← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

أمثلة واقعية في سوء العلاقات الزوجية إليكم يا عباد الله بعض الأمثلة الواقعة في سوء المعاملات الزوجية، وظلم بعض المسلمين لأزواجهم -هدانا الله وإياهم إلى سبيل السعادة والاستقرار في الحياة الزوجية- بعضهم تراه يفتتح دخوله في بيته بالسب والشتيمة لزوجته إذا دخل وحده أو كان معه ضيف أو صديق: أحضِري كذا، وأعدِّي كذا، ولماذا هذا الشيء لم يكن كذا؟! وقد نسي أن زوجته ربَّة منزله، ومربية أطفاله، وامرأة كهذه ظروفها وأحوالها مليئة بالعمل المستمر في إعداد الطعام، وتنسيق المنزل، وتنظيف الأطفال، فكيف تُلامُ مسكينةٌ بتأخيرٍ بسيط قد لا يُذكر في إعداد طعام، أو تنفيذ أي أمر من الأمور. ولا يظن أحدٌ أن هذا الكلام معناه: أن يَسمح الرجل لامَرْأَته بعصيانه، أو أن يُسمح للمرأة بعصيان زوجها، أو عدم المسارعة في تلبية حاجته، بل المقصود من ذلك هو: معرفة حال الزوجة وظروفها، ومعذرتها في ذلك. وترى البعض الآخر يقيم الدنيا ويقعدها عند حدوث خطأ بسيط من زوجته، أو أحد أطفاله، فيصب جامَ غضبه وحرارةَ لومه على زوجته سِباباً أو شَتْماً أو غضباً، وإني لأعرف أسرة تتكون من أب وأم وأربعة أولاد، طلق الأب زوجته لأجل سِبابٍ ثار بينهم حول لباس الطفل الصغير من العائلة، فأي عقول يعيش بها بعض المسلمين هذا الزمان؟! ونقول لكل إنسان رأى في بيته أو من زوجته ما يغضبه دونما يدخل في الأعراض والأخلاق، نقول له: يا أخي المسلم! هل تظن أن صيحاتك الغاضبة على زوجتك تصلح حالها؟! لا والله، بل إن تلك الصيحات مما يزيد الطين بِلَّة، ويورث في نفس المرأة الكراهية لزوجها، والتصميم على العناد، ثم إن ذلك السيل المتتابع من الألفاظ النابية لا يرد ما فات، ولا يُرْجِعُ ما حدث، فالأولى بكل واحد منا عندما يدرك خطأً من زوجته أن يستدعيها بأسلوب المربي، فيبيِّن لها خطأ ما حدث، ويدعوها إلى عدم العودة إليه مرة أخرى، وتدارك ذلك فيما استقبَل من الزمان. المشاكل الزوجية متعددة الجوانب والظروف، ولو ذهبنا نحصيها لأخذ ذلك الكثير من وقتنا، فحسبنا أن نشير إلى أهم ما يحدث منها في مجتمعنا ولو في فُرَص قادمة إن شاء الله.

стр. 1997

اتقوا الله في النساء معاشر المؤمنين: لا تنسوا أن علاقتكم بزوجاتكم هي علاقة نفسية قبل أن تكون مادية؛ لأن الله جلَّ وعَلا يقول: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١] والسكن: في النفس والروح، والعلاقات النفسية لا بد أن تقوم وتدوم في الغالب على مستوىً لا يصل إلى حد البغضاء والكراهية؛ لأن ذلك باب وسبيل إلى النهاية السيئة، وهي الطلاق، أو الفراق، ولقد قال الشاعر: إن النفوس إذا تنافر ودُّها مثل الزجاجة كسرُها لا يُجبَرُ إن النساء في حقيقة الأمر يُرِدْنَ قوامة من الرجال، يُرِدْنَ مودة ورحمة وقدوة وتربية قبل أن يطلبن المال والذهب وغير ذلك، وكم من امرأة كرهت زوجها، وطلبت طلاقها منه، وهو قد يعطيها الذهب والمال والحرير؛ لأنها تريد قبل المال وغيره، تريد مودة ورحمة، ولهذا الحديثِ بقيةٌ في فرصة قادمة إن شاء الله. وتذكروا قول الله جلَّ وعَلا: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرتَه، وإن تركتَه لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء) متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين: (المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وفيها عوج) وفي رواية لـ مسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعتَ بها؛ استمتعتَ بها وفيها عوج، وإن ذهبتَ تقيمها كسرتها، وكسرُها طلاقها). وعن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي ﷺ يخطب، وذَكَرَ النساء، فوعظ فيهن فقال: (يعْمَد أحدُكم فيجلد امرأته جلد البعير، فلعله يضاجعها من آخر يومه). معاشر المؤمنين: اتقوا الله تعالى في زوجاتكم، وما ولاَّكم الله. اللهم حبِّب إلينا أهلنا، وحبِّب أهلينا إلينا، واجمع بين الجميع على طاعتِك ورحمتِك مودَّتِك، واجعلنا من الذين آمنوا واتبعتهم ذريتُهم بإيمان، ولا تلتنا وإياهم من أعمالنا شيئاً، إنك أنت الغفور الرحيم. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1998

سوء التفاهم مع الزوجات الحمد لله الواحد بلا شريك، والعزيز بلا نصير، والعليم بلا ظهير، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، فهو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ومنَّ علينا بسائر النعم، أطعمنا، وسقانا، وكفانا، وآوانا، ورزقنا الأمن والأمان في أوطاننا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشبيه وعن الندِّ وعن المثيل وعن النظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلَّى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراًَ إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار. عباد الله! إن كثيراً من المسلمين -هداهم الله- ممن يلجئون في حال التفاهم مع زوجاتهم بأسلوب الأوامر أو الكلمات النابية أو الألفاظ التي تشتمل على السب والشتيمة، إنهم بذلك يجرئون زوجاتهم عليهم، ويجعلون زوجاتهم لا يقيم لهم قدراً في كلامهم، أما لو أن الإنسان احترم نفسه، وقدَّر ما يقول من الكلام لوجد أن زوجته لَتُقَدِّر أعظم التقدير هذه العبارات التي يكفي منها أقل القليل فيما يدل على اللوم بعيداً عن السباب والشتيمة والألفاظ النابية. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً، وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تضربوا إماء الله) ونحب أن نقف هنا، فإن بعض المسلمين لا يعرفون أسلوب التفاهم مع الزوجات إلا بالضرب، ألا وإن الضرب لا يجوز للنساء إلا أن يأتين بأمر منكر، ألا وإن الضرب لا يجوز للنساء قاطبة. (لا تضربوا إماء الله، فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذَئِرْنَ النساء -أي: تجرَّأن النساء على أزواجهن- فرخَّص ﷺ في ضربهن، فطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكين أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ : ليس أولئك بخياركم) رواه أبو داود بإسناد صحيح. ونحن يوم أن نقول: لا يجوز ضرب النساء؛ هو ذلك الضرب الذي يكون فيه ضرر بالمرأة. وعلى أية حال: فإن الضرب ليس بأسلوب للتربية، أما وإن الضرب الذي يجوز للمرأة في حال منكر، أو في حال عناد مستمر بشيء قليل؛ لأن المرأة ضعيفة جداً. وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم. ألا فأحسنوا متاعكم، وأصلحوا زوجاتكم، واستوصوا بهن خيراً؛ لتستمتعوا بهنَّ في هذه الحياة الدنيا. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً -أي: لا يُبْغِض مؤمنٌ مؤمنةً- إن كَرَِه منها خُلُقاً رَضِي منها آخر. أو قال: غيره) رواه مسلم. وعن عمر بن الأحوص أنه سمع النبي ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، وذَكرَ ووَعَظَ، ثم قال: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هُنَّ عَوان عندكم -أي: أسيرات بين أيديكم- ليس تملكون منهنَّ شيئاً غير ذلك، إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبيِّنة، فإن فعلن؛ فاهجروهن في المضاجع، واضربوهنَّ ضرباً غير مبرِّح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً، ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فحقكم عليهن: أن لا يوطِئْنَ فُرُشَكم مَن تكرهون, ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإن حقهنَّ عليكم: أن تحسنوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامهنَّ) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن معاوية بن حيدة قال: قلت: (يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت) حديث حسن رواه أبو داود، وقال: معنى لا تقبِّح، أي: لا تقل: قبَّح الله وجهكِ. فما الحال برجل يُذيقها ويمسها ألوان السباب والشتيمة، وإن البعض ليصل به الأمر إلى أن يلعنها، أو يلعن والديها، وأن يسبها بأقذع الألفاظ والعبارات، فما ذنبها حتى تنال اللعنة؟! وما ذنب والديها في هذا الأمر؟! وقد تعود اللعنة على المتلفظ بها، عياذاً بالله من هذه الحال. ألا وإنه ليس كل خطأ من الرجال في أمور العلاقات الزوجية؛ ولكن جانباً كبيراً منهم، وجانباً آخر من النساء. نسأل الله جلَّ وعَلا أن يوفق الجميع، وأن يمنَّ على الجميع بالسعادة والسداد والتوفيق والأمن والطمأنينة. اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، الذين يريدون بهذه المجتمعات الآمنة المطمئنة فُرْقةً ومشاكل، عبر ما يُعرض في تلك الأفلام من المشاكل، وعبر ما يُعرض من أمور تجرئ النساء على أزواجهنَّ، وعبر ما يُعرض من أمور تجعل المرأة تتحدى زوجها؛ لأنها تشبَّعت بفكرة رأتها في فيلم أو مسلسل أو غيره، فأخذت تخاطب زوجها بما شربته وبما تملأتْ به من هذا المشهد. نسألك يا حي يا قيوم إن أرادوا بذلك سوءاً في أزواجنا ومجتمعاتنا وبيوتنا نسألك اللهم أن ترينا فيهم عجائب قدرتك، اللهم من أراد بنا وببيوتنا ونسائنا سوءاً؛ فأَدِر عليه دائرة السَّوء، اللهم أهلك سمعه وعقله وبصره. اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بهم مكيدة، وأراد بعلمائنا فتنة، وبشبابنا ضلالاً، وبنسائنا تبرجاً وسفوراً، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، يا سميع الدعاء! اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله آجالنا، واقرن بالعافية غدوَّنا وآصالَنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسقِ العباد، والبهائم، والبلاد. اللهم إنا خلقٌ من خلقك، وعبيدٌ من عبيدك، فلا تحرمنا بذنوبنا فضلك، ولا تمنعنا بمعاصينا رحمتك. اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، ولجميع المسلمين. اللهم اجعل لكل مسلم من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباًَ إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا دَيناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا حيران إلا دللته. اللهم اهدِ شباب المسلمين، اللهم اهدِ شباب المسلمين، اللهم اهدِ شباب المسلمين، اللهم اهدهم للبر بوالدِيهم، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم وفقهم لحضور الصلاة مع الجماعة في المساجد، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم وفقهم في دراستهم، اللهم وفقهم فيما هم مقبلين عليه من الامتحان، اللهم لا تخيِّب تعبهم، ولا تخيِّبهم فيما أمَّلوا، برحمتك ومنِّك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وعافهم، واعفُ عنهم، وأكرم نزلهم، ووسِّع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلِّم على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، نبينا محمد، وعلى الأئمة الخلفاء، الأربعة الحنفاء: أبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وعن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنِّك وكرمك، يا أرحم الراحمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1999

حقيقة التقوى في هذه الخطبة تعريف للتقوى عند السلف، مع ذكر بعض ثمار التقوى، وأهمية التقوى تكمن في كثرة ذكرها في القرآن وحث النبي ﷺ عليها أصحابه كثيراً، فهي وصية الأولين والآخرين، وقد ذكر الشيخ قصصاً تمثلت فيها التقوى بكل ما تعنيها كلمة التقوى.

