء ولنكن على مستوى الوضوح: أنستطيع أن نوظف جميع المتعلمات في الطب والتعليم؟ لا. إذاً أين يتوظف البقية؟ أين سنحدث لهن الوظائف، أيختلطن مع الرجال؟! تباً وبعداً وسحقاً لهذا التعليم إن كان مقصوداً به اختلاط النساء بالرجال، أو توظيف المرأة في مجالات لا يبيح الشرع أن تتوظف فيها. قد يكون للمرأة حاجة في أن تتوظف وظيفة؛ إما لفقد وليها أو عائل أسرتها، فلا بأس ببعض الوظائف في معزل من الرجال، في طبيعة تناسب عملها، لا نستطيع أن نحصر الوظائف في الطب والتعليم فقط، فقد توجد بعض الوظائف المساعدة والمساندة في بعض الدوائر والمجالات، لكن لا علاقة للمرأة بالرجل في هذه الوظيفة، لا علاقة للرجال بالنساء. أيها الأحبة إني لكم لنذير عريان، والرائد لا يكذب أهله، إذا رأيتم نذيراً يلوح عرياناً من خوف خطر داهم على الأمة: اعلموا -أيها الإخوة- أن الأمم التي وقف فيها الرجل مع المرأة، المرأة قد أبدت (زندها) وذراعها، وكشفت فخذها وساقها أمام موظف في مكتب واحد، والله كان التعليم عندهم مستقلا ثم أصبح مختلطا، ثم اختلطت في بعض الوظائف وهاهم الآن في المجتمعات يشكون ألوان الحمل غير المشروع، والإجهاض والاغتصاب والخيانات الزوجية بسبب هذا الباب. فيا أمة الإسلام يا غيرة الرجال! يا غيرة الشجعان على أمتهم ودينهم! انتبهوا لهذا الأمر، ولا سبيل إليه ولا سبيل للانتباه إليه إلا بتحقيق الوعي وتحذير المرأة وبيان ما يراد بها، إن أعداء الإسلام يريدون أن يجعلوها سلعة رخيصة في متناول أيديهم، يقول أحد مفكري الإسلام يقول: إن الذين يطنطنون وينادون بحرية المرأة في الوظائف والتعليم باختلاط المرأة في الوظائف والتعليم وينادون بما يسمى بحرية المرأة، والله إنهم لا يريدون حريتها ولكن يريدون حرية الوصول إليها. نعم، يريدون حرية الوصول إلى المرأة؛ في المتجر، وفي الوظيفة، وفي المكتب، وفي الجامعة، وفي كل مجال، وفي كل مكان، فيا أمة الإسلام! يا ذوي الهمم! ويا ذوي الغيرة! ويا أهل الإباء والشمم! عاركم على أنفسكم إن استحل واستفحل الخطر الداهم في مجتمعنا المسلم، في أمتنا المحافظة، في هذه القلعة الأخيرة من قلاع العالم التي لا زال فيها بقية طيبة من دين الإسلام تحكم شريعته وتعمل به. اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلح مضغة قلبه، اللهم قرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم لا تفرح علينا ولا عليهم عدواً ولا تشمت بنا ولا بهم حاسدا. اللهم أبرم لأمتنا أمر رشد يعز فيه أهل دينك ويذل فيه أهل معصيتك، ويعز فيه أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اللهم أيد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم وفق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم أعز الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم ثبتهم وارزقهم البصيرة في الدين والعمل والمعاملة يا رب العالمين. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم فجازه بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفواً وغفرانا. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، بمنك يا أرحم الراحمين. اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1716

أهمية الوقت في حياة المسلم اهتم الإسلام بالوقت وبيَّن أهميته، وذلك من خلال آيات من القرآن وأحاديث من السنة، كما جاءت كثير من العبادات لتنظيم وقت المسلم، في إطار هذا الموضوع تحدث الشيخ، وعرج على خصائص الوقت، وواجبنا تجاهه، إضافة إلى بعض النصائح الخاصة بالوقت مع برنامج مبسط لكيفية قضائه.

