← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

نصائح في مواجهة بعض الفتن بارك الله فيك! هذان سؤالان في معنى واحد؛ فالأول يقول فيه السائل: كيف يتقي الإنسان الفتن وما هي الأسباب الميسرة للاستقامة على دين الله يقول خاصة فتنة النساء؟ سؤال آخر: كيف يواجه الشاب المسلم الآتي: الشيطان، الشهوة، النفس، الهوى، وكيف ومتى يعلن الالتزام، وكيف يكون الصبر على الطاعة، وعن المعصية؟ الجواب على أية حال فإن قضية أن يتقي الإنسان الفتنة فأجيب عليها بالمثل العامي يقولون لك البادية: لو أعطيت الجني قل: بسم الله، قال واحد: لا تعط الجني ولا تسمي. كيف تتوقى الفتن؟ لا تقرب الفتن: قالت الأرنب قولاً جامعاً كل المعاني أشتهي ألا أرى الذئب ولا الذئب يراني لا تطلب الفتن تسلم بإذن الله ، أما واحد يعرض نفسه للفتن، ويقع في أماكن الرذيلة، أماكن الخطر، مواقع السوء، مجالس اللهو، مجالس الغفلة، ثم يقول: كيف التوقي من الفتن؟ تسبح في بركة (بنزين) وتقول: أخاف الاحتراق، هذا ليس بصحيح، التخلص من الفتن ما هو بصنعة صاروخ ولا كبسولة ولا حقنة في الوريد، أنت تأخذ أرجلك وتبتعد عن مكان الفتنة، يوجد جلسة فيها لهو، غفلة، معصية، ابتعد عنها واذهب إلى جلسة فيها ذكر وطاعة خير من جليس السوء، ولأن تشتغل في أي عملٍ مباحٍ من أمور الدنيا، خيرٌ من أن تجلس في جلسة فيها ما يجرك إلى ضياع دينك ودنياك. أما كيف ومتى وأين ولعل وسوف، والصيدليات المناوبة، ودرجات الحرارة في الالتزام، إجابة هذا السؤال الكبير؟ يا أخي الحبيب لا تحتاج إلى مكان ولا تحتاج إلى جماعة، إذا عندك أشرطة ومجلات فقطعها، وكذلك سائر المعاصي ابتعد عنها واهجرها، وهذا خير سبيل للوقاية من الفتن، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1787

بر الوالدين [١] بر الوالدين من أسباب الفلاح، ووسائل نيل العبد رضا الله تعالى، فحق الوالدين مقرون بحق الله، ولا يسقط بحال، بل قد جعل الله الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام متوقفاً على إذنهما مالم يتعين، وهنا يتحدث الشيخ عن حقوقهما وفضل برهما.

стр. 1788

جوانب طاعة الوالدين وأهمية برهما إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اتبع هداه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: يا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله تعالى بمراقبة أمره، وفعل كل ما أمر، اتقوا الله تعالى بالبعد عما عنه نهى وزجر. معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٥]. معاشر المؤمنين: إن الله جل وعلا أمر عباده بتوحيده وعبادته، وقرن ذلك ببر الوالدين كما قرن شكرهما بشكره ، حيث يقول في كتابه الكريم: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] فحق الوالدين والبر بهما عظيم جداً، وحسبكم أن يكون في أوائل الأعمال المحبوبة إلى الله جل وعلا، فقد روى البخاري (أنه ﷺ سئل: أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فانظروا كيف قدم البر بهما على الجهاد في سبيله. ومن محض حق الوالدين الذي ينبغي ألا يتساهل به أحد منا معاشر الأحباب، هو ألا نكون سبباً لأن نعرضهما أو نتعرض لهما بالإساءة والعقوق، أو أن نعرضهما للسب والشتيمة، فإن ذلك من الكبائر التي ثبتت في السنة النبوية، ولقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: (إن من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم! يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) ومن المؤسف حقاً أن تسمع شتيمة الرجل لأم الرجل وأبيه في كثير من الأحيان على ألسنة البعض هداهم الله إلى التوفيق والسداد. معاشر المؤمنين: إن الإنسان مهما كان في خصومة مع غيره من الناس ينبغي ألا يتعرض لوالديه بسب أو شتيمة، والكثير من الناس إذا تشاجر مع رجل آخر بدأ بشتيمة أمه وأبيه، فيقول: فعل الله بأمك، وفعل الله بأبيك، أو يابن الفاعل ويابن الفاعلة وأمه وأبوه قد يكونان في القبور، فيكون بذلك قد سب مسلماً في قبره، وعدوه أو خصمه الذي يتشاجر معه أمامه لم يتعرض لشيء من هذا -ولا ينبغي أن يتعرض باللعن أو الشتيمة على خصمه- ولكن المصيبة إن تعدت من هذا الخصم إلى والديه. عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت) رواه البخاري ومسلم والترمذي. والأحاديث في الزجر عن عقوق الوالدين وأن ذلك من الكبائر كثيرة جداً -يا عباد الله- ويكفي أن نعلم أن عقوقهما كبيرة تكون سبباً لحرمان المسلم من التوفيق وتكفير السيئات؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] فكيف تكفر سيئات من أصر على عقوق والديه، أو شتم أمه وأباه متناسياً حقوقهما عياذاً بالله من ذلك؟!

стр. 1789

مفهوم عقوق الوالدين وأهمية اتباع أمرهما وحقيقة العقوق -يا معاشر المؤمنين- هو مخالفة الوالدين في كل شأن لهما، فلا يجوز لمسلم أن يخالف أمر والديه، بل تجب طاعتهما أياً كانت الظروف، بل لا يجوز تأخير قضاء حوائجهما التي طلبت على الفور إلا بإذنهما أن تقضى بعد الفراغ أو بعد فراغ الابن من حاجته. فاحذروا -يا عباد الله- كل الحذر من مخالفة أمرهما والتهاون به، ولو كان الواحد منشغلاً بأجل الأعمال وأزكاها، روى البخاري في الأدب المفرد وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما تكلم مولود من الناس في المهد إلا عيسى بن مريم وصاحب جريج، فقلنا يا نبي الله! وما صاحب جريج؟ قال ﷺ : إن جريجاً كان رجلاً راهباً في صومعة له، فأتت أم جريج يوماً فأخذت تناديه وقالت: يا جريج! وكان يصلي، فقال جريج في نفسه وهو يصلي: يا رب! أمي وصلاتي، فرأى أن يؤثر صلاته، ثم صاحت به أمه مرة أخرى: يا جريج! فقال في نفسه وهو يصلي: يا رب! أمي وصلاتي، فرأى أن يؤثر صلاته فلم يجبها، قالت أمه: لا أماتك الله يا جريج حتى تنظر في وجوه المومسات، ثم انصرفت. وفي ذلك الزمان كان راعي البقر يأوي إلى أسفل صومعة جريج، وكانت امرأة من أهل القرية تختلف إلى الراعي؛ فولدت منه بعد أن زنى بها، فأتي بالمرأة إلى الملك فقال لها: ممن حملت وولدت؟ قالت: من جريج، قال الملك: أصاحب الصومعة؟ قالت: نعم. قال: اهدموا صومعته وائتوني به، فضربوا صومعته بالفئوس حتى وقعت، ثم جعلوا يده إلى عنقه بحبلٍ، ثم انطلق به، فمر على المومسات فرآهن فتبسم وهو يذكر دعوة أمه يوم أن قالت: لا أماتك الله حتى تنظر في وجوه المومسات، فرأى المومسات وهن ينظرن إليه في الناس، فقال له الملك: ما تزعم هذه؟ قال جريج: وما تزعم؟ قال: تزعم أن ولدها منك، فقال جريج لها: أنت تزعمين ذلك؟ قالت: نعم. قال: أين هذا الصغير، قالوا: هو ذا في حجرها. فأقبل عليه العابد فقال: من أبوك؟ فقال الصغير: راعي البقر، فقال الملك: أنجعل صومعتك من ذهب؟ قال: لا. قال: أمن فضة؟ قال: لا. قال: فما نجعلها؟ قال: ردوها كما كانت، قال الملك: فما الذي تبسمت له؟ قال جريج: أمراً عرفته، أدركتني دعوة أمي حين كنت في صلاتي يوم أن لم أجبها ثم أخبرهم بقصته) وقال بعض العلماء: ولعل في شريعتهم آنذاك أن الكلام ليس ممنوعاً في الصلاة، وقيل غير ذلك. وخلاصة الأمر من هذه القصة يا عباد الله! أهمية اتباع أمر الوالدين فيما ليس بمعصية الله، وتوقي سخطهما ودعوتهما على الابن، فإن دعوة الوالد لا ترد، لذا فأوصيكم ونفسي -يا عباد الله- أن تطلبوا من آبائكم وأمهاتكم أن يخصوكم بالدعاء فيما يخصون به أنفسهم، لأن دعوة الوالد لولده مستجابة بمشيئة الله جل وعلا. واعلموا معاشر المؤمنين: أن ما ذكرناه من الآيات والأحاديث غير وافٍ في شأن الوالدين، ولعلنا أن نتمه في مناسبة قادمة وإنما أحببنا أن ننبه على أهمية طاعتهما والمسارعة بتحقيق ما أمرا به، أياً كان المسلم منشغلاً بأي عمل جليل من الأعمال إلا أن يكون الأمر معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٤ - ١٥]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1790

