Полный текст (3 155 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
اضطراب الموازين
ذلك اليوم يا عباد الله: ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧] وكان ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:١٠] في ذلك اليوم: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] في ذلك اليوم ترى الولدان شيباً و ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
ذلك يوم الحاقة، ذلك يوم الواقعة، الخافضة، الغاشية، الرافعة.
ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] السماء تنشق وتنفطر، والنجوم تنتثر وتنكدر، والجبال تسير، والشمس تكور: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨].
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً * وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٢ - ١٠٨].
في ذلك اليوم يوم ترى الأرض بارزة، ويحشر الله الأولين والآخرين فلا يغادر منهم أحداً: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ﴾ يعني: جئتمونا حفاةً عراةً غرلاً: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٨ - ٤٩].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] الأرض تمد، وتلقي ما في جوفها وتتخلى عنه، وترج والأرض ترج، والنوق العشار تعطل، والقبور تبعثر، والنفوس تزوج، والصحف تنشر، ذلك يوم الفصل: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً﴾ [الطور:٩ - ١٠] ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] ذلك اليوم:
وقال كل خليلٍ كنت آمله لا ألهينك إني عنك مشغول
стр. 212
تشخص أبصار المجرمين ويقضى بينهم بالحق
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلاَّ لا وَزَرَ﴾ [القيامة:٧ - ١١].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] يوم تشخص فيه أبصار المجرمين والظلمة والطواغيت الذين آذوا عباد الله فتراهم: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم:٤٣ - ٤٤].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية:٢٨] ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٩] وأشرقت الأرض بنور ربها، وقضي بين الخلائق بالحق، ولا يظلم أحدٌ فتيلاً.
стр. 213
شفاعة النبي ﷺ في فصل القضاء
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ودعاء النبيين: يا رب! سّلَّم سَلِّم، وقد حل كربٌ، وبدا خطبٌ، وظهر أمرٌ عظيم، يجول الخلائق ويموج يومئذٍ بعضهم في بعض، فيفزعون إلى الأنبياء، يفزعون إلى أولي العزم من الرسل يسألونهم الشفاعة لهم ليخفف الله عنهم هذا الموقف والكرب والخطب في ذلك اليوم العظيم، فيتدافع الرسل هذه الشفاعة وكلٌ يقول: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قط قبله مثله) يتدافع أولوا العزم الشفاعة إلى أن تبلغ سيد الأولين، وإمام الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله ﷺ ، فيقول: (أنا لها، أنا لها) ذلكم المقام المحمود والوسيلة والدرجة العالية الرفيعة، فيخر ﷺ ساجداً عند عرش ربه، ويفتح الله عليه بمحامد لم يكن يعلمها أو يعرفها من قبل، حتى يقول الجبار جل وعلا: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيرفع النبي ﷺ رأسه، فيشفع ويقول: (يا رب! أمتي أمتي).
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] في ذلك اليوم لا ينفع الأغنياء غناهم، ولا الأثرياء ثراهم، ولا الملوك ملكهم، ولا الوزراء وزارتهم، ولا الأمراء إمارتهم، ولا كل صغيرٍ وكبير ينفعه ما كان عليه إلا من قام فيه بأمر الله، واستجاب فيه لشرع رسول الله ﷺ .
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] لا تنفع شفاعة أحدٍ لأحد: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه:١٠٩].
(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] نحن وإياكم واحدٌ من اثنين إما: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩] أو: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس:٤٠ - ٤١].
стр. 214
استلام الصحف باليمين أو الشمال
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٤٨ - ٥٠].
في ذلك اليوم حال كل واحدٍ منا يصفه الله فيقول: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤] ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤١ - ٧٢].
يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:١٧ - ٢٩].
стр. 215
اصطفاف الملائكة وندم المفرطين
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] يقوم الروح والملائكة صفاً صمتاً سكوتاً: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ:٣٨].
وفي ذلك اليوم: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤٢] ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة.
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر:٤٧ - ٤٨].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥].
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] يبعث الله من كل أمة شهيداً: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [النحل:٨٤ - ٨٥].
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ تجادل عن نفسها فقط، لا تجادل عن أمٍ ولا أبٍ، ولا خليلٍ ولا صديقٍ، ولا قريبٍ ولا شفيعٍ: ﴿يَومَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١].
стр. 216
يعض الظالم على يديه ويتذكر ما قدم
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨].
وفي ذلك اليوم: ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨].
في ذلك اليوم: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً﴾ إنا جنودٌ لكم، إنا أتباعٌ لكم، إنا قافية من بعدكم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] ولكن يتبرأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا، وفي ذلك اليوم: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
يوم تحدث الأرض فيه أخبارها، ويصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم، ويكشف عن ساق فيدعى الجميع إلى السجود فلا يستطيع الكافرون والمنافقون سجوداً، بل تعود ظهورهم طبقاً واحداً كظهور البقر.
ذلك اليوم يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى، يتذكر الإنسان ما سعى ولا ينسى شيئاً ولا ينكر قليلاً ولا كثيراً.
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] تأتي كل نفسٍ ومعها سائق وشهيد.
في ذلك اليوم يكشف عن النفوس الغطاء، ويصبح البصر حديداً، ويقال لجهنم: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠].
في ذلك اليوم يحشر المجرمون زرقاً يتخافتون بينهم، وقد نسوا عمراً طويلاً، وليالي ساهرة، وأياماً ماجنة، وملذاتٍ تقلبوا فيها، فيقول بعضهم لبعضٍ: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً﴾ [طه:١٠٣] تصبح هذه الدنيا بما مر فيها من مالٍ ونعيمٍ وملذاتٍ وشهوات كأن لم يلبثوا فيها إلا ساعةً من نهار أو يوماً، ويقول أمثلهم طريقة: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً﴾ [طه:١٠٣].
стр. 217
فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم
في ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] وفي ذلك اليوم: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٣٩] في ذلك اليوم: ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران:٣٠].
ويوم يوضع الكتاب وترى المجرمين مشفقين مما فيه، وقد فزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا عاقبة إلا لمن ثقلت موازينه، فتنقطع الأنساب، وتنتهي القرابات، وتنتهي العصبيات والعروبة والقبليات: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٤].
وفي ذلك اليوم ترى ثلة من الأبرار، وجماعة من الأخيار: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢].
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
إذا كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور
وإذا البحار تفجرت من خوفها ورأيتها مثل الجحيم تفور
وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير
وإذا العشار تعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور
وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك أين نسير
وإذا تقاة المسلمين تزوجت من حور عينٍ زانهن شعور
وإذا الوئيدة سئلت عن شأنها وبأي ذنبٍ قتلها ميسور
وإذا الجليل طوى السماء يمينه طي السجل كتابه المنشور
وإذا الصحائف نشرت فتطايرت وتهتكت للفاجرين ستور
وإذا السماء تكشطت عن أهلها ورأيت أفلاك السماء تمور
وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفير
وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتىً على طول البلاء صبور
وإذا الجنين بأمه متعلقٌ يخشى القصاص وقلبه مذعور
هذا بلا ذنبٍ يخاف جنايةً كيف المصر على الذنوب دهور؟!!
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 218
مشاهد من يوم القيامة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى ورضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضَّوا بالنواجذ على العروة الوثقى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ ضلالة؛ وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يدُ الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: أليس من واجبنا أليس من الأولى بنا أليس من المفترض علينا -ما دمنا نوقن بالوقوف في ذلك اليوم الذي يحشر فيه الخلائق والأولون والآخرون وسنكون من بينهم- أن نعرف أحداث ومعالم ذلك المشهد؟ أليس من واجبنا أن نتصور ذلك العرض، وأن نتخيل أين يكون موقعنا مع أي فريقٍ، ومع أي ثلةٍ، وفي أي جماعة؟ ألا فاعلموا يا عباد الله أن شر من يحشر يوم القيامة هو من يحشر على وجهه، فعن أنس بن مالك ﵁: أن رجلاً قال: يا رسول الله! كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال ﷺ : (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرٌ على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟) قال قتادة: [بلى وعزة ربنا] متفق عليه.
стр. 219
حشر الناس حفاة عراة غُرلا
واعلموا أيها الأحبة أننا وإياكم سنقف ونحشر حفاةً عراةً، حتى ما قطع من الإنسان في ختانه سيعود عليه مرة أخرى، فعن عائشة ﵂ قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس حفاةً عراةً غرلاً، فقلت: الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟! - عائشة ﵂ تتخيل الخجل العظيم في ذلك الموقف، أن تحشر النساء عراة والرجال ينظرون إليهن، وأن يحشر الرجال عراة والنساء ينظرن إليهم- فقال ﷺ : الأمر أشدٌّ من أن يهمهم ذلك) الأمر أعظم من أن يفكر رجلٌ في عورة امرأة، أو أن تفكر امرأة في عورة رجل، والحديث رواه البخاري ومسلم، والأغرل هو: الأقلف.
стр. 220
محاسبة الله للعباد على النعم
قال ﷺ : (إنه لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن شبابه فيما أبلاه) رواه الترمذي.
فيا عباد الله: سَنُسأل عن هذه الأموال، وعن هذا العمر، وعن هذه العافية، وعن هذا الشباب، فالواجب أن نجتهد في الحسنات الماحية للسيئات، إذ أن كثيراً من الناس قد اختلطت عليه أمور دنياه؛ فلا يعرف حلاله من حرامه، وقد اختلطت عليه أعماله فلا يدري أي عملٍ أكثر قدم، هل الصالحات أكثر أم السيئات؟! ولكن يا عباد الله! كما يقول الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فأكثروا من الحسنات، ومن أحدث سيئة فليتبعها حسنة، فإن ذلك سببٌ لأن تمحى بإذن الله .
ألا وإن العباد في ذلك اليوم يسألون عما تمتعوا به حتى شربة الماء البارد، وفي الحديث أن الله يسأل عباده يوم القيامة عن النعيم الذي خولهم إياه حيث قال : ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] والنعيم: شبع البطون، وبارد الماء، وظل المسكن، واعتدال الخلقة، ولذة النوم، قال سعيد بن جبير: حتى عن شربة العسل، وقال مجاهد: عن كل لذةٍ من لذات الدنيا سيسأل الله العبد عن شكرها.
أيها الأحبة: إن من الناس من يتقلب في النعم، ولكن تراه من الجاحدين الذين لا يدعون إلا بالويل والثبور، وقليلٌ من عباد الله الشكور.
سأل رجلٌ عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: [ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكنٌ تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادماً، قال: فأنت من الملوك] أخرجه مسلم في صحيحه، وقال ﷺ : (إن أول ما يسأل العبد عنه يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، ونروك من الماء البارد؟!) رواه الترمذي.
ستسأل عن عينين أبصرت بهما فلم تكن كفيفاً أعمى، وتسأل عن أذنين سمعت بهما فلم تكن أصماً، وتسأل عن لسانٍ نطقت به فلم تكن أبكماً، وتسأل عن يدين ورجلين فلم تكن معوقاً أو مشلولاً، فهل أعددت لهذه النعم شكراً؟ وهل أعددت يا عبد الله! لهذا السؤال جواباً؟ وإن أول ما نحاسب عليه من العمل الصلاة، قال ﷺ : (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئاً قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة؟ ثم يكون عمله على ذلك) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة.
стр. 221
تكليم الله للعباد
ألا وإن من مشاهد يوم القيامة: أن الله القوي يكلم عبده الضعيف، العزيز يكلم عبده الذليل، الغني يكلم عبده الفقير، يقول ﷺ : (ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر العبد أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة) رواه البخاري ومسلم.
стр. 222
بعث العباد على ما ماتوا عليه
ألا وإن العباد يوم القيامة يبعثون على ما ماتوا عليه؛ فمن مات سكراناً بعث مختلطاً، ومن مات غافلاً بعث مع الغافلين.
