← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الأسئلة

стр. 1752

وسائل الثبات على دين الله السؤال ما الوسيلة التي تعين على الثبات على طاعة الله ؟ الجواب إن من خير ما يعين على الثبات، أن يحرص الإنسان على المتابعة والاقتداء بالنبي ﷺ ، وأن يتحرى سمت النبي وهديه وأن يطبقه. الأمر الآخر: مجالسة الأخيار والحذر من مجالس الغفلة، والحذر من المجالس التي يكثر فيها الضحك، ويكثر فيها اللهو، ويكثر فيها القيل والقال والحديث عن الناس، فإن ذكر البشر داء، وذكر الله دواء، فمن أراد الثبات فعليه بصحبة الأخيار والعناية بالاقتداء بسنة المصطفى ﷺ ، وعليه أن يشغل نفسه بما يحاسب عنه يوم القيامة. العجب أيها الإخوان! أن الشخص منا يتكلم في كل ما لا يعنيه، فإذا كُلم فيما يعنيه مل من الكلام، يطول الكلام ساعات فيما لا يعنينا، أما إذا تكلمنا في موتنا وحشرنا ولحدنا وقبرنا وموازين أعمالنا قلنا: ساعة وساعة، ولا حاجة لتكرار المواعظ، ولا حاجة للإكثار من ذلك، إذا حدث الإنسان بما يشغله أو يعنيه مل وازور، وإذا حدث بأخبار الناس والغادين والرائحين لا ينقطع لحديثهم طرف.

стр. 1753

الحذر من مجالس اللغو السؤال هناك بعض الشباب فيهم خير لكن يكون جلوسهم مع أشخاص ليس فيهم شر وليس فيهم نفع، فما هو السبب لعدم استمرارهم في الخير، فما توجيهكم؟ الجواب يا إخواني! كما قلت: العمر محسوب عليك، والنفس الذي يخرج لا يعود، والذي يدخل كذلك لا يتكرر إلا نفس جديد، بمعنى: أن الأنفاس محسوبة ومعدودة والفرصة محدودة، فالذي يدعى إلى الجنة ويحذر من النار، والذي يدعى إلى المليارات يذهب يشتغل بالفلس والفلسين؟!! الذي يدعى إلى جنة عرضها السماوات والأرض، يقول: لا، لا حاجة في روضة الجنة وأنا يعجبني الجلوس في الرصيف، والذي يدعى إلى ذكر الله والنظر في كلام الله، يقول: لا حاجة لي به، ويطيل نظره وبصره وفكره فيما حرم الله جل وعلا من صور ولهو ونحو ذلك. فإنه لا يعذر الإنسان أن يقول: أنا وسط، لا. الحياة وموقف العبد فيها ليس فيها مسألة وسط ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧]. الإنسان إما أن يتقدم في طاعة أو يتأخر في معصية، وإن جلوس الإنسان مجالس الضحك ومجالس اللهو ومجالس الغفلة والإدمان عليها وعدم وجود الذكر فيها، لا يليق بالمسلم، نحن لا نقول: الإنسان يحرم عليه الضحك، أو يحرم عليه الابتسامة، أو يحرم عليه الطرفة، أو يحرم عليه المزاح بحدوده المشروعة، لا نقول هذا، فقد كان ﷺ يمزح ويمازح ولا يقول إلا حقاً، وكان الصحابة يتمازحون، لكن مشكلتنا من أقوام يقولون: نحن لم نجلس على خمر ولم نجلس على أفلام خليعة، لكنهم يتكلمون في كلام ليس فيه فائدة، مجلسهم من أوله إلى آخره ليس فيه ذكر لله، ولا صلاة وسلام على رسول الله، وبعد ذلك يقول أحدهم: نحن وسط، لا. يا أخي الحبيب! قد ضيعت والله وقتك، وأنت في أمس الحاجة إلى لحظة تقول فيها: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.

стр. 1754

الحذر من وساوس الشيطان في ترك التوبة السؤال شاب يقول: أنا أقترف المعاصي والكبائر وكلما حاولت الرجوع والتوبة أجد نفسي لا أستطيع، ثم أنتكس وأرجع إلى الذنوب، فماذا أفعل؟ الجواب نقول: عد إلى التوبة، يعني: أذنبت اليوم فتب، أذنبت سراً تب إلى الله سراً، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ولا يأتيك الشيطان يقول: قد ارتكبت الذنب المرة الأولى ثم تبت، ثم أذنبت ثانية ثم تبت، ثم أذنبت ثالثاً ثم تبت، إذاً أنت كذوب في توبتك، أنت منافق في توبتك، لا. لو أذنبت العاشرة فأت بالتوبة الحادية عشرة، عليك أن تتسلح بالتوبة الصادقة النصوح، وبكثرة الحسنات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فإن ذلك يقطع التوبة، وأنا أقول: ومن جرب هذا عرفه وأدركه، وعلى الإنسان ألا يأتيه الشيطان فيقنطه من رحمة الله، شاب من الشباب أذنب ذنباً -وقع في معصية من المعاصي- فندم وأصابه ما أصابه من الهم والقلق والحزن على أنه عصى الله ، ما الحل؟ الحل أن يتوب إلى الله وأن يعمل عملاً صالحاً يكفر به هذه المعصية، أي: على سبيل المثال: شاب جلس مجلس لهو وأخذ ينظر فيه إلى حرام، فلما خرج من هذا المجلس ندم وقال: هذا لا ينبغي، لماذا عصيت الله؟ والبصر الذي خلقه الله نظرت به إلى الحرام، فعاد إلى البيت وصلى إحدى عشرة ركعة، وأطال السجود وأطال القنوت والقيام، ثم جاء في ليلة ثانية وفعل مثل المعصية الأولى، فعاد وفعل مثل ما فعل مثل الصلاة الأولى، ولو أنه جد في التوبة النصوح وألحقها بالحسنات التي تمحو السيئات ربما لا يفعل الذنب للمرة الثالثة ولا المرة الرابعة، لكن المشكلة أن التوبة توبة ليست نصوحاً، ومع هذا كله لا نقول لمن أذنب الخامسة أو العاشرة ما عاد هناك أمل أو الحالة ميئوس منها، بل أنت قادر على أن تتوب وإياك أن يفتح لك الشيطان باب اليأس والقنوط، فيقول: اعمل ما بدا لك من الذنوب، إذ إنك لن تتوب بأي حال من الأحوال.

стр. 1755

واجبنا تجاه الشباب غير الملتزمين السؤال ما واجبنا تجاه الشباب غير الملتزمين؟ الجواب واجبنا -أيها الأحبة- أن نرفق بهم، وأن نتلطف في دعوتهم بكل وسيلة، بالشريط بالكتاب بالرسالة بالموعظة، بالنصيحة، وهنيئاً للشباب، فلقد رأيت في بعض القرى ورأيت في بعض المدن، ورأيت في أطراف البلاد، شباباً إذا ذكروا لم تعرف أسماؤهم، ليسوا من أهل المحاضرات، ولا من أهل الندوات، ولا من الخطباء، ولا من الذين تنزل لهم المقالات في الجرائد، ولا يعرفون، حفاة أتقياء أخفياء، ولكن إذا بحثت وجدت أن هؤلاء الشباب فيهم من هو متفرغ للدعوة، وتجد الإنسان منهم إذا دخل العام الهجري قال بسم الله، بدأنا السنة، بدأنا موسم التجارة، لا يمكن أن ينتهي عام إلا وقد هدى الله على يديه اثنين أو ثلاثة، فيمسك الطريق ويسير على الجادة والمحجة الصحيحة، ويدخل العام الثاني فيركز على ثلاثة أو أربعة ويسير معهم، فيزورهم ويهديهم ويعتمر بهم، ويحج، ويذهب إلى العلماء بهم، وإلى المكتبات والمحاضرات ويؤثر عليهم. أقول: إني والله وكثير من المحاضرين يغبطون هذا الشاب وأمثاله، وإن كان لا يعرف، وإن لم يكن فصيحاً، وإن لم يكن من الذين إذا تكلموا سمع لهم، أو من الذين إذا حضروا أشير إليهم، إن مثل هؤلاء الدعاة، في قرية أو في مدينة أو في بادية والله نغبطهم، أولاً: لأنهم غير معروفين، فهم أقرب إلى الإخلاص. ثانياً: أنهم على الجادة، يأتي في بداية العام وينظر إلى زملائه في المدرسة من الشباب الذين يرجى فيهم خير أو لا بأس فيهم، فتجده يركز عليهم، ويتعرف عليهم ويستضيفهم، ويعزم ثلاثة أو أربعة من الطيبين، يحترمونه ويكرمونه، ويهدونه، ويخرجون معه، ويذهبون وإياه، ويعتمرون معه، فما يلبث نهاية العام إلا وقد هدى الله على يديه الثلاثة، وربما تمر السنين ويأتي يوم القيامة وفي ميزان أعماله حج عشرين شاباً، وعمرة عشرين شاباً، وصلاة عشرين شاباً، واستغفار عشرين شاباً، وجهاد عشرين شاباً -داعية إلى الله ليس من شرط الدعوة أن تملك فصاحة سحبان، وليس من شرط الدعوة أن تكون عندك الأموال، وليس من شرط الدعوة أن تكون لديك شهادة، شرط الدعوة أن تخلص لله، وأن تصدق الاستقامة وأن تدعو ولو شخصاً أو شخصين. يا أخي! إن بعض الأنبياء كما قال ﷺ : (ورأيت النبي ومعه الرجل) أي: نبي يدعو ولا يستجيب له إلا شخص واحد (ورأيت النبي ومعه الرجلين، ورأيت النبي وليس معه أحد).

стр. 1756

ترتيب الوقت السؤال نصيحة للشباب كيف يرتبون أوقاتهم؟ الجواب أتوقع أن ترتيب الوقت بحسب حال الإنسان وارتباطاته وأعماله، لكن الواجب ألا يخلو وقت الإنسان من تلاوة كلام الله ، ومن العناية والدراية بالسنة، وأي قراءة نافعة، وأيضاً أوصي أن يكون في وقتك حظ لوالديك وأهلك، فإن هذا من أعظم ما يتقرب به إلى الله .

стр. 1757

نصيحة لمن يريدون السفر إلى أمريكا من أجل المباراة السؤال ما رأيك بشباب عازمين على الذهاب إلى أمريكا من أجل مشاهدة المباراة التي سوف تقام هناك بعد فترة، أرجو أن تسدي النصيحة لهؤلاء؟ الجواب والله إني كنت أتوقع أنهم سيشاركون في ضربة الصرب، أما أن يسافروا إلى أمريكا ويقطعوا ثماني عشرة ساعة في الطائرة من أجل رؤية كرتون أو علبة بلاستيكية تتقاذفها الأرجل، فهل هذا في طاعة الله؟! هل هذا في جهاد؟! هل هذا في عبادة؟! هل هذا في دين؟! كم بينه وبين مكة؟ ساعة واحدة بالطائرة، وبعضهم والعياذ بالله ربما بلغ به العمر وما حج وما عرف الحج، وما اعتمر وما عرف العمرة، وما شد الرحيل إلى مسجد رسول الله ﷺ أو إلى البيت الحرام ليصلي فيه صلاة بمائة ألف صلاة أو بألف صلاة، وما تمنى أن يصلي في بيت المقدس ولو صلاة واحدة، ولكن إذا دعي إلى رؤية هذه المباريات، يعزم على السفر، أظن أن الذين يعزمون هم نوادر جداً جداً حتى لا نصاب بالإحباط ولا نتفاءل بالشر في شبابنا. الأمر الثاني: أن هؤلاء الذين سيذهبون لو أنهم فكروا لرجعوا وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما يحسب علينا لا لنا. حقيقة أيها الأحبة: يطول المقام بتلاوة بقية الأسئلة، لكني أسأل الله أن يتقبل مني ومنكم وأن يثبتنا وإياكم على طاعته. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1758

بادروا بالأعمال أمرنا الله بالمسارعة والمسابقة إلى مغفرته وجنته، وأخبرنا أن ذلك من صفات الأنبياء ﵈، وذلك -بدون شك- يحتاج إلى مجهود عظيم من المسلم. وفي هذه المادة بيان لأهمية المبادرة بالأعمال، قبل وقوع الفتن، أو حلول الأجل. وقد ذكر الشيخ -أيضاً- في هذه المادة بعض وسائل رفعة الدرجات في الآخرة، وبعض فضائل الأعمال، واستدعى كل ذلك ذكر شيء من أحكام التوبة، وموانعها، وبيان يسرها وأهميتها.