стр. 2000

التقوى وتعريفها عند السلف إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أوجدنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، وتفضل علينا بسائر النعم، ودفع عنا كثيراً من النقم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اتبع هداه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم ولمن كان قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. ولو تأملتم -معاشر المسلمين- حقيقة التقوى التي جاءت في كل صفحة من كتاب الله الكريم، وجاءت في كل نعت من نعوت المتقين المؤمنين، لوجدناها كما يقول علي بن أبي طالب ﵁: [التقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل]. وقال عمر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك فقط؛ ولكن تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رُزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير. وقال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. وحسبكم -معاشر المؤمنين- بالتقوى أنها وصية الله للأمم السابقة والأمم اللاحقة، ولقد كان ﷺ يوصي من يستوصيه بالتقوى. واعلموا -معاشر المؤمنين- أن التقوى لا يلزم منها أن يكون العبد معصوماً من الذنوب والخطايا واللمم؛ بل إن العباد خطاءون، وخير الخطائين التوابون. ويقول الله جلَّ وعَلا في محكم كتابه في سياق صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] فعدَّهم من المتقين مع أنه جلَّ وعَلا قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] ولكنهم لم يصروا على هذا الظلم وأقلعوا عن تلك المعصية. ويقول الله جلَّ وعَلا أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]. فهذا دليل على أن المتقين قد ينالهم ما ينالهم من مس طائف الشيطان؛ ولكن العبرة بالمتذكرين المنيبين المخبتين الأوابين إلى ربهم، وبعد ذلك ينقلبون من حال المعصية إلى حال التوبة الصادقة النصوح، وبذا يكونون في عداد المؤمنين المتقين. أيها الأحبة: إن الشيطان يأتي إلى كثير من الناس يوم أن يفعل أحدهم معصية، أو يجترح خطيئة، ويسوِّد صفحات أعماله أمامه، ويقول له: لستَ في عداد المتقين، ولا من المؤمنين، وييئسه من رحمة الله، ويقنِّطه من عفوه ومغفرته، وبعد ذلك قد يصيب الإنسان ما يصيبه من الإصرار على المعصية يأساً وقنوطاًَ من مغفرة الله وعفوه عنه. لذا فمن تأمل هذه الآيات علم أن حقيقة التقوى: التزام فعل ما أمر الله به، واجتناب عما نهى عنه وحرَّمه، ولو وقع الإنسان فيما وقع من الذنوب والمعاصي فإن العبرة بالتوبة والأوبة والإنابة إلى جناب رب العالمين، وهو الذي يقول في محكم كتابه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].

стр. 2001

التقوى في القرآن والسنة حسبكم -يا عباد الله- أن يجيء الأمر بالتقوى في كتاب الله قرابة السبعين مرة، وفي غيرها من الآيات التي ذكرت صفات المتقين، وما لهم من الأجر العظيم، ولا غرابة في هذا فالتقوى وصية الله للخلائق أجمعين، وهي خير ذخر، وخير زاد للقدوم على البرزخ والدار الآخرة، وهي سبب للصدق والقول السديد، وهي باب محاسبة النفس في جميع أعمالها، وهي أكبر دعائم التعاون والمحبة والإيثار في مجتمعات المسلمين، وهي خير لباس يتزين به العبد في الدنيا والآخرة: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلَّب عرياناً وإن كان كاسياً وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصياً وكما أن التقوى خير لباس على العبد حساً ومعنى، فإنها عنوان الرفعة والسيادة والعزة والكرامة فوق كل الجنسيات والقبليات والأعراق والدماء، يقول الله جلَّ وعَلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]. وعن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة جليلة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودِّع، فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى ، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاًَ كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن أبي أمامة صَدِّي بن عجلان الباهلي -وقيل: صُدَي ﵁ قال: (سمعتُ رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع، فقال: أيها الناس: اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم، تدخلوا جنة ربكم) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وفي وصيته ﷺ لـ معاذ: (اتق الله حيثما كنتَ، وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحُها). وعن أبي هريرة ﵁ قال: (سئل النبي ﷺ : ما أكثر ما يُدخل الجنة؟ قال: تقوى الله، وحسن الخلق). ورُوي أن كميل بن زياد قال: [خرجت مع علي بن أبي طالب ﵁، فلما أشرف على الجُبَان التفتَ إلى المقبرة، وقال: يا أهل القبور! يا أهل الوحشة! ما الخبر عندكم؟ فإن الخبر عندنا: قد قُسِّمت الأموال، وأُيْتِمَت الأولاد، واستُبدل بالأزواج، فهذا الخبر عندنا، فما الخبر عندكم؟! ثم التفت إليَّ فقال: يا كميل، لو أُذِن لهم بالجواب لقالوا: إن خير الزاد التقوى، ثم بكى، وقال: يا كميل! القبر صندوق العمل، وعند الموت يأتيك الخبر]. يا غافلاً عن العملْ وغره طولُ الأملْ الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العملْ اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم، وعذاب القبر. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، وتوبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى.

стр. 2002

من صفات المتقين في القرآن الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً، نبيٌّ بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واستمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن أقدامكم وجسومكم على وهج النار لا تقوى. واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار. أيها الأحبة: إذا علمتم أن منزلة التقوى في الإسلام عظيمة وجليلة، فما هي صفات المتقين أصحاب الأمن والسعادة في الدنيا، والرحمة والمغفرة والرضوان في الآخرة. إن الآيات والأحاديث جاءت في صفات المتقين كثيرة جداً، وحسبكم ألا تخلو صفحة من كتاب الله إلا وفيها الحث على التقوى، ومن تلك الآيات الآية الجامعة من كتاب الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].

стр. 2003

ثمار التقوى تلك هي صفات المتقين يا عباد الله، وإن كان كل أمر لا يعلو قدره إلا بمعرفة ثمرته، فإن ثمار التقوى عظيمة جداً: أولها: الهداية بنور الله جلَّ وعَلا: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]. وثانيها: المكانة العالية عند الله، وأعظِم بها من ثمرة ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢]. ثم إن التقوى أجلُّ سبب إلى حصول العلوم النافعة، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ومن اتقى الله وعمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم. ومن هنا -أيها الأحبة- ندرك سبب الفتوحات الإلهية، والإلهامات الربانية على سلف الأمة الصالح الذين قضوا حياتهم بين الجهاد والدعوة، والتعليم والتصنيف، جمعوا بين ذلك كله وبين العلم الواسع الغزير الذي يجعل المسلم في هذا الزمان يندهش من كل ما ألَّفوا وصنَّفوا، يندهش من محفوظاتهم وما حصَّلوا من العلوم بأنواعها، وما ذاك إلا بتقوى الله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. ورابع ثمار التقوى: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر:- ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٥]. وأي نعيم يا معاشر المؤمنين؟! أي نعيم على العبد أعظم مما هداه الله جلَّ وعَلا إلى التقوى؟! وبذا ينال محبة ربه وخالقه ومولاه ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦]. وإذا اطمأن العبد الذليل الضعيف إلى محبة الله العظيم الجليل الكريم فلا يسأل بعدُ عن محبة أحد بعد الله ورسوله. فليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضابُ إذا صحَّ منك الود فالكل هيِّنٌ وكل الذي فوق التراب ترابُ وليت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ وما لا يُحصى من ثمار التقوى: من المعية والإحاطة من الله جلَّ وعَلا لعباده المؤمنين المتقين، والفلاح والتوفيق لهم في الدنيا والآخرة، واطمئنانهم، وبُعد الخوف والحزن عنهم، وحصول الفوز والبشارة بالنعيم، ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤]. وتأملوا ثمار التقوى بين العباد والبلاد:- ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦]. عباد الله: ما خلق الله أمةً وضيَّع أرزاقها، وما أوجد الله جيلاً ونسي أرزاقهم وأقواتهم؛ ولكن العباد يبغي بعضهم على بعض، ويسطو بعضهم على أرزاق بعض، ويُحرَم بعضُهم رزقَه بسبب بُعده عن التقوى، وبسبب معصيته وذنوبه: (وإن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه). ومن تأمل كتاب الله وجد ما لا يُحصى من ثمار التقوى.

стр. 2004

التقوى عند السلف رضوان الله عليهم وما أجمل التقوى في واقعة حصلت في زمن عمر بن الخطاب ﵁ في امرأة سافر زوجها إلى الجهاد، وأبطأ عنها وتأخر، وكان عمر خليفة رسول الله أمير المؤمنين كان يجوب الأسواق ليلاً، يستمع وينصت إلى حوائج الضَّعَفَة والمساكين، فسمع امرأة تناجي نفسها، وتقول: تطاول هذا الليل واسودَّ جانبُهْ وأرَّقها أن لا خليل تداعبُهْ فوالله لولا الله تُخشى محارمه لَحُرِّك من هذا السرير جوانبُهْ فسأل عمر عن هذه المرأة، وسأل قبل ذلك ابنته حفصة، وأجابته وقالت: [يا أمير المؤمنين! ألم تقرأ كتاب الله جلَّ وعَلا؟] وفهم من ذلك ألا يتأخر الرجل عن زوجته أكثر من ستة أشهر، ثم بعد ذلك أمر أن يُرد زوجُها إليها. ولكن العبرة في حال هذه المرأة التي لا رقيب عليها سوى الله، ولا حسيب لها سوى التقوى، زوجها بعيد، والليل مظلم، وما ردها عن المعصية إلا تقوى الله ومخافة عذابه. وتلك الأخرى التي سمعهما عمر، إذ امرأة تقول لابنتها: يا ابنتي! امذُقي -أو امزجي- اللبن بالماء، قالت: وأين أنت يا أماه من عمر؟! قالت: إن عمر لا يرانا، فقالت تلك الصغيرة البريئة: ولكن رب عمر يرانا. هكذا كانت منزلة التقوى في قلوب كثير من العباد، إذ تزينت لهم المعاصي، وتهيأت لهم المنكرات، تجافوا عنها وابتعدوا، وخافوا من ربهم جلَّ وعَلا. خَلِّ الذنوب كبيرها وصغيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى والتقوى هي أزمة المجتمعات في هذا اليوم، حاجتنا إلى التقوى عظيمة، وأَزمَت مجتمعاتنا لفقد التقوى، التقوى مفقودة في كثير من مجالات الحياة، لو وجدنا الكثير قد اتقوا الله جلَّ وعَلا فيما تولوه من مصالح المسلمين، وفيما تولوه من مصالح تعليم أبناء المسلمين، وفيما تولوه من مصالح المسلمين عامة. كل إنسان وكل فرد لو اتقى الله فيما دونه؛ الموظف يتقي الله في وظيفته، والجندي يتقي الله في أمن بلده، والطالب يتقي الله فيما تعلمه، والمسئول يتقي الله في مسئوليته، لم نجد فساداً، ولم نجد خراباً أو دماراً، ونحن بخير ولله الحمد والمنة، وإن كان النقص قد دبَّ إلينا شيئاً فشيئاً، وما ذاك إلا لبُعدنا عن التقوى، ولاستهتار بعض المسلمين بمراقبة الله جلَّ وعَلا، وعدم مراقبة ربهم، واستحضار التقوى في كل أعمالهم، وفي كل ما يأتون ويذرون. نسأل الله العلي العظيم الجليل الكريم أن يؤتي أنفسنا تقواها، وأن يزكيها هو خير من زكَّاها. اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وأبطِل كيد الزنادقة والملحدين. عباد الله: قد ندب الإمام -معاشر المسلمين- إلى صلاة الاستسقاء صبيحة يوم الإثنين. فالله الله لا يتخلفَنَّ أحدٌ عن ذلك، ولا يقولنَّ امرءٌ: ما لي ومال هذا، لستُ بذي زراعة ولا محصول، ولا يهُمُّه المطر في قليل أو كثير؛ لِتَوافُر المياه أمامَه، لا. لا يقولنَّ امرء ذلك؛ ولكن ليعلم أن الغيث رحمة، وأن الغيث توبة ومغفرة من الله جلَّ وعَلا، وشعور من العباد بأن ربهم تقبل دعاءهم، وقد تلطف بحاجتهم وهو أعلم بها قبل أن يسألوه. فالله الله لهذا، ولا تغفلوا عنه. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء الضعفاء المساكين إليك، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سَحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسقِ العباد، والبهائم، والبلاد. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم انصرنا ولا تخذلنا، اللهم أعنا ولا تعن علينا. اللهم مَن أراد المسلمين بسوء، وأراد ولاةَ أمورهم بفتنة، وأراد علماءهم بمكيدة، اللهم فاجعل تدبيره تدميراً عليه، يا سميع الدعاء. اللهم من أراد بشبابنا ضلالاً، وأراد بنساء المسلمين تبرجاً وسفوراً، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف. اللهم عذب الذين لا يريدون لدينك نصرة ولا عزة، اللهم من أراد دينَنا بعزة فأعزه بعزتك يا رب العالمين. ومن أراد للمسلمين ذلة فاخذله، يا أكرم الأكرمين. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباًَ إلا غفرته، ولا هماً إلا فرَّجته، ولا دَيناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا أسيراً إلا فككت أسره، ولا حيران إلا دللته، ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا عليها ويسرتها لنا، يا رب العالمين. اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالَنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا. اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك. اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعفُ عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم آمِنا في دورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهدهم لكتابك ولسنة نبيك، اللهم أصلح مُضَغَ قلوبهم، اللهم أصلح بطانتهم، ومَن علمتَ فيه خيراً فقرِّبه منهم، ومَن علمتَ فيه سوءاً لهم وللمسلمين فأبعده عنهم، برحمتك يا أرحم الراحمين. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، محمد بن عبد الله، أكرم الخلق، وأفضل البشر، وسيد المرسلين والأنبياء أجمعين. اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارك على نبينا محمد، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اتبع هداه، واقتفى أثره إلى يوم الدين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه التي لا تستطيعون حصرها ولا تقدرون شكرها يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2005