أهمية تقديم حق الوالدين على الزوجات والأقارب الحمد لله؛ الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شي، وهو الباطن فليس دونه شيء، وبيده مقاليد كل شيء، جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلاله، وعظيم سلطانه، كل ذلك تعظيماً لشأنه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ﷺ الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. معاشر المؤمنين: اعلموا أن الله جل وعلا أمركم بالتقوى وخلقكم لعبادته، فإن الله ما خلقكم ليستكثر بكم من قلة، وما خلقكم ليستعز بكم من ضعف، وإنما خلقكم لعبادته، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، فاعرفوا حقيقة ما وجدتم له، وأنيبوا إلى ربكم وتوبوا إليه، واتقوا الله تعالى حق التقوى، وتذكروا أن وجوهكم وأجسامكم على وهج النار لا تقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى. واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله. معاشر الأحباب: إن من المسلمين هداهم الله من تهاون بحق والديه تهاوناً وصل به إلى إكرام زوجته على حساب أمه، ومنهم من وصل به الأمر إلى أن يفضل رغبة زوجته، وأن يقضي حاجتها قبل حوائج أمه، بل إن منهم من يحب أن يقضي حاجة أدنى زملائه قبل أن يقضي حوائج والديه، أفنسيت أنها حملتك وهناً على وهن تسعة أشهر في بطنها، ولو حملت شيئاً أقل من ذلك على كتفك خارج جسمك لذقت به ذرعاً ولو يوماً أو بعض يوم؟ فما شأنك بمن حملتك، وتوحمت بك، وسهرت الليالي والأيام لأجلك، وبعد أن وضعتك سرت بوجودك حياً سليماً معافى، ثم أخذت تميط الأذى عنك وتنظفك، وترضعك من خالص ثديها، ومن لين درها، وأنت بعد ذلك تقابلها بالإساءة والعقوق، لا والله ما هذا بحق الوالدين ولا هذا بحق الآباء والأمهات. وتأكدوا -معاشر الشباب- أن الواحد منكم لن يدرك حق والديه إلا بعد أن يرزق بمولود صغير ليعلم كيف يمشي هذا المولود على لحم قلبه، وإن وقع ذلك الطفل على الأرض فكأنما الذي وقع أحشاؤه أو وقع قلبه، وليس الذي وقع هو ولده، من شدة شفقة الوالد على ولده. إذاً: فاعلموا أن في قلوب أمهاتكم وآبائكم من هذا الشعور ما الله به عليم وإن كنتم لا تدركونه، وإن كنتم لا تحسونه، ولذا فإن حق الوالد عظيم، وجزاؤه على الله إن شاء الله جنات النعيم. معاشر المسلمين: إياكم أن تقدموا الزوجات على الأمهات! وهذا من البلايا التي حلت في هذا الزمان، فإن الكثير من الناس لا يبالي أن يخرج بزوجته في أي وقت سواء كانت أمه في حاجتها أو لا، ولا يبالي أن يرضي زوجته بما شاءت من اللباس والذهب وغير ذلك دون مراعاة لخاطر أمه، ودون مراعاة لما بذلته في سببه، ودون مراعاة لما بذلته لأجله، فينبغي إن كنت تتودد لزوجتك أن تتودد أضعاف أضعاف ذلك لأمك؛ فإن لها حقاً عظيماً، وينبغي ألا يكون الإنسان متساهلاً لدرجة أن البعض يسمع كلام زوجته في أمه، ويسمع كلام زوجته في أبيه، فيضطره ذلك إلى الخروج من المنزل وهجران والديه وتركهما وهما في أشد الحاجة إليه. ما هذا بجزاء الإحسان، وما هذا بجزاء التربية، وما هذا بجزاء العطف والحنان، إذاً: فالتفتوا لذلك يا عباد الله! ومن الشباب -هداهم الله- من إذا زاد الريال في يده، ورأى رغبة زوجته في مفارقة أمه وأبيه من غير سبب وجيه أو شرعي يفضي إلى ترك والديه، انشغل بزوجته وبأقارب زوجته وترك أمه وأباه، فهل هذا من العدل والإنصاف؟! وهل من حق الوالدين أن تتركهما في أشد الحاجة إليك وتذهب إلى هنا أو هناك؟! إذاً: فالتفتوا لذلك معاشر الشباب! ومن كان في نفسه أن يخرج من بيت أمه وأبيه فلا يخرج إلا بعذر وجيه شرعي، وبعد أن يستسمح والديه وإن استطاع أن يكون مستقلاً بقربهما حتى إذا دعت حاجة أحدهما إليه انطلق مسارعاً لتلبيتها في أي ساعة من ليل أو نهار. ومن الشباب هداهم الله من يبلغ به الأمر إلى مقاطعة والده بسبب أمه أو مقاطعة أمه بسبب والده، فلقد عرفنا الكثير منهم هداهم الله يهجر والده لأن أمه غضبت يوم أن تزوج أبوه زوجة ثانية أو ثالثة، فقالت له: لا تذهب إلى أبيك أو لا تفعل له كذا أو لا تقضي حاجته، وهذا لا يجوز؛ لأن أباك له عليك حق عظيم، ولأمك عليك حق عظيم، ولا يمنع غضب أحدهما أن تقضي حاجة الآخر. إذاً: فالتفتوا لذلك معاشر الأحباب! وفقنا الله وإياكم إلى البر بهما، وفقنا الله وإياكم إلى نيل رضاهما، ونسأل الله جل وعلا أن يرضيهما عنا وأن يجازيهما عما بذلا فينا جنات النعيم والفردوس الأعلى، ونسأل الله جل وعلا ألا يميتهما بعد عمر طويل وعمل صالح إلا وهما عنا في حالة الرضا وقرارة العين، والشعور ببذل الجهد لأجل البر والصلة تجاههما، أسأل الله جل علا أن يغفر لنا ولكم، وأن يغفر لنا ولوالدينا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وعطل كيد الزنادقة والملحدين. اللهم من أراد المسلمين بسوء، وأراد علماءهم بمكيدة، وأراد ولاة أمورهم بفتنة، وأراد شبابهم بضلال، وأراد نساءهم وبناتهم بتبرج وسفور، اللهم فاجعل كيده في نحره، وأدر عليه دائرة السوء، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهدهم لكتابك وسنة نبيك، اللهم أعزهم بالإسلام، وأعز الإسلام بهم، اللهم اجمع شملهم، ووحد كلمتهم، ولا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً. اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم اجعل لكل مسلم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، اللهم سخر لنا ملائكة السماء برحمتك، وسخر لنا جنود الأرض بقدرتك. اللهم يا حي يا قيوم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم لا تحرمنا بذنوبنا فضلك، اللهم لا تحرمنا بمعاصينا رحمتك، اللهم إنا خلقٌ من خلقك، وعبيد من عبيدك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدلٌ فينا قضاؤك، اللهم فارحمنا وكن لنا ولا تكن علينا، وأعطنا ولا تحرمنا، وانصرنا ولا تعن علينا، بقدرتك يا جبار السماوات والأرض! اللهم لا تجعل لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا حيران إلا دللته، ولا عاقاً إلا رددته بالبر لوالديه، ولا قاطعاً إلا رددته للصلة برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لنا ولموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، والأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1791

بر الوالدين [٢] طاعة الوالدين من طاعة الله تعالى، وفي الواقع نشهد أموراً لا تقرها الشريعة من سوء معاملة الأبناء لآبائهم، وفي المقابل تجد تعنتاً من الآباء تجاه أبنائهم أحياناً. وفي هذه الخطبة تحدث الشيخ عن عِظَم فضل الأم ومنزلتها، وذكر آثار عقوق الوالدين، إضافة إلى بيان بعض الحقوق الخاصة بالآباء والأمهات على الأبناء.

стр. 1792

سوء معاملة الأبناء لآبائهم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى فهي وصية الله لكم في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين: لا شك أن حق الوالدين عظيم بما عظّم الله، وقرن طاعتهما بطاعته، وثنى بالشكر لهما بعد الشكر له، وحسبكم أن عصيانهما من الكبائر التي تؤدي بصاحبها إلى النار والهلاك إن لم يتب من العقوق والقطيعة، ولقد مر بنا ما وقع فيه كثير من الناس وبالأخص بعض الشباب الذين قدموا طاعة الزوجات على الأمهات، وجعلوا حوائج الوالدين بعد الفراغ من حاجاتهم وحاجات أصدقائهم، فترى الرجل له الولدان والثلاثة يقف على قارعة الطريق صباحاً أو مساء في انتظار لمحتسب يوصله إلى قصده وأولاده على فرشهم، لم يشاءوا أن يقطعوا لذيذ النوم من أجل والدهم، وكثيراً ما نرى المرأة تلتمس من جيرانها وممن حولها مساعدتها في الوصول إلى منزل قريب أو لمناسبة معينة، وأولادها في المنزل يتحاسبون كلٌ يقول لأخيه: أنت تذهب بها. فيا للحسرة والأسف على شاب بذل فيه والداه الجهد الجهيد، وفي نهاية الأمر لا ينفعهم في أدنى الحوائج، فاحذروا معاشر المسلمين عقوق الوالدين؛ فإن ذلك سبب للشقاء في الدنيا والخزي والعذاب في الآخرة، جاء في الحديث الذي يرويه النسائي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بعطائه) (وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والمترجلة) رواه الحاكم وصححه. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أربع حق على الله ألا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه) فإياكم والعقوق، والزموا البر والصلة، واعلموا أن الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظوا على ذلك الباب إن شئتم أو دعوه، وجاء في الحديث عن ابن عباس: (ما من مسلم له والدان مسلمان يصلح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين من الجنة، وإن كان واحداً فواحد، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه، قيل: وإن ظلماه، قال: وإن ظلماه).

стр. 1793

تعنت بعض الآباء مع أبنائهم اعلموا -معاشر المسلمين- أن من الآباء والأمهات من يتعنتون أولادهم في حق طاعتهم تعنتاً شديداً، يصل في بعض الأحيان إلى أمر الوالدين أو أمر أحدهما ولدهما أن يطلق زوجته، أو أن يفارق جلساءه الصالحين وأصدقاءه وألا يخالطهم أبداً، فهذا معاشر الآباء تشدد في باب الطاعة والبر، فما المصلحة لأب أو أم كرها زوجة ابنهما لغير سبب فأمراه بطلاقها، أيريدون أن يتجنوا على تلك الزوجة الضعيفة المسكينة، حتى إذا طلقت عاشت دهرها أيماً لا زوج لها، وقد يجران البلاء والشقاء لولدهما في الحصول على زوجة جديدة قد توافقه وقد لا توافقه، وقد كان قرير العين بزوجته الأولى راضياً بها. وينبغي للشاب المسلم إذا وقع في مثل هذا أن يحتسب الجهد في إقناع والديه لبقاء زوجته عنده وعدم طلاقها، وتأكيد حق والديه على زوجته بمضاعفة البذل والخدمة والعناية. أما تشدد بعض الأباء -هداهم الله- على أبنائهم في مجالسة الصالحين والأخيار من الأصدقاء؛ فإنهم بتشددهم هذا؛ يفتحون المجال لهم لمجالسة الأشرار والسيئين والفاسدين، فالنفس لابد لها من صاحب، إما أن يكون جليساً صالحاً أو جليساً سيئاً، وقد يتشدد الأب على ولده في هذا النوع من المجالسة خوفاً عليه ولا شك، فالحل عند ذلك لا يكون بقطع الابن عن أصدقائه وجلسائه الصالحين، بل الصواب هو متابعة الابن والتأكد من ذهابه مع أصدقائه الصالحين وسؤاله عما يدور بينهم في مجالسهم، سؤال تلطف واستفادة متبادلة، لا سؤال تحقيق وامتحان، وعند ذلك يطمئن الأب إلى ذهاب ولده وإيابه. وبهذه المناسبة أكرر النصح والدعوة إلى الشباب عامة وللأخيار الصالحين منهم خاصة، أن يضاعفوا البذل والعطاء والبر والإحسان بوالديهم، فإن الجميع ولا شك مقصر في هذا الباب تقصيراً عظيماً.