стр. 1759

مدلولات المسارعة والمسابقة يقول الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ويقول سبحانه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] لاحظوا الآية الأولى سارعوا، والآية الثانية سابقوا. ويقول ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس) فلفظ المسارعة، ولفظ المسابقة ولفظ المبادرة ولفظ الغنيمة كلها تحوم حول أمرٍ يفوت، وهذا الأمر إن لم يتدارك بالمسابقة والمبادرة والمسارعة وإلا فإن صاحبه يعض أنامل الندم على ما فرط فيما مضى، أو ضيع من هذه الفرص المتاحة بين يديه. ومن زرع البذور وما سقاها تأوه نادماً وقت الحصاد يقول ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبلك هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وخذ من نفسك لنفسك، ومن دنياك لآخرتك).

стр. 1760

مدلولات المسارعة في حياة الأنبياء الغنيمة أيها الأحبة لا تقال إلا لأمرٍ لا ينال بالهين من الحال، والغنيمة لا تكون إلا في شيء يفوت، والغنيمة لا تكون إلا في أمرٍ إذا فات لا يعوض، فدل هذا على أننا قد وجدنا في هذه الدنيا من أجل أن نتنافس هذه الغنيمة، من أجل أن نتبادر هذه الكرامة، من أجل أن نتسابق وأن نسارع كما هو الحال في شأن خيرة خلق الله وهم أنبياء الله ورسله، حيث قال الله في شأنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] الأنبياء أولو المعجزات الذين اختارهم الله واصطفاهم من بين الخلائق وأيدهم بالمعجزات، وأكرمهم بالوحي؛ فمنهم الكريم، ومنهم الذي آتاه الله ما لم يؤت أحداً من العالمين، ومنهم الذي سخرت له الجن والإنس ومع ذلك هؤلاء الأنبياء يصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: طمعاً وحباً ورجاءً لما عند الله من الخير (ورهباً) أي: خوفاً وإشفاقاً من النار.

стр. 1761

أهمية الرغبة والرهبة في الدعاء أقول أيها الأحبة: إن الله قال في شأن هؤلاء الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] فجمعوا بين المسارعة والرغبة في الجنة والخوف من النار والخضوع والذلة والإخبات والانكسار إلى الله ، ولو خرجنا عن موضوعنا قليلاً لاستفدنا من هذه الآية فائدة عظيمة وهي ردٌ على طائفة من طوائف الضلالة وهم غلاة الصوفية الذي يسمون بأصحاب مدرسة الحب الإلهي الذين يقولون: إننا عبدنا الله حباً في ذات الله لا خوفاً من عذابه ولا طمعاً في ثوابه وإنما حباً في ذاته، فنقول لهؤلاء: كذبتم وخبتم وخسئتم وخسرتم، لن تكونوا أمثل وأكمل وأفضل وأجل نهجاً وسمتاً وهدياً من خيرة خلق الله الذين اصطفاهم من سائر خلقه وهم الأنبياء والرسل ومع ذلك يقول الله عنهم: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] يطمعون في الجنة ﴿وَرَهَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: خوفاً من النار ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]. بل إن النبي ﷺ قد صرح بذلك لما جاءه أعرابيٌ فقال: (يا محمد! إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، فقال ﷺ : يا أعرابي أنا ومعاذ حولها ندندن) ما أنا وما معاذٌ وما الصحابة إلا وهم في دعائهم في صلاتهم وعبادتهم إلا يسألون الله الجنة، ويستعيذون بالله من النار، لكن الجنة تحتاج إلى مسابقة، وتحتاج إلى مبادرة ولذا قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [الحديد:٢١] فالذي يريد الجنة بنومٍ عن صلاة الفجر، ويريد الجنة بنومٍ عن شهود الصلاة مع الجماعة، وبإعطاء النفوس شهواتها، ويريد الجنة بالبخل عن الإنفاق في سبيل الله، وبالقعود عما أمر الله به، ويريد الجنة وقد أسلم لنفسه زمامها في شهواتها وغفلاتها ومعاصيها وإصرارها على المعصية ثم بعد ذلك يقول: أنا أريد جنة عرضها السماوات والأرض، الجنة تريد مسابقة. تسألني أم الوليد جملا يمشي رويداً ويجيء أولا تريد جنة عرضها السماوات والأرض وأنت إذا قيل: حي على الفلاح، انقلبت على الجنب الآخر لا تريد أن تسمع بقية الأذان؟! تريد جنة عرضها السماوات والأرض وأنت إذا دعيت لتنفق في سبيل الله من مالك أصبح الإنفاق على شهوتك ولذتك وشهوات أولادك أحب إليك من الإنفاق في سبيل الله؟! تريد جنة عرضها السماوات والأرض وأنت قد أعطيت النفوس زمامها وأسلمت لها العنان وأطلقت لها الأمر فما اشتهت من شيء إلا وطئته حلالاً كان أو حراما؟! ثم إذا قيل هذا لا يرضي الله وهذا يسخط الله، وهذا لا يجوز وهذا لا ينبغي؛ أتيت بحججٍ وأقاويل وتأويل، وربما وكيف وأين ولعل ويمكن وقيل وسمعنا وروي، تتعلل في الهروب معللاً لنفسك فعل الحرام، وتتلون في الفرار مبادراً أو مسارعاً بالفرار عن المسابقة إلى مرضاة الله، ثم تقول: إني أريد جنة عرضها السماوات والأرض.

стр. 1762

حتمية عذاب العصاة بقدر ذنوبهم نحن لن نكون خوارج فنقول: إن أهل الكبائر وأهل المعاصي لا يدخلون الجنة، حاشا وكلا، فمعتقد أهل السنة والجماعة أن أهل الكبائر من أمة محمد عصاةٌ أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، ولكنهم ليسوا بمخلدين في النار، ولكن من لم يغفر الله له فإنه لابد أن يمسه من عذاب الله ما يمسه حتى يطهر من ذنوبه وغفلاته وسيئاته، وربما شدد له العذاب في قبره، أو شدد له في سكرات موته، أو شدد له في مصائب دنياه، أو شدد له في عرصات القيامة، أو مكث في النار ما شاء الله له أن يمكث حتى يطهر من ذنوبه ويرد على الله ، لكن لا نتوقع أن أمر الجنة ومنازل الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين تنال بالأمر الهين. أسألكم بالله هل يستطيع أحد أن ينال الشهادة الجامعية ليسانس أو بكالوريوس بنومٍ في النهار وسهرٍ أمام القنوات والأفلام في الليل، فإذا جاءت الامتحانات كتب فيها ما يكتبه الغافلون والساهون، هل يستطيع أن ينال هذه الشهادة؟ لا، على أهل الشهادات مواظبة دوام حضور مراجعة بحوث دراسة حتى استطاع أن ينال شهادته، وربما تغرب زمناً طويلاً حتى نال شهادته، وربما اضطر أن ينشغل عن حاجات زوجه وأهله حتى ينال شهادته، وهي شهادة قرطاسية يسيرة من أمر الدنيا ما نالها إلا بالمشقة. واسألوا ضابطاً من الضباط كيف علق نجمة أو تاجاً أو مقصاً أو وساماً أو نياشين، هل نالها بالنوم والعبث واللهو والعصيان والعناد للأوامر؟ ما نالها حتى جاع أياماً، وزحف على بطنه، واختبرت لياقته، واختبرت شدته وتحمله وصبره، وثبت على ذلك زمناً ودورة بعد دورة ومسابقة بعد مسابقة، حتى علق نجمة أو اثنتين أو تاجاً أو مقصين. واسألوا التاجر كيف جمع هذه الأموال؛ أبالغفلة واللهو والإسراف والتبذير والعبث؟ بل بصرِّ الدينار على الدينار والدرهم على الدرهم والمتابعة، تعبٌ في جمع المال وتعب في متابعة الاستثمار حتى استطاع أن يجمع هذا المال كله. إذا كان هذا في شأن ما نراه من أمور الدنيا ما نالها أربابها ما حصلها أصحابها إلا بتعب أتظنون أن جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أتظنونها تنال بالأماني؟ أتظنونها تنال بلعل وليس ولو أني؟ ولست بمرجعٍ ما فات مني بليت ولا لعل ولا لو اني

стр. 1763

دواعي المسارعة والمسابقة إذاً أيها الأحبة الله أمرنا بالمسارعة، وأمرنا بالمسابقة، وأمرنا النبي ﷺ بالمبادرة؛ لأن الأمر جد خطير وجد عظيم، ولابد أن يتبادر وإلا فات، وما الذي يفوت؟ الجنة باقية لها أهلها ورجالها، المتنافسون المتسابقون في ميادين الليل بالقيام، وفي ميادين النهار بالصيام، وفي المحاريب بالصلاة، وفي الأعمال بالدعوة إلى الله ، وفي السعي على الأرامل والمساكين، وفي الصبر على هذه الدنيا ونكدها وكبدها، وفي السير بصدقٍ وإخلاص وجدية في هذه الحياة، وفي التربية الحسنة لأبنائهم، وفي الثبات على دين الله، وفي الاستقامة على شرع الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] تكون الجنة لمن ﵀ ووفقه الله إلى هذه الأعمال، واعلموا أن لكل شيءٍ أسبابه، ولكل شيءٍ مقدماته التي تفضي إليه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧] لما أعطى واتقى وصدق بالحسنى أكرمه الله ويسره لليسرى. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠]. إذاً لكل شيءٍ مقدماته: وكل امرئ والله بالناس عالم له عادةٌ قامت عليها شمائله تعودها فيما مضى من شبابه كذلك يدعو كل أمرٍ أوائله من جد واجتهد، وحصل وكابد وجد نتيجة طيبة، ومن كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة.

