← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

مشكلة غلاء المهور والدعوة إلى تيسيره من قبل الآباء فإذا حصلت الرؤية واطمأن الخاطب إلى مخطوبته والمخطوبة إلى خاطبها، بدأنا في المسألة الخطرة التي هي قضية القضايا عند الأسر والمجتمعات، ألا وهي المهر المهر عجائبٌ من القصص وغرائبٌ من الحكايات نسمعها في مجتمعات يربون البنات للبيع، وينشئونهن للتجارة وكأنهن سلع، وإذا قدم الخاطب بعد مشوارٍ طويل بما يسر الله له من المال رمي مهره في وجهه، وقيل: قد بذل لنا فيها كذا وكذا فرفضنا، فتأتي أنت لتبذل أقل من هذا! إن أعظم النساء بركة أيسرهن مئونة ومهراً، وإن المغالاة في المهور ربما كان عند حدوث شجارٍ أو شقاق بين الزوجين سببٌ في الانتقام، وسببٌ في التشفي من الفتاة وأهلها وأبيها الذي ما مكن الزوج إلا بعد أن كسر ظهره، وأثقل كاهله، وأذل عينه وجبينه بالاقتراض والتسلف من هنا وهنا، حتى جمع أموالاً فقدمها في سبيل حصوله ودخوله على زوجته. جاء إلى هذا المسجد شابٌ ذات يوم، ومن المؤسف أنه من البادية، وإننا نخص البادية بالخطاب ونعمُّ غيرهم، إذ إننا نسمع عند بعض البوادي والقبائل مغالاةً في المهور ما أنزل الله بها من سلطان، حتى ولو ادعوا أنهم نزلوا في الجرائد إعلانات، أو اتفق بعضهم على أنهم لا يقبلون مهوراً أكثر من عشرين أو ثلاثين ألفاً، إلا أن بعض الأفراد ولا نلوم كبار القوم إنما نلوم بعض الأفراد الذين إذا كانوا في المجالس قالوا: نحن قد قرر المهر عندنا كذا وكذا من يسير المهر وقليله، فإذا تقدم أحد إلى ابنته طلب ما طلب، والعجيب أنهم يكتبون في عقود النكاح ثلاثين ألفاً، ولكن ما جاء خلف الأوراق أضعاف ذلك!! إنها خدعة وحيلة والذي يتأذى بها هو الزوج في نهاية الأمر وخاتمة المطاف. إن تيسير المهر أمر مهم أيها الأحبة!، ونحن لو فكرنا بعقلٍ ونظر العاقل الذي عنده عدد من البنيات، والله لو أبقيت بناتك عندك لما زادك ذلك إلا ألماً وحسرة تزوجت البنات إلا بناتك! أنجب البنات ذريات إلا بناتك! سعد البنات إلا بناتك! فلماذا حرمتهن هذا؟! لو تأملت بعقل وفكر لوجدت أن من واجبك أن تسعى أنت، وأن تقلب وتفتش وتشتغل شغلاً، أو أن تعمل عمل الباحث المراقب المتابع لشابٍ تختاره لابنتك، ولو كان فقيراً أو معدماً، من أجل أن تهدي إلى ابنتك زوجاً صالحاً إنك يوم أن تختار لابنتك زوجاً صالحاً أسعدتها -بإذن الله- منذ أن زوجتها إلى أن تموت، وأسعدت ذريتها أيضاً بإذن الله، ولكن ما ينفع ابنتك أموال تعطيها، ونفقات تنفقها على اللباس والطيب والشراب والترفيه والفسح والجولات والزيارات، ولكنك رميت بها رمي الثوب الخلق في حضن شابٍ لم تعرف تاريخه، ولم تنقب عن ملف وسجل حياته. لأجل ذلك نعود إلى هذه المسألة فنقول: ابحث، فإذا وجدت شاباً صالحاً مستقيماً فقل له: إن عندي بنية صالحة أتريد أن أزوجكها؟ وإن شئت فأرسل له رجلاً تثق فيه، وقل له: اذهب إلى فلان وقل له: لماذا لا تتزوج؟ فإن قال: إنني راغب، فأخبرني لعلي أعينه وأجمع له من المال ما يقدمه إليَّ، ويعود الخير إلى بيته وابنته مرة أخرى. وإني أثني وأشكر وأذكر بالجميل والدعاء أفعالاً كهذه حصلت من رجال بحثوا عن شبابٍ، فأرسلوا إليهم أناساً آخرين وقالوا لهم: تعالوا، ألا ترغبون في النكاح؟ قالوا: بلى، ولكنا لا نجد مالاً. فدلوهم إلى من أرسلهم أصلاً وأعانهم أبو الفتاة بالمهر عن طريق ذلك الوسيط، فكانت عيشة السعادة، وذرية السعادة، وحياة السعادة، أما أولئك الذين باعوا واشتروا في بناتهم بمئات الآلاف، فواحدة طُلقت بعد شهر، وواحدة طُلقت بعد ولدين وثلاثة، وواحدة تعيش، وواحدةٌ وواحدة وحدِّث عن مشاكل النساء عند الأزواج، وكما قال ﷺ : (فاتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم) أي: أسيرات. أيها الأحبة: هل لا يصح النكاح إلا بغرفة نومٍ بثلاثين ألفاً؟!! هل لا يصح النكاح إلا بقصر أفراح بعشرين ألفاً؟! هل لا يصح النكاح إلا بخرافٍ تذبح وتنحر على موائد لم يؤكل إلا على أطراف الأصابع منها ثم يترك الباقي للزبالات والنفايات والأتربة والشوارع، وأماكن القمامة؟! هل لا يصح النكاح إلا بألوانٍ طويلة عريضة من الذهب والمجوهرات؟ جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ يريد الزواج، فقال الرجل: ليس عندي مالاً، فقال: (التمس ولو خاتماً من حديد، قال: لا أجده، فقال: أتحفظ سورة كذا؟ قال: نعم. قال: زوجتكها بما معك من القرآن)، هل يوجد رجلٌ يجعل حفظ كتاب الله مهر ابنته؟! هل يوجد رجلٌ يجعل حفظ صحيح البخاري مهر ابنته، أو صحيح مسلم مهر ابنته؟! قل وندر هذا في هذا الزمان. فيا أحبابنا زوجوا بناتكم، وأعينوا على زواجهن، وأعينوهن فإن الفقير في الغالب أخرق، أي: لا يحسن التدبير والتصرف، فإذا رأيت شاباً تقدَّم لابنتك فقيراً فاجعله ولداً وابناً من أبنائك، وانصحه وقل: يا بني! لا حاجة، فإنا نعرف حقيقة ما عندك من المال، ولسنا الذين سنحكم عليك بقصر أفراح أو بموائد طويلة. إني لأعجب وألوم وأعاتب بعض الشباب الذين يتسولون في جمع المهر البالغ في رقمه وقيمته، ثم بعد ذلك يقيمون وليمة طويلة عريضة في قصر أفراح بأجرة بالغة!! أين حاجتك؟ أين تجوالك؟ أين دورانك؟ أين خطاباتك وأوراقك؟ ألم تكن بالأمس تجمع مهرك بالخمسة آلاف والألف والألفين حتى جمعت هذا المهر الذي أثقل به كاهلك، ثم بعد ذلك تستأجر صالة بخمسة عشر ألفاً أو بعشرة آلاف، ثم تذبح وتنحر عشرين ذبيحة، ثم تفعل وترسل، أهذا من العقل؟! والله -أيها الأحبة- إذا وجد الصالح الصادق في ابتغاء النكاح، الذي يريد بنكاحه العفاف والذرية الصالحة، ووجد الولي الصالح، فإن عشرة آلاف أو عشرين ألفاً تكفيهم بإذن الله جل وعلا بيتٌ متواضع -وليس من شرط صحة النكاح أن تكون السكنى في قصر منيف- ولباس ميسر، ووليمة (أولم ولو بشاة) ثم بعد ذلك تتم هذه الحياة الزوجية. أما أن يجمع الشاب أموالاً، فإذا تزوج وتفرق الضيوف وعاد إلى بيته وبعد ليلة زفافه جلس مكباً مطرقاً رأسه بين رجليه يتفكر كيف يسدد ديونه، وكيف يهرب من الغارمين، وكيف يخدع من طلبوا منه المال الذي دنا موعد سداده!! ذلك والله جهل بليغ. فيا أمة الإسلام: أعينوا الشباب على المهور، ساعدوهم وأعطوهم وأقرضوهم وأعطوهم من الزكاة، وأعطوهم من الصدقات، فإن من احتاج إلى المهر جاز دفع الزكاة إليه بما يكفي لتزويجه، اعلموا هذا جيداً، فأعينوا شبابنا على هذا، فإذا فتحنا لهم أبواب الحلال أغلقنا دونهم أبواب الحرام التي تنوعت وتسهلت وتيسرت في هذا الزمان. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2067

