Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
أهمية الوقت في حياة المسلم
اهتم الإسلام بالوقت وبيَّن أهميته، وذلك من خلال آيات من القرآن وأحاديث من السنة، كما جاءت كثير من العبادات لتنظيم وقت المسلم، في إطار هذا الموضوع تحدث الشيخ، وعرج على خصائص الوقت، وواجبنا تجاهه، إضافة إلى بعض النصائح الخاصة بالوقت مع برنامج مبسط لكيفية قضائه.
стр. 1717
أهمية الوقت
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة في الله! إنه لمن دواعي السرور والغبطة أن يشرفني إخوانكم بالمثول أمامكم والتحدث إليكم، أسأل الله جل وعلا أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعل هذا الاجتماع مرحوماً برحمته إنه هو أرحم الراحمين.
أيها الإخوة! الحديث عن الوقت، حديث مهم جداً؛ لأنه حياة الإنسان، ولأن الوقت ظرف لكل فعل، ولكل دقيق وجليل يخرج من هذا الإنسان المكلف في سائر تصرفاته وأقواله وأفعاله، فكل ما يحدث في هذا الكون إنما يحدث في حيز الوقت.
стр. 1718
القرآن يتحدث عن الوقت
ولذلك لا عجب أن نرى كتاب الله جل وعلا مليئاً بكثير من الآيات المتعلقة بهذا الوقت إما مباشرةً، أو إيحاءً، أو دلالةً على أهمية هذا الوقت وقيمته خاصةً لعباد الله الذاكرين الموحدين أولي الألباب، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
فإذا تأملت قول الله جل وعلا: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران:١٩٠] فتغير هذا الليل بنهار بعده، ونسخ هذا الظلام بنور يزيله، هذه آية من آيات الله جل وعلا، والوقت والساعات دائرة بين فلك الليل وفلك النهار، من أجل ذلك قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] أصحاب العقول من هم؟ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] ويقول الله جل وعلا في آية أخرى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان:٦١].
وهذه البروج، وهذا القمر مرتبط بتحديد الأوقات والأزمان، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] فالمتذكر والمتأمل يتأمل في هذا الليل والنهار، وفي انقضاء الليل وإتيان النهار بعده، في زوال النهار وهجوم الظلام عليه، تلك آية عظيمة، ومن أجل ذلك كانت أشد المشاهد رهبةً للنفس الإنسانية مشهد الغروب، ومشهد الإشراق.
حينما ترى جيشاً من الظلام قد هجم على هذه البسيطة ليغطيها بسحابة سوداء، فينسخ هذا النور الذي هو فيها، حينما تتأمل غروب هذه الشمس، وكذلك حينما يأتي الصباح، ثم يأتي ضوء هذا الشمس رويداً رويداً ليهزم حلول الظلام، تذهب على أدراجها، ثم يعلو النور أجزاء هذه المعمورة، آية كونية عظيمة لمن تأملها.
стр. 1719
الوقت محل العبادات
ومن حكمة الله جل وعلا أن تُعبدنا بشيء من العبادات في هذه الأوقات: صلاة الفجر وصلاة المغرب مرتبطة أشد الارتباط بهذا الوقت الذي هو وقت عظيم ومهم جداً، بل إن من أهمية الأوقات أن الله جل وعلا أقسم بأجزاء منها، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١ - ٢] والله إذا أقسم بشيء عظمه، وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١] وقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] إلى آخر ذلك.
هذا الوقت أيها الإخوة! في كل جزء من أجزائه، وفي كل ساعة من ساعاته، وفي كل لحظة من لحظاته فيه وظيفة عبادة يتعبد الناس فيها إلى الله جل وعلا، فمنها وظيفة يجتمع الناس فيها، ومنها وظيفة تختلف بحسب قدرات الناس ومنازلهم ودرجاتهم وعلمهم ومكانتهم، فأما الوظيفة التي يجتمع الناس فيها في هذا الوقت؛ ألا وهي الصلوات، نلاحظ أن الناس مرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالصلوات في وقت محدد معين قد قاله الله جل وعلا وبينه، وقد جاء به جبريل إلى النبي ﷺ ، وصلى به فيه، وقال: (الوقت من هاهنا إلى هاهنا، والوقت من هاهنا إلى هاهنا) كل ذلك أهميةً للوقت، وربطاً للناس في هذه الأوقات.
يقول الله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] قال العلماء: فاشتملت هذه الآية على أوقات الصلوات قاطبة، دلوك الشمس: زوالها، وغسق الليل: نهايته، والعبادات التي هي فيه (وقرآن الفجر) صلاة الفجر.
إذاً فهذه الآية قد اشتملت وجمعت، وجاءت السنة مفصلة لأوقات العبادة، بل إن الوقت شرط أساسي في كثير من العبادات، الصلاة من شروطها: دخول الوقت، لو صليت قبل الوقت، ما وقعت الصلاة في محلها، ومن ثمّ لا تكون هذه الصلاة مقبولة، لأن من أتى بشيء لم يقم بشرطه، لزمه إعادته، حينما تصلي في غير الوقت، يلزمك أن تعيد صلاتك، وعندما ترى إنساناً يقول: أنا أريد أن أصوم في شوال، فهذا غير مقبول؛ لأن العبادة مرتبطة بالوقت، والصيام يكون في رمضان.
إنسان يريد أن يحج في محرم، نقول له: لا، العبادة مرتبطة بالوقت في أشهر الحج، وفي أيام معدودة من ذي الحجة، إذاً فالعبادة مرتبطة بالأوقات ارتباطاً عظيماً جداً.
كذلك النوع الثاني من وظائف العبادة في الأوقات: كل بحسب قدرته ومكانه وعلمه، هذا عالم يُعلم، وهذا مدرس يدرس، وهذا عامل يعمل، وهذا تاجر يتاجر، وهذا قاض يقضي، وهذا وهذا، كلٌ في مهمته، مدار أعمالهم في حيز هذه الأوقات وساعاتها، ومن حكمة الله جل وعلا أن جعل هذا الوقت يمضي رويداً رويداً بين الليل والنهار إلا أن فيه ميزاناً يجعل الناس ينضبطون فيه ألا وإن ميزان اليوم: الصلوات الخمس، ومن أجل ذلك نرى الذين يحافظون على الصلوات حفاظاً دقيقاً هم أشد الناس محافظةً لأوقاتهم بالجملة، فالجمعة ميزان الأسبوع، والصوم ميزانٌ في كل سنة، والحج ميزانٌ في العمر، وبعض السلف الصالح يسمي ذلك موازين الأعمال.
وتتمةً للحديث عن الوظائف المتعلقة بالوقت نذكر كلاماً جاء لـ أبي بكر الصديق ﵁ حينما أوصى بالخلافة لـ عمر، قال: [يا عمر! واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وأن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار] إذاً ليس المهم العمل في وحده فقط، بل المهم العمل المرتبط بالوقت المناسب.
المهم أن تعمل العمل المطلوب في الوقت المناسب الذي حدده الشارع، فهذا نلاحظ آثاره في أنفسنا، وفي شبابنا، وفي إخواننا.
أنتم حينما تلاحظون بعض الشباب من الذين يقضون ساعات الليل، الذي جعله الله جل وعلا سكناً، وستراً، وظلاماً، وهدوءاً وراحةً، الذين يُشغلون هذا الليل في معصية الله جل وعلا، وتراهم مع شياطين الإنس وتؤزهم شياطين الجن إلى معصية الله ومخالفة أوامره في الليل، فتجدهم بهذه المخالفة في أعمالهم في ظرف الوقت يخسرون جانباً آخر من الوقت وهو الصباح، فإذا جاء وقت الصباح، وقت الفلاح، وقت الجد، وقت التشمير، تراهم جيفاً نائمةً على فروشهم، تراهم كُسالى قد أهلكهم الخور والسهر والضعف؛ لأنهم خالفوا هذا النظام الذي قرره الله جل وعلا، وسنه في الكون، ومن أجل ذلك يبقى الإنسان في مخالفة، حينما تسهر طول الليل، فإن صلاة الفجر في الغالب تفوت، والصباح وقت تقسم فيه الأرزاق لكن تجد الإنسان غافلاً، تجد الأعمال الإدارية والحكومية والمصالح العامة في الصباح لكن تجد هذا الإنسان نائماً، وإذا عاد الناس في حر الظهيرة إلى بيوتهم آن له أن يستيقظ، وقد طارت الطيور بأرزاقها، وعاد الناس بمكاسبهم، واشتغل أصحاب الأعمال بأعمالهم وعادوا إلى بيوتهم.
هذا الضعيف المسكين السهران البارحة الذي خالف سنة الوقت، والسنة التي قررها الله جل وعلا في هذا الوقت، تجده محروماً، والعياذ بالله.
نلاحظ الكثير منهم عاجزاً عن العمل، إذا عمل عملاً للحظات، أو أيام، أو أشهر بالكثير، ثم يتركه، لأن فيه مخالفة، إذاً الأوقات مرتبطة بالأعمال، والعمل ليس وحده مهم، بل العمل المناسب في الوقت المناسب.
стр. 1720
خصائص الوقت
أيها الإخوة! هذا الوقت له خصائص، ألا وإن من أهم خصائصه:
стр. 1721
سرعة انقضاء الوقت
الوقت يمضي سريعاً، خاصةً أيام السعادة والشباب والسرور والفرح، هذه أوقات سرعان ما تنقضي، يقول الشاعر:
شيئان ينقشعان أول وهلةٍ شرخ الشباب وقلة الأشرار
هذه سريعاً ما تتقشع كما يقول القائل:
سحائب صيفٍ عن قريبٍ تقشع
إذاً فهذه خاصيةٌ من خصائص الوقت، وإن كانت لحظات الأسى والحزن والألم تمر بطيئةً على النفس، كما يقول القائل:
مرت سنون بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيام
ثم انثنت أيام هجرٍ بعدها فكأنها من طولها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
فهذا الوقت سرعان ما ينقضي ويتذكره الإنسان، وأنت تذكر نفسك كيف كانت طفولتك؟ كيف كان صباك؟! والآن تجد نفسك شاباً يافعاً كبيراً ذا أسرة أو متحملاً لمسئولية.
نوح بعث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، هذه مدة بعثته، أما عمره، فقيل: هو على الألف، أو نيف على الألف سنة، قيل له: يا أطول الأنبياء عمراً، كيف وجدت العمر؟ كيف وجدت الوقت؟ كيف وجدت الحياة؟ قال: وجدت الدنيا كداخلٍ من باب ثم خرج من باب آخر.
ألف سنة! فما بالك أيها المسكين يا من وقتك بين الستين إلى السبعين، إذا قدر لك أن تحيا وإلا تخطفك المنون في شبابك، أو في صباك.
يُقال: إن في عهد الأنبياء المتقدمين وجد رجلٌ امرأة تبكي على ولدها، قال: يرحمك الله كم كان عمره يوم أن مات؟ قالت: مات في شبابه كان عمره أربعمائة سنة، قال: فما بالكِ إذا أدركت قوماً أعمارهم بين الستين إلى السبعين؟ قالت: والله لو علمت أن ليّ عمراً بين الستين إلى السبعين؛ لأمضيته في سجدةٍ لله، إذاً وقتنا قصير، ونحن في غفلة عن قيمته وأهميته.
стр. 1722
الوقت لا يعود
الخاصية الثانية للوقت بعد سرعة انقضائه هي: أن ما مضى منه لا يمكن أن يعود أبداً، الدقيقة تمضي لكن لا يمكن أن تردها بكل ما أوتيت من وسائل الدنيا بخيلها ورجلها وأموالها ورجالها وسلاحها وعتادها، لا يمكن أن ترد من هذا الوقت لحظة واحدة.
حينما نعد خصائص الوقت، يعني ذلك أن ننتبه لأهمية الوقت، قال الحسن البصري: [ما من يومٍ يخرج على ابن آدم إلا وينادي فيه منادٍ: يا بن آدم أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود أبداً] هذه من خصائص هذا الوقت أنه يمضي ولا يعود.
ولذلك يقول كثير من الناس: إن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، بل إنه أدق عبارة للوقت لأن كثيراً من الحكماء والعقلاء شبهوا الوقت، فقال بعضهم: الوقت من ذهب، والحقيقة أن الوقت أثمن من الذهب؛ لأن الإنسان قد يخسر الذهب، ثم يتاجر مرة أخرى، فيكسب ذهباً أكثر، لكن الوقت لو تاجرت، ثم تاجرت لا ترده، ولذلك قال أحد أكبر الدعاة ﵀ رحمةً واسعةً: الوقت هو الحياة، وقتك هو حياتك، ما مضى من وقتك هو شيء وجزء قد مضى من حياتك.
стр. 1723
الوقت أنفس ما يملك الإنسان
الخاصية الثالثة في هذا الوقت: أنه أنفس ما يملك الإنسان، لأنه لا يمكن أن أحداً يسلفك ويعيرك من وقته مهما بلغ الأمر، حياتك محدودة، حينما تأتي ساعة الأجل، لو يأتي الناس أجمعون، ويقولون: نريد أن نتبرع لهذا بخمسة أيام من أعمارنا لا يمكن إطلاقاً، فهو أنفس ما تملك، ولا يعوض بشيء، وإذا مضى لا يرجع.
стр. 1724
واجبنا تجاه الوقت
ما هو واجبنا تجاه الوقت؟ ما هي مسئوليتنا تجاه الوقت؟ إن أهم واجب علينا أن نحرص على الاستفادة من الأوقات، أن نحاسب النفس على الأوقات، ما هي ثمرة هذا اليوم؟ ما هي ثمرة هذا الأسبوع؟ ما هي ثمرة هذا الشهر؟ ما هي ثمرة هذه السنة؟ ينبغي أن تحاسب نفسك، أصبحت اليوم ومضت الساعة الأولى في هذا اليوم الثانية العاشرة.
إذا وضعت رأسك على وسادة فراشك ونظرت فيما مضى ماذا أودعت فيه من الأعمال الصالحة؟ ماذا فعلت فيه؟ بماذا أفدت نفسك؟ في أي أمر دعوت إلى الله، لا بد أن تحاسب نفسك على هذا الوقت، مضى شهر، ما جملة الفوائد؟ مضت سنة كيف حالك عن العام الذي قبله؟ هل أنت هذه السنة كما كنت في العام الذي قبله أم أفضل، أم أنت أسوأ- والعياذ بالله-؟ ينبغي أن تتأمل، وأن تحرص، وأن تحاسب نفسك.
يقول الحسن البصري ﵀: [أدركت أقواماً أحرص على أوقاتهم من حرصكم على الدنانير والدراهم] يحرص الواحد منهم على وقته أشد من حرصنا نحن على الدنانير والدراهم.