حوار مع الشباب إن الحديث مع الشباب ذو أهمية بالغة؛ ذلك أن الشباب هم عز الأمة وأملها بعد الله تعالى، فإن صلحوا صلحت الأحوال واستقامت، وإن فسدوا فسدت وضاعت، لذلك كان لابد من الحوار معهم والحديث إليهم بكلمة حب، وهمسة عتاب، علهم أن يرجعوا ويعودوا إلى الله تعالى هذا ما تحدث عنه الشيخ في حواره مع الشباب، حيث وجه إلى الشباب نصائح ثمينة لمن وفقه الله منهم أن يأخذ بها.

стр. 2006

أهمية الحديث عن الشباب الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أشكر الله ، ثم أشكر حضوركم وتشريفي أمامكم بالمثول وإليكم بالحديث، وأسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجمعنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر كما جمعنا في هذا المكان المبارك إن شاء الله. أحبابنا! ليس بسر ولا بعجيب أن نتحدث عن الشباب، وأن نعيد ونزيد، وأن نكثر ونردد، لأننا نرى كل أمة إنما عزت برجالها وشبابها أو ذلت بهم، أو رفعت بهم رأساً أو خفضت بهم رأساً، أو نسبت إلى علم وجد وحزم وعلم ونفع، أو نسبت إلى هزل وضياع وسقوط وانحدار؛ لذا كان لزاماً أن نلتفت إلى هؤلاء الناشئة، وأن نتحدث إليهم مصبحين ممسين، غادين رائحين، وأن نتلقفهم أو نقف لهم في كل سبيل وطريق، لنقول لهم: هل تعلمون قدركم؟ وهل تعرفون مكانتكم؟ وهل تثمنون منزلتكم؟ أم أن الواحد يمشي سبهللاً لا يعرف شيئاً! وكما يقول القائل: وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع أيها الأحبة! عن ماذا نتحدث عن الشباب، ونحن إن أردنا عن مواهبهم وطاقاتهم وما آتاهم الله فذاك خير كثير وعلم غزير؟ وعن ماذا نتحدث عن الشباب إن أردنا أن نتكلم عن المؤامرات والمكائد والفخاخ التي تنصب لهم، والحبائل التي تنسج في طريقهم حتى يقعوا فريسة الشبهات والشهوات، فذلك علم كثير وعلم غزير أيضاً، وعن ماذا نحدث الشباب عن مسئولياتهم تجاه أنفسهم أو تجاه أسرهم ووالديهم، أو تجاه مجتمعاتهم وتجاه بلادهم وأمتهم، فذلك أيضاً كلام كثير؟ لكننا نريد أن نتحدث فقط عنك أنت أيها الشاب، عن شخصك، عن ذاتك، لن نتكلم عن الأسرة ولا عن الجيران ولا عن الدولة ولا عن البلاد ولا عن الأمة، ولكن نتحدث عنك أنت أيها الشاب وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر

стр. 2007

الإنسان مخير بين الخير والشر الحديث إليكم -أيها الشباب- حديث إلى كل واحد في ذاته وشخصه، يقول الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠] ويقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]. أقول لك أيها الشاب: أنت قد خلقت قادراً مختاراً بين طريقين، بين طريق الهداية وبين طريق الغواية، وقد آتاك الله مشيئة وما تشاء إلا أن يشاء الله، ولكن قد جعلت لك وسائل الاختيار ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] وعلى طريق الخير هداية وعلى طريق الشر دلالة، وأنت قادر على أن تختار بينهما.

стр. 2008

شبهة الاحتجاج بأن المعاصي مقدرة والرد عليها واحذر من مقالة الجبرية والمعطلة والضائعين الذين يقولون: هكذا كتب علينا أن نضل، وهكذا اختير لنا أن نزيغ، ولا خيار لنا أن نكون أبراراً أم فجاراً! هذه دعوى كثيراً ما يرددها بعض الشباب، فإذا قلت له: أخي! اتق الله عد إلى الله صل مع الجماعة أطع والديك بر بوالديك صل رحمك إياك والمحرمات إياك والملاهي إياك والعبث إياك والمنكرات إياك والفواحش قال: لو أريد لي الهداية لاهتديت، لكن اسألوا لي الهداية. سبحان الله العلي العظيم! هذه الحجة التي كثيراً ما نسمع عدداً لا يستهان به من الشباب يرددونها، والواحد منهم لا يلوم نفسه أبداً في أي ضلالة أو منكر أو تقصير أو غواية، وإنما يقول: هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد هذا ليس باختياري، قدري أن أكون مدخناً، وقدري أن أستمع ( fm و MBC) قدري أن أكون مغنياً، وقدري أن أكون ممثلاً، وقدري أن أكون ضالاً، وقدري أن أكون مجنوناً في التشجيع الرياضي وملاحقة الأعلام والصياح والصراخ والدوران في الشوارع عند الأهداف، وقدري أن أكون تافهاً سخيفاً لا قيمة لوقتي لا مكانة لشخصيتي أحب الدوران في الأسواق أحب مضايقة الفتيات، ومعاكسة النساء في الأسواق، ومعاكسة الشباب والصبيان والأحداث هذا قدري! نقول: كذبت وما أصبت، وما بحقيقة نطقت، ولا حاجة أن ننصب لك كثيراً من الأدلة الشرعية، لكننا سنضرب لك أمثلة عقلية واقعية؛ حتى تعرف أن احتجاجك بهذا احتجاج ضلالة واحتجاج شبهة، وهي كشبهة الشيطان الذي ضل وغوى واستكبر وجحد وأبى، ثم قال: رب بما أغويتني، لم يقل: غويت، قال: رب بما أغويتني. أخي الحبيب! سأضرب لك مثلاً: لو أنني الآن أشكو من الظمأ، أليس حالتي في الظمأ هي قدر من الأقدار؟ أنا الآن ظمآن أريد ماءً، والحالة التي أنا فيها قدر، وهذا قدر الشرب أعالج به قدر الظمأ، فأحصل على قدر الري، فلا تحتج بهذا، وكذلك إذا كنت أعاني من الجوع، وأمعائي تتقطع مخمصة ومجاعة وأقول: أنا جائع جداً، نعم إن الحالة التي أشكو منها الآن وهي الجوع هي قدر، ولكن قربوا قدر الطعام لأضرب فيه بخمس، فإذا شبعت وحصلت قدر الكفاية والشبع، كذلك إذا كنت تقول: أنا في قدر الضلالة، أنا في قدر الغواية، أنا في قدر الانحراف، نقول لك: عالج قدر الانحراف بأقدار أسباب الهداية، هذا قدر الانحراف: ملاهٍ وأغان وضياع وقلة أدب ومسخرة وإزعاج للناس، تعال وعالجها بقدر الهداية، وما هي أسباب هذا القدر؟ إنها: جليس صالح كتاب صالح شريط صالح موعظة نافعة قلب حاضر مبادرة إلى الصلاة مجاهدة للنفس، هذه أقدار وأسباب تحصل قدر الهداية. إذاً هذا هو علاج شبهة كثير من الشباب الذين إذا نصحوا ودعوا إلى الله ورسوله، قالوا: نحن هكذا مكتوب علينا، وإن شاء الله يأتي يوم من الأيام ونهتدي، ويمكن أن نموت على هذه الحال! نقول: لا، لا، لا، وأكبر دليل أنك ما استسلمت لقدر الجوع، بل عالجته بقدر الأكل، فحصلت قدر الشبع، ما استسلمت لقدر الظمأ، بل عالجته بقدر الشرب، فحصلت قدر الري، ما استسلمت لقدر البرد، وإنما عالجته بقدر اللباس، فحصلت قدر الدفء، ما استسلمت لقدر الحر، بل عالجته بقدر المكيفات والمراوح، فحصلت قدر البرد والراحة والطمأنينة، وهذا أمر معلوم، إذاً لا حجة لأحد أن ينازع أو يجادل في ذلك، فضلاً عن أن الله قد جعل لك كما أخبر سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠]، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٥ - ٦] يحصل قدر اليسرى والهداية ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٧ - ٩] يحصل قدر الضلالة والغواية ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١٠ - ١١].

