Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
إخراج الزكاة
عباد الله: أدوا زكاة أموالكم لمن ذكرهم الله في محكم كتابه، ولا تبخلوا على أنفسكم بفضل الله الذي آتاكم: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠].
стр. 2032
التحذير من التهاون بالحج
معاشر المسلمين: حجوا فرضكم الذي كتب الله عليكم بقوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] وإياكم والتهاون بأمر فرض الحج، وإياكم والتسويف فيه، تذكروا قول النبي ﷺ : (من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو منع من سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً).
стр. 2033
التحذير من عقوق الوالدين
عباد الله: تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣] اجتهدوا في الأعمال الصالحة واحرصوا على مداومتها، وإياكم وعقوق الوالدين فإنه من كبائر الذنوب، يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] ويقول ﷺ : (أربعة نفر حق على الله ألا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن خمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم ظلماً، والعاق لوالديه؛ إلا أن يتوبوا).
стр. 2034
التحذير من الوقوع في فاحشة الزنا
عباد الله: اجتنبوا الظلم واتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، غضوا أبصاركم عما حرم الله عليكم؛ فإن النظر سهم مسموم من سهام إبليس: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢].
اتقوا الله وتوبوا إليه، وتجنبوا سخطه، وافعلوا الخير وما يرضيه، وأعدوا العدة والزاد لسلعة الله الغالية ألا وهي الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اجتماع لا افتراق بعده، ونعيم لا زوال له، وحياة لا فناء بعدها، وصحة لا سقم فيها، وسعادة لا شقاء يكدرها، ونِعَمٌ لا شيء يكدرها، الحذر الحذر من جماع الإثم وأم الخبائث، الحذر من الخمر وما جرى مجراها فهي مذهبة العقل والغيرة، ومفتاح الديوثية والعار، وملحقة الخزي والعقوبة في الدنيا والآخرة.
стр. 2035
التحذير من التعامل بالربا
عباد الله: اتقوا الله في أنفسكم وتجنبوا الربا فإن أمره عظيم، وخطره على الأمة جسيم، ويكفيكم زاجراً في تجنبه ودليلاً على حرمته والبعد عنه قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] وقوله ﷺ : (درهم ربا يصيبه الرجل أشد من ستٍ وثلاثين زنية) وقوله ﷺ : (الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه).
стр. 2036
التحذير من المثقفين الضالين
واحذروا -يا عباد الله- من الذين يسمون أنفسهم بالمثقفين أو يحسبون على العلم والعلماء، احذروا الضالين المضلين الذين يروجون الشبهات الباطلة والأدلة الزائفة يريدون فيها إباحة شيء من الربا أو نوع من أنواع الفائدة.
عباد الله: قوموا بحق الجوار، وصلوا أرحامكم، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، واجتنبوا قول الزور وشهادة الزور، ففي الحديث عنه ﷺ : (لا تزول قدما شاهد الزور يقوم القيامة حتى تجب له النار).
стр. 2037
الحث على تربية الأولاد وحفظ الزوجات
عباد الله: اجتهدوا في تربية أولادكم على طاعة الله وما يرضيه، واستروا عوراتكم، واستروا بناتكم وزوجاتكم، حضوهن على الستر والحجاب، وبينوا لهن مغبة التبرج والسفور، وقوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة.
стр. 2038
الاجتهاد في الأعمال الصالحة
أفشوا السلام بينكم، تسامحوا، أزيلوا الضغائن عن قلوبكم، وكونوا عباد الله إخواناً، اجتهدوا في الأعمال الصالحة، وداوموا عليها، ولا تقطعوا ما عودتم أنفسكم عليه من الصيام والقيام، اجتهدوا في صيام ست من شوال التي قال عنها النبي ﷺ : (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله) لا تحرموا أنفسكم الأجر، فصيام أيام البيض أو عشر ذي الحجة وعاشوراء وعرفة وغير ذلك من الأمور المشروعة، أدوا الرواتب بعد المفروضات، ولا تنسوا حظكم ونصيبكم من قيام الليل فإن لم يكن فلا يغلبنكم الشيطان، على صلاة الوتر فاحفظوها وداوموا عليها.
стр. 2039
تذكروا نعم الله عليكم
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الحمد لله، الحمد لله معيد الجمع والأعياد، ومبيد الأمم والأجناد، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا ند له ولا مضاد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فضله الله على جميع الخلق والعباد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله: اتقوا الله تعالى، واشكروا ربكم على التمام والبلوغ في القيام والصيام، واسألوا ربكم القبول، وتعوذوا بالله من الخيبة والحرمان.
معاشر المؤمنين: تذكروا وأنتم في هذا العيد السعيد ما أنتم فيه من النعم والخيرات، وما تعيشه كثير من الأمم في هذا الزمان من المصائب والنقم، الناس جياع وأنتم تطعمون، الناس خائفون وأنتم آمنون، غيركم مشردون وأنتم مطمئنون، هم أذلاء وأنتم أعزاء مكرمون، غيركم يحكم بالقوانين الجائرة والأنظمة البشرية الظالمة وأنتم يحكم فيكم كتاب الله وسنة نبيه، فاشكروا ما فضلكم به ربكم على كثيرٍ من الأمم، السارق في بلادكم تقطع يده، والقاتل يقطع عنقه، والزاني المحصن يرجم، وغيرهم يجلد ويغيب ويبعد عن بلاده، فاحمدوا الله على نعمة تطبيق الشريعة.
إن كثيراً من الأمم والدول والبلدان لفي حرج ومضض وبلاء ونقم بسبب تطبيقهم لشرع البشر الناقص الضال، وللقوانين الوضعية الجائرة، فاحمدوا الله يا عباد الله، غيركم تتنازعهم الأحزاب والجماعات المتعارضة، وتنهب خيرهم الأمم المتناحرة، وأنتم مجتمعون تحت راية واحدة، وفي ظل أمة واحدة، احمدوا الله على هذه النعم، إنها نعم عظيمة لا يعرف قدرها ولا يقدر شكرها إلا من رأى واقع الناس حولكم من الأمم.
معاشر المؤمنين: لا تظنوا أن هذه النعم في بلادكم لمزية لكم على الله دون غيركم، فإن الله ليس بينه وبين الخلق والعبيد نسب، ليس بين الخلق والخالق إلا التقوى، فهي أعظم وشيجة وأشد قرابة.
стр. 2040
الحث على التوبة والإقبال على الله
عباد الله: ألم يأن لنا أن نتوب إلى الله توبة نصوحاً، وأن نترك أعمالاً هي سبب وسبيل إلى العقوبة وزوال النعم؟ ألم يأن للذين لا يصلون مع جماعات المسلمين أن يهجروا الغفلة إلى اليقظة ويعودوا إلى المساجد ويعمروها بالطاعة وأداء الواجب؟ ألم يأن للذين أكلوا الربا من البنوك جهاراً نهاراً أن يتوبوا إلى الله قبل حلول اللعنة وحرب الله عليهم؟ ألم يأن للذين يأكلون الحرام ويتاجرون بالحرام ويتكسبون من الحرام ببيع أشرطة الخلاعة والمجون من أشرطة الفيديو والغناء الماجن، ألم يأن لهم أن ينتهوا عن هذا المكسب الخبيث؟ ألم يأن للذين قطعوا أرحامهم وهجروا أحبابهم وأقاربهم وعقوا والديهم أن يعودوا إلى الصلة والصحبة والبر والإحسان قبل حلول الآجال وفوات الآمال؟ عباد الله: كيف يرجو الفلاح والسعادة والتوفيق من هجر الصلاة وفارق الجماعة وأكل الربا وتكسب بالحرام وآلات اللهو والطرب؟ كيف ترجو الفلاح والسعادة امرأة عقت زوجها وهجرت فراشه وضيعت فريضة ربها وفتنت بزينتها وتبرجها غيرها؟ أما تتقي الله في نفسها؟ أما تخاف إثم الذين تفتنهم أو تكون سبباً في وقوعهم في الحرام؟ معاشر المؤمنين: لا تكونوا سبب البلاء والفتن على الأمة، فإن شر الناس من عاد بمصيبته على غيره، وعمت البلوى بعقوبته من حوله.
عباد الله: الله الله لا يؤتين الدين من دار أحدكم بتفريط أو إهمال أو خيانة، واحرصوا على مصالح الأمة وخيرات البلاد، فإن لكم أعداء بكم متربصون، وبما يسوؤكم يفرحون، ولكنهم بكيدهم في نحورهم ينقلبون.
стр. 2041
الأمل المنشود في شباب الأمة
يا شباب هذه الأمة: إن المرجو فيكم أعظم مما أنتم عليه، وإن الأمل فيكم أكبر مما أنتم فيه فارفعوا هممكم، وتسلحوا بما يحفظكم ويرفع قدركم بين الأمم، والحذر الحذر من العطالة والبطالة والفراغ، الحذر الحذر من أن يكون بينكم عاطل لا فائدة للأمة منه، أو يكون بينكم ضعيف متكاسل يجره الطمع والجشع إلى المولاة والتدبير فيما يضر المجتمع والأمة، أو إلى التكسب بأسباب الحرام والمخدرات وغيرها.
أنتم معاشر المسلمين كل منكم على ثغرة، كل منكم على ثغرة في عمله وفي ميدانه، وفي دراسته وأسرته، أصلحوا شئونكم داخل المجتمع بالأمانة والقوة في تدبير مهماتكم ومسئولياتكم، يهابكم الأعداء ويقتدي بكم الأصدقاء، تناصحوا وتواصوا بالحق والصبر، وابذلوا الإخلاص والنصيحة لولاة أموركم، وائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فيما بينكم.
عباد الله: تذكروا أن هذه الدنيا ممر وليست مقراً، الزراعة فيها اليوم والحصاد غداً.
стр. 2042
طاعة الزوج
يا نساء المسلمين: اتقين الله في أنفسكن، اتقين الله في طاعة أزواجكن، إن النبي ﷺ يقول: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) فاتقي الله يا أمة الله، يا من تسمعين هذه الخطبة، اتقي الله في نفسك
стр. 2043
خنجر في قلب العلمانيين
إن العلمانيين هم منافقو هذا العصر؛ ولذلك لابد من فضح مخططاتهم، وبيان عداوتهم لدين الله ولرسوله والمؤمنين.
ماذا يريد منا العلمانيون؟ ما هو الخطر الذي يهددهم؟ لماذا يعادون الدعوة إلى الله؟ كيف نقف ضد هؤلاء المنافقين؟ كل هذا ستجده في هذه الخطبة.
стр. 2044
ماذا يريد العلمانيون
الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، اتقوا الله تعالى حق التقوى فلا يراكم ربكم حيث نهاكم، ولا يفقدكم حيث أمركم، اتقوا الله تعالى حق التقوى فارضوا بالقليل، واعملوا بالتنزيل، واستعدوا ليوم الرحيل، اتقوا الله تعالى حق التقوى، راقبوا الله في السر والعلن ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين إن أعداء الإسلام، إن المنافقين في مجتمعات المسلمين، إن العلمانيين الذين ينخرون في جسم السفينة، إن جرذان المجتمعات الغيورة التي لا تعمل إلا في الخبايا والزوايا وتحت الأنقاض وخلف الكواليس، أولئك يشرقون بريقهم يوم أن يروا عباد الله زرافات ووحدانا يسعدون بالالتزام والانقياد والاستجابة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فهم لا يريدون من الناس أن يشهدوا الجماعة في المساجد؛ لأن العلمانيين والمنافقين لا يشهدونها، إن أولئك لا يريدون من الناس أن يشغلوا سماعهم بالقرآن، وبالأحاديث النبوية، وبالخطب والمحاضرات، وبالفكر النير، والمبادئ الواضحة المستقيمة؛ لأنهم لا يسمعون إلا ساقط القول ورديء الكلام، إن العلمانيين لا يريدون الناس أن يتجافوا عن الذنوب والمعاصي لأنهم لا يتورعون في ولوغها والوقوع فيها، والتقلب في أوحالها ودنسها، وبالجملة فأولئك أعداء الأمة لا يريدون لأفراد الأمة صلاحاً، ولا يريدون لأفراد المجتمع فلاحاً، وإنما غاية سعادتهم ومنتهى آمالهم أن يفسق المجتمع كما فسقوا وأن يضل كما ضلوا، وأن ينحرف كما انحرفوا، فهل تكونون أُحبولة لهم يا معاشر السامعين؟! هل تكونون أُحبولة لأولئك الذين يرغبون أن تكونوا من الضالين كما ضلوا، ومن الفاسقين كما انحرفوا، ومن المجرمين كما سقطوا، والعياذ بالله؟! أيها الأحبة معلوم أن المجرم لا يرضى وحده أن يكون في سجن الجريمة، أو يتلقى العقوبة على انفراد، بل يتمنى أن يسقط مع الآخرين في الجريمة، وأن يلق العقوبة مع الجماعة في الجريمة، وأن يحصل لكل واحد ما حصل له، وهذا واضح جلي نقي.