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] فمن أحب قوماً حشر معهم، ومن أحب أهل الضلالة حشر معهم، ومن أحب أهل الربا حشر معهم، ومن أحب أهل الفساد والزنا حشر معهم، ومن أحب أهل المعاصي حشر معهم، ومن أحب العلماء والأتقياء حشر معهم، يبعث كل عبدٍ يوم القيامة على ما مات عليه، أي: على الحال التي مات عليها من إيمانٍ أو كفرٍ أو يقينٍ أو شكٍ أو عملٍ صالحٍ أو فاسد، فالذي يموت وهو محرم، يبعث يوم القيامة وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ومن قتل أو مات شهيداً يبعث يوم القيامة له جرحٌ يثعب دماً، علامة افتخار بين الخلائق، اللون لون دمٍ والريح ريح مسك.
стр. 223
دنو الشمس من الخلائق قدر ميل
تدنو الشمس كما قال ﷺ في الحديث الذي يرويه المقداد بن الأسود: (أن الشمس تدنو يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، قال سليم بن عامر -وهو الذي يروي عن المقداد بن الأسود - فوالله ما أدري ما يعني بالميل: أمسافة الأرض؟ أو الميل الذي تكحل به العين؟ قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يكون عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يكون عرقه إلى حقويه- أي: مشد الإزار عند الخصر- ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار ﷺ بيده إلى فِيه) رواه مسلم.
стр. 224
أقسام الناس في الحساب
ألا وإن من الناس من يكون حسابه بين يدي الله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] من يكون حسابه عسيراً، وهؤلاء هم الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وتمردوا على شرع الله، وكذبوا رسل الله، وكذلك عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر بسبب ظلمهم وعِظم ذنوبهم.
ومن الناس من يدخلون الجنة بغير حساب، أسأل الله بأسمائه وصفاته وفضله الذي لا يضيق به ذنوب خلقه، أسأل الله أن يجعلنا منهم.
ومن الناس من يحاسب حساباً يسيراً، وهؤلاء لا يناقشون الحساب ولا يدقق معهم ولا يحقق معهم، وإنما تعرض ذنوبهم عرضاً، ثم يتجاوز الجبار عنهم ، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقالت عائشة: يا رسول الله! أليس قد قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٧ - ٨] فقال رسول الله: إنما ذلك العرض، وليس أحدٌ يناقش الحساب يوم القيامة إلا هلك) رواه البخاري ومسلم.
ألا واعلموا يا عباد الله: أن الله يعرض ذنوب العبد عليه، فعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يُدني المؤمن فيضع عليه كنفه وستره، فيقول الله لعبده المؤمن: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟) سوف نُذَكر بذنوبنا في ساعتها ولحظتها وزمانها ومكانها وحالها ومن كان معنا وأعان عليها أو خطط لها (أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب أعرفه، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى العبد في نفسه أنه قد هلك، يقول الله : سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافرون والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]) رواه البخاري ومسلم.
стр. 225
شهود جوارح العبد عليه
يجري بين العبد وربه حوار تشهد فيه عليه جوارحه، فعن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: (هل تدرون مما أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول العبد: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ فيقول الله : بلى، فيقول العبد: إني لا أرضى على نفسي إلا شاهداً مني -أي يقول: إني لا أرضى أن يشهد علي أحدٌ لا ملك ولا قريبٌ ولا بعيد ولا أرضٌ، وإنما أرضى أن يشهد علي شاهدٌ من نفسي فقط- فيقول الله: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، ثم يختم على فيه، فيقال لأركانه -أي: لجوارجه-: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بين العبد وبين الكلام، فيقول العبد لجوارحه: بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل) رواه مسلم.
ويبلغ الأمر أشده، والمخاصمة ذروتها عندما يخاصم العبد ويجادل وينازع ويلوم أعضاؤه، قال الله : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢١].
стр. 226
فضيحة أهل الغلول على رءوس الأشهاد
وفي ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] تظهر طائفةٌ من الناس تفوح فضائحهم وتظهر كبائرهم، فأولهم: أهل الغلول؛ والغلول هو: الأخذ من أموال المسلمين بغير وجه شرعي، قال الله : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٦١] قال القرطبي: أي: يأتي بما غلَّ يحمله على ظهره، وعلى رقبته، يعذب بحمله مرعوباً بصوته، موبخاً بإظهار خيانته على رءوس الأشهاد.
وقد بين النبي ﷺ هذا وفصله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعيرٌ له رغاء فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ له حمحمة فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثغاء فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفسٌ لها صياح فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رأسه رقاعٌ تخفق فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت- أي: ذهب وفضة- فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك) متفق عليه وهذا لفظ مسلم، فهذه فضيحة أهل الغلول الذين ينهبون من أموال المسلمين عامة ومن الغنائم قبل قسمتها.
стр. 227
قوم لا ينظر الله إليهم يوم القيامة
ومن الأمور التي يهول لها الإنسان، ويشتد الأمر عليه بها: أن من العباد من لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم، ويعذبهم بأن يصرف وجهه الكريم عنهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذابٌ عظيم، قلت: يا رسول الله! من هم خابوا وخسروا؟ قال: فأعادها رسول الله ثلاث مرات ثم قال: المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان) رواه مسلم.
ومن الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: (شيخٌ زانٍ، ورجلٌ اتخذ الأيمان بضاعةً يحلف في كل حقٍ وباطل، وفقيرٌ مختالٌ يزهو -أي: عائلٌ مستكبر) والحديث رواه الطبراني في الكبير، وممن لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم (رجلٌ على فضل ماءٍ بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجلٌ بايع رجلاً بسلعة فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه) وما أكثر الذين يحلفون بالله أنهم اشتروا بكذا، أو باعوا بكذا، أو أعطوا في سلعهم كذا، فإن أولئك ممن لا ينظر الله إليهم (ورجلٌ بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا؛ فإن أعطاه منها وَفَّى، وإن لم يعط لم يف) متفق عليه، ومن الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث الذي يرضى في أهله الفاحشة.
стр. 228
خوف الكافرين وفزعهم وأمن المؤمنين واطمئنانهم
ألا واعلموا يا عباد الله: أن هناك الكثير ممن يفضحون بأعمالهم يوم القيامة، فالذين يمنعون زكاة الذهب من هؤلاء يصفح لهم على جلودهم، ويحمى به على جنوبهم وظهورهم ويكوون به، وما منعوا زكاة بقرٍ ولا غنمٍ ولا إبل إلا بطح لها بقاعٍ قرقر، ثم تأتي عليه تطؤه بأظلافها، فإذا قضى آخرها رُدَّ عليه أولها، حتى يقضى بين الخلائق، فَيُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
ويوم القيامة طائفةٌ من الأتقياء، طائفة من الأبرار والأخيار يقال لهم: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٦٩] والسبب في أنهم أمنوا واطمأنوا يوم فزع الناس: أن قلوبهم في الدنيا كانت عامرةً بالخوف من الله، فرد الله عليهم هذا الخوف جزاءً بطمأنينةٍ وأمنٍ يوم القيامة، أليسوا يقولون: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:١٠]، فكان جزاؤهم: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١١ - ١٢] قال ﷺ : (إن الله يقول: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يومٌ أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يومٌ أجمع فيه عبادي) رواه أبو نعيم في الحلية (ومن كظم غيظه؛ خير يوم القيامة في الحور العين).
أما الشهداء فلهم عند الله كرامةٌ عند موتهم ويوم القيامة، والمرابطون كذلك يغدى عليهم بأرزاقهم، ويراح عليهم من الجنة حتى يبعثهم الله ويكرمهم.
والذين ييسرون على المعسرين فإن الله يتجاوز عنهم يوم القيامة، والذين يفرجون كربات المسلمين ويسترون المسلمين فإن الله يسترهم ويفرج كربهم، وكذلك من أنظر المعسرين فإنه يوم القيامة في ظل عرش الله.
ألا وإن سبعةً أيضا ممن يطمئنون في ذلك الفزع، قال فيهم ﷺ : (سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشابٌ نشأ في عبادة ربه، ورجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) متفق عليه.
ألا فلنستعد لذلك اليوم الذي سنقف له ونمضي فيه ولا تغرنا دنيانا؛ فإن أقواماً ملكوا أكثر مما ملكنا، ونعموا أكثر مما نعمنا، وأوتوا أكثر مما أوتينا، وهم رهائن وأسرى القبور واللحود، وسنقف وإياهم يوم القيامة، فالعاقل لا يغتر بدنياه منشغلاً عن آخرته، واستعدوا وأعدوا لذلك اليوم عملاً، ولذلك السؤال جواباً، ولذلك الحساب ما يدفعه؛ عسى الله أن يتجاوز عنا وعنكم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت العظيم الحليم، رب العرش العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، يا ودود يا ذا العرش المجيد! يا مغيث الملهوفين! ويا نصير المستضعفين يا رب العالمين! إنك تعلم أن إخواننا في البوسنة والهرسك قد حوصروا حصاراً عظيماً، وقد عجز المسلمون قاطبةً أن يفعلوا أمام هذا الحصار شيئاً، اللهم قل الناصر، وضعف المعين، ولم يبق لنا إلا وجهك يا رب العالمين! اللهم أنزل بأسك الذي لا يرد على الصربيين، اللهم أنزل بأسك الذي لا يرد على المجرمين، اللهم أنزله على الصربيين، اللهم ضعف الجنود واستضعفوا، ولم يبق إلا ما عندك وجندك الذين لا يعلمهم إلا أنت يا رب العالمين! اللهم إن الأمر قد عظم وتفاقم، وإن الخطب جلل، وإن العقلاء حيارى، وإن المسلمين عاجزون أن يفعلوا لإخوانهم شيئاً، اللهم إنهم عبادك فلا تسلمهم إلى الضعفاء يا رب العالمين.
اللهم إنهم يشهدون أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك اللهم لا تسلمهم إلى خلقك المساكين، اللهم لا تسلمهم إلى الضعفاء، اللهم لا تسلمهم إلى المفرطين والمرجفين إلى من تكلهم يا رب العالمين! إلى عدوٍ يتجهمهم أو ضعيف يتملك أمرهم، أو من لا حيلة له عليهم.
اللهم انصرهم بنصرك، اللهم انصر المسلمين في البوسنة، اللهم إن المسلم تغتصب زوجته ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، ويفعل الفاحشة بولده فلا يفعل شيئاً، وينهب ماله، ويحرق داره، ويسرق حرثه وماشيته، فلا يملك إلا أن يقول: يا الله وإنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥] اللهم إنهم يدعونك ونحن ندعوك أن تفرج كربهم، اللهم فرج كربهم، اللهم فك الحصار عنهم، اللهم إن ثمانين ألفاً من المسلمين يحاصرون يوشك أن تجري الدماء في شوارع بيهاتش، اللهم رحمتك بهم، اللهم رحماك بالأطفال وبالعجائز والشيوخ الركع، اللهم رحماك بالأيامى، رحماك بالثكالى، رحماك بالمستضعفين، اللهم أهلك الصربيين بالكروات، وأهلك الكروات بالصربيين، واجعل كيدهم في نحرهم، واجعل تدبيرهم تدميرهم، اللهم سلط عليهم جنودك، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم.
اللهم لا نملك إلا الدعاء، وهذا الدعاء وعليك الإجابة يا رب العالمين! اللهم انصر المسلمين، اللهم وحد صفهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم وحد كلمتهم، اللهم إنهم حفاةٌ فاحملهم، وعراةٌ فاكسهم، وجياعٌ فأطعمهم، وعطشى فاسقهم، ومستذلون فانصرهم يا رب العالمين! يا أرحم الراحمين! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! اللهم إنا نذكر ما حل بنا يوم أن سلط البعث صواريخه علينا فانقلب ليلنا نهاراً، وانقلب نهارنا فزعاً، وخلت الطرق، وهرب الناس، وإن ما بإخواننا أشد من ذلك وأضعاف أضعافه، اللهم عجل نصرك! اللهم عجل فرجك! اللهم عجل تأييدك! اللهم أنزل جنودك يا رب العالمين! يا أرحم الراحمين! اللهم صلّ على محمدٍ وآله وصحبه، وأقم الصلاة.