стр. 1717

أهمية الوقت إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة في الله! إنه لمن دواعي السرور والغبطة أن يشرفني إخوانكم بالمثول أمامكم والتحدث إليكم، أسأل الله جل وعلا أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعل هذا الاجتماع مرحوماً برحمته إنه هو أرحم الراحمين. أيها الإخوة! الحديث عن الوقت، حديث مهم جداً؛ لأنه حياة الإنسان، ولأن الوقت ظرف لكل فعل، ولكل دقيق وجليل يخرج من هذا الإنسان المكلف في سائر تصرفاته وأقواله وأفعاله، فكل ما يحدث في هذا الكون إنما يحدث في حيز الوقت.

стр. 1718

القرآن يتحدث عن الوقت ولذلك لا عجب أن نرى كتاب الله جل وعلا مليئاً بكثير من الآيات المتعلقة بهذا الوقت إما مباشرةً، أو إيحاءً، أو دلالةً على أهمية هذا الوقت وقيمته خاصةً لعباد الله الذاكرين الموحدين أولي الألباب، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. فإذا تأملت قول الله جل وعلا: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران:١٩٠] فتغير هذا الليل بنهار بعده، ونسخ هذا الظلام بنور يزيله، هذه آية من آيات الله جل وعلا، والوقت والساعات دائرة بين فلك الليل وفلك النهار، من أجل ذلك قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] أصحاب العقول من هم؟ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] ويقول الله جل وعلا في آية أخرى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان:٦١]. وهذه البروج، وهذا القمر مرتبط بتحديد الأوقات والأزمان، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] فالمتذكر والمتأمل يتأمل في هذا الليل والنهار، وفي انقضاء الليل وإتيان النهار بعده، في زوال النهار وهجوم الظلام عليه، تلك آية عظيمة، ومن أجل ذلك كانت أشد المشاهد رهبةً للنفس الإنسانية مشهد الغروب، ومشهد الإشراق. حينما ترى جيشاً من الظلام قد هجم على هذه البسيطة ليغطيها بسحابة سوداء، فينسخ هذا النور الذي هو فيها، حينما تتأمل غروب هذه الشمس، وكذلك حينما يأتي الصباح، ثم يأتي ضوء هذا الشمس رويداً رويداً ليهزم حلول الظلام، تذهب على أدراجها، ثم يعلو النور أجزاء هذه المعمورة، آية كونية عظيمة لمن تأملها.