стр. 2009

المرء حيث يجعل نفسه الوقفة الثانية: أخي الشاب: بإمكانك أن تكون عالماً من العلماء أو شيطاناً من الشياطين بوسعك أن تكون إماماً في الهداية وبوسعك أن تكون عفريتاً في الغواية بوسعك أن تكون قدوة يقتدى بك في الخير، وبوسعك أن تكون قائداً يهدي إلى الضلالة، وقد ضرب الله مثل الفريقين جميعاً، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فلما اجتهدوا وحرصوا وبذلوا كل ما في وسعهم من طاقة وما في جوارحهم من إمكانيات، وإنه بالصبر واليقين -كما يقول أحد السلف -: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] والمسلم لا ينبغي أن يقول: يكفي أن أكون شاباً ملتزماً، نحن نريد أن تكون إماماً في الالتزام، يحتذى بمنهجك وبسلوكك وبطريقك وبعلمك، ويتأسى بفكرك أيضاً ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] هذا من الأدعية المشروعة، أن الإنسان لا يكون فقط واحداً من المتقين، بل يسأل ربه أن يكون إماماً للمتقين، وفي المقابل قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١] في شأن آل فرعون وأهل الضلالة والغواية. فمن الممكن أن تكون أخي الشاب إماماً في خير، وممكن أن تكون إماماً في شر ممكن أن تكون قائداً في ضلالة، وممكن أن تكون قائداً في هداية، فالمسألة تعود إلى ماذا تطعم نفسك فتنتج بعد ذلك؟ ماذا تغرس وتبذر في أرض قلبك، وفي صحراء فؤادك، وفي طبيعة حواسك؛ لنعرف في المستقبل ماذا سنجني وعلى ماذا سنحصل منك؟ وكل امرئٍ والله بالناس عالم له عادةٌ قامت عليها شمائله تعودها في ما مضى من شبابه كذلك يدعو كل أمرٍ أوائله

стр. 2010

طريق الهداية وطريق الغواية ليس غريباً أن نجد شاباً منذ أن نشأ في حلقات تحفيظ القرآن، في المراكز الصيفية، في الجمعيات الشرعية والإسلامية، في الأنشطة الخيرية النافعة ليس غريباً أن تجد هذا الشاب بعد أن تجاوز العشرين خطيباً في منبر، أو داعية في مضمار، أو إماماً في خير، أو رئيساً في هدى هذا ليس بغريب؛ لأنه في البداية ماذا كان يزرع في أرض قلبه وأرض بدنه وفؤاده؟ كان يزرع حفظاً وقراءةً وتلاوةً، ومشاركات وأنشطة، وكان إيجابياً، وكان فاعلاً، وكان نشيطاً، فلا غرابة أن يكون اليوم بهذه النتيجة. ولا غرابة أن تجد شاباً يوم أن كان في صغره سوقياً في عباراته، متسكعاً في جولاته وتصرفاته، دنيئاً في همته، خسيساً في نظراته وفكراته وخطراته، لا غرابة أن يكون في يوم من الأيام ساقطاً من الساقطين، تافهاً من التافهين، ضالاً من الضالين، كل من حوله يتبرأ من ضلاله ويدعو عليه ويسأل الله أن يريح المسلمين من شره. لا غرابة إن كان هذا منحرفاً مفسداً مؤذياً؛ لأن تاريخه الماضي كان في ضلالة وانحراف، ولا غرابة أن يكون الأول إماماً وهادياً ونافعاً؛ لأن تاريخه الماضي -بإذن الله وتوفيقه وحماية الله له وليس بنفسه ولا بحوله ولا بقوله، حتى لا يغتر الإنسان بنفسه- لأنه كان في ما مضى في محاضن خير وفي رياض علم وهدى وتقوى. فيا أيها الحبيب! كل شاب فيكم الآن بإمكانه أن يختار، أنت تستطيع أن تحدد الغاية، كما أن بوسعك أن تختار أن تمشي من هذه المنصة أو من هذا المكان إلى السور هناك، وبوسعك أن تختار أن تمشي من هنا إلى نهاية البلاط القريب، فأنت بوسعك أن تختار أن تكون -بإذن الله- إماماً في الهداية، وبوسعك أن تختار أن تكون إماماً في الضلالة كيف يكون هذا؟ بمبادرتك الآن في شبابك، كما تفعل وقت الزراعة، ووقت الغرس والبذور. ومن زرع البذور وما سقاها تأوه نادماً وقت الحصاد

стр. 2011

المراكز الصيفية ودورها في بناء الأجيال يا شبابنا: أنتم اليوم في مرحلة زراعة القلوب، لقد كنا -وتعود بي الذاكرة الآن إلى المراكز الصيفية- نتردد فيها كما ترددتم فيها، وننشد فيها كما تنشدون فيها، ونقرأ فيها كما تقرءون فيها، ونمارس ألواناً من النشاط فيها كما تمارسون الآن، ولو أننا استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا لبذلنا أضعاف أضعاف ذلك الجهد وذلك النشاط الذي بذلناه؛ لأننا وجدنا عاقبته علينا. إني أعلم أن كثيراً من الشباب دخلوا المراكز وهم بكم- البكم المعنوي- أعياء؛ الواحد منهم لا يستطيع أن يفصح عما في نفسه، بعضهم كالعجماء التي لا تنطق، وبعد أن خرج من هذه المحاضن الطيبة المباركة أصبح فصيحاً منطقياً ذا لسان مبين! وبعضهم دخل المراكز وكان وديعاً خمولاً لا يحرك ساكناً، وربما قتله الحياء، أو ربما قتله احتقار نفسه - وهذا أمر سأتطرق له بالتفصيل- وما حالت شهور المراكز بأهلتها إلا وقد عاد نشطاً متفاعلاً إيجابياً قوياً، وله آثار عظيمة فيا سبحان الله! كيف تحركت هذه القوى؟ وكيف اكتشفت تلك الطاقات؟ ومن أين تفجرت تلك المواهب؟

стр. 2012

المخالطة وأثرها إن المخالطة إما أن تنمي وإما أن تردي فإما أن تنمي فيك خيراً يزداد، وإما أن تردي فيك أموراً عجيبة وخراب. أخي الحبيب! لا تعجب من أن المخالطة لها ذلك الأثر، فإن النبي ﷺ قد أخبرنا بخبر يدل على أن الإنسان لو خالط بهيمة لتأثر بطبعها، فما بالك إذا خالطت إنساناً؟ فإن من باب أولى أن تتأثر به قال ﷺ : (الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم) لاحظ أن هؤلاء لما خالطوا الإبل وهم رعاة إبل، يصيحون بها، يعسفونها، يريضونها، ينيخونها، يعالجونها، يتابعونها؛ أورثت هذه الحالة في أنفسهم فخراً وخيلاءً في الغالب، ولاحظ حال أهل الغنم السكينة والوقار في أهل الغنم. وأنتم يا شباب! لو دخل عليكم من هذا الباب أربعة: اثنان رعاة إبل واثنان رعاة غنم، وتحدثوا قليلاً؛ لقلتم: هذا راعي إبل وهذا راعي غنم، وهذا راعي إبل وهذا راعي غنم، كيف؟ من خلال مخالطتهم لتلك البهائم، أورثت تلك المخالطة في نفوسهم وفي حركاتهم وفي سلوكهم تصرفات دلت عليهم، فكذلك أنت من خلال مخالطتك لأشرار أو أخيار، لأبرار أو فجار، لأناس يحترمون وقتهم أو لسفلة لا يقيمون للزمن قيمة، لرجال طموحهم إلى النجوم والثريا، أو لمساكين الواحد منهم طموحه لا يتعدى نهاية خطوته، تستطيع أن تميز بين هؤلاء وهؤلاء، إما فيما يكتبون، وإما فيما يرسمون، وإما فيما يتكلمون، وإما في لحن حديثهم، قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] ففيه فائدة أن الإنسان ربما عرف من لحن قوله، ولا يحكم على نيات البشر في لحن القول، لكنك تعرف اتجاه الإنسان عموماً في لحن قوله، أما أن الإنسان يعرف من خلال ما يخالط فهذا واضح جداً.

стр. 2013

صورة لشاب صالح منذ الصغر في مكان قريب منا شاب صغير لا أظنه قد جاوز السنة السادسة الدراسية سبحان الله! ما أجمل ذلك السمت! ما أحسن تلك الخطوات! ما أطيب ذلك المحيا! ما أبهى تلك الطلعة! إذا قابلت ذلك الشاب الصغير الذي ربما عمره في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة كأنما تقابل واحداً من طلبة العلم سنة والتزام واستقامة، أربعة وعشرون قيراطاً، كما يقال، فلما تأملنا وتدبرنا وبحثنا وجدنا أن له أباً شيخاً صالحاً طيباً، وأماً طيبةً صالحةً، وثلة من الأطفال الصغار الذين في سنه هم على هذا السمت وعلى هذا الهدي. وتجد في المقابل شاباً كأن قصة شعره ذيل كلب! وكأن فنيلته مجموعة من الأعلام برقاعها وألوانها وأشيائها! وكأن تصرفاته قطة مدعوسة! بعض الشباب هكذا يمشي، فإذا تأملته وجدته مع أناس من هذه الطينة وفي تلك العجينة ومن هذه الصفات.

стр. 2014

الحث على اختيار أعلى المنازل في أمور الآخرة فيا أخي الحبيب! ضع نفسك حيثما شئت، لا تقل: قد جنى الناس عليّ، أنت الذي تختار، وقد يسر الله لك أسباب الهداية، إلا أن الهدم أسرع من البناء، البناء يحتاج إلى وقت، حفظ صفحة من القرآن تحتاج إلى استعداد وتفريغ قلب وجلوس وترتيل وإعادة وتكرار، وتقرأ على الشيخ، ثم يجوِّد لك، ثم تعيد النطق، ثم تحكم الأحكام في التجويد، لصفحة واحدة تحتاج إلى عصر كامل، حسب تفاوت الناس في الحفظ والذكاء وغيره، لكن لكي تخرب لا تعمل شيئاً، الخراب لا يحتاج إلى شيء إطلاقاً، الجدار انظر كم يحتاج العامل إلى أن يبنيه، من الصباح الباكر إلى الظهر يمكن لا يبني إلا ارتفاع متر واحد، لكن هدمه يحتاج إلى اثنين أو ثلاثة يضربون عليه ضربة فيسقط في لحظة واحدة. إذاً بوسعك أن تختار موقعك ومكانتك ومنزلتك، ولقد عرفنا أن الناس إذا خيروا بين المنازل اختاروا أسماها وأعلاها وأرقاها. أخي الحبيب! إذا ركبت سيارة فإنك تريد أن تكون بمكيف، وتريد أن يكون القطار سريعاً وتريد المنصة وتريد المرتبة السابعة فتجد أن الإنسان دائماً في مسائل الدنيا يحتاج أفضل شيء، وتجده يحرص على أن يختار في أموره الطبيعية أعلى الأشياء وأسماها، فإذا جئت إلى شخصيتك ومكانتك في الآخرة وهي دار الأبد والخلود، يا أهل الجنة، حياة وخلود ولا موت ويا أهل النار، خلود ولا موت!! إذا جاءت الحياة الأبدية فهل تريد العليا أم الدنيا؟ تقول: أريد الدنيا!! تريد الجنة أم النار؟ تقول: أريد النار! تريد الضلالة أم الهداية؟ تقول: أريد الضلالة سبحان الله العظيم!! في الأمور التافهة البسيطة غترة وما غترة وجزمة وحذاء وثوب؛ تريد أحسن شيء، ولما جاءت نفسك التي هي أغلى شيء تذهب وتختار أخس شيء، سبحان الله العظيم! هذا من الغرائب والعجائب!