توجيهات للأزواج الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة.

стр. 2068

اللعب بالطلاق أمر مذموم معاشر المؤمنين: إن شأن الزواج عظيم وكبير، ولأجل ذلك سماه الله جل وعلا في كتابه ميثاقاً غليظاً، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء:٢٠ - ٢١]، سمي في القرآن ميثاقاً غليظاً، مع أن الزواج عقدٌ وهو إيجاب وقبول إن المرأة يجوز لها أن تمارس عقد البيع وهو إيجاب وقبول إن المرأة يجوز لها أن تمارس عقد الإجارة إن المرأة يجوز لها أن تمارس عقد السلم والمساقاة والمزارعة، وغيرها من عقود المعاوضات المالية، أما الزواج وهو إيجاب وقبول فلم يسند هذا العقد إليها، بل أسند إلى وليها، فقال ﷺ : (أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل)، النكاح بغير الولي باطل، وإنما أسند هذا العقد إلى الأولياء بحضور الشهود كما قال ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) مع أنه عقد ولكنه عقد غليظ، إنه ميثاقٌ غليظ، فلا تتهاونوا بهذا. إن من الناس من إذا تيسر له النكاح بمهر يسير وبدون كلفة ومشقة هان عليه أن يلعب بهذا النكاح، فلا يحلف إلا بالطلاق، ولا يدعوا الضيوف إلا بالطلاق، ولا يأمر إلا بالطلاق، ولا ينهى إلا بالطلاق، ولا يمزح إلا بالطلاق، وهذا من العبث بهذا الميثاق الغليظ، أو لما أنعم الله عليك بزوجة صالحة على مهر يسير انقلبت عابثاً بهذا الميثاق الغليظ والعقد العظيم تعبث به بكل قسمٍ ودعوةٍ وحثٍ ومنع؟! لا يا عبد الله! اعلم أنك آثمٌ إن عبثت بهذا، ولا يجوز لك، واتقِ الله في هذه المرأة يوم أن دخلت عليك بيسر، فليست سيارةً تجرب اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وليست بهيمةً تبيعها أنت ويشتريها غيرك ولا يضيرها أن تعيش في حظيرة أو أخرى، إنها امرأة إنها مشاعر إنها نفس إنها فكر إنها قدرة إنها طموح إنها آمال وآلام إنها مسكينة إنها أسيرة عندك، فاتقوا الله في النساء ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] قال ﷺ : (لا يفرك -أي: لا يبغض ويكره- مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر).