стр. 1764

أهمية المبادرة بالأعمال قبل حلول الفتن يقول تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ [المائدة:٤٨] ويقول ﷺ في بيان شأن آخر بالأمر بالمبادرة: (بادروا بالأعمال فتناً) أي: اعملوا اجتهدوا. أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرة فلا يدوم على الإحسان إمكان أنت اليوم مبصر، وغداً لا تدري أكفيف أم بصير، وأنت اليوم تمشي، وغداً لا تدري أراجلٌ أو معوق، وأنت اليوم قادر، وغداً لا تدري أقادرٌ أم ضعيف، أنت اليوم قوي، وغداً لا تدري أقويٌ أم عاجز، وأنت اليوم عزيز، وغداً لا تدري أعزيزٌ أم ذليل، وأنت اليوم قد متعك الله بكل ما آتاك، وأنت لا تدري غداً هل تعيش وأنت محرومٌ مما أوتيت من قبل، أو لا تدري لعل غداً يأتي وأنت في جوف الأرض ولست على ظاهرها. ولذلك يقول ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا) رواه الإمام مسلم. ففي هذا الحديث يأمرنا النبي ﷺ أن نبادر بالأعمال، فالواحد لا يدري لعل فتناً تحل بواقعه، وفتن الزمان عجيبة والليالي من الزمان حبالى مثقلاتٍ يلدن كل عجيب لا تدري أتصبح في فتنة قد لا تمسي فيها مؤمناً، أم تمسي في فتنة قد لا تصبح فيها مؤمناً، يفتن الناس فتناً عظيمة، ولا يقولن أحدٌ: أنا ذلك الحصن المنيع الذي لا يتسور، وأنا تلك الصخرة الصماء التي لا تخترق، وأنا ذلك الجدار الذي لا ينكسر، بل قل: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك. إن فتناً حقيرة من أمور الدنيا، تعجب يوم أن ترى الناس يتعصبون لها ويتحزبون ويتدابرون فيها، ويتقاطعون بسببها، وهي أمورٌ تافهة ليس فيها من العجائب أو الغرائب أو المعجزات، ومع ذلك فتن الناس بها أو كثيرٌ منهم أيما فتنة، فما بالك إذا جاءت فتنٌ كقطع الليل المظلم يرقق بعضها بعضا، يصبح الواحد فيها مؤمناً فيمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً فيصبح كافراً. ما دام الواحد منكم -يا عباد الله- في فسحة من العيش، في مهلة من الأجل، في قوة من العافية وسعة من الرزق في قدرة من الحال ما الذي يردك أو يصدك عن المبادرة؟ أقوامٌ بصر الواحد منهم حديد (ستة على ستة) فيقال له: اتل كتاب الله، تدبر كتاب الله، يقول: فيما بعد، أو إذا كبرنا، إذا إذا إن شاء الله، ثم إذا ضعف البصر واحتاج إلى عدسة غليظة، ثم ما عادت العدسة تنفعه، قال: يا ليتني أبصر لأقرأ في كتاب الله ، وأين القراءة في كتاب الله يوم كان نظرك (ستة على ستة)؟ وآخر كان يسابق الذئاب والثعالب والتراحيل من شدة عدوه وسرعته، وينام عن الصلاة في المساجد، ثم إذا تقدم به السن قليلاً أو أصابه من مقادير الله ما أصابه فأصبح عاجزاً عن المشي على قدميه قال: يا ليت لي قدمان تحملني إلى المسجد لكنت أصلي كل فرضٍ في بيت الله، وأين أنت أيام كانت الأقدام قوية؟ وآخر كانت الدنيا في يده يعبث بها يمنة ويسرة في إسراف وشهوات، وفي أمورٍ كثيرة، ثم تقلبت به الأيام وتغيرت الأمور: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] فقال بعد أن افتقر بعد ذلك الغنى: يا ليتني كنت غنياً فأكفل الدعاة، وأكفل الأيتام، وأسعى على الأرامل والمساكين وأعطي المحتاجين وأين أنت يوم أن كاد الرصيد يئط كما يئط الرحل من حملٍ فوقه، أين أنت عن الإنفاق في سبيل الله ؟ أين أنت أيام قدرتك المالية؟ لما ضاع المال وذهب واضمحل وزال وولى وانتهى تأتي وتقول في حال الفقر: يا ليت ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة:٧٥] إلى قوله : ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِه﴾ [التوبة:٧٦].

стр. 1765

علامات انتهاء فرصة المبادرة أيها الأحبة! لا يزال السياق في الأمر بالمبادرة، فالنبي ﷺ يقول: (بادروا بالأعمال ستاً) بادروا أي: سارعوا وسابقوا واجتهدوا في الأعمال قبل أن تحل بكم واحدةٌ من هذه الست، أو بعضها. (بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها) وإذا طلعت الشمس من مغربها فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، حينئذ يُغلق باب التوبة ويحال بين المرء وما يشتهي: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٤] ثم يقول ﷺ : (أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة) أي: سابقوا بالأعمال الصالحة ستاً، والمراد أن واحداً من هذه الست لو نزلت بأحدكم لأشغلته عن مبادرةٍ وعن استمرارٍ وسعيٍ للعمل.

стр. 1766

استغلال النعم المعاصرة لزيادة الطاعات أيها الأحبة! لو أن الواحد منا تفكر في حال آبائه وأجداده، معاناةٌ منذ الصباح إلى المساء، قطرة الماء معاناةٌ لا يجدها بسهولة ولا بيسر، وإن كان بعض الناس لا يزالون يجدون شيئاً من المعاناة في حصولهم على الماء، ولكن شتان شتان بين حال الأوائل وحال المتأخرين، وطهي طعام يحتاج إلى معاناة، من جمع الحطب والبحث عما يشعل هذه النار، والانتظار على هذا الطعام ثم بعد ذلك ما يتبعه من تبعاتٍ وأمورٍ أخرى. وأما الثياب فمعاناة، وأما المبيت فمعاناة، في الشتاء معاناة وفي الصيف معاناة، وفي كل حالٍ من أحوال الفرد معاناة. أما الآن فكما يقول الشيخ الجزائري: نحن في زمنٍ طرنا في الهواء، وسرنا على الماء، وأكلنا فاكهة الصيف في الشتاء، وما كان ذاك لرسول الله ﷺ ؛ فهل هذا دليلٌ على أن زماننا خيرٌ من زمن الأوائل؟ لا وألف لا -أيها الأحبة- ولكن الأمر أننا ابتلينا بما آتانا الله . إن كل ما سخره الله لنا من مبانٍ أو إضاءة أو خدماتٍ، أو غنى أو أمن أو طمأنينة؛ يبتلينا الله فيه لينظر ما نحن صانعون؟ أنت في أمن والآمن يستطيع أن يفعل خيراً، وأن يعبد الله ، أما الذي هو في خوف فلا يعرف كيف يعبد ربه. أنت في غنى والغني يستطيع أن يجد فسحة من الوقت ليعبد الله سبحانه، أما الفقير الذي منذ أن يصبح لا يفكر إلا في لقمة يسد بها رمقه، ويقيم بها صلبه وأوجه، فلا يستطيع؛ يفكر في هذه اللقمة ولا يفكر في غيرها، أما الغني فلا يفكر في هذا إطلاقاً وعنده فسحة من الوقت وفسحة من الزمن يستطيع أن يتعبد الله بذلك.

стр. 1767

المبادرة قبل حلول الأجل إذاً أيها الأحبة! لا يدري الواحد ما الذي يحول بينه وبين العمل، وإنما ضيع كثيرٌ من الناس أنه أكثر من التسويف وأكثر من التعليل، تقول له: تب إلى الله، استقم على طاعة الله، أقلع عن الذنوب والمعاصي وهو قويٌ غني صحيحٌ شحيح يرجو الغنى ويخشى الفقر، ما هو جوابه إذا دعي إلى الله ورسوله؟ يقول: إن شاء الله غداً! بعد أسبوع! بعد الحج! رمضان قريب! بعد نهاية رمضان! إذا فرغت الصوامع! إذا قضيت الدين! إذا فعلت كذا، إذا فعلت كذا!! ويعلق توبته على أمورٍ هو لا يعلم هل يبلغها أم لا. لو أنك تقدمت في معاملةٍ تريد حقاً من حقوقك أو مصلحة من مصالحك، فقال لك المسئول: ننجزك ما تحتاج أو نخدمك بما تريد إذا حصل كذا، وعلقك على أمرٍ لا تدري متى يحل، فأنت لا تقبل بهذا الأجل، تقول: حدد لي أجلاً معيناً، فإني لا أريد أن أضيع وأن أسوف، ما أدري هل هذا الأمر يقع أو لا يقع، وما أدري هل أنا أبلغ هذا الأجل أم لا أبلغه، فكذلك قل لنفسك إذا دعيت إلى التوبة والمبادرة والإنابة إلى الله ، قل لها: هل تستطيعين أن تبلغي ذلك الأجل؟ هل تستطيعين أن تبلغي تلك الغاية التي جعلتيها أو علقت بها هذه التوبة وهذه الإنابة: مضى أمسك الماضي شهيداً معجلا وأعقبه يومٌ عليك جديد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثن بإحسان وأنت حميد فيومك إن أعتبته عاد نفعه عليك وماضي الأمس ليس يعود ولا ترجِ فعل الخير يوماً إلى غدٍ لعل غداً يأتي وأنت فقيد يقول لي أحد الذين أعرفهم: كنت ممسكاً بيد والدي وقد خرجنا -في مدينة الرياض - من المسجد في شهر شعبان قبل سنتين أو ثلاث، يقول: ونحن في نهاية الشهر على قرب حلول رمضان يقول: فكان أبي وهو ممسكٌ بيدي يقول: يا ولدي! كم من نفسٍ لا تصوم هذا الشهر، وكم من نفسٍ لا تكمل صيام هذا الشهر، يقول: فكان أبي هو ذاك الذي ما صام من الشهر إلا أياماً فمات، ﵀ رحمةً واسعة. وهذا جليٌّ وواضح وليس بالغريب، وليست بقصة معجزة، بل ما أكثر الذين يتحدثون عن المنايا والآجال وهي تنتظرهم، لعل المتحدث أول من يموت، ولعل السامع أول من يموت، ولعل الصغير أول من يموت، ولعل الكبير أول من يموت، وتقول العوام: كم ناجحٍ شربت في جلد حوارها، يعني: ناقة عسراء أنتجت ثم إن نتاجها الحوار الذي خرج مات ثم بعد ذلك جعلوا من جلده سقاءاً فشربت الأم في جلد نتاجها ووليدها: تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر وكم من صغارٍ يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر وكم من عروسٍ زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري

стр. 1768

تذكر الموت غايته الاستعداد والمبادرة أيها الأحبة! مصيبتنا أننا إذا تكلمنا عن الآجال لا يتخيل أحدنا أنه ربما هو الذي يوافقه، أو أن السامع لا يتخيل أن الأجل ينتظره، ولأجل ذلك علينا أن نكون مستعدين للقاء الله ، حينما نتكلم عن الموت ينبغي ألا نخرج من الكلام إلى الزاوية الخلفية أو الوجه المعاكس في هذه القضية، بعض الناس إذا تكلم عن الموت أخذ يبكي وانقطع عن العمل والإنتاج، وضيع قيمة الزمن، ما عاد يحترم هذه الأمور جميعاً، لا، نتكلم عن الموت بحيث يكون الإنسان مستعداً للقاء الله من أول لحظة، تكلم عن الموت واذهب من الفجر إلى السوق وبع واشتر، وتكلم عن الموت، واذهب غداً إلى مصنعك وأنتج واصنع، وتكلم عن الموت واذهب إلى مدرستك وتعلم وعلم، وتكلم عن الموت وقف على حدودك واحرس وراقب، وتكلم عن الموت، وكن منتجاً إيجابياً فاعلاً قوياً نشيطاً، ليس الكلام عن الموت من أجل البكاء والانكسار في المساجد والخلوات، الكلام عن الموت من أجل الاستعداد: (واتق المحارم تكن أعبد الناس) فلا يغرنك ثناء الناس عليك، أنت أدرى بنفسك وكما يقول ابن الجوزي ﵀: يا ناقص العقل! لا يغرنك ثناء الناس عليك، فإن أعجبوا بك فإنما أعجبهم جميل ستر الله عليك. فلا يغترن أحدٌ منا بنفسه، أو تغره نفسه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣] إما أن يغرك الناس، أو تغرك دنياك، أو تغرك العافية، أو يغرك الغرور، من هو الغرور؟ هو الشيطان الذي يوسوس ويسوف، ويعلل ويرجي، ويجعلك تسوف هذه التوبة حتى تلقى الله وأنت عاص. أحبتنا في الله! الحديث بصدقٍ وصراحة أقرب إلى النفوس من التعليل، ماذا لو أن أحدنا قيل له: إن ملك الموت ينتظرك عند باب المسجد! أو لو أن ملك الموت دخل على هؤلاء الحاضرين وقال: يا عباد الله من أهل شرورة! من منكم مستعدٌ للقاء ربه الآن؟ هل فينا أحد مستعد؟ لا والله، نقول له: انتظر لحظة دعنا نسدد الديون، دعنا نرجع حقوق الناس، نتخلص من بعض الذنوب، نتخلص من بعض المعاصي، نرجع بعض الأشياء، الإنسان أدرى بنفسه. نعم أيها الحبيب الواحد خير شاهدٍ على نفسه، وإن مدحك الناس فأنت أدرى، وإن ذمك الناس فأنت أحرى وأدرى، فلو أن ملك الموت وقف وقال: يا عباد الله! من فيكم جاهز يسلم أمانته لله الآن؟ لا والله ما فينا واحد مستعد، لماذا؟ لأننا لا نبادر بالعمل، لأننا نسوف، هذه حقوق مالية إن شاء الله نعطيها صاحبها فيما بعد، مع وجود ما نسدد به المال، وهذه مظلمة ما أنصفنا صاحبنا منها، وهذه خطيئة ما تبنا، وهذا ذنب ما أقلعنا عنه، وتلك مصيبة ما تبنا إلى الله منها، فكنا قد جمعنا أموراً، وكما قال ﷺ : (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) وأنا أقول: كثيرٌ منا يعمل حسناتٍ كثيرة، ولكن يعمل سيئات أكثر، فلا تغتر بكثرة حسناتك مع كثرة سيئاتك، إن التاجر الذي يكسب في الصباح مليوناً ثم يخسر في المساء مليونين لا يمكن أن يقال: إنه تاجر؛ لأنه خسر أكثر مما ربح، وإن الذي يعمل حسناتٍ ثم يثنيها بسيئاتٍ ترجح بها فحينئذٍ لا يمكن أن يسمى رابحاً أو فالحاً؛ إنما الفالح الذي رجحت حسناته على سيئاته، نحن لا نتوقع ولا نظن أن عبداً من عباد الله يخلو من الذنوب أو المعاصي الصغائر أو الكبائر، كلٌّ بحسب حاله، ولكن المصيبة كل المصيبة، والبلية كل البلية من عبدٍ تتراكم عليه الذنوب والمعاصي ولا يتوب. إذا كنت جاداً صادقاً في هذا الأمر فتوقع وانتظر أن تلقى الله في أي ساعة فتكون مستعداً، ثم إن الله قد شرع لنا من المبادرة ما ينظف الرصيد من المديونية أولاً بأول. الواحد منا لا يسلم خطوة زلة كلمة نظرة صغيرة لمم فتجد عنده الأخطاء، لكن الله شرع لنا ما يمحو هذه الخطايا أولاً بأول، ومن زلت به القدم فليبادر إلى التوبة، ولا يدع الذنوب حتى تجتمع عليه، أنت إذا جاءتك فاتورة الكهرباء قدرها ثلاثمائة ريال يمكن أن تسددها، لكن إذا تراكمت شهراً بعد شهر حتى صارت آلافاً فإنك تعجز عن أن تسددها، فكذلك بادر بالتوبة ما دامت الذنوب صغيرة، وجاهد نفسك ألا تقع في دين الذنوب مرة أخرى، وإن وقعت ثانية فتب ثانية، وإن زللت ثالثة فتب ثالثة، وإن أخطأت رابعة فارجع رابعة، وليس بينك وبين التوبة أحد، بل إن التوبة لا تحتاج إلى واسطة، والمهم المبادرة (وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن). جاهد في محو كل ما يكدر ويسود ويلوث صفحة أعمالك، وخالق الناس بخلقٍ حسن، هذه معاملة مع الناس، والخلق الحسن من أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة كما أخبر ﷺ لما سئل عن أثقل شيءٍ يوضع في ميزان العبد يوم القيامة، فقال: (تقوى الله وحسن الخلق) الشاهد أن الواحد منا مأمور بالمبادرة، وقد شرع الله لنا المبادرة بأعمالٍ لا تبقي على الواحد بإذن الله سيئة إذا هو اجتهد.