стр. 229
قدر الأمة
كثيرة هي الشعارات التي ترفع، ولكن قليل هي الصحيحة منها.
كثير هم من يسيرون وراء الراية الكاذبة، ولكن صحيح القول وسلامة المنطق تلزمنا أن نعتقد أن ما نسمعه من أولئك إنما هو عن جهل، أو هم مرتزقة يستطيعون أن يسوقوا الآلاف من الرعاع؛ ليجولوا بهم الشوارع بشعارات جوفاء.
ومهما رفعت من رايات فلن تنتصر إلا راية تحمل شعار: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 230
شعارات كاذبة ورايات خادعة
الحمد لله الذي بأمره تنسف الجبال نسفاً، فتكون قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، الحمد لله الذي تكون الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه، الحمد لله الذي بأمره تنكدر النجوم وتنفطر السماء وتسجر البحار وتفجر، الحمد لله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ واحدٌ في ربوبيته، فهو المدبر المتصرف ولا مدبر ولا متصرف في هذا الكون معه، واحدٌ في ألوهيته فالسجود له والتوكل عليه والإنابة إليه، والحلف والاستعانة به وحده سبحانه، ولا يجوز صرف صغيرٍ من العبادة ولا كبيرٍ منها إلا لوجهه سبحانه، ومن صرف لغيره من ذلك ولو كان صغيراً فقد أشرك، واحدٌ في أسمائه وصفاته: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
стр. 231
طاغية يرفع شعار الحرية
معاشر المؤمنين: إن طواغيت هذا الزمان، وظلمة هذا العصر من الذين تسلطوا على رقاب شعوبهم فساموهم ألوان الهوان، وساموهم أنواع الخس والعذاب، وجروهم إلى عداوة الدنيا بأجمعها، ولا يخفاكم شأن هذا، إنه شقي العراق ولعل قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:٢٨ - ٢٩] لعل هذه الآية ممن ينطبق فيه، وقول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦].
هذه والله أيضاً مما ينطبق على حال ذلك الشقي الطاغية، الذي رفع شعارات جوفاء، ظاهرها الحرية، وباطنها الظلم والاستعباد، ظاهرها المساواة وباطنها العنصرية، ظاهرها الاشتراكية وباطنها الأثرة والسرقة والاستبداد، وأخبث من هذا وأفجر أن يرفع لواء الجهاد من لا يُحكِّم شريعة الله، وأخبث من هذا وأفجر من يرفع راية الجهاد زوراً وبهتاناً، من تعبد القبور في بلاده ويسجد لها ويطاف بها ويذبح لها وينحر لها ويتجمع الناس عندها، ويسألونها تفريج الكربات وجلب الحاجات، ومع هذا يرفع شعار الجهاد وراية الجهاد، أخبث من هذا وأفجر أن يرفع هذه الراية من يحكم القوانين الرومانية الوضعية، أخبث من هذا وأفجر من يعدم أربعمائة شابٍ جمعوا تبرعاتٍ لـ أفغانستان أو كانوا عندهم شيءٌ من التوجه إلى الجهاد في أفغانستان فأعدموا عن بكرة أبيهم، أخبث من هذا وأفجر أن يرفع راية الجهاد من يصنع الخمور في بلاده ويفاخر في تصنيعها معتقةً ينافس بها أنواع الخمور المصنعة في مختلف البلدان، أخبث من هذا وأفجر أن يرفع راية الجهاد من يقتل العلماء غيلةً وعدواناً وظلماً وفجوراً، أين شعوب المسلمين؟ أين الشارع الإسلامي؟ ذلك الذي يسمى شارعاً وليس فيه إلا ذكورٌ لا رجال، كيف يطبلون وراء هذا الطاغية.
وإن من صحيح القول وسلامة المنطق أن نعتقد تمام الاعتقاد أن ما نسمعه من أولئك الذين يسيرون خلف هذه الراية المزيفة إما جهلةٌ لا علم لهم بأدنى حقائق الأمور، ولا ربط عندهم في سباق الأمور ولحاقها، وإما مرتزقة تستطيع أن تسوق الآلاف، بل مئات الآلاف منهم يوم أن تتجول في أحيائهم وتعطيهم قطع الدنانير والدريهمات ليخرجوا لك في مسيرةٍ يؤيدونك فيما تريد.
стр. 232
جماهير المظاهرات لا عقول لها
إنها لمن مصائب الأمة أن تغتر الأمة وأن يقل الفهم والوعي عند رجالها إلى حدٍ أصبحوا يظنون أن هذا الرجل أصبح رافعاً لراية الجهاد حقاً بلا ريب، معاذ الله من هذا الهراء! وعياذاً بالله لعقول المسلمين أن تقع في هذا! إن الجماهير لا عقول لها، إن الغوغاء لا عقول لها، إن المظاهرات لا عقول لها، إن المسيرات لا عقول لها، واحدكم لو دخل في مظاهرةٍ أو مسيرةٍ قوامها أربعة آلاف أو خمسة آلاف ثم أصبحت هذه المسيرة تردد شعاراً معيناً، ولو كان في قلبه أن يخرج لهذه المسيرة لغرض غير هذا، فيسجد نفسه لا محالة يردد شعار المسيرة كالببغاء، ويقلد كالقردة خلف قائد المسيرة بعبارات وشعارات وألفاظ ومنطقٍ أجوف لا يدري ما معناه، هذا أمرٌ مجربٌ مشاهدٌ ملحوظٌ، ومن خبر الناس وعرفهم وحادث من يعيشون في تلك البلدان التي تطبق هذا النوع من المسيرات والمظاهرات عرف أن الغوغاء لا عقول لها، والجماهير ساذجةٌ بسيطة لا عقول لها يوم أن تخرج بالجموع وتردد ما تعقل وما لا تعقل.
وهنا اسمعوا أحسن الكلام، يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦] أي: الذين يرددون ويسيرون خلف الجموع لا يتفكرون أبداً، ويوم أن يقومون مثنى وفرادى ويتفكرون ما يردد في هذه المسيرة، ويردد في تلك المظاهرة يدركون ويعلمون أنهم يرددون ما لا يفقهون وما لا يعقلون، ولكن: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣].
إن عامة الناس يوم لا ينتبهون إلى الحق بعد بيانه لا يضرون الأمة شيئاً، ذلك أن الله جل وعلا، وأن النبي ﷺ قد بين في سنته أنه قد تضل أمم عن الحق قاطبة فلا غرابة: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ذلك أن العبرة ليست بالجموع، وإنما العبرة بالعقول، فلا تذهب أنفسكم حسرات ولعل أحدكم باخعٌ نفسه على آثارهم أن يخرج عددٌ من المسلمين في جهلٍ وغباء يرددون شيئاً من هذه الشعارات الجوفاء، لا.
يوم أن تظهر الحجة وتبين المحجة حينئذٍ يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
стр. 233
ما قدر الله إلا بحكمة ورحمة وعدل
أمة الإسلام: ينبغي أن نحمد الله على كل حال، ولو كنا في حال الحرب، ولو كنا في حال الدماء، ولو كنا في حال التضحيات، نحن أمةٌ تحمد ربها على كل حال، الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، كيف لا نحمده في هذا القدر العظيم الذي ما تخلفت عنه حكمته جل وعلا، وهل تظنون أن قدر الحرب قدرٌ لا حكمة فيه؟ تعالى الله عن ذلك، من قال: إن هذه الحرب بغير قدر فقد كفر ومن قال: إنه قدرٌ بغير حكمة فقد كفر، إن المؤمنين يؤمنون بأن قيام الحرب بقدر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ويقول تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] هذه الحرب مقدرة.
إذاً: في صميم عقيدتنا أن ما يدور الآن بقضاءٍ وقدر.
والقضايا بقضاءٍ وقدر والليالي عبرٌ أي عبر
وبعد ذلك أتظنونه قدرٌ بغير حكمة؟ لا.
يقول ابن تيمية: " إن الله جل وعلا ما قدر في الكون قدراً إلا وله سبحانه فيه تمام الحكمة، لأن الله سبحانه لا يقدر عبثاً، وما يقدر قدراً إلا وله فيه تمام العدل لأن الله لا يقدر ظلماً، وما من قدرٍ يقدره في الكون إلا وله فيه تمام الرحمة، لأن الله رحمته سبقت غضبه ورحمته وسعت كل شيء ".
فالحمد لله على قدر الله في سلمٍ أو حرب، وأمة الإسلام ينبغي أن تواجه قدرها، ألم يواجه النبي ﷺ قدر بدر والصحابة يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، ألم يواجه قدر أحد وقد كسرت ثنيته وشجت رباعيته ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجهه الكريم ﷺ ، واجه قدره وهو المعصوم ﷺ .
وهكذا واجهت الأمة قدرها في خندق الأحزاب وبني قريظة وبني النضير وبني المصطلق، في جميع الغزوات واجهت الأمة قدرها وكان شأنها خيراً، وباءت وعادت بالخير والفضل، وانقلبت بفضل من الله ورضوان لم يمسسهم سوء، من مات منهم لم يتجاوز يومه وإنما أكرمه الله بموته شهيداً، ومن عاد منهم عاد سعيداً ما رضي بالذل والهوان خوفاً على النفوس والأرواح؛ القادسية وحروب الردة وقتال المرتدين من مانعي الزكاة، واليرموك، وبلاط الشهداء، وعين جالوت، وكل معارك الإسلام خاضتها أمة المسلمين وخاضها قادتهم مستسلمين راضين يحمدون قدر الله جل وعلا فيهم، فلماذا تتردد الأمة أو يصيب بعض أبنائها شيئاً من الألم أو من الحسرة على هذا الحال؟ لا والله.
بل نحمد الله جل وعلا، وشأن أمة الإسلام يوم أن تواجه هذا القدر وهي تذكر قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] لأن المعركة فيها جراح وقتلى ودماء، ولكن أمة الإسلام تتذكر قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
يا أمة الإسلام: ينبغي أن نحمد الله جل وعلا، وأن نعيش غاية الأمن وغاية الطمأنينة في النفوس قبل البيوت، وفي البيوت قبل الأحياء، وفي الأحياء قبل المجتمعات، وفي المجتمعات قبل الدول، وفي الدول قبل سائر الأمور جميعاً.
نحن أمةٌ ما خرجت عن قدرها فلماذا هذا الجزع؟ ولماذا هذا الهلع؟ ولماذا هذا الخوف؟
خرجنا إلى الموت شم الأنوف كما تخرج الأسد من غابها
نمر على شفرات السيوف ونأتي المنية من بابها
ونعلم أن القضا واقعٌ وأن الأمور بأسبابها
ستعلم أمتنا أننا ركبنا الخطوب حناناً بها
فإن نلق حتفاً فيا حبذا المنايا تجيء لخطابها
وكم حيةٍ تنطوي حولنا فننسل من بين أنيابها
هذا نشيد أبنائكم، وهذا شعار سلفكم، فلماذا تتردد الأمة عن مواجهة أقدارها بكل صبرٍ وشجاعة، هل ظننتم أن الجبن يطيل في الأعمار؟ أم أن الشجاعة تقصر في الأعمار؟
فلسنا على الأعمار تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا تقطر الدما
ترددت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ويقول سعد ﵁: [احرص على الموت توهب لك الحياة].