стр. 1794

عِظَمُ منزلة الأم في الطاعة اعلموا أن للأم النصيب الأوفى والدرجة العظمى في مقام البر وحسن الصلة، ففي الحديث الصحيح أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال له: (من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال ثم من؟ قال: أبوك) ولا عجب أن تنال الأم هذا النصيب من البر والصلة ولها حق كبير وكثير، وما نقدمه لها يسير، وقيل بالنسبة لما قدمته لنا: فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي لها من جواها أنة وزفير وفي الوضع لو تدري عليها مشقة فمن غصص منها الفؤاد يطير وكم غسلت عنك الأذى بيمينها وما حجرها إلا لديك سرير وتفديك مما تشتكيه بنفسها فمن ثديها شرب لديك نمير وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها حنواً وإشفاقاً وأنت صغير فآه لذي عقل ويتبع الهوى وآه لأعمى القلب وهو بصير فدونك فارغب في عميم دعائها فأنت لما تدعو إليه فقير وذكر أن أبا الأسود الدؤلي تخاصم مع امرأته إلى القاضي في غلامها منه، أيهما أحق بحضانته، فقالت المرأة: أنا أحق به؛ لأنني حملته تسعة أشهر ثم وضعته ثم أرضعته إلى أن ترعرع بين أحضاني كما ترى، فقال أبو الأسود: أيها القاضي: حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، فإن كان لها بعض الحق فيه؛ فلي الحق كله أو جله، قال القاضي: أجيبي أيتها المرأة، قالت: لئن حمله خفاً فقد حملته ثقلاً، ولئن وضعه شهوة فقد وضعته كرهاً، فنظر القاضي إلى أبي الأسود وقال له: ادفع إلى المرأة غلامها ودعني من سجعك. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت: (يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري لها حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أن ينزعه مني بعد أن طلقني، فقال: أنتِ أحق به ما لم تنكحي) أي: ما لم تتزوجي، رواه أحمد وأبو داود. يقول الإمام القرطبي: إن من الإحسان للوالدين والبر بهما إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما، وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال ﷺ : أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد) رواه مسلم. وروى البخاري: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال ﷺ : ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما). ولا شك أن بكاء الوالدين لما يجره الولد لهما من العقوق كما جاء ذلك في الحديث، ومن الحديث الذي سبق ينبغي لمن أبكى والديه أو أغضبهما أن يتوب إلى الله، وأن يسعى جاهداً لإرضائهما، وأن يسعى جاهداً لأن يرضيا عنه، ولرد الابتسامة إلى وجوههما بفعل يرون منه ندمه وأسفه على ما فرط في حقهما، وذلك بهدية تليق بمقامهما، والدعاء لهما، والتلفظ واللباقة في معاملتهما. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1795

آثار عقوق الوالدين الحمد لله منشئ السحاب، وهازم الأحزاب، ومنزل الكتاب، وخالق خلقه من تراب، أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن المثيل وعن الند والتظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه، ومن اتبع أثره، واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله. معاشر الأحباب: إن أناساً يعيشون في قطيعة الرحم ويعيشون في عقوق لوالديهم، فهل يأمنون أن يخطفهم هاذم اللذات ومفرق الجماعات وهم على حال كهذه، فأي مصير لهم وأي مصيبة عند سكرات موتهم إن فارقوا هذه الدنيا على حادث أو فجاءة أو أي قدر من الأقدار، وآباؤهم في سخط عظيم عليهم. وإن رجلاً كهذا قد لا يؤمن عليه من سوء الخاتمة، فعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فأتاه آت، فقال: يا رسول الله! شاب يجود بنفسه، فقيل له: قل لا إله إلا الله فلم يستطع أن يقولها، فقال ﷺ : أكان يصلي؟ قال: نعم، فنهض رسول الله ﷺ ونهضنا معه، فدخل على الشاب، فقال له: قل لا إله إلا الله. فقال: لا أستطيع. قال: لم؟ قالوا: كان يعق والدته، فقال النبي ﷺ : أحية أمه؟ قالوا: نعم. قال: ادعوها، فدعوها فجاءت، فقال لها رسول الله ﷺ : أهذا ابنكِ؟ قالت: نعم. فقال لها: أخبريني لو أُججت نار عظيمة، فقيل لكِ: إن شفعت له صلينا عليه، وإلا حرقناه في هذه النار هل كنت تشفعين له؟ قالت: يا رسول الله! إذاً أشفع. قال: فأشهدي الله وأشهديني أنكِ قد رضيتِ عنه. قالت: اللهم إني أشهدك وأشهد رسولك أني قد رضيت عن ابني، فقال رسول الله ﷺ : يا غلام! قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فقالها: ففاضت روحه، فقال رسول الله ﷺ : الحمد لله الذي أنقذ ابنك من النار). وكان هذا الشاب كما ورد في كتب الحديث يؤذي أمه، ويؤثر رضا زوجته على رضاها.

стр. 1796

من حقوق الوالدين الله الله يا معاشر المسلمين في الوالدين، فإن لها حقاً عظيماً، وإن الجميع مقصرون مفرطون في حقهم، وإن من أدنى الواجب أن يكثر الإنسان الدعاء لهما، وكما جاء في الآية: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤] أقل الأمر أن لا ينساهم الإنسان في كل صلاة وفي كل دعاء أن يدعو لهم بخالص ما يدعو به لنفسه من الرحمة والمغفرة وهون الحساب ودخول الجنة. معاشر المسلمين: ومن كان والداه كبيرين، فإنهما أعظم باب لدخوله الجنة، وإنه على خطر عظيم إن ماتا ولم يحسن البر بهما، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رغم أنفه! رغم أنفه! رغم أنفه! قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة). وتأملوا هذه الواقعة أو هذه القصة معاشر المؤمنين، فإن كثيراً من الناس يستكثر ما ينفق على والديه، ويستكثر بقاء والديه في بيته، ويستكثر خدمته وعنايته بهما، وقد نسي ما قدماه، جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (إن أبي أخذ مالي، فقال ﷺ : ائتني بأبيك، فنزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، فقال له: إن الله يقرئك السلام، ويقول: إذا جاء الشيخ؛ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه، فلما جاء الرجل؛ قال ﷺ : ما بال ابنك يشكوك! أتريد أخذ ماله؟ فقال الرجل: يا رسول الله! سله هل أنفقت إلا على عماته أو على نفسه، فقال ﷺ : دعنا من هذا، أخبرني عن شيء قلته في نفسك لم تسمعه أذناك؟ فقال: أفلا محالة يا رسول الله! قال: نعم. فقال: إني يا رسول الله قلت في نفسي: غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجني عليك وتنهلُ إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهراً أتململُ كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيناي تهملُ تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت حتم مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضلُ فليتك إذ لم ترعَ حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل ُ فأوليتني حق الجوار ولم تكن عليّ بمال دون مالك تبخلُ فأخذ النبي ﷺ بتلابيب ولده، وقال: أتسمع؟ أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك). إذاً معاشر الأحباب الوالدان لهما حق عظيم، نسأل الله جل وعلى أن يعيننا على القيام بحقهما، وعلى البر بهما، ونسأل الله أن يرضيهما عنا، ونسأله أن يرضى علينا برحمته وبرضاهما عنا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بالمسلمين سوءاً وأراد علماءهم بفتنة، وأراد ولاة أمورهم بمكيدة، اللهم فاجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أرنا فيه يوماً أسود، اللهم أدر عليه دائرة السوء. اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد أئمتنا لتحكيم كتابك وسنة نبيك، اللهم لا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً، وانصرهم بالإسلام وانصر الإسلام بهم، اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واغرس بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا عاقاً إلا إلى البر رددته، ولا قاطع رحم إلا إلى رحمه وصلته برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اجعل ما أنزلته من الخير رحمة بنا، اللهم اجعل ما أنزلته من الخير رحمة بنا من غير استدراج بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. معاشر المؤمنين: إن الله قد أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة لقدسه، وثلث بكم معاشر المؤمنين من جنه وإنسه، فقال جل من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر نبيك محمد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن العشرة المبشرين بالجنة، وارض اللهم عن أهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1797

برقية عاجلة إن من أعظم ما نعانيه اليوم في جسد الأمة هو أن بعض أعضائها مبتور ومريض وهزيل، ولا مغيث ولا منقذ لأجل علاجه والنظر في حاله، وقد تكلم الشيخ في هذه الرسالة عن إخواننا المسلمين في الصومال ومآسيهم ومعاناتهم، وما يعيشونه من أوضاع تقطع الأكباد، ثم ختمها ببرقية عاجلة إلى جمعيات الإغاثة وجميع المسلمين.

стр. 1798

الصومال ومآسيها الحمد لله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله القائل: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١١ - ١٦]. الحمد لله القائل: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٤ - ٤٥] والصلاة والسلام على رسوله الأمين القائل: (أيها الناس! أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام) أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الخلق لعبادته، وما يعزب عن علمه مثقال ذرة منهم أو حولهم، يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، أشهد أن لا إله إلا الله، كلُّ قدرٍ بعدله، وكل قدرٍ بحكمته، ورحمته سبقت غضبه، وهو الرحمن الرحيم، وهو أرحم الراحمين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله جل وعلا في نِعم ترفلون فيها، وتتقلبون عليها، وتسبحون في جنباتها، وتأكلون وتلبسون وتشربون منها: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧]. معاشر المؤمنين! مآسي المسلمين تترى، وأحوالهم عجيبة، وهم جسد واحد، قال ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد) فحيثما حللت فرأيت مسلماً فهو عرق من عروقك، وشلو من بدنك، وطرف من جسمك، ونبضة من قلبك، وخفقةٌ من فؤادك. وحيثما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني أيها الأحبة! المسلمون في هذا الزمان الذين هم جسد واحد، نعم، إنهم جسد واحد، ولكنه جسد أحواله غريبة، وأطواره شاذة عجيبة، فترى في الجسد جزءً متخماً يجر نواعم الخز والحرير، وترى فيه طرفاً آخر هزيلاً جائعاً، وثالثاً معوقاً لا حراك به، مجروحاً نازفاً، نعم، المسلمون جسد لكنه جسد ممزع، ممزق، مفرق، جسد بعضهم غافل وبعضهم لاهٍ. آه منا آه ما أجهلنا بعضنا أعمى وبعض يتعامى نشرب الجوع ونستسقي الظمأ

стр. 1799

برقية عاجلة من مسلمي الصومال أيها الإخوة في الله! وصلتنا برقية عاجلة موقعة باسم اليتامى الذين فقدوا الآباء، فلا تسمع إلا صراخهم، ولا ترى إلا دموعاً لا تجد من يمسحها عن خدودهم! ووصلتنا برقية باسم الثكالى اللائي أنهكهن المرض، فلا ترى إلا دموعهن، ولا تسمع إلا أنينهن! ووصلتنا برقية باسم الشيوخ والعجزة الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً! ووصلتنا برقية من الصبايا المحطمات هُتكت أعراضهن وحرماتهن. إن هذه البرقيات كلها من مسلمي الصومال الذين يموتون الآن ونحن نسمع الخطبة، يموت منهم عددٌ من الأطفال وعدد من النساء وعدد من الرجال، برقية مسلمي الصومال لم تجد أذناً معتصمية أو نخوة عربية، فهل نجدها في هذه البلاد؟ هل نجدها في حكامها؟ هل نجدها في رجالها؟ هل نجدها في شبابها؟ هل نجدها في الطيبات من نسائها؟