ولكن -يا عباد الله- إن العلمانيين الذين يصدق فيهم قول الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣] إن العلمانيين الذين يكرهون الحق لا يستطيعون أن يقولوا: انحرفوا أيها الناس، أو إلى الضلالة يا معاشر أفراد المجتمع، أو إلى الهاوية يا معاشر المسلمين، لا يستطيعون أن يخاطبونكم بصريح ما في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، ولكن ماذا؟ يبحثون ويدرسون حياتكم ويتأملون سلوككم، ويقدمون التقارير والدراسات ليسألوا: كيف اهتدى شباب المجتمع؟ وكيف استقام رجال الأمة؟ وكيف ترك الناس الضلالة إلى الهداية، والظلام إلى النور، والغواية إلى الهدى؟ كيف استقام الناس على أمر الله؟ فيبحثون ويتأملون فيجدون جملة من الوسائل، منها: منابر الجمعة التي بمن الله وفضله هي في كل أسبوع طعنة في صدور العلمانيين وفي قلوبهم.
стр. 2045
العلمانيون وعجزهم أمام الخطب والمحاضرات
إن العلمانيين وإن نشروا في المجلات أو الصحافة -سواءً كانت الأجنبية أو غيرها- وإن تكلموا في بعض الوسائل التي يتاح لهم الكلام فيها لا يستطيعون أن يقفوا أمام المؤتمر الأسبوعي ألا وهو خطبة الجمعة الذي آلاف الجوامع في المملكة يشهده ملايين المصلين هل يستطيع العلمانيون أن يقولوا: كفوا عن صلاة الجمعة؟! لا يستطيعون أبدا، ولذلك فإنهم يأتون ويقولون: لو أن خطبة الجمعة ارتقي بها عن السفاسف وعن صغائر الأمور، وكان الاهتمام بالأمور الكبيرة والأمور العظيمة حتى لا يتكلم الخطباء ورجال المنابر في باطلهم وكشف زيفهم وخداعهم، وإنا -والله- لنقول لهم: إنما هذه العصا من تلك العصية، وإن عادت الحية فلها مرة أخرى.
والله ثم والله ثم والله ما رأينا لعلماني صوتاً إلا لنفندن باطلة، ولنكشفن زيفه، ولنظهرن خداعه، نسأل الله أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم.
إن العلمانيين أمامهم مصيبة عظيمة اسمها خطبة الجمعة، هي التي أيقظت الناس من سبات الغفلة ونومهم العميق ومن جانب الضلالة إلى الهداية، قالوا: من لنا بهذه المنابر ومن يسكتها، ومن يخرس ألسنة رجالها، ومن الذي يمنعها؟ حاشا وكلا، بل يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون.
إذاً: فاعلموا -يا معاشر المؤمنين- أن الله جل وعلا ما شرع هذه الجمعة، وشرع الاجتماع لها، وشرع السعي لها، وأوجب حضورها، وأوجب الاستماع والإنصات لخطيبها، إلا لحكمة يراها ويعلمها؛ لأنه قد يمر على المسلمين زمان قد لا تظهر فيه كلمة الحق إلا على المنابر، قد يفقد الناس كلمة الحق في وسائل الإعلام لكنهم لا يفقدونها على المنابر بفضل الله جل وعلا، ومن هنا نتأمل وندرك سراً جليلاً، وحكمة بالغة من أسرار هذه الجمعة كيف شرعها الله جل وعلا في هذا الوقت، وأوجب الناس بالسعي إليها، وحرم على الناس البيع والشراء يوم أن يسمع الناس النداء الثاني لها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] والذكر هو الخطبة، واتركوا البيع والشراء والمعاملة والمعاطات والانشغال بكل أمرٍ يشغل الناس عن خطبة الجمعة؛ لأنها لا بد أن تحتوي على ما يوقظ النائمين، وينبه الغافلين، ويهدي بمن الله الضالين؛ لأنها خنجر في قلوب أعداء الله جل وعلا.
إن العلمانيين والمنافقين يوم أن يريدوا أن يجمعوا لمؤتمر عدداً كبيراً، لا يستطيعون أن يصرحوا صراحة بأهدافهم، أو لا بد أن يلبسوا ذلك ويغلفوه بأهداف فنية أو أدبية أو أشياء أخرى ولا يجتمع لهم إلا عدد قليل، لكن الله جل وعلا قد تكفل بالمؤمنين أن يجتمعوا في ساعات معينة فيقف الخطباء وعليهم مسئولية أمام الله أن يتقوا الله في أوقاتكم، وفي هذه الساعة أو أقل من الساعة التي تجلسونها منصتين مطرقين لكلامهم هل تسمعونهم برنامجاً عملياً؟ هل تسمعونهم موعظة وذكراً؟ هل تسمعونهم فكراً وعملاً نافعاً جيداً نيراً؟ من هنا كانت الجمعة لأسرارٍ عظيمة هذا واحد من أيسر أسرارها وأحكامها التي شرعت لها.
стр. 2046
القافلة تسير والكلاب تنبح
إذاً -يا معاشر المؤمنين- اطمئنوا، والسكينة السكينة، ورويدكم رويدكم، القافلة تسير قافلة المؤمنين، القافلة تمضي قافلة الدعاة، القافلة ماضية قافلة الصالحين المصلحين، والكلاب تنبح
إذا الكلب لم يؤذيك إلا بنبحه فدعه إلى يوم القيامة ينبحُ
مهما عملوا أو قلبوا أو زينوا أو زخرفوا أو بهرجوا على الناس فإن الجمعة أقرب موعد لكشف باطلهم.
اطمئنوا -يا معاشر المؤمنين- يوم أن ترى حدثاً فيه إرباكاً أو استفزازاً أو رغبة أن يستثار الصالحون، أو يُستفز الغيورون، أو أن يراد بالمؤمنين فتنة وضلالة، فانتظروا يوم الجمعة حتى تسمعوا كلمة بإذن الله جل وعلا حجة لكم وحجة بإذن الله لإخوانكم وبرنامجاً ينير طريقكم، وشراً تعرفون أسراره وحقيقته يكشف لكم بإذن الله جل وعلا، لا يستطيع العلمانيون أن يقفوا أمام هذه المنابر، ولا يستطيع العلمانيون أن يقولوا: أغلقوا هذه المساجد يوم الجمعة، والله ثم والله ثم والله لو ظنوا أن بذل المليارات تمنع الناس من المساجد يوم الجمعة لبذلوها ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ولكن من أين لهم أن يمنعوا فريضة فرضت من فوق سبع سماوات، فهذه منة عظيمة.
стр. 2047
الدين محفوظ من قبل الله
يا معاشر المسلمين إن الله قد تكفل بحفظ هذا الدين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ولكن أنتم أنتم هل تمضون على الهداية؟ هل تستمرون على الصراط المستقيم؟ هل تصبرون على ما يلقاكم وعلى ما تلاقونه؟ هل تمضون جادين حتى تلقوا الله جل وعلا؟ لا بد أن ندرك هذا جيداً، إن دين الله لا خوف عليه وإنما الخوف على أنفسنا وحدنا أن نظل عن هذا الدين، أو نتهاون به، أو نضعف عن أمره، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
يا معاشر المؤمنين دين الله محفوظ، دين الله في أمن، ولكن الخطر والخوف على أنفسنا وعلى قلوبنا أن تفتن ببهرج الشهوات، أو بزيف الشبهات، فأعدوا لذلك عدة بالعبادة والإخلاص والانقياد والإخبات والخضوع بين يدي الله، وسماع الفكر النير، والموعظة الحسنة، ومجاهدة النفوس عن المعاصي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك أعظم صمام لأمانكم، وأعظم عمدة تحفظون بها أنفسكم بفضل الله ومنه وتوفيقه.
معاشر المؤمنين إننا ندرك أن المنافقين والعلمانيين الذين يكرهون الخير في المجتمع، الذين رأوا آلاف الشباب بعد أن كانوا منذ سنين في غفلة، أو في نوع من المعاصي، أو في نوع من التقصير منَّ الله عليهم بالهداية، فلما اهتدى مئات الآلاف من الشباب في أنحاء المملكة قالوا: هؤلاء ما عادوا عبئاً على جهاز الأمن؛ لأن المستقيم راحة لنفسه، ولجهاز أمنه، ولشرطته، ولمحكمته، وللناس أجمعين، يسلم الناس حتى من لسانه ويده، فكيف تريد أن يشقى المجتمع به في جهاز أمنه، قال العلمانيون: هؤلاء مئات الآلاف من الشباب الذين استقاموا، والذين ساروا على الصراط المستقيم، أولئك ما عادوا عبئاً على جهاز الأمن بل عادوا عوناً على أجهزة الأمن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكف المخدرات، وملاحقة مروجيها ورجالها، وكشف أماكن المنكر وأوكار الفساد والدعارة بفضل الله جل وعلا، قال العلمانيون: إذاً مصيبة أن نبقى وحدنا في الساحة، الشباب عادوا إلى الله جل وعلا، حتى من عليهم بعض الملاحظات لا تتجاوز الملاحظات والتقصير الذي يقعون فيه لا يصل إلى حدود تجعلهم في حدود المجرمين في المجتمع، بل إنما هي ملاحظات يسيرة وسهلة، ولا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، لا نتساهل بذنب أياً كان حجمه، ولكن قالوا: هؤلاء جعلوا المجتمع غاية ما فيه إما أن تجد مدخناً، أو حليقاً، أو مسبلاً، ويقول العلمانيون: نحن نريد فساداً في المجتمع أكثر من هذا، نريد ضلالاً في المجتمع أكثر من هذا، نريد الناس أن يطالبوا بقيادة المرأة، نريد الناس أن يطالبوا بما يسمى بتحرير المرأة أو تخريب المرأة، نريد الناس أن يجعلوا المرأة كيف ما شاءت تخرج وتحدث وتكلم وتجالس وتسافر كيفما شاءت، فبمن الله وفضله وتوفيقه ما زاد الناس إلا عودة إلى الله، وقرباً إليه، والتفافاً واجتماعاً حول علمائهم وولاة أمورهم.
стр. 2048
شدة عداوة العلمانيين للشريط الإسلامي
قال العلمانيون: لا بد أن ننقل المعركة من جبهة عداوة المنابر وعداوة الناس إلى جبهة أخرى اسمها الشريط الإسلامي، فنقلوا المعركة بعد أن استنفذوا قواهم وبذلوا كلما عندهم لصرف الناس عن المنابر والجمع والجماعات، والمحاضرات، وعن أمور الخير، قالوا: لا بد أن نحارب الشريط الإسلامي؛ لأنه واحد من الروافد التي فجرت الصحوة في هذه المملكة، وأقول وبكل منٍّ وتوفيق يوم أن أقول: تفجرت الصحوة في هذه المملكة ما كنا من قبل مشركين فأسلمنا، لا.