стр. 1769

وسائل وفضائل محو الخطايا ورفعة الدرجات قال ﷺ : (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله) الآن أنا لو آتي على مجموعة من الموظفين في العمل، أقول: يا إخوان عندي لكم شيء، جميع الإنذارات تمزق، جميع لفت النظر يمحى، جميع التهديد ينتهي ويحقق لكم رفعة ورتبة، الذي في الثانية يرقى إلى الرابعة، والذي للرابعة في الرابعة عشر يروح للممتاز، والنقيب يأخذ رتبة رائد، والمقدم يأخذ رتبة عميد، وهنا السيئات تمحى والدرجات ترتفع: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال ﷺ : كثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره، فذلكم الرباط فذلكم الرباط). ما أجمل هذا الكلام الذي هو وحيٌ يوحى! ما ينطق ﷺ عن الهوى، إذا كنا نريد أن نجتهد في المبادرة فهذا نموذج من نماذج المبادرة في الأعمال الصالحة التي تفيد الإنسان الاستمرار والمداومة على مرضاة الله . كثرة الخطى إلى المساجد. مساكين الذين لا يصلون مع الجماعة، محرومون الذي يقعدون عن الصلاة مع الجماعة، يظلمون أنفسهم، يخسرون هذا الخير العظيم، إذا تطهر وأحسن الطهور والوضوء خرجت من يده كل معصية اقترفتها يده مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وخرجت مع عينه كل معصية نظرت بها عينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وخرجت من رجله كل معصية مشت إليها رجله مع الماء أو مع آخر قطر الماء، ثم ماذا بعد ذلك؟ ثم يمشي إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة فكل خطوة ترفع حسنة وتمحو سيئة.

стр. 1770

فضل دعاء الملائكة وقراءة القرآن ثم يدخل إلى المسجد فالملائكة تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ما دام في انتظار الصلاة، الآن يقول بعض الناس: جزاك الله خيراً، لا تنسنا من دعائك، قل لفلان يدعو لنا، أنا عندي لك ملائكة تدعو لك، تقول: اللهم اغفر له الله ارحمه، لو قلت لك الشيخ ابن باز أو الشيخ ابن عثيمين يدعو لك لفرحت، لكن أيضاً بإمكانك أن تجعل الملائكة تدعو لك وتستغفر لك وتقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، بدليل قول النبي ﷺ : (إن الملائكة تستغفر لأحدكم ما دام في مصلاه ينتظر الصلاة ما لم يحدث) فأنت إذا بكرت بخطواتك مكتوبة، وهذا ربح لا يفرط فيه أحد، ولذلك بنو سلمة لما أرادوا أن ينزلوا من دورهم وبيوتهم ومساكنهم ليبنوا بيوتاً ويسكنوا دوراً بجوار مسجد النبي ﷺ ، قال ﷺ : (يا بني سلمة! دياركم -أي: الزموا دياركم- تكتب آثاركم) لماذا تضيعون الحسنات ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]. ثم إذا دخلت المسجد وصليت هاتين الركعتين المباركتين وتسندت على هذا العمود فالملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ثم فتحت المصحف لتقرأ وليس (الم) حرف، ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، ولك بكل حرفٍ حسنة ولك بالحسنة عشر أمثالها، ثم إذا أقيمت الصلاة وصليت والصلاة بإذن الله كفارة للذنوب كما قال ﷺ : (أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً غمراً يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء، قالوا: لا يا رسول الله، لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلكم الصلاة لا يبقى من درن العبد وذنوبه معها شيء) الله أكبر! لكن صلاة كاملة، صلاة تامة، الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، الصلاة التي تحضرها بقلبك، الصلاة التي تتدبرها، وقد تنسى وقد تغفل وقد تنشغل في صلاتك بشيءٍ ما، لكن عد وجاهد نفسك، فلك بإذن الله أجر الصلاة وأجر المجاهدة. يا أحبابي! هل يبقى من درن الواحد منا شيء؟ الجنة قريبة، ولا يحرم الجنة إلا الذي أصر وقال: أريد النار، لا يهلك على الله إلا هالك. أسباب الخير كثيرة ويسيرة ومتعددة، لم يجعل الله طريق الجنة في الأموال والصدقات، لو كان ذلك لحرم الفقراء دخول الجنة، لو جعل الله دخول الجنة في الجهاد لكان الضعفاء لا يدخلون الجنة، ما جعل الله دخول الجنة في عملٍ معين بل من فضل الله ومنه وكرمه أنه لم يجعل الجنة في الجهاد فحسب، أو في الصيام فحسب، أو في الصدقة فحسب، أو في عملٍ معين فحسب، بل جعل أبواب الجنة متعددة، وكلٌ يسلك طريقه إلى الجنة، والمرد والمنتهى والعاقبة إلى الجنة بإذن الله .

стр. 1771

الفضائل العظيمة للذكر لما جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور لهم فضول أموال يتصدقون بها وليس لنا أموال نتصدق بها، فقال ﷺ : (لكم بكل تسبيحة حسنة، وبكل تهليلة حسنة، وبكل تكبيرة حسنة، وإصلاح بين اثنين حسنة، إماطة الأذى عن الطريق صدقة، تغيث الملهوف صدقة، تصنع لأخرق صدقة، تعين المسكين صدقة) سبحان الله ما جعلت الجنة للأغنياء فحسب، فكما أنها في أعمال الأغنياء هي كذلك في أعمالٍ يدركها الفقراء بل إنك لتعجب من أن الله شرع سبلاً وأبواباً إلى الجنة بعبادة غريبة عجيبة وكبيرة يسيرة: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] كما أن الله اختار محمداً نبياً واختار الكعبة قبلة، واختار الإسلام ديناً، واختار هذه الشرائع لعلمٍ وحكمة بالغة فكذلك اختار الله الذكر ليكون عباده يسيرة على جارحة صغيرة وعليه أجورٌ كبيرة وكثيرة، هل يعجز أحد أن يذكر الله ؟ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] أنت تستطيع أن تذكر الله وأنت مضطجع أو قائم أو جالس أو مسافر، خارج البيت وداخله، راكب في السيارة، أو ماشياً على أقدامك، لا أحد يستطيع أن يمنعك من ذكر الله أو يشغلك عن ذكر الله إلا من تشاق. ثم هذا الذكر ليس مشروطاً بالوضوء، ولا يحتاج إلى استقبال قبلة أو الدخول إلى مسجد، أو تقول: إنه سيقطعك أعمالك. ثم ماذا؟ ثم إنه يعينك على طاعة الله ، ويكسبك رزقاً وقوة وخاتمة حسنة بإذن الله ، يقول ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يكسب ألف حسنة أو تمحى عنه ألف خطيئة؟ قالوا: من الذي يستطيع ذلك يا رسول الله؟ قال: يسبح الله مائة مرة، فتمحى له ألف خطيئة أو تكتب له ألف حسنة) أنا الآن أريد من الإخوة الحضور كل واحد يمسك ساعته دقيقة ويقول سبحان الله مائة مرة، تدريب عملي بسيط، هذا ما هو بذكر جماعي حتى يقول واحد: والله الجماعة قد صاروا صوفية، لا. المسألة أن انظر كم يستغرق من الوقت أن تقول: سبحان الله مائة مرة، كل واحد يسبح مائة مرة في نفسه. مرت دقيقة ونصف. هاه يا إخوان، استغرقت أقل من دقيقتين. إذاً أيها الأحبة! لا يهلك على الله إلا هالك فعلاً كما قال ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى! فعجب الصحابة وقالوا: من يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). عطايانا سحائب مرسلاتٍ ولكن ما وجدنا السائلينا باب مفتوح يقول للناس: هلموا خذوا املئوا اختاروا ما شئتم، والناس معرضون، وكل طريقنا نورٌ ونورٌ ولكن ما رأينا السالكينا الخير مفتوح وأسبابه كثيرة، يقول ﷺ كما في صحيح البخاري: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) يقول ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير كتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة).