стр. 1800

الصومال إلى أين ؟ أيها الأحبة في الله! الصومال قطعة جميلة في القارة الخضراء في منطقة القرن الأفريقي، أمة مسلمة نسبة المسلمين فيهم (١٠٠%) لا يوجد فيهم أقليات وثنية أو نصرانية، الصوماليون مسلمون (١٠٠%)، ولكن الصومال شأنها كشأن غيرها، ظلت ترزح تحت نيران الاستعمار الذي جثم على صدر الأمة زمناً، حتى استقل وتحرر بعد أن قدم أرواح أبنائه، وفلذات أكباده، وخيرات بلاده، تحرر من الكفر الأجنبي، ليستقبل في عصر الخداع وفي عصر التعتيم الإعلامي كفراً محلياً، ودع كفراً أجنبياً، واستقبل كفراً محلياً، في ظل وعود الشعارات الزائفة والسعادة الموهومة، استقبل كفراً أسوأ ظلماً وتسلطاً وجبروتاً من الذي قبله. وما إن سقط هذا الكفر وسقطت تلك العلمانية، حتى ظهر للمسلمين هناك أن قنبلة موقوتة تنفجر بزوال النظام، حتى تعيش الأمة حرباً أهلية وقبلية بغيضة، وحروباً متطاحنة. وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند شعب عدده قرابة التسعة ملايين نسمة، عقيدته واحدة، من عرق واحد، والصوماليون -كما قلت- أمة مسلمة عرفوا الإسلام في زمن بعثة النبي ﷺ ، وكان لهم في الإسلام والدعوة إليه تاريخ مشرق ومشرف، ولكن ما إن توالت الدهور والعصور، حتى اكتنفت بهذا الشعب وأحاطت به إحاطة السوار بالمعصم والعقد بالجيد، أحاطت به شلة وشرذمة نصرانية وعلمانية، وأحكمت نطاق حدوده دول نصرانية كافرة، فلا تعجب أن ترى أحوال المسلمين في الصومال أشد مما تسمع، وأبلغ مما يُروى. نعم. وفوق هذا كله لا تزال جسور الكفرة تمتد إليهم، لتُغذي الصراع بالسلاح، ولتُغذي القبيلة والعنصرية عبر الإرساليات البريطانية والفرنسية، وأذنابها ممن جاور هؤلاء حول حدودهم وبلادهم، كانت مناطق آمنة، فخلف من بعدهم خلف علماني كافر أضاعوا الصلاة وحكموا القوانين، وأباحوا الزنا، ونشروا الخنا، وأشاعوا الفاحشة، وضاعت تلك الأمة في ظل تلك القيادات الكافرة التي لا هم لأحدهم إلا قول القائل: إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر أي: عليّ وعلى أعدائي. ولينجو الظالم ببطشه وبرصيده وبملكه، لا يبالي أن يشرد ويقتل ويضيع من وراءه. أيها الأحبة! في فترة مضت -وسمعتم وسمعنا هذا- عُذب العلماء في الصومال، وأُحرق عشرة منهم في ساحة عامة في العاصمة، أحرقوا أحياء بعد أن سكب البنزين عليهم، أما الدعاة فالسجون لها حديث معهم، والزنزانات تعرف أسرارهم، والأغلال تشم أنفاسهم، ولكن من يخبر المسلمين بهذا؟! تعتيم لا نعلمه.

стр. 1801

انفجار الانتفاضة في الصومال إلى عنصرية وقبلية أيها الأحبة! ومرت في تلك الفترة محاولات باءت بالفشل، وفي عام (١٩٨٩م) قامت تلك الأمة المسلمة بانتفاضة تريد التخلص من الجوع والظمأ، تريد التخلص من الكفر، تريد التخلص من الخنا والزنا، ولم تعلم أن الخلاص هو ميقات انفجار قنبلة الحرب الأهلية والقبلية البغيضة، في ظل هذا الوضع انفرط النظام الذي يجمع الناس بالقهر والاستبداد، وسقطت تلك الأمة، وأصبحت القبائل حرباً بعضها على بعض، ولم تُترك تلك الأمة لتعالج أوضاعها بنفسها، بل لا زال الكفر الأجنبي يُغذي أطراف النزاع، لكي يجعلوها لبنان جديدة، ولكي يجعلوها دولة ذات أحزاب متناحرة، هؤلاء مسلمون! وهؤلاء عملاء! وهؤلاء دخلاء! وهؤلاء وهؤلاء أحوال لا يعلمها إلا الله. أيها الأحبة في الله! تُسلط على هذه البلاد، وحكمت بـ الشيوعية زمناً، تحت مطارق العسف، ومناجل الإجهاض والظلم، ولما تنفسوا الصعداء، وظنوا بأن الأزمة انفرجت، إذا بهم يرون ما يرون، ولكن ينبغي أن نعلم كما علموا أنما يدور بينهم ليست فلتة أو صدفة أو مفاجئة، بل هو مخطط نصراني رهيب، يريد أن يمزق هذه الأمة المسلمة، حتى لا تكون منطلقاً لنشر الإسلام في القارة الخضراء. بعد أن سقط ذلك النظام انقسمت القبلية إلى ثلاث فرق كبيرة. إلى قبائل الهوية، وقبائل الدارود، وقبائل الإسحاقيين، وهؤلاء ومن أولهم نزل ما يسمى بحزب المؤتمر الصومالي الموحد، ثم انقسم تحت قيادة زعيمين زيادة على ما ذكرناه من تغذية الدول المجاورة لهذه الحرب الداخلية ولأطماع النصارى والمستعمرين المستفيدين من هذا كله. إنها مأساة غريبة، وليست كارثة طبيعية، إنها حرب صليبية تشرد بسببها حتى الآن مليونان ومائة وعشرون ألف مسلم ذهبوا ضحايا، ومن نجى من الأطفال نُقل إلى الكنائس في دول الغرب، ونُقل إلى إسرائيل لكي يكونوا جنوداً لليهودية أعداء للمسلمين.

стр. 1802

أحوال المسلمين في الصومال أيها الأحبة! وماذا عن آبائنا وأمهاتنا وعجائزنا وأحبابنا داخل الصومال، حدث ولا حرج عن هذه المصائب، وألوان الغارات والنهب والسلب والجوع، إلى حد أنهم جعلوا يطبخون جلود الحيوانات ويأكلونها؛ لأنهم لم يجدوا شيئاً، وهذا واضح ومستفيض في مدينة جلب ومركة وقربولي، أكثر الناس يطبخون -بعد البحث بعناء شديد- من جلود الحيوانات ويأكلونها. لماذا لم يلتفت إلى أزمة المسلمين في الصومال؟ لماذا لم نسمع بهم؟ لذلك أسباب عديدة، ولا يُعفى إعلام المسلمين منها، ولكن واكبت أزمة الخليج، والناس مشغولون بحرب الخليج عنها، واعتقد الكثير أنها قضية حزبية داخلية بحتة، وحرصت الدول المجاورة على تعتيم عظيم حول هذه القضية، فأنت تسمع عن أجمل فراشة، ولا تقرأ خبراً عن أحوال المسلمين في الصومال، وتسمع عن أجمل قطة، وتقرأ تحقيقاً عن أهدأ كلب، ولا تسمع شيئاً عن أحوال المسلمين والمسلمات. نعم. إعلامنا الإسلامي شأنه عجيب في هذا الزمان، فنحن نسمع بالعجائب والغرائب؛ محترف يعتزل، ولاعب يدشن الملعب، ومصيبة تحل، وديانا تطلق زوجها، والأمير تشارلز يبكي على هذا الفراق، أما أحوال المسلمين في الصومال وفي كشمير وفي بورما فلا تجد لها إلا زاوية صغيرة غريبة، فإننا نقول لكل من قدر على أن ينبئ المسلمين بحال إخوانهم: إنك آثم لو سكت.

стр. 1803

المسلمون داخل العاصمة الصومال أيها الأحبة! شأنها في الداخل والخارج حرب همجية شعواء، وصل لهيبها وحريقها إلى المدينة، بينما الناس يتجولون في الطرقات، إذا بهم يفاجئون بقذائف الراجمات وأنواع القنابل، فترى الجثث تملأ الأزقة والطرقات، والموت بالمئات في مواقع التجمع والأسواق، حتى امتلأت الأرصفة بالجثث، وباتت الجثث غداءً وعشاءً للكلاب المسعورة، ومرتعاً للجرذان والقطط والفئران، أشلاء ممزقة، رءوس على جنبات الطريق، وأرجل على أطرافها، وأيد لا تعرف لأي جسد تتبع.

стр. 1804

فرار اللاجئين من الصومال أما اللاجئون الذين فروا من جحيم الحرب الأهلية بعد سقوط النظام، ترى في وجه كل واحد منهم صفحة تقرأ في سطورها مجسماً لكل معاني الفقر والفاقة والحرمان والجوع والبؤس، ولكل مهاجر قصة، ولكل لاجئ حكاية، ولكل أسرة ألف حكاية وحكاية. ولكن إلى أين اللجوء؟ إلى أين الفرار؟ اسألوا هذه القوافل، اسألوا البواخر الفارة، والقوافل الهاربة، إلى أين تذهبون؟ إلى أين تفرون؟ يفرون إلى الموت البطيء، إلى الموت الزاحف، يفرون إلى الجوع، يفرون إلى الوباء، يفرون إلى المرض، يفرون ليفترشوا الأرض ويلتحفوا السماء، يفرون إلى الجهل، يفرون إلى لهيب الشمس وحر الهواجر، وزمهرير الشتاء، وصقيع البرد.

стр. 1805

استقبال جحافل المنصرين للاجئين هذا شأن الفارين إلى كينيا وإلى الحبشة وإلى إريتريا وأثيوبيا وإلى حدود اليمن الجنوبي، هذه نهاية الرحلة ومحطة الوصول، فمن الذين يستقبلون المسافرين؟ تستقبلهم فيالق السلام، سلام التنصير لا سلام التوحيد، تستقبلهم الجمعيات الصليبية والمنظمات التنصيرية، ولكثرة الزبائن والقادمين والوافدين، أصبح النصارى لا يتورعون أن يقولوا: البس الصليب، وصل للمسيح، واحمل الإنجيل؛ نعطيك غذاء وكساء ودواء، وإن لم تفعل فاذهب إلى محمد يُعطيك لباساً وغذاءً ودواء. البس الصليب، واحمل الإنجيل، صل للمسيح (يسوع) المُخلص نعطيك اللباس والدواء، فإن لم تفعل فاذهب إلى محمد حتى يعطيك لباساً وغذاء ودواء، إن عيسى لم ينزل في كينيا ولا إريتريا ولا أثيوبيا، ولكن الذين بدلوا دينه وحرفوا ملته، جاءوا يزعمون أنهم أتباع عيسى، ويقولون للناس: هانحن فأين أنتم؟ أما نحن أتباع محمد الذين لم نحرف ولم نبدل. ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم لعلنا تكاثرنا أن نكون مسلمين موحدين، ولكن والله إننا سنسأل عن أحوال إخواننا، لجأ إلى كينيا أربعمائة ألف شخص، والهجرة والرحلة رحلة العذاب والأسى تستمر يومياً في الحدود الكينية بمعدل خمسمائة شخص، إلى منديريا وعيلواق وبانيسا وأيفو وليبوي، أما في أثيوبيا ففي صوفتو وحدها يموت يومياً خمسة وعشرون طفلاً، وكذلك في دولو فليس الوضع بأحسن حالاً من صوفتو، ولا تسأل عن أحوال الذين على أطراف هذه البقعة وتلك البلاد. أيها الأحبة في الله! واقع الصومال أسوأ من البوسنة والهرسك، واقع الصومال أشد بؤساً من البوسنة والهرسك، ولا يعني ذلك أن نرد شبابنا وأموالنا وجمعيات الإغاثة التي ذهبت من قبل بلادنا، والمخلصين من أبنائنا وعلمائنا وطلبة العلم، لا، وإنما نريد مثلها في الصومال، نريد أن نضاعف البذل وأن نزيد العطاء، حتى يُعبد الله وحده ويُهزم الصليب، ويشفى المرضى، ويكسى العراة، ويشرب الظمأى، ويشبع الجياع.