وإنما نحن بفضل الله في هذه المملكة حتى في مراحل شهد فيها كثير من الناس ألواناً من التقصير والوقوع في بعض الذنوب ما بلغ الانحراف حد العقيدة، وإنما يوم أن أقول: تفجرت الصحوة في المملكة أعني بذلك الالتزام، حب الدين الحرقة عليه، الرغبة في دعوة الناس إلى الخير، كل يريد أن يقول، كل يريد أن يكون داعية، كل يريد أن يهتدي على يديه عشرات الشباب، كل فتاة تتمنى أن يستقيم على يديها عشرات الفتيات، كل رجل يتمنى أن يسلم على يده عشرات الكفار، أصبح الناس يتمنون أن ينالوا شرف الدعوة، وقد نالوا ذلك بمن الله وفضله.
قال العلمانيون: هذا الشريط هذه المساحة المستطيلة البلاستيكية، هذه هي التي أزعجتنا وأقلقتنا، كيف نحاربها؟ كيف نقضي عليها؟ كيف ننتهي منها؟ كيف نحذر الناس منها؟ فلم يستطيعوا مباشرة أن يسبوا المحاضرات، أو يسبوا الندوات، أو يسبوا المادة المسجلة على تلك الأشرطة صراحة، وإنما بدءوا وكنت أرصد جيداً جملة من المقالات، منها مقال بعنوان: (باتجاه المطر)، تكلم فيه عن تجارة الكاسيت وأشرطة الكاسيت، وأخذ يوحي إلى القارئ أن الأشرطة سبب فتنة، وأن الأشرطة سبب كذا، وأن الأشرطة سبب مصيبة، وأنها خطر على الأمة، ويعني بذلك الأشرطة الإسلامية يكرهون الدين كرهاً، ويكرهون الدعاة كرهاً، ويحقدون عليكم حقداً، كلهم يرقب صيفاً، كلهم يمشي رويداً.
стр. 2049
من هو المقصود بعداوتكم أيها العلمانيون ؟
ماذا يريد العلمانيون؟ يريدون أن تجتمعوا بهم في الجنة؟ يريدون أن تموتوا على الإسلام؟ يريدون أن تكون قبوركم روضة من رياض الجنة؟ يريد العلمانيون أن تموتوا راكعين ساجدين؟ يريد العلمانيون أن تسعدوا بالستر والحياء والعفاف والأمن مع زوجاتكم وبناتكم؟ لا.
﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] يريدون لكم الميل العظيم يريدون الانحراف الهين يريدون السقوط الواضح لكم ولبناتكم وزوجاتكم وأبناء مجتمعكم، قالوا: مالنا إلا حرب الشريط.
ومقال آخر بعنوان: تجارة الكاسيت، ومقال آخر بعنوان: الكاسيت وما أدراك ما الكاسيت؟ المهم بدأ الضرب على أشرطة الكاسيت، بدأ النقد، بدأ منطلق العداوة تجاه هذه الأشرطة، ما ذنب الشريط؟ أربع (صواميل) ولوحتين بلاستيك، هل يعادى الشريط لهذه القطعة؟ صارحوا تكلموا أيها العلمانيون تعادون من في هذا الشريط؟ القطع الحديدية التي تربط بين جنبات الشريط؟! أم عدوكم ماذا؟ هل هي المحاضرة أم المحاضر؟ هل هي الخطبة أم الخطيب؟ هل هي الدعوة أم الداعية؟ فإن كنتم تريدون أن يكون ميدان المعركة والعداوة هي الخطبة والمحاضرة والدعوة ماذا تعادون في هذا الشريط؟ قول الله جل وعلا؟ إن من كره شيئاً مما أمر الله به كفر، كما صرح بذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب نور الله ضريحه يوم أن ذكر نواقض التوحيد وقال: إن منها: من كره شيئاً مما جاء به الله أو أنزله وإن عمل به، والدليل قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
نقول للعلمانيين: ماذا تعادون في هذا الشريط؟ هل تعادون الآيات القرآنية، هل تعادون كلام الله؟ أم تعادون من قاله وتكلم به؟ تعادون الله، هل تعادون كلام رسوله ﷺ أم تعادون النبي ﷺ ؟ من هم أعداؤكم؟ يا معاشر العلمانيين! إني واثق أن هذا الشريط الذي سيسجل في هذه الخطبة سيسمعه بعضهم أو عدد منهم، فأقول لهم: يوم أن تجلسوا على الفراش وكل يغلق الباب على نفسه ليسمع هذا الشريط هل تعادون كلام الله تعالى؟ أم تعادون الإله الذي أنزله؟ هل تعادون كلام رسول الله أم تعادون الرسول الذي تكلم به؟ وكلامه وحي يوحى، وما ينطق عن الهوى ﷺ .
стр. 2050
كيفية مواجهة حملة العلمانيين ضد الأشرطة
أيها الأحبة هذه حملة ليست جديدة بل هي قديمة يتكلم عنها أعداء الصحوة وأعداء الأمة، أعداء ولاة الأمر من العلماء والأمراء، هذه حملة يتكلم عنها أعداؤنا، فنقول لهم وبصريح العبارة: تكلموا بصراحة، تقصدون من؟ تعادون من؟ تواجهون من في هذه الحملات المتتابعة؟ ولكن أدعوكم -يا معاشر المؤمنين- أن يكون جوابكم على هذه الحملة تجاه الأشرطة الإسلامية أن نعاهد الله وأن ندعو إلى الله جل وعلا في جانب من جوانب الدعوة ألا وهو الشريط الإسلامي بألا نحضر مناسبة أو وليمة أو عرساً أو أي مناسبة من المناسبات إلا وقد أعددنا جملة من الأشرطة فوزعناها على أقاربنا، وأحبابنا، وأبنائنا، وبناتنا، ولن يكون ذلك من باب رد الفعل وإنما هو لكي نتأكد ونجزم ونؤكد أننا يقظون، لسنا أغبياء بدرجة كافية كما يظن هؤلاء! أريد منكم إن كنتم تعلمون حجم الهجمة وتدركون خطر الحملة المسعورة على الأشرطة الإسلامية أريد منكم ألا تكون عند واحدٍ منكم مناسبة، أو دعوة، أو عقيقة، أو وليمة، إلا وجعلت عدداً من الأشرطة فأهديت كل زائرٍ شريطاً، وأقول: حتى لا يحتج أحد من الأشرطة المسموحة لا الأشرطة الممنوعة، وأعرف أن في الرياض وكل تسجيلات الرياض بفضل الله جل وعلا كلها تتعامل بهذه الأشرطة المسموحة، وما من شريط ممنوع إلا ويمنع مع سؤالنا: لماذا يمنع؟ هذا أمر يقبل النقاش والأخذ والعطاء والمفاوضة، لكن أريد أن نرد على هذه الحملة رداً مستديماً، رداً مستمراً، وهو ألا نجعل في كل مناسبة تفوت سدى، بل ينبغي أن نوزع في نهاية الوليمة أو المناسبة على كل زائر شريطاً وعلى كل زائرة شريطاً.
أحبتي في الله يوم أن يكون عند أحدنا مناسبة، والله إن الواحد قد يبذل ألف ريال أو ثمانمائة ريال من أجل هذه الوليمة، أو من أجل هذه المناسبة، فهل يضرك وقد بذلت ثمانمائة ريال أو تسعمائة ريال هل يضرك أن تزيدها مائة ريال فتشتري خمسين شريطاً، وتعطي كل واحدٍ من الزائرين شريطاً، هل نعجز عن هذا؟ كم نبذل فيما نضعه حول المائدة، من علب المياه الغازية، أو بعض المشروبات التي نشتريها وسعر الواحدة أو الاثنتين منها قد يعادل سعر هذا الشريط الإسلامي النافع، فاجعلوا مناسباتكم دعوة إلى الله، واجعلوا أعراسكم والعقيقة في بيوتكم والوليمة والزيارة، اجعلوا من برنامج الوليمة بأصناف اللحوم والطعام والشراب صنفاً واحداً زيادة صنف الشريط، وليوضع على مائدة الطعام حتى يعرف العلمانيون أننا أصبحنا نتناول الشريط مع الطعام، ونتناول الشريط مع الشراب، هل تعجزون عن هذا يا معاشر المؤمنين؟! هل تعجزون عن هذا؟! لا والله ما تعجزون عنه.
إذاً ما الذي يمنعكم في كل زيارة ومناسبة إذا بذلت المئات زدها مائة واجعل بقيمتها أشرطة وأعطي كل زائرة وزائر شريطا، وما يدريك لعل واحداً من الزوار ممن يصلي في بيته ولا يشهدها مع الجماعة، أو ممن يعق والديه، أو ممن يتساهل ببعض الذنوب والمعاصي أن يسمع شريطاً فيكون سبباً في هدايته بإذن الله جل وعلا، وحينئذٍ: (من دعا إلى هدى فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة) أنت يا صاحب الوليمة! يا من أهديت ذلك الفتى شريطاً! فاستقام بفضل الله على هديتك ما سجد أو ركع أو صلى أو صام أو دعا إلا ولك مثل أجره، ويوم القيامة تفتح سجلات أعمالك، وتفتح سجلات أخرى لك ليست من أعمالك، وإنما هي من أعمال الآخرين توضع في موازين حسناتك، فأي أجر أعظم من هذا؟ والله إنها نعمة عظيمة.
يا معاشر المؤمنين انتبهوا لذلك جيداً، واحرصوا على خدمة دينكم، واعلموا أنه ما دام للحق صوت يرفع وما دامت كلمة الحق تسمع، وما دام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعلو فأبشروا بأمن وأمان وطمأنينة، وإذا خبا صوت الحق وضعف وانكسرت راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما عاد لكلمة الحق أذنٌ سامعة فذلك نذير الهلاك والعياذ بالله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣].
أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2051
العلمانيون وانتقادهم للشريط الإسلامي دون غيره
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه.
عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله لماذا كره المنافقون والعلمانيون الأشرطة الإسلامية؟ هل كره العلمانيون الأشرطة لأنها نقلت آلاف الشباب من الضلال إلى الهدى؟ هل كره العلمانيون الأشرطة لأنها كانت سبباً في صلاح كثيرٍ من الذين تعاطوا المخدرات والمسكرات؟ هل كره العلمانيون الأشرطة لأنها صارت سبباً في حل كثير من المشاكل الزوجية بين الأزواج والزوجات؟ هل كره العلمانيون الأشرطة لأنها صارت سبباً في إشغال الناس عن اللهو والطرب وساقط القول ورديء الكلام فأشغلتهم بذكر الله وذكر رسوله وشجعتهم على حفظ كلام الله وكلام رسوله؟ هل كره العلمانيون الأشرطة لأنها علمتهم الولاء الصادق والنصيحة الجلية لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وحكامهم وعامتهم وعلمائهم؟ هل كره العلمانيون الأشرطة لأنها كانت وقاية قبل السقوط إلى الهاوية؟ هل كره العلمانيون الأشرطة الإسلامية لأنها تقيم الحجة ونحن أمة أمرنا أن ندعو إلى الله وما من بلاد لا نبلغها بأرجلنا نبلغها بأشرطتنا فنرسل لها الأشرطة التي تدعو الناس إلى الله بألسنة أقوامها؟ لأي شيء كره العلمانيون الأشرطة الإسلامية؟! ثم اسألهم أيضاً أولئك الذين كتبوا في بعض المجلات والجرائد والصحف وأخذوا ينددون ببعض الأشرطة وبعض العلماء، هل تكلموا عن الذين ساهموا في تحرير الكويت بأشرطة غنائية؟ هل تكلم أولئك العلمانيون الذين انتقدوا الأشرطة الإسلامية عن الأشرطة الغنائية التي تصرح لها بعض الجرائد والمجلات وتقول: الفنانون كذا يساهمون في تحرير الأرض بحناجرهم الذهبية من استوديوهات القاهرة؟ هل تكلموا عنهم؟ هل تكلم العلمانيون عن أفلام الفيديو وأشرطة الفيديو التي علَّمت الشباب كيف يسافرون إلى البلاد الغربية، وكيف يتفنون في الزنا والدعارة؟ هل تكلم العلمانيون عن أشرطة الغناء والمغنيين؟ هل انتقد العلمانيون مطرباً أو فناناً أو مغنياً؟ من أحق بالانتقاد: داعية إلى الله يقول: قال الله وقال رسوله، وأمر الله وأمر رسوله، أم فاجر بوق من أبواق الشيطان يوجه الناس إلى الرذيلة ويأمرهم بالفحشاء والسوء، من أحق بالانتقاد؟ والله ما رأيت مقالاً واحداً لهؤلاء الذين يكتبون في الجرائد والمجلات من الذين ينتقدون الأشرطة الإسلامية ما رأيت مقالاً واحداً ينتقد فناناً أو مطرباً أو ممثلاً أو سينمائياً، أو ينتقد أحداً من أولئك الذين يدعون إلى الضلالة ويدعون إلى الهاوية وهم دعاة على أبواب جهنم.