ويقول ابن مسعود: [ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي] هذه أعظم مصيبة على الإنسان أن يمر عليه الوقت ولم يزدد عملاً، والمصيبة الأخرى: أن يمر الوقت وأنت في زيادة معصية، وصحائفك قد تسود بالسيئات، والعياذ بالله.
стр. 1725
شبابنا والوقت
كثيراً ما نسمع العبارة الدارجة عند كثير من الذين لا يعرفون للوقت قيمة، عبارة كثير من الشباب: نريد أن نقتل الأوقات، وكما يسميه البعض: الانتحار البطيء، فقتل الوقت هو الانتحار البطيء؛ لأن وقتك هو حياتك.
لا بد أن نفهم أثر هذه العبارة، وألا نجعلها ترسخ في أذهاننا، بل بدلاً منها اغتنام الوقت والمبادرة في الاستفادة من الوقت، قبل كثرة المشاغل على الإنسان، وأنتم أيها الشباب لا زلتم في ريعان الشباب، ولم يتحمل الكثير منكم مسئولية أسرة أو مسئوليات إدارية، أو مسئوليات أعمال، أو نحو ذلك.
فإن أعظم وأنفع وأجدى أوقات الإنسان وقت الشباب، فلا بد أن تغتنموه، لماذا نغتنم أوقات الشباب قبل المشاغل؟ لأن الإنسان لا يستمر فارغاً، فلا بد أن ينشغل إما بالطاعة، وإما بالمعصية، والعياذ بالله.
قال بعض السلف: فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة، وفتح على نفسه باب الهوى والشهوة واللهو والبطالة، تكدر عليه صفاء قلبه.
وقال بعض السلف: الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل، ثم لا تتوجه إلى ربك، وأن تقل عوائقك، ثم لا ترحل إلى ربك.
وقديماً قيل: الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غِلمة، هذا حال مجتمعنا اليوم، كثيرٌ من الشباب قد وقعوا في شَرَك الفراغ الذي قتلوا به أنفسهم، فوقعوا في الغفلات، لأن الإنسان حينما يكون جاداً عاملاً نشيطاً قد رتب لأوقاته وظائف، فالصباح له وظيفة، والظهر له وظيفة، والعصر له وظيفة، والليل له وظيفة، وبعد العشاء وظيفة النوم، أي: كل شيء تحدد له وظيفة، وتستفيد من وقتك، وتشعر أن حياتك حياة مرتبطة بالأعمال مليئة بالفوائد.
أما كما يقول القائل: الفراغ للرجال غفلة، يكون وقتك غفلة عليك، هذا مما ينبغي أن يهتم به الشباب خاصة شباب مثلكم، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.
وتتمة هذه العبارة" الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غلمة" الغلمة هي: اشتداد الشهوة، وتعلق النفس بالشهوة، وهذا هو الواقع، كثير من البنات الآن نتيجة الفراغ اشتد بهن الغلمة، ما هي النتيجة؟ كانت البنت أو المرأة مشغولة من الصباح في بيتها، في أعمالها، في ملابسها، في أوانيها، فإذا جاء الليل؛ وجدتها تنتظر وقت الراحة، أما الآن الخادمة موجودة، والسائق موجود، وكل شيء موجود، إذاً بقين في الفراغ، ترفع سماعة التليفون، وتكلم فلاناً وعلاناً، هذه نتيجة الفراغ مصداقاً لهذا المثل" الفراغ للرجال غفلة وللنساء غلمة"، يقول الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدةٌ للمرء أي مفسدة
الجدة معناها: الثراء في المال.
стр. 1726
الإسلام يحث على اغتنام الأوقات بالأعمال
ولقد أمر نبينا ﷺ بالمبادرة إلى الأعمال قبل حلول العواقب، قال ﷺ : (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا غنىً مطغياً، أو فقراً منسياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر) ماذا ينتظر الإنسان حينما يُضيع هذه الأوقات؟ ينبغي أن تبادر إلى العمل، وأن تشحن الأوقات بالأعمال.
(هل تنتظرون إلا غنىً مطغياً؟) فأصحاب الغنى الآن قد أطغاهم الغنى، وأشغلهم عن التفكر حتى في أخص خصائصهم وهي أنفسهم المسكينة التي غفلوا عن عتقها وفكاكها من النار.
(أو فقراً منسياً) الفقير تجده مسكيناً يبحث عن لقمة العيش، لا يتفرغ إلا لأوجب الواجبات.
(أو مرضاً مفسداً) هل أنت تضمن نفسك دائماً صحيح؟ ما دمت في لحظات السعادة والصحة والحيوية والنشاط، بادر بالعمل لأنك لا تضمن هذه العافية مستمرة.
(أو هرماً مفنداً) الإنسان قد يهرم ويخرف، ولو كان في الستين، أو في السبعين، فينبغي أن يجتهد في العبادة، ولا ينتظر مزيد وقت، أو يسوف.
(أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائبٍ ينتظر) إذا جاء الدجال، انشغل الناس بأحوال عظيمة.
(أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر).
وينبغي أيها الإخوة أن نعتبر بمرور الأيام والأعوام، يقول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير كرُّ الغداة ومرُّ العشي
إذا ليلةٌ أهرمت يومها أتى بعد ذلك يومٌ فتي
إذاً فينبغي أن نحرك هذه المشاعر في مرور الأيام، أنت تضع رأسك على هذه الوسادة، ثم يمضي الليل، ثم تصبح، ثم تكدح في هذه الدنيا، ثم يأتي الظلام، وهكذا دواليك، ينبغي أن تعتبر بمرور هذه الأيام التي تمضي معها الشهور، وتمضي وراءها الأعوام.
стр. 1727
نصائح في تنظيم الوقت
أيها الإخوة! أكرر أن المطلوب منا هو أن ننظم الأوقات، ما دمنا عرفنا أهمية الأوقات، وأهمية ملئها وشحنها بالأعمال، أقول: ليس المسألة كما قلنا أي عمل، لا، العمل المناسب في الوقت المناسب مع ترتيب الوقت؛ لأن ترتيب الوقت يضمن للنفس كمال الحاجات أجمع بإذن الله جل وعلا.
بعض الناس من حماسه ومن شدة اهتمامه يزيد الاهتمام بالوقت إذ به في يوم من الأيام يقتل نفسه وهو لا يدري، بل حينما تهتم بالوقت تجعل لكل وقت وظيفة، ومن أهم الوظائف راحة نفسك، فإن راحة البدن والنفس وظيفة، إن المنبت لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع، المنبت: المنقطع، لا ظهراً أبقى، إنسان أراد أن يصل مثلاً إلى مكة، السير على الراحة إلى مكة يقتضي شهراً تقريباً، فهذا قال: لا، أنا أريد أن أواصل السير ليلاً ونهاراً حتى أصل في سبعة أيام، فأخذ يجلد هذه الناقة حتى هلكت في الطريق، ثم أخذ يمشي على أقدامه، حتى ضل ومات في الطريق، المنبت انقطع، لا ظهراً أبقى، لا بقيت الناقة، ولا قطع الأرض، وقد يكون هلك هو أيضاً.
стр. 1728
العمل بما نطيق
أيها الإخوة! أذكركم بحديث النبي ﷺ : (خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) أي: ما دمت في اهتمامك وعنايتك بهذا الوقت، لا تكلف نفسك ما لا تطيق، أو تشحن نفسك بأمور قد تسبب لنفسك ردة فعل، بعض الناس من يدفعه الحماس والعاطفة والاهتمام بالوقت، بل والاهتمام بالعبادة جزاه الله خيراً إلى درجة يزيده الشيطان فيها زيادة تجعله يكره العبادة والاستقامة والتدين بسبب أنه ضغط على نفسه، ومعنى كلام النبي ﷺ : لا تضغطوا على أنفسكم، بل اعملوا من العمل ما تطيقون، لأن الله غني عن أعمالنا، وكثرة أعمالنا لا تنفع ربنا.
إذاً: نكلف أنفسنا من العمل ما نطيقه رويداً رويداً؛ لأن الله لا يمل حتى تملوا (وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) فلنداوم على العمل الصالح القليل، فإن ذلك ينفعنا، وإني أنصح نفسي وإخواني الذين يضغطون على أنفسهم وفي أوقاتهم أن يجتهدوا في الترويح عن النفس، فالترويح عن النفس من ضمن برامج الوقت ووظائفه.
قال علي بن أبي طالب ﵁: [روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة، فإن القلب إذا أكره عمي] ويقول آخر: [روحوا عن النفوس ساعةً بعد ساعة، فإن النفس إذا كلت ملت].
إذاً: الترويح مهم، يُقال: إن رجلاً شاهد أعرابيةً تتعبد وتتنسك وتصلي، ثم رآها في وقت آخر، أي: في نفس يومها، قد تهيأت وتجملت لزوجها، فقال: أين هذا من ذاك؟ أين عبادتك من فعلك هذا؟ قالت:
وللجدِّ مني جانبٌ لا أضيْعه وللهو مني والمحبة جانب
يعني: أنا أقسم وقتي، وأجعل نشاطي في نفسي يوزع على هذه الأعمال داخل هذه الأوقات وقت الجد والعمل، حتى وقت الترويح عن النفس هو وقتٌ إذا احتسبه الإنسان، فهو عبادة، لأنه يدفعك ويجعلك تندفع نشيطاً لمزيد من الأعمال الصالحة.
стр. 1729
اغتنام أوقات الدعاء
وأذكر نفسي وإياكم بأن هناك أوقاتاً لها مزيد فضل، قد خصها الله جل وعلا بمزيد الأجور والثواب والخيرات منها: ساعات السحر، ساعات آخر الليل، ساعات فضيلة وجليلة، ولو كنا إلا ما ندر وشاء الله في غفلة عنها، لكن نحدث أنفسنا عسى أن نجتهد فيها إن شاء الله.
ساعات آخر الليل، ساعات التنزل الإلهي التي ينزل الله جل وعلا فيها نزولاً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ويقول: يا عبادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ يا إخواني! والله إن العجب كل العجب في أنفسنا حينما يكون للواحد منا حاجة، أذهب إلى ابن عمي، وابن خالي، وابن وابن، وفلان وعلان تريد الحاجة والنفع منهم، قبل أن تذهب إلى هؤلاء عندك ساعة ووقت يجاب فيه الدعوة، فأخلص النية واستيقظ آخر الليل.
تجد كثيراً من الناس يلح على أمر من الأمور شهراً، وشهرين، وسنة، وسنتين، ولا يتحقق له هذا الأمر، لكنه لا يكلف نفسه عناء ساعة آخر الليل يتوضأ ويحسن الوضوء، ويسأل ربه الذي خلق الدنيا ومن فيها ومن عليها أن ييسر له هذا الأمر وذلك دليل النسيان والغفلة، والعياذ بالله.
ومن الساعات المهمة يوم الجمعة وساعة الإجابة فيه ساعة فضيلة، كذلك في السنة أيام فضيلة فيها: عشر ذي الحجة، وفيها عرفة، وفيها رمضان، وفيها العشر الأواخر، وليلة القدر، الوقت مهم، ولكنه مليء بالفرص الأهم، الوقت ثمين، ولكن فيه ساعات أثمن، لكن أين نحن من اغتنامها؟ أين نحن من الاستفادة منها؟
стр. 1730
المحافظة على الصلوات
أيها الإخوة! وينبغي ونحن نستعين على الاستفادة من الوقت بالمحافظة على الصلوات، فتجد الذي لا يحافظ على الصلوات لا يستطيع أن ينظم وقته، فكثير من الناس ومن الشباب -الذين نسأل الله لهم الهداية نراهم في ضلال ووبال وخبال- تلاحظ أنهم في عجز عن تنظيم أوقاتهم، لأن الإنسان كالبهيمة حينما يضع رأسه، لا يبالي بوقت الصلاة، وقت عبادة، يأتي مثلاً قبيل الظهر، أو قبيل العصر فينام على العصر، ويضيع هذه الأوقات.
إما الشاب المسلم فتجد الوقت عنده مرتبط بالصلاة، بعد صلاة الفجر هذا وقت، إذاً معناه أنه يصلي الفجر ليعرف الوقت الذي بعد الفجر، فيستغله غاية الاستغلال، بعد صلاة الظهر وقت، يستغله في الترويح عن النفس، جلوس مع الأهل، زيارة بحسب البرنامج.
وهكذا.
بعد صلاة العصر فترتيبك للوقت مرتبط بالصلاة، فمن لا يُصلي مع الجماعة، أو كيفما استيقظ من نومه صلى، هذا تضيع عليه الأوقات وتمضي عليه وهو لا يعرف قدرها، ولا يدرك قيمتها.
أما الذي يجتهد على الصلاة مع الجماعة، بإذن الله جل وعلا يعينه الله على الاستفادة من وقته، وأزيد على ذلك مسألة ارتباط الإنسان بالشباب الصالحين الطيبين الذين يعينونك على الاستفادة من وقتك.
стр. 1731
الحذر من التسويف
والحذر الحذر من التسويف يقول: سوف أنظم وقتي ابتداءً من ١/ رمضان /١٤٠٨هـ، يا أخي عندنا أمر طيب ما رأيك أن تبادر إليه، يقول: إن شاء الله من بداية ١/ ١/١٤٠٨هـ أنا سوف انطلق، وكأنه صاروخ، وهذا المسكين هل يضمن أن يعيش إلى ١/ ١/١٤٠٨هـ؟ لا، أو يقول: هذه السنة دعها على السعة والراحة، إن شاء الله من رمضان القادم أنطلق انطلاقة قوية، هذا حال كثير من الذين نسمعهم وللأسف في كثير من المناسبات إن شاء الله أحج.
هل تضمن أن تعيش حتى تحج؟ وهذا الوقت الذي يمر سدى يضيع هكذا، فالحذر الحذر من التسويف في استغلال الوقت، واعلموا أن الأماني رءوس أموال المفاليس.
وأقول لكم طرفة بسيطة هي واقعة، قال رجل لـ ابن سيرين - ابن سيرين رجل معروف بتعبير الرؤى والأحلام- يقول: رأيت في المنام أني أسبح في غير ماء، وأطير في الهواء بلا جناح، فضحك ابن سيرين في النهاية، وقال: تفسير رؤياك أنك رجل كثير الأماني والأحلام، أي: دائماً تعد نفسك سأفعل سأفعل، سأفعل، ويمر هذا الفصل الذي تريد أن تفعل فيه، وما فعلت شيئاً، ابتداءً من الأسبوع القادم، ويمر الأسبوع القادم، وما فعلت شيئاً، ابتداءً من الذي بعده، ويمضي الشهر الذي بعده، وما فعلت شيئاً، فهذا مما يمر بخلد كثير من الناس التسويف وسوف وسنفعل إلى آخره، كل هذه تجعل الإنسان في غفلة، وفي ضياع عن وقته.