стр. 1806

صور من المعاناة والمأساة في الصومال أيها الأحبة في الله! يقول مدير وكالة غوث اللاجئين الدولية وهو نصراني من النصارى، يقول: لقد عايشت عدداً من الأزمات والكوارث والحروب، ما رأيت أزمة كهذه، أي: مصيبة المسلمين في الصومال. أيها الأحبة في الله! أما القادمون الفارون من الجحيم، فتسألهم عن البقية الباقية من أحوال المسلمين هناك، فيقولوا: رأيت جثث الحمير وجثث البشر والآدميين تملأ الأزقة والطرقات، كل فر تلقاء وجهه إلى أقرب حدود دولة مجاورة، ولم يبق هناك إلا مشلول لا قدم له تنقله، لم يبق إلا أرملة لا زوج لها، لم يبق إلا عجوز وشيخة لا ولد لهما، أو يتيم لا كافل له، تفرق الناس، وتشتت الأسر، فالأم لا تعرف أين مصير أولادها، والأب لا يدري عن بناته، والزوج لا يعلم شيئاً عن زوجته.

стр. 1807

تشريد الآباء والأمهات والأبناء بعضهم عن بعض وخذوا صوراً لكي تعيشوا شيئاً يسيراً من المعاناة والمأساة، في مقديشو، ناقلة تحمل الناس لكي تفر بهم من جحيم الحرب الأهلية وقذائف المدافع العشوائية، فجاءت امرأة ومعها طفلها تريد اللحاق بهذه القافلة والفرار معها إلى رحلة مجهولة، المهم أن تفر من هذا المكان، والقافلة تُسرع، لو وقفت لحوصرت من بعض العصابات واللصوص، فقدمت الأم طفلها، فتناولوا طفلها، ثم أسرعت القافلة ولم تستطع الأم أن تركب معهم، فعاشت وبقيت لتعيش الحسرتين، فراق الوليد وجحيم المدينة، هذه صورة لعدد لا يُحصى من النساء. أيها الأحبة! ويا تُرى هل يلتقي الطفل بأمه في مقبرة من المقابر أم في الآخرة، أم في مخيم من المخيمات؟! وهذه امرأة حبلى قُتل زوجها في العاصمة، وفرت بجنينها التي تحمله في أحشائها ومعها أطفالها الثلاثة، ولما وصلت منطقة كسمايو وضعت جنينها لتحمل أطفالاً أربعة، وزادت رحى الحرب في المنطقة، فهربت الأم ثم فروا إلى كينيا، ونزلت الأم مع اللاجئين في العراء حيث الموت بكل صوره ينتظرها وينتظر أطفالها، فمات الأطفال أولهم الجنين حديث الولادة، ثم مات الباقون واحداً تلو الآخر، ثم أصيبت الأم بالجنون، وأخذت تدور بين الناس وتقول: كان لي أربعة أطفال كلهم ماتوا، تقول الأم وهي مجنونة: كان لي أربعة أطفال كلهم ماتوا، هل صحيح أنهم ماتوا؟

стр. 1808

انتهاك الأعراض ولا تسأل عن انتهاك الأعراض، في براوة حيث فرت الفتيات والنساء إلى المسجد، وجاء قطاع الطرق واللصوص، وناشدوهم ألا يصلوا إلى الأعراض، خذوا الملابس والمال وما تريدون، دعوا الأعراض فاقتحموا المسجد وفُعلت الفاحشة بالنساء. أما قصة حافلة مليئة بالفتيات لما شقت طريقها نزل الظلمة والطغاة الغاشمون بثلاثين فتاة، نزلوا بهن من الأوتوبيس وفعلوا بهن الفاحشة على الأرض والعراء، ثم صبوا البنزين عليهن وأحرقوهن وذهبوا، ونجت واحدة بحروقها وآثار النار فيها، لتروي مرارة المأساة، وقصة الفاجعة. وفتاة في أحد المخيمات في الحدود الكينية يجرها جندي كيني، فقابله رجلٌ وقال: ماذا تريد منها؟ وقال بكل بجاحة: دعك ولا علاقة لك بها، فسأل الشاب هذه الفتاة التي لم تجاوز ستة عشر ربيعاً من عمرها، قالت: لقد طلبت منه خمسين شلن كيني، أي ما يعادل خمسة ريالات لأشتري حليباً لأخي الصغير، فلم يقبل إلا بعد أن أوافقه على فعل الفاحشة هذا المساء، وقال: إما أن ترد الخمسين شلن، أو تسلمني نفسها كما وعدت، من ينتصر للأعراض والنساء والضعفاء! وتاجر في كسمايو يقول: كنت أملك ألفين مليون أي: مليارين شلن صومالي، الآن يقول: لا أملك إلا نفسي وهذا الطفل الصغير، ولا أعلم شيئاً عن أفراد أسرتي. حدث ولا حرج عن هذه المأساة، أما الذين يفرون باتجاه السواحل والبحر، فأولئك يتزاحمون على السفينة، وربما آثرت الأم ولدها فرمته في السفينة وتبقى على أرض المأساة؛ لأن حمولة السفينة لا تحمل الأطفال والأمهات، فلا بد من الخيار المر أن تُقدم الأم نفسها وجنينها، فإذا ركبوا جميعاً غرقوا، أو أن تبقى الأم تعاني المأساة، ويرحل الأطفال رحلة مجهولة، ومنذ مدة أعلنت بعض وكالات الأنباء عن سفينة غرقت وفيها خمسمائة نفس من الصوماليين، تزاحموا على القارب فلما أبحر قليلاً غرق القارب ومن فيه. أيها الأحبة! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1809

انتشار المنظمات الصليبية على الحدود الصومالية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! أشهد أن لا إله إلا الله، حكمٌ عدلٌ، واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتفطنوا وانظروا حال إخوانكم هناك، لا تُوجد جمعيات إسلامية تُذكر أو جهود تُخبر، لا يوجد إلا منظمة الصليب الأحمر، ومنظمة كير للعناية الكاثوليكية، ومنظمة أطباء بلا حدود الهولندية، ومنظمة أطباء بلا حدود الفرنسية، ومنظمة أكس فام للإغاثة البريطانية، ومنظمة العون الأمريكي والرؤيا العالمية، ومنظمة جي تي زت الألمانية. أما الإغاثة الإسلامية فليست في شيء يُذكر، وإني أنادي الإغاثة ومنظمة الإغاثة من هذا المكان، والله لتسألن أمام الله إن كان في رصيد الإغاثة ديناراً لا يصرف على هذه الأزمة. نعم. الإغاثة تعمل وتبذل ولها جهود، لكن ينبغي ألا تدخر وسعاً (أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً) اللهم أعط كل منفق خلفاً، ولا كرامة للإغاثة فهي من جيوب المسلمين، لست بهذا أتهم الإغاثة بأنها تسرق الأموال، ولكن أقول: الحال في الصومال ليست على المستوى المطلوب، وجهود الإغاثة مقصرة! مقصرة! مقصرة!! فإما أن تبرهن للناس جهوداً واضحة قوية، وتتعاون مع المؤسسات الإسلامية النشطة، كمنظمة مسلمي أفريقيا، أو تقول للمسلمين: إنا نعجز عن أن نقدم شيئاً في أفريقيا، أو يقولوا: إنا نعجز أن نُقدم شيئاً في الصومال، حتى نعرف أين تذهب الأموال، لست أشكك بل أجزم وأقطع وبنفسي رافقت الإغاثة إلى كمبوديا وإلى بكين وإلى بعض البقاع، فرأيت عملاً مشرفاً وجهوداً طيبة، لكني أقول: الجهود في الصومال ضعيفة، الوضع في الصومال غير مشرف، سبع منظمات صليبية بعضها يحتكر الغذاء، وبعضها يحتكر الدواء ينبغي أن يوجد منافسة، وأن تصب الملايين صباً، وهذه برقية عاجلة إلى مدير هيئة الإغاثة: أخبروا المسلمين ماذا قدمتم في الصومال؟ المأساة عظيمة، إغاثة أي: إغاثة لكل مسلم في أي بقعة كان، ومع وجود هذه المنظمات الصليبية التي لا تفتأ أن تُنزل مع الدواء أسلحة، ومع الغذاء متفجرات، حتى تقول للناس: اعملوا واشتغلوا في هذه الحرب الأهلية، حتى إذا كشفت الحرب عن ساقها ظهر لنا أمر عجيب، وجدنا أن الهدف الأول في الحرب الأهلية، هم الدعاة والمتدينون وطلبة العلوم الشرعية. إذاً ليست كارثة ومفاجئة، بل حرب صليبية يغذيها النصارى بالسلاح تحت الدواء، وبالمتفجرات تحت الغذاء، وماذا يقول بعضهم؟ تقول بعض منظمات الإغاثة: إن هؤلاء الأصوليين هم الذين يحولون دون وصولنا إلى كثير من المناطق التي نريد أن نصلكم فيها، لكن هؤلاء المتشددون الوهابيون المتطرفون هم الذين يمنعون وصولنا إليكم، حتى يثيروا الأحقاد والعداء في نفوس الفقراء على العلماء وطلبة العلم، فإذا جاءوا يدعونهم أو يحذرونهم من التنصير، أو يدعونهم إلى التوحيد، قالوا: أنتم أعداؤنا فلا نقبل منكم شيئاً. ما هي احتياجات المسلمين في الصومال؟ الغذاء، الماء، الدواء، الكساء، الخيمة، هذا الذي يريدونه، يريدون شيئاً يفضل عنا، يريدون شيئاً لا يساوي عشر ما نصرفه في حفلة زواج.