إذاً: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦] الحقد البغضاء الكراهية لكم لبناتكم لزوجاتكم لأسركم لمجتمعكم، هذا هو الذي يدعوهم أن ينشروا ويتكلموا في الأشرطة الإسلامية.
стр. 2052
الرد على العلمانيين في الصحف والمجلات
إني لمستعد أن أكتب الكثير ولكن من يضمن لي أن ينشر ما يكتب، والكثير يكتبون فبعضهم يكتب وبعضهم لا يكتب حينما ينتقد ظاهرة من الظواهر فيما يتعلق بالفن أو ما يكون خطراً على نفوس الشباب، أيسمح بالمقال الذي ينتقد فيه كلام الله وينتقد فيه الشريط الذي فيه كلام الله وكلام رسوله، ولا يسمح بالمقال الذي ينتقد فيه المنكر والباطل والفجور والفحشاء؟ وهل بعد ذلك تقولون: إذاً فلنرد الأقلام إلى جيوبنا وجفت وطويت الصحف ولا نعود إلى الكتابة في الصحف أبداً؟ لا.
اكتبوا إلى المجلات، واكتبوا إلى الجرائد، وما رأيتم من منكر ظهر في هذه المجلة فردوا عليه في نفس بابها وعنوانها، فإذا لم ينشر فصورة مع التحية لسماحة والدنا حتى تقوم الحجة على أولئك الذين يقبلون صوت الباطل ولا يقبلون صوت الحق؟ اكتبوا وردوا إذا رأيتم منكراً في مجلة أو في جريدة، ما الذي يجعل هذه الأقلام تجف عن الحبر وتمتنع أن تسيل بما في جوفها لكي ترد المنكر بالحق: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] اكتبوا إلى هذه المجلات، واكتبوا إلى هذه الجرائد، وحينما تفاجئون بأن مقالاتكم لم تنشر ولم تكتب أرسلوا رسالة؛ لأنها ستحفظ في إرشيف -بإذن الله- عند سماحة والدنا ورسالة إلى ولي الأمر أننا أنكرنا هذا المنكر بهذا المقال وصورة منه مع التحية والاحترام لولي الأمر من العالم والحاكم، واجعلوها في صورة أيضاً عندكم، فإذا جاء يوم من الأيام قيل: هذه مقالاتنا، وهذه كتاباتنا، ولكن ابحثوا وحققوا واسألوا من الذي وقف حائلاً دون نشرها؟ حين ذلك يتولاه ولاة الأمر من العلماء والحكام.
стр. 2053
أهمية توزيع الشريط الإسلامي
المهم ألا نستجيب لدعوتهم في الأشرطة الإسلامية، بل نريد أن نترجم هذه الهجمة إلى واقع عملي باتجاه معاكس ابتداءً من هذه الجمعة، ومن عنده مناسبة فلا يدخلها إلا وقد جمع ما تيسر من الأشرطة، وليعط زواره وأحبابه وأقاربه وبناته وقريباته، واجعلوها من الآن منطلقاً حتى تلقوا الله تعالى، كما تجعلون القهوة والشاي والطيب والطعام عناصر أساسية في زياراتكم ومناسباتكم، فاجعلوا الشريط الإسلامي أمراً أساسياً في مناسباتكم حتى يرد الباطل بالحق الذي هو أقوى منه، وحتى يعلموا أن الصحوة الإسلامية والمجتمع المسلم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه صحوة شاملة، ولست أوجه هذا الكلام فقط إلى الملتحين، أو من كانت ثيابهم فوق الكعبين، بل أوجه الكلام إلى الحليق، حتى وإن كنت حليقاً هل من العيب أن توزع شريطاً إسلامياً؟ إنك تؤجر ولو كنت حليقاً، إنك تؤجر ولو كنت مسبلاً يوم أن تدعو أحداً، لماذا؟ لأن الميزان يوم القيامة كفتان حسنات وسيئات، فهذه سيئات من سيئاتك، وهذه حسنة من حسناتك، فإذا كنت حليقاً هل يمنعني هذا أن أهدي لزواري وقريباتي وأقربائي لكل واحد شريطاً؟ لا والله.
إذاً فليكن عندنا ميزان دقيق، ولنبادر ولا نظن أو نقول: أنا ملتحٍ أو حليق أو مسبلٌ أو مدخنٌ فلا أستطيع أن أهدي شريطاً، اهدِ شريطاً وقدم وادع إلى الله واعمل حجة لك، وينفعك الله به وقد تكون لست على حظٍ كافٍ من الاستقامة لكن: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه رب مبلغ أوعى من سامع) فيكون في موازين أعمالك، رجل أتقى وأعلم وأخشى لله منك وأنت السبب في هدايته مع تقصيرك أنت، المهم ألا نقول: إن مهمة العناية بالشريط الإسلامي خاصة في مناسباتنا وفي بيوتنا وفي اجتماعاتنا، لا نقول إذا كانت العزيمة عند أحد (المطاوعة) من الأقارب، لا.
كما يقول البعض: أحد أقاربنا مطوع وأعطانا أشرطة، وأنت لماذا لا تعطي أشرطة؟ أليس من أقربائك؟ ألست تحبهم؟ ألست تهديهم؟ ولو كنت حليقاً، ولو كنت مسبلاً، نسأل الله أن يمن عليك أن توفر وتقصر وتتوب ولكن هذا لا يمنعك من أن تشارك وتساهم في نشر الشريط الإسلامي، وحينئذٍ يخسأ العلمانيون حينما يروا أن كل كلمة استفزاز تجعل المجتمع يتفجر طولاً وعرضاً، شرقاً وغرباً، في نشر الخير والدعوة إليه والالتحاق بركب رجاله ودعاته.
أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم افضح العلمانيين، اللهم افضح العلمانيين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم اخزهم على رءوس الأشهاد، اللهم افضحهم في الدنيا والآخرة، اللهم أرنا فيهم فضيحة لا تستر، اللهم اكشف باطلهم، وزيفهم، وخداعهم، ومكرهم، وسوءهم، وتدبيرهم، وتخطيطهم، واجعل ذلك في نحورهم، واجعل سلاحهم في صدورهم.
اللهم أهلك البعثيين، اللهم أهلك البعثيين، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم أهلك طاغية العراق، اللهم أهلك طاغية العراق، اللهم جمد الدماء في عروقه، اللهم حرك في بدنه ما سكن، وسكن في بدنه ما تحرك، اللهم جازه شر ما جزيت طاغية في طغيانه، ومن دبر وخطط وأعانه في هذه المصيبة والجريمة التي لا ينساها التاريخ أبداً، وما كان ربك نسياً قبل ذلك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم اجعل سلاحهم رماداً، اللهم اجعل سلاحهم في صدورهم، وكيدهم في نحورهم، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم أشعل الفتنة والفرقة والخلاف في صفوفهم، اللهم أهلك بعضهم ببعض وسلط بعضهم على بعض، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره.
اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم حبب إليه الحق والإيمان وزينه في قلبه، وجنبه الكفر والفسوق والعصيان واجعله من الراشدين، وإيانا وإخوانه وأعوانه وجميع المسلمين، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، اللهم قرب لنا ولولاة أمورنا من علمت فيه خيراً لنا، وأبعد عنا وعن ولاة أمورنا من علمت فيه شراً لنا ولأمتنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم اجزه منكم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً.
اللهم توفنا على الإسلام شهداء، وأحينا على الإسلام سعداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم توفنا راكعين ساجدين، ولا تقبضنا خزايا ولا مفتونين، اللهم اجعل خير أيامنا يوم نلقاك، واجعل خير أعمالنا خواتمها، ولا تحرمنا من النظر إلى وجهك الكريم.
ربنا لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، اللهم صل وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2054
دروس مستفادة من الامتحانات المدرسية
في أيام الاختبار يظهر اعتناء الآباء والأمهات بأبنائهم، فتراهم يوقظون أبناءهم قبل موعد الاختبار بوقت طويل، والاعتناء بهم في مأكلهم وراحتهم، وهذا كله دليل على خوف الآباء والأمهات من فشل أبنائهم في الاختبارات، ولو أن هذا الاعتناء كان في أمور الآخرة لكان خيراً لهم من الاهتمام بأمور الدنيا وترك أمور الآخرة!
стр. 2055
الاهتمام بأمور الدنيا أكثر من أمور الآخرة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين: غداً أو بعد أيامٍ قليلة يستقبل أبناء هذه الأمة الكريمة ذكوراً وإناثاً على اختلاف مستوياتهم وتخصصاتهم العلمية والتعليمية وغيرها، يستقبلون موسماً يستدعي تحصيلاً مثمراً ليخوضوا غمار الامتحانات، وأمام هذا الموسم ينبغي أن نقف وقفة تأمل ونصيحةٍ لنا ولأبنائنا وبناتنا.
عباد الله: كل واحدٍ منا لا بد أن يكون له علاقةٌ بهذا الأمر المهم، فهو إما معلمٌ، أو متعلمٌ، أو أبٌ، أو أخٌ لهؤلاء الطلاب والطالبات وغير ذلك، والذي نريده لهؤلاء الدارسين والدارسات ومن له علاقةٌ بهم أن يذكرهم بإخلاص النية لله ، وابتغاء الثواب الجزيل الذي أعده الله لطلبة العلم والعلماء في قوله جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وقول نبيه ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس به علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) فما دام متعلماً ودارساً لا محالة، فليحسن القصد والنية ليفز بالتوفيق والأجر في الدنيا والآخرة، وليس إحسان النية وإخلاص القصد في ابتغاء الأجر والثواب، ليس ذلك مقصوراً على طلبة العلوم الشرعية بل هو مطلوبٌ -أيضاً- من المتعلمين أياً كانت تخصصاتهم الإنسانية والتقنية والعلمية وغيرها، ما دام في تلك الدراسة مصلحةٌ لهم ولأمتهم، فهم بذلك يقومون بتحصيل فروض الكفاية على الأمة مما قد تأثم الأمة بالإجماع والاتفاق على تركه.