стр. 1732
العمل لما بعد الموت
وينبغي أن تعلم أن هذا الوقت له نهاية، ليس هذا الوقت مستمراً، لن تدوم هذه العين ترى إشراق الشمس وغروبها، لا، لك نهاية تقف عندها، حينما تقول الملائكة: يا رب لم يبق له شربة إلا شربها، لم يبق له لقمة إلا أكلها، لم يبق له خطوة إلا مشاها، لم يبق له درهم إلا أنفقه، لم يبق عنده دينار إلا اكتسبه، حينما يقال هذا الأمر فيك؛ فقد حانت ساعتك، وتذكر قول القائل:
بين عيني كل حيٍ علم الموت يلوح
نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح
لتموتن ولو عمرت ما عمر نوح
أي: ليس لك بعد هذا الوقت إلا الموت، إذاً فاستعد لما بعد الموت، يُقال: إن ملك الموت نزل على موسى ﵇، قال: إني أستأذن عليك، قال: وما تريد؟ قال: أريد أن أقبض روحك، قال: تقبض روحي؟! فلطمه حتى فقأ عينه.
فعاد ملك الموت إلى رب العزة جل وعلا، وقال: يا رب أرسلتني إلى عبد من عبادك لا يريد الموت، قال: اذهب وقل له: ضع يدك على جلد ثور، فما غطت يدك من شعراته، فهو لك عمر، فذهب ملك الموت إلى موسى ﵇، وقال له ذلك، قال: ثم ماذا يا ملك الموت؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، أي: اقبض روحي.
إذاً ما دام أن الأمر أنك لا محالة منتقل عن هذه الدنيا، فاستعد بالأعمال الصالحة، بل إن السلف كانوا يتمنون لقاء الله جل وعلا، ولقاء الله يكون بعد الموت، لقاء الله جل وعلا يكون بالاستعداد والأعمال الصالحة، والأعمال الطيبة الزاكية الخالصة لوجه الله يموت من شوقه إلى الموت.
فينبغي أن نقدم قبل الموت، وقبل نهاية الوقت أعمالاً تنفعنا عند الله جل وعلا، ولنجتهد بالعمر الثاني، لأن العمر للإنسان عمران: عمر في الدنيا وعمر بعد موته ألا وهو الذكر الطيب والثناء الصالح الذي هو دليل رضا الله جل وعلا، يقول القائل:
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمرٌ ثان
ومن أجل ذلك أيها الشباب! أود أن أذكركم، بل أرجو أن تكونوا من الذين بعد عمرٍ طويلٍ , وعملٍ صالحٍ إن شاء الله يذكرون في هذه الدنيا بالأعمال الطيبة الصالحة، لا أن يولد الإنسان ويعيش ويكبر ويشيب ويموت كالبهيمة، كم يذبح اليوم في المذبح من البهائم، هل يذكر الناس بهيمة من البهائم؟ لا، البهائم بهائم لا تُذكر بشيء، لكن البشر يذكرون بالأعمال الصالحة، البشر يخلدون ذكرهم بعد موتهم بأفعالهم وأعمالهم، ومن أجل ذلك يقول إبراهيم بن أدهم، وهذه أبيات كثيرة أرددها، وأتمثل بها، وأدعو إخواني أيضاً إلى أن يتمثلوا بها، يقول:
إذا ما مات ذو علمٍ وتقوى فقد ثُلمت من الإسلام ثلمة
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمة
وموت فتىً كثير الجود محلٌ فإن بقاءه خصبٌ ونعمة
وموت الفارس الضرغامِ هدمٌ فكم شهدت له بالنصر عزمة
وموت العابد القوام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمة
فحسبك خمسةٌ يُبكى عليهم وباقي الناس تخفيفٌ ورحمة
وباقي الخلق همجٌ رعاعٌ وفي إيجادهم لله حكمة
فينبغي أيها الأخ المسلم أن تكون من هؤلاء الخمسة الذين إذا توفتهم رحمة الله بعد عمر طويل وعمل صالح، يقال: ﵀ لقد خلف أولاداً نفعوا الأمة والمجتمع، لقد كان معلماً نافعاً لتلاميذه، لقد كان قائداً مغواراً، لقد كان داعيةً مجاهداً، لقد كان تاجراً باذلاً، لقد كان موظفاً أميناً، لقد كان مفكراً محنكاً، لقد كان عابداً صواماً قواماً، ليس ذلك محبة لثناء الناس وذكرهم فقط، لا، بل حينما تُذكر، يدعى لك ألا وهي العمر الثاني، والصدقة الجارية (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) فقد يدعو لك ولدك والناس أجمعون إذا خلدت في هذا الكون عملاً صالحاً.
إمام الدعوة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه في جناته وأمطر صكوك الرحمة عليه، لا زال الناس يدينون بالفضل والثناء بفضل الله جل وعلا ثم له فيما هم فيه من التوحيد، وجد الناس في ضلال، أو في خبال يعبدون الأشجار والأحجار والأصنام وغير ذلك، فجرد نفسه لله وطلب علماً دقيقاً شرعياً، وجاهد في الله حق جهاده حتى هز الأتراك، وهو في الدرعية، أرسل رسالة إلى نظام المقام العالي في الدولة العثمانية التركية أن اهدموا ما عندكم من القبور.
إنه داعية موحد هز الدنيا بدعوته الإصلاحية، من منكم يا شباب الإسلام يُعاهد الله جل وعلا عهداً وميثاقاً صادقاً أن يكون له في هذا المجتمع لبنة واضحة تُذكر من بعده، أو يدعى له فيها؟ كلنا يسأل الله أن يكون ذلك، فابذلوا واجتهدوا واحرصوا، وكل ميسر لما خلق له.
стр. 1733
إياكم وإلقاء سبب الضعف على الآخرين أو الزمان
أيها الشباب! ينبغي ألا نكون من العاجزين الكسالى الذين يلقون عهدة الخور والضعف، وضعف الإرادة على غيره، يقولون: هذا الزمان، وهذا الوقت، فما هو هذا الزمان؟ لقد كان وقت الصحابة أربعاً وعشرين ساعة؟ وزماننا أربع وعشرين ساعة، وزمان السلف الصالح أربع وعشرون ساعة، وزماننا أربع وعشرون ساعة، لماذا نلقي باللائمة على الغير؟ لماذا نلقي باللائمة على الناس؟ وكما يقول القائل:
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيبٌ سوانا
وقد نهجو الزمان بغير جرمٍ ولو نطق الزمان بنا هجانا
كيف مر الوقت ولم تستفد من شبابك؟ الله المستعان! يقولون: الوقت يا رجال هذا الزمان تغير، إذاً تغير أنت لماذا لا تتغير إلى الأفضل؟! لماذا لا تتغير إلى الأحسن، هذا واجبك وهذا دورك.
стр. 1734
برنامج لقضاء الوقت
ختاماً أيها الإخوة! أنصح نفسي وإياكم إلى أن نبرمج لأوقاتنا أموراً معينةً ننفع الأنفس بها، ألا وإن من ذلك طلب العلم عند المشايخ، حلقات العلماء، هذه من أهم ما ينفع الإنسان نفسه، والله ما عرفنا قدر أنفسنا، وقدر جهلنا بالعلم إلا يوم أن جلسنا أوقاتاً محدودةً عند العلماء، لذلك ترى الإنسان لا يعرف مقدار جهله حتى يعلم، فإذا علمت قليلاً، أدركت أنك جهلت كثيراً.
فقل لمن يدعي في العلم معرفةً علمت شيئاً وغابت عنك أشياءُ
إن الذي يظن أنه عالم فقد جهل، والذي يظن أنه نال من العلم النصيب الأوفر فقد جهل، لأن العلم بحرٌ تتلاطم أمواجه، ولا سواحل له، ينبغي أن تجتهد في طلب العلم عند المشايخ العلماء الثقاة، فإن ذلك خيرٌ لك في دينك ودنياك وآخرتك.
اجتهد بهذا أيها الأخ المسلم! أضف على ذلك أن تجتهد في أوقات فلا تقضى أربعاً وعشرين ساعة كلها عند المشايخ، بل تنظم ثلاثة أيام في الأسبوع عند الشيخ/ ابن باز مثلاً، وعند الشيخ/ ابن جبرين، وعند الشيخ/ الفوزان عند الشيخ كذا، تأتي كغيرك من الشباب ومعك كتابك وتقرأ، وتستمع، وتسأل فيما أشكل عليك، هذا خيرٌ لك في دينك ودنياك وآخرتك.
لديك من الأعمال المهمة مثل: المنتديات الطيبة التي يجتمع فيها الأخيار الصالحون، مثل: مكتبات المساجد، والمراكز الصيفية النظيفة، هذه تنفعك بإذن الله حينما تخصص الوقت الملائم لها، وتأتي لتشارك إخوانك، ليس فقط لتتعلم، بل قد تؤثر أيضاً، أي: قد يقول بعض الناس: أنا مستواي جامعي، لماذا أخالط أناساً في المتوسط والابتدائي، ما هي مصلحتي منهم؟ لا، أنت تأتي لتعمل فادعهم إلى الله، يرونك كبيراً وموجهاً ومشرفاً ثقافياً واجتماعياً فيتأثرون بك فيقتدون بأفعالك.
إذاً فأنت جئت إلى هذا المنتدى داعية، وبقي لك أثر طيب في نفس هذا وهذا فاستقام بإذن الله بسببك، ينبغي أن نجعل من أوقاتنا للدعوة إلى الله في مثل هذه المراكز الطيبة الصيفية.
وأصارحكم أيها الإخوة أنا منذ صغري كنت في مركز صيفي، شاركت في المراكز الصيفية، وكنت لا أستطيع أن أتكلم، فعلمني الأساتذة الأجلاء الأفاضل جزاهم الله خير الجزاء، يعطيني الواحد ورقة، ويقول: قم أمام إخوانك وزملائك امسك واقرأ هذه الورقة، فأمسك الورقة وأنا أنتفض هكذا، أخشى أن تقع الورقة، نعم، لأن الإنسان لا يولد عالماً، رويداً رويداً حتى أصبح الإنسان يقرأ، ثم أصبح الإنسان يقرأ هذه الورقة بكل ثقة واطمئنان، ثم أصبح يستطيع أن يعبر عما في نفسه دون الحاجة إلى الورقة، فهذه المراكز الصيفية تكتشف هذه المواهب الموجودة في نفسك، وتنفعك بإذن الله.
إذاً أيها الشباب! وخاصةً الصغار ينبغي أن يجتهدوا، وأن يستفيدوا، وأن يبادروا حينما يكون هناك مجال من الاستفادة، هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
стр. 1735
الأسئلة
стр. 1736
برنامج يوم إسلامي
السؤال
نحن الآن في الإجازة السنوية، وكما تعلم أنها في حدود ثلاثة أشهر، يا حبذا لو شرحتم لنا شيئاً في حياة يومٍ إسلامي، وما هي أسهل الطرق لحفظ القرآن الكريم، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
اليوم منقسم إلى الليل والنهار، هذا اليوم حينما يرتبه الإنسان وينظمه -كما قلنا- يخرج منه بأعظم فائدة إن شاء الله، فهناك جدول يومي، وهنا جدول أسبوعي، وهناك برامج شهرية، فأمَا وقد رغبت أن أفصل لك، أقول لك: إذا منَّ الله جل وعلا عليك، وكنت من الذين يأوون إلى فرشهم مبكرين، تنام في هذا الليل الذي جعله الله سكناً، وتنام في هذا الفراش مبكراً، وإياك والتعليمات الكثيرة، أنت في كذا، أنت في كذا، الليل سكن، وما أغبط إنساناً كغبطة إنسان لا يعرف المواعيد بعد العشاء، إلا بما ندر، أو مثلاً ساعة ونصف، إذا زاد الأمر فساعتين، ثم يهرع إلى فراشه؛ فإنه يستفيد؛ لأن ساعة من الليل تعدل ساعات من النهار فيما يتعلق بالسكن والراحة.
فإذا منَّ الله عليك بالاستيقاظ قبل الفجر ولو بربع ساعة، صليت ركعتين، تكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات والمستغفرين بالأسحار، ثم أذن المؤذن وخرجت إلى المسجد، وصليت الفجر مع الجماعة، أقول: لا تجبر نفسك من جهة الضغط عليها، قد تكون بالأمس سهراناً عند والدك أو جاء ضيوف، أو عند أهلك مناسبة، عندكم كذا، خذ قسطك من النوم، لكن؟ بعد أن تأتي بوردك بعد صلاة الفجر، الأوراد اللازمة، الفاتحة، آية الكرسي، آخر البقرة، أول آل عمران، شيء من سورة طه، المعوذات، شيء من المفصل، ثم اللهم إني أسألك خير هذا اليوم إلى آخر ما تعرفونه من أذكار الصباح، ثم إذا كنت مجهداً، فقم إلى فراشك، ونم قليلاً، لكن وقِّت الساعة، ولا تنم إلى أذان الظهر، لا، بل انتبه إلى الساعة، فإذا استيقظت، قد تكون مثلاً موظفاً، ستذهب إلى عملك، وقد تكون طالباً، ولعل السؤال موجه إلى الطلاب الذين يعيشون الإجازة، فإذا أصبحت وتناولت طعام الإفطار، وجلست مع إخوانك الصغار وقتاً لا بأس به، ثم خرجت إلى المركز الصيفي، أو إلى أي مكتبة، أو إلى مكتبتك الخاصة، فقرأت ما يسر الله لك فيها، ثم بعد ذلك قد يكون لأهلك حاجة من الحوائج قضيتها، وبعد الظهر أجود أوقات النوم، وإن كانت القيلولة قبل الظهر بقليل، لكن في الغالب هذا لا يتيسر، يقول الشاعر:
ألا إن نومات الضحى تورث الفتى خبالاً ونومات العُصير جنون
ألا إن بين الظهر والعصر نومةٌ تحاكي لأصحاب العقول قلوبُ
عموماً بعد الظهر نومة مفيدة إذا تغديت ثم نمت، ثم بعد ذلك صليت العصر، بهذا تكون نشيطاً، هنا أمر: كلٌ يختلف بحسب نفسه، الذي هو أمر الحزب اليومي من كتاب الله جل وعلا، فبعض الناس يقرؤه بعد صلاة الفجر، وبعض الناس قد يكون من الذين يغلبهم النعاس إذا كان مثلاً سهراناً في الليل لأمر أو مشغلة من المشاغل يكون حزبك بعد العصر، وتقرأ ما يسر الله لك من كتاب الله، ومن سنة رسوله، ولا بد أن يكون لك مكتبة كل كتاب وراءه كتاب، لا ينفع أن تقرأ في السنة الماضية نصف كتاب، والسنة التي قبلها قرأت نصف الكتاب، لا، القراءة هي النافذة على العالم، هي باب المعلومات وتوارد الخواطر، لا بد أن تجتهد في القراءة، ومن كانت له بداية محرقة في القراءة والاطلاع وغير ذلك، كانت له نهاية مشرقة.