стр. 2015

الصاحب والصديق هو طريق الاختيار أخي الحبيب: إذا فهمت وأيقنت أن بوسعك الاختيار، فإن طريق الاختيار هو الصاحب والصديق، والأمر من الجليس والطبع استراق. خذ شاباً وسوف يأتي لك بالعجائب هذه عنز سورية، وهذه عنز سعودية، وهذه عنز من سيراليون ساحل العاج، وهذه عنز مصرية، وهذه عنز من كذا، والتي يقص أذنها تصبح أغلى، والتي تقص ذنبها تطول، والتي تفتح رجلها تطلع (تاندة) ما هذا الكلام؟! فتجد عنده عجائب وعجائب لا تنتهي بسبب أنه جالسها، والتيس الذي اسمه صدام قيمته ستمائة، والتيس الذي اسمه سحاب قيمته مائتان، وولد الجازي قيمته ثلاثة عشر، كلام فارغ! القضية وما فيها: أن الرجل ما قرأ كتباً، فلا يوجد كتب تتكلم عن إتحاف الميئوس في أحكام التيوس، إنما جالس أصحاب التيوس والغنم فأصبح لو مرت من أمامه غنمة وضع الذي في يده وأخذ يلاحقها! فالإنسان إذا جالس قوماً أصبح منهم. وتعال وانظر إلى بعض الشباب الذين حديثهم: هل تعلم أنه صدر الآن في المكتبات شرح جديد للبخاري اسمه فتح الباري لـ ابن رجب؟ سبحان الله! هل تعلم أن شرح الممتع لـ ابن عثيمين وصل إلى الجزء السابع؟ هل تعلم أن الكتاب الفلاني بلغ المكان الفلاني؟ هل تعلم أن كذا طبع مرة أخرى؟ هل تعلم أن الطبعة الأخيرة محققة وخرجت أحاديثها؟ هل تعلم أن هذا الكتاب نفذ من الأسواق؟ من أين أتى بهذه المعلومات؟ جالس طلبة العلم وأهل الكتب والكتاب والوراقين وغيرهم. فيا أخي الحبيب! أنت تصنع شخصيتك باختيارك، وأكرر مرة أخرى: لا يحتقر الإنسان نفسه، فإن من الأسباب التي جعلت بعض الشباب ينحرف ليس حباً في الانحراف، ولكنه احتقاره لذاته، عندما أراد أن يحضر محاضرة جاءه الشيطان وقال له: أنت ما زلت في ضلالك وتريد أن تحضر محاضرات؟! وتريد أن تصبح مثل الشباب الملتزمين؟! اذهب وابحث لك عن سمر مع الذين يشيشون في الرصيف وشيش معهم، أنت لست لهذه الأمور! إن الشيطان يأتي إلى أحدهم فيصرفه عن طريق الهداية، ويخذله ويحطم شخصيته، ويوهن ويضع من قدره، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] لكن لو أن الإنسان احترم نفسه، وإذا جاءه الشيطان وقال له: لا تذهب، لست بكفء، قال له: اخسأ يا عدو الله! أنا ذاهب إلى المركز الصيفي ولابد، فلابد أن تشعر أن الشيطان عدو ممثل في شخص معين يستعرض عضلاته أمامك، ويدفعك ويأخذ بحجزك، ويدفع دونك من أن تصل إلى أماكن الخير ومواقع الفائدة، كما قال الله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ [فاطر:٦] كيف تتخذه عدواً؟ لو قلت لك: الشخص الفلاني الذي في فصلك في المقعد الرابع من جهة السبورة هذا الطالب عدو لك، كيف سيكون موقفك وتصرفاتك تجاه هذا العدو؟ أولاً: لن تحبه، ثانياً: لن تسمع لقوله، ثالثاً: لو قال أنا لك من الناصحين ستقول له: كذبت، بل أنت من الغاشين المخادعين، رابعاً: لو أعطاك دسماً قلت: هذا سم، ولو أعطاك عسلاً لقلت: هذه نجاسة، دائماً تتهمه في نياته ومقاصده، فكذا ينبغي أن نتعامل مع الشيطان ومع الهوى والشهوات، لأنها تجرنا وتدفعنا إلى رذيلة ونقيصة.

стр. 2016

أهمية احترام الإنسان لشخصيته ينبغي أن تحترم شخصيتك، وأن تعلم أن الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة كان شخصاً عدد عينيه كعينيك، وله أنف كأنفك، وعدد أذنيه كأذنيك، وعدد أقدامه كأقدامك، وله يدان ورجلان، وله قلب واحد وعقل واحد وجهاز هضمي واحد وجهاز تنفسي واحد، لم يكن مخلوقاً عجيباً أو غريباً، لكن كان له قلب ليس كقلبك، نعم لك قلب وله قلب، لكن قلبه ألقى السمع وهو شهيد، لك عقل وله عقل، لكنه فكر بعقله ونفعه، وربما بعض الشباب رمى عقله في زبالة واختار أن يقوده الناس. أنا أعجب من ذلك شاب يا حبيبي! يا ولدي! يا أخي! يا بن الحلال! يا بن الناس! ما هو الذي أودى بك في الفساد؟ ما هو الذي جرك مع هؤلاء السفهاء؟ ما الذي يجلسك في هذه الأماكن؟ ما الذي يجعلك تفحط بالسيارات؟ ما الذي جاء بك إلى الشارع الفلاني تفحط وأتى بك إلى شارع الموت أو مع هؤلاء السفهاء في سيارتهم؟ قال: هم قالوا لي: تعال، وأنا أتيت، حسناً أليس لك عقل؟! هذا العقل مغلق عليه في الصندوق أو موضوع في الفريزر مع اللحم والدجاج وتخرج مع هؤلاء بدون عقل! أين عقلك؟! إذا قالوا: إلى المسجد، قل: حيهلاً، وإذا قالوا: إلى الشوارع، قل: لا إذا جاءك من يدعوك إلى محاضرة، قل: أهلاً وسهلاً، وإذا جاءك من يدعوك إلى ضلالة فقل: لا وألف لا. فيا أخي الحبيب! لا تحتقر نفسك، أنت فيك خير كثير وأيضاً فيك شر كثير، وبإمكانك أن تفجر الدنيا وأن تنسف العالم وأن تخرب ما حولك، وبإمكانك أن تبني وأن تصلح، بإمكانك أن تكون طبيباً معالجاً نافعاً هادياً مهدياً، وبإمكانك أن تكون علة ومصيبة على هذه الأمة. واليوم كثير من شبابنا يحسبون علينا ولا نستفيد منهم شيئاً، منهم اليوم الذي عنده محل وأنت الآن لو أن لديك مؤسسة أو شركة أو محل، ثم أحضرت لك موظفاً ووجدت أنه لا ينجز عملاً، نائم دائماً على الطاولة، دائماً لا يرد على التلفون، لا يتابع، لا ينجز، لا يعد تقارير، فإنك ستقول له: تعال، أنا أحضرتك واستقدمتك والخ، اقلب وجهك الله لا يحيي اليوم الذي جئت فيه، اذهب إلى بيتك لا نريدك، ثم تأتي بواحد آخر. واليوم إن مرض أحد شبابنا، تعالوا زوروه في المستشفى، واذهبوا وائتوا له بواحد يقرأ عليه، وائتوا له بواحد يعالجه، واعملوا له إشاعات وتحاليل ومختبرات، وإذا احتاج دماً فتعالوا يا عباد الله وتبرعوا له بدم، ثم إذا نهض نهض شيطاناً مريداً لا نفع ولا فائدة، وهذا ليس بغريب، وصدق الله العظيم: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] تلقى هذا الشاب يوم أن أصابه المرض أو صدمته السيارة أو حصل له حادث يقول: آه، يا رب! يا رب! ولا يعرف أحداً، فقط: يا رب! يا رب! وفي المستشفى يدفعونه، وهؤلاء الممرضات يطلون في وجهه، وهذه تركب له الدواء، وهذه تركب له المغذية، وهذه تعطيه حقنة، ولكنه مع هذا لم يعبر أحداً يا رب! يا رب! ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً﴾ [يونس:١٢] إما أن يمشي وهو ملتو أو قاعد على عربية ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] يوم أن عافاه الله قام ينظر، ويقول: تعالي يا هذه الممرضة، ما اسمك؟ من أي بلد؟ قبل قليل يصيح: يا رب! يا رب! ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ [يونس:١٢] قام يفتح عينيه، وقام يقلب في عباد الله كما يشاء، سبحان الله العلي العظيم! فيا أخي الحبيب! خاتمة هذا الموضوع: حوار مع الشباب، وقد قلت: نحن نتحدث عنك وعن شخصيتك عليك أن تعلم أن بوسعك أن تحدد منزلتك ومقامك من الآن، تخيل نفسك إذا كتب الله لك عمراً بعد عشرين سنة أو بعد ثلاثين سنة، هل أنت في منابر الهداية أم في مواخير الغواية؟ وبوسعك أن تشق طريقاً إلى الخير وليس هذا بأمر عسير. كثير من الشباب يقولون: الاستقامة صعبة، والطريق طويلة، ومن يستطيع أن يصبح ملتزماً! وتجد أربعة أو خمسة شباب يجلسون، ويقولون: يا أخي! فلان ملتزم! يا ليتنا نصبح ملتزمين! وهل القضية والهداية والاستقامة صعبة؟! ليس فيها أمر صعب أبداً، لكنها تحتاج إلى عزيمة، تحتاج إلى إنسان جبل بطل رجل، يقول للشيطان: لا، يقول لجلساء السوء: لا، يقول للشهوة والهوى: لا، ويعسف نفسه ويصارعها كما يصارع المصارع صاحبه في الحلبة. أيها الإخوة: لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، فأكتفي به، ولعل البقية ترد من خلال الحوار والنقاش الذي يرد في أسئلتكم جزاكم الله خيراً.

стр. 2017

الأسئلة

стр. 2018

ضابط إخبار الناس بالأعمال الصالحة السؤال أنا شاب أحب أن أخبر الناس بأعمالي الصالحة لا لأجل الرياء، وإنما لكي يقتفوا أثري ويتأثروا بي، فما هو توجيهكم لي في فعلي هذا؟ الجواب أخي الحبيب! لقد حذر النبي ﷺ من الشرك الخفي، وبين أنه أخفى في هذه الأمة من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وإن كنت تأمن على نفسك فتنة الرياء والسمعة، وتعلم أنك إذا تكلمت فإن هذا يحدث لا محالة أثراً في السامعين لفعل خير وترك شر؛ فلا بأس، وإن كنت تعلم أنك إن تكلمت فإن كلامك يحدث فيهم فعل خير وترك شر، ولكن يدخل في نفسك ما يدخلها من الرياء والعجب، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وإياك أن تحبط عملك بالرياء والسمعة، وهي من صفات المنافقين، قال تعالى: ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]. أخي الحبيب! إن مسألة العمل وإخلاص العمل أمر غريب وعجيب، يقول أحد السلف ولعله الحسن البصري: ما كابدت شيئاً أتعبني كما كابدت نيتي. وإنا نشكو إلى الله إهمالنا وغفلتنا وتفريطنا وتقصيرنا في أمر النية. فيا أخي الحبيب! إذا كان الأمر فيه جانبان، وهما: يقينك بتأثر السامع، ويقينك بسلامة نفسك من الرياء والعجب، فلا بأس، وإن تحقق عدم استفادة السامع مع يقينك بسلامة نفسك من الرياء، فلا داعي لذلك أبداً ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] وإن غلب على نفسك تأثر السامع وعدم سلامة النفس من الرياء، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. ويا أخي الحبيب! اجعل بينك وبين الله سراً، مهما كانت ذنوبك، ومهما كانت معاصيك، ومهما كانت أخطاؤك، اجعل بينك وبين الله سر لا يطلع عليه أحد لماذا كل أعمالنا نفسدها بالمن والأذى والرياء والقيل والقال؟ وإني من هذا المكان لأغبط شباباً إن حضروا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفقدوا، وإن خطبوا لم يزوجوا، وإن سألوا لم يعطوا، والله إنا على يقين أنهم خير منا بمئات المرات، فهنيئاً لهم إذ لم يعرفوا وقد فتح الله عليهم أبواب خير من الدعوة، خاصة دعوة الشباب والعناية بالشباب، ومجاهدة الأنفس، وتربية الشباب، التربية الفردية والدعوة الفردية، فقد حصلوا الأجر وسلموا من فتنة الشهرة والقيل والقال.