عبد الله بن رواحة ﵁ لما خرج إلى المعركة ووجد في نفسه شيئاً لا يذكر قال:
أقسمت يا نفسي لتنزلنه
لتنزلنه أو لتكرهنه
قد أجلب الناس وشدوا الرنة
ما لي أراك تكرهين الجنة
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حِمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلِ فعلاهما هديت
يا حبذا الجنة واقترابها طيبةً وباردٌ شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
ونحن نقول:
والبعث بعثٌ قد دنا عذابها كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
عليَّ إذ لا قيتها ضرابها
يا معاشر المؤمنين: نحمد الله جل وعلا على كل حال، عجباً لكم! عجباً لكم! عجباً لكم! بقول نبيكم ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن إنه أمره كله له خير: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) ففي كل الأحوال أنتم على خير وفي خير وبخير، نحمد الله جل وعلا على مقاديره، ونسأله اللطف والعون والنصر والثبات والتأييد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم احمِ حوزة الدين، واحفظ أرواح المؤمنين، واحقن دماء المسلمين، اللهم أهلك البعثيين، اللهم أهلك طواغيت البعث وحرسهم الجمهوري، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم لقد ضجت الحيتان من بغيهم، وضجت الطيور من ظلمهم، وفزع الأطفال من فعلهم، اللهم فأفزعهم وسلط بعضهم على بعض، واقتلهم بأيديهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 234
أكلة تداعت إلى قصعتها
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك! معاشر المؤمنين: حينما تدلهم الخطوب، وحينما تختلف الأقوال والآراء، ينصر الله أمة الإسلام بسديد القول من صالح العلماء في هذه المعركة الدائرة التي اختلطت فيها المصالح الدولية، واختلطت فيها الأهداف المختلفة، ووجب فيها الجهاد في سبيل الله جل وعلا.
يعيش بعض شباب المسلمين حيرةً لا يعرفون وجه الجهاد في هذا الأمر، ألا فاعلموا يا شباب الإسلام! ألا فاعلموا يا أمة الإسلام! أن الحرب الدائرة فيها جهادٌ في سبيل الله وبيان وجهه يأتي، وفيها مصالح دولية؛ مصالح لنا ومصالح لغيرنا، وقد انجلى الصبح لذي عينين، وفيها نعمة من الله بقهر وتفتيت قوةٍ غاشمةٍ ظالمة، لا ينتظر بديلاً لها حكومةً صالحة، إنما البديل أخبث من ذي قبله، أو يكون مساوياً له، أو على الأقل لا رحمة للإسلام والمسلمين في بقاء قوته:
البعث بعثٌ في العراق وغيره تتواصل الأسباب بالأسباب
أما وجه المصالح الدولية فلا يخفاكم أن هذا الذهب الأسود الذي جعله الله متدفقاً في بلادكم الذي جعله الله في أرضكم ولو شاء الله لجعله بعيد المنال عنكم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] إن هذا الذهب المتدفق في أرضكم تعلقت به مصالح الأمم أجمع؛ أليس من الحكمة أن يحرص كل ذي مصلحةٍ على أن يحافظ على مستقبل حضارته ومصير أمته كافرةً كانت أو مسلمة؛ لأن الحياة مطلبٌ لجميع من دب على وجه الأرض سواء من البشر أو من البهائم أو من الحيوانات والحشرات، الحياة مطلبٌ طبيعي.
وأما تفتيت هذه القوة فإننا نسأل الله جل وعلا أن يكون فيه خيراً للإسلام والمسلمين؛ لأننا وقد تكشفت لنا عداواتٌ مختلفة لا نرى في بقاء قوةٍ غاشمةٍ ظالمة صلاحاً للإسلام والمسلمين، وليطبل من يطبل، وليطنطن من يطنطن، وليردد من يردد في مختلف الجرائد والمجلات والإذاعات ووسائل الإعلام، ليقولوا ما يقولوا، ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، والله لو أن أولئك الذين أخذوا يبكون على قوة العراق، ويذرفون دموع التماسيح على آلتها العسكرية لو أنهم قتلوا يوماً ما بها، لو أنهم انتهكت أعراضهم بها، لو اغتصبت بناتهم بها، لو دنست أراضيهم بها، لو سفكت دماؤهم بها، لو أهينت كراماتهم بها، لقالوا أبيدوا العراق ومن على وجه العراق أجمع، ولكننا نقول: نسأل الله أن يحفظ دماء الأبرياء من العزل المدنيين، وأن يهلك هذه القيادة الغاشمة الظالمة، وحزب البعث معها وحرسها الجمهوري الذي تسلط في هذا الزمان.
هذا شأن المؤمنين وهذا شأن المسلمين: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦] لا تقلدوا ولا تتبعوا صوت الناعقين في الإذاعات والمجلات والصحف ووسائل الإعلام، لا تفكروا مثنى وفرادى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)) [سبأ:٤٦] هذه أحوالٌ ينبغي أن يقدم الفكر فيها على العاطفة، حينما نسمع مسيرةً قامت تأييداً للمجاهد العدل الأكبر الذي أصدر خمسةً وثلاثين ألف تصريح لبارات الخمر في العراق، أهذا مجاهدٌ تمشي مسيرةٌ في تأييد شأنه، لو قلنا لأولئك الذين خرجوا في هذه المظاهرة: هل فيكم واحدٌ انتهكت بكارة بنته ظلماً وعدوانا؟ لا.
لو قيل لأحدهم هل أهينت كرامتك في بيتك؟ هل فعلت الفاحشة بك أمام زوجتك وبناتك كما فعل أولئك بالكويتيين أو ببعضهم أو بالمستضعفين في بلادهم؟ ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، لا يمكن.
إذاً: فالذين يرددون ويطنطنون ما ذاقوا حرارة المأساة، وما مشوا على جمر المحنة وآلام الظلم والبغي والعدوان، إذاً فلماذا نردد ما لا نعقل ونقف موقفاً لا نتصور حقيقته، لو أريد لكل واحدٍ من أولئك الذين ساروا أو أيدوا في أنفسهم أو في إذاعاتهم أو في فكرهم لو قيل لأحدهم: جرب لوناً أو صنفاً أو طعماً من ألوان هذه المصيبة التي نزلت بإخواننا الكويتيين لما استطاع أن يطيق هذا، لوجه من يا طاغية العراق! أطفالٌ يموتون في الصحراء عطشى؟ أهذا لوجه الله؟ لوجه من يا طغاة البعث! نساءٌ عفيفاتٌ مستوراتٌ ينتهكن ويغتصبن؛ لوجه من يا طغاة البعث! تسرق ثروات أمة ويعلق أبناء المقاومة فيها على الرافعات كالمشانق؟ لأجل من؟ ولوجه من؟ نعم.
للبعث الذي يقول قائله:
آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ماله ثان
هكذا الذين يقول قائلهم:
هبوا لي ديناً يجعل العرب أمةً وسيروا بجثماني على دين برهم
حتى لو كنت نصرانياً أو يهودياً:
هبوا لي ديناً يجعل العرب أمةً وسيروا بجثماني على دين برهم
سلامٌ على كفرٍ يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
فقد مزقت هذه المذاهب شملنا مذاهب الشريعة مذاهب الفقه مزقت شملهم، من الذي يجمعهم ركن الوحدة في فقه البعث وعنصر الملة.
فقد مزقت هذه المذاهب جمعنا وقد أودعتنا بين نابٍ وميسم
стр. 235
أمم تقتسمنا ونحن نستجدي في غفلتنا
يا أمة الإسلام: متى نفيق من الغفلة؟ متى نعمل هذه العقول؟ متى نسخرها لكي تتأمل، إننا لا نؤمر بأن نسلم بكل ما نسمع أو نقرأ؟ لكننا نؤمر أن نتدبر، وأن نتأمل، وأن نكون قوامين بالقسط شهداء لله، ولو على أنفسنا أو الوالدين أو الأقربين، هذا واجبنا.
وأما وجه الجهاد في سبيل الله: فأسألكم يا شباب المسلمين! لو أن البعثيين معاذ الله من ذلك! استحلوا قطعةً من أرضكم وبلادكم، أو مكثوا بعد احتلالٍ أو دخولٍ في قطعةٍ من أرضكم وبلادكم، هل ستقتلون القاتل في تلك القطعة؟ أم يحال إلى المحكمة الوضعية القانونية؟ هل ستقطعون يد السارق في تلك القطعة؟ أم يحال إلى المحكمة الوضعية؟ هل سترجمون الزاني؟ هل ستجلدون الشارب؟ هل سيسمح البعث للدعاة أن يلقوا الدروس والمحاضرات والندوات؟ هل ستكفلون الأيتام في تجمعاتكم وتبرعاتكم؟ هل ستدعمون الجهاد في أفغانستان؟ هل ستجعلون حلق الذكر في مساجد تلك البقعة؟ لا.
والله لو حكم البعث أرضاً أو شبراً من الجزيرة ما قطعت فيها يد سارق، وما قطعت فيها رقبة قاتل، وما أقيم فيها حدٌ، وما أذن فيها لداعيةٍ أن يتكلم أبداً، فضلاً عن دعم قضايا المسلمين ومشاريعهم، أليس في صد هذا العدوان جهادٌ في سبيل الله؟ إذاً ما يكون الجهاد إذا لم يكن دفع العدوان الذي يمنع بيوت الله أن يرفع فيها اسمه؟! إذا لم يكن صد العدوان البعثي الكافر عن أرض المسلمين، أرض الموحدين، الدعاة العلماء، سائر الناس، حتى العصاة فيهم، فيهم خيرٌ كثير حتى عصاة أمتنا، عصاة شبابنا، أقول: فيهم خيرٌ كثير؛ لأن معاصيهم ما جاوزت حدود فرعية بغير تهاونٍ بالمعصية أو رضاً بها أو إقراراً بفعلها، فكل معصيةٍ عليها جزاؤها وعقابها، ولكن حتى وإن فعلت فإن هذه المعصية لا تساوي أضعاف الكفر والإلحاد المضاعف من أولئك.
فيا أمة الإسلام: اعقلوا وتأملوا وتدبروا وتفكروا واعرفوا حقيقة ما أنتم عليه، هذا جهادٌ في سبيل الله.
أعود إلى ما قلت: يوم تدلهم الخطوب وتفتن العقول بالآراء والأقوال يوقظ الله الأمة بصالح علمائها، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -أسأل الله أن يمد في عمره قولوا: آمين، وأن يبارك في حياته، وأن يجعل نومه ويقظته وذهابه وإيابه وفكره وصمته ونطقه في موازين أعماله- قال: هذا جهادٌ لا شك فيه وما عندي فيه شكٌ أبداً.
هكذا يوقظ الله الأمة برأيٍ سديد، وقولٍ سديد من صالح، بل من أتقى أو من تقاة علمائها، وقال متع الله بحياته وإياكم على طاعته قال: إن قول الله جل وعلا: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩] قال: هذا قتال طائفةٍ مؤمنة مع مؤمنةٌ، مؤمنةٌ بغت على مؤمنة، أما هذه فطائفةٌ كافرة، وجب جهادها ابتداءً لا رداً أو دفعاً للعدوان، فما بالك إذا حشدوا الحشود عليك وقد يقول قائل: وما شأن الجهاد في الكويت؟ نقول: ألم يقل النبي ﷺ : (من مات دون ماله فهو شهيد) بلى.
ألم يقل (من مات دون عرضه فهو شهيد) بلى.
جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجلٌ يريد أن يأخذ مالي، قال: امنعه، قال: فإن أبى؟ قال: قاتله قال: فإن قتلته؟ قال: هو في النار، قال: فإن قتلني؟ قال: فأنت في الجنة).
إذاً: لأهل الكويت أن يجاهدوا لرد أموالهم، لرد أرضهم، لرد ثرواتهم، لرد مآذنهم ومساجدهم، وجمعياتهم التي كانت رئةً يتنفس منها الجهاد في أفغانستان والعمل الإسلامي في أفريقيا، جهادٌ في سبيل الله لأهل الكويت أن يعودوا لرد حقوقهم وثرواتهم ومقدراتهم، حتى لا يقول أحدٌ: هذا جهادٌ في حقنا وليس جهادٌ في حق أبناء الكويت، نعم.