ثم بعد ذلك إذا كان هناك نشاط في هذا المركز أتيت إليه، وبعد المغرب شارك إخوانك، لكن هناك أمور أساسية: الصلوات في أوقاتها، نصيبك من كتاب الله، وإني أهنئ شباباً قد خصصوا من أوقاتهم وقتاً لحفظ القرآن بعد العصر، وبعد المغرب، أو بعد المغرب فقط، أو بعد العصر فقط، المهم ألا يمضي عليك يوم ما قرأت فيه شيئاً من كتاب الله كلٌ بحسب نفسه.
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
الله خلق الناس وفاوت مراتبهم، لا نظن أن كل الناس يكونون علماء، أو كل الناس يكونون حفاظ، لو كان الإنسان يصنع نفسه، لكان الإنسان تمنى أن يكون كريماً شجاعاً حافظاً صواماً عالماً مجاهداً ثرياً غنياً فصيحاً، كل شيء، لكن أراد الله جل وعلا أن يجعل الناس درجات: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢] فهذا نموذج ليوم إسلامي، لكن أريد أن أقول لك: هذا اليوم لا يخلو من أمور: المحافظة على الصلوات في أوقاتها، وردك الأساسي اليومي من كتاب الله، ثم من سنة رسول الله، وساعة القراءة، ونصيب أهلك بك.
وكثير من الشباب، وأنا أعاتب الإخوة الحضور، وأعاتب نفسي فيما مضى مني، كنا نضيع حاجات الأهل والوالدين أسأل الله أن يغفر لنا هذا الفعل: أنا ذاهب إلى المركز أنا عندي كذا، بل ابدأ بحاجة والديك، فإن الوالد قنوعٌ بما يأتيك من العمل، حينما تقدم لوالدك عملاً بسيطاً، والدك يراك كهذه اللمبة، أو كهذه الشمعة تشرق على هذا المكان كله.
فينبغي أن تكون مهتماً بحاجات والدك، برنامجك ألا يخلو من هذا الشيء، مع حاجة والديك، الترويح عن نفسك ومخالطة جلسائك الطيبين، لا تنقطع يوماً واحداً من رؤية جلسائك الطيبين، ولو في مسجد، بعد الصلاة تجلس أنت وإياه عند السارية كيف حالك؟ وما عندك؟ وكيف المركز اليوم؟ في رحلة؟ في كذا؟ وهل هناك زيارة؟.
المهم أن تكون مرتبطاً بإخوانك، لأن الانقطاع يورث البعد، والبعد يجعل الشيطان يتوحد بك، ومن ثم يفترسك كما يفترس الذئب من الغنم القاصية.
لابد أن يكون لك برنامج أسبوعي في هذا الأسبوع مثلاً: إذا كنت من أصحاب هواة الرياضة، يكون لك شيء من ركوب الخيل، أو سباحة، أو تمرين معين.
وكذلك برنامج شهري تجعل في كل شهر مثلاً زيارة إلى المقبرة عظة وعبرة وتذكراً وتفكراً إلى آخر ذلك.
المهم أن المجتهد الحريص على وقته سوف يستغله، وليس البرنامج ينطبق على كل إنسان، كل إنسان يُكيف هذا البرنامج بحسب ظروفه، بعض الناس أهله عندهم مشاغل، وربما أخوه الأكبر يكفيه هذه المشاغل، فتجده متفرغاً، هذا يختلف عن إنسان لديه مسئوليات أسرته، وحاجات أهله فوق رأسه، لا بد أن يقوم بحاجات أهله، فالبرنامج يخصصه بحسب طريقته، يعني: تبرمج وقتك بحسب طريقتك الخاصة، لكن لا يخلو البرنامج من هذه النقاط الخمس التي ذكرناها.
стр. 1737
نصيحة إلى عاصٍ
السؤال
فضيلة الشيخ أرجو أن تنصح لي لكي أترك معصيتي التي أعملها كثيراً في وقت الفراغ، ولا أستطيع تركها، فهل من طريق إلى تركها؟
الجواب
الطريق هو أن تملأ الفراغ، لاحظ أنك قلت: في معصية أعملها وقت الفراغ، إذاً هذه المعصية لا يتسلط الشيطان عليك بها إلا في وقت فراغك، لأن هذا الوقت الذي أنت سميته وقت فراغك، لم تُشغله بشيء، فأشغلتك نفسك بالمعصية ما لم تشغلها بالطاعة، إذاً أهم شيء أن تملأ الوقت، فهناك خلل في برنامجك اليومي، هذا الوقت لماذا يكون فارغاً؟ قد يكون غيرك في عبادة، أو دراسة، وأنت تسميه فراغاً، قد يكون غيرك في رياضة، قد يكون غيرك في عمل، وأنت تسميه فراغاً، قد تقول لي: هذا الوقت بالليل مثلاً، أقول لك: لو كنت قد برمجت وقت النهار، لكنت في هذا الوقت محتاجاً إلى الراحة والنوم، وعلى أية حال جاهد نفسك يا أخي بالصبر عن معصية الله جل علا، فإنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، وأسأل الله أن يثبتني وإياك، وأن يعصم الجميع عما يسخطه، وأن يجنبنا ما يغضبه، فالله يتوب علينا وعليك، وأكثر من مجالسة إخوانك ما استطعت، فإن كثرة مجالسة الأخيار والجلساء الصالحين، بإذن الله تدفع عنك فعل المعاصي.
стр. 1738
الفرق بين الوقت عند المسلمين وعند الغرب
السؤال
ما الفرق بين الوقت عند المسلمين والغرب، وجزاكم الله عنا خيراً؟
الجواب
الوقت عند المسلمين هو كل شيء، لأنه حيز العبادة والأعمال، والوقت عند الغرب يختلف من ناحية أنه وقت للعمل فقط، لكن هذا العمل ليس مبنياً على هدف وغاية، أنت حينما ترتب أوقاتك، وحينما تهتم بها، كوسيلة للوصول إلى غاية، التي هي الوصول إلى أقصى درجة من العبودية لله جل وعلا، ومحاولة كسب أكبر قدر ممكن من الأعمال الصالحة التي يتوصل بها إلى رضا الله جل وعلا، أما الوقت بالنسبة للغربيين، فهو وسيلة إلى شيء تافه للغاية إذا كان يوجد عندهم غاية، ومن ثمَّ عند فقدان الغاية، يستعجلون النهاية، ذُكر -وهذا شيء واقع تقريباً من خمس أو سبع سنوات- أن أحد أثرياء الغربيين، قال: ماذا أعمل بجمع المال؟ أنا أجمع المال، لأكون سعيداً، من أجل أن يعرف النتيجة? من أجل أن أعيش هذه الأيام تمر عليَّ براحة، وماذا بعد الأيام؟ الموت قال: لماذا أنا لا آتي بالنهاية من الآن، وقتل نفسه وانتحر.
هذه النهاية أتى بها لنفسه واستعجل فيها، بل إنه قتل نفسه، والله قدر أن تكون هذه ساعته، ولكن أعوذ بالله من ختام سوء، فالوقت بالنسبة للمسلم ثمين ومهم وعليه أن يجتهد على ملئه بالأعمال الصالحة لكي يصل إلى الغاية العظمى التي هي ترضى الله ، وإذا لم يستغل بالأعمال الصالحة ولم يذكر الله فيه، كان عليه حسرة.
ولذلك لاحظ أن الكثير منهم لأنهم عبيد الدنيا والمادة والمال يهتمون بالوقت اهتماماً دقيقاً من أجل المال، لكن أصحاب الإجازة بالنسبة لهم انظر كيف يعيشون؟ حياة البهائم، يذهب إلى أي مكان، يعيش في فندق، يجلس سكران في هذا الفندق خمسة أيام، أو ستة أيام، وهو يغالط في الأماني عنده، الوقت مهدر القيمة، أهم شيء العمل؛ لأنه هو يُوصل إلى المال، لكن بالنسبة للمسلم لا فرق، الوقت ثمين أيام الدراسة وأيام العمل وأيام الإجازة، والعطلة الصيفية، والوقت مهم وثمين، فالفارق في الوقت ليس من حيث عدد الساعات، بل الساعات واحدة، وليس من حيث العمل فقط.
بل العمل هم يعملون، ولكن في معصية الله، وأعمالهم عليهم حسرة، وتكون سبباً لدخولهم النار، والمؤمن يعمل لكي ينال بذلك رضا الله ، وماذا بعد ذلك؟ مآل المسلم إلى الهدف الأسمى رضا الله والجنة، ومآل الكافر- عياذاً بالله- إلى النار.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.
стр. 1739
أيها الشاب إلى أين المسير وجوارحنا هكذا
إن من شباب المسلمين شباباً ليس لهم هَمٌّ إلا في لباسهم وأكلهم وشربهم، وفي معاكسة النساء في الشوارع وعبر الهواتف، في حين أن هناك من المسلمين في بعض البلدان من يذبحون بالمئات سواءً كانوا شباباً أم شيباً، وتنتهك أعراضهم أمام أعينهم من قبل أعداء الإسلام، والمسلمون نائمون لا يحركون ساكناً في هذه المادة تنبيه لشباب الأمة العائم في هواه، والغارق في سباته قبل حلول الكارثة.
стр. 1740
التاريخ يعيد نفسه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحد في ربوبيته، واحد في ألوهيته، واحد في أسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله: أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب، أن يحرم وجوهكم وجسومكم عن النار، وأن يجمعنا بكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، إذ الداعي والباعث والغاية والمقصد من هذا اللقاء هو تحقيق محبة الله في الله ولله ولوجه الله، وفي سبيل الله وعلى طريق يرضي الله وعلى سنة رسول الله ﷺ .
قال ﷺ : (المتحابون في الله على منابر من نور -لا هم بأنبياء ولا شهداء- يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنزلتهم من الله) فأسأل الله جل وعلا ألا يحرمنا وإياكم هذا الأجر العظيم، أسأله سبحانه كما هدانا إلى الإسلام أن يثبتنا عليه، وأسأله سبحانه كما هدانا إلى الإسلام أن يمكنا بالإيمان، وأن يهدينا إلى الإحسان، وأن يوفقنا إلى طاعته.
أحبابنا: وبين يدي هذه المحاضرة، وأمة الإسلام جراحاتها نازفة وأشلاؤها متناثرة وجماجمها تحت دبابات وطائرات وقنابل أعدائها، بين يدي هذه المحاضرة، والمسلمون بكل أرض إما جريح أو شريد أو طريد، بين يدي هذه المحاضرة التي فيها نداء لي ولكم ولكل شاب، ولقد أكثرنا في نداء الشباب الذين ضلوا ولكنا قصرنا وفرطنا في نداء أنفسنا، ودعوة أنفسنا وتمحيص ما ندعيه من الإيمان والاستقامة والالتزام.
والدعاوى إن لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء
أيها الأحباب: نظرة متأملة لجانب من جنبات واقعنا المعاصر فيما يتعلق بأحوال إخواننا المسلمين، إن التاريخ يعيد نفسه في عام أربعمائة واثنتين وتسعين للهجرة، في أواخر القرن الخامس احتل الصليبيون بيت المقدس مسرى رسول الله ﷺ ، وأولى القبلتين وثالث الحرمين، وعندما دخل الصليبيون المدينة، انطلقوا في شوارعها وبدءوا بالمساجد ثم إلى الدور يقتلون كل من لاقاهم وصادفهم، رجلاً أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، بل قال ابن الأثير: إن عدد القتلى من المسلمين زاد على سبعين ألف قتيل، منهم عدد كبير من أئمة المسلمين وعلمائهم وزهادهم وأكثر الناس فارق الأوطان، وقد روى شاهد عيان في كتب التاريخ ما فعله الصليبيون عندما دخلوا القدس، فقال: إن النساء كن يقتلن طعناً بالسيوف وطعناً بالحراب، وإن الأطفال الرضع يختطفون بأرجلهم والطفل منهم قد التقم ثدي أمه يرضع منها، ويقذف بالطفل من جنبات السور، بل وربما هشم رأس الطفل بأعمدة الخيام، وذبح خلق كثير، وقد كان لاحتلال هذا البيت وتلك القبلة، أثر عظيم في نفوس المسلمين، وإن التاريخ كما قلت يعيد نفسه، فأنتم ترون أعداء الإسلام لا يزالون يجثمون بكلكلهم على تلك القبلة، بل ومدوا نفوذ سيطرتهم وأطراف عدوانهم على كثير من بلاد المسلمين.
والحال بالأمس واليوم سواء، خاصة في فلسطين فقد ذبح خمسون وهم سجود، برصاص الغدر والخيانة، من أبناء القردة والخنازير عبدة العجل، وأكلة السحت، وقتلة الأنبياء، ومن أتباعهم وأذنابهم من الصرب في البوسنة والهرسك ومن بني عمومتهم من الهندوس في كشمير وغيرها ومن ومن ومن الواقع والتاريخ يعيد نفسه.
أحل الكفر بالإسلام ضيماً يطول عليه بالدين النحيب
فحق ضائع وحمىً مباح وسيف قاطع ودم صبيب
وكم من مسلم أمسى سليباً ومسلمة لها حرم سليب
وكم من مسجد جعلوه ديراً على محرابه نصب الصليب
دم الخنزير فيه لهم خلوق وتحريق المصاحف فيه طيب
أمور لو تأملهن طفل لطفل في عوارضه المشيب
أتسبى المسلمات بكل ثغر وعيش المسلمين إذاً يطيب
أما لله والإسلام حق يدافع عنه شبان وشيب
فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكم أجيبوا
أي: يضمخون وهم لا يضمخون، بل ينجسون ويوسخون ويقذرون جدران المساجد بدماء الخنازير يعدونه وطيباً.