стр. 2019

مرض الهوس الرياضي وعلاجه السؤال إنني مصاب بمرض الهوس الرياضي وقد أتعبني نفسياً، فما هو العلاج لهذه المشكلة؟ الجواب ما كنت أظن أن الرياضة تبلغ ببعض الشباب ما بلغت؛ لولا أن واحداً حدثني قائلاً: إنه إذا كانت مباراة نهائية ثم هزم فريقه ولم ينل الكأس، يقول: أبقى ثلاثة أيام لا أذوق طعاماً أو لا حاجة لي في الزاد! آكل شيئاً بسيطاً جداً، أما الوجبات الرئيسية فلا يذوقها! لماذا؟ لا أريد أحداً يكلمني، ولا أريد ولا أريد. فقلت له: ولو قيل لك: أن مائة فتاة في البوسنة اغتصبت، فهل تتحرك؟ لو قيل لك: إن عدداً من العلماء في بلاد من البلدان أعدموا وشنقوا، فهل تتحرك؟ لو قيل لك: إن مقابر جماعية حفرت لمسلمين ودفنوا فيها، فهل تتحرك؟ قال: وهذا الذي يؤلمني أنني لا أجد لهذا أثراً. لا شك أن هذا مصاب بمرض القلب، بل بموت القلب ولا حول ولا قوة إلى بالله! ولا شك أن الهوس الرياضي ما أصابه من أول يوم شجع فيه، لكنه أدمنه حتى أصبح يشكو حالة الانهيار والهوس كما يسميه، ولو أنه جاهد نفسه، وتذكر دائماً، والذكرى تنفع المؤمن، أن يتذكر في كل حال هب أن فريقاً تشجعه فاز فهل يعطيك ريالاً؟ لا، هل يرقيك مرتبة؟ لا، هل يقدمك سنة دراسية؟ لا، هل يزيد في بيتك مساحة؟ لا، هل يقدم لك طعاماً طيباً؟ لا، هذا في مقاييس الدنيا، فإذا أتيت إلى الآخرة: هل هذا يرضي الله عنك؟ لا، هل هذا يقربك من الله؟ لا، هل تتزود به علماً؟ لا، هل يحبك الصالحون ويدعون لك؟ لا، هل ترجو بذلك شفاعة النبي ﷺ في يوم القيامة؟ لا، هل تنال بذلك أن تكون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله؟ لا. إذاً: بم ستلقى الله في هوس الرياضة؟ هل ستقول: يا رب! جئتك ومعي تمزيقي لثيابي يوم أن هزم المنتخب، وتفحيط في الشوارع يوم فاز؟ جئتك وقدمت بين يديك ومعي صياح ورسائل وأشرطة؟ والبعض يدفع من جيبه، ولو قيل له: ادفع في حفر بئر أو كفالة يتيم أو كفالة داعية أو بناء مسجد لقال: فريقنا أهم علينا مما تقولون! أخي الحبيب! تأمل وتفكر، فالهوس ليس بحالة لا تستطيع أن تعالجها، كيف جاءك الهوس تدريجياً حتى أصبحت ذا هوس رياضي؟ فأنت تستطيع أن تكون ذا حرقة على الدين، وتستطيع أن يبلغ بك الحال إلى درجة تسهر الليل وأنت تتفكر في قضايا المسلمين، كما يحصل من بعض من نعرف، بعضهم يقول: إذا رميت برأسي على وسادتي تمر الساعات وأفزع -أحياناً- بأذان الفجر وما علمت أن الساعات مرت. يا أخي فيم تفكر؟ يقول: في جياع البوسنة، وفي المسجونين في كشمير، وفي المقابر الجماعية من قبل الصرب على المسلمين، وفي الاغتصاب للأخوات المسلمات يقول بعضهم: وتارة ربما انحدرت دموع على وجنتي وأنا أتقطع أسى، وكما في الأثر: في آخر الزمان يذوب قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكرات ولا يغير، وأحياناً ربما يتميز الإنسان غيظاً ويضيق حينما يرى من المنكرات والمصائب والبلاوي، لكن ينشرح الصدر حينما يرى أمثالكم ممن يعدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧] فتب إلى الله من هذا الهوس الرياضي.

стр. 2020

أهمية النية للاستفادة من وقت الإجازة السؤال إنني أعرض عليكم المشاركة في هذا المركز لإفادة الإخوان رغم القصور والله المستعان، إلا أنني كنت عقدت العزم على الاستفادة من هذه الإجازة على قدر الإمكان، ويصعب عليَّ التوفيق بين الأمرين، فما توجيهكم لي ولأمثالي؟ الجواب النية أساس العمل، فما دمت نويت أن تستفيد فسوف تستفيد، أحبابي! لو جلست مع شاب عمره نصف عمرك ونويت أن تستفيد من حديث معه لاستفدت، لو أخذت كتاباً وأنت تنوي أن تنتقده لن تخرج إلا بالانتقادات ولن تخرج بفائدة، ولو أخذت كتاباً وأنت تنوي أن تستفيد منه لاستفدت، فنيتك هي أهم شيء، شعورك بقصور نفسك، قناعتك بأنك مريض تحتاج إلى علاج بحسب درجات المرض، وكلنا نحتاج إلى ذلك، أنا مقتنع أنني مريض، وربما وجدت العلاج بجلسة معكم أستفيد منكم وأسمع منكم وتسمعون مني، وأنت تقتنع أنك مريض بحاجة إلى من يسددك ويصوبك، وكلنا مرضى ومن ذا الذي يدعي الكمال؟ ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ والله -يا أحباب- إننا كما يقول القائل: مريض يعالج مرضى، وعليل يناصح معلولين، ولكن حسبنا أن نتواصى فإنها سمة المؤمنين، كما قال الله : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. المشاركة في هذا المركز شرف وفخر أعتز به، وليس عندي مانع أن أشارك ثانية وثالثة، وما تشاءون من المشاركات إذا كان لدي فرصة أو وقت يسمح بذلك، حتى لو أردتم نلعب سلة.

стр. 2021

الابتلاء بالتعلق بالأشخاص وعلاج ذلك السؤال إنني شاب مبتلى بحب شاب، وشغفت بحبه حتى والله أنني تركت بعض النوافل، بل ذهب عني الخشوع في الصلاة، وبدأت أتكاسل وأفكر فيه في كل أوقاتي، فأرجو إرشادي لعل الله أن يبعد عني هذا الحب، وأرجو الدعاء لي لعل الله أن يستجيب في هذا المكان، وجزاك الله خيراً؟ الجواب أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك أخي الحبيب! إياك والتمادي في أسباب العشق والتعلق خاصة بالأحداث فما في الأرض أشقى من محبٍ وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكياً في كل وقتٍ مخافة فرقةٍ أو لاشتياق فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا حذر الفراق وكم أفسد هذا الداء الخسيس! نسأل الله أن يعافينا وإياكم، نسأل الله ألا يبتلينا في أنفسنا، والمعافى من عافاه الله، والمسَلَّم من سلمه الله. أقول: إن هذا قد أنزل رجالاً من مستعصمهم إلى مهاوي الرذيلة والمواقع الآثمة، ثم عجبت أن يهوى شاب شاباً أو رجل رجلاً، سبحان الله العلي العظيم! أما تعلم أن في أنفه المخاط؟ أما تعلم أن في عينيه القذى؟ أما تعلم أن في جوفه الخراءة والعذرة والبول؟ أما تعلم أن في مغابنه وبراجمه العرق؟ أما تعلم أن في فمه البخر؟ أما تعلم أنه قطعة تجيف وينتن ريحها إذا تركت لولا أن الله سترها بالدفن لو ماتت؟ أما تعلم أنه لو مات ما أطاقه أهله وأحبابه وأقاربه؟ أما تعلم أن ما تفعل جزاؤه خسف ومسخ؟ أما تعلم أن جزاء من فعل هذا وتمادى فيه أن يصعد به أعلى شاهق ويرمى من أعلاه عقوبةً له على خسة طبعة ودناءة نفسه؟ وعلاجه الإعراض والبعد، ابتعد، يوجد مكان أنت مبتلى فيه ببلاء فابتعد عنه. فخاتمة المطاف في هذا السؤال نقول لصاحبنا: إن من الأدوية الناجعة المفيدة لمن ابتلي بمثل هذا الداء الخبيث -والعياذ بالله- أن يبتعد عن الموقع الذي فيه هذه الفتنة وهذه البلية، فلعل العين إذا غابت بنظرها اشتغل القلب بشغل أجل وأهم، أخي! سبحان الله العلي العظيم! أسأل الله ألا يبتلينا في أنفسنا، أسأل الله أن يعافيك وألا يبتلينا. يا إخواني! تصوروا لو أن واحداً أبوه ميت أو أمه متوفاة، فجاءه واحد صديق وقال له: بياراتنا غير صالحة أصلحها لنا، يا أخي! نحن في بيارات أم في حالة موت حبيب وعزيز وغالٍ؟! لا يمكن أن تأتي بالهم عند الهم هذا إطلاقاً، فكذلك أين الهم في هداية المسلمين ودعوتهم؟ وأين الهم في إصلاح المجتمع؟ وأين الهم في الأمر بالمعروف؟ وأين الهم في الجنة والفردوس الأعلى؟ وأين الهم في رؤية الله والنظر إلى وجهه الكريم؟ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وأين الهم في رؤية النبي ﷺ ؟ أنت تعلم أن همك في مثل هذا الشذوذ وهذا البلاء يحرمك ويرديك وينكسك ويحرمك أموراً عظيمة وجليلة، فهل تضيع هم جلال الله والنظر إلى وجهه الكريم، وحب المصطفى ﷺ ولقاءه، ومقابلة الأخيار، والجنة والنعيم والحور والرضا، رضي الله عنهم ورضوا عنه، تضيعه كله لأجل هذا الأمر الذي تدعيه أو تذكر أنك متعلق به؟!! أنا لا أقول هذا ساخراً ولا مستهزئاً، فلا تهزأ بأخيك يعافيه الله ويبتليك، لكن أقول: اجعل في النفس هماً عظيماً، ثم ستجد أنك تضحك على نفسك وتقول: كيف أهتم بأمر كهذا وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام

стр. 2022

طريق الاستقامة والتوبة إلى الله تعالى السؤال هناك شاب يقول: إنه يريد الاستقامة، ولكنه متردد فبماذا تنصحونه؟ والثاني شاب تائب يقول: كيف العود الحميد إلى الله؟ وهل التوبة تمحو عني ما مضى؟ وكيف أستقيم حقاً؟ والثالث يقول: إنني شاب مبتلى بالتدخين والعادة السرية فما هو الحل؟ الجواب أخي الحبيب: الذي يقول: إنه متردد في الاستقامة، فنحن نسأله عن أسباب التردد، بعض الشباب يحب الأخيار ويدعو لهم، يبتسم في وجوههم، يستضيفهم في بيته، يقدم لهم أزكى طعام، ويهديهم أطيب سلام، يذب عن أعراضهم، يدافع عنهم، لا يرضى أن يسمع فيهم مسبة ولا قالة، لكنه لم ينضم معهم، ولم ينخرط في سلكهم، ولم يعمل داعية إلى الله كما يدعون؛ والسبب أوهام ووساوس قال الشيطان بها، وأذكر طرفاً منها: فمن ذلك أن أحدهم يقول: إنني إذا التزمت واستقمت أخاف أن أصبح غداً من هؤلاء الذين يفجرون، لأنه ما بينه وبين التفجير إلا أن يستقيم ويلتزم، كما حصل بعض الناس للأسف من التصور، بعضهم يوم أن أراد أن يستقيم ولده، قال له: عندك نية تطوع وفي الغد تأتي لنا برجال ينسفون أبها، أو عندك نية وعندك نية أصبح كل متدين معناه أن معه حزاماً ناسفاً، و (تي إن تي) و (سي فور) و (ريموت كنترول) تفجير ونسف، هذا ليس بصحيح، إذا كان هناك أربعة أو خمسة أو عشرة أو عشرون أو خمسون ضلوا الطريق، وسلكوا مسلك التكفير، ورضعوا أفكار الخوارج نقول هذا بقوة ولا كرامة، لابد أن نميز وإلا سيأتي يوم من الأيام يرمى الجميع بجرم أي واحد ضال منحرف، لكن إذا كنا صريحين صادقين في التفريق والتمييز والتمايز بين من يحسب على الدين الحق والالتزام الصحيح والمنهج الشرعي وطريقة أهل السنة والجماعة ومن ليس منهم، حتى ولو وفر لحية أو قصر ثوباً، وليس العيب في اللحى والثياب، حينئذ نكون صادقين وجادين ونعرف. فأقول لهذا الذي يتردد: يا أخي الحبيب! نحن في هذه المملكة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها لا تكاد تجد إلا نزراً يسيراً ممن تأثروا بمثل هذه الأفكار، تحت ظروف المراهقة وصغر السن والجهل وعدم العلم وعدم الاتصال بالعلماء وعدم الرجوع للعلماء، فلا تظن أن كل المتدينين هكذا، لا أحصي لك من مئات الآلاف من الشباب أو الملايين من الشباب المتدين يعفون لحاهم، ثيابهم على السنة، يسمعون الشريط الإسلامي النافع ويوزعونه، يقرءون الكتاب الإسلامي النافع ويلخصونه، يتحلقون على العلماء، يتزاحمون بالركب في دروسهم، أهل الصلاة والمساجد، أهل القيام والصيام والتهجد، أهل البر، وما علمنا عنهم إلا جداً واجتهاداً وعزماً وحزماً وحيوية ونشاطاً وبذلاً وخيراً، ونفع الله بهم الإسلام والمسلمين. فالتردد من أجل أني لو أعفيت والتزمت واستقمت أني سأصير بهذه الصفة؛ هذا من خلط الشيطان ووسوسته، يقول أحد الشباب: إنه قابل شخصاً في المصعد فقال له: هل معك سيجارة؟ فقال له: يا أخي الكريم! مصعد وضيق، والتدخين يضرك، أتعرف أنه من الخبائث، وكذا، قال: يا رجل! أحسن من اللحية هذه التي فيها متفجرات! مباشرة قال له: تف، وتنفجر عليها ويذهب. قال: خوفته بلحيتك وأعطيته حركة. هل هذا عقل عندما يقول: أحسن من اللحية التي فيها متفجرات؟!! انظر إلى أي درجة نزغ الشيطان لسانه فقال بكلمة سخيفة خسيسة. نحن -والحمد لله- عرفنا الشباب الطيب من أكثر من خمسة وعشرين سنة أو عشرين سنة وما سمعنا -أنا أحدثكم عمن لقيت وعرفت من الأساتذة والدعاة الأفاضل- ما سمعت -والله- يوماً ما من أحدهم كلمة تدعو إلى ضلالة أو غواية أو إفساد في المجتمع، بالعكس نسمع منهم الدعاء لولاة الأمور والتواصي به، نسمع منهم النصيحة للمسلمين عامة ولولاة الأمور أيضاً والتواصي بذلك، نسمع منهم العناية بالوالدين والاهتمام بهما، نسمع منهم العناية بإصلاح أوضاع المجتمع، نسمع منهم العناية بنفع المساكين والمحتاجين هذا معوق، وهذا مشلول، وهذا عنده علاج، وهذا يحتاج إلى مساعدة، وهذا عليه دية لا يجد من يجمع له، وهذا عليه دين يريد من يشفع له، وهكذا تعلمنا من الطيبين الذين نعلم أنهم منتشرون في أنحاء هذه البلاد. فإذا نزغت نازغة أو خرجت خارجة محدودة في عشرات أو أقل من مائة أو شيء من هذا لا يحسبون على البقية، فينبغي أن نتبرأ من سلوكهم، ونحن لا نكفرهم، فإن علي بن أبي طالب لما سألوه عن الخوارج وقالوا له: [يا أمير المؤمنين! أكفارٌ هم؟ قال: لا، من الكفر فروا، لكن بغوا علينا] ومع ذلك قاتلهم وقتلهم وما كفرهم، فنحن نرضى ونسلم بالإجراءات الشرعية والرسمية التي أجرتها الدولة وصدرت من العلماء ومجالس القضاء محل ثقة، وما عندنا اهتزاز ثقة في ولاة الأمر من كبار العلماء والمسئولين إطلاقاً، ينبغي أن نسلم بالثقة، سيما مسئولية الأمن مسئولية خطيرة، ولولا الله ثم الأمن ما اجتمعنا هنا، لو أننا في حرب فهل نستطيع أن نجتمع في مراكز؟ كيف تدعو في ظل حرب؟ كيف تقوم بمشاريع دعوية أو خيرية أو صحية أو توعية أو اجتماعية، أو غيرها في ظل حرب إطلاقاً؟ فكل خير بعد فضل الله في ظل الدين ثم الأمن، ونحن نحترم هذه المسئولية ونرى أنها مسئولية الجميع، سواءً في وزارة الداخلية، في المراكز الصيفية، في جميع الدوائر، في الجامعات، في المعاهد، في المدارس، في كل مجال ينبغي أن يكون عندنا حس أمني، ولله الحمد هذا موجود. وقد يتردد هذا الشاب الذي يريد الاستقامة، ويقول: وإذا استقمت فأنا قد لا أستمر فنقول: يا أخي! وهل شرعت التوبة إلا من الزلل؟ وهل شرع الاستغفار إلا من الخطأ؟ تب إلى الله ، أقلع عن ذنوبك، أبعد ما عندك من آلات اللهو وصوره ومجلاته وأشرطته ووسائله، حطمها، كسرها، فإن وقعت بعد ذلك في زلة فأتبعها بالاستغفار ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]. قد تقول: أنا متردد في الاستقامة، أخشى أني أغلط مرة ثانية. نقول: استقم، وإن غلطت فتب، وإذا أخطأت فأحدث بعد الخطأ عملاً صالحاً يمح السيئة (وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن). وقال أحدهم: إنني أريد أن أستقيم، لكن أهلي يمنعونني ويقولون: هؤلاء المطاوعة وراءهم أشياء وأشياء. أنا أرى الشيخ الآن ماذا وراءه؟ فنيلة علاقي، لست أرى مسدساً ولا ميراجاً، ولا (ترنيدو) ولا (إف ٦٠) ولا (إف ١٦) إطلاقاً، ليس وراءه إلا فنيلة علاقي. فالشاهد يا أخي الحبيب! ادفع عنك هذه الأوهام، وبعض الشباب فعلاً، حتى أضرب لك مثالاً على أن الشيطان يعرقلنا، يكبلنا، يقيدنا عن الدعوة والاستقامة، يقول بعض الشباب: أنا -أحياناً- أفكر وأقول: سأدعو إلى الله، وسأوزع أشرطة وكتباً، وأشترك في المركز، وسأفعل، يقول: ثم قليلاً قليلاً أحس أنه ينزل على رأسي جبل من الخوف وأحس أنني مراقب، وأن الناس يطالعونني، وأن حولي أناساً يراقبونني ويتابعونني! يا زعيم المافيا، هم لا يراقبونك، ماذا عندك يا أخي لكي يراقبوك أصلحك الله؟! تراقب لأنك تصلي مع الجماعات! تراقب لأنك تسابق المؤذن إلى المسجد! تراقب لأنك تشتري شريطاً مفسوحاً من وزارة الإعلام! تراقب لأنك تلخص كتاباً يباع في المكتبات وفي الشوارع! تراقب لماذا؟ ما هذه الأوهام الجنونية؟! أقول: ربما أنك تتردد لهذه الأسباب، أو تتردد أسفاً على شهوة، أو لا تريد أن تفارق شهوة، أقول: ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، اترك ما تشتهي لما يرضي الله ، ولن تكون أبلغ من مصعب بن عمير الذي كان فتى مدللاً غنياً ثرياً وسيماً ناعماً معطراً، فترك كل ذلك لوجه الله، فأكرمه الله بالشهادة في سبيله، وهو مع الأبرار والأخيار في جنات النعيم.

стр. 2023

الالتزام الأجوف والعزلة السؤال أنا شخص أريد أن أكون عادياً ولا أحب الارتباط لأني كثير الأشغال، وأحب الجلوس في البيت كثيراً، فما نصيحتكم؟ الجواب انظر يا أخي الحبيب! ليس هناك مرحلة بين الاستقامة والانحراف ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧] ليس هناك توقف، إما أن تتقدم إلى الاستقامة أو تتأخر إلى الغواية والضلالة، حتى الاستقامة ممكن أن يقع أثناءها شيء من الزلل أو الخطأ أو الذنب، فتتبعه بتوبة واستغفار وإنابة ورجوع، مشكلة بعض الشباب يقول: أنا لا يمكن أن أستقيم؛ لأنني لو استقمت إما أن أصير ملكاً من الملائكة معصوماً ولا أخطئ، وإلا لا يمكن، أنا لا أقول لك: استقم وليس هناك مانع أن تعصي وأن تلعب وتلف وتدور، لا، أقول: استقم، وخذ العهد والعزم على ألا تضل، وألا تنحرف، وألا تتساهل مع النفس، وألا تنساق وراء الشهوات والأهواء، لكن إن وقع منك زلة أو خطيئة، فيا سبحان الله! قد زل من هو خير منك فعاد وأناب إلى الله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥]. فيا أخي الحبيب! تب إلى الله وعد، وأما أن تقول كما يقول بعضهم: أنا والله أريد أن أكون وسطاً، إذا كنت أنت وسطاً، فماذا يكون أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵃؟ أهم غلاة؟ أهم متطرفون؟ ما هذه الوسطية التي ندعيها؟ ويقول: أنا لا أريد أن أكون مروج مخدرات وسفاح دماء، لكن لا أريد أن أكون شاباً ملتزماً، أنا أريد أكون وسطاً؟ لا تخادع نفسك بكلمة الوسط هذه، الوسط هو العدل والخيار وهو الذي يرضي الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] الله جعلنا وسطاً، فالوسط هو الخير والعدل والتمام والصلاح، فلا تخادع نفسك، فعليك بالاستقامة. وقضية الاستقامة بعيداًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًً عن الالتزام بالصحبة الصالحة هذه مسألة ترجع إلى شخصيتك أنت، بعض الشباب مشغول بالقراءة، مشغول بالبحث العلمي، مشغول برسالته العلمية، مشغول بالتعليم، مشغول بالدروس العلمية، مشغول ليلاً ونهاراً، فنقول: ليس من العقل أن تترك هذا الخير العظيم، بل نحن نخالط الشباب، ونعد الشباب، ونستفيد من الشباب من أجل أن نبلغ هذه الدرجة، درجة التأليف والتصنيف ونفع الناس والدعوة إلى الله ، فإذا استطعت أن تبلغ هذا الخير بمفردك دون الاختلاط بأحد مع أمان على النفس، فلا أحد يمنعك أن تفعل هذا، لكن قد أخبرنا الواقع وحدثتنا التجارب أن الذئب إنما يأكل من الغنم القاصية كما في الأثر، لا تكن طرفاً فإن الذئب إنما يأكل من الغنم القاصية. وأتذكر يوم أن كنا صغاراً في مكتبة في السويدي، كان معنا أحد الشباب وكان مولعاً بالقراءة، قال: أنا ليس لي حاجة للاختلاط بكم. والله -يا إخوان- ما هي إلا أيام ثم بدأ يقرأ كتباً منحرفة، ثم بدأنا نفقده في الصلاة، ثم بدأ لا يصلي مع الجماعة، ثم ركب على بيته بعد فترة دشاً، وفي بداية الدشوش، مع بدايتها كان من أوائل الذين ركبوا، وفرض على أهله، وشكا أهله منه انحرافات عجيبة وغريبة، سبحان الله العلي العظيم! كيف حصل هذا الأمر؟ نتيجة لأنه قال: أنا سوف أستقل بنفسي، أما من يثق بنفسه فلا حرج.