стр. 1719

الوقت محل العبادات ومن حكمة الله جل وعلا أن تُعبدنا بشيء من العبادات في هذه الأوقات: صلاة الفجر وصلاة المغرب مرتبطة أشد الارتباط بهذا الوقت الذي هو وقت عظيم ومهم جداً، بل إن من أهمية الأوقات أن الله جل وعلا أقسم بأجزاء منها، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١ - ٢] والله إذا أقسم بشيء عظمه، وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١] وقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] إلى آخر ذلك. هذا الوقت أيها الإخوة! في كل جزء من أجزائه، وفي كل ساعة من ساعاته، وفي كل لحظة من لحظاته فيه وظيفة عبادة يتعبد الناس فيها إلى الله جل وعلا، فمنها وظيفة يجتمع الناس فيها، ومنها وظيفة تختلف بحسب قدرات الناس ومنازلهم ودرجاتهم وعلمهم ومكانتهم، فأما الوظيفة التي يجتمع الناس فيها في هذا الوقت؛ ألا وهي الصلوات، نلاحظ أن الناس مرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالصلوات في وقت محدد معين قد قاله الله جل وعلا وبينه، وقد جاء به جبريل إلى النبي ﷺ ، وصلى به فيه، وقال: (الوقت من هاهنا إلى هاهنا، والوقت من هاهنا إلى هاهنا) كل ذلك أهميةً للوقت، وربطاً للناس في هذه الأوقات. يقول الله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] قال العلماء: فاشتملت هذه الآية على أوقات الصلوات قاطبة، دلوك الشمس: زوالها، وغسق الليل: نهايته، والعبادات التي هي فيه (وقرآن الفجر) صلاة الفجر. إذاً فهذه الآية قد اشتملت وجمعت، وجاءت السنة مفصلة لأوقات العبادة، بل إن الوقت شرط أساسي في كثير من العبادات، الصلاة من شروطها: دخول الوقت، لو صليت قبل الوقت، ما وقعت الصلاة في محلها، ومن ثمّ لا تكون هذه الصلاة مقبولة، لأن من أتى بشيء لم يقم بشرطه، لزمه إعادته، حينما تصلي في غير الوقت، يلزمك أن تعيد صلاتك، وعندما ترى إنساناً يقول: أنا أريد أن أصوم في شوال، فهذا غير مقبول؛ لأن العبادة مرتبطة بالوقت، والصيام يكون في رمضان. إنسان يريد أن يحج في محرم، نقول له: لا، العبادة مرتبطة بالوقت في أشهر الحج، وفي أيام معدودة من ذي الحجة، إذاً فالعبادة مرتبطة بالأوقات ارتباطاً عظيماً جداً. كذلك النوع الثاني من وظائف العبادة في الأوقات: كل بحسب قدرته ومكانه وعلمه، هذا عالم يُعلم، وهذا مدرس يدرس، وهذا عامل يعمل، وهذا تاجر يتاجر، وهذا قاض يقضي، وهذا وهذا، كلٌ في مهمته، مدار أعمالهم في حيز هذه الأوقات وساعاتها، ومن حكمة الله جل وعلا أن جعل هذا الوقت يمضي رويداً رويداً بين الليل والنهار إلا أن فيه ميزاناً يجعل الناس ينضبطون فيه ألا وإن ميزان اليوم: الصلوات الخمس، ومن أجل ذلك نرى الذين يحافظون على الصلوات حفاظاً دقيقاً هم أشد الناس محافظةً لأوقاتهم بالجملة، فالجمعة ميزان الأسبوع، والصوم ميزانٌ في كل سنة، والحج ميزانٌ في العمر، وبعض السلف الصالح يسمي ذلك موازين الأعمال. وتتمةً للحديث عن الوظائف المتعلقة بالوقت نذكر كلاماً جاء لـ أبي بكر الصديق ﵁ حينما أوصى بالخلافة لـ عمر، قال: [يا عمر! واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وأن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار] إذاً ليس المهم العمل في وحده فقط، بل المهم العمل المرتبط بالوقت المناسب. المهم أن تعمل العمل المطلوب في الوقت المناسب الذي حدده الشارع، فهذا نلاحظ آثاره في أنفسنا، وفي شبابنا، وفي إخواننا. أنتم حينما تلاحظون بعض الشباب من الذين يقضون ساعات الليل، الذي جعله الله جل وعلا سكناً، وستراً، وظلاماً، وهدوءاً وراحةً، الذين يُشغلون هذا الليل في معصية الله جل وعلا، وتراهم مع شياطين الإنس وتؤزهم شياطين الجن إلى معصية الله ومخالفة أوامره في الليل، فتجدهم بهذه المخالفة في أعمالهم في ظرف الوقت يخسرون جانباً آخر من الوقت وهو الصباح، فإذا جاء وقت الصباح، وقت الفلاح، وقت الجد، وقت التشمير، تراهم جيفاً نائمةً على فروشهم، تراهم كُسالى قد أهلكهم الخور والسهر والضعف؛ لأنهم خالفوا هذا النظام الذي قرره الله جل وعلا، وسنه في الكون، ومن أجل ذلك يبقى الإنسان في مخالفة، حينما تسهر طول الليل، فإن صلاة الفجر في الغالب تفوت، والصباح وقت تقسم فيه الأرزاق لكن تجد الإنسان غافلاً، تجد الأعمال الإدارية والحكومية والمصالح العامة في الصباح لكن تجد هذا الإنسان نائماً، وإذا عاد الناس في حر الظهيرة إلى بيوتهم آن له أن يستيقظ، وقد طارت الطيور بأرزاقها، وعاد الناس بمكاسبهم، واشتغل أصحاب الأعمال بأعمالهم وعادوا إلى بيوتهم. هذا الضعيف المسكين السهران البارحة الذي خالف سنة الوقت، والسنة التي قررها الله جل وعلا في هذا الوقت، تجده محروماً، والعياذ بالله. نلاحظ الكثير منهم عاجزاً عن العمل، إذا عمل عملاً للحظات، أو أيام، أو أشهر بالكثير، ثم يتركه، لأن فيه مخالفة، إذاً الأوقات مرتبطة بالأعمال، والعمل ليس وحده مهم، بل العمل المناسب في الوقت المناسب.

стр. 1720

خصائص الوقت أيها الإخوة! هذا الوقت له خصائص، ألا وإن من أهم خصائصه:
следующие страницы →