أليس لهم أراضٍ وممتلكاتٌ وثرواتٌ وبيوتٌ وضيعاتٌ وأوطانٌ ديست ودنست بأولئك الأزلام البعثيين، ألا يكون هذا جهادٌ في حقهم؟ وبعد أن يستردوا أرضهم ويشفوا صدورهم؛ لأن مثل هذه الأمور لا يشفيها إلا الانتقام بالدم: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤] ما لم يشبع الكويتي مسلماً وغير الكويتي من دم البعثي الحاقد الفاجر البعثي، لا أقول العراقي الساذج البسيط الذي هو من عامة أبناء المدن أو من قراها وضيعاتها، ذلك البعثي الذي تطوع في هذه القيادة الظالمة الغاشمة، أو في الحرس الجمهوري، أو في حزب البعث ما لم يشبع من دمه لا يشفى قدره أبدا.
يقول لي أحد الشباب المجاهدين في أفغانستان: قتل صديقٌ لي في أحد العمليات ونحن في اقتحام على أحد المراكز الشيوعية؛ نفذت ذخيرته فالتف عليه الشيوعيون وجعلوا يجعلون سكين الرشاش في صدره وقتلوه قتلةً شنيعة، قال: علم الله أن في قلبي شيئاً لا أعرف ما الذي يذهبه حتى أظفرني الله ذات يوم في عمليةٍ جهاديةٍ ناجحة اقتحمنا فيها مركزاً من مراكز الشيوعيين قال: ذبحت فيهم عدداً بيدي وآخرين بالرشاش، فلما رأيت دماؤهم تتقلب أمامي وجدت راحة وطمأنينة وذكرت قول الله جل وعلا: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤] يشفون صدورهم القتل أمثال القتل، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩].
فيا معاشر المؤمنين: ينبغي ألا نقع في الإرجاف أو في تثبيط الأمة، ونحن نعلم أننا في جهادٍ مشروع في أي حالٍ من الأحوال، أنا لا أقول إن ما يدور الآن كلها أوضاعٌ صحيحة سليمةٌ ١٠٠%.
لكن إن ما يدور الآن وبقدر الله أراه أهون الشرور على الأمة أن تعيش ما تعيشه الآن.
نسأل الله أن يدفع البلاء وأن يبصر أمة الإسلام وشبابها بحقيقة مواقفها وما يراد بها وما يدبر لها.
اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر المرابطين، اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر شبابنا ورجالنا وجنودنا في القوات الجوية والبحرية والبرية، اللهم أنزل السكينة في قلوبهم، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم.
اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وشمائلهم، ومن فوقهم، ونعوذ بعظمتك اللهم أن يغتالوا من تحتهم.
اللهم احفظهم.
اللهم ارزقهم الاحتساب وطلب الأجر والثواب، اللهم اجعل من مات منهم شهيداً ومن عاش منهم سعيداً، اللهم أهلك البعثيين، اللهم أحصهم عدداً، واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، اللهم سلط على أعدائنا، اللهم اجعل سلاحهم في نحورهم، واجعل كيدهم على صدورهم، اللهم اخسف الأرض بهم، اللهم سلط بعضهم على بعض، اللهم واقتلهم بأيديهم، اللهم خرب بيوتهم بأيديهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك.
ربنا اكشف عنا البلاء إنا مؤمنون، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم مزقهم كل ممزق، حسبنا الله ونعم الوكيل، نستغفر الله ونتوب إليه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا واغفر لنا وانصرنا وثبتنا وأعنا وأكرمنا وأهن أعدائنا.
اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك وعظمتك أن تعيذ جنودنا وأبناءنا وذرارينا من شر ما نجد ونحاذر، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما يلج في الأرض، ومن شر ما يخرج منها بقدرتك التي لا يعجزها شيءٌ في الأرض ولا في السماء.
ربنا انصرنا على القوم الكافرين، اللهم انصرنا على القوم الكافرين، اللهم انصرنا عليهم، اللهم عجل نصرك لنا، اللهم عجل هلاكهم يا رب العالمين! يا أرحم الراحمين! برحمتك نستغيث، اللهم لا تكلنا إلى طائراتنا، اللهم لا تكلنا إلى دباباتنا، اللهم لا تكلنا إلى قواتنا وبارك لنا فيما آتيتنا، وانفعنا بما عندنا، ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك يا رب العالمين! اللهم آمن روعاتنا، اللهم آمن أنفسنا، اللهم نسألك الطمأنينة في نفوسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا وبلادنا وبلاد المسلمين أجمعين، اللهم استر عوراتنا، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم من علمت فيه خيراً لهم ولأمتهم فقربه منهم وبارك فيه يا رب العالمين! ومن علمت فيه شراً لهم ولأمتهم فأبعده عنهم وافضحه على رءوس الخلائق يا رب العالمين! الله سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، ربنا لا تسلط علينا بذنوبنا واحفظنا وانفعنا وبارك لنا وفينا وحولنا وادفع عنا البلاء في كل وقتٍ وفي كل حين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم اجمع شمل قادتهم، اللهم ألف قلوبهم وثبت أقدامهم، وانصرنا وإياهم يا رب العالمين! وانصر جميع المجاهدين في فلس
стр. 236
المجاهدون في أفغانستان
وضح الشيخ في هذه المادة أحوال الجهاد والمجاهدين في أفغانستان، من حيث قلة عددهم وعتادهم، والمؤامرة الدولية عليهم، وغدر الروس بهم، وناشد المسلمين في نهايتها أن ينصروهم بما يستطيعون.
стр. 237
أحوال الجهاد في أفغانستان
الحمد لله القائل في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة:٧٣].
أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل، والند والنظير، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم البعث والنشور.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين: لا يخفاكم أن الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس عبادةٌ من أَجَلِّ العبادات في هذا الدين، بل هو ذروة سنامه التي بها يجد المسلمون حلاوة العزة، وَصِدْقَ الوعد من الله جل وعلا بالعز والنصر والتمكين، يقول سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١٤ - ١٥].
ولما طال انقطاع العهد واتصال البعد عن الجهاد في سبيل الله من الأمة الإسلامية في هذا العصر حقبةً طويلةً من الزمن، اطمأن أعداء الإسلام فيها إلى تدبير مخططاتهم، وأمنوا بأس المسلمين وشوكتهم خلالها، ولئن طال ذلك فإن فجراً بالجهاد قد لاح وظهر، وإن رايات العزة والكرامة قد رفعت ورفرفت على أرض أفغانستان المسلمة، تلك الأرض الجريحة التي جُرحت بمناجل الشيوعية، وضربت بمطارق الإلحاد، لكن ذلك لم يزد المجاهدين إلا قوةً وصلابة.
أيها الأحبة في الله! يا معاشر المسلمين المطمئنين الوادعين في أوطانكم! المتلذذين بألوان النعم في بيوتكم ومفارشكم ومراكبكم ومآكلكم ومشاربكم! يا معاشر المؤمنين: هل تظنون أن إعلاء راية الجهاد أمرٌ هينٌ أو يسير؟ هل تظنون أن جهاد الكفار، أن جهاد أعداء أمة الإسلام يتحقق بالصيحات والشعارات والمنظمات والسب والشتائم؟ لا.
وألف لا.
إن إعلاء راية الجهاد -يا عباد الله- يعني التضحية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى؛ التضحية بالنفس والنفيس، التضحية بالأموال وبالأوطان وبالأولاد، والتضحية بالذرية، والتضحية بالشرف وبالنعيم.
стр. 238
تضحيات المجاهدين
أيها الأحبة: منذُ سنواتٍ تسع، وأحبابكم الذين رسموا صور العزة في جبين هذا الزمان، أحبابكم المجاهدون في أفغانستان، الذين تجافت جنوبهم عن سهل الأرض إلى وعر الجبل، بعد تدخلٍ شيوعيٍ أطاح بحكوماتهم، وأحلهم أحزاباً شيوعيةٍ مستبدةٍ غاشمة أتت على الأخضر واليابس، واعتدت على الزوجات، والمحارم والنساء والذريات، وأذنت للعدو الروسي والحاقد الشيوعي أن يتدخل في أرضها، وأن يحل بساحتها فساء صباحها، وادلهم ظلامها، لقد رفعت راية الجهاد في أفغانستان مقرونةً بالتضحيات، أتدرون ما هي التضحية؟ إنهم الشهداء إنهم المهاجرون إنهم الجرحى إنهم المشوهون والمعاقون لقد سقيت أرض الجهاد في أفغانستان بدماءٍ زكية، دماء مليون وسبعمائة ألف شهيد، نحتسبهم عند الله من الشهداء، وغرست أطرافهم وأشلاؤهم، أيديهم وأرجلهم المبتورة والممزقة تربة أرض الجهاد، حتى إذا جاء الأبناء ليزرعوا وحفروا الأرض ووجدوا رِجلاً أو قدماً، أو وجدوا شلواً ممزعاً، علموا أن البلاد حررت بالتضحية، وحررت بالدماء والأشلاء.
لقد هاجر الضعفاء والعزّل والأبرياء، هاجروا عن البيت والأرض والوطن، فالحال الآن في أفغانستان تنبئك به الملامح والقسمات قبل أن تتلفظ الشفاه بالكلمات، فما من بيتٍ إلا وقدّم أباً أو أماً، أخاً أو طفلاً، ففي كل بيتٍ مأتم، ومن كل دارٍ فقيد.
стр. 239
غدر الروس بالمجاهدين والمؤامرة الدولية ضدهم
أيها الأحبة في الله: الحال في أفغانستان بقدوم هذا الشتاء خاصة، مؤلمةٌ مؤلمةٌ والله جداً، خاصةً وأن القوى العالمية تمارس لعبةً من نوعٍ قذر لقطف ثمرة الجهاد، وإغلاق خطوط الرجعة على المجاهدين لقتلهم وتدميرهم في مواقعهم وثكناتهم، ولكن يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، منذُ أن أعلنت اتفاقية جنيف، وتناقل الناس أنباء انسحاب الجيش الروسي، تلك الأنباء الكاذبة، ومتى وعدت روسيا فأوفت؟! ومتى عاهدت فنفذت؟! ومتى تكلمت فصدقت؟! منذُ أن تناقل الناس أنباء انسحاب الجيش الروسي، تلك الأنباء الكاذبة، ظن الكثيرون من المسلمين، أن ساحات الجهاد خلت من القصف والنار، وأن الرصاص قد هدأ زئيره، وأن المدافع قد كممت أفواهها، وأن المجاهدين قد عادوا إلى حياة الاستقرار والطمأنينة، ولم يبق إلا أن يدخلوا عاصمة الوطن كابول.
هكذا ظن من انْطَلَتْ عليه اللعبة والحيلة، ولقد انطلت والله، أتدرون إلى أي حدٍ وانطلت ومضت هذه اللعبة علينا معاشر المسلمين؟ لقد قل دعم المسلمين لإخوانهم المجاهدين في أفغانستان بعد أن أعلنت أنباء الانسحاب الكاذبة، قل الدعم وانخفض إلى نسبة ٥٠% أي نصف الدعم الذي كان يتلقاه إخوانكم منكم! مضى وذهب نصفه من جراء كذبةٍ ولعبةٍ دولية في ظروفٍ إخوانكم فيها أحوج إلى الدعم أضعاف أضعاف ما كانوا عليه من قبل، لئن كانوا يتلقون دعمكم فيما مضى، فإن قتالهم كان على جبهاتٍ بعيدة، أما الآن وقد انخفض دعمكم، وقلت معونتكم، فإنهم الآن يمارسون حرب المدن، أخطر أنواع الحروب، إنهم الآن يشهدون فتوحاتٍ كثيرة وانتصاراتٍ عظيمة، مع تضحياتٍ هائلة وأخطر من هذا كله -يا عباد الله! - انخفاض نسب المؤن والأغذية الموجودة في المنطقة إلى حدٍ ينذر بالخطر والكارثة، إلى درجة أن الاتحاد السوفيتي ما عاد يدعم كل أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم، بل اكتفى بدعم الجيش الروسي والجيش العميل فقط، هذا فيما يتعلق بالمؤن والأغذية.