стр. 1810

وضع المسلمين اللاجئين في الحدود الصومالية أيها الأحبة! الوضع سيئ جداً جداً، أما الماء الذي يشربونه فلا أنهار جارية، إنما من المستنقعات المليئة بكل ما يسبب البلهارسيا والملاريا والدسنتاريا المليئة بالجراثيم العجيبة، وربما جفت بعض المستنقعات فرحلت الهياكل العظمية التي كُسيت بجلد جاف رقيق بجالون صغير ساعات طوال تبحث عن مستنقع لم يجف بعد، تجد فيه قطرة ملوثة مملوءة بكل شيء، من ألوان الجراثيم والفيروسات والبكتيريا، وإذا وصلوا إلى مستنقع فيه بقية من ماء ملوث، لابد أن ينتظر الساعات حتى يصل الدور إلى جالونه؛ لأن الناس طوابير على هذا المستنقع. أما السكن فأغصان من الشجر تغرز في الأرض، ويلقى عليها أسمال بالية وخِرق ممزقة، لا تجاوز مساحتها الخمسة أمتار، فهذه العُشيشة هي المطبخ والمجلس والمرقد، وأي مطبخ وهل هناك آلة طبخ؟ أو شيء يُطبخ؟! الله المتسعان. أما اللباس فلا عجب أن ترى الأطفال حتى الثامنة ذكوراً وإناثاً عراة ليس عليهم حتى ما يستر عوراتهم المغلظة، أما الكبار فأكوام من النساء لا يستطعن الخروج لعدم وجود ما تُستر به العورة، والرجل لا يجد إلا ما يستر عورته المغلظة. أما الجنائز فموت الرجل أو المرأة يفرج كربة عريان من العراة، فبموته يؤخذ منه لباسه لكي يُكسى به حي آخر لا لباس له، وبماذا يُكفن هذا الميت؟ ربما دفن عرياناً، وربما كفن بما يوجد من قراطيس وكراتين ونحوها. أيها الأحبة في الله! أما عن الدواء فلا يُوجد على الإطلاق، وانتشر بينهم مرض اسمه: مرض المرسمس، هذا المرض ينتفخ فيه بطن الطفل انتفاخاً عجيباً، ويُضخم فيه وجهه ورأسه، وتضمر عظامه، ويبقى في حالة عجيبة، ثم بعد ذلك يصب جوفه الإسهال كالماء، ثم يصب الدم كالماء، ثم يموت موتاً بطيئاً. كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وأن المنايا قد غدون أمانيا يفرح بعضهم أن يموت من أمامه، يجد الموت فرجاً، وفراق الحياة بشارة، حتى يرتاح من هذه المعاناة التي تراها، قال أحد الشباب -وكل ما أذكره لكم من تقارير موثقة، ومن رجلين صالحين ذهبا بنفسيهما، ورأيا بأم عينيهما ما ذكرته لكم أيها الأحبة- لا تسأل عن هذا المرض الذي انتشر فيهم، والجفاف الذي كسا أبدانهم، يصيب بعضهم أو أكثرهم مرض إذا أخذت بجلدة يدي أحدهم أو بجلدة من رقبته أو صدره، ثم جذبت الجلد وأطلقت يدك عنه، فإنه لا يرجع إلى وضعه الطبيعي من شدة الجفاف، حتى ترده من جديد إلى وضعه الطبيعي. قال -الراوي- ورأينا خيمة دخلناها فوجدنا فيها امرأة مضرجة بالدماء، ينزف الدم من أنفها ومن فمها -أعزكم الله والمسجد والملائكة والسامعين- وينزف الدم من قبلها ومن دبرها، فسألناهم عنها، ما هذه المرأة؟ قالوا: إنها مريضة، قلنا: وماذا تنتظرون؟ قالوا: ننتظر حتى تموت، لنستفيد من خيمتها وملابسها. وهذا رجل وزوجته مقطوعة أطرافهما، وأطفالهما مصابون بالإسهال، فسألنا عنهم، فقلنا: ما هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء مرضى، وعلى أية حال ربما يموتون بعد خمسة أيام ويستفاد من مكانهم، أصبحت الناس تريد الموت، وتجد في الموت راحة، وتجد في الموت كساء، وشبعاً، ورياً، وأماناً، وطمأنينة، أما الحياة فمرض وجوع وعري وعطش وسقم ونهب وفزع وقلق وخوف. أما الغذاء إذا وصل إلى تلك المناطق، فلا يقال لهم لقد جاءكم غذاء، إنما يقال: وصلت حملة طبية معها أدوية، ثم تنصب الخيمة والغذاء فيها، ويُدخل المرضى حسب الترتيب الأولوي لأشدهم مرضاً، ثم يعطى الغذاء بملاعق كأنه يعطى الدواء، إذ لو علم أولئك اللاجئون أن هذه القافلة القادمة أو السيارة الواصلة تحمل غذاءً، لتقاتلوا عليها وتناهبوها ولا يلامون من شدة الجوع. سلوا أنفسكم ماذا ستأكلون بعد الصلاة هذا اليوم، ما هي أصناف الغداء التي ستأكلونها بمشيئة الله بعد الانصراف من الجمعة؟! انظروا أولئك وتذكروا المائدة التي سوف تنزلون عليها. أما المقابر أيها الأحبة! فما بين كل عشرة إلى عشرين خيمة، تجد قبوراً لخمسة أو ستة، وليس عجيباً أن تجد رجلاً يقول مات لي طفل اليوم وبالأمس مات لي طفلان، وعندي طفل أو اثنان مرضى. أما النساء الحوامل فثمانون بالمائة من النساء الحوامل يمتن ويفارقن الحياة، ويلفظن النفس أثناء الطلق والولادة لعدم وجود العناية والرعاية بهن.

стр. 1811

نداء إلى كل مسلم يا أمة الإسلام! من يشتري الجنة بدعوة إلى التوحيد ومواجهة للتنصير؟! من يشتري الجنة بلقمة تدفع الموت، وبجرعة تبرئ السقم، وبغرفة ماء ترد الحياة، وبلباس يستر العورة؟! أين من أسرف على نفسه بالذنب والمعصية؟ دونك باب عظيم في الصومال، إغاثة اللاجئين تُكفر به ذنوبك وخطاياك: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]. هل في المسلمين تاجر يهجر مكتبه أو شركته، أو يهجر شاشة الأسهم وبورصة العملات، ليعقد أكبر صفقة رابحة مع الله في إنقاذ عباد الله اللاجئين من الشرك، الفارين من التنصير، الهاربين من المرض والجوع والعطش؟! هل يوجد ثري يسافر إلى هناك؟! هل يوجد من يُغير خط الرحلة، من نيس وكان وماربيا وجنيف ليجعله إلى صوفتو وغيرها، من المواقع التي تمتلئ بالمساكين الصوماليين؟! أين من يملك طائرة خاصة يتجول بها، أو ينقل بها الضيوف ليحضروا زواج ابنته في لندن، هل يذهب بطائرته إلى هناك لكي ينظر أحوال المسلمين؟! هل يوجد من يسير إلى تلك البقاع؟! هل في شبابنا من يجمعون المال ويسافرون، وينتظمون في سلك الإغاثة، ويقولون لهيئة الإغاثة: أعطونا المال والدواء، وجهزوا كل السُبل ونحن ننفذ إن لم يوجد عندكم جهاز يكفي للتنفيذ؟! هل فكرنا أن نزور هذه المنطقة؟! أيها الأحبة! منذ مدة وجهت إلينا دعوة لنحضر زفافاً في فندق الإنتر كونتيننتل، فقلت: لا والله لا نحضره، وحرام على أهلي أن يحضروه، ولا يجوز لنا أن نحضر، إيجار الصالة في ليلة واحدة مائة وخمسين ألف ريال! حفلة زواج بمائة وخمسين ألف ريال! ومنذ مدة حفلة زواج في فندق الإنتر قبل الحفلة قُدم للمغنية ستون ألف ريال، أو لمطرب من المطربين قدم له ستون ألف ريال لكي يغني في العروس والعريس، إنا لله وإنا إليه راجعون!! ألا تخشون أن يصيبنا ما أصابهم؟! ألا تخشون أن يحل بنا ما حل بهم؟! ألا تخافون أن يخسف الله بنا؟! قلتها في الجمعة الماضية: إناء من العجين يُصنع به زخرفة، عجين الطعام الذي لا يجدونه ليأكلونه يُصنع به زخرفة في مناسبة من المناسبات. يا أمة الإسلام! والله إنا لنخاف على هذه النعمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] الناس تموت جوعاً ومرضاً، ومنا وفينا من يتسابقون لوضع أكبر دش يستقبل الـ إم بي سي والقاهرة والكويت، وربما استقبل بعضهم ستة وأربعين محطة فضائية، نعم. يستقبلون ماذا؟ يستقبلون الحفلات والرقص والغناء واللهو، وليس في هذه الأقمار الصناعية أو المحطات الهوائية ما ينقل لنا أحوال المسلمين. يا أمة الإسلام! كم تبكي عيون بنيك دماً؟! حسبنا الله ونعم الوكيل! إننا من هذا المكان نناشد كل مسئول في الإعلام بأن تظهر تقارير على الأقل نصف أسبوعية عن المسلمين في الصومال، وفلسطين والبوسنة والهرسك، وبورما وكشمير وفي كل بقاع الأرض، حتى نبرهن إسلامنا في إعلامنا، وفي تصرفاتنا، أما أن تمر الشهور ونرى العجائب، ولا نرى شيئاً عن أحوال المسلمين فهذه مصيبة، ولابد من إيجاد البرامج والحوارات واللقاءات والتحقيق المصور، حتى يظهر الأمر على حقيقته. ختاماًَ أيها الأحبة! لا يزال المسلمون يكرهون النصارى هناك، لا يزال الفقير الجائع العطشان العاري يكره النصارى، ويريد لقمة من مسلم، ولا يريد طبقاً من كافر، فهل هناك مسلم يذهب؟ أسأل الله جل وعلا أن يدفع البلاء عنا وعنكم. إخواني: ستجدون على الباب من يجمع، وإني لا أعذر أحداً يخرج إلا وقد تبرع، فإن لم يجد فيأتي بالتبرع، ويأخذ على عاتقه بأن يقدم أسبوعياً مائة ريال فقط، اجمعها وليست من جيبك، لو أننا في كل جلسة وفي كل زواج وفي كل مناسبة، بعد أن نشبع ونهضم ما نملأ به البطن بالببسي كولا، بعد أن نشبع ونتجشأ، ونقول: يا إخوان! شبعتم وغيركم جياع، ليعطينا كل واحد منكم خمسة ريالات يجمعها على مدى الأسبوع، قدمها لهؤلاء صدقة تدفع عنا البلاء، إن كنت تريد أن تعيش على هذا الوضع آمناً مطمئناً في علاج ودواء وأمن طُرق وخير ودعة وراحة، إن كنت تريد أن يعيش أطفالك فانتبه لأطفال المسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم فرج كربة المسلمين في الصومال، اللهم فرج كربة المسلمين في الصومال، اللهم فرج كربة المسلمين في الصومال وفي البوسنة والهرسك، اللهم أهلك الصربيين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم كن في عون المسلمين في كل مكان، اللهم ارحم المستضعفين في تونس والجزائر وفلسطين وفي سائر البقاع، وفي كشمير وبورما وسائر الأرض يا رب العالمين! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم لا تُفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم قنا شر الفرقة والخلاف والضياع، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكّامنا ودعاتنا على طاعتك، ربنا لا تُفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، ولا تغير ما بنا من النعيم، اللهم زدنا من هذه الخيرات، وزدنا شكراً وعبودية لك يا رب العالمين! اللهم صل على محمد وآله وصحبه.

стр. 1812

آداب التوبة إن مما يشرح الصدور أن نرى شباب الأمة قد عادوا إلى رشدهم، وتابوا إلى ربهم، وأسلموا له أمورهم، وهذه أعظم نعمة يمن الله بها على هذه الأمة، ولكن هذه النعمة لابد لها من آداب تتبعها لتدل على صدقها وقبولها، ولابد من الحذر من تثبيط إبليس والاجتهاد في مواصلة الأعمال والطاعات.

стр. 1813

آداب التوبة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا معاشر المؤمنين! أن مما يشرح صدر المؤمن ويثلجه، أن يرى شباباً تابوا إلى رشدهم، وارعووا عن غيهم، وأنابوا إلى ربهم، وأسلموا له الأمر في القول والعمل، في الدقيق والجليل، وتلك والله نعمة على الأمة، فمن أعظم نعم الله عليها أن يهتدي شبابها، وأن يكثر الصالحون فيها. ولكن أيها الأحبة! إن من الأمور التي ينبغي أن يعيها كثير من الشباب بعد توبتهم إلى الله، والتزامهم بأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، هو إدراك أن التوبة من الذنوب والخطايا والآثام لها آداب من أهمها، ومن أهم مقومات قبولها ودلائل صدقها ما يأتي:

стр. 1814

تحقيق التوحيد والإكثار من الأعمال الصالحة بأن يكثر العبد من الأعمال الصالحة، وأن يجتهد في محو السيئات بالحسنات، لقوله ﷺ : (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن). قد يحار كثير من الشباب في فعل العبادات المكفرة للذنوب، المحيية للقلوب، فلا يعرف بعضهم إلا القليل منها، وبعضهم يجهلها، وهي والله سهلة ميسورة، وأهمها وأجلها فعل الواجبات وترك المحرمات، فما تقرب عبد إلى الله بشيء أحب إلى الله مما افترضه عليه، كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله : (من عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه). فالعناية بهذا من أجل ما يلقى اللهَ به عبدٌ من عباده، بعد تحقيق التوحيد والصدق في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. روى عبد الرحمن بن شماسة المهري ﵁، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلاً، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: [يا أبتاه! أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله] يقولها صحابي من الصحابة، إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم قال ﵁: (إني قد كنت على أطباق ثلاث -أي: على أحوال ثلاث- لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ابسط يمنيك فلأبايعنك، فبسطه يمنيه، قال: فقبضت يدي، قال: مالك يا عمرو؟ قال: أردت أن أشترط، قال ﷺ : تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر لي، فقال ﷺ : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله، ثم لم يكن أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ بعد ذلك، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له ﷺ ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم إنا ولينا أشياء لا أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي). الشاهد والحاصل يا عباد الله! إن أجل ما يرجو به العبد ربه تحقيق التوحيد.