стр. 1772

نعمة التوبة والمبادرة إليها عمر بن الخطاب بلغه عن أحد عماله أنه شرب الخمر، فأرسل له رسالة من عبد الله عمر بن الخطاب ﵁ إلى فلان، يقول الله : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] الله أكبر! ما أجمل هذه الحكمة العظيمة من عمر بن الخطاب! يرسل رسالة إلى هذا الذي يعلم أنه مخطئ ثم يقول له مذكراً بهذه الآية: عد وتب إلى الله . ما أجمل هذا النداء! ولماذا لا نكون كذلك، والله العظيم القوي العزيز الجبار يتحبب إلينا معاشر العباد ويقول لنا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] أياً كان هذا الذنب، بعض الناس يقول: هذه آيات لمن عنده معاصٍ خفيفة، لكن أنا عندي مخدرات، أنا مهرب ومروج، أنا أتعاطى المخدرات وأشرب خمر، أنا عندي مشكلة خلقية، مشكلة زنا، مشكلة لواط، فكيف يتوب الله عليَّ؟ الله قال في آخر سورة الفرقان قال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] من الذي يحول بين الشباب وبين التوبة؟ من الذي يحول بين الناس وبين التوبة؟ من الذي يرد الناس عن التوبة؟ بل إن الذي يقول: إن التوبة أصبحت بعيدة المنال هو الذي يقتل نفسه بهذا الجواب، ولا أدل على ذلك من ذلك العابد الجاهل الذي جاءه رجلٌ وقد قتل تسعاً وتسعين نفساً، فجاء إلى ذلك العابد فقال له: إني قد قتلت تسعاً وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟ فكان الجواب الجاهل المبني على غير علم، قال: ليس لك توبة، فجنى الجواب على المجيب فطعنه القاتل فأكمل به المائة، فذهب الجاني إلى عالم وقال: قتلت مائة نفسٍ، فهل لي من توبة؟ قال: نعم، ومن ذا الذي يحول بينك وبينها، الحق بأرض بني فلان فإن فيها قوماً يعبدون الله ، وفي هذا فوائد: الأول: أنه مهما عظم الذنب فإن الرحمة قريبة: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]. الأمر الثاني: أن من أذنب وأراد التوبة الصادقة النصوح الخالصة الصحيحة، فعليه أن يغادر مكان المعصية ووسط المعصية ومناخ المعصية؛ لينتقل إلى مناخ وجو ومكان وطبيعة الطاعةِ والعبادة والذكر والإنابة والإخبات والرجوع إلى الله . أما بعض الناس يشكو من الجراثيم والفيروسات ثم يعالج ويعالج ويحقن بالكيماوي وبالأدوية وبغير ذلك، ثم يرجع من جديد في وسطٍ متجرثمٍ مملوءٍ بالبكتيريا والفيروسات والجراثيم ثم يقول: كيف رجعت إليَّ هذه الأمراض من جديد؟ يداك أوكتا وفوك نفخ، أنت الذي اخترت أن تعيش في وسط المعصية مرة ثانية، ولو أنك صادق في توبتك لخرجت من وسط المعصية إلى وسط أهل الطاعة، وانتقلت عن جلساء السوء إلى جلساء الخير، وتركت عاداتٍ قبيحة إلى عباداتٍ جليلة نافعة بإذن الله وحينئذٍ تترقى في دين الله، وتجد لذة لا تقف.

стр. 1773

شبهة حول صعوبة الالتزام والتوبة بعض الناس يقولون: مساكين هؤلاء المطاوعة كيف يعيشون؟ بالله أنا أريد أن أفكر أفهم كيف المطوع قادر يعيش؟ زعموا المطوع ديناصوراً انقرض وانتهى ولا يمكن أن يعيش في زمن الأزمات، وكلمة مطوع هذه لها قصة، يقول الشيخ ابن حميد الله يدخله في جنات النعيم، يقول: كلمة مطوع عند أهل نجد هي أصلاً كما يذكر محمد رشيد رضا صاحب المنار: هي كلمة بين العالم والعامي، هي كلمة تعني: أن الرجل في منزلة بين العالم والعامي؛ لكن كثير من الشباب يتوقع أن هذا المطوع لا يمكن أن يعيش حياة طبيعية، ولا يمكن أن يعيش حياة سعادة، ولا يمكن أن يعيش حياة فيها أنس وبهجة، وضحك وسرور وطرافة، ودعابة ومزاح، وانبساط واندماجية، واجتماعية وتفاعل أبداً، يتوقع هذا المطوع حالته حالة، مثلما يخبرني أحد الشباب يقول: والله كنت أتصور أن المطاوعة خلقٌ غريبٌ عجيب، قلت: كيف؟ قال: مرة من المرات مجموعة من الشباب دعوني أن أخرج معهم إلى رحلة البر، فيقول: وخرجت معهم بعد العصر، يقول: فلما خرجنا، فرشوا بساطاً وطلعوا الشاهي، وجاءوا بكتاب رياض الصالحين وقاموا يقرءون أحاديث، قلت: حتى الآن معقول، وبعد قليل ختموا هذا الكتاب، وكل واحد فتح شنطة سيارته وجاب (التكميلة) ولبس (تكميلته) ويفرشون ويلعبون، يقول: جن جنوني! مطاوعة ويفرشون ويعلبون كرة! المسألة غريبة جداً، قلت له: ماذا تتوقع يعني؟ قال: والله أتوقع أن كل واحد يقعد عند إطار ويصيح. فيا أحبابنا! كثيرٌ من الناس لا يكره الخير، لكنه يتصور أن الاستقامة أمر صعب المنال، ويتصور أن التوبة قضية تحتاج إلى بروتوكول وإلى طقوس وإلى قرارات، وإلى مراسيم وإلى إصدارات، ويعظم أمر التوبة، وما المسألة إلا شيءٌ سهل قليل، وهو تتوضأ وتصلي ركعتين تقول: يا رب تبت إليك، انبذ أشياء تذكرك بالمعصية، صور، مجلات، أفلام، ارمها إلى الشارع، ثم انظر إلى صحبة أخيار: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]. وماذا بعد ذلك؟ يكون التزام على علم، لا على عواطف؛ لأن العاطفة ارتفاع في منحنى معين ثم فجأة يسقط الأمر، ارتفاع في حالة معينة، ثم فجأة تزول تلك العاطفة، فمن الطبيعي أن تجد رجلاً بجوارك في صلاة التراويح أو في ختمة رمضان، ثم إذا جاء العيد حجز على دولة من الدول المجاورة وذهب يزني فيها، العاطفة ليست بمقياس، العاطفة هي فرصة للإنسان أن يدفع نفسه إلى الأمام وأن يتخلص من ذنوبه ومعاصيه، لكن لابد أن تبني استقامتك والتزامك على علم، وعلى صحبة صالحة وعلى رفقة أخيار، يشدون عضدك ويأخذون بيدك، ويذكرونك إذا نسيت، ويعينونك إذا ذكرت.

стр. 1774

تدليل على يسر التوبة من قصة صحابي لا تظن أن التوبة أمر صعب المنال، إن النبي ﷺ كما هو المعلوم في سبب نزول قوله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] في سورة هود هذه الآية المدنية في تلك السورة المكية سبب نزولها أن أحد الصحابة كان تماراً ﵁ فجاءته امرأة جميلة بارعة الجمال فقالت: هل عندك تمرٌ أجود من هذا؟ فقال: نعم، في البيت تمرٌ أجود منه، فتقدمها وفتح الباب لها، ظناً منها أن في مقدمة البيت تمراً أجود من ذلك التمر الذي رأت، فما كان منه ﵁ إلا أن أغلق الباب دونها، ثم أخذها وضمها وقبلها، يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: وما كان بينه وبينها ما يوجب الحد، مجرد ضمة وقبلة، ثم إنه ندم وبدأ عتاب الضمير يلاحقه ويجلده بسياطٍ في نفسه حتى هرع مسرعاً إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني فعلت كذا وكذا، فهل قال ﷺ : اقلب وجهك، اغرب عنا، أنت منافق، في ظاهرك مع الصحابة وتفعل هذه الغلطة الكبيرة، لا يمكن هذا!! كما هو الحال اليوم لو أن بعض الناس زل أو أخطأ لربما أنكره إخوانه وأبغضوه، وتجهموه وطردوه من مجالسهم، كان الرجل يعصي فيقيم عليه النبي ﷺ الحد، ويجلس مع النبي ﷺ من يوم غد، ما قال: ابعد فقد عصيت الله ولا تجلس مع الأخيار، بل الواجب أن الأخيار هم أوسع الناس صدراً وأرحب الناس قلوباً لاحتواء من زل وأخطأ وأذنب ثم عاد إلى الله . الحاصل قال ﷺ : لا تبرح مكانك، حتى تغشاه الوحي، فلما سري عنه ﷺ قال: أين السائل؟ قال: هو أنا ذا يا رسول الله، قال: إن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ما أجمل هذا القرآن! ما أجمل هذا الكلام المعجز القوي المتين المملوء حكمةً وعلماً! ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] ما أجمل كلمات ربي! ما أحكم كلمات ربي! ما ألذ كلمات ربي! وإن كلام الله أوثق شافعٍ وأغنى غناء واهباً متفضلا وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبضٍ على جمرٍ فتنجو من البلا ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت سحائبها بالدمع ديماً وهطلا ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا

стр. 1775

قسوة القلوب سبب الإصرار مصيبتنا قسوة القلوب، ولو كنا نتدبر كلام الله ما أصر أحد على معصية، أنا لا أقول: إننا سننقلب إلى ملائكة ليس فينا من يخطئ، لكن لن يكون فينا من يصر على ذنب، بل من أذنب استغفر. إن الله لما بين صفات المتقين بعد أن دعانا إلى المبادرة والمسابقة والمسارعة إلى الجنة، فقال في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] من هم المتقون يا رب؟ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:١٣٤ - ١٣٥] يا سبحان الله! متقون وفيهم من يفعل فاحشة، أو يظلم نفسه، لكن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. إذاً يا أخي الحبيب: لا تتوقع أنك بالتزامك ستكون ملكاً معصوماً، بل المرجو من كل واحدٍ منا أن يجاهد نفسه عن المعصية، وأن يكون قريباً من طاعة الله ومرضاته، ولكن المبادرة تعني المبادرة إلى العمل، وتعني المبادرة إلى التوبة إذا وقع الزلل، لا تتصور أن المبادرة إلى الأعمال هو نداءٌ للمتدينين فقط، أو نداءٌ للمستقيمين فقط، لا، المبادرة إلى العمل للمذنب والمطيع، للصالح والطالح، للمخطئ والمصيب، للقريب والبعيد، مبادرة من المخطئ بالتوبة، مبادرة من المذنب بالاستغفار، مبادرة من الذي ابتعد بالرجوع، ومن عظيم نعم الله أن الواحد لا يحتاج إلى أن يفضح نفسه إذا أراد أن يتوب.

стр. 1776

لا داعي لاعتراف التائب أمام الناس بعض الشباب، إذا غلط غلطة راح وجاء عند الإمام وقال: والله يا شيخ في تمام الثانية عشر ظهراً من ذلك اليوم الذي في تاريخ كذا (وعطف التاريخ كله) فعلت وفعلت وفعلت. يا أخي: من الذي قال لك تعترف بكل ما فعلت؟ لسنا نصارى! لستَ أمام قسيس، أمام كربينال، في كاتدرائية، تب إلى الله فيما بينك وبين نفسك: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون، قيل: من المجاهر يا رسول الله؟ قال: هو الذي يمسي يستره الله ، فيصبح يهتك ستر الله عليه) من عظيم النعمة أننا في هذا الدين ارتباط بالله ليس بيننا وبين الله واسطة، لا داعية لا عالم لا حاكم، لكن انظر إلى الأديان والملل الضالة كالنصارى في طوائف أخرى، الواحد يضحك من غرائب ما يجري. مرة زرت الفاتيكان في روما فوجدت حجيراتٍ في ذلك المكان القبيح، وليس بمكانٍ طاهرٍ لأنه مملوء بالصلبان، ولكن: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤] فقلت لمترجمٍ كان معنا: ما هي هذه الحجيرات الصغيرة؟ قال: هذه يجلس القسيس في هذه الحجرة الصغيرة في هذه الزاوية أو في هذه الجهة منها وأنت كما ترى هذه الستارة أو هذا العازل وبينهما فتحة مربعة، فيجلس القسيس، يعني: الحجرة فيها عازل، يجلس القسيس هنا ويجلس المجرم هنا، فيجلسان ويقول المذنب: أيها القسيس! باسم الرب والروح القدس فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا، ثم يدخله القسيس -مسخرة- يقدم له إناء فيضع فيه كذا دولار أو كذا عملة معينة، ثم يدق جرس ويقول: قد غفر الله لك. لا تضحكوا يا إخوان، وشر البلية ما يضحك، من قُدر له أن يزور سيجد من هذه السخافات والعجائب، وكل كنسية لها طريقة في التوبة وفي الاعتراف وفي طريقة الغفران، لكن في دين الإسلام لا أحد يذهب إلى القاضي أو الشيخ أو العالم ليقول: إني أذنبت وفعلت وفعلت، نعم إذا كان مبتلى بذنب، ما يقول: أنا أذنبت، يقول: كيف ما هي نصيحتك لمن وقع في ذنب كذا، أو يريد التخلص من كذا، أو شخصٌ ما يريد أن يتخلص من كذا، ما تأتي لتفضح نفسك؛ لأن الله ستير يحب الستر ومن ستر مسلماً ستره الله، لا واسطة بيننا وبين الله.