أما السلاح والرصاص! أما النار والدمار!! ففي كل شبرٍ لغم، وفي كل أرضٍ مدفع، وفوق كل سماءٍ طائرة.
أيها الأحبة: ماذا عن المؤامرة الدولية على قضية الجهاد في أفغانستان؟ لا زالت روسيا تخالف بنود اتفاقيتها مخالفةً واضحة كالشمس في رابعة النهار، فالطائرات تقلع من مطارات الاتحاد السوفيتي، وتضرب القرى والمدن المليئة بالأبرياء والأطفال، والعزل والعجائز، والشيوخ والمرضى، وحسبكم ما سمعتم خلال عشرة أيام: أن قريةً من قرى قندهار ضربت بصواريخ اسكود بعيدة المدى، راح ضحية ذلك القصف ما يزيد على ثلاثمائة نسمة بريئة؛ بين امرأة وفتاةٍ، وطفلٍ وشيخٍ وعجوز، بل وأسوأ من هذا أن الروس قد أرسلوا ثلاثين طائرة من طراز ميج ٢٧ تضرب القرى والمدن ومواقع المجاهدين من بعد ٢٤٠ كيلو متر، أسقط المجاهدون منها حتى الآن طائرتين فقط، أما تلك الصواريخ؛ صواريخ اسكود، فقد استخدم الروس منها لضرب جاج من جديد، ولضرب كولر وباجور وجلال آباد، استخدموا عشرين صاروخاً لضرب هذه المناطق الصغيرة.
стр. 240
احتياج المجاهدين للعدة والعتاد
أيها الإخوة في الله: إن إخواننا في أفغانستان يخاطبون فينا الولاء لدين الله، يخاطبون فينا الولاء لجند الله، يخاطبون فينا البراءة من أعداء الله، إنهم يخاطبون فينا حمية المسلم لأخيه، إنهم يدعوننا من قعر أوديةٍ من الدماء سالت، ويدعوننا باسم أشلاءٍ من الأبدان تطايرت، ويدعوننا من جماجم إخوانكم التي داستها المجنزرات، ووطأتها الدبابات، إنهم ينادونكم بدموع اليتامى التي بلت الثرى، ولم تجد يداً حاميةً تتلقف دمعةً أو تمسح رأس يتيم، هل من الحمية والشيمة هل من النخوة والإباء هل من الكرم والجود أن نتفرج على كربتهم؟ أن نشاهد أفلام أحداثهم فقط؟ يقول سيد: إن الذي يتفرج على كربة أخيه يدفع الغرامة ضعفين.
فلا تتفرجوا معاشر المسلمين، من لإخوانكم بعد الله إلا أنتم
من للثكالى إذا ناحت نوائحها من للجراح التي استشرت بوادينا
من لليتامى إذا سالت دموعهمُ على الخدود وقالوا من يواسينا
أتتركون إخوانكم الذين يصيحون؟! الذين يصرخون؟! الذين يئنون ويتأوهون؟! يصيحون قائلين:
أنموتُ في كف اللئام وأنتمُ حولي ولم يهززكم استنجادي
ونبيتُ لا ندري أنصبح بعدها أم أن عين الموت بالمرصادِ
يا نائمين على الحرير وما دروا أنَّا ننام على فراش قتاد
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ * إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥ - ٣٨].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 241
وجوب مناصرة المجاهدين في أفغانستان
الحمد لله منزل الكتاب، وهازم الأحزاب، ومنشئ السحاب، وخالق خلقه من تراب، نحمده سبحانه لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه مآب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله: إن الأوضاع الدولية المحيطة بـ أفغانستان، لهي والله لا تبشر بخيرٍ في هذه الأيام، فأنتم تعرفون دولةً كانت هي المنفذ والمعبر الرئيسي لدخول المؤن والعدد والعتاد لإخوانكم المجاهدين، قد تغير نظام الحكم فيها، ونسأل الله جل وعلا ألا يكون هذا التغير سبب شؤمٍ أو نذير خطرٍ على إخواننا في أفغانستان، وإن كنا لا نشك أن من سلف خير ممن أتى، إن حكومة ضياء الحق ﵀ رحمةً واسعة، وأدخله فسيح جناته، ورفع منازله وعظم أجره، ونور ضريحه، إن ذلك الرجل كان أُماً حانيةً على الجهاد، وأباً شفيقاً بالمجاهدين، وكانت أرضه مأوى للمهاجرين، والضعفاء والأبرياء والمساكين، والآن لا ندري ما هو شأن أولئك بعد أن تغير النظام هناك، إلا أننا لا نجزم بشرٍ أو بخير، ونسأل الله جل وعلا أن يحسن الأوضاع لصالح إخواننا المجاهدين.
أيها الإخوة: من لإخوانكم إلا أنتم، أتنتظرون الدعم من دولةٍ وثنية مجاورة؟! أننتظر الدعم لإخواننا من دولةٍ وثنية؟! أو من دولةٍ شيعية؟! أو من دولةٍ روسية؟! أو من دولةٍ مضطربة؟! والله ثم والله! ووالله وتالله وبالله! ليس لإخوانكم بعد الله إلا أنتم، إن كانوا في خيرٍ فالفضل لله وحده، ثم لدعمكم، ثم لوقوفكم، ثم لجهادكم بأموالكم وأنفسكم، فلا تتركوا إخوانكم في نهاية المطاف، وخاتمة المصير، لا تبخلوا معاشر المؤمنين، فإن واقع التبرعات يشهد أنها انخفضت إلى حد النصف -ولا حول ولا قوة إلا بالله- في ظروفٍ تخلت فيها الدول أجمع إلا هذه الدولة، في ظروفٍ تخلت فيها فيها الأمم أجمع إلا هذه الأمة، نسأل الله جل وعلا أن يجعل ذلك في موازينها ورفعةً لدرجات ولاة أمرها وحكامها، ودفعاً للبلاء عن المسلمين أجمعين.
أيها الأحبة: الطقس بارد، والجليد شديد، والثلج منهمر، والدماء لا زالت تسيل، والمدافع لا زالت تتحدث، والنيران لا زالت تنثر حممها على المخيمات والأبرياء والمدن، لا زال الجهاد بل عاد أشد مما مضى، وهي شنشنة أخزمية، وهي طريقةٌ معروفة في بداية الشتاء من كل فصل، ينزل الاتحاد السوفيتي جام غضبه، وحمم نيرانه على المجاهدين في الظروف الباردة التي لا يستطيعون أن يتنقلوا فيها بطلاقة.
فيا عباد الله: إن إخوانكم بأمس الحاجة؛ ما ظنك بريالٍ تدفعه يموت به شيوعيٌ من الملاحدة، ما ظنك بدينارٍ تقدمه يبني ثكنة لإخوانك المجاهدين، ما ظنك بقرشٍ تقدمه يقدم لقمةً لجائع من الجائعين، ولمهاجرٍ من المهاجرين.
أيها الأحبة في الله: إن الذين يتفرجون على كربة إخوانهم يدفعون الغرامة ضعفين، فلا تتفرجوا فتدفعوا، ولا تسكتوا فتبتلوا، وتذكروا قول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥].
ساعدوا إخوانكم وتذكروا قول ربكم: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] الزمان دُولة، والأرض دول، والأمم دول:
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسانُ
هي الحياة كما شاهدتها دولٌ من سره زمنٌ ساءته أزمانُ
وهذه الدار لا تبقي على أحدٍ ولا يدوم على حالٍ لها شانُ
يا راتعين وراء البحر في دعةٍ لكم بأوطانكم عزٌ وسلطان
أعندكم نبأٌ عن شأن إخوتنا فقد سرى بحديث القوم ركبانُ
يا رب أمٍ وطفلٍ حيل بينهما كما تفرق أرواحٌ وأبدانُ
وطفلة ما رأتها الشمس إذ بزغت كأنما هي يا قوتٌ ومرجانُ
يقودها العلج للمكروه مكرهةً والعين باكيةٌ والقلب حيرانُ
لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ
أناسٌ يسهرون على الأفلام والمسلسلات، وأناسٌ يبيتون على قصف المدافع والطائرات.
أناسٌ يتقلبون في الحرير، وأناسٌ يتلمظون أشواك القتاد.
أناسٌ يشكون التخمة، ويعالجون أمراض السمنة، وأناسٌ يتضورون جوعاً، ويموتون ضمأً.
أناسٌ يصمتون العرق عن جباههم من كثرة ملابسهم، ومشالحهم، وكنابلهم، وبطانياتهم، ومفارشهم، وأناسٌ يتقلبون في البرد القارس.
أناسٌ يضيعون في دورهم ومنازلهم وقصورهم، وأناسٌ تخرق الريح جنبات خيامهم.
عباد الله: أين قلوب المؤمنين عن واقع الجهاد؟! أين قلوب المسلمين عن إخوانهم؟! والله ثم والله! إن واحداً ممن أصيب جاء إلى هنا ليعالج -من يومين فقط، يوم الأربعاء، قبل أمس بالضبط- فجاءه الخبر أن أسرته قد ماتوا جميعاً من جراء قصف الطائرات، أمه وأبوه وإخوانه، الأطفال والبنات والفتيات، فلم يستطع أن يبقى، ويصيح ويقول: أخرجوني سأعود إلى أرض الجهاد، لا أريد علاجاً، لا أريد دواءً، لا أريد مئونةً، أريد أن أريق الدم على أرض الجهاد.
إن إخوانكم في شأنٍ وفي محنةٍ وفي كربةٍ عظيمة لا يعلمها إلا الله، إن كنتم تتألمون لواحدٍ ممن تعرفونه وهو مسجون هناك أو سجينٌ هنا، فإن السجين هنا، إن كان لحقٍ أو لغرامةٍ مالية لا خوف على روحه؛ ولا يموت جوعاً ولا يشكو برداً، أما أولئك والله فمن كل شيءٍ يشكون، ومن كل صغيرٍ يتألمون، ولكل قليلٍ يحتاجون؛ بحاجةٍ إلى الدواء، بحاجةٍ إلى الكساء، بحاجةٍ إلى الطعام، بحاجةٍ إلى كل جهدٍ منكم يا عباد الله.
ما بالنا وما حالنا، يسألنا الله جل وعلا في زمان عطّل فيه الجهاد، ورفع الأفغان فيه راية الجهاد: يا عبادي! ماذا قدمتم لإخوانكم؟ ما هي حميتكم لأبناء دينكم؟ فنقول: ضاعت الليالي في المسلسلات، أم مضت في المباريات، أم انتهت في المأكولات والمشروبات، يا خزية الجواب؟ ويا ضيعة السؤال! ويا محنة الإجابة! يوم نسأل عن إخواننا أمام الله جل وعلا.
أيها الأحبة: والله إنها لأحوالٌ دامية، لقد ذهبت إلى إخوانكم في بداية محرم الذي مضى، والله ما كنت أحب أن أخبركم بهذا، لكن الواقع يشهد أن الجراح أليمة، كيف ينتقلون بمدفعيةٍ صغيرةٍ إلى جبهةٍ من الجبهات، يفككونها قطعةٍ قطعة، ويحملونها على أكتافهم، ويمشون على الجبل سبع ساعاتٍ يوماً، ويوماً وليلة، لكي ينصبوا المدفعية الصغيرة التي تطلق شراراً صغيراً، يحاربون به طائرة الميج، أو طائرة السوخوي، أو صواريخ اسكود، إن الكفة ليست متوازنة، لكنها من عند الله راجحة ومنتصرة وغالبةٌ وقوية، في فجر هذا اليوم، اتصل مندوب الجهاد للشيخ سياف وسأله عن الأوضاع، قال: والله! إن أوضاعنا سيئة، وأحوالنا والله سيئةٌ جداً، لكننا في أتم الثقة أن إذا انقطعت أسباب البشر انفتحت أسباب السماء، وإذا أغلقت أبواب البشر انفتحت أبواب الدعاء، وإذا انقطعت المؤن من الأرض توالت المؤن من الله جل وعلا.