стр. 2069

الطلاق ليس حلاً للمشاكل الزوجية وإني ألوم كثيراً من الشباب الذين لا يفكرون إلا بالطلاق عند أدنى مشكلة لو انكفأ قدرٌ انزوى في حجرةٍ يفكر في الطلاق، لو انكسر زجاجٌ انزوى في حجرةٍ يفكر بالطلاق، لو تعالت الأصوات بينه وبين زوجته ذهب يفكر بالطلاق لو وجد طعامه ذاك اليوم أو لباسه لم يُعد انقلب يفكر بالطلاق هذه من أفكار الصبيان، هذه من أفكار الأطفال، هذه من أفكار الصغار، أما الرجال فإنهم إذا رأوا مشكلةً فكروا كيف يعالجونها، وقد سبق أن قلت على هذا المنبر: من أراد استدامة حياته الزوجية فليجعل زوجته كواحدٍ من أبنائه المضافين في حفيظته، كأنها من صلبه خرجت، فمن وجد خلافاً من أولاده فإنه لا يفكر بنفي نسبهم أو طردهم وإنما يفكر بعلاج مشكلاتهم، فإذا وجدت مشكلةً ففكر كيف تحسن علاج هذه المشكلة، واصبر صبراً جميلاً، وإن احتجت الهجر فاهجر في المضجع هجراً جميلاً، وعظ وعظاً جميلاً، وقل قولاً جميلاً، فإن النفوس تتأثر بالكلام اللين وحسن المعاملة، وقول الله أبلغ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] سواءً كان هذا في معاملة مع شريك، أو صديق، أو زوجة أو قريب: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] كأنه قريب شديد القرابة، فيا أحبابنا! كما قال نبينا ﷺ : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).

стр. 2070

حسن المعاملة والتخلق مع الزوجة تقول عائشة: (كان ﷺ يحلب شاته، ويخصف نعله، ويكون في حاجة أهله) ما ظنكم بأحدنا لو قالت له زوجته: أحضر هذا الطبق لو تكرمت من ذاك المكان، لربما غضب وقال: أنا الضابط الذي تضرب لي التحيات أحضر لك الطبق؟!! أنا المدير الذي يقف الموظفون أمامي أحضر لك الطبق؟!! أنا الرجل الذي يقف الناس لي أحضر لك هذا؟!! كان ﷺ وهو خير من ركب المطايا ووطأت قدمه الثرى، كان في حاجة أهله، وكان ﷺ ليناً رفيقاً حبيباً، جلس ذات يوم يخصف نعلاً في ذلك البيت العامر بالإيمان والطهر، فتفصد العرق من جبينه ﷺ ، فنظرت إليه عائشة ﵂ وقالت: (يا رسول الله! ما رأيت أجمل من حبات لؤلؤٍ كما أرى من هذا الذي يتفصد من جبينك، ويتحدر على جبينك، وقالت: وإنك لجميل يا رسول الله! فنظر إليها بابتسامةٍ كلها الحب والحنان والعطف والوفاء، وقال: وأنتِ جميلة أيضاً يا عائشة). لا تظن أن حياة الإيمان والدعوة والجهاد والرسالة حياة جافة لا عواطف ولا مشاعر فيها، إنها حياة يملؤها العشق الخالص الطاهر بين الزوجين، والحب المعلى الصافي المنقى بين الزوجين، إنها حياة يملؤها العطف والرحمة والمودة والمحبة والتواضع وخفض الجناح ولين الجانب والكلمة الطيبة، وعوِّد نفسك -يا عبد الله- أن تكون رجلاً إننا لا نشكو من قلة الذكور فقد ملئوا الأرض، ولكننا نشكو من قلة الرجال نعم، قد تزوج من الذكور خلق كثير، ولكن الرجال شريحة غير أولئك.

стр. 2071

حسن الظن بالزوجة أيها الزوج كن رجلاً ولا تحرص أن تكون ناقص عقلٍ سماعاً نماماً حريصاً على تلقف الكلام والمكالمات، بعض الناس لا يعرف إلا الظن السيئ، بل وبعضهم جعل جهاز التسجيل ومن دون ريبة على هاتف بيته ليعلم ماذا تقول زوجته في غيبته. احذر لسانك أن تقول فتبتلى إن البلاء موكل بالمنطق ظن خيراً تلقه، أما أن تظن السوء وتفسر كل فعلٍ بسوء، وتعين بتصرفاتك هذا على اتخاذ السوء، ثم تريد بعد ذلك حياةً لا يكدرها شيء! كن رجلاً أيها الزوج! إن سمعت هفوة فتغاضَ وكأنك لم تسمعها، وإن رأيت أمراً للوهلة الأولى فكأنك لم تره، وإن رأيت الثانية فبكلمة طيبة، أو بهدية طيبة، أو بنصيحة طيبة.

стр. 2072

حسن القوامة على الزوجة يا أيها الزوج كن على مستوى الرجولة، كن على مستوى الولاية، كن على مستوى المسئولية. يا أيها الزوج! إياك أن تكون سماعاً لأقوال الأخوات في الزوجة، أو أن تكون طائشاً في تصرفاتك عند حدوث أي شجارٍ أو نزاع ولو قليل بين أمك وزوجتك وأبيك. يا أيها الزوج لا تظن أن قوامتك الزوجية بالأوامر والنواهي، إنما هي بالعقل والرجولة والقدرة والتفضيل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤].