أيها الأحبة في الله: إننا نلاحظ ونشاهد هذه الأيام جهد الآباء والأمهات والأولياء في التشجيع والمعونة وتيسير كافة أسباب الهدوء والراحة والدقة في ترتيب مواعيد الاستيقاظ والنوم والعناية الدقيقة بتوصيل الأبناء إلى المدارس في الوقت المحدد، وكل هذا جهدٌ مشكورٌ للآباء والأمهات، ودليلٌ صادقٌ على عمق المحبة والرعاية، وهنا نقف وقفةً لنسأل أسئلة ألا وهي: هل نرى هذه العناية بالأولاد والبنات في أمور العبادة والطاعة؟ وفي أمور الصلاة والسنن المؤكدة؟ تلك العناية التي نستطيع أن نحصل بها الوقاية من عذاب الله وناره بعد حصول رحمته وغفرانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
معاشر المؤمنين: إن الكثير من الآباء والأمهات يجزعون ويخافون على أبنائهم في أمور المستقبل، وهذه الأمور المستقبلية من أرزاق وأموالٍ وحظوظ الدنيا كلها مقسومةٌ مقدرة لن ينال العبد منها أكثر مما قسم له، ولن يستطيع أحدٌ من البشر مهما عز مكانه، أو علا سلطانه أن ينقص منها شيئاً، لكن الأمور التي ننال من وافر حظوظها وجزيل ثوابها بقدر الأعمال الصالحة والاجتهاد فيها، في تلك الأمور نحن في غفلةٍ عنها وعن حظ أبنائنا وبناتنا فيها.
عباد الله: ينبغي أن نلتفت لهذا الأمر، ويا سبحان الله!! كيف يجتهد الخلق في تحصيل ما قسم وقدر وضمن ويغفلون عن تحصيل ما لم يضمن من نيل الثواب والنجاة من العقاب.
وأنت أيها الطالب المجد! كيف تفسر اهتمامك الشديد بموسم الامتحانات، وغفلتك عن الأمانة العظيمة فيما أوجب الله عليك من فعل الصلاة المكتوبة مع الجماعة، واجتناب المحرمات والمنهيات علماً بأن الإخفاق والفشل في هذه الامتحانات -لا قدر الله ذلك- على الأبناء والأحباب يمكن تعويضه في امتحانات قادمة، وأدوارٍ قابلة، لكن الامتحان العظيم يوم التغابن ليس فيه فرصةٌ جديدة، أو دورٌ قادم، النتائج واحدة بعد عرض صحائف الأعمال وما كتب فيها من الحسنات والسيئات، فإما ناجحٌ آخذٌ كتابه بيمينه سائرٌ إلى الجنة، وإما هالكٌ آخذٌ كتابه بشماله مطروحٌ في النار.
فانتبهوا يا عباد الله! وتنبهوا يا شباب الإسلام! واجعلوا من هذه الامتحانات موعظةً وذكرى لعلكم تفلحون في الدنيا والآخرة.
وأنتم معاشر الشباب الذين على أبواب التخرج أو استقبال الأعمال الوظيفية تذكروا أن الشهادات على اختلاف درجاتها إنما هي تأهيل علمي ليؤتمن الفرد بها على أعمال أمته ومقدراتها وخدمة أبنائها، وتذكروا أن الشهادة مهما علت درجتها فإنها ليست هي العلم كله، بل هي بابٌ إلى العلم ومفتاحٌ إلى المعرفة، فاحرصوا على مواصلة الاطلاع وطلب العلم، ولا تقطعوا ذلك عند حد استلام الشهادات والوثائق.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2056
أهمية المراجعة والاستذكار قبل دخول الامتحانات
الحمد لله منزل الكتاب، ومنشئ السحاب، وهازم الأحزاب، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، لا إله إلا هو عليه توكلنا وإليه مآب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر الإخوة: هناك أمورٌ لا بد أن يلتفت الطلاب والطالبات إليها قبل دخول هذه الامتحانات، ألا وإن من أهمها ما قد نطلق عليه بالمراجعة والاستذكار والمذاكرة، هذا جهدٌ مهم، وله دورٌ مهم في تقريب المعلومات وتيسير تواردها على ذهن الطالب أو الطالبة حين الإجابة، ولكن هذا لا يأتي بعكف الذهن والذاكرة وكد الفكر والعقل على القراءة والاطلاع بشدةٍ بعد الإهمال الشديد والتفريط الطويل طيلة أيام الموسم الدراسي أو الفصل الدراسي، إذ أن عملية توارد المعلومات إلى الذهن لا بد أن يسبقها شيءٌ من تأكيد هذه المعلومة وتوثيقها، فإذا حان موسم الاختبار كان تواردها إلى الذهن ومن ثم كتابتها أمراً ميسوراً بسبب المذاكرة والمراجعة.
فالله الله معاشر الشباب! ينبغي أن تنتبهوا لهذه الأيام فإنها مهمةٌ جداً، واتركوا عنكم كثير الكلام وكثير الانشغال بما لا فائدة فيه، وليكب كل واحدٍ منكم على كتبه ودروسه، نسأل الله له التوفيق.
وإن من الأمور التي ينبغي أن تعلموها: أن الذاكرة وعاء وأول ما يخرج منها هو آخر ما يرد إليها، فإن بعض الشباب قد يذاكر مذاكرةً طيبة، ثم يعود إلى البيت فيجلس ليشاهد مسلسلاً أو فلماً من الأفلام، ثم بعد ذلك يظن أنه في صبيحة يومه مستعدٌ بما ذاكره بالأمس وقد نسي أن ما رآه في هذه الفلم أو المسلسل قد شوه عليه آخر معلومةٍ وردت في ذهنه، فينبغي لمن قرأ شيئاً وذاكره أن يحفظه بعدم الانشغال، وقديماً قال بعض أهل العلم: "النوم وعاء الحف" فإذا ذاكرت ما كتب لك أن تذاكر، فبادر إلى فراشك، وإن قدمت قبل ذلك ركعتين قبل نومك لتكون باباً إلى الاطمئنان وسبيلاً إلى الراحة، فإنك ستحمد فضل ذلك ونفعه صبيحة يوم امتحانك.
стр. 2057
الإخلاص وأهميته
من الأمور التي ينبغي أن ننتبه لها: أن على الإنسان أن يحسن النية، وأن يحدث نفسه بكل علمٍ نافع وبكل قولٍ سديد، إن البعض قد يُحدِّث نفسه بأمورٍ تعود عليه بالبلاء والمصيبة، وقديماً قال الشاعر:
احذر لسانك أن تقول فتبتلى إن البلاء موكلٌ بالمنطق
فإنك إذا عزمت الهمة وجمعت القصد على أمرٍ من أمور الخير، وجعلت حديثك لنفسك بعد هذا الامتحان فيما يقربك إلى الله وفيما ينفع أمتك فإنك بذلك توفق بإذن الله.
أما من حدث نفسه بعد امتحانه أن يسافر إلى بلد كذا وكذا، أو أن يتمتع بالإباحية في أرض كذا وكذا، أو أن يجعل من هذه الشهادة سُلماً ليخوض مجالاً معيناً قد يكون فيه شيءٌ من النهي، فهذا قد يكون سبباً لشؤم عاقبته وسوء خاتمة عمله في دراسته، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأعود وأكرر على الشباب الذين هم على أبواب التخرج أن يعلموا عظم الأمانة التي يتحملونها، وشرف المسئولية التي تلقى إليهم، فإن ذلك أمرٌ جليل، ومهمٌ خطير ينبغي أن يعرف الإنسان قدره، وينبغي أن يعرف فضله وشرفه، خاصة طلبة العلوم الشرعية فإن عليهم أمانةٌ عظمى أعظم مما قد يلقى على غيرهم.
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موكب الذل أحجما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما
أنشقى به جمعاً ونجنيه ذلةً إذاً فاتباع الجهل أولى وأحزما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما بدا طمعٌ صيرته لي سلما
стр. 2058
نصائح للطلاب قبل دخول الامتحانات
فيما معاشر الشباب عامة! ويا طلبة العلوم الشرعية خاصة! اتقوا الله جل وعلا فيما تولون في شهاداتكم، وتذكروا وراقبوا الله جل وعلا في علمكم، فإن عليكم مسئولية عظيمة، ثم إذا دخل الطالب في الامتحان فالذي ننصحه به أن يدخل متوضئاً مطمئناً هادئ البال، فإذا جلس على كرسيه ذكر الله بما يفتح الله عليه من الأذكار، وليحرص على قول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، وليسأل ربه مزيداً من العلم والتذكير والتوفيق والسداد، فإذا قدمت له ورقة الأسئلة فالحذر من أن ينظر إلى الورقة بالجملة عامة، بل عليه أن ينظر إلى السؤال الأول منها، فإن استطاع الإجابة أو وفق بحمد الله إلى الإجابة، فليجب على هذا السؤال، والسبب في ذلك أن يكون جهد الذاكرة مسلطٌ على توريد المعلومات المتعلقة بهذا السؤال، فلا تنشغل الذاكرة بتوريد أي معلومةٍ أخرى، فإذا انتهى من هذا السؤال عاد إلى الذي يليه ثم إلى الثالث ثم إلى الآخر أو الذي بعده، فبهذا ينال راحةًَ وطمأنينة في أمر المذاكرة.
إن بعض الشباب أول ما تلقى إليه ورقة الأسئلة يقرأ السؤال الأول والثاني والثالث والرابع والخامس، ثم لا يدري ماذا تورد إليه الذاكرة من المعلومات، وقد يكتب بالسؤال الأول وهو يفكر في إجابة فقرةٍ لم يعرفها في السؤال الرابع، فهذا أمرٌ بالنسبة له قد يسبب له الفشل والإخفاق ولا حول ولا قوة إلا بالله، والحذر الحذر من الغش في الامتحانات فإنه محرمٌ لا يجوز، الحذر الحذر من الغش أياً كان دورك طالباً أو مطلوباً في هذا الغش، فإنه لا يجوز ولا ينبغي، وكيف يؤتمن رجلٌ على أمانة الأمة أن يحفظها ولا يغش فيها وهو يغش في العلوم التي يتعلمها وقد يكون من بينها العلوم الشرعية؟ فينبغي أن ننتبه لذلك، وينبغي للمدرسين الذين يقومون بدور المراقبة أن يلاطفوا نفوس الطلاب وأن يدخلوا عليهم بابتسامة جميلة: (وتبسمك في وجه أخيك صدقه) فينبغي أن تدخل على الطالب منطلق الجبين، باش الوجه، بادي الابتسامة، لكي تدخل السرور والفرح والراحة والطمأنينة إلى قلبه، فإذا أشكل عليه شيء، فينبغي لك أن تتواضع وأن تحني رأسك عند هامته، واعرف ماذا يريد الطالب، فقد يكون سؤاله أمراً مهماً، وقد يكون ما أشكل عليه أمرٌ يحتاج إلى التوضيح، وليس يعني دخول الطالب صالة الامتحان أن نقطع العلاقة به فوراً، فواجبك أن تتصل بمدرس المادة -مثلاً- أن يوضح له ما أشكل عليه في طريقة السؤال لا في بيان الإجابة.
أسأل الله جل وعلا أن يوفق أبناءنا وبناتنا، وأن يرزقهم العلم النافع والعمل الصالح، وأن ينفع أمتنا بهم، وأن يجعل حظ الأمة منهم العمل لما فيه صلاح الدنيا والآخرة، اللهم انفعنا بشبابنا، اللهم انفعنا بشاباتنا، اللهم انفعنا بأبناء الأمة أجمعين ووفقهم إلى ما يرضيك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً وأراد بولاة أمرنا فتنة وأراد بعلمائنا مكيدة، اللهم أشغله في نفسه، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم افضحه على رءوس الخلائق يا رب العالمين، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح مضغة قلبه، اللهم أصلح بطانته، اللهم قرب له من علمت فيه خيراً له وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم سخر لنا وله ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، وثبته على كتابك وسنة نبيك يا رب العالمين، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا غائباً إلا رددته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا ميتاً إلا رحمته.
اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة النبيين والشهداء برحمتك يا رب العالمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً، فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً فجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم نور على أهل القبور قبورهم، اللهم افتح عليهم مد أبصارهم، اللهم نور لحودهم، اللهم افتح لهم أبواباً إلى الجنان، اللهم تجاوز عنهم يا رب العالمين، وارحمنا اللهم إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه التي لا تستطيعون حصرها وعلى نعمه التي لا تستطيعون شكرها يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2059
دعوة إلى الزواج
لقد حث الله ورسوله ﷺ على الزواج المبكر، وبيَّن رسول الله أهمية التناسل والتناكح لتكثر الأمة، وليباهي بهم رسولنا الكريم الأمم يوم القيامة، ولكن لقد وجدت مصاعب وعقبات كئود في زماننا هذا أمام شباب الأمة إذا أراد الزواج الشرعي، ويُسِّرَ لهم الحرام ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه توجيهات ونصائح للآباء في ذلك حتى تحل مشاكل شباب الأمة.
стр. 2060
كمال الدين وعظمة الشريعة
الحمد لله الذي أحل النكاح وحرم السفاح، وقال جل من قائلٍ عليماً: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل فيما ثبت عنه ﷺ : (من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن الله جل وعلا قد أكمل الدين، وأتم النعمة، فمن زاد أو استحسن غير ما شرعه الله جل وعلا فقد ابتدع وشرع وضل ضلالاً مبيناً، واعلموا أن الله جل وعلا ما حرم شيئاً إلا لفساد عاقبته وحاله ومآله على عباده، وما أباح شيئاً أو أحله إلا لمصلحة عباده فيه ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
إن هذا الدين جاء لإسعاد البشرية، جاء لينشر الأمن والطمأنينة في ربوعها، وليحل السلام في أرجائها، ليسعد الناس صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، ليجتمعوا على محبةٍ ومودة، ويتعاملوا على صدقٍ ووفاء، ولأجل ذلك جاءت شرائع الإسلام متكاملة لتحقق هذه السعادة التي هي بدورها توفر أجواءً طيبة لعبادة الله ، وتكبيره وحمده والثناء عليه واستغفاره وتسبيحه، إذ لم يخلق الخلق إلا لهذا المقصد العظيم، فإن كل تشريع في الدين ما جاء إلا ليحقق مصلحة، وما جاءت هذه المصلحة إلا لتصب في الغاية النهائية التي لأجلها خُلق الخلق وهي عبادة الله جل وعلا، ولأجل ذا ومن بين ذلك كله شرع في هذا الدين النكاح، شرع شرعاً طيباً محكماً عدلاً متكاملاً: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
إن هذا الدين العظيم ينظر إلى هذه النفوس البشرية، وينظر إلى ما فيها من الغرائز والشهوات، فلا يكبتها على طريقة الرهبان، ولا يطلقها على طريقة الإباحيين الغربيين المتحللين، وإنما يشرع ما يحققها بضوابطها، ومن ثم توظف الغرائز في نفع الأمة، وإحلال الأمن والطمأنينة في أنحاء المجتمع، فانظر إلى غريزة حب المال إن الإسلام ما حذر الناس من جمع المال أو نهاهم عنه، ولم يبح لهم إطلاق أيديهم في جمعه وصرفه في كل سبيل ومن أي طريق، وإنما شرع للعبد أن يجمع المال، وندب إلى أن يصرفه في مصارفه التي تعود على الأمة بالنفع والفائدة، كذلك غريزة الجنس في النفوس ما جاء الإسلام ليقطعها أو ليكبتها، وما أباح إطلاقها في الأعراض والذوات، وإنما جاء ليضبطها ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١].
стр. 2061
حث النبي ﷺ على النكاح وذمه للرهبنة
أيها الأحبة في الله! الحديث عن النكاح لا شك أن مقاصده عائدةٌ إلى تحقيق وإشباع الغرائز الموجودة في النفس البشرية، وما جاء النكاح لإشباع الغرائز فقط، وإنما لتوظيف هذا الإشباع فيما يعود على المجتمع بالتناسل والتكاثر لتكوين أمةٍ محمودة نافعة للبشرية.
لهذا شرع لنكاح، ولأجل ذلك قال ﷺ : (تناكحوا تناسلوا -ولم يجعل هذا الأمر مطلقاً بل قال-: فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) إذاً إذا نوقش النكاح أو الزواج فلينظر إليه من جانب تحقيق رغبات النفس، ولينظر إليه من جانب نفع المجتمع، ولينظر إليه من جانب نفع الأمة قاطبة، إذ ما شرعت الشرائع لتحقيق مقاصد شخصيةٍ بحتة، بل إن من سمو وعدل ورقي هذا الدين أن أحكامه وتشريعاته جاءت لتستجيب لحاجات النفس، ومن ثم لتصب فيما ينفع هذا المجتمع.
فأول ذلك حث النبي ﷺ على الزواج، وذم الرهبنة جاء نفرٌ إلى بيته ﷺ ، فسألوا عن عبادة المصطفى ﷺ ، فلما سألوا وأجيبوا كأنهم تقالوها، إذ لم يكن النبي ﷺ حينها موجوداً، فقال بعضهم: وماذا عليه؛ فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: فأما أنا فأقوم الليل ولا أذوق النوم، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، فلما علم النبي ﷺ بهذا الأمر اشتد غضبه، وبلغ الغضب مبلغاً عظيماً إلى حد أنه صعد المنبر وجُمع الناس له، وقال: (ما بال أقوامٍ يستنون بغير سنتي، أما أنا فآكل اللحم، وأقوم الليل وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وقال ﷺ : (حُبب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء -هذا من الدنيا أما قرة العين- وجعلت قرة عيني في الصلاة) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسيلماً كثيراً.
وقال ﷺ : (يا معشر الشباب! -وخص الشباب بالنداء لحاجتهم إلى الزواج والنكاح- من استطاع منكم الباءة -والباءة: المقدرة الذاتية والمالية وما تعلق بها- فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج)؛ لأن النفس قد جُبلت على محبة النساء، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤].
هل يوجد خيرٌ من هذا؟ هل يوجد ألذ من هذا؟ هل يوجد أطيب من هذا؟ بلى وربي ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٥]، حتى يعلم من اشتهت نفسه أن شهواته منقطعة فانية، وأن وراءه دار الخلود لا تنقطع فيها الشهوات ولا الملذات الشهوة هنا لذةٌ ثم تنقضي، صحةٌ بعدها سقم، نعيمٌ يخلفه كدر، أما اللذة هناك فصحة لا سقم بعدها، وخلود لا موت يكدره، ولذات لا تنقطع.
قال علماء السلف: إن أهل الجنة يأكلون من غير جوع؛ لأن الجوع كدرٌ يكدر اللذات، ويشربون من غير ظمأ؛ لأن الظمأ كدرٌ يكدر اللذات، لكنهم في الجنة يشربون ويأكلون للذات الأكل والشرب، لذاتٍ فوق لذات.
إن النفوس البشرية في هذه الدنيا جبلت وفطرت على حب النساء، ولأجل ذلك كان توظيف هذه المحبة بطريق الزواج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] فما تشبع غريزة الجنس إلا في الزوجات وملك اليمين، ومن أشبعها بغير ذلك ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧].
стр. 2062
ثلاثة حق على الله عونهم
لقد حث الإسلام على الزواج، وقول الله عظيم بليغ: ((وَأَنْكِحُوا)) أي: زوجوا: ((الْأَيَامَى)) الأيامى جمع أيم، والأيم من لا زوج له ذكراً كان أو أنثى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢].
قال عمر ﵁: [عجبت لمن يبتغي الغنى لا يتزوج]، إن أناساً يشكون الفقر والفاقة والمسكنة، وربما عندهم شيءٌ يسيرٌ لو اجتمعوا واقترضوا لجمعوا ما يحقق لهم الزواج، فلمثل أولئك نقول ما قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ورضي عنه، قال: [أرى لمن أراد الزواج أن يستدين -أي: إن كان عاجزاً- ويؤدي الله عنه]، كيف لا يؤدي الله عنه؟ كيف لا يوفي الله عنه؟ وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ثلاثةٌ حقٌ على الله عونهم).
لو قلنا لك أيها الشاب الذي تتقلب على فراش السهر، تعيش الأرق وتتمنى الزوجة تزوج واقترض وتسلف من هنا ومن هنا، لقلت: من يؤدي عني؟ من يعينني؟ من يضمن سداد ديني؟ فلو قلنا لك: إن الأمير سوف يعينك؛ لأقدمت على الزواج بلا تردد، ولو قلنا: إن الثري الغني الفلاني سيعينك؛ لأقدمت على الزواج بلا تردد، ولو قلنا: إن فلاناً من المعروفين بالثراء سيعينك؛ لأقدمت على الزواج بلا تردد، فإنا نبشرك ونقول: إن الله معينك قال ﷺ : (ثلاثةٌ حقٌ على الله عونهم: الناكح يريد العفاف) الناكح يقصد العفاف، الناكح يقصد غض بصره، المتزوج يريد إحصان فرجه، هذا حقٌ على الله أن يعينه، أما الناكح يريد التذوق وتنويع اللذات أما الناكح يريد العبث والإسراف أما الناكح تقليداً أو مباهاةً فلعله لا ينال من هذا شيئاً (الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء) والمكاتب هو العبد الذي اشترى نفسه من سيده على نجوم منجمة، على أقساطٍ يدفعها دورية حتى يتم عتقه ووفاء كامل قيمته والثالث: (والمجاهد في سبيل الله).
إننا نقول للشباب: أقدموا على الزواج ولا تترددوا، ودعوكم من أولئك الذين قد أدخلوا في أذهان بعضكم أو أذهان غيركم أن الزواج لا بد أن يؤمن له بيتاً أو فلة وسيارة ووظيفة، ولا بد من دخل ومرتب من الذي يرزقه؟ أوظيفةٌ هي التي ترزقك؟ أسيارة هي التي ترزقك؟ أشهادة هي التي ترزقك؟ إن لم تقطع بأن الرازق هو الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] فإنما عند الناس منقطعٌ مكدرٌ بالمنِّ والأذى، فمن تعلق بحال الناس تعلق بنقصٍ وضعف ومنقصة.
فيا أخا الإسلام يا شباب الإسلام أقبلوا على الزواج ولا تترددوا لتلك الأفكار والشبهات والأباطيل والأقاويل التي نُثرت وسُلطت علينا حرب شعواء، وأُرسلت إلينا سموم وسهام صارخة، سواء في آدابنا أو أخلاقنا، عبر تلك التمثيليات، وعبر تلك المسلسلات التي أقنعت الشباب أن لا زواج إلا بعد الحب لا زواج إلا بعد العلاقات لا زواج إلا بعد الانسجام الطويل والتعارف المتبادل، وتوافق الآراء والأذواق، وتوافق في الألوان والأمزجة، كل ذلك مما استورده مجتمع المسلمين من الغربيين، أو مما صدَّره الغربيون إلى المسلمين.
أقبل، وكم من رجل تزوج فتاة لدينها -وسيأتي الحديث عن هذا- فكان بينهما من السعادة أضعاف أضعاف ما اختلقه ونسجه الواهمون والكاذبون من تلك السعادة التي سرعان ما تضمحل بدعوى حصولها بعد علاقاتٍ طويلة قبل الزواج، فالإسلام حث على هذا، فلا تترددوا، ولا تنكصوا، ولا ترجعوا القهقرى، اجمعوا ما في أيديكم من المال وتسببوا وابذلوا الأسباب، من هنا دين، ومن هنا قرض حسن، ومن هنا معونة، ومن هنا مساعدة، حتى تجمع من المال ما يكون سبباً في إعانتك على الزواج، ثم أقدم على بركة الله.