стр. 1741
لا عزة إلا بالإسلام
أيها الأحباب: فكما أن التاريخ يعيد نفسه، ويصور تلك المأساة التي كانت للمسلمين في أواخر القرن الخامس الهجري، ونحن نراها الآن في القرن الخامس عشر أي: بعد عشرة قرون، فإنا في هذه الساعة وفي هذه اللحظة وفي نفس الوقت نسأل عن شباب المسلمين آنذاك، لقد كان شباب المسلمين في تلك العصور وفي تلك الحقبة كانوا شباباً رهباناً بالليل فرساناً بالنهار، صوامين قوامين، ما عرفوا الخلاعة والمجون، وما عرفوا التهتك ولا التخلف، ولا التشبه بالنساء، وما عرفوا ضياع الرجولة، أو ذهاب الشيمة، أو ضيعة الإباء والشمم، ما عرفوا إلا جدية ورجولة وفروسية، وقبل ذلك وبعده عزاً بالإسلام يعتزون به، الشخص منهم يكفيه فخراً أنه مسلم وليس بعد هذا فخر، يعتز بأنه مسلم، ويفخر بأنه مسلم، وحق له بهذا الفخر، أوليس الله يقول: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة:٢٢١] مهما أوتوا من الأموال، فإنهم يدعون إلى النار، ومهما كان عندهم من الثروات فإنهم يدعون إلى النار، ومهما اكتشفوا واخترعوا وتسخرت لهم أسباب المدنية وسبل الحضارة فإنهم بها ولها يدعون إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه، والله يدعو إلى دار السلام، ويدعو إلى الحق وإلى الهدى.
إذاً: فأول قاعدة نبنيها ونضعها ونوصيكم معاشر السامعين بفهمها والتيقن بها: أن نعتز بالإسلام وليس بغير الإسلام عزة، تباً وسحقاً وبعداً لرجل يعتز بثيابه وينسى أن يعتز بدينه، يعتز بمركبه وينسى أن يعتز بدينه، ويعتز بجنسيته وينسى أن يعتز بدينه، ويعتز بمبانيه وبما عنده وينسى أن يعتز بدينه، فهو حقير كسير مسكين ليس له في هذه الحياة حظ من العزة لا في قليل ولا في كثير.
أيها الأحباب: أقول هذا لأن أعداء الإسلام تسلطوا علينا وعلى شبابنا خاصة عبر وسائل الإعلام المختلفة، عبر الأفلام، وعبر المجلات، وعبر المسلسلات، وعبر الأقمار الصناعية، والقنوات، وعبر كثير من السبل جاءونا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وشمائلنا، وأرجفوا بالناس من تحتهم ومن فوقهم، لا يريدون إلا أن يضلوهم عن طاعة الله، ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة:١٠٥].
أدنى الخير أو ذرة من الخير فأسأل الله أن نكون ممن خصوا برحمة الله، وخصوا بعزة في دين الله، وبرفعة في طاعة الله، وبمحبة من الله ، أولئك كما قال الله : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩].
أيها الأحباب: على الرغم من تخلف المسلمين في مجال التقنية والتسلح، وعالم الفضاء والإلكترونيات، وكثير من المجالات، على الرغم من تخلف المسلمين وتقدم الكافرين في كثير من المجالات إلا أن الكفار لا يزالون ينظرون ويرون أن المسلمين أرفع وأكبر وأعلى قدراً منهم، ومن ثم يريدون أن ينزلون بهم من مستعصم عليائهم إلى منخفض جاهلية الكفار، فيكونون سواء، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] إذا كنا نظن أننا في الدون والكفار في العلو فإن الكفار لا يتمنون أن يرتفع المسلمون ويكونون معهم في درجة واحدة، لكن معنى هذه الآية: يدل على أن الكفار حينما يرون المسلمين متمسكين بالإسلام فهم يرونهم في رفعة وفي عزة وفي علياء، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ فتهبطون وتنزلون ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ ويأبى الله ذلك، ويأبى المؤمنون الصادقون ذلك، وإن النصر بإذن الله لقريب إذا وجدت أمة تستحق النصر، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠ - ٤١].
يا شباب الإسلام! ويا أيها الشباب! والحديث لكم، ومن ثم منكم إلى إخوانكم على مقاعد الدراسة، وعلى مقاعد العمل، وفي جوار المنازل، وفي مناسبات تجتمعون فيها وتلتقون فيها، أنتم رسل هدى ورسل خير، فلا يظنن أحدكم أن قصارى مهمته وأن مبلغه من الخير والصلاح أن يحضر محاضرة ثم ينتهي، نعم جزيت خيراً على حضورك، وأثابك الله على مجيئك وعلى ما تركت من أعمالك وتركت من أشغالك لتسمع آية وحديثاً، وتوجيهاً ونصحاً، ولكن الأمر لا ينتهي عند ذلك، الحديث الليلة والحديث في كل ليلة حينما يكون في كلام الله ورسوله رسالة إلى السامع وليبلغ الشاهد الغائب، وليبلغ السامع من لم يسمع، فقد قال ﷺ : (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب مبلغ أوعى من سامع) ولو لم يكن لك إلا دعوة هدى: (ومن دعا إلى هدى فله أجره وأجور من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيئاً).
أيها الأحبة في الله: لا يشك شاب عاقل عنده أدنى بصيرة وأدنى معرفة:
اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون الخبر
إن اليهود والنصارى حتى هذه اللحظة وقبل هذه اللحظة وقبل سنين لا يزالون يتربصون بنا كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧].
ذلك المنهزم التي انطلت عليه دعايات الكفار، ذلك المخدوع الذي وقع في الفخاخ، ذلك المسكين الجاهل المقلد الذي نصب له الشرك فوقع فيه من أول خطوة وأول لحظة.
стр. 1742
شباب المسلمين ومؤامرات الكفار
إن أعداء الإسلام سواء تكلموا بلغاتنا، أو ادعوا حبنا، أو خالفونا في اللغة واللباس وغير ذلك، والله لا يريدون بهذه الأمة عامة ولا بشبابها خاصة إلا ضلالاً وخبالاً وكما قال : ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: ودوا عنتكم وشركم، وإضلالكم ومضايقتكم، وإفسادكم وتدميركم وخراب أرضكم ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] ولكن مصيبتنا اليوم ممن يرى أنياباً مفترسة فيقول: هذه نواجذ ضاحكة، ويرى مدىً مسنونة لذبح المسلمين فيقول: هذه مدى قد أعدت لضيافة الضيوف من المسلمين، ويرى فخاخاً تنصب فيقول: هذه درجات للتقرب والصلة وحكم العلاقة بين المسلمين والكافرين، لا، سيبقى الأمر كما قال الله في عداوتهم وفي بغضائهم وقد يوجد من بينهم من هم سذج أو بسطاء أو فيهم من شيء من العدل، أو فيهم شيء من الإنصاف إلا أن وجود شريحة أو طائفة من اليهود والنصارى ممن قال الله : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥].
ويقول : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران:١١٣] تبقى تلك الشريحة حالة مستثناة من عموم الكافرين، نؤمن بوجودها تصديقاً للعدل وتصديقاً بما ورد في الكتاب والسنة، ولكن أصل الحقيقة أن اليهود والنصارى لا يألون جهداً في خبالنا وفي ضلالنا، ولأجل ذلك ما فتئ الكفار على اختلاف مسمياتهم: يهود، نصارى، بعثيون، ماسونيون، هندوس، بأي طريقة وملة ونحلة كانوا يخططون للبحث عن أقرب السبل وأيسرها لإفساد شباب المسلمين وإضلالهم.
ولذا يقول أحد الماسونيين: كأس وغانية تفعلان في الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوا هذه الأمة في حب المادة والشهوات.
نعم.
إنها مؤامرة على شبابنا، إنها مؤامرة على إخواننا، وعلى فلذات أكبادنا، وإنك لترى حقيقة المؤامرة يوم أن ترى شاباً يلوح بثيابه أو يصفق بيديه أو يصفر بفمه أو يهز برأسه على لعبة أو على ملهاة، أو في غفلة وفي نفس اللحظة المسلمون في البوسنة تغتصب نساؤهم.
ومن شواهد نجاح خطة أعداء المسلمين في شباب المسلمين أنك ترى في نفس اللحظة التي يذبح فيها شاب مسلم وتغتصب فيها حرة مسلمة ترى شاباً يسير وراء غانية أو ممثلة أو سينمائية، في نفس اللحظة التي يمزق فيها المصحف ويتبرز على المصحف ويتبول على المصحف في نفس اللحظة تجد شاباً لا هم له إلا أن يقلد ممثلاً أمريكياً، أو بطلاً فرنسياً، أو نجماً سينمائياً شرقياً أو غربياً، أليس هذا دليلاً من أدلة نجاح أعداء الإسلام وخططهم في إفساد شباب المسلمين؟ وإن هذا أمر ليفت الأكبد، ويجرح القلوب، ويجعل الإنسان يبكي الدم بدل الدمع من شدة ما يرى من أحوال هذه الأمة، إن التفت يميناً وجدت شباباً غافلين، وإن التفت شمالاً وجدت أعداء في الضلال مجتهدين، فتلك مؤامرة:
مؤامرة تدور على الشباب ليعرض عن معانقة الحراب
مؤامرة تدور بكل بيت لتجعله ركاماً من تراب
مؤامرة تقول لهم تعالوا إلى الشهوات في ظل الشراب
شيوعيون نزر من يهود صليبيون في لؤم الذئاب
تفرق شملهم إلا علينا فصرنا كالفريسة للكلاب
стр. 1743
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
أيها الأحبة: إن هذه الحال تدعونا أن نخاطب كل شاب فنقول له: يا أيها الغافل! أين الطريق؟! يا أيها الغافل! إلى متى الغفلة؟! يا أيها الضال! هل عرفت الهداية؟! يا أيها الجاهل هل ستسلك سبيل العلم؟ يا أيها المستغرق في شهواته ولذاته! هل أدركت حقيقة دنياك، وهل تفكرت في بدايتك ونهايتك؟! هل تفكرت من أي شيء خلقت، ولأي شيء خلقت، ولأي غاية خلقت؟! اعلم أيها المتصدر! اعلم أيها الجاهل! اعلم أيها المسكين -الذي غفل وضل عن طاعة ربه- أنك لو تأملت أصل خلقتك لوجدتها خلقة مهينة لا ترفع بها رأساً، ولا كرامة لها إلا بما نفخ الله بها من روح وكرمها بوحي وهدى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٦].
هذه آية من كلام الله ، الوحي الرباني يخبرك أيها الشباب ما هي بدايتك، وما هي مراحل حياتك، وما هي نهايتك، (يا أيها الناس) وأنت أيها الشاب من هؤلاء الناس الذين يدخلون في هذا الخطاب وهذا النداء، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ)) [الحج:٥] هل رأيت التراب الذي تدوسه بحذائك؟ هل رأيت التراب الذي تطأه بقدميك؟ هل رأيت التراب الذي تمشي عليه الكلاب والدواب وتغرس فيه الأشجار؟ إنك في أصل خلقتك من هذا التراب
خفف الوطء ما أظن أن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
رب لحد قد صار لحداً مراراً والهاً من تزاحم الأضداد
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥].
وهذه من دلالات البعث بعد الموت، ومن شواهد الخلق بعد الفناء، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٦].
أيها الشاب! اعرف حقيقة خلقتك حتى إذا قال الداعي: حي على الفلاح، أدركت يا أيتها النطفة، يا أيتها المضغة، يا أيتها العلقة، يا أيتها النطفة المذرة من الماء المهين، كيف تتكبرين على داعي الفلاح ومنادي الله فتزورين وتنقلبين أو تتقهقرين وتترددين، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] ((أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)) [يّس:٧٧] ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٥ - ٦] نعم.
نبدأ بهذه القضية في خطابنا لكل شاب نناديه لكي يقلع عن الغواية ويعود إلى الهداية، نناديه لكي يترك مجالس اللهو ليعود إلى مجالس الذكر، نناديه لكي يترك كل ما يضره ويصده عن طاعة الله، ليعود إلى ذكر الله وطاعة الله، فنقول له من البداية: إن تصورك لحقيقة نفسك وحقيقة تكوينك هي التي تجعلك تنقاد خاضعاً مختاراً طائعاً لا خيار لنفسك في نفسك.
إنك أخي الكريم! يوم أن تحاسب أحداً من موظفيك أو أحد عمالك، استخدمته براتب أو بأجرة وفيرة، ثم رأيته يتصرف في مؤسستك، ويبذر في مالك، ويعتدي ويخالف، ويعزل ويفعل، ويأمر وينهى، ولا يألو جهداً في أن يفسد أو يخالف أو يستثير غضبك فإنك أول ما تدعوه تقول له: من أنت؟ تريد أن تذكره بحقيقة نفسه، وتريد أن تذكره بحقيقة موقعه، وبحقيقة وضعه في هذه الشركة أو في هذه المؤسسة، تريد بهذا أن تقول له: إن وضعك لا يسمح لك بالأمر، ولا يسمح لك بالنهي ولا يأذن لك بالتصرف، فأنت متصرف فيك، مأمور في هذه المؤسسة والشركة، ولست الآمر والناهي.
ولله المثل الأعلى، نقول لك أيها الأخ الكريم: من أنت حتى تزور وتكفهر ولا تنزجر ولا ترعوي ولا تأتمر بأمر الله ورسوله، ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ [الإسراء:٥٠].
يا من دعي إلى الصلاة فلم يصل! يا من دعي إلى هجر الغفلة فلم يهجرها! يا من دعي إلى مجالس الذكر فلم يحضرها! يا من نصح بالكتاب والشريط فلم يسمع! يا من دعي إلى الهداية فلم يرعوِ! من أنت؟ حجارة لا تدور، أم حديد لا يلين، أم قوة لا تضعف، أم صحة لا يعتريها مرض، أم حياة مخلدة لا يكدرها الموت؟! من أنت؟ أمان لا يفنى، أم كنوز لا تنقضي، أم قوة لا يغالبها أحد؟! من أنت يا من يعصي ربه؟! من أنت يا من يخالف أمر رسوله؟! من أنت يا من لا يتصبر ولا ينقاد لأمر الله ورسوله؟! ثم بعد ذلك تظن أنك بعد إذ خلقت على هذه الحال، أن الله خلقك عبثاً؟! إن فيك ملايين بل مليارات الخلايا التي أمرها الله بتركيب هذا الجسم مذ كنت في رحم أمك -ملايين الخلايا التي تنتج في مصنع الرحم- فخلايا تتجه لصناعة عينك، وخلايا تتجه لصناعة أذنك، وخلايا تتجه لصناعة القدم، والمفصل والركبة والفخذ، وخلايا تتجه لصناعة الرئتين، وخلايا تتجه لصناعة قلبك، وخلايا تتجه لصناعة عظامك، وخلايا تتجه لصناعة سمعك وبصرك وجوارحك وحواسك وأجهزتك وما ضلت خلية عن طريقها، ما رأينا رجلاً ضاعت خلية منه وتاهت طريقها، خلية الأنف ما ضاعت وما تاهت عن الطريق، ما رأينا أحداً نبت أنفه في ظهره، كل خلية في كل إنسان اتجهت لتثبت في هذا المكان، وكل خلية أذن في كل إنسان اتجهت لتثبت في مكانها، وكل خلية في العين اتجهت لتبقى في مكانها، ما ضاعت وما ضلت، ولو أن البشر أرادوا أن يحكموا تدبير الخلايا وتوجيهها والسيطرة عليها والإحكام في أمرها لعجزوا عن ذلك، مليارات من مليارات الخلايا التي يعجز الإنسان عن عدها فضلاً عن أن يتصرف فيها، إن الله جل وعلا قد سخر فيك هذه الكائنات، وأمرها بأن تكون أداة ومادة لتكوينك وخلقك ثم أبدع تصويرك وأحسن خلقك، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠].