стр. 2073

الصبر على أذى الزوجة يا أيها الزوج لا تكن لئيماً تسحب أموال الزوجة لتدخر لنفسك ما تنفقه عليها وعلى أولادها. يا أيها الزوج من غسل ثوبك؟ ومن أعد لباسك؟ ومن طيب فراشك؟ ومن أصلح طعامك؟ ومن حفظ بيتك؟ ومن ربى أولادك؟ أليست زوجتك؟ بلى، فكيف يضيع هذا كله عند زلةٍ أو هفوة أو غلطة يسيرة من المرأة، وهب أن المرأة فيها نوعٌ من الزلل قد ابتليت به كما يبتلى البعض بمرضٍ مزمن، أو ليس الكثير منا يتعامل ويخالط الناس، يغدو ويروح، ويبيع ويشري، ويذهب ويجيء، وهو يدور بعلته إن كانت من الربو أو من الضغط أو من السكر؟ إن وجود العلة والمرض المزمن لم يمنعه أن يستمر في حياته، فإن وجود علةٍ واحدةٍ وإن كانت مزمنة مع المرأة لا يمنعك أن تعيش معها، ولا يمنعك أن تسير معها إلى أن يمن الله عليها بالعافية، أو تلقى الله جل وعلا بأجر صبرك هذا كله. يا أيها الزوج عجباً لك كيف تبتسم في وجوه الآخرين، تهدي وتوزع الابتسامات، فإذا دخلت بيتك قطبت جبينك وأغلقت شفاهك كأن الابتسامات في البيوت حرام! يا أيها الزوج عجباً للطفك وأخلاقك مع الناس، فإذا دخلت بيتك انقلبت أسداً شرساً هصوراً وذئباً مؤذياً! يا أيها الزوج اعلم أن صبرك على الناس الذي ترجو به وجه الله لك أضعاف أجره حينما تصبر فيه على زوجتك. فيا أحبابنا أعينوا على الزواج، وأصلحوا ذات البين، وكونوا رجالاً تجمعون الأمة، وتلمون الشمل، وترأبون الصدع، وتسعون فيما يحقق سعادة المجتمع. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم عليك بأولئك الذين يصنعون وينتجون هذه المسلسلات والأفلام التي ما زادت مجتمعنا إلا شقاءً وبؤساً وفتنة واختلافاً. اللهم عليك بأولئك الذين جعلوا شغلهم إنتاج هذه الأفلام المؤذية لشبابنا وبناتنا والأزواج والزوجات، اللهم اجعل إنتاجهم خساراً وبوراً، واكفنا شرورهم، وندرأ بك ربنا في نحورهم. اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم ارحم المستضعفين في البوسنة، اللهم انصر المجاهدين في البوسنة، اللهم احفظ أعراض المسلمات في البوسنة، اللهم احفظ اليتامى في البوسنة، اللهم احفظ الأيامى في البوسنة، اللهم احفظ المسلمين هناك، اللهم أهلك الصربيين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين. اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2074

دعوى الإرجاء ظهرت في الأمس القريب دعاوى تنخر في هذا الدين نخراً، ومن أعظم تلك الدعاوى: دعوى الإرجاء بلسان الحال والمقال، والتي تدعو إلى تقسيم الشريعة إلى قشور ولباب إلى مظاهر وحقائق وكل تلك الدعاوى يراد بها الباطل، وبيان ذلك في هذه المادة.

стр. 2075

دعوى تقسيم الشريعة إلى قشور ولباب إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله للخلائق أجمعين وللمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]. عباد الله: إنه كلما ابتعد المسلمون عن السنة، فإن البدع تقترب منهم بحسب ما ابتعدوا به عن دينهم، وما تركوا أمراً حسناً إلا وحل محله أمر قبيح، وهكذا النفوس إن لم تنشغل بالطاعات انشغلت بالمعاصي. وإن من سيئ الأفكار الخبيثة السامة التي حلت في قلوب بعض المسلمين المغترين ببريق الحضارة، دون معرفة لحقيقة خوائها الروحي، وما تنطوي عليه من ألوان الدمار الاجتماعي والاقتصادي والتسلط السياسي، تلك هي فكرة تقسيم أمور الشريعة وأحكامها إلى قشورٍ ولباب، ومظاهر وحقائق، وتراهم يبنون على هذا تهاونهم بترك بعض أوامر الشريعة وتساهلهم بها، بحجة أن الأهم والأعظم أكبر من هذا، وقضية الدين هي العقيدة والإيمان الذي هو في القلب، ولو جادلت شخصاً منهم بالتي هي أحسن لأجلب عليك بخيله ورجله بأحاديث يفهمها فهماً سقيماً، ويضعها في غير موضعها، فيقول لك: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم) ويقول: التقوى هاهنا، ويشير بيده إلى صدره، وقد تراه متهاوناً بأوامر الشريعة، تاركاً للصلاة مع الجماعة، حليقاً مسبلاً، مجاملاً في أمر دينه، ولو دار بينك وبينه نقاش، وأقمت عليه الحجة بوجوب المتابعة لكتاب الله وسنة رسوله، بالأصول والفروع، بالدقيق والجليل، في العقائد والأحكام؛ لانفض النقاش بينك وبينه، متهماً لك بالقشورية والسطحية، وعدم الغور في أصول الشريعة، أو إدراك مقاصدها، وهكذا تنقض عرى الإسلام وأحكامه عروةً عروة. وأولئك الجهلة يرددون كالببغاوات حججاً واهية، وأفكاراً سقيمة، استوردوها من أعدائهم جهلاً وغفلة، وصدَّرها الأعداء حقداً ومكيدة، فلو قلت لأحدهم: صلِّ مع جماعة المسلمين، وإياك ومعاملة الربا، وفِّر لحيتك، أو افعل كذا وكذا من أمور الدين، أو أنكرت عليه صوراً وتماثيل مجسمة في بيته، أو حذرته من سماع الأغاني الماجنة، أو نهيته عن شرب الدخان، وأمرته بالاهتمام بأسرته، والحياء والستر وعدم التبرج بالنسبة لهم، وترك مجالسة رفقاء السوء تراه وهو غارقٌ في كل هذه المعاصي والمنكرات، يرد عليك بكل جرأة قائلاً: لا تكن متشدداً، لا تكن معقداً، أو لا تكن سطحياً، الأمر أهم من ذلك، والقضية قضية عقيدةٍ وإيمان إلخ هذا الكلام الذي يردده ولا يفهمه، ولا طائل تحته سوى البوار والخسران المبين. والأدهى والأمر من ذلك كله أن تراه راضٍ عن نفسه، فيجعلها في عداد الملتزمين الصالحين رغم تلك المنكرات التي يرتكبها، ويزيده ضلالاً ووبالاً أنه يشعر بالرضا عن نفسه؛ لأنه يقارن نفسه بأولئك الذين يسرقون ويزنون ويرتشون، فيرى نفسه أحسن حالاً منهم، وقد نسي المسكين أنهم إنما وقعوا في تلك الكبائر والفواحش يوم أن تهاونوا بوقوعهم في المنكرات الصغيرة، ثم تلتها المعاصي والكبائر التي هو غارقٌ في لججها، غافلٌ عن خطرها على نفسه وذريته وماله.