стр. 2063
رسالة إلى الآباء في تيسير المهور
وإلى الآباء رسالة يا من تملكون المال! يا من نمتم على أرصدة قلت أو كثرت! ما غيرت أرصدتكم في لباسكم، وما غيرت في طعامكم، وما غيرت في مراكبكم ومشاربكم، ولكنها زادت أرقاماً في حساباتكم في البنوك، أفلا تزعزعون الرقم قليلاً، وتسحبون منه شيئاً يسيراً فيكون عوناً لأبنائكم أو أقاربكم أو ذوي رحمكم في الزواج؟ إنَّا لنعجب أن يأتي شابٌ يطلب المعونة في زواجه وأنت تعرف أن له عماً ثرياً، وخالاً غنياً، وقريباً ممليراً، فما الذي رد قريبه أو ذا رحمه أن يعينه على زواجه؟ فأعينوا وتعاونوا، وما أجمل عادةٍ طيبة وجدت عند بعض الأسر والعوائل؛ أن الشاب إذا أقدم على الزواج قام كبار العائلة ومن لهم دخول طيبة بمعونته، هذا بالخمسة آلاف، وهذا بالألف، وهذا بالخمسمائة، فإن ذلك أمر يعين الشباب على الزواج، خاصةً من تقدم للزواج في المرة الأولى ولا يزال شاباً، ثقوا -والله- أنه ما أراد الزواج إلا يريد أن يغض بصره، وليحصن فرجه، ولو ابتغى الحرام الذي تنوعت وسائله، وتعددت طرقه، وتيسرت أبوابه في هذا العصر وفي مجتمعاتٍ عدة؛ لاستطاع أن يحصل الحرام بأدنى التكاليف، وإنها لمحنةٌ عظيمة أن يكون الحرام رخيصاً ميسوراً والحلال صعب المنال، فحاربوا الحرام بإعانة الشباب على الحلال.
стр. 2064
الترغيب في البحث عن زوجة ذات دين
المسألة الثانية: إذا يسر الله لك، وقررت وقطعت العزم على الزواج، فلا تضرب كل بابِ.
أكل امرئٍ تحسبين امرأً ونارٍ توقد بالليل نارا
أتظن كل ذات خدرٍ تصلح لك؟ لا.
(الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) إن حافلات المدارس تنقل في الصباح مئات الآلاف من البنات، ولكن الذي يرغب في الزواج يبحث مراتٍ ومراتٍ وعشرات وكرات ولا يجد من تناسبه، إن كان لا يجد من تناسبه في دينٍ وعفةٍ وحشمةٍ فذلك أمر ينبغي أن يتثبت، وأن يزيد البحث حتى يجد المناسبة والموافقة بإذن الله.
أما أولئك الذين لا يجدون من هذه الحافلات والناقلات ما يناسبهم؛ لأنه رأى ممثلةً فرسم في مخيلته أن تكون عروسه مثل هذه الممثلة في نعومة شعرها، وخدها الأسيل، وجسمها الطويل، وجيدها وحركاتها وسكناتها، فإن ذلك قصدٌ وابتعادٌ إلى غير ما شرع الله جل وعلا.
إنما شرع الله لك الزواج لإعفاف نفسك، أنت لم تتزوج لتكون الزوجة راقصة، أو لتكون الزوجة عارضة أزياء، أو لكي تباهي بزوجتك الغادين والرائحين في حفلات الأعراس، وإنما تزوجت لك أنت وليس لغيرك، فاعلم هذا ابتداءً وأولاً.
إن بعض الشباب في بحثه يشترط أن تكون جميلة، بغض النظر عن دينها واستقامتها وتاريخها أبداً، وهذا ضلالٌ بعيد، قال جل وعلا: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] لو أعجبتكم المشركة بجمالها، لو أعجبتكم بصفاتها، لو أعجبتكم بما فيها من المواصفات فإن أمَةً قينة تباع وتشرى لكنها مؤمنة خيرٌ من مشركة، وهذا شيء واضح، فذرةٌ من الحلال تعدل أو تميل وترجح بملء الدنيا من الحرام، فاعلموا هذا علماً يقيناً.
إذاً: الاختيار لابد أن يكون لذات الدين إن الدين -أيها الأحبة- يحقق كل شيءٍ بإذن الله، أما المواصفات الأخرى التي أغرق الشباب في البحث عنها نحن لا نقول للشباب: ابحثوا عن قبيحةٍ أو مشوهة أو إلى غير ذلك، وإن الإسلام حث على هذا.
لا والله، وإنما نقول: لا تجعلوا الجمال مقصداً أولاً وآخراً في ابتغاء النكاح، ولأجل ذلك ترى عدداً من الشباب يقدرون على الزواج ولكن قد وضع في مخيلته تلك الصورة فما وجدها، ولن يجدها، ولست أدري هل يموت متزوجاً أو يموت أيماً أعزباً!! قال ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولدينها، ولحسبها ونسبها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) ما ينفعك جمال جميلةٍ إذا التفتت ظننت بها السوء، وشككت في التفاتتها ما ينفعك جمال جميلة إذا اتصلت على بيتك ظننت بها السوء في طول مكالمة الهاتف ما ينفعك جمال جميلة وأنت لا تأمنها إذا خرجت يميناً أو يساراً مع قريباتها أو في بعض المناسبات، إن هذا الجمال يعود حسرةً على صاحبه، ولذلك جاء في الأثر: (إياكم وخضراء الدمن، قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء) وجاء أيضاً: (لا تنكحوا النساء لجمالهن؛ فعسى جمالهن أن يرديهن أو يطغيهن، ولا تنكحوهن لأموالهن؛ فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة مؤمنة ذات دين أفضل).
التعرف أمر مطلوب، والله ما يضيرك لو نقصت مواصفات الجمال درجات، لكن اكتملت مواصفات الدين العفة، الحياء، الحشمة، غض البصر، عدم الخضوع بالقول، عدم الجرأة على الرجال، عدم الإقدام على المحرمات، كل هذه الصفات الواحدة منها تعدل مئات المقاييس من الجمال.
فيا شباب الإسلام أقبلوا على الزواج، واجعلوا الدين هدفاً، ومن جعل الدين غايته يسر الله له كل غايةٍ بعدها (من أصبح وهمه الآخرة تكفل الله برزقه، وأتته الدنيا راغمة، وجمع الله له ضيعته).
стр. 2065
أهمية النظر إلى المخطوبة
فإذا اخترت ذات دين يسر الله لك أمرها والسبيل إليها، فلا حرج في أن تتعرف عليها وكيف يكون التعرف؟ أعلى طريقة الأفلام والمسلسلات؟ مكالمات لا تنقضي ليلاً ونهاراً؟ أم على طريقة المراسلات والمغازلات؟ رسائل تحوي ألواناً فاضحة من العبارات كيف يكون التعرف؟ إن التعرف بالرؤية إلى هذه المخطوبة، أن تستأذن وليها في أن يمكنك من النظر إليها وهي غافلة لا تدري في بيتها مثلاً، ولا حرج لو دخلت على من أراد خطبتها أو أراد الزواج بها بشيءٍ من الماء أو الطيب، ثم سلمت وقدمته وخرجت، فرأت خاطبها ورأى من خطبها؛ لأننا في هذا يهمنا -وخاصةً في هذا الزمن- أن نعرف رأي الفتاة بالزوج كما نعرف رأي الخاطب بالفتاة، ولا يلزم من كون الشاب قد أعجب بالفتاة أن تكون الفتاة قد رضيت به واطمأنت إليه، فكان تمكين الناس الخاطبين وتمكين بناتهم من هذا الأمر فيه خيرٌ عظيم، ولن يضير لو رآها ثم قال: ما دخلت قلبي أو ما تيسر لي ذلك إن بعض الناس إذا قيل له: فلان يريد أن يرى مخطوبته التي خطب منكم، قال: وهل عندنا كتلوج للعرض والأزياء؟ هل عندنا معرض نقدمه حتى يرضى؟! إن قبل بها وإلا فعساه لا يرضى أبداً! وليس هذا من العقل أبداً، فلا بد أن تراه ولا بد أن يراها إذا تيسر ذلك، ويصح الزواج بدون ذلك، وكم من زيجة سعد أبناؤها والزوج والزوجة فيها ولم يحصل فيها رؤية، ولكننا في هذا الوقت تحاشياً لوصف الأمهات، وتحاشياً لوصف الأخوات والقريبات للزوج أو للخاطب، أو في المبالغة في نقل الصورة نقول: لعلك أن تراها ولعلها أن تراك لحظةً واحدة، ثم بعد ذلك إذا كتب الله الوفاق بادروا بعقد النكاح، ومن ثم تيسير الزواج.
قال جابر ﵁: (خطبت جاريةً من الأنصار فقال ﷺ : هلا نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما، قال جابر: فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها) فلا حرج أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته، فإن هذا كما قال ﷺ : (أحرى أن يؤدم بينكما) أن توجد الألفة والمحبة والمودة.
стр. 2066
مشكلة غلاء المهور والدعوة إلى تيسيره من قبل الآباء
فإذا حصلت الرؤية واطمأن الخاطب إلى مخطوبته والمخطوبة إلى خاطبها، بدأنا في المسألة الخطرة التي هي قضية القضايا عند الأسر والمجتمعات، ألا وهي المهر المهر عجائبٌ من القصص وغرائبٌ من الحكايات نسمعها في مجتمعات يربون البنات للبيع، وينشئونهن للتجارة وكأنهن سلع، وإذا قدم الخاطب بعد مشوارٍ طويل بما يسر الله له من المال رمي مهره في وجهه، وقيل: قد بذل لنا فيها كذا وكذا فرفضنا، فتأتي أنت لتبذل أقل من هذا! إن أعظم النساء بركة أيسرهن مئونة ومهراً، وإن المغالاة في المهور ربما كان عند حدوث شجارٍ أو شقاق بين الزوجين سببٌ في الانتقام، وسببٌ في التشفي من الفتاة وأهلها وأبيها الذي ما مكن الزوج إلا بعد أن كسر ظهره، وأثقل كاهله، وأذل عينه وجبينه بالاقتراض والتسلف من هنا وهنا، حتى جمع أموالاً فقدمها في سبيل حصوله ودخوله على زوجته.
جاء إلى هذا المسجد شابٌ ذات يوم، ومن المؤسف أنه من البادية، وإننا نخص البادية بالخطاب ونعمُّ غيرهم، إذ إننا نسمع عند بعض البوادي والقبائل مغالاةً في المهور ما أنزل الله بها من سلطان، حتى ولو ادعوا أنهم نزلوا في الجرائد إعلانات، أو اتفق بعضهم على أنهم لا يقبلون مهوراً أكثر من عشرين أو ثلاثين ألفاً، إلا أن بعض الأفراد ولا نلوم كبار القوم إنما نلوم بعض الأفراد الذين إذا كانوا في المجالس قالوا: نحن قد قرر المهر عندنا كذا وكذا من يسير المهر وقليله، فإذا تقدم أحد إلى ابنته طلب ما طلب، والعجيب أنهم يكتبون في عقود النكاح ثلاثين ألفاً، ولكن ما جاء خلف الأوراق أضعاف ذلك!! إنها خدعة وحيلة والذي يتأذى بها هو الزوج في نهاية الأمر وخاتمة المطاف.
إن تيسير المهر أمر مهم أيها الأحبة!، ونحن لو فكرنا بعقلٍ ونظر العاقل الذي عنده عدد من البنيات، والله لو أبقيت بناتك عندك لما زادك ذلك إلا ألماً وحسرة تزوجت البنات إلا بناتك! أنجب البنات ذريات إلا بناتك! سعد البنات إلا بناتك! فلماذا حرمتهن هذا؟! لو تأملت بعقل وفكر لوجدت أن من واجبك أن تسعى أنت، وأن تقلب وتفتش وتشتغل شغلاً، أو أن تعمل عمل الباحث المراقب المتابع لشابٍ تختاره لابنتك، ولو كان فقيراً أو معدماً، من أجل أن تهدي إلى ابنتك زوجاً صالحاً إنك يوم أن تختار لابنتك زوجاً صالحاً أسعدتها -بإذن الله- منذ أن زوجتها إلى أن تموت، وأسعدت ذريتها أيضاً بإذن الله، ولكن ما ينفع ابنتك أموال تعطيها، ونفقات تنفقها على اللباس والطيب والشراب والترفيه والفسح والجولات والزيارات، ولكنك رميت بها رمي الثوب الخلق في حضن شابٍ لم تعرف تاريخه، ولم تنقب عن ملف وسجل حياته.