стр. 1777

لا داعي للواسطة بين التائب وبين ربه من جميل ما قاله أحد المفسرين: إن الله في كتابه الكريم في سورة البقرة لما سأل الصحابة رسول الله ﷺ : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] قل أي: يا محمد ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠] ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٧] ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] فما سأل الصحابة سؤالاً إلا قال الله : يا محمد قل لهم الجواب كذا. ولما سأل الصحابة عن الاتصال بالله، قالوا: يا رسول الله! ربنا بعيدٌ فنناديه أم قريبٌ فنناجيه، فقال الله ما قال قل يا محمد، وإنما جاءت في كتابه الكريم ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] ما فيها واسطة، حتى الاتصال بالله ما تحتاج إلى أنك تتصل بمحمد ﷺ ثم تتصل بالله ، نعم صلتنا بالله في معرفة ما أراده الله في تطبيق شرع الله، لكن في المناجاة يا محمد قل للناس، يا محمد ندعوك أن تبلغ دعوتنا لله، لا، يا ألله مباشرة، يا ألله مباشرة، وهذه من هذه الكرامات والمنن العظيمة الجليلة التي أكرمنا الله بها في هذا الدين. ومما زادني شرفاً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا أن يكون الواحد عبداً لله، وأن يناجي الله مباشرة، ما أطيب وألذ وأجمل هذه الصلة! إن الدنيا ربما يحتاج الإنسان إلى وساطات حتى يتوصل إلى فلان أو زعيم أو أمير، لكن الصلة بملك الملوك وهو الله مباشرة.

стр. 1778

أمور ضرورية للمبادرة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: أيها الأحبة في الله! علمنا أن الغنيمة تفوت، وأن العمر يمضي، وأن الفرصة ثمينة، وأن ما فات لا يسترد، فما الذي يردنا عن المبادرة إلى التوبة؟ وما الذي يردنا عن المبادرة إلى المسابقة في الأعمال الصالحة، وإلى التنافس في مرضاة الله ؟ قال ﷺ : (إن الشيطان قعد من ابن آدم بأطرقه، فقعد له في طريق الإسلام فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك، فعصاه فأسلم، ثم قعد الشيطان للمسلم في طريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس ذي الطول -الطول هو الحبل الشديد يشد أحد الطرفين في وتدٍ والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه ويرعى ولا يذهب- فعصاه فهاجر، ثم قعد الشيطان للعبد في طريق الجهاد، فقال: تجاهد، فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن وقفته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة) رواه أحمد والنسائي وابن حبان بإسنادٍ صحيح.

стр. 1779

ضرورة المجاهدة أيها الأحبة! المبادرة تحتاج إلى مجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. المبادرة تحتاج يقظة وحذراً من هذه الملهيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١] لا بد أيها الأحبة من المبادرة، ولا بد أن تعلم أن الليل والنهار يمضيان ويسرعان. والليل فاعلم والنهار كلاهما أرواحنا فيها تعد وتحسب قال الجنيد لرجلٍ وهو يعظه: جماع الخير كله في ثلاثة أشياء: إن لم تمض نهارك بما هو لك فلا تمضه بما هو عليك، وإن لم تصحب الأخيار فلا تصحب الأشرار، وإن لم تنفق مالك فيما لله فيه رضاً فلا تنفقه فيما لله فيه سخط وغضب: صرمت حبالك بعد وصلك زينب والدهر فيه تصرمٌ وتقلب فدع الصبا فلقد عداك زمانه وازهد فعمرك مر منه الأطيب ذهب الشباب فما له من عودة وأتى المشيب فأين منه المهرب؟ ضيفٌ ألم إليك لم تحفل به فترى له أسفاً ودمعاً يسكب دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب واخش مناقشة الحساب فإنه لا بد يحصى ما جنيت ويكتب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب

стр. 1780

ضرورة احترام الأوقات أيها الأحبة! المبادرة إلى الخيرات تحتاج احتراماً للأوقات، الوقت هو الحياة، والذي لا يحترم وقته لا يحترم حياته، والذي لا يحترم حياته لا يحترم نفسه ولا يحترم شخصيته، الناس كلهم اليوم الواحد يتمنى أن يكون مهيباً عزيزاً كريماً موقراً بين الناس محترماً بين من حوله، فكيف يوقر ويحترم وهو يهين نفسه بإهانة وتضييع وقته. قال حماد بن سلمة: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعاً، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصلياً، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئاً، أو عائداً مريضا أو مشيعاً جنازة أو قاعداً في المسجد قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله ، يقول حماد: نتوقع أن سليمان التيمي لا يعرف كيف يعصي الله، والحقيقة أنه يعرف، وكل واحد يعرف كيف يعصي الله، والأتقياء يعرفون، لكن لماذا لا يعصون؟ لأنهم لا يريدون أن يبيعوا الباقية والخير العظيم بالفانية التافهة وهي الدنيا.

стр. 1781

ضرورة التفكر في حقارة الدنيا وعظمة الآخرة قال ﷺ كما في صحيح مسلم في كتاب وصف الجنة: (مثل هذه الدنيا كمثل ما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بمَ يرجع) القطرة التي تسقط من أنملتك هي الدنيا، واليم المحيط والبحار هي الآخرة، فمن الذي يبيع المحيط بقطرة؟ من الذي يبيع الدنيا بشبر؟ من الذي يبيع المليار بهللة؟ من الذي يبيع الكمال والبقاء بالزوال والفناء؟ سبحان الله العظيم! إن لم نبادر أيها الأحبة فنحن على خطرٍ عظيم، وواجبنا أن نتهيأ وأن نستعد فيما بقي، فما فات لن يعود أبداً. ما مضى فات والمؤمل غيبٌ ولك الساعة التي أنت فيها كان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد! من الذي يصلي عنك بعد الموت؟ من الذي يصوم عنك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكون ألا تنوحون على أنفسكم باقي حياتكم، يا من الموت موعده، والقبر بيته، والثرى فراشه، والدود أنيسه، ومع هذا ينتظر الفزع الأكبر؛ كيف يكون حاله؟! إذاً أيها الأحبة! فلنبادر بالعمل الصالح، وخير المبادرة ما كان في طاعة الله، اتق المحارم تكن أعبد الناس، ترك المعاصي وفعل الواجبات في الدرجة الأولى، والله لو أن الواحد إذا سمع الأذان حي على الصلاة حي على الفلاح رمى الشغل الذي في يده وذهب إلى المسجد، لا نريد مزيداً من الصيام، ومزيداً من التهجد، ومزيداً من أعمال كثيرة، جرب نفسك مع هذه العبادة التي هي أول ما ينظر في عمل العبد يوم القيامة، انظر نفسك مع الصلاة، والله لو عود الواحد نفسه ألا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح إلا وهو في المسجد، أو يبادر، والله ليجدن لذة يقول: هل من مزيد، هات صياماً، هات صدقة، هات دعوة، هات جهاداً، هات كفالة أيتام، هات كفالة دعاة، يريد أن يفعل كل خيرٍ يقربه إلى مزيد قربى من الله . أيها الأحبة! الحديث كثير، ولكن نريد أن يكون العمل كثيراً أيضاً، يقول الله في شأن من طبق ما علم، ونفذ ما سمع، وانتصح واتعظ بما وعظ، أي: ليست مجرد معلومات وثقافة واستعراض مهارات، لا والله يا أحباب، علينا أن نعلم أن الكلام الذي نقوله ونسمعه حجة علينا يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨] أربع فوائد عظيمة لمن يبادر ويطبق هذه المعلومات، ويحول العاطفة والالتزام إلى برنامج عمل. أسأل الله أن يتوفانا على طاعته ومرضاته، اللهم يا حي يا قيوم! نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، واسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تجعل لي وللحاضرين من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا تائباً إلا قبلته بمنك وكرمك يا رب العالمين، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجمع اللهم شملنا وحكامنا وعلماءنا، ولا تشمت بنا حاسداً ولا تفرح علينا عدواً، إنك ولي ذلك والقادر عليه. آمين يا رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1782

الأسئلة

стр. 1783

رجاء !! السؤال كتب فيه السائل في أوله: الرجاء قراءة هذا السؤال، ولعلنا جميعاً نشارك هذا السائل فيما ذكر، فهو يقول: أخي فضيلة الشيخ! إني أحبك في الله، ولا أحبك لشيءٍ من أمور الدنيا، وإني عندما أسمع صوتك أرتاح راحة نفسية، ونحن في مدينة شرورة نرحب بك ونرجو منك تكرار الزيارة لنا، لكي تعطر الجو بصوتك الجميل. الجواب والله يا أحبابنا لو كنت شاعراً لقلت فيكم أبياتاً، ولا أخفيكم أني منذ أن هبطت الطائرة في هذا المكان انشرح صدري انشراحاً بالغاً، وما كنت أجد هذا في بعض المناطق، فلعلها من دلائل الخير والفضل والتوفيق، وأسأل الله أن يثبتنا وإياكم على طاعته ومرضاته، وأعد إن شاء الله بتكرار هذه الزيارة، وأنتم أصحاب الفضل بعد الله أن شرفتموني بالحديث إليكم والنزول بين يديكم.

стр. 1784

نصائح في دعوة الجار السؤال فضيلة الشيخ! كثرت الأسئلة عن التهاون في الصلاة، وكلها تدور حول الجار الذي لا يحضر المسجد، وهذا سؤال منها يقول: عندي جار وله أربع سنوات ومنزله مقابلٌ للمسجد، ولكن لا يصلي في المسجد، وقد نصحته مراراً لكنه يرد عليَّ بقوله: إني أصلي من قبل أن أعرفك، ما هي نصيحتكم لهذا ولغيره؟ الجواب يتلطف معه في الدعوة وبالكلمة الطيبة لعل الله أن يأخذ بيده إلى الهداية، والدين النصيحة، المهم ألا تحول النصيحة إلى فضيحة هذه قضية مهمة. المسألة الثانية: اعلم أخي الحبيب أنك مكلفٌ بالبلاغ، والهداية بيد الله : ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٢٠] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] لاحظ أخي الحبيب أن النبي ﷺ يُخَاطَب في غير موضعٍ من كتاب الله ليقال: إنما عليك البلاغ، إنما أنت منذر، إنك لا تهدي من أحببت، ليس عليك هداهم، لكن يخاطب ويقال: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] فإذاً نحن علينا البلاغ، والهداية بيد الله ، وهذا الذي تنصحه لعله بعد استمرار النصيحة يهتدي، فلا تمل نصيحته أبداً، قد يأتيه يومٌ إما أن يصلي وإما أن يرحل عن جوارك، لأنه لا يريد أن يكون بجواره رجلٌ يتربص به كلما نزل به ليأمره بالصلاة وينهاه عن المنكر.