стр. 1815

الاجتهاد في عمل الطاعات أيها الإخوة في الله: إن العبد مأمور بعد التوبة بالإكثار من الحسنات، لتكون ماحية للسيئات، ومرجحة لكفة الصالحات في ميزان الأعمال. إن العبد مأمور أن يكثر من الحسنات ليتذوق بها لذة ما فاته من نعيم العبادة، والأنس بالطاعة، وهذا أمر ندركه بالحس والملاحظة، لو سأل بعض الشباب أنفسهم عما كانوا يلاقونه ويعانونه من قلق النفوس، وشرود الأفكار، واضطراب الأعصاب، بالرغم مما كانوا يمنحونه ويتيحونه لأنفسهم من إغراق في الملذات والمحرمات، والشهوات المفسدات، وبالرغم مما كانوا يستجيبون فيها لأدنى النزوات، ظناً منهم أن تحقيق رغبة النفس يورث السعادة والراحة والاطمئنان، ما الذي كانوا يجنونه ويلقونه بعد فعل المعاصي؟ كان الواحد منهم إذا وقف أمام المرآة يرى الظلمة في وجهه، والكآبة في محياه، والذلة في شخصه، ويصبح في حالة نفسية عجيبة، يريد أن يخرج منها فلا يجد مخرجاً إلا بإشعال السجائر، والسهر مع الأصدقاء إلى آخر الليل، وقد يبلغ الحد بهم إلى شرب المسكر، وتناول المفتر والمخدر، لكي يخرج من نكد الوجود، وألم الإدراك والمشاهدة مما يفعله ويرتكبه. ومثل حاله كحال من رام تغسيل الدم النجس بالدم الذي هو أنجس منه، فكم يفوت المسلم في حال المعصية من الملذات، والأنس بالطاعات والأجور والبركات! حدث عن الخسارة في هذا ولا حرج، ثم بعد ذلك انظر إلى نفس ذلك الشاب الذي أسرف على نفسه انظر إليه بعد أن تاب إلى الله وأناب إلى ربه، وانكسر إلى خالقه، ولينظر الشاب أيضاً إلى نفسه، مقارناً صورته السابقة بحالته الراهنة بعد التزامه واستقامته، ترى ويرى البِشر والنظارة في وجهه، والأنس والسرور على محياه، والنور يشع من جنبات نفسه بحسب اجتهاده في الطاعة والعبادة، فيزول عن صورته ذلك الجبين المقطب، والظلام المخيم، وخبث النفس الدائم، وسرعة الغضب، وتهيج الأعصاب لترى ذلك الشاب خاشعاً مخبتا، مطمئناً هادئا، حيياً حفياً. إذاً أيها الأحبة: لا بد أن يجتهد العبد في الطاعات بعد التوبة، وليكثر من الأعمال الصالحة، ليحصل على ما فاته وما مضى عليه من الأنس والسعادة، وليتدارك ما مضى بالاجتهاد فيما بقي. جاء أحد الصحابة رضوان الله عليهم إلى رسول الله ﷺ ، فقال (يا رسول الله! أذنبت ذنباً، فأطرق الرسول ﷺ برأسه قليلاً، ثم تغشاه الوحي، ثم التفت إلى ذلك الصحابي، وقال له: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]). بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1816

يسر الشريعة الإسلامية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، أنشأنا من العدم وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، وأمننا في أوطاننا، وأصلح بالنا وهدانا، نحمده سبحانه ونسأله الهداية والتوفيق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضو بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله: إن تكفير الذنوب بعد التوبة والإكثار من الصالحات، يكون إما بمحو السيئات، أو بتبديلها حسنات، فالمحو كما في قوله ﷺ : (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) وأما التبديل فكما في قوله الله جل وعلا بعد أن ذكر الذين قتلوا النفس وزنوا، قال سبحانه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠]. أي: بعد توبتهم. فيا معاشر الشباب: يا معاشر المؤمنين! أقبلوا إلى رب غفور رحيم، غني كريم، غني عنكم ويبسط يده إليكم، ويفرح بتوبة عبده أشد من فرحة أحدكم لو ضلت ناقته وعليها طعامه وشرابه، أشد من فرح أحدكم إذا وجد ناقته بعد أن ضلت عنه، وهو في فلاة قفر مهلكة، وقد كان عليها طعامه وشرابه. عباد الله: إن دين الله سهولة ويسر، إن دين الله نور وطمأنينة، إن دين الله فرحة وسعادة، أقبلوا يا شباب الإسلام ولا يردنكم الشيطان، ولا يثبطنكم عن التوبة والمبادرة، فإن الإنسان لا يدري هل يمهل يوماً أو يومين، أو شهراً أو سنة أم لا، فبادروا إلى التوبة يا عباد الله.

стр. 1817

الحذر من تثبيط إبليس إن كثيراً من الشباب يعلم هذه الآيات، وهذه الأحاديث، ولكن حينما تهم نفسه بالتوبة الصالحة، حينما يبدأ الخطى العملية في مجانبة المنكرات، وفعل الصالحات، وترك قرناء السوء، ومجالسة قرناء الصلاح والاستقامة، يأتيه الشيطان من كل جانب، أتظن أنك قادر أن تفعل؟ أتظن أنك قادر أن تستقيم؟ أتظن أنك قادر أن تستمر؟ أتستطيع أن تترك الغناء؟ أتستطيع أن تترك اللهو؟ أتستطيع أن تترك الشراب؟ أتستطيع أن تتوب من العودة إلى الربا؟ ثم يعظم عليه أمر التوبة، تعظيم تعجيز لا تعظيم قرب، ولا تعظيم تهيئة، يعظم عليه شأن التوبة لكي يعجزه ولكي يبعده، ووالله لو بدأ خطوة أولى لوجد الطريق مضاءة، والسبيل ميسراً والأعوان كثر، والأحباب أكثر. إذاً: يا عباد الله! أقبلوا على الله ، يا أخي الشاب! أقدم واسمع إلى قول ابن القيم ﵀: واقدم ولا تقنع بعيش منغص فما فاز باللذات من ليس يقدم وما ضاقت الدنيا عليك بأمرها ولم يك فيها منزل لك يعلم فحيَّ على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم واسمع إلى قول القائل: قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن عباد الله! (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) اعلموا أن كفارات الذنوب كثيرة، بل كل دين الإسلام -ولله الحمد- رفعة للدرجات، وتكفير للخطايا والسيئات، فأقبلوا على الله، وأكثروا من الحسنات الماحية للسيئات، اسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم إلى الثبات والاستقامة، نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى، ومن الحور بعد الكور، ومن الزلل بعد الاستقامة. اللهم ثبتنا على دينك، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، اللهم لا تكلنا إلى ضعفنا، اللهم لا تكلنا إلى عجزنا ومنقصتنا، اللهم إن تكلنا إلى أنفسنا تكلنا إلى ضعف ونقص وعورة وعجز، وإن وكلتنا إلى جنابك الكريم، ووجهك العظيم، فنحن بك وحدك لا شريك لك نرجو الرحمة، ونسألك الجنة، ونعوذ بك من النار يا ربنا، يا خالقنا. نسألك اللهم أن تتجاوز عن سيئاتنا، وأن تضاعف حسناتنا، اللهم يمن كتابنا، اللهم اهد أعمالنا، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم اجعلنا على حوض نبينا واردين، ولكأسه شاربين، وعلى الصراط من العابرين، وبيض وجوهنا يوم تسود وجوه الكفرة والمجرمين، وآتنا صحفنا باليمين، وأدخلنا الجنة بسلامٍ آمنين أول الداخلين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم ميتاً فجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، واجمعنا اللهم بهم في دار كرامتك يا رب العالمين، ومن كان منهم حياً، اللهم فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر عبادك المجاهدين، اللهم انصر جندك الموحدين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم أهلك الشيوعيين، وعملاء الشيوعيين، وأذنابهم، ومن والاهم، ومن نصرهم، ومن نشر مذهبهم، وعمل بأفكارهم، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم انصر عبادك المجاهدين، اللهم وحد صفهم، واجمع شملهم، وسدد رصاصهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.

стр. 1818

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ؟ أيها الأحبة: أتظنون أن الله خلقكم وجعل لكم الأسماع والأبصار، والأفئدة والجوارح والحواس عبثاً؟ إن العاقل ليعلم أنه لم يُخلق عبثاً ولن يُترك سدىً، ولكن ما هي الفائدة التي من أجلها خلقنا؟ وكيف نقيم هذه الغاية ونداوم عليها؟ هذا ما ستجدونه في طيات هذه المادة.

стр. 1819

الغاية من خلق الإنسان الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستهديه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك كل من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل، والند والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، لم يعلم طريق خير إلا دل أمته عليه، ولم يعلم سبيل شر إلا وحذر أمته منه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ويقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. معاشر المؤمنين: كل عاقل يعلم أن الله لم يخلقه عبثاً، ولن يتركه سدىً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة:٣٦]. معاشر المؤمنين: أتظنون أن الله خلقكم وركب فيكم الأسماع والأبصار، والأفئدة والجوارح والحواس، وأموراً خفيت عليكم ونعماً لا تحصوها عبثاً؟ أفترون أن هذا كله خُلق عبثاً؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. إذاً: لأي شيء خُلقنا؟ ولأي حكمة وجدنا؟ خلقنا لعبادته سبحانه، خلقنا لنفرده وحده سبحانه بالعبادة لا شريك له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. ما خلقنا الله ليستكثر بنا من قلة، أو ليستغني بنا من فقر: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٧] ما خلقنا الله ليستظهر بنا من قلة علم، أو ليستقوي بنا من ضعف: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]. معاشر المؤمنين: من أجل هذا خلقتم، ولأجل هذا وجدتم، فهل تصرفاتكم تبرهن ما خلقتم لأجله؟ وهل أعمالكم تثبت لأي شيء خلقتم، أم أن الكثير قد انصرف عما خلق لأجله، وانشغل بما تكفل الله له به؟ إن الخلق خلقوا لعبادة الله ، تلك التي تنفعهم وتُوضع في موازينهم وتُرجح صحائفهم، وتكون بعد رحمة الله سبباً لدخولهم الجنة، إن كثيراً من العباد في غفلة عن هذا الأمر، وقد انشغلوا بأمر قد تكفل الله به، قد انشغلوا وتشاغلوا بأمور قسمها الله ألا وهي الأرزاق ومتاع الدنيا. يا بن آدم! إن الله جل وعلا خلق دواباً صغيرة لا تبصرها ولا تراها، وجعل لها سمعاً وبصراً وأجهزةً هضمية وتناسلية، وجعل لها من وظائف الخلق والمعيشة ما الله به عليم، أفتظن أن الله ينساك ويتركك: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].