стр. 2024

أهمية الالتحاق بحلقات القرآن الكريم السؤال هل الالتحاق بحلقات القرآن الكريم يؤثر في التزامي لأني أحس بثقل في التسجيل فيها؟ الجواب أخي الحبيب! نحن نريد أن نلتزم لكي نسجل في حلقات القرآن، فإذا استطعت أن تسجل في حلقات القرآن فأنت قد قطعت شوطاً كبيراً في الاستقامة والالتزام، وبالمناسبة لا نريد أن تكون المراكز الصيفية مشغلة وملهية للشباب عن الدروس العلمية وحفظ القرآن الكريم، بل لابد أن يكون من ضمن البرامج في المراكز الصيفية حلقة تحفيظ قرآن موجودة لمدة ساعة أو ساعتين، جميع الأسر تتحول إلى خلايا نحل لها أزيز بالقرآن، حتى يحفظ كل ما يسر الله له يومياً، حتى لا تكون المراكز قد أشغلت وصرفت بعيداً عن تحفيظ القرآن، وما فائدة الاستقامة إذا لم تقربنا إلى كتاب الله ؟ فإذا كنت ستسجل في حلقة تحفيظ القرآن، فهذه الحلقة وتسجيلك فيها وانضباطك في الحفظ واستمرارك فيه دليل على أنك قطعت في الالتزام شوطاً طيباً جزاك الله خيراً.

стр. 2025

كيف نكون مصلحين ؟ السؤال نحن صالحون، ولكن كيف نكون مصلحين؟ الجواب نسأل الله أن نكون صالحين، وأما الإصلاح فأن تنقل ما حققته من الخير والهداية والاستقامة التي تراها في نفسك وسلوكك إلى الآخرين، بالكلمة الطيبة، بالخلق الحسن، بالمعاملة الجيدة، بهدية الشريط والكتاب، بأخذ هذا الشخص الذي تريد دعوته، تتألف قلبه إلى المركز وإلى المحاضرة، تزوره بأخ في الله، تهديه هدية، كل هذه من الأسباب التي تفتح المغاليق، وأحيل إلى شريط عنوانه: "الدعوة الفردية" نافع جداً في هذا الباب.

стр. 2026

المحافظة على الاستقامة بعد سماع المواعظ السؤال كيف أحافظ على حالة الاستقامة التي أشعر بها بعد سماع المواعظ؟ الجواب تحافظ عليها إذا أكرمت نفسك ونزهتها عن أن تسقط بها في حضيض مجالس اللهو والغفلة، وكنت دائماً في وسط نافع يذكرك بالله إذا نسيت، ويعينك على طاعة الله إذا تذكرت، فهذا يحقق لك بإذن الله، ومن معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، لكني أنصح بنصيحة هي من ضمن الأعمال الصالحة التي يزداد بها الإيمان، لكنها -بإذن الله- فيها خير، وهي كثرة الاستغفار وذكر الله، يقول النبي ﷺ : (من لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب) وقال رسول الله ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة أو تمحى عنه ألف سيئة؟ قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يسبح الله مائة تسبيحة، فتكتب له مائة حسنة، أو تمحى عنه ألف سيئة). وقال صلى الله عليه سلم: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، مائة مرة؛ كان كمن أعتق عشر رقاب، وكانت حرزاً له من الشيطان سائر يومه ذلك). دائماً عود نفسك على الذكر والاستغفار مع الشهيق والزفير: لا إله إلا الله لا إله إلا الله أستغفر الله أستغفر الله حتى لو اقتضى الأمر أن تأخذ سبحة وتسبح بها، فهذا ليس ببدعة كما يظن بعض الناس، فقد سمعت سماحة الشيخ العلامة الإمام محمد بن صالح بن عثيمين سئل في (نور على الدرب) عن رجل يقول: أنا أستخدم سبحة فيها عدد خمسمائة حبة -انظر هذه سبحة طويلة! - من أجل ضبط التسبيح، يريد أن تكون مثلاً كل مائة تسبيحة مائة تهليلة، يريد أن يضبط العدد؛ فقال الشيخ: إذا كان الإنسان يستخدم السبحة لضبط العدد ليس لقصد الاعتقاد أن السبحة فيها مزية وفضيلة فهذا لا بأس به، لكن يراعى في ذلك أن الإنسان ربما يفتح عليه باب أنه يسبح أمام الناس بسبحة فيدخله الرياء، ولو عود نفسه دائماً أن يسبح في نفسه لكان أفضل، والتسبيح بالأنامل أفضل، والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ رأى امرأة من الصحابيات إحدى أمهات المؤمنين معها مكتل أو زنبيل فيه حصى، فقال: ما تفعلين به؟ قالت: أعد به التسبيح يا رسول الله! فما أنكر عليها ذلك، ولكنه أرشدها إلى التسبيح بالأنامل فقال: (إنهن مستنطقات) أي: تشهد لك بتسبيحك. فكون الواحد يجعل له سبحة -مائة حبة- يسبح بها، لا بأس به، حتى أن بعض الشباب إذا جاء لينام تأتيه الهواجس وتلعب به وقام يفكر، حتى بعضهم هواجسه تقوده إلى العادة السرية والأمور الخبيثة، لكن توقع لو أنه مد له مائة سبحة وجلس يستغفر الله، فيغلبه النوم وهو يسبح، ما يسبح مائتين أو ثلاثمائة إلا وهو داخل في نومة طويلة عريضة؛ فاجعل التسبيح دائماً قضيتك، إذا كنت لا تسمع شيئاً نافعاً أو لا تتحدث في شيء نافع فسبح بأناملك، واضبط العدد، سبح مائة حبة أو مائتين أو ثلاثمائة، خذ السبحة وسبح ليل نهار، فهذا مما يحافظ على الإيمان ويضيء وجهك بإذن الله . في الختام نسأل الله العظيم أن يرفع قدر الشيخ، وأن يعلي منزلته، وأن يجعل ما سمعنا حجة لنا في موازين أعمالنا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 2027

خطبة عيد الفطر إن الله أنعم علينا بنعم عظيمة، من هذه النعم ما تعيشه الأمة من أفراح وأعياد، ومن هذه الأعياد هذا العيد الذي توج الله به شهر الصيام والقيام وأجزل لنا فيه البر والإكرام، أحل لنا فطره وحرم علينا صومه، وأوجب علينا فيه شكره، ولقد تحدث الشيخ عن العيد وفضله ثم أتبع بعده توجيهات وقضايا يحتاج المسلم إلى أن يذكر بها خاصة في مثل هذه المواسم.

стр. 2028

فضل يوم العيد الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، الله أكبر كل ما صام صائم وأفطر، الله أكبر كلما لاح صباح عيد وأسفر، الله أكبر كلما لاح برق وأنور، الله أكبر كلما أرعد سحاب وأمطر. الحمد لله، الحمد لله الذي سهل لنا الصيام والقيام ويسر، نحمده على نعمه التي لا تحصى ولا تحصر، ونشكره على فضله وإحسانه وحق له واحد أحد صمد أن يشكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ربنا تفرد بالخلق والتدبير وكل شيء عنده بأجل مقدر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من صام وقام وصلى وزكى وحج واعتمر، صلى الله عليه وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهر، وعلى أصحابه الذين سبقوا إلى الخيرات فنعم الصحب والمعشر، وعلى التابعين لهم بإحسان ما بدا الفجر وأنور، وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعرفوا نعمته عليكم بهذا العيد السعيد فإنه اليوم الذي توج الله به شهر الصيام، وافتتح به أشهر الحج إلى بيته الحرام، وأجزل فيه للصائمين والقائمين جوائز البر والإكرام، عيد تمتلئ القلوب فيه فرحة وسروراً، وتزدان الأرض به بهجة وحبوراً، يومكم هذا -معاشر المسلمين- يوم عظيم وعيد كريم، أحل الله لكم فطره، وحرم عليكم صيامه، يوم كله بر وإحسان، وفيه يحمد المسلمون ربهم على نعمة الإسلام، ويكبرونه جل وعلا على ما أولاهم من الفضل والإنعام، وهو يوم الجوائز، يوم يرجع فيه أقوام من المصلى خرجوا من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم، نسأل الله أن يجعل الجميع منهم. في الحديث عنه ﷺ : (إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض في كل بلد فيقومون على أفواه السكك ينادون بصوت يسمعه جميع خلق الله إلا الجن والإنس، يقولون: يا أمة محمد! اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله لملائكته: يا ملائكتي! ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا أن توفيه أجره. فيقول: أشهدكم أني جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم، رضاي ومغفرتي، انصرفوا مغفوراً لكم) فيا فوز العاملين! ويا فرحة الصائمين القائمين بهذا اليوم العظيم! ويا خيبة المفرطين المحرومين! الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

стр. 2029

المحافظة على التوحيد الخالص عباد الله: عظوا بالنواجذ على شهادة التوحيد وكلمة الإخلاص، لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، واعملوا بمقتضاها في توحيده جل وعلا، في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فهو الذي خلق من العدم، وهو الذي ذرأ وبرأ، وهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وهو المتفرد في أسمائه وصفاته، فله سبحانه صفات الكمال والجلال كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. معاشر المسلمين: احذروا الشرك فإنه محبط للأعمال، والجنة حرام على المشركين: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].

стр. 2030

أهمية المحافظة على الصلاة معاشر المؤمنين: أوصيكم ونفسي بوصية الرسول ﷺ التي قالها وهو يجود بنفسه يعالج سكرات الموت، يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) ذلك أن الصلاة عمود الدين، وثاني أركانه، وآخر ما يبقى منه، وناهية عن الفحشاء والمنكر، ولا دين ولا إسلام لمن تركها، أقيموها مع الجماعة في بيوت الله في أوقاتها المكتوبة، وحذار حذار من تركها والتهاون بها فهي الفيصل بين الرجل والكفر، إن من هانت عليه نفسه ورضي أن تلقى في سقر وفي قعر جهنم هو الذي ضيع الصلاة وتهاون بها وجحدها: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] ويقول الله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤٣].

стр. 2031

إخراج الزكاة عباد الله: أدوا زكاة أموالكم لمن ذكرهم الله في محكم كتابه، ولا تبخلوا على أنفسكم بفضل الله الذي آتاكم: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠].

стр. 2032

التحذير من التهاون بالحج معاشر المسلمين: حجوا فرضكم الذي كتب الله عليكم بقوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] وإياكم والتهاون بأمر فرض الحج، وإياكم والتسويف فيه، تذكروا قول النبي ﷺ : (من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو منع من سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً).

стр. 2033

التحذير من عقوق الوالدين عباد الله: تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣] اجتهدوا في الأعمال الصالحة واحرصوا على مداومتها، وإياكم وعقوق الوالدين فإنه من كبائر الذنوب، يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] ويقول ﷺ : (أربعة نفر حق على الله ألا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن خمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم ظلماً، والعاق لوالديه؛ إلا أن يتوبوا).

стр. 2034

التحذير من الوقوع في فاحشة الزنا عباد الله: اجتنبوا الظلم واتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، غضوا أبصاركم عما حرم الله عليكم؛ فإن النظر سهم مسموم من سهام إبليس: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢]. اتقوا الله وتوبوا إليه، وتجنبوا سخطه، وافعلوا الخير وما يرضيه، وأعدوا العدة والزاد لسلعة الله الغالية ألا وهي الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اجتماع لا افتراق بعده، ونعيم لا زوال له، وحياة لا فناء بعدها، وصحة لا سقم فيها، وسعادة لا شقاء يكدرها، ونِعَمٌ لا شيء يكدرها، الحذر الحذر من جماع الإثم وأم الخبائث، الحذر من الخمر وما جرى مجراها فهي مذهبة العقل والغيرة، ومفتاح الديوثية والعار، وملحقة الخزي والعقوبة في الدنيا والآخرة.

стр. 2035

التحذير من التعامل بالربا عباد الله: اتقوا الله في أنفسكم وتجنبوا الربا فإن أمره عظيم، وخطره على الأمة جسيم، ويكفيكم زاجراً في تجنبه ودليلاً على حرمته والبعد عنه قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] وقوله ﷺ : (درهم ربا يصيبه الرجل أشد من ستٍ وثلاثين زنية) وقوله ﷺ : (الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه).
следующие страницы →