بعد هذا كله أتظن أن الله أبدع وخلق وصور وأحكم وأنشأك ورباك ونماك في هذه الصفة لكي تأكل ما حرم، أو لتسمع ما حرم، أو لتنظر إلى ما حرم، أو لتقول ما حرم، أو لتفعل ما حرم، أو لتترك ما أوجب، أو لتستهزئ بما أمر، أو لتنصرف عما أمر؟ حاشا وكلا ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] قال الإمام الطبري في تفسيره، يقول جل ذكره: أفحسبتم أيها الأشقياء! أنما خلقناكم لعباً وباطلاً، وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء، فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون؟!! قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] أن يخلقكم عبثاً أو أن يضيعكم، أو بمجرد أن يحييكم ثم يميتكم، لا يرجعكم إليه ليحاسبكم؟ تعالى الله وتنزه وتقدس أن يخلقنا ثم يتركنا، ولا يعيدنا ولا يجمعنا مرة أخرى للحساب والسؤال والجزاء.
стр. 1744
الغاية التي من أجلها خلقنا
لقد خلقنا لغاية ألا وهي نداء من الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] أول أمر في القرآن أمر بالتوحيد، وأول نهي في القرآن نهي عن الشرك، أول أمر في القرآن أمر بالعبادة، عبادة الله وحده لا شريك له، بل جاءت صريحة في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
يا أيها الشاب! يا أخي الحبيب! إن من واجبنا أن نتفكر ملياً، إياك أن تشغلك نغمة أغنية، أو صورة خليعة، أو رواية ماجنة، أو مسلسل يغويك عن غايتك التي خلقت من أجلها، هل فكرت في معنى حياتك على هذه الأرض؟ من أين جئت؟ ما الذي جاء بك؟ ولماذا جيء بك؟ وأين يذهب بك بعد الموت؟ هل فكرت يوماً من الأيام أن تقف بجوار مقبرة من المقابر؟ هل وقفت يوماً من الأيام بجوار قبر من القبور وقلت: يا ليت شعري ماذا يدور في اللحد تحت هذا القبر؟ هل وقفت يوماً لتقول كما قال القائل:
أتيت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر
وأين المذل بسلطانه وأين العزيز إذا ما افتخر
هل فكرت في هذه النهاية؟ إلى أين تسير أيها الأخ الحبيب؟ أسئلة لا بد أن تكون قد خطرت ببالك، ولا بد أن تخطر على بال كل عاقل، إذ إن الذي يركب سيارة ثم يستوقفه أحد في الطريق، فيقول له: إلى أين أنت ذاهب؟ فيقول: لا أدري، فهذا أحد المجانين، قد ركب دابة، وشق بها طريقاً وعبر بها سبيلاً، لكنه لا يعرف الغاية كما قال ذلك المجنون المعتوه الذي يدعى إيليا أبو ماضي، حيث قال:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت كيف أبصرت طريقي
لست أدري ولماذا لست أدري لست أدري
قد سألت البحر يوماً: هل أنا يا بحر منك
أصحيح ما ذكروا عني وعنك
ضحكت أمواجه مني وقالت: لست أدري
وهذا الرجل لا يدري وسيظل لا يدري إذا لم تكن هناك دراية وهدى ودلالة من كتاب الله ، لأن الذي لا يعلم من القرآن شيئاً جاهل، والذي لا يعلم من السنة شيئاً جاهل، والذي لا يعلم من الشرع شيئاً جاهل، حتى وإن بلغت المراكب أعلاها وإن بلغت به المنازل أسناها.
أيها الأحبة: يقول أحد الأعراب -وهو جبير بن مطعم -: (دخلت على النبي ﷺ فإذ به يقرأ قول الله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦].
فكاد قلبي أن يطير) من شدة تأثره بهذه الآية التي تسائل أقواماً أنكروا وجحدوا وتقول لهم: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ هل العدم خلقهم؟ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أم هم خلقوا أنفسهم؟ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ هل استطاعوا أن يخلقوا ما حولهم؟ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦].
إن هذه من الآيات التي تجعل المسلم إذا قرأها يتوقف ويسأل ويتدبر ويقرر بكل اعتقاد ويقين أنه خلق من خلق الله ، وأنه مع من في الأرض جميعاً، من البشر وجميع البهائم والدواب والحيتان والجبال والأشجار والمياه والمحيطات والكائنات والموجودات في ميزان الله أمر صغير حقير ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧].
لو قيل لك: إن رجلاً قوياً من الأقوياء يصرع عشرة من الرجال بضربة واحدة، لقلت: هذا شجاع! ولو قيل لك: إن رجلاً يصرع عشرين أو أكثر، لقلت: هذا بطل من أبطال الزمان، لكن ولله المثل الأعلى: إن الله قوي جبار مكين، والخلق أرواحهم بيده، ولا أحد منهم يغالبه، وسلطان الله نافذ فيهم، وحكمه ماضٍ فيهم، ومشيئته فيهم نافذة، وليس في واحد أو عشرة أو مائة بل كل هؤلاء العباد نواصيهم بيده وقلوبهم بين أصبعين من أصابعه ، والأرض كلها بمن عليها قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون.
أيها الضال! أيها الغافل! أيها المعاند! أيها المكابر! عد إلى الله، فإنك لست بشيء في ملكوت الله ، إن الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وهو الذي يملك السمع والأبصار، وهو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وهو الذي يدبر الأمر، هو خالقك الذي أمرك بالصلاة وأمرك بالاستقامة وبالتوبة وبالإنابة وأمرك بالهداية، وهو الذي نهاك عن الضلالة ونهاك عن المعصية، ونهاك عن الانحراف وعن الزيغ والبعد عن طاعته .
هذا الرب العظيم لماذا خلقك؟ خلقك لعبادته، خلقك لتعمر هذا الكون بعبادته، فأياً كانت وظيفتك، وأياً كان مصيرك، وأياً كان وضعك، فلا بد أن تعرف قدر كل شيء، وأن أول وظيفة وأول قضية وأول حقيقة هي أنك وجدت لتعبد الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧].
جاء بك لعبادته فهل ستظل حياً؟ لا.
بل لا بد لك من نهاية ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥]، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء:٧٨]، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢]، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤] الله يخاطب نبيه، ويقول: إنه لن تسلم نفس من الموت حتى أنت يا محمد، حتى أنفس الأنبياء وهم أفضل الخلق وأكرمهم على الله، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] إذاً فلتعلموا أيها الشباب وليعلم الجميع أن هذه الحياة لا بد لها من نهاية، كنا جميعاً -يا معاشر السامعين- كنا صغاراً في المهد نرضع من ثدي الأمهات، والآن قد خطت بنا السيول خطاها، ومضت بنا نحو آجالنا.
والليل فاعلم والنهار كلاهما أرواحنا فيها تعد وتحسب
نعم.
لقد ولدنا ووجدنا وبدأنا الحياة ونشق الطريق إلى النهاية ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] هذه نهاية المطاف وآخر الأجوبة على الأسئلة، ففي هذا اليوم العظيم يوم ينتهي الأمر بنا إلى رب العالمين، يوم القيامة يتميز الناس إلى فريقين في حياة أبدية لا تنتهي، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واتبع رسول الله، فأولئك هم السعداء أهل الجنة، فأولئك لهم رزق معلوم، ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٢ - ٤٩].
وأما الفريق الآخر الذي أعرض عن ذكر الله وأشرك به وكفر برسله، أو عصى ربه وأصر على المعصية وارتكب ما حرم الله ومات على الكبائر من دون توبة وأصر على كل أمر، فأولئك هم الأشقياء أهل النار: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩ - ٢١].
أولئك الأشقياء: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٦ - ٣٧].
هذه حال الفريقين في النهاية: فريق في الجنة وفريق في السعير،
الدار جنة عدن إن عملت بها يرضي الإله وإن فرطت فالنار
هما مصيران ما للمرء غيرهما فانظر لنفسك ماذا أنت تختار
أيها الأخ الحبيب! يا من تسير على طريق الدنيا ولا تعلم هل أنت سائر إلى مرضاة الله أم إلى سخطه؟! هل أنت سائر إلى الجنة أم إلى النار؟! هل أنت متبع لنبيك أم متبع لأعداء نبيك الذين حذرك نبيك منهم؟ قال ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قال الصحابة: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: إذاً فمن، أو فمن القوم؟) محذراً من أن يتبع المسلمون حال المشركين، وإنك حينما تتأمل أبناء المسلمين، أبناء الموحدين، والمصلين، والصائمين، والقائمين، تجد كثيراً من أبنائهم يقلدون الغربيين في مشيتهم، وفي لبسهم، وفي تصرفاتهم، وفي أخلاقهم وتعاملهم، وفي معاملاتهم، وإني أقول وأكرر وأردد: إننا بحاجة أن نذكر أبناءنا وأن ندرسهم كراهية الكفار وأن نحذرهم من
стр. 1745
انقسام الشباب إلى فريقين
إن شباب هذه الأمة اليوم قد باتوا على فريقين، فريق من الصالحين وفريق دون ذلك، فريق من أمثالكم ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] ولكن الصنف الآخر نسأل الله لهم الهداية ونسأل الله أن يردهم إلى الحق رداً جميلاً، ونسأل الله ألا يجعلهم حطباً لجهنم، ونسأل الله ألا يصدق فيهم ما يخططه الكافرون ويتربص بهم الملحدون، فريق آخر جلّ أوقاتهم على الأرصفة بعيداً عن المساجد، يسمعون حي على الفلاح، فلا يحضرونها، وإذا دعوا إلى سهرة في منتزه وجدتهم يجتمعون لها، تراهم على أماكن اللهو يعيشون حياة الضياع، سماهم اللهو والغناء، ونظرهم الأفلام والمسلسلات، صدور كاسيات وأفخاذ عاريات، سماعهم ورؤيتهم فيما حرم الله، وحديثهم فيما يبعدهم عن الله ، فيا أيها الشاب: احمد الله إن كنت من الأوائل، والحذر الحذر أن تكون من الأواخر، إن كنت من هؤلاء الأواخر فعليك بالتوبة فإن بابها مفتوح، ورب العزة يناديك وينادي عباده أجمعين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣]، ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢]، أفمن يرضى لنفسه مخالطة الأشرار وأصحاب السوء أهدى أمن لا يرضى إلا بمخالطة الصالحين والأخيار؟! أفمن ثقافته المجلات الخليعة والأفلام الماجنة أهدى، أمن تشرب قلبه بالقرآن والسنة واستماع كلام أهل العلم؟! أفمن يعيش ليأكل ويشرب وينام باسم الإسلام أهدى، أمن يعيش للإسلام ويضحي بدمه وماله رخيصاً لهذا الدين؟! أيها الأحباب: إن هؤلاء الشباب وإنكم جميعاً لفي سعي ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] والإنسان قد خلق في كبد ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، والإنسان كادح ماضٍ في عمل، فإما كبد في طاعة وإما كبد في معصية، وإما كدح في طاعة وإما كدح في معصية، ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فأما الصالحون فكدحهم وكبدهم في سبيل الله وطاعته، وأما العصاة فكبدهم وكدحهم في تلبية شهوات أنفسهم، وصدق نبينا ﷺ إذ يقول: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) وقول الله من أوضح وأبلغ الأمور في هذا: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠].
من زكى نفسه بالطاعة، فهو من الفالحين، ومن دسَّى وأخزى وأذل نفسه بالمعصية فهو من الضالين الخاسرين، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] من الناس من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، ومن الناس من باع نفسه وأعتقها، ولكن من الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧]، ومنهم من يضل ويضل ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦].
стр. 1746
اشتر نفسك واغتنم خمساً قبل خمس
أيها الشاب اشتر نفسك! أيها السامع اشتر نفسك! أيها المسلم والمسلمة كل منا يشتري نفسه، ويعتقها ويبادر بفكاك رقبته، كما نادى النبي ﷺ وكما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة قال: (قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] قال: يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً) وفي رواية للبخاري: (يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله! يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله! يا عمة رسول الله! يا فاطمة بنت محمد! اشتريا أنفسكما من الله لا أملك لكما من الله شيئاً!) ونحن ننادي كل شاب وكل ضال خاصة، ونقول: اشتروا أنفسكم من الله، اشتروا أنفسكم من الله، وأوبوا وعودوا إلى الله ، قال الحسن البصري: [المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله ] وقال الحسن أيضاً: [ابن آدم إنك تغدو أو تروح في طلب الأرباح فإن يكن همك نفسك فإنك لن تربح مثلها أبداً] ما ظنكم بإنسان سيقتل بعد أسبوع ومشغول هذا اليوم وغداً وبعد غدٍ في بيع وشراء وتجارة، هل ينفعه المال؟ هل تنفعه التجارة؟ هل ينفعه المركب؟ هل ينفعه الجمال؟ وهو هالك لا محالة بعد أسبوع، فكذلك الضال والغافل الذي يسير وهو يعلم أنه على غير صراط الله المستقيم يمضي إلى هاوية أو إلى طريق تضل به، وتبعد به وتهوي به في مكان سحيق، أينفعه ما جمع من الدنيا؟! ولكن الغفلة عن هذا كثيرة، تلك هي التي جعلت كثيراً منهم يسدرون ويغطون في سباتهم العميق.
يا أيها الناس! إن الزرع في غير وقته لا يفيد الزارع شيئاً، وإن التعلم ساعة الامتحان لا يجزئ الإنسان شيئاً، وإن الذي يأتي يوم القيامة وقد اكتسب سيئاته في الدنيا ولم يعمل من الصالحات الكثير هو المفلس والخاسر، وربما بل لا شك أنه يتمنى أن يعود من جديد لكي يعمل وهيهات فيقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] وماذا وراء ذلك؟ ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
وصدق رسول الله ﷺ وهو ينادينا وينادي الشباب وينادي الأمة أجمع: (اغتنم خمساً قبل خمس) والغنيمة أمر لا يكاد يفوت، لا تقال غنيمة إلا فيما عليه شيء من الجهاد وشيء من النزال والقتال، ولا تقال غنيمة إلا لأمر فيه مبارزة، أما الذي يأتي بدون قتال فهو فيء يسير سهل، لكن الغنيمة تحتاج إلى مبادرة، ولا يقال: اغتنم الأمر إلا لأمر يفوت ويضيع، ولذا قال ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس وهو حديث صحيح.