стр. 1820

الرزق مقسوم والأجل محتوم يا بن آدم: إن الله خلقك ولن يُضيعك، وإن رزقك الذي تشاغلت به قد قسمه الله لك وأنت نطفة في رحم أمك، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح ويُؤمر بكتب أربع كلمات: برزقه وأجله وشقي أم سعيد) فالرزق قد كتب وأنت في رحم أمك، والأجل قد كتب وأنت في رحم أمك. إذاً فلا الحرص على الدنيا يزيد نصيبك فيها، ولا القناعة فيها تقلل حظك منها، ولا الإقدام على الدعوة والصدق في الحق يقرب أجلك، ولا الجبن والخوف والخور يُبعد أجلك ولو يوماً واحداً: ﴿إذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]. (بكتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة -وجاء في بعض الروايات: فيما يظهر للناس- حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). إذاً يا عباد الله! الأرزاق والآجال بيد الله ، فينبغي أن لا ننشغل بها عما خلقنا لأجله وهو العبادة، ينبغي أن نُسخر طاقاتنا وأوقاتنا، وقدراتنا وتصرفاتنا وأفعالنا، ينبغي أن نسخرها لوجه الله سبحانه ولعبادته وحده.

стр. 1821

شروط قبول العمل ولوازمه

стр. 1822

أهمية المتابعة في الأعمال أيها الأحبة: أترك أمر العبادة لكل واحد منا أن يتعبد كما يحلو له؟ لا وألف لا. إن العبادة أمر مشروع من الله ، ولابد أن ننطلق فيها عن أمر من الله أو أمر من نبيه ﷺ ، لم تُترك العبادة ليتعبد الإنسان كيفما يحلو له، يصلي يوماً خمساً ويوماً أربعاً، أو يوماً سبعاً ويوماً ثمانياً، يصوم هذا ويترك هذا لا، إن العبادة لا تبد أن تنطلق من أمر عليه شرع من الله سبحانه، وعليه شرع من نبيه ﷺ ، وما سوى ذلك فمردود على صاحبه، مضروب به في وجهه. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: مردود، وفي رواية لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فلابد أن يكون منطلق العمل من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ ، وإن كل فعلٍ صالح وعمل طيب لابد وأن يكون عليه دليل من كتاب الله وسنة نبيه، إما بخطاب تكليفي ورد به خصوصاً، أو بقاعدة عامة يندرج فيها هذا العمل. وماذا بعد العمل يا عباد الله؟ يبقى أساس الأمر ولبه وذروة سنامه ألا وهو الإخلاص، الإخلاص الذي يجعل كثيراً من الناس يستنكر أعماله ولا يجد بريق نتائجها. إن الكثير منا ليعمل أعمالاً ويبذل جهوداً، ولكن النتائج -والنتائج بيد الله- لا تكون على حسب ظنه، أو لا تكون على قدر توقعه لماذا؟ فليتهم إخلاصه؛ لأن الله لو تُعبد له الليل والنهار، وصيمت له الأيام، وأُدخل في هذا العمل أحد سواه؛ فإن الله يرفضه ولا يقبله، ومن أجل هذا فكل عبادة ليس عليها أمر الله أو أمر نبيه ولم تكن خالصة لوجه الله فهي مردودة على صاحبها، ويجعلها الله هباءً منثوراً: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1823

أهمية الإخلاص في الأعمال الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، فهي سبب أمنكم وعزكم ورفعتكم وسيادتكم، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: الإخلاص شأنه عظيم، الإخلاص مكانته من الأعمال جليلة، ولا يُقبل عمل ليس خالصاً لوجه الله ﵎، إن الله لم يأمرنا بالعبادة وحدها، بل أمرنا بالعبادة مقرونةً بالإخلاص: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] ينبغي أن يكون الإخلاص قائدنا ومحركنا وباعثنا في كل أمر من الأمور التي نفعلها أو نذرها ونتركها. ينبغي أن يكون فعلنا للأمور منطلقاً من إخلاصها لوجه الله ، وتركنا واجتنابنا للنواهي والمحرمات إخلاصاً لوجه الله، ومراقبةً الله، وخشية من عقاب الله، لا أن يكون عن عجز وضعف عن نيل ذلك الحرام أو المنكر أو المكروه. معاشر المؤمنين! يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) فاحذروا -يا عباد الله- أن يخالط أعمالكم شيء من الرياء أو الشرك أو شيء من ابتغاء حظوظ فانية رخيصة عاجلة، ابتغوا ما عند الله فما عند الله خير وأبقى؛ ومن أجل هذا -يا عباد الله- فإن الأعمال ولو كانت قليلة إذا زينها الإخلاص ضاعفها الله بالقبول وبمضاعفة الحسنات حتى يجدها عند الله أعمالاً كالجبال بسبب الإخلاص، وبسبب مراقبة الله . ومن أجل هذا تفاوت الناس وتباينت درجاتهم، لماذا رجح إيمان أبي بكر الصديق على إيمان الأمة أجمع، لو وضع إيمان أبي بكر في كفة ووضع إيمان الأمة في كفة لرجح بها إيمان أبي بكر الصديق ﵁؟ والله ما هو بكثير صلاة ولا صيام فاق به سائر الأمة، لكنه لأمر وقر في قلبه ﵁، ومن أجل هذا كانت له مكانة عظيمة عند الله وعند نبيه ﷺ . يقول الحسن البصري: [الناس هلكى -جمع هالك- إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم]. لابد أن يستديموا الإخلاص ويلازموه في كل أعمالهم حتى يكون العمل من أوله إلى آخره خالصاً لوجه الله وحده لا شريك له، ثم ماذا بعد ذلك؟ اسألوا الله قبول الأعمال، إننا لنرى في أنفسنا وفي كثير من إخواننا من يأتي إلى الصلاة فينقرها كنقر الغراب، أو يفعل شيئاً من العبادة ويظن أن الأمر قُبل بلا شك ولا محالة. مسكين هذا الذي يمتن على ربه بعبادته، مسكين هذا الذي يمن على خالقه بصلاته، قِف مع نفسك قليلاً: هل أديت هذا العمل في وقته وعلى نحو ما شرعه الله؟ وهل باعثك إخلاصه لوجه الله؟ ثم قف خاشعاً ذليلاً متضرعاً، واسأل ربك أن يكون العمل قد قُبل؛ فإن المحروم من يعمل أعمالاً يضرب بها وجهه ويلف كما يلف الثوب الخلق.

стр. 1824

الخشية من الله والخوف من عدم قبول العمل لابد أن تقف سائلاً الله بعد نهاية كل عمل قبوله، اسأل ربك القبول، فإن المحروم الذي ليس له من صلاته إلا التعب والسهر، وليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وليس له من أفعاله إلا ثناء الناس وحديثهم وليس له نصيب عند الله؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله. إن المحروم هو الذي ينال شيئاً من الثناء والمديح وليس له عند الله مكانةٌ ولا منزلة، ولا رفعة لدرجاته، ولا ثقل في موازين أعماله الصالحة. إذاً: يا عباد الله: اسألوا الله قبول أعمالكم وتذكروا قول عائشة ﵂ يوم أن تلت قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت: يا رسول الله! أهم الذين يزنون؟ أهم الذين يسرقون؟ أهم الذين يشربون الخمر؟ قال: (لا، يـ ابنة الصديق أولئك قوم يُصلون ويتصدقون، ويصومون ويقومون الليل وقلوبهم وجلة يخشون ألا تقبل أعمالهم). إذاً فاسألوا الله القبول، وراقبوا الله في أعمالكم دقيقها وجليلها، فإننا نرى جهوداً كثيرة خاصة في الدعوة إلى الله ، لكن لا نجد النتائج على مقدار هذه الجهود، ولله في ذلك حكمة، إن النبي ﷺ رأى النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، فليست الاستجابة شرطاً لوجوب الدعوة والأمر بالمعروف، لكننا ينبغي أن نلاحظ أنفسنا وأن نتهم أعمالنا، وأن نناقش إخلاصنا لننظر ما الدافع والباعث والمحرك فيها. إننا يوم أن نحقق الإخلاص نفوز بخير عظيم ولو قمنا بأعمال قليلة ما دامت خالصة لوجه الله ، فإن الله يبارك فيها وينميها ويقبلها عنده طيبة، والله لا يقبل إلا الطيب. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد ولاة أمرنا بفتنة، وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا بضلال، وأراد بنسائنا تبرجاً وسفوراً، وأراد ببناتنا اختلاطاً في الوظائف والتعليم مع الرجال، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، اللهم اجزه شر ما تجزي به فاسقاً في فسقه. اللهم إننا نُصبح ونمسي ونبيت منك في أمن وعافية ورخاء وستر وطمأنينة، وإن من الخلق من يحاولون تنكيد هذه النعم وإحلال النقم مكانها، اللهم من أراد ذلك بنا وبعلمائنا وولاة أمرنا، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وأسوء من ذلك يا جبار السماوات والأرض. اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا. اللهم ارزقنا توبة قبل الموت وشهادة عند الموت ونعيماً وسروراً وحبوراً بعد الموت، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ووالدينا وجميع المسلمين أجمعين. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا غائباً إلا رددته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك من العافية شمولها، ومن النعمة حصولها، اللهم إنا نسألك من العصمة دوامها، ومن العافية تمامها، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم وفقنا إلى ما يرضيك وجنبنا أسباب سخطك، وباعد بيننا وبين أسباب غضبك، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً طبقاً نافعاً مجللاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم ارحم المسبحات الرُكع، والبهائم الرتع، والأطفال الرضع، اللهم ارحمنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعذبنا بذنوبنا. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الحليم العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم ارحم المستضعفين، اللهم ارحم المستضعفين، اللهم ارحم المستضعفين، اللهم ثبت إخواننا المجاهدين، اللهم وحد شملهم، واجمع كلمتهم، وثبت أقدامهم، وسدد رأيهم ورصاصهم في نحور أعدائهم، اللهم عجل بنصرهم، اللهم عجل بهزيمة وكسيرة أعدائهم، اللهم وعدك الذي وعدت إنك لا تخلف الميعاد، اللهم انصرهم يا رب العالمين، اللهم بشرنا بنصرهم عاجلاً غير آجل. اللهم عليك بـ الرافضة الإيرانيين الخونة، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم عليك بـ الجعفرية الإثني عشرية، اللهم اجعلهم بدداً وأحصهم عدداً ولا تبق فيهم أحداً، اللهم أهلك زروعهم وضروعهم، من كان فاجراً فاسقاً حاقداً منهم بقدرتك يا جبار السماوات والأرض. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ولجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم نوّر على أهل القبور قبورهم، اللهم نوّر على أهل القبور قبورهم، اللهم آنس وحشاتهم، اللهم آنس وحدتهم، اللهم أهل غربتهم، اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه واجعله على الشهادة والسعادة، وأعنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. عباد الله: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1825

الانحراف أسبابه وعلاجه الانحراف: هو الاعوجاج وتنكب صراط الله المستقيم، ولا يمكن لرجل أن يمسي صالحاً ثم يقوم من نومه طالحاً، ولا لفتاة أمست عفيفة لتصبح وقد سلبت عفتها؛ إلا إذا كان هناك ما يخفيه الشخص من سوء عمل وقصد يظهر عليه في تلك اللحظات. وقد ذكر الشيخ حفظه الله جملة من أسباب الانحراف المتفشية في المجتمع، والتي يجب محاربتها والحذر منها.
следующие страницы →