стр. 2076

الرد على دعوى تقسيم الشريعة إلى قشور ولباب أيها الأحبة في الله: لا يخفاكم أن مدعي تلك الدعوى لا حجة له، بل هو المحجوج بقوله وما يردده؛ لأن مقتضى الإيمان والتصديق العمل والتطبيق، وثمار التقوى التي هي في القلوب أن يبدو العمل ظاهراً بالمأمور وأن يترك المحظور، والدين كلٌ لا يتجزأ، وليس فيه قشور ولباب، ويوم أن نصغي لنداء الله جل وعلا في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨] يوم أن نصغي لهذا النداء نعلم حقيقة هذا النداء الرباني الرحيم بالعباد، ونتيقن وجوب العمل بجميع أوامر الشارع ما أمكن إلى ذلك سبيلاً. يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره عند هذه الآية: هذا أمرٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين به، المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام، وأن يعملوا بجميع أوامره، وأن يتركوا جميع زواجره، ومعنى قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: ادخلوا في الإسلام جميعاً، كما قال ابن عباس وقال مجاهد: أي اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر. ودعوى أولئك الغافلين بقولهم: إن الدين والإيمان في القلب، لو سلَّمنا بها على إطلاقها؛ لجعلنا فرعون وهامان وأبا لهب وغيرهم من الطواغيت في عداد الصالحين؛ لأنهم يؤمنون بالله، ويوقنون بوجوده وتصرفه في الكون، ولكنهم ضلوا وأضلوا يوم أن تكبروا وتجافوا عن عبادة الله والانقياد له، وابتعدوا عن العبودية له في الصغير والكبير من الأعمال. إذاً فلا يكفي في دعوى الإيمان أن يدعيه الإنسان دعوى من دون تطبيق أو برهانٍ صادق على دعواه، ثم إن الحس والملاحظة يشهدان بالارتباط الوثيق بين الظاهر والباطن، فمن صلحت سريرته؛ استقامت علانيته، ومن ساءت وحادت عن جادة الصواب علانيته؛ كان ذلك دليلاً على فساد باطنه، وهذا أمرٌ تعرض له شيخ الإسلام ابن تيمية في عددٍ من كتبه حول كلامه عن هذا الموضوع، وتكلم فيه أيضاً في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم حيث بيَّن بقوله ﵀: والأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أموراً ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال؛ يوجب في القلب شعوراً وأحوالاً، فالمشاركة في الهدي الظاهر؛ تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمرٌ محسوس. أسأل الله جل وعلا أن يجنبنا وإياكم التساهل بأمور الدين وأحكام الشريعة، وأن يجعلنا من المتمسكين الذين يمسكون بالكتاب، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2077

آثار دعوى تقسيم الشريعة إلى قشور ولباب الحمد لله منشئ السحاب، وهازم الأحزاب، وخالق خلقه من تراب، منزل الكتاب، رب الأرباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي لم يعلم طريق خيرٍ إلا دل أمته عليه، ولم يعلم سبيل شرٍ إلا حذر الأمة منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير ما جزى نبيٍ عن أمته. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام بصغيرها وكبيرها، بدقيقها وجليلها، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٌ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار. عباد الله: إن التساهل بأحكام الشريعة وأوامر الشارع بدعوى أن بعض الأمور من القشور، أو أن بعض أحكام الشريعة ليست من اللباب، إن التساهل بالأمور المهمة والأمور الدقيقة والجليلة في الشريعة يقود إلى سقوط عرى الإسلام عروةً وعروة، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، فكيف بمن وقع في الذنوب والمعاصي، بل بمن وقع في الكبائر باقترافها، وإصراره عليها، فهل ترونه إلا غارقاً في لجج المحرمات، عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أموراً مشتبهات، فمن اتقى الشبهات؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات؛ فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت؛ صلح الجسد كله، وإذا فسدت؛ فسد الجسد كله) فلو صلحت أفعالهم واستقامت جوارحهم على ما شرع الله؛ لكان دليلاً على صلاح مضغ قلوبهم.