ما أكثر الذين عن هذا هم غافلون ضالون وفي سباتهم نائمون،
واحسرتاه تقضى العمر وانصرمت ساعاته بين ذل العجز والكسل
والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد صاروا إلى المطلب الأعلى على مهل
стр. 1747
تبرؤ الأخ من أخيه والشيطان من أتباعه يوم القيامة
أخي الحبيب! حاسب نفسك لماذا تصحب من لا ينفعك في الآخرة؟ إنك تعجب من شباب تكلمهم، تقول لهم: يا أخي الكريم! تعال إلى روضة من رياض الجنة، تعال إلى حلقة ذكر، تعال إلى رفقة صالحة، تعال إلى سماع نافع، تعال إلى قراءة نافعة فيقول: لا، أنا مشغول، مشغول بماذا؟ مشغول بمعصية، مشغول بمن لا يصلي، مشغول بمن يسوء، مشغول بمن يتبرأ عنه، كما يحصل لهم يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩].
ما أكثر الشباب الذين سيتبرأ بعضهم من بعض، ما أكثر الذين سيسب بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، إذا كنت أنا وأنت كلٌ منا يتبرأ يوم القيامة من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه وأخيه فما بالك بأصدقاء السوء؟ أتراهم يوم القيامة يقول أحدهم: لا.
لن أدخل حتى يدخل صديقي قبلي، أو تراه سيقول: لا.
أتحمل عن صديقي شيئاً من العذاب؟! لا.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] ولن يتحمل بعضهم من بعضهم شيئاً، بل إن الشيطان ينصب له منبراً وعرشاً ومكاناً ثم يقف بين أهل النار يقول لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] الشيطان يبدأ يسخر ويستهزئ بالذين أطاعوه، يقول: والله ما كان معي عصا أضربكم بها، وما كان معي قيود أجركم بها، وما كان عندي شرطة أسوقكم بها، وما كان عندي من أمر ((إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي)) [إبراهيم:٢٢] مجموعة أناس دعاهم الشيطان فاستجابوا له، هذا حوارهم وهذا حالهم، ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤] بل وكما قال عما يقوله الشيطان لهم: ((مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ)) [إبراهيم:٢٢] أي: الصريخ المنقذ ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] هذا حال الذين يصرون على المعصية، وإذا دعوت أحدهم قال: إني راضٍ بأصحابي، راضٍ بالذين لا يصلون، راضٍ بالذين يسهرون إلى آخر الليل وينامون عن الفجر، راضٍ بالذين يعقون آباءهم وأمهاتهم ويقطعون أرحامهم، راضٍ بالذين يتناولون المسكرات والمخدرات ويجلسون على المحرمات، راضٍ بالذين يملئون ساعاتهم بكل ما يغضب الله ويسخطه ويخالف أمره وأمر نبيه، للأسف هذا حال كثير منهم! بل بعضهم يقول: أنا أحب هؤلاء، وأحب أصدقائي هؤلاء أكثر من حبي لك أنت ومطاوعتك وعلماءك هؤلاء الذين أزعجتني بهم، نعم: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] يوم القيامة ستحشر أنت مع من أحببت، أحببت الفنانين؟ أبشر ستحشر معهم، أحببت أهل الربا وأسهم البنوك الربوية؟ أبشر ستحشر معهم، أحببت أهل المعاصي؟ أبشر ستحشر معهم، أحببت أهل الزنا والخنا؟ ستحشر معهم، أحببت العلماء؟ ستحشر معهم، أحببت الصالحين؟ ستحشر معهم، أحببت الذين يريدون وجه الله والدار الآخرة؟ ستحشر معهم، وكما قال الرجل للنبي ﷺ : (المرء يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال ﷺ : المرء مع من أحب يوم القيامة) وقال آخر: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال ﷺ : وماذا أعددت لها؟ فقال: والله ما أعددت لها كثير عمل إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: أنت مع من أحببت يوم القيامة، أو المرء مع من أحب يوم القيامة).
إن مجرد محبة الصالحين طريق إلى أن يسير المرء في ركابهم، وأن يسلك مسلكهم، وأن ينتهج نهجهم وأن يتقفى أثرهم وأن يهتدي بهديهم، وإن مجرد حب أهل الباطل بوابة ووسيلة وسبيل إلى أن يكون الشخص منهم.
تذكر أخي الشاب أن جلساء السوء لا يأمرون إلا بالمنكر ولا ينهون إلا عن المعروف، إنهم لا يرضون بالفضيلة، ويمقتون الاستقامة، وإن مخالطة أهل السوء وأهل المنكرات الغافلون عن الصلوات والجماعات أقل ثمارها ضعف الإيمان، وأخطر نتائجها خروج المسلم وردته عن دينه، وإن كثيراً من الشباب ربما ارتدوا وكفروا وخرجوا من الإسلام وهم لا يشعرون، هل سمعتم أن شباباً بلغ بهم الهزأ والاستهتار أن بعضهم يرسل نغمات موسيقية على آيات قرآنية، وبعضهم لو قلت له: أنت كافر بهذا العمل، قال: أعوذ بالله، أنا كافر!! أنا كافر!! أنا فلان بن فلان الفلاني مولود في قلب الجزيرة العربية، أنا مسلم، وقد نسي أن جلساء السوء قد قادوه بالسهرة واللهو والغفلة والاستهزاء والسخرية حتى بات يسخر بكلام الله وآياته ورسوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
إن كثيراً من الشباب لا يعلم مدى خطورة الإعراض عن الاستقامة، ومدى خطورة المضي في معاشرة أولئك الذين هجروا المساجد والصلاة مع الجماعة، وهجروا طاعة رب الأرضين والسماوات، وبعضهم قد تعلق بدعوى الصداقة، أصدقائي أحبابي صداقة العمر، أخلاء العمر، الشخص منهم لو أردت منه روحه قدمها، يا مسكين! يوم القيامة لو أردت من أمك حسنة والله لن تعطيك منها شيئاً، فما بالك بشخص سيأتي يوم القيامة ليطلع أحدهم على الآخر فيقول له: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]، والآخر ينازع أو يجادل صاحبه ليتبرأ منه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧] كل صداقة على غير طاعة الله تنقلب عداوة يوم القيامة: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
أيها الشاب! عد إلى الله، ودع قرناء السوء، ودع عنك الصور الخليعة، والأغاني الخليعة، وعد إلى مرضاة الله، ولا تكابر في دعوة التوبة والاستقامة، لا تقل: أنا رجل وسط، أسمع قليلاً من الأغاني وأسمع قليلاً من الملاهي، وأفعل شيئاً من المحرمات، إن السيئة تقول: أختي أختي، والسيئات بريد الإدمان على المعاصي، والإدمان على المعاصي بريد إلى سوء الخاتمة، ولكن عالج نفسك وعد إلى الله فقد أمضيت في شبابك ولهوك سنين، ولا تدري ما الذي بقي من عمرك، أليس من نعم الله عليك أن الله لم يتوفك وأنت في لهو؟! أليس من نعم الله عليك أن الله لم يقبض روحك وأنت على معصية؟! أليس من نعم الله عليك أن الله ما قبض أنفاسك وأنت على فاحشة تقارفها؟! إذاً عد إلى الله ، وابحث عن قوم ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
стр. 1748
دعوة إلى الهجرة إلى الله ورسوله
أيها الشاب! العمر عمران، والميلاد ميلادان: أما ميلادك الأول فهو خروجك من ظلمات رحم أمك إلى نور الدنيا، وذلك عمر وميلاد يشترك فيه كل الخلائق، المسلمون والكفار والأبرار والفجار، وأما العمر الحقيقي وأما الميلاد الحقيقي هو يوم أن يخرجك الله من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة، وهذا الميلاد لمن وفقه الله، وأناب إلى الله، وتاب إلى الله ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢]، يقول الله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً﴾ [الأنعام:١٢٢] ميت في الضلالة، ميت في المعصية، وفي الفاحشة، وفي اللهو، وميت في الغفلة، وفي ترك الطاعة، وميت في أمور كثيرة والعياذ بالله، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
فبادروا بادروا، وسابقوا سابقوا، وهلموا هلموا، وأنيبوا أنيبوا يا شباب الإسلام!
حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار
فاقضوا مآربكم سراعاً فإنما أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا أن تسترد فإنهن عواري
ودعوا الإقامة تحت ظل زائل أنتم على سفر بهذا الدار
من ذا يرجي العيش فيها إنما يبنوا الرجاء على شفير هار
والعيش كل العيش بعد فراقها في دار أهل السبق أكرم دار
شيئان ينقشعان أول وهلة شرخ الشباب وخلة الأشرار
لا بد أن تعلم أن هذه النهاية قريبة وأنها متحققة فبادر بالنقلة، وبالتوبة، وبالهجرة إلى الله، والهجرة إلى رسول الله، والهجرة في طاعة الله، كما قال الإمام الجهبذ النحرير شيخ الإسلام ابن القيم ﵀، يقول: الهجرة هجرتان: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، والهجرة الثانية هجرة بالقلب إلى الله ورسوله.
أيها الشباب! نحن ندعوكم وندعو أنفسنا، أن نهاجر اليوم، وأن نهاجر هذه الساعة، هجرة بقلوبنا إلى الله ورسوله؛ وهذه هي الهجرة الحقيقية وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها، لا يهاجر أحد ببدنه إلا إذا هاجر قلبه، وهي هجرة تتضمن من وإلى، فيهاجر العبد بقلبه من محبة غير الله إلى محبة الله، ويهاجر من عبودية غير الله إلى عبودية الله، ويهاجر من خوف غير الله ورجاء غير الله والتوكل على غير الله إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، يهاجر من دعاء غيره، وسؤال غيره، والخضوع لغيره والذل والاستكانة لغيره إلى دعاء وسؤال وخضوع لله، وذل واستكانة بين يدي الله، وهذا معنى قوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] نفر من الله إليه، الهجرة القلبية، الهجرة التي يحتاجها الناس صباح مساء، ليلاً ونهاراً في كل زمان ومكان، أن يهجروا بقلوبهم كلما يصرفهم عن طاعة الله ، يقول ابن القيم: والمقصود أن الهجرة إلى الله تتضمن هجران ما يكرهه، وإتيان ما يحبه ويرضاه، وأصل الهجرة الحب والبغض، فإن المهاجر من شيء إلى شيء لا بد أن يكون ما هاجر إليه أحب مما هاجر منه، فيؤثر أحب الأمرين إليه على الآخر، وإذا كانت نفس العبد وهواها وشيطانها إنما يدعونه إلى خلاف ما يحبه ويرضاه، وقد بلي بهؤلاء الثلاث فلا يزالون يدعونه أي: الهوى والنفس والشيطان، لا يزالون يدعونه إلى مرضاة غير الله، وداعي الإيمان يدعوه إلى مرضاة ربه، فعليه في كل وقت أن يهاجر إلى الله، ولا ينفك في هجرته إلى الممات.
أيها الأحبة! أوجز ما بقي من هذه الكلمات لكم ولمن وراءكم ممن تتعبدون الله جل وعلا بنصحهم ودعوتهم حتى تقوم الحجة، وحتى تبرأ ذمتكم بدعوتهم إلى الله ، نقول: إن حاجتنا في هذا الزمن إلى هجرة إلى الله ورسوله، هجرة حدها كما يقول ابن القيم: سفر الفكر في كل مسألة من مسائل الإيمان، وكل منزلة من منازل القلوب وحادثة من حوادث الأحكام إلى معدن الهدى ومنبع النور المنتقى من فم الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فكل مسألة طلعت عليها شمس رسالته، وإلا فاقذف بها في بحر الظلمات، وكل شاهد عدله هذا المزكى وإلا فعده من أهل الريب والشبهات، فهذا حد هذه الهجرة والمقصود كما يقول ابن القيم: إن هذه الهجرة فرض على كل مسلم، وهي مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وعن هاتين الهجرتين، يسأل كل عبد يوم القيامة في البرزخ ويطالب بها في الدنيا ودار البرزخ ودار القرار.
قال قتادة: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين؟ وهاتان الكلمتان هما مضمون الشهادة، ولئن سأل سائل منكم -أيها الأحبة- عن هذه الهجرة، وكيف نجد دابة ومركباً يوصلنا ويبلغنا إلى مقاصد هذه الهجرة، فاسمعوا ما يقول ﵀: وأما مركبه فصدق اللجوء إلى الله والانقطاع إليه بكليته، وتحقيق الافتقار إليه بكل وجه والضراعة إليه، وصدق التوكل والاستعانة به والانطراح بين يديه انطراح المفتون الفارغ، الذي لا شيء عنده، فهو يتطلع إلى قيمه ووليه أن يلم شعثه وأن يمده من فضله وأن يستره، فهذا الذي يرجى له أن يتولى الله هدايته، وأن يكشف له ما خفي على غيره من طريق هذه الهجرة ومنازلها، ألا فلنتزود قبل الرحيل، ألا فلنستعد قبل الرحيل، فإن الموت يفاجئ.
يا أيها الشباب!
يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
стр. 1749
العاقل من لا يؤثر الخسيس الفاني على الجميل الباقي
تزود للرحيل، واسمع ما يقوله ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح يقول: العجب كل العجب من غفلة من لحظاته معدودة عليه، وكل نفس من أنفاسه لا قيمة له إذا ذهب لم يرجع إليه، فمصائب الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين حمل ويصار به، أعظم من سير البريد، ولا يدري إلى أي الدارين ينقل، فإذا نزل به الموت اشتد قلقه لخراب ذاته وذهاب لذاته، لما سبق من جناياته وسلف من تفريطه حيث لم يقدم لحياته، فإذا خطرت له خطرة عارضة، دفعها باعتماده على العفو وقال: قد أنبأنا أنه هو الغفور الرحيم، وكأنه لم ينبأ أن عذاب الله هو العذاب الأليم، ولما علم الموفقون ما خلقوا له، وما أريد بايجادهم، رفعوا رءوسهم فإذا علم الجنة قد رفع لهم، فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضع لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، في أبدٍ لا يزول، بسبابة عيش، وإنما هو كأضغاث أحلام أو كطيف زار في منام، مشوب بالنغص ممزوج بالغصص، وإن أضحك قليلاً أبكى كثيراً، وإن سر يوماً أحزن شهوراً، آلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف مسراته، أوله مخاوف، وآخره متالف، فيا عجباً من سفيه في صورة حليم، ومعتوه في مسلاخ عاقل، آثر الحظ الفاني والخسيس على الحظ الباقي، وباع جنة عرضها السماوات والأرض بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار، وأبكاراً عرباً أتراباً كأنهن الياقوت والمرجان بقذرات دنسات سيئات الأخلاق، مسافحات أو متخذات أخدان، وحوراً مقصورات في الخيام بخبيثات مسيبات بين الأنام، وأنهاراً من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم، وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان، وجلوس على منابر الياقوت والزبرجد يوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد، ونادى المنادي: يا أهل الجنة! إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا، وتحيوا فلا تموتوا، وتصبوا فلا تهرموا.