وهذا يقوله بلسانه، وهذا امتحانٌ لنا ولإخواننا.
نعم أيها الأحبة: إنه امتحان للمجاهدين في ثباتهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
أيها الأحبة: إنني أدعوكم وأخاطبُ فيكم حمية الإيمان، وأخاطب فيكم فطرة الإسلام، وأخاطب دماً أصيلاً ينبض في قلوبكم، ويجري في عروقكم، أن تنفضوا جيوبكم لإخوانكم، وأن تقدموا دعمكم وتبرعاتكم، ومن لا يجد اليوم شيئاً فليأتِ به في غد، ومن لم يجد في غد فليأتِ به بعد غد، إننا في حالة نفير، إننا في حالة استنفار، إنها حالة طوارئ، فكلٌ يقدم لإخوانه، ووالله لا خير فينا إن لم نقف لإخواننا، كم بذل النصارى لنصرانيتهم؟ كم بذل اليهود ليهوديتهم؟ كم بذل الفجار لفسقهم؟ كم بذل الكفار لفسادهم؟ ماذا تبذلون لدينكم؟! ماذا تقدمون لإخوانكم؟ ماذا تقدمون من مالكم؟ أيكون الريال أغلى من روح تطير في سبيل الله؟! أيكون الدينار أغلى عليكم من الأشلاء والأيدي والأرجل والأقدام؟! أتنتهك النساء، أيفعل الزنا بالبريئات جهاراً نهاراً وأنتم ها هنا في دعةٍ واستقرار؟!! فاتقوا الله في حال إخوانكم، ولتسألن والله عنهم.
اللهم انصرهم، اللهم انصرهم، اللهم انصرهم، اللهم أنزل السكينة على قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم انقطعت أسبابنا وبقيت أسبابك يا رب السماوات والأرض، اللهم أغلقت أبوابنا وتفتحت أبوابك يا رب السماوات والأرض، اللهم انقطع الأمل في كل مخلوق، والأمل فيك باق لا يزول يا رب العالمين، اللهم لا تكل إخواننا إلينا، اللهم لا تكلهم إلى بشر، اللهم كلهم إلى قوتك ودعمك وفضلك ومنّك يا رب العالمين، اللهم إنَّا نشكو إليك قلة حيلتهم، وفقر جيوبهم، وضعف أبدانهم، وقلة سلاحهم، وندرة طعامهم وشرابهم، والبرد القارس في بلادهم، اللهم آمن روعاتهم، وثبت أقدامهم، واجمع شملهم، ووحد صفوفهم، اللهم عجل بشائر نصرهم، اللهم أهلك عدوهم، اللهم عليك بـ الملاحدة الذين لا يعترفون بوجودك، اللهم عليك بالشيوعيين وأذنابهم، اللهم عليك باليهود وأعوانهم، اللهم ارفع الكربة عن إخواننا في أفغانستان، اللهم عجل نصرهم، وأقم دولتهم.
أيها الأحبة: إنها الضربة الأخيرة! إنها الهجمة الخاتمة! إن لم نقف معهم فمن يقف معهم؟؟! اللهم انص
стр. 242
ما يطلبه المستمعون
يقول الشيخ واصفاً درسه: لما قلَّبت وفكرت، تذكرت أن عندي أسئلة طالما ضاق الوقت عن الإجابة عليها في نهاية بعض المحاضرات فقد جمع الشيخ هذه الأسئلة وأجاب عنها، وهي آيات وأحاديث، ونصيحة ومواقف محرجة، وقصائد على رأسها النونية لابن القيم.
стр. 243
الدنيا دار ممر إلى الآخرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأحبة في الله! أسأل الله جل وعلا أن يحرم وجوهكم على النار، وأن يجمعنا وإياكم في دار كرامته ومستقر رحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ما أطيب هذه الليالي، وما أجمل هذه الأمسيات التي تزدان بهذه الوجوه المؤمنة الطاهرة، وتجتمع بهذه القلوب العبقة بالمحبة والمودة والأخوة في الله ولأجل الله، ما اجتمعتم على وترٍ ولا نغمٍ ولا عزفٍ ولا طربٍ ولا لهو، وإنما اجتمعتم على محبة وأخوة، تتلون كلام الله، وتسمعون حديث رسول الله ﷺ ، فسائل يجاب، وضالٌ يهدى، وجاهل يعلم، ومستفيد يفيد، وهكذا مجالس المؤمنين.
إن هذه الساعة التي نجلسها -أيها الأحبة في الله- ستمر عليكم في هذا المخيم، وستمر على مخيماتٍ كثيرة سواء أكانت في جدة أو الرياض أو مكة أو في أي مدينة أو مكان، وستشهد تلك الساعات على أصحابها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فطوبى لعبدٍ جاهد نفسه حتى غابت شمس يومه بعملٍ صالحٍ يشهد له لا عليه، وهنيئاً لعبدٍ غلب شهواته وقاد نفسه إلى مرضاة ربه حتى يلقى الله، وما أحقر وأصغر أقل أيام هذه الدنيا، وما هي إلا سويعات حتى نلقى الله جل وعلا.
قيل لإمام أهل السنة الجهبذ الجليل العظيم أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله! هلا ابتغينا لك حذاءً غير هذه فقد انقطع شسع نعلك، فقال أبو عبد الله: يا بني! طعامٌ دون طعام، وحذاءٌ دون حذاء، وشراب دون شراب، ولباس دون لباس، حتى نلقى الله جل وعلا.
ولما سأله ولده وقد رأى ما حل به من العذاب في ثباته في المحنة بالقول بخلق القرآن، قال: يا أبت! أنت إمام السنة فمتى الراحة؟ فقال: يا بني! الراحة عند أول قدمٍ نضعها في الجنة.
أيها الأحبة: هذه مقدمة يسيرة وقصيرة، وهذا أوان الشروع في المقصود، فلقد اختار الإخوة عنواناً عجيباً غريباً، ولما قرأت الإعلان في أحد المساجد ضحكت كثيراً ودهشت كثيراً وعجبت كثيراً "ما يطلبه المستمعون" هذا برنامج يذاع بعد الظهر في الساعة الواحدة والنصف لعددٍ من الذين يطلبون عدداً من الأغاني والأغنيات، ويهدونها إلى الأصدقاء والصديقات والزملاء والزميلات، فلانة بمناسبة وضع مولودها، والأخرى بمناسبة إنجابها ابنتها، والثالث بمناسبة تخرجه من الكلية، والرابع بمناسبة عقد الخطوبة، والخامس بمناسبة شراء السيارة، والسادس بمناسبة بيع البيت، والسابع القضية أيها الأحبة: أن ما يطلبه المستمعون موضوعٌ غريب وعجيبٌ جداً، ولكن لما قلبت النظر، وفكرت كثيراً؛ تذكرت أن عندي عدداً من الأسئلة التي طالما ضاق الوقت عن الإجابة عليها في نهاية وختام بعض المحاضرات، فأعود بأسئلتي في جعبتي وأقلب الأسئلة في البيت فإذ بي أجد في الأسئلة سائلاً يقول: أريد منك أن تسمعنا آيات من القرآن، وآخر يقول: نريد أن تسمعنا شيئاً من حديث رسول الله ﷺ ، وخاصة يرغب أن يسمع حديثاً كان له أثر في حياتي، وثالث يسأل عن موقف محرجٍ وغريب وعجيب، ورابع يسأل عن أبيات من أعذب الشعر، وخامس يسأل نصيحة معينة، فجمعت هذه الأسئلة فقلت: هذا ما يطلبه المستمعون! نعم.
إن ما تسمعونه اليوم هو مجموعة من الطلبات التي جمعتها في ختام كثيرٍ من المحاضرات التي ضاق الوقت عن الإجابة على كثيرٍ من الأسئلة في ختامها، ولأجل ذلك فاسمعوا واصبروا وأعانكم الله على ما تسمعون، ويكفيك من شرٍ سماعه.
стр. 244
آيات من كتاب الله
أولاً: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ * وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ * أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٧٦ - ٩٠].
стр. 245
من أحاديث الرسول الله ﷺ
ثانياً: حديث من كلام رسول الله ﷺ له أثر بالغ عظيم في نفسي وفي نفس كل مسلم، وأنتم من أحبابنا الذين يتأثرون بكلام الله ورسوله، ذلكم أن النبي ﷺ قال: (جاءني جبريل وقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).
وحديث آخر عذب جميل من جوامع كلمه ﷺ يرويه ابن ماجة في سننه، قال ﷺ : (من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره، وفرق عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له شمله، وحفظ عليه ضيعته، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) حديث عظيم يخاطب وينادي كل شاب أشغله أمر المستقبل، وأهمه أمر الرزق.
أخي الكريم: إن كنت على وجلٍ من الرزق فإن الرزق محتوم ومعلوم ومكتوب منذ كنت في بطن أمك، كما في حديث ابن مسعود ﵁: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك بكتب أربع كلمات: برزقه وأجله وشقي أم سعيد).
الرزق معلوم فلا تجزع، والرزق مقسوم فلن تمنع.
واعلموا -أيها الأحبة- أن من أصبح وهمه رضا الله والآخرة وما يرجو به وجه الله، فإن الله سيجمع له ما تشتت، وتأتيه الدنيا راغمة، ومن أصبح وهمه الدنيا فلن يأتيه أكثر مما قسم له، ويشتت عليه أمره ويصبح عبداً لهذه الدنيا وما كانت الدنيا يوماً راغمة.
стр. 246
نصيحة إلى كل شاب غافل
ثالثاً: أيها الأحبة في الله! أيها الشاب الذي سمع كثيراً عن الملتزمين والمتدينين والصالحين، هؤلاء هم إخوانك تسمع منهم الآية فيخبتوا ويخضعوا ويخشعوا لسماعها، ويسمعون الحديث فيستنبطون فوائده ومسائله، وتسمع منهم الكلمة الطيبة وترى في مُحيَّاهم علامات البشر والسماحة، وترى البسمات المنطلقات بكل تواضع ولين ومحبة في الله ولله: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق).
وإلى ذلك الشاب الذي أعرض ونأى بجانبه، إلى ذلك الشاب الذي قيل له: تعال فاسمع محاضرة قال: لا حاجة لي بهؤلاء المعقدين والموسوسين.
إلى ذلك الشاب الذي قيل له: تعال واسمع نصيحة واحضر مجلساً واقرأ كتاباً واكتب كلمة نافعة، قال: إني عنهم مشغول، ويدعي أنه في شغلٍ أهم من شغل الآخرة.
أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم تعبي الذنب والذم وتخطي الخطأ الجم
أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم
أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم
فكم تسدر في السهو وتختال من الزهو وتَنْصَبُّ إلى اللهو كأن الموت ما عم
وحتى مَ تجافيك وإبطاء تلافيك طباعاً جمعت فيك عيوباً شملها انضم
إذا أسخطت مولاك فما تقلقُ من ذاك وإن أخفق مسعاك تلظيت من الهم
وإن لاح لك النقش من الأصفر تهتش وإن مر بك النعش تغاممت ولا غم
تعاصي الناصح البر وتعتاص وتزور وتنقاد لمن غر ومن مان ومن نم
وتسعى في هوى النفس وتحتال على الفلس وتنسى ظلمة الرمس ولا تذكر ما ثم
ولو لاحظك الحظ لما طاح بك اللحظ ولا كنت إذا الوعظ جلا الأحزان تغتم
ستذري الدم لا الدمع إذا عاينت لا جمع يقي في عرصة الجمع ولا خال ولا عم
كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم
هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم
ومن بعد فلا بد من العرض إذا اعتد صراطٌ جسره مد على النار لمن أم
فكم من مرشدٍ ضل ومن ذي عزة ذل وكم من عالمٍ زل وقال الخطب قد طم
فبادر أيها الغمر لما يحلو به المر فقد كاد يهي العمر وما أقلعت عن ذم
ولا تركن إلى الدهر وإن لان وإن سر فتلفى كمن اغتر بأفعى تنفث السم
وخفض من تراقيك فإن الموت لاقيك وسارٍ في تراقيك وما ينكل إن هم
وجانب صعر الخد إذا ساعدك الجد وزم اللفظ إن ند فما أسعد من زم
ونفس عن أخي البث وصدقه إذا نث ورم العمل الرث فقد أفلح من رم
ورش من ريشه انحص بما عم وما خص ولا تأس على النقص ولا تحرص على اللم
وعاد الخلق الرذل وعود كفك البذل ولا تستمع العذل ونزهها عن الضم
وزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ ركب السير وخف من لجة اليم
بذا أوصيك يا صاح وقد بحت كمن باح فطوبى لفتى راح بآدابي يأتم
أيها الشاب: لم تسمع في مجالس الخير إلا من هذه النصائح والمواعظ والفوائد.
المواعظ سياط القلوب تناديك لتخرجك من غفلة السادرين، ولتوقظك من سبات النائمين، فما الذي يحول بينك وبين التوبة، وما الذي يمنعك من الهداية، وما الذي يردك عن الاستجابة، وما الذي يردك أن تعود إلى الله فتنقلب إلى أهلك ضاحكاً مسروراً فرحاً بتوبتك، وتروح إلى ملاهيك وأشرطتك وما عندك من أمور اللهو فتنقض عليها جذاذاً ولا تدع منها شيئاً أبداً؛ توبة وعوداً ورجوعاً إلى الله جل وعلا.
стр. 247
لا تساوي بين الأعمى والبصير
أخي الكريم: هل تعرف الفرق بين المهتدين والضالين؟ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد:١٦]؟ أخي الكريم: ألم تسمع قول الله جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] حياة الصالحين في تهجد الليل أتكون كحياة الفاسقين في كئوس الخمر؟ حياة الذين يقرءون القرآن آناء الليل ساجدين قائمين يرجون الآخرة ويرجون رحمة ربهم ويخشون سوء العاقبة، أتكون كمن يسدرون ويسهرون الليالي على قنواتٍ مختلفة ومحطاتٍ ما عرضت أمام أعينهم إلا الصور العارية، والمنكرات السارية، والأمور التي لا ترضي الله جل وعلا ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] أيستوي ذلك الصالح مع الطالح؟! أيستوي الفاسق مع البر؟! أيستوي الطيب مع السيئ؟! ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]؟! أخي الكريم: هل تعرف الهداية: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] هل يستوي من يمشي على صراطٍ مستقيم ومن هو منحرف عنه؟ ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢].
أتظن أن الصالحين كالطالحين في حياتهم ومماتهم وليلهم ونهارهم؟!! ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨].
стр. 248
قل: سمعنا وأطعنا
أخي الكريم: إن أسلمت فقد اهتديت، وإن سلمت الأمر لربك فقد اهتديت، وإن قلت: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فقد اهتديت، وإن قلت: لا خيرة لي بعد أمرك يا رب وأمر رسولك ﷺ فقد اهتديت.
وإن انصرفت ذات اليمين وذات الشمال وازور بك الأمر يمنة ويسرة فاعلم أنك على خطرٍ عظيم ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة:١٣٧] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] من هم المهتدون؟ من هم الذين جاوزوا أطباق الثرى والثريا بمنة الله عليهم بهذه الهداية؟ المهتدون هم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٣ - ٥] المهتدون ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧].
فما أسباب هدايتهم؟ كيف اهتدوا؟ وكيف تميزوا؟ وكيف سادوا؟ وكيف سبقوا؟ وكيف نالوا؟ وكيف تقدموا؟ والله ما نالوا ذلك بمعادلاتٍ معقدة، ولا مشروبات عجيبة، ولا كبسولات غريبة، إنما نالوا الهداية بالطاعة، سمعوا قول الله فقالوا: سمعنا وأطعنا، سمعوا قول الله فقالوا: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، ما اختاروا لأنفسهم خيرة بعد أمر الله، ما اختاروا أمراً بعد أمر الله، ما قالوا: نقلب أو نفكر أو ننظر نتوب أو لا نتوب، نقلع عن الذنوب أو لا نقلع، نعود عن المعصية أو لا نعود، أبداً ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
والله ما اختاروا شيئاً بعد أن سمعوا كلام الله وكلام رسوله، هكذا اهتدوا، وهكذا أصبحوا في عداد المهتدين.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨].
يا أيها الشاب! أتريد الهداية؟! ارم بنفسك بين يدي خالقك.
أتريد الهداية؟! اسجد نادماً، اخضع نادماً، ابك لله نادماً على ما فعلت، فإن ربك قريب ولا تحتاج توبته إلى اعترافٍ أو إلى قاضٍ أو إلى أحدٍ لتعترف بين يديه وإنما هي بينك وبين الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
стр. 249
والذين اهتدوا زادهم هدى
أيها الأحبة: ولما اهتدوا زادهم الله هدىً، أولئك الذين سلكوا طريق الهداية لما اهتدوا زادهم وآتاهم تقواهم، لقد نالوا الهداية بالانقياد وبالاستجابة وبقول: سمعنا وأطعنا ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
أما أولئك الذي ضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، أما الذين ينهون عن الحق وينأون عنه، أما الذين لم يكفهم أن يحملوا ذنوبهم بل حملوا ذنوب غيرهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥] أولئك كيف ضلوا؟ وكيف ضاعوا؟ وكيف حادوا عن جادة الصراط؟ وكيف ضلوا عن سواء السبيل؟ لقد ضلوا يوم أن زين لهم الشيطان أعمالهم، قال الله : ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤] والشيطان لا يريد بهم خيراً لما زين لهم، ذلك كما قال الله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠].
نعم لقد ضلوا بجليسٍ دعاهم إلى المعصية، ودعاية زخرفت لهم المعصية، وخيالٍ خيل لهم المعصية، ثم جلسوا يتنادون يظنون أنهم في سعادة ولكن يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويسب بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
نعم.
لهم قادة في الباطل فاتبعوهم، وجعلوا لهم رءوساً في الشر فانقادوا لهم، وحسبوا أنهم يهدونهم إلى صراطٍ وهم يضلونهم إلى سوء العذاب ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما ينفعهم قولهم يوم القيامة: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧] ثم يدعون على من قادهم إلى الضلالة فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٨].
أولئك مساكين قد غرهم كثيرٌ من الناس، وبعض الضالين إذا ناقشته في ضلاله وفي معصيته، قال لك: أكثر الناس هكذا، وأكثر الناس يفعلون هكذا، وهل الكثرة حجة؟ وهل العوام حجة؟ وهل الطغام حجة؟ وهل الفئام حجة؟ أوليس الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] لقد اتبعت الكثرة وما ذاك إلا لهوى في النفس، ومن تبع هواه فقد ضل والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠].
يا أخي الحبيب! إن طائفة من الشباب ضلوا باتباع سادة في الشر والباطل، وضلوا بسبب جلساء زينوا لهم المعاصي، وضلوا بسبب العناد والإمعان، وضلوا بسبب التكبر، بعضهم يتكبر على الحق والانقياد له، بعضهم يقول: وإذا التزمت أفأجلس مجالس هؤلاء الضعفاء أو أكون في زيهم وسمتهم، أو أحرم نفسي ما عودت نفسي عليه، لقد عود نفسه ألواناً من المنكرات ولا يريد أن يتركها، تكبر عن أمر الله وأمر رسوله.
والله جل وعلا توعد الذين يتكبرون عن الانقياد للحق بأن يصرف قلوبهم عنه، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦].
أولئك الذين أسرفوا في الضلالة فأضلهم الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤] ولما أعرضوا عن ذكر الله قيض لهم شيطاناً وهو قرين لهم يقودهم ويصدهم ويغريهم ويخادعهم ويقول لهم: إنكم على حق، وصدق الله حيث قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٣٨].
أيها الأحبة: إن بعض الشباب الذين ضلوا وأمعنوا في الضلالة قست قلوبهم وطال عليهم الأمد، والله يناديهم فيقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
قال مالك بن دينار: ما ضرب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب.
فيا أيها الشاب الذي ضل وزل وقسا قلبه: عد إلى الله فإن الله يفرح بتوبتك فرحاً عظيماً.
أخي الحبيب: والله لو اتبعت أمر الله وهدى الله فلن تجد ضنكاً ولا ضيقاً ولا سقماً ولا مرضاً: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦].
стр. 250
اللذة الحقيقية في طاعة الله
أيها الشاب: والله إن عملت صالحاً فإنا نبشرك ونهنئك ونقربك إلى حياة طيبة هي من عند الله بشارة صادقة ليست من عندي ولا من عند شيخٍ قريب ولا بعيد، يقول ربك الغني عنك: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
أيها الأحبة: إن الذين ذاقوا لذة الهداية يتحدون أعظم الناس في لذاتهم، يقول واحدٌ ممن أدركوا حلاوة الإيمان: والله لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا بالسيوف.
ويقول آخر: إنه ليمر بالقلب أوقاتٌ يرقص فيها طرباً.
ويقول ثالث: إنه لتمر بي أوقات من لذة الهداية والخشوع والمناجاة أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيشٍ طيب.
انظر إلى الذين ذاقوا لذة الهداية سموا، وارتفعوا، وتجاوزوا حدود الملذات القريبة، بل أصبحوا يجدون اللذة حتى لو كانوا في المحنة وفي بلاء عظيم.
هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما سجن في دمشق في سجن القلعة، قال: ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما كنت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول ﵀ في مجلسه وهو في سجن القلعة: لو بذلت مثل هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، وما جزيتهم -الذين تسببوا في حبسه- على ما تسببوا إلي فيه من الخير.
ويقول ابن تيمية: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.
واعجبوا إلى هذا العالم الجهبذ شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول وقد سجن في الإسكندرية فكتب رسالة يقول فيها: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] يحدث عن نعمة وهو في السجن، يحدث عن نعمة وهو في القيد، يحدث عن نعمة وهو في الأغلال، لو أن أحداً قرأ رسالته ولم يعلم أنه في سجن لقال: إنّ هذا قد زوج أجمل النساء، وأسكن أفضل القصور، وأركب أفخر المراكب، وقدمت له خيار وكرائم الأموال، لكنه يقول وهو في سجن الإسكندرية: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١].
يقول: والذي أعرف به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة وأتم عليهم نعمته الباطنة والظاهرة، ويقول ابن تيمية أيضاً: والله الذي لا إله إلا هو إني في نعمة من الله ما رأيت مثلها في عمري كله، فقد فتح الله عليَّ من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن في البال، ولم يدر في الخيال، هذا ويعرف بعضها بالذوق من له نصيبٌ من معرفة الله جل وعلا وتوحيده وحقائق الإيمان، وما هو مطلوب الأولين والآخرين من العلم والإيمان.
ثم يقول شيخ الإسلام: فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله ، وفي توحيده والإيمان به، وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية.
أيها الأحبة في الله: هكذا ذاقوا الهداية فأصبحت السعادة لا تفارقهم في قصرٍ أو سجن، في سعةٍ أو ضيق، ركبوا أطيب المراكب أو مشوا حفاةً، لبسوا الخز والحرير والثياب أو مشوا بأقل من ذلك أو أدنى منه.
следующие страницы →