стр. 2078

شبهة أخرى في تقسيم الشريعة والرد عليها يا معشر الأحباب! هناك شبهةٌ يرددها أولئك الذين يقسمون أمور الشريعة، ويجعلون ذلك ذريعةً إلى التهاون بها، ألا وإن تلكم الشبهة هي: أنهم يقولون: إن هناك أموراً مهمة، وأموراً أهم منها، هناك أمرٌ عظيم، وهناك أمرٌ أعظم، ولكن هذا لا يعني أن نترك التمسك بكل صغيرٍ وكبيرٍ من أحكام الشريعة، والقول: بأن هناك مهمٌ وما هو أهم، إنما هو في مجال الإصلاح والتغيير والدعوة، فإذا كنت في مجال الدعوة إلى الله وقابلت رجلاً تاركاً للصلاة، حليقاً، شارباً للدخان، فإن أول أمرٍ ينبغي أن تتوجه إليه، وأن تناصحه فيه، ألا وهو أمر ترك الصلاة، فإذا استقام على ذلك؛ سيصلح حاله، أو أنت تدعوه إلى ما هو بعد ذلك رويداً رويداً. إن هذا الأمر -وهو تقسيم أمور الشريعة في مهمٍ وأهم- إنما هو في جانب الدعوة والإصلاح، أما جانب الالتزام، وجانب العمل بالشريعة، فينبغي لكل مسلمٍ أن يتمسك بكل صغيرٍ وكبيرٍ منها، وينبغي لمن كان في مقام الدعوة أن ينبه على الأهم فالأهم، وهذا أمرٌ لا شك في أهميته؛ لأن من وقع في الربا وترك الصلاة، وشرب الخمر، وفعل أموراً دونها؛ فينبغي أن يوجه أولاً إلى الصلاة مع المسلمين، ثم إلى ترك الربا وترك شرب الخمر، وبعد ذلك إلى بقايا الأمور التي لوحظت عليه، أما أن يقول شخص: إن هذا من القشور، وإن هذا من اللباب، وما كان من القشور فليس بمهم، فإن هذا يدعو الإنسان إلى الوقوع في الكبائر رويداً رويداً. نسأل الله جل وعلا أن يقينا شر ذلك، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا من المؤمنين المتمسكين بكتابه وسنة نبيه. خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى لا تقولن: هذه صغيرة وهذه كبيرة. خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١]. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، الذين يضللون عقول شباب المسلمين، ويدعونهم إلى ترك التمسك بدينهم، بحجة أن هذه أمور صغيرة، وهذه أمور مهمة، وهذه أمور ليست بذات أهمية. اللهم من أراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بشبابنا ضلالاً، وأراد بنسائنا تبرجاً وسفوراً، اللهم فاجعل كيده في نحره، اللهم فاجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أذهب سمعه وعقله وبصره، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم شتت شمله، اللهم امحق بركته، اللهم لا تبق أحداً ممن أراد بنا سوءاً، وأحصهم عدداً، وأهلكهم بدداً، فإنك جبار السماوات والأرض لا يعجزونك وأنت على كل شيءٍ قدير. اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، ولا تجعل إلى النار منقلبنا ومثوانا. اللهم اجعل لنا من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، ومن كل فاحشةٍ أمناً، ومن كل فتنةٍ عصماً. اللهم لا تدع لنا في هذا المقام الكريم الطيب المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره. اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه عبدك ونبيك محمد وعبادك الصالحون، اللهم ما سألناك فأعطنا، وما لم نسألك فابتدأنا، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجعل ميتتنا على شهادة الإخلاص، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم اجعل ختامنا من هذه الدنيا، وفراقنا عنها، وما فيها من الأحباب والأصحاب، اللهم اجعل فراقنا منها غير خزايا ولا مفتونين، غير ظالمين أو مظلومين، وما ظلمنا أحداً من خلقك بمظلمةٍ في مالٍ أو عرضٍ أو قليل أو كثير برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم تربص بنا إذا جاوزنا، اللهم تلطف بنا إذا احتضرنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، اللهم ارفعنا ولا تخذلنا، اللهم لا تعاقبنا بذنوبنا ولا تعذبنا بما فعل السفهاء منا، برحمتك يا رحمان يا رحيم، يا قيوم السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر نبيك محمد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2079

دور الأسرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثر ذلك على المجتمع إن مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل الأسرة عظيمة، وقد أمر الله المؤمنين بأن يقوا أنفسهم عذاب النار بتربية الأسرة والأولاد، ولكن ينبغي للإنسان أن يعرف كيف يصلح زوجته ويربي أبناءه، وأن يأخذ الأساليب النافعة، والعلاج الناجع في ذلك، حتى يُكون أسرة صالحة مستقيمة على طاعة الله سبحانه.