стр. 1785

مخاطر القنوات الفضائية السؤال من الأمور التي كثرت عنها الأسئلة الأطباق الفضائية (الدشوش)! الجواب أيها الأحبة! الفضاء اليوم مملوء بالصور والكلمات والأفكار والأطروحات والقضايا الخطيرة، فلا ينبغي أن يكون موقفنا هو موقف المنهزم، بل يقول الله : ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣] ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] ينبغي أيها الأحبة أن نحصن أبناءنا من بداية مراحل الطفولة، وفي بدايات مراحل التعليم بالحق أولاً؛ حتى إذا عرفوا الحق أدركوا أن ما سواه الباطل، ولا بأس أن ننوه بأنواع الأخطار والضلالات والمصائب، مع أنه سيأتي الحديث عن قضية الدش، لكن هذه المسألة مهمة قبل ذلك وبعده، ربما لو أتينا لنقول لأحد الإخوة مثلاً: ضع شريط (الكاسيت) في (كرتون الفاين)! فهل سنسمع الشريط؟! لا. لأن مكانه الطبيعي هو المسجل، وكذلك وضعه في الكأس خطأ، ووضعه تحت الطاولة خطأ، ووضعه في الجيب خطأ، ووضعه على الأرض خطأ!! كم تتصورون من احتمالات خاطئة، ملايين الاحتمالات من الأخطاء، لكن المكان الطبيعي لهذا الشريط هو: جيب هذا الجهاز، فينبغي أن نبدأ أولاً بتعليم مجتمعنا وأبنائنا وبناتنا ورجالنا ونسائنا الحق، ويعلمون أن ما سواه الباطل، لأن تعليم الحق لا يكلفك إلا بيان الموقع الطبيعي، والصيغة والمقام والمكان والزمان لهذا الحق الذي تدعو إليه، فإذا علمنا ذلك أدركنا أن ما سواه هو الباطل، فأمام هذا السيل الجارف من الصور والكلمات والأفكار ينبغي أن نركز على تعليق الأسس والمبادئ، ولئن كانت الصين الوطنية الكبيرة التي أخذت من الآن رغم الضلال البعيد يعلمون الأطفال من جديد مبادئ (ماوتسي تونغ) من أجل المحافظة على أصول الشيوعية حتى لا يجرفها تيارٌ أو ما يسمى التغيير أو غير ذلك. فنحن أيضاً أيها الأحبة ونحن دعاة حق يجب علينا أن نعمق كل صور الحق، وأن يعلموا أن ما سواه هو الباطل، حتى لا تبقى عقولهم خالية فتكون كما قال القائل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا هذه الدشوش نقلت أفكاراً خطيرة، وحولت أوضاع المجتمعات إلى صور وغرائز، ولو أن راصداً أو باحثاً يستقصي بالأرقام والبيانات حجم الجرائم والمشكلات والمشاكل الزوجية، والخيانات والجنح والأخطاء الكثيرة لوجد أن المؤشر يرتفع منذ بداية الدشوش إلى يومنا هذا، والسبب أن هناك سماً زعافاً يبث للناس، يا عجباً لرجلٍ لو قلت له: تعال أعطني ولدك أريد أن أتحدث معه على انفراد، أرجوك لا تتدخل ودعني أتكلم معه!! ماذا تقول؟ لماذا تنفرد به؟ لماذا تكلمه بهذه الطريقة؟ تجد نفسك حريصاً على أن تعرف ما سأقول له، فلماذا لا تكون حريصاً لتعرف ماذا يقول الدش لأولادك وبناتك؟ يا من تتركهم ست ساعات وخمس ساعات وأربع ساعات ضيعوا الدراسة، وتركوا الصلاة، وضيعوا العفاف وتمردوا على قيم الفضيلة، وتجرءوا على السفور والتبرج، وعلى أمور خبيثة ما كنا نعرفها في مجتمعنا إلا يوم أن عرفنا الدش. ولعلكم في هذه المدينة الصغيرة أحسن حالاً من مدنٍ كبيرة كل ما ينشر في الدش اليوم تجده غداً أو بعد غد (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه). الآن يوجد من الشباب من يقلد الذين يراهم عبر الفضائيات من المطربين والمخنثين!! والله يا أحباب! مرة في إحدى مدن الولايات المتحدة في مركزٍ إسلامي، جاء شابٌ ظننت أنه منهم يضع ربطة بنت، وجاء فسلمت عليه، وقلت: إن شاء الله هذا مسلم جديد، داخل في الإسلام، ولنفرح به مهما كانت حاله، قال: ألا تعرفني؟ قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: أنا فلان، أنا جاركم أنا في البيت الفلاني، قلت: ما الذي جاء بك؟! ما الذي تضعه على رأسك، قال: يا شيخ أنا ساكن في مجتمع غربي ولا حول ولا قوة إلا بالله. لما رأت أختها بالأمس قد خربت صار الخراب لها أهدى من الجرب الخراب يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب، فيا أحبابنا! بعض الناس إذا ناقشته في الدش قال: أنا يا أخي أتتبع الأخبار! أنا أنتبه للأطفال! وأنا وأنا، أنا قد أغزو! أنا سياحي، رجل صاحب قرار سياسي، رجل صاحب قرار عسكري، رجل مسئوليته تحتم عليه هذا، لكن واحد ينظر في الدش يتفرج عليه وينام عن صلاة الفجر قال: نحن نتتبع الأخبار! قلت: أخبرني عنها، قال: في أفغانستان قتلوا ماذا فعلت؟ هذه آراكن في البوسنة ماذا فعلت؟ هذه البوسنة قاتلوا الصرب فعلوا ماذا فعلت؟ مصائب المسلمين، اليهود مزقوا الناس في فلسطين وقاتلوهم وقتلوهم وشردوهم وكسروا عظام الشباب وسجنوا وفعلوا، ماذا فعلت؟ يا أخي لا تكذب وإذا بليتم فاستتروا. بعض الناس زوجته وقعت في الفاحشة مع ذي محرم، فعلت الفاحشة مع خالها الذي هو أخو أمها، بسبب ماذا؟ بسبب القنوات والأطباق، وعما قريب سيأتي طبق أكبر من هذا يأتي بأربعين محطة، فالمسألة تحتاج إلى تربية، وتحتاج إلى تعميق الإيمان بالله في النفوس، مساحة لا يمكن أن تصل إليها رقابة الشرطة أو القانون أو الحاكم أو المسئول، إنها الرقابة الذاتية فيما بين الإنسان وبين الله . بعض الناس للأسف يعطي لولده الحرية المطلقة، حمل! ولادة! رضاع! يترعرع ثم إلى الهاوية، والله لأن يكون أحدكم عقيماً خيرٌ من أن يكون له ولدٌ بهذه الحال، الذي أخرجه به إلى الدنيا وضيعه وأهمله، لا تربية! لا قدوة! ولا تعليم! لا هداية! لا ثقافة! لا تحذير من المعاصي! ثم أطلقه سماً وخنجراً على المسلمين!! وأبناءً حسبتهم سهاماً فكانوها ولكن في فؤادي وإخواناً جعلتموهم دروعاً فصاروها ولكن للأعادي فيا أحبابنا! أنصحكم والعقلاء يسمعون النصيحة، أثر في مدينة الرياض رجل برسالتين الرسالة الأولى ثم تبعتها رسالة ثانية بغض النظر عن الحلال والحرام تناقشه مناقشة عقلية برسالتين بفضل الله أخرج الدش من بيته من الذي يقتنع أن وجود الدش حرام؟ يا إخوان نحن ننظر إلى تاريخ صلاحية العلبة من الجبن أو القشطة أو المربى، ونقول: لا لا هذه انتهت الصلاحية، انتهت، لا تأكلها فيحدث تسمم، لكننا نحضر السموم ونسقيها أبناءنا في غفلتنا عما يعرض عليهم في هذه الشاشات. هل تعلمون أن بعض الأمريكان أو الكفار أصبحوا الآن يطالبون بالتخلص من هذا البث، ويرون أن من علاج المجتمع الأمريكي الذي نشأت فيه الجريمة المبكرة هو التخلص من هذه القنوات، ويقولون: إن هذه الأفلام علمتهم السرقة والقتل والجريمة.

стр. 1786

نصائح في مواجهة بعض الفتن بارك الله فيك! هذان سؤالان في معنى واحد؛ فالأول يقول فيه السائل: كيف يتقي الإنسان الفتن وما هي الأسباب الميسرة للاستقامة على دين الله يقول خاصة فتنة النساء؟ سؤال آخر: كيف يواجه الشاب المسلم الآتي: الشيطان، الشهوة، النفس، الهوى، وكيف ومتى يعلن الالتزام، وكيف يكون الصبر على الطاعة، وعن المعصية؟ الجواب على أية حال فإن قضية أن يتقي الإنسان الفتنة فأجيب عليها بالمثل العامي يقولون لك البادية: لو أعطيت الجني قل: بسم الله، قال واحد: لا تعط الجني ولا تسمي. كيف تتوقى الفتن؟ لا تقرب الفتن: قالت الأرنب قولاً جامعاً كل المعاني أشتهي ألا أرى الذئب ولا الذئب يراني لا تطلب الفتن تسلم بإذن الله ، أما واحد يعرض نفسه للفتن، ويقع في أماكن الرذيلة، أماكن الخطر، مواقع السوء، مجالس اللهو، مجالس الغفلة، ثم يقول: كيف التوقي من الفتن؟ تسبح في بركة (بنزين) وتقول: أخاف الاحتراق، هذا ليس بصحيح، التخلص من الفتن ما هو بصنعة صاروخ ولا كبسولة ولا حقنة في الوريد، أنت تأخذ أرجلك وتبتعد عن مكان الفتنة، يوجد جلسة فيها لهو، غفلة، معصية، ابتعد عنها واذهب إلى جلسة فيها ذكر وطاعة خير من جليس السوء، ولأن تشتغل في أي عملٍ مباحٍ من أمور الدنيا، خيرٌ من أن تجلس في جلسة فيها ما يجرك إلى ضياع دينك ودنياك. أما كيف ومتى وأين ولعل وسوف، والصيدليات المناوبة، ودرجات الحرارة في الالتزام، إجابة هذا السؤال الكبير؟ يا أخي الحبيب لا تحتاج إلى مكان ولا تحتاج إلى جماعة، إذا عندك أشرطة ومجلات فقطعها، وكذلك سائر المعاصي ابتعد عنها واهجرها، وهذا خير سبيل للوقاية من الفتن، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1787

بر الوالدين [١] بر الوالدين من أسباب الفلاح، ووسائل نيل العبد رضا الله تعالى، فحق الوالدين مقرون بحق الله، ولا يسقط بحال، بل قد جعل الله الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام متوقفاً على إذنهما مالم يتعين، وهنا يتحدث الشيخ عن حقوقهما وفضل برهما.

стр. 1788

جوانب طاعة الوالدين وأهمية برهما إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اتبع هداه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: يا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله تعالى بمراقبة أمره، وفعل كل ما أمر، اتقوا الله تعالى بالبعد عما عنه نهى وزجر. معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٥]. معاشر المؤمنين: إن الله جل وعلا أمر عباده بتوحيده وعبادته، وقرن ذلك ببر الوالدين كما قرن شكرهما بشكره ، حيث يقول في كتابه الكريم: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] فحق الوالدين والبر بهما عظيم جداً، وحسبكم أن يكون في أوائل الأعمال المحبوبة إلى الله جل وعلا، فقد روى البخاري (أنه ﷺ سئل: أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فانظروا كيف قدم البر بهما على الجهاد في سبيله. ومن محض حق الوالدين الذي ينبغي ألا يتساهل به أحد منا معاشر الأحباب، هو ألا نكون سبباً لأن نعرضهما أو نتعرض لهما بالإساءة والعقوق، أو أن نعرضهما للسب والشتيمة، فإن ذلك من الكبائر التي ثبتت في السنة النبوية، ولقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: (إن من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم! يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) ومن المؤسف حقاً أن تسمع شتيمة الرجل لأم الرجل وأبيه في كثير من الأحيان على ألسنة البعض هداهم الله إلى التوفيق والسداد. معاشر المؤمنين: إن الإنسان مهما كان في خصومة مع غيره من الناس ينبغي ألا يتعرض لوالديه بسب أو شتيمة، والكثير من الناس إذا تشاجر مع رجل آخر بدأ بشتيمة أمه وأبيه، فيقول: فعل الله بأمك، وفعل الله بأبيك، أو يابن الفاعل ويابن الفاعلة وأمه وأبوه قد يكونان في القبور، فيكون بذلك قد سب مسلماً في قبره، وعدوه أو خصمه الذي يتشاجر معه أمامه لم يتعرض لشيء من هذا -ولا ينبغي أن يتعرض باللعن أو الشتيمة على خصمه- ولكن المصيبة إن تعدت من هذا الخصم إلى والديه. عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت) رواه البخاري ومسلم والترمذي. والأحاديث في الزجر عن عقوق الوالدين وأن ذلك من الكبائر كثيرة جداً -يا عباد الله- ويكفي أن نعلم أن عقوقهما كبيرة تكون سبباً لحرمان المسلم من التوفيق وتكفير السيئات؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] فكيف تكفر سيئات من أصر على عقوق والديه، أو شتم أمه وأباه متناسياً حقوقهما عياذاً بالله من ذلك؟!