ونادى بغناء المغنين:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوم
وإنما ظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفداً، وسيق المجرمون إلى جهنم ورداً، ونادى المنادي على رءوس الأشهاد: ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم بين العباد، فلو علم المتخلف عن هذه الرفقة -لو تذكر الغافل، العاصي، المعرض عن الهداية، والاستقامة، الذي يصد عن الخير- لو تذكر المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد الله لهم وادخر لهم من الفضل والإنعام، وما أخفى لهم من قرة أعين، لم يقع على مثلها بصر، ولا سمعته أذن ولا على قلب بشر خطر، لعلم أي بضاعة أضاع، وأنه لا خير له في حياته وهو معجوز من سقط المتاع، وعلم أن القوم قد توسطوا ملكاً كبيراً، ذلك المضيع الغافل المفرط اللاهي المصر على المعصية، المعرض عن التوبة، إذا علم أن القوم الصالحين، قد توسطوا ملكاً كبيراً، لا تعتريه الآفات ولا يلحقه الزوال، وفازوا بالنعيم المقيم، في جوار الكبير المتعال، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
стр. 1750
تزود من دار الموت لدار الحياة
يا أيها الشاب! عد إلى الله قبل أن تأتيك سكرة الموت وأنت على غفلة، فكم من شاب حضرته المنية وهو في حضن باغية، وكم من شاب مات وهو سكير بخمرة، وكم من شاب مات وهو أمام الحرام، وكم من شاب مات في سفر إلى حرام، وكم من شاب مات وهو عائد من سفر حرام، وكم من شاب مات وهو يجمع الربا ويأكل الرشا ويجمع الأموال بالحرام، فعد إلى الله جل وعلا قبل نهاية الرحلة، وقبل أن تأتيك سكرة الموت ذلك الذي أنت تخافه وتحيد منه، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: إن هذا الموت نغص على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيماً لا موت فيه.
فكيف ووراءهم يوم يعدم فيه الجواب، وتدهش فيه الألباب، وتفنى في شرحه الأقلام والكُتّاب.
وقال ابن السماك ﵀: إن الموتى لم يبكوا من الموت ولكنهم يبكون من حسرة الفوت، فاتتهم والله دار لم يتزودوا منها ودخلوا داراً لم يتزودوا لها.
فأية ساعة مرت على ما مضى، وأية ساعة بقيت علينا، والله إن المتفكر في هذا لجدير أن يترك الأوطان ويهجر الخلان ويدع ما عز وهان.
يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً وتُلحق أُخرانا بأولانا
في كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا
يا نفس مالي وللأموال أتركها خلفي وأخرج من دنياي عرياناً
أبعد خمسين قد قضيتها لعباً قد آن أن تقصري قد آن قد آنا
وهذا مصيرنا يا معاشر الغافلين! والقبور بيوتنا بعد الترف واللين، والقيامة تجمعنا وسوف تنصب الموازين والأهوال العظيمة فأين المتفكر الحزين، إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٩٤].
ولما حضرت الوفاة محمد بن سيرين بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لتفريطي في الأيام الخالية، وقلة عملي للجنة العالية، وما ينجيني من النار الحامية.
يا أيها الناس! يا أيها الشباب خاصة! إن إلى ربكم الرجعى، إنكم إلى ربكم ترجعون، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٧] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية:١٥] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠] قال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: أتعرف تفسير قولك هذا؟ تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فمن عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة، قال الرجل: ما هي؟ قال الفضيل: تحسن فيما بقي يغفر لك فيما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وبما بقي وفي والنهاية: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨].
إن الذين يُبشرون، وإن الذين يستجيبون، والذين ينزجرون وللحق يرعون ويتبعون، أولئك طائفة من البشر.
إن جميع الدواب ساجدة، والشمس والقمر ساجدة، والنجوم ساجدة، والجبال ساجدة، وإن كل ما خلق الله متبع لأمر الله، خاضع لأمر الله، إلا البشر ففيهم من يطيع وفيهم من يعصي، فعليكم أن تكونوا من أهل الطاعة، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ﴾ [الحج:١٨] كلها بلا استثناء، مستجيبة ساجدة ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨] ولم يقل كل الناس يستجيبون ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨] دلالة على أن أكثر الناس لا يستجيبون فكونوا من المستجيبين، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨].
أسأل الله أن يجعل ما أقوله عبرة وعظة لي ولكم، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وألا يجعل للشيطان فيه حظاً ولا نصيباً.
أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، وأسأله سبحانه أن يُحَرِّمَنا وإياكم على النار، وأن يجزيكم خير الجزاء، وأن يثبتنا وإياكم على طاعة رب العالمين.
стр. 1751
الأسئلة
стр. 1752
وسائل الثبات على دين الله
السؤال
ما الوسيلة التي تعين على الثبات على طاعة الله ؟
الجواب
إن من خير ما يعين على الثبات، أن يحرص الإنسان على المتابعة والاقتداء بالنبي ﷺ ، وأن يتحرى سمت النبي وهديه وأن يطبقه.
الأمر الآخر: مجالسة الأخيار والحذر من مجالس الغفلة، والحذر من المجالس التي يكثر فيها الضحك، ويكثر فيها اللهو، ويكثر فيها القيل والقال والحديث عن الناس، فإن ذكر البشر داء، وذكر الله دواء، فمن أراد الثبات فعليه بصحبة الأخيار والعناية بالاقتداء بسنة المصطفى ﷺ ، وعليه أن يشغل نفسه بما يحاسب عنه يوم القيامة.
العجب أيها الإخوان! أن الشخص منا يتكلم في كل ما لا يعنيه، فإذا كُلم فيما يعنيه مل من الكلام، يطول الكلام ساعات فيما لا يعنينا، أما إذا تكلمنا في موتنا وحشرنا ولحدنا وقبرنا وموازين أعمالنا قلنا: ساعة وساعة، ولا حاجة لتكرار المواعظ، ولا حاجة للإكثار من ذلك، إذا حدث الإنسان بما يشغله أو يعنيه مل وازور، وإذا حدث بأخبار الناس والغادين والرائحين لا ينقطع لحديثهم طرف.
стр. 1753
الحذر من مجالس اللغو
السؤال
هناك بعض الشباب فيهم خير لكن يكون جلوسهم مع أشخاص ليس فيهم شر وليس فيهم نفع، فما هو السبب لعدم استمرارهم في الخير، فما توجيهكم؟
الجواب
يا إخواني! كما قلت: العمر محسوب عليك، والنفس الذي يخرج لا يعود، والذي يدخل كذلك لا يتكرر إلا نفس جديد، بمعنى: أن الأنفاس محسوبة ومعدودة والفرصة محدودة، فالذي يدعى إلى الجنة ويحذر من النار، والذي يدعى إلى المليارات يذهب يشتغل بالفلس والفلسين؟!! الذي يدعى إلى جنة عرضها السماوات والأرض، يقول: لا، لا حاجة في روضة الجنة وأنا يعجبني الجلوس في الرصيف، والذي يدعى إلى ذكر الله والنظر في كلام الله، يقول: لا حاجة لي به، ويطيل نظره وبصره وفكره فيما حرم الله جل وعلا من صور ولهو ونحو ذلك.
فإنه لا يعذر الإنسان أن يقول: أنا وسط، لا.
الحياة وموقف العبد فيها ليس فيها مسألة وسط ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧].
الإنسان إما أن يتقدم في طاعة أو يتأخر في معصية، وإن جلوس الإنسان مجالس الضحك ومجالس اللهو ومجالس الغفلة والإدمان عليها وعدم وجود الذكر فيها، لا يليق بالمسلم، نحن لا نقول: الإنسان يحرم عليه الضحك، أو يحرم عليه الابتسامة، أو يحرم عليه الطرفة، أو يحرم عليه المزاح بحدوده المشروعة، لا نقول هذا، فقد كان ﷺ يمزح ويمازح ولا يقول إلا حقاً، وكان الصحابة يتمازحون، لكن مشكلتنا من أقوام يقولون: نحن لم نجلس على خمر ولم نجلس على أفلام خليعة، لكنهم يتكلمون في كلام ليس فيه فائدة، مجلسهم من أوله إلى آخره ليس فيه ذكر لله، ولا صلاة وسلام على رسول الله، وبعد ذلك يقول أحدهم: نحن وسط، لا.
يا أخي الحبيب! قد ضيعت والله وقتك، وأنت في أمس الحاجة إلى لحظة تقول فيها: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
стр. 1754
الحذر من وساوس الشيطان في ترك التوبة
السؤال
شاب يقول: أنا أقترف المعاصي والكبائر وكلما حاولت الرجوع والتوبة أجد نفسي لا أستطيع، ثم أنتكس وأرجع إلى الذنوب، فماذا أفعل؟
الجواب
نقول: عد إلى التوبة، يعني: أذنبت اليوم فتب، أذنبت سراً تب إلى الله سراً، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ولا يأتيك الشيطان يقول: قد ارتكبت الذنب المرة الأولى ثم تبت، ثم أذنبت ثانية ثم تبت، ثم أذنبت ثالثاً ثم تبت، إذاً أنت كذوب في توبتك، أنت منافق في توبتك، لا.
لو أذنبت العاشرة فأت بالتوبة الحادية عشرة، عليك أن تتسلح بالتوبة الصادقة النصوح، وبكثرة الحسنات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فإن ذلك يقطع التوبة، وأنا أقول: ومن جرب هذا عرفه وأدركه، وعلى الإنسان ألا يأتيه الشيطان فيقنطه من رحمة الله، شاب من الشباب أذنب ذنباً -وقع في معصية من المعاصي- فندم وأصابه ما أصابه من الهم والقلق والحزن على أنه عصى الله ، ما الحل؟ الحل أن يتوب إلى الله وأن يعمل عملاً صالحاً يكفر به هذه المعصية، أي: على سبيل المثال: شاب جلس مجلس لهو وأخذ ينظر فيه إلى حرام، فلما خرج من هذا المجلس ندم وقال: هذا لا ينبغي، لماذا عصيت الله؟ والبصر الذي خلقه الله نظرت به إلى الحرام، فعاد إلى البيت وصلى إحدى عشرة ركعة، وأطال السجود وأطال القنوت والقيام، ثم جاء في ليلة ثانية وفعل مثل المعصية الأولى، فعاد وفعل مثل ما فعل مثل الصلاة الأولى، ولو أنه جد في التوبة النصوح وألحقها بالحسنات التي تمحو السيئات ربما لا يفعل الذنب للمرة الثالثة ولا المرة الرابعة، لكن المشكلة أن التوبة توبة ليست نصوحاً، ومع هذا كله لا نقول لمن أذنب الخامسة أو العاشرة ما عاد هناك أمل أو الحالة ميئوس منها، بل أنت قادر على أن تتوب وإياك أن يفتح لك الشيطان باب اليأس والقنوط، فيقول: اعمل ما بدا لك من الذنوب، إذ إنك لن تتوب بأي حال من الأحوال.
стр. 1755
واجبنا تجاه الشباب غير الملتزمين
السؤال
ما واجبنا تجاه الشباب غير الملتزمين؟
الجواب
واجبنا -أيها الأحبة- أن نرفق بهم، وأن نتلطف في دعوتهم بكل وسيلة، بالشريط بالكتاب بالرسالة بالموعظة، بالنصيحة، وهنيئاً للشباب، فلقد رأيت في بعض القرى ورأيت في بعض المدن، ورأيت في أطراف البلاد، شباباً إذا ذكروا لم تعرف أسماؤهم، ليسوا من أهل المحاضرات، ولا من أهل الندوات، ولا من الخطباء، ولا من الذين تنزل لهم المقالات في الجرائد، ولا يعرفون، حفاة أتقياء أخفياء، ولكن إذا بحثت وجدت أن هؤلاء الشباب فيهم من هو متفرغ للدعوة، وتجد الإنسان منهم إذا دخل العام الهجري قال بسم الله، بدأنا السنة، بدأنا موسم التجارة، لا يمكن أن ينتهي عام إلا وقد هدى الله على يديه اثنين أو ثلاثة، فيمسك الطريق ويسير على الجادة والمحجة الصحيحة، ويدخل العام الثاني فيركز على ثلاثة أو أربعة ويسير معهم، فيزورهم ويهديهم ويعتمر بهم، ويحج، ويذهب إلى العلماء بهم، وإلى المكتبات والمحاضرات ويؤثر عليهم.
أقول: إني والله وكثير من المحاضرين يغبطون هذا الشاب وأمثاله، وإن كان لا يعرف، وإن لم يكن فصيحاً، وإن لم يكن من الذين إذا تكلموا سمع لهم، أو من الذين إذا حضروا أشير إليهم، إن مثل هؤلاء الدعاة، في قرية أو في مدينة أو في بادية والله نغبطهم، أولاً: لأنهم غير معروفين، فهم أقرب إلى الإخلاص.
ثانياً: أنهم على الجادة، يأتي في بداية العام وينظر إلى زملائه في المدرسة من الشباب الذين يرجى فيهم خير أو لا بأس فيهم، فتجده يركز عليهم، ويتعرف عليهم ويستضيفهم، ويعزم ثلاثة أو أربعة من الطيبين، يحترمونه ويكرمونه، ويهدونه، ويخرجون معه، ويذهبون وإياه، ويعتمرون معه، فما يلبث نهاية العام إلا وقد هدى الله على يديه الثلاثة، وربما تمر السنين ويأتي يوم القيامة وفي ميزان أعماله حج عشرين شاباً، وعمرة عشرين شاباً، وصلاة عشرين شاباً، واستغفار عشرين شاباً، وجهاد عشرين شاباً -داعية إلى الله ليس من شرط الدعوة أن تملك فصاحة سحبان، وليس من شرط الدعوة أن تكون عندك الأموال، وليس من شرط الدعوة أن تكون لديك شهادة، شرط الدعوة أن تخلص لله، وأن تصدق الاستقامة وأن تدعو ولو شخصاً أو شخصين.
يا أخي! إن بعض الأنبياء كما قال ﷺ : (ورأيت النبي ومعه الرجل) أي: نبي يدعو ولا يستجيب له إلا شخص واحد (ورأيت النبي ومعه الرجلين، ورأيت النبي وليس معه أحد).
следующие страницы →