стр. 2080

المرأة ودورها في البيت والأسرة الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجزي القائمين على هذه السلسلة العلمية المباركة خير الجزاء، في اختيار الحديث، والتذكير بركنٍ عظيم، ومهمٍ جليلٍ من أعظم المهمات الدينية والشرعية، ذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء كان الخطاب بهذا الأمر موجهاً إلى كل فردٍ بعينه، أو كان موجهاً إلى الأسرة أو إلى من تولى أمراً من الأمور، إذ أن ذلك من صفات المؤمنين، وذلكم هو باب الخير، وسبب الخيرية والكرامة والرفعة التي استحقت بها أمتنا هذه أن تكون خير أمة أخرجت للناس؛ لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولن أفيض في مقدمةٍ ربما سبق الأجلاء من أصحاب الفضيلة في بداية هذه السلسلة حتى البارحة إلى الحديث عن كثيرٍ من جوانبها، ومباحثها ومسائلها، ولكني سأختصر الحديث على موضوع محاضرة هذه الليلة وهو " دور الأسرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ". أحبتنا في الله: تعلمون جميعاً أن كثيراً من الآباء وليس بدعة يشقون في النهار ويسهرون الليل؛ خوفاً وشفقة وحباً ورعاية وعناية واهتماماً بالأولاد من البنين والنبات، وهل جُل مهمات سعي الوالد إلا لأجل إكرام أهله وأسرته، زوجةً وأولاداً؟ بل ولا تسل عن بالغ الرعاية وعظيم الرعاية بهم في الطعام والشراب، واللباس والدواء، والتعليم والترفيه، ولك أن تعجب غاية العجب مما تراه من جرِّ بعض الآباء ذريته وأسرته إلى سخط الله ومقته وعذابه، وتلك والله مسألة غريبة داعية إلى الدهشة والعجب، أن ترى أباً يسهر الليل ويشقى النهار، وينفق كل ماله، من أجل ترفيه وإسعاد هذه الأسرة، في لباسها وطعامها، وشرابها ودوائها، والترفيه عنها وكل احتياجاتها، ثم بعد ذلك تراه في ذات الوقت نفسه يعمد إلى هذه الأسرة ليسمح للصوص لتتخطفهم ذات اليمين وذات الشمال، يتخرمونهم من كل جانب، يقفزون عليهم في الأسواق، يدخلون عليهم الباب بلا استئذان، إنهم ليس بالضرورة أن يكونوا لصوصاً ممن تلاحقهم الشرطة، أو ممن يمنعهم القانون، ولكنهم لصوصٌ ربما دخلوا عبر الشاشات والقنوات والإذاعات، وترى هذا الأب الذي يزعم أنه ما ترك شاذة ولا فاذة، ولم يدخر نقيراً ولا قطميراً على هذه الأسرة إلا وصرفه وأنفقه وبذله لها، تراه في ذات الوقت يرى أسرته تخطف، ويرى أولاده وبناته وزوجاته يهاجمون، ويرى الخطر محدقاً بهم من كل جانبٍ، ثم لا تراه يتحرك ولا تراه يدفع عنهم، ولو أنه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، لالتفت إلى حجم القنابل الموقوتة التي زرعت في بيته عبر هذه القنوات، أو عبر كثيرٍ من الوسائل التي لم يلتفت لها ولم ينتبه إليها. أيها الأحبة في الله: الحديث عن دور الأسرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يلفت النظر على وجه الخصوص إلى دور المرأة في هذا الركن العظيم، وذلك لأمورٍ أهمها: أن النساء يبقى الأولاد معهن فترة أطول من مكث الرجال معهم، ثم إن الأولاد أكثر التصاقاً بالأمهات من الآباء خاصة في فترة التوجيه والتقبل والاستجابة، وتلكم فترة الطفولة، فلا يستطيع أحدٌ أن يدعي أن أولاده من البنين والبنات في حال التوجيه والاستجابة والانقياد والإذعان يبقون معه أكثر مما يبقون مع أمهاتهم، إذ الواقع والطبيعة، بل والفطرة والغريزة والجبلة، كل ذلك شاهدٌ على أن الأطفال يبقون مع النساء أوقاتاً أضعاف أضعاف ما يبقى الآباء أو الرجال معهم، ثم لا تنسى أن للمرأة دوراً في إكمال دور الرجل في الأمر والنهي، إذ لابد من موافقة ومتابعة من قبل المرأة للرجل في الاحتساب والأمر والنهي وإلا لأصبح المنزل طرفين، طرفٌ يبني، وطرفٌ يهدم، أمٌ تبني، وأبٌ يهدم، أو العكس أبٌ يبني وأمٌ تهدم. متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم إن من المشكلات التي تعاني منها كثيرٌ من الأسر والمجتمعات: أن ترى أماً صالحةً طيبةً مباركة، تعتني بالرعاية والعناية والاهتمام بهؤلاء النشء، ثم تجد في المقابل أباً يهدم ما بنته المرأة، أو العكس ترى أباً حريصاً على تعليم أولاده، يدخلهم حلقات تحفيظ القرآن، يمنع عنهم المجلات الخليعة، يذود ويبعد عنهم تلك القنوات الضارة السامة، وفي المقابل ربما ابتلي النشء وهؤلاء الأطفال بأمٍ لا تبالي في أي وادٍ هلكت الذرية وتلكم مصيبة وأي مصيبة، ثم إن للنساء أثراً كبيراً على أزواجهن، وهذا ملاحظ ومشاهد، بل ولك أن تعلم بكل قطعٍ ويقين أن كثيراً من الرجال سبب هدايتهم إلى الاستقامة والثبات على طاعة الله، هو فعل زوجاتهم ودأب الزوجات على دعوة الأزواج إلى مرضاة الله وطاعته.

стр. 2081

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم إن الأمر مهمٌ للغاية إذ أن الذي لا يلتفت إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مأمورٌ به، فربما تراه عاجزاً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مكان، من عجز عن الاحتساب والنهي في بيته، فإنه أعجز وأضعف من أن يأمر وينهى خارج بيته، فالذي التفت إلى ذلك ينبغي أن يدرك أن الذي عجز عن الأمر والتوجيه في بيته، لهو أعجز وأضعف عنه خارج بيته، وذلك أن مظنة الجرأة والقدرة وعدم الخوف في حق من لك عليهم سلطة وولاية أو بينك وبينهم ارتباطٌ في ظل أسرة واحدة يهون عليك، ولا تجد حرجاً في أمرهم ونهيهم، فهؤلاء الذين لك عليهم سلطة، تنفق عليهم، تعطيهم المال، أنت الذي تكسوهم، وأنت الذي تطعمهم، وأنت الذي تسقيهم، وأنت الذي ترعاهم، إذا كنت بواقع القوامة والسلطة والمحبة والإشفاق والرعاية، مع هذا كله عاجزٌ عن أمرهم ونهيهم والاحتساب عليهم، فلا شك أن من عجز عن الأمر والنهي على هؤلاء سيكون أعجز إذا أراد أن يأمر غيرهم، وهذا أمرٌ جليٌ وواضح. والأسرة -أيها الأحبة- من عموم المؤمنين الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] ولا حاجة إلى سرد الأدلة، في أن الأمر والنهي شاملٌ متناولٌ جميع أفراد الأمة ولا يختص بذلك طائفة، وإن كان على ولاة أمور المسلمين أن يخصصوا طائفة معنية بالسلطة ولها القوة في ارتباطها بالسلطان والأمر والنهي، لتباشر شيئاً لا يستطيعه من يحتسب بنفسه أو يحتسب على عامة الناس بقلبه أو بلسانه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -كما تعلمون أيها الأحبة- شاملٌ عامٌ في حق الذكر والأنثى، والأب والابن، والأم والأخ والأخت، ومن تحته جملة من الذرية أو من الأسرة، ومن له ولاية ومسئولية، إن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وإن قول النبي ﷺ صدر خطابه (من رأى) كلمة (من) كما قرر أهل الأصول من صيغ العموم: فتعم كل مسلم ومسلمة؛ فرداً ولياً، أو حاكماً على الأسرة، أو ولياً على الصغير واليتيم، أو غير ذلك، ولا أخال إلا أنه قد سبق في هذه المحاضرات التي طرحت في أول هذه السلسلة المباركة بيان كثيرٍ من الأحكام المتعلقة بهذا المهم العظيم مما يغني عن إعادتها، وحسبكم قول الله في الآيات التي سمعنا طرفاً منها آنفا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].

стр. 2082

خطر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيها الأحبة: إننا ينبغي أن نتذكر دائماً أن مجتمعنا على خطرٍ عظيم ما لم يكن ثمة إصلاحٌ وائتمارٌ بالمعروف وتناهٍ عن المنكر، وإلا فإن الأمة متوعدة بعذابٍ عظيم خطير، قال ﷺ : (لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليوشكن الله أن يعمكم بعقابٍ، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم) وقول الله في سورة هود: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] فإذا كانت الأمة فيها إصلاحٌ، وفيها أمرٌ بالمعروف وتناهٍ عن المنكر، وفيها دعوةٌ إلى الخير وفيها عنايةٌ إلى حفظ مستوى الأخلاق، وفيها رعايةٌ وحراسةٌ لمهمات الدين وأمور الشريعة، فإن الأمة بإذن الله ستنجو من الهلاك، أما إذا فرطت وكلٌ أخذ ينحي باللائمة على غيره ويلقي بالمسئولية على عاتق من سواه، وكلٌ يدعي ويقول: هذا ليس مني! وليس بي! ولا إلي! ولا علي هذا مسئولية فلان هذا مسئولية علان؛ فلا تسل عن هلكة الأمة في يومٍ من الأيام.

стр. 2083

متى يتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على بعض أفراد الأسرة أيها الأحبة في الله: معلومٌ أن الآمر إذا كان أقدر على التغيير، وأحرى بالقبول والاستجابة، وكان مظنة أن يؤتمر بأمره وينتهى عن نهيه، فإن ذلك يعني تعين الأمر والنهي وتعلقه به أعظم من غيره، فمن يعلم أنه إذا أمر استجيب لأمره، فإنه يكون الأمر والنهي في حقه واجباً متعيناً متعلقاً على رقبته، يحاسبه الله عليه ويسأله عنه، لأنه قد ملك السلطة والإرادة، فكذلك الأب والأم ولهم السلطة والمسئولية على أفراد الأسرة جميعاً يتعين عليهم تعيناً ليس بالقدر الذي يتعين ربما على الأخ أو الأخت أو القريب؛ لأن أولئك مظنة إن أمروا ائتمر لأمرهم، أو نهوا انتهي عما نهوا عنه، أو دعوا استجيب، أو نصحوا استمع لنصيحتهم، فأولئك يتعين عليهم من الأمر والنهي والحساب والمعاتبة عليه ما لا يتعين على غيرهم، ومعلومٌ أن في الأسرة من الاعتبارات الداعية إلى الاستجابة والانقياد ما لا يكون في غيرها، وهي في الغالب القوامة، القوامة من الاعتبارات التي تدعو إلى أن يكون الآمر يؤتمر لأمره، والناهي ينتهى عما نهى عنه، والسلطة والمحبة والاحترام كقوامة الرجل على زوجته مدعاة لقبول الزوجة أمر الزوج ونهيه في مرضاة الله، وحب الزوجة لزوجها