стр. 1789

مفهوم عقوق الوالدين وأهمية اتباع أمرهما وحقيقة العقوق -يا معاشر المؤمنين- هو مخالفة الوالدين في كل شأن لهما، فلا يجوز لمسلم أن يخالف أمر والديه، بل تجب طاعتهما أياً كانت الظروف، بل لا يجوز تأخير قضاء حوائجهما التي طلبت على الفور إلا بإذنهما أن تقضى بعد الفراغ أو بعد فراغ الابن من حاجته. فاحذروا -يا عباد الله- كل الحذر من مخالفة أمرهما والتهاون به، ولو كان الواحد منشغلاً بأجل الأعمال وأزكاها، روى البخاري في الأدب المفرد وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما تكلم مولود من الناس في المهد إلا عيسى بن مريم وصاحب جريج، فقلنا يا نبي الله! وما صاحب جريج؟ قال ﷺ : إن جريجاً كان رجلاً راهباً في صومعة له، فأتت أم جريج يوماً فأخذت تناديه وقالت: يا جريج! وكان يصلي، فقال جريج في نفسه وهو يصلي: يا رب! أمي وصلاتي، فرأى أن يؤثر صلاته، ثم صاحت به أمه مرة أخرى: يا جريج! فقال في نفسه وهو يصلي: يا رب! أمي وصلاتي، فرأى أن يؤثر صلاته فلم يجبها، قالت أمه: لا أماتك الله يا جريج حتى تنظر في وجوه المومسات، ثم انصرفت. وفي ذلك الزمان كان راعي البقر يأوي إلى أسفل صومعة جريج، وكانت امرأة من أهل القرية تختلف إلى الراعي؛ فولدت منه بعد أن زنى بها، فأتي بالمرأة إلى الملك فقال لها: ممن حملت وولدت؟ قالت: من جريج، قال الملك: أصاحب الصومعة؟ قالت: نعم. قال: اهدموا صومعته وائتوني به، فضربوا صومعته بالفئوس حتى وقعت، ثم جعلوا يده إلى عنقه بحبلٍ، ثم انطلق به، فمر على المومسات فرآهن فتبسم وهو يذكر دعوة أمه يوم أن قالت: لا أماتك الله حتى تنظر في وجوه المومسات، فرأى المومسات وهن ينظرن إليه في الناس، فقال له الملك: ما تزعم هذه؟ قال جريج: وما تزعم؟ قال: تزعم أن ولدها منك، فقال جريج لها: أنت تزعمين ذلك؟ قالت: نعم. قال: أين هذا الصغير، قالوا: هو ذا في حجرها. فأقبل عليه العابد فقال: من أبوك؟ فقال الصغير: راعي البقر، فقال الملك: أنجعل صومعتك من ذهب؟ قال: لا. قال: أمن فضة؟ قال: لا. قال: فما نجعلها؟ قال: ردوها كما كانت، قال الملك: فما الذي تبسمت له؟ قال جريج: أمراً عرفته، أدركتني دعوة أمي حين كنت في صلاتي يوم أن لم أجبها ثم أخبرهم بقصته) وقال بعض العلماء: ولعل في شريعتهم آنذاك أن الكلام ليس ممنوعاً في الصلاة، وقيل غير ذلك. وخلاصة الأمر من هذه القصة يا عباد الله! أهمية اتباع أمر الوالدين فيما ليس بمعصية الله، وتوقي سخطهما ودعوتهما على الابن، فإن دعوة الوالد لا ترد، لذا فأوصيكم ونفسي -يا عباد الله- أن تطلبوا من آبائكم وأمهاتكم أن يخصوكم بالدعاء فيما يخصون به أنفسهم، لأن دعوة الوالد لولده مستجابة بمشيئة الله جل وعلا. واعلموا معاشر المؤمنين: أن ما ذكرناه من الآيات والأحاديث غير وافٍ في شأن الوالدين، ولعلنا أن نتمه في مناسبة قادمة وإنما أحببنا أن ننبه على أهمية طاعتهما والمسارعة بتحقيق ما أمرا به، أياً كان المسلم منشغلاً بأي عمل جليل من الأعمال إلا أن يكون الأمر معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٤ - ١٥]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1790

أهمية تقديم حق الوالدين على الزوجات والأقارب الحمد لله؛ الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شي، وهو الباطن فليس دونه شيء، وبيده مقاليد كل شيء، جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلاله، وعظيم سلطانه، كل ذلك تعظيماً لشأنه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ﷺ الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. معاشر المؤمنين: اعلموا أن الله جل وعلا أمركم بالتقوى وخلقكم لعبادته، فإن الله ما خلقكم ليستكثر بكم من قلة، وما خلقكم ليستعز بكم من ضعف، وإنما خلقكم لعبادته، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، فاعرفوا حقيقة ما وجدتم له، وأنيبوا إلى ربكم وتوبوا إليه، واتقوا الله تعالى حق التقوى، وتذكروا أن وجوهكم وأجسامكم على وهج النار لا تقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى. واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله. معاشر الأحباب: إن من المسلمين هداهم الله من تهاون بحق والديه تهاوناً وصل به إلى إكرام زوجته على حساب أمه، ومنهم من وصل به الأمر إلى أن يفضل رغبة زوجته، وأن يقضي حاجتها قبل حوائج أمه، بل إن منهم من يحب أن يقضي حاجة أدنى زملائه قبل أن يقضي حوائج والديه، أفنسيت أنها حملتك وهناً على وهن تسعة أشهر في بطنها، ولو حملت شيئاً أقل من ذلك على كتفك خارج جسمك لذقت به ذرعاً ولو يوماً أو بعض يوم؟ فما شأنك بمن حملتك، وتوحمت بك، وسهرت الليالي والأيام لأجلك، وبعد أن وضعتك سرت بوجودك حياً سليماً معافى، ثم أخذت تميط الأذى عنك وتنظفك، وترضعك من خالص ثديها، ومن لين درها، وأنت بعد ذلك تقابلها بالإساءة والعقوق، لا والله ما هذا بحق الوالدين ولا هذا بحق الآباء والأمهات. وتأكدوا -معاشر الشباب- أن الواحد منكم لن يدرك حق والديه إلا بعد أن يرزق بمولود صغير ليعلم كيف يمشي هذا المولود على لحم قلبه، وإن وقع ذلك الطفل على الأرض فكأنما الذي وقع أحشاؤه أو وقع قلبه، وليس الذي وقع هو ولده، من شدة شفقة الوالد على ولده. إذاً: فاعلموا أن في قلوب أمهاتكم وآبائكم من هذا الشعور ما الله به عليم وإن كنتم لا تدركونه، وإن كنتم لا تحسونه، ولذا فإن حق الوالد عظيم، وجزاؤه على الله إن شاء الله جنات النعيم. معاشر المسلمين: إياكم أن تقدموا الزوجات على الأمهات! وهذا من البلايا التي حلت في هذا الزمان، فإن الكثير من الناس لا يبالي أن يخرج بزوجته في أي وقت سواء كانت أمه في حاجتها أو لا، ولا يبالي أن يرضي زوجته بما شاءت من اللباس والذهب وغير ذلك دون مراعاة لخاطر أمه، ودون مراعاة لما بذلته في سببه، ودون مراعاة لما بذلته لأجله، فينبغي إن كنت تتودد لزوجتك أن تتودد أضعاف أضعاف ذلك لأمك؛ فإن لها حقاً عظيماً، وينبغي ألا يكون الإنسان متساهلاً لدرجة أن البعض يسمع كلام زوجته في أمه، ويسمع كلام زوجته في أبيه، فيضطره ذلك إلى الخروج من المنزل وهجران والديه وتركهما وهما في أشد الحاجة إليه. ما هذا بجزاء الإحسان، وما هذا بجزاء التربية، وما هذا بجزاء العطف والحنان، إذاً: فالتفتوا لذلك يا عباد الله! ومن الشباب -هداهم الله- من إذا زاد الريال في يده، ورأى رغبة زوجته في مفارقة أمه وأبيه من غير سبب وجيه أو شرعي يفضي إلى ترك والديه، انشغل بزوجته وبأقارب زوجته وترك أمه وأباه، فهل هذا من العدل والإنصاف؟! وهل من حق الوالدين أن تتركهما في أشد الحاجة إليك وتذهب إلى هنا أو هناك؟! إذاً: فالتفتوا لذلك معاشر الشباب! ومن كان في نفسه أن يخرج من بيت أمه وأبيه فلا يخرج إلا بعذر وجيه شرعي، وبعد أن يستسمح والديه وإن استطاع أن يكون مستقلاً بقربهما حتى إذا دعت حاجة أحدهما إليه انطلق مسارعاً لتلبيتها في أي ساعة من ليل أو نهار. ومن الشباب هداهم الله من يبلغ به الأمر إلى مقاطعة والده بسبب أمه أو مقاطعة أمه بسبب والده، فلقد عرفنا الكثير منهم هداهم الله يهجر والده لأن أمه غضبت يوم أن تزوج أبوه زوجة ثانية أو ثالثة، فقالت له: لا تذهب إلى أبيك أو لا تفعل له كذا أو لا تقضي حاجته، وهذا لا يجوز؛ لأن أباك له عليك حق عظيم، ولأمك عليك حق عظيم، ولا يمنع غضب أحدهما أن تقضي حاجة الآخر. إذاً: فالتفتوا لذلك معاشر الأحباب! وفقنا الله وإياكم إلى البر بهما، وفقنا الله وإياكم إلى نيل رضاهما، ونسأل الله جل وعلا أن يرضيهما عنا وأن يجازيهما عما بذلا فينا جنات النعيم والفردوس الأعلى، ونسأل الله جل وعلا ألا يميتهما بعد عمر طويل وعمل صالح إلا وهما عنا في حالة الرضا وقرارة العين، والشعور ببذل الجهد لأجل البر والصلة تجاههما، أسأل الله جل علا أن يغفر لنا ولكم، وأن يغفر لنا ولوالدينا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وعطل كيد الزنادقة والملحدين. اللهم من أراد المسلمين بسوء، وأراد علماءهم بمكيدة، وأراد ولاة أمورهم بفتنة، وأراد شبابهم بضلال، وأراد نساءهم وبناتهم بتبرج وسفور، اللهم فاجعل كيده في نحره، وأدر عليه دائرة السوء، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهدهم لكتابك وسنة نبيك، اللهم أعزهم بالإسلام، وأعز الإسلام بهم، اللهم اجمع شملهم، ووحد كلمتهم، ولا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً. اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم اجعل لكل مسلم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، اللهم سخر لنا ملائكة السماء برحمتك، وسخر لنا جنود الأرض بقدرتك. اللهم يا حي يا قيوم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم لا تحرمنا بذنوبنا فضلك، اللهم لا تحرمنا بمعاصينا رحمتك، اللهم إنا خلقٌ من خلقك، وعبيد من عبيدك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدلٌ فينا قضاؤك، اللهم فارحمنا وكن لنا ولا تكن علينا، وأعطنا ولا تحرمنا، وانصرنا ولا تعن علينا، بقدرتك يا جبار السماوات والأرض! اللهم لا تجعل لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا حيران إلا دللته، ولا عاقاً إلا رددته بالبر لوالديه، ولا قاطعاً إلا رددته للصلة برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لنا ولموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، والأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
следующие страницы →