لأجل ذلك نعود إلى هذه المسألة فنقول: ابحث، فإذا وجدت شاباً صالحاً مستقيماً فقل له: إن عندي بنية صالحة أتريد أن أزوجكها؟ وإن شئت فأرسل له رجلاً تثق فيه، وقل له: اذهب إلى فلان وقل له: لماذا لا تتزوج؟ فإن قال: إنني راغب، فأخبرني لعلي أعينه وأجمع له من المال ما يقدمه إليَّ، ويعود الخير إلى بيته وابنته مرة أخرى.
وإني أثني وأشكر وأذكر بالجميل والدعاء أفعالاً كهذه حصلت من رجال بحثوا عن شبابٍ، فأرسلوا إليهم أناساً آخرين وقالوا لهم: تعالوا، ألا ترغبون في النكاح؟ قالوا: بلى، ولكنا لا نجد مالاً.
فدلوهم إلى من أرسلهم أصلاً وأعانهم أبو الفتاة بالمهر عن طريق ذلك الوسيط، فكانت عيشة السعادة، وذرية السعادة، وحياة السعادة، أما أولئك الذين باعوا واشتروا في بناتهم بمئات الآلاف، فواحدة طُلقت بعد شهر، وواحدة طُلقت بعد ولدين وثلاثة، وواحدة تعيش، وواحدةٌ وواحدة وحدِّث عن مشاكل النساء عند الأزواج، وكما قال ﷺ : (فاتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم) أي: أسيرات.
أيها الأحبة: هل لا يصح النكاح إلا بغرفة نومٍ بثلاثين ألفاً؟!! هل لا يصح النكاح إلا بقصر أفراح بعشرين ألفاً؟! هل لا يصح النكاح إلا بخرافٍ تذبح وتنحر على موائد لم يؤكل إلا على أطراف الأصابع منها ثم يترك الباقي للزبالات والنفايات والأتربة والشوارع، وأماكن القمامة؟! هل لا يصح النكاح إلا بألوانٍ طويلة عريضة من الذهب والمجوهرات؟ جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ يريد الزواج، فقال الرجل: ليس عندي مالاً، فقال: (التمس ولو خاتماً من حديد، قال: لا أجده، فقال: أتحفظ سورة كذا؟ قال: نعم.
قال: زوجتكها بما معك من القرآن)، هل يوجد رجلٌ يجعل حفظ كتاب الله مهر ابنته؟! هل يوجد رجلٌ يجعل حفظ صحيح البخاري مهر ابنته، أو صحيح مسلم مهر ابنته؟! قل وندر هذا في هذا الزمان.
فيا أحبابنا زوجوا بناتكم، وأعينوا على زواجهن، وأعينوهن فإن الفقير في الغالب أخرق، أي: لا يحسن التدبير والتصرف، فإذا رأيت شاباً تقدَّم لابنتك فقيراً فاجعله ولداً وابناً من أبنائك، وانصحه وقل: يا بني! لا حاجة، فإنا نعرف حقيقة ما عندك من المال، ولسنا الذين سنحكم عليك بقصر أفراح أو بموائد طويلة.
إني لأعجب وألوم وأعاتب بعض الشباب الذين يتسولون في جمع المهر البالغ في رقمه وقيمته، ثم بعد ذلك يقيمون وليمة طويلة عريضة في قصر أفراح بأجرة بالغة!! أين حاجتك؟ أين تجوالك؟ أين دورانك؟ أين خطاباتك وأوراقك؟ ألم تكن بالأمس تجمع مهرك بالخمسة آلاف والألف والألفين حتى جمعت هذا المهر الذي أثقل به كاهلك، ثم بعد ذلك تستأجر صالة بخمسة عشر ألفاً أو بعشرة آلاف، ثم تذبح وتنحر عشرين ذبيحة، ثم تفعل وترسل، أهذا من العقل؟! والله -أيها الأحبة- إذا وجد الصالح الصادق في ابتغاء النكاح، الذي يريد بنكاحه العفاف والذرية الصالحة، ووجد الولي الصالح، فإن عشرة آلاف أو عشرين ألفاً تكفيهم بإذن الله جل وعلا بيتٌ متواضع -وليس من شرط صحة النكاح أن تكون السكنى في قصر منيف- ولباس ميسر، ووليمة (أولم ولو بشاة) ثم بعد ذلك تتم هذه الحياة الزوجية.
أما أن يجمع الشاب أموالاً، فإذا تزوج وتفرق الضيوف وعاد إلى بيته وبعد ليلة زفافه جلس مكباً مطرقاً رأسه بين رجليه يتفكر كيف يسدد ديونه، وكيف يهرب من الغارمين، وكيف يخدع من طلبوا منه المال الذي دنا موعد سداده!! ذلك والله جهل بليغ.
فيا أمة الإسلام: أعينوا الشباب على المهور، ساعدوهم وأعطوهم وأقرضوهم وأعطوهم من الزكاة، وأعطوهم من الصدقات، فإن من احتاج إلى المهر جاز دفع الزكاة إليه بما يكفي لتزويجه، اعلموا هذا جيداً، فأعينوا شبابنا على هذا، فإذا فتحنا لهم أبواب الحلال أغلقنا دونهم أبواب الحرام التي تنوعت وتسهلت وتيسرت في هذا الزمان.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2067
توجيهات للأزواج
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة.
стр. 2068
اللعب بالطلاق أمر مذموم
معاشر المؤمنين: إن شأن الزواج عظيم وكبير، ولأجل ذلك سماه الله جل وعلا في كتابه ميثاقاً غليظاً، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء:٢٠ - ٢١]، سمي في القرآن ميثاقاً غليظاً، مع أن الزواج عقدٌ وهو إيجاب وقبول إن المرأة يجوز لها أن تمارس عقد البيع وهو إيجاب وقبول إن المرأة يجوز لها أن تمارس عقد الإجارة إن المرأة يجوز لها أن تمارس عقد السلم والمساقاة والمزارعة، وغيرها من عقود المعاوضات المالية، أما الزواج وهو إيجاب وقبول فلم يسند هذا العقد إليها، بل أسند إلى وليها، فقال ﷺ : (أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل)، النكاح بغير الولي باطل، وإنما أسند هذا العقد إلى الأولياء بحضور الشهود كما قال ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) مع أنه عقد ولكنه عقد غليظ، إنه ميثاقٌ غليظ، فلا تتهاونوا بهذا.
إن من الناس من إذا تيسر له النكاح بمهر يسير وبدون كلفة ومشقة هان عليه أن يلعب بهذا النكاح، فلا يحلف إلا بالطلاق، ولا يدعوا الضيوف إلا بالطلاق، ولا يأمر إلا بالطلاق، ولا ينهى إلا بالطلاق، ولا يمزح إلا بالطلاق، وهذا من العبث بهذا الميثاق الغليظ، أو لما أنعم الله عليك بزوجة صالحة على مهر يسير انقلبت عابثاً بهذا الميثاق الغليظ والعقد العظيم تعبث به بكل قسمٍ ودعوةٍ وحثٍ ومنع؟! لا يا عبد الله! اعلم أنك آثمٌ إن عبثت بهذا، ولا يجوز لك، واتقِ الله في هذه المرأة يوم أن دخلت عليك بيسر، فليست سيارةً تجرب اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وليست بهيمةً تبيعها أنت ويشتريها غيرك ولا يضيرها أن تعيش في حظيرة أو أخرى، إنها امرأة إنها مشاعر إنها نفس إنها فكر إنها قدرة إنها طموح إنها آمال وآلام إنها مسكينة إنها أسيرة عندك، فاتقوا الله في النساء ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] قال ﷺ : (لا يفرك -أي: لا يبغض ويكره- مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر).
стр. 2069
الطلاق ليس حلاً للمشاكل الزوجية
وإني ألوم كثيراً من الشباب الذين لا يفكرون إلا بالطلاق عند أدنى مشكلة لو انكفأ قدرٌ انزوى في حجرةٍ يفكر في الطلاق، لو انكسر زجاجٌ انزوى في حجرةٍ يفكر بالطلاق، لو تعالت الأصوات بينه وبين زوجته ذهب يفكر بالطلاق لو وجد طعامه ذاك اليوم أو لباسه لم يُعد انقلب يفكر بالطلاق هذه من أفكار الصبيان، هذه من أفكار الأطفال، هذه من أفكار الصغار، أما الرجال فإنهم إذا رأوا مشكلةً فكروا كيف يعالجونها، وقد سبق أن قلت على هذا المنبر: من أراد استدامة حياته الزوجية فليجعل زوجته كواحدٍ من أبنائه المضافين في حفيظته، كأنها من صلبه خرجت، فمن وجد خلافاً من أولاده فإنه لا يفكر بنفي نسبهم أو طردهم وإنما يفكر بعلاج مشكلاتهم، فإذا وجدت مشكلةً ففكر كيف تحسن علاج هذه المشكلة، واصبر صبراً جميلاً، وإن احتجت الهجر فاهجر في المضجع هجراً جميلاً، وعظ وعظاً جميلاً، وقل قولاً جميلاً، فإن النفوس تتأثر بالكلام اللين وحسن المعاملة، وقول الله أبلغ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] سواءً كان هذا في معاملة مع شريك، أو صديق، أو زوجة أو قريب: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] كأنه قريب شديد القرابة، فيا أحبابنا! كما قال نبينا ﷺ : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).
стр. 2070
حسن المعاملة والتخلق مع الزوجة
تقول عائشة: (كان ﷺ يحلب شاته، ويخصف نعله، ويكون في حاجة أهله) ما ظنكم بأحدنا لو قالت له زوجته: أحضر هذا الطبق لو تكرمت من ذاك المكان، لربما غضب وقال: أنا الضابط الذي تضرب لي التحيات أحضر لك الطبق؟!! أنا المدير الذي يقف الموظفون أمامي أحضر لك الطبق؟!! أنا الرجل الذي يقف الناس لي أحضر لك هذا؟!! كان ﷺ وهو خير من ركب المطايا ووطأت قدمه الثرى، كان في حاجة أهله، وكان ﷺ ليناً رفيقاً حبيباً، جلس ذات يوم يخصف نعلاً في ذلك البيت العامر بالإيمان والطهر، فتفصد العرق من جبينه ﷺ ، فنظرت إليه عائشة ﵂ وقالت: (يا رسول الله! ما رأيت أجمل من حبات لؤلؤٍ كما أرى من هذا الذي يتفصد من جبينك، ويتحدر على جبينك، وقالت: وإنك لجميل يا رسول الله! فنظر إليها بابتسامةٍ كلها الحب والحنان والعطف والوفاء، وقال: وأنتِ جميلة أيضاً يا عائشة).
لا تظن أن حياة الإيمان والدعوة والجهاد والرسالة حياة جافة لا عواطف ولا مشاعر فيها، إنها حياة يملؤها العشق الخالص الطاهر بين الزوجين، والحب المعلى الصافي المنقى بين الزوجين، إنها حياة يملؤها العطف والرحمة والمودة والمحبة والتواضع وخفض الجناح ولين الجانب والكلمة الطيبة، وعوِّد نفسك -يا عبد الله- أن تكون رجلاً إننا لا نشكو من قلة الذكور فقد ملئوا الأرض، ولكننا نشكو من قلة الرجال نعم، قد تزوج من الذكور خلق كثير، ولكن الرجال شريحة غير أولئك.
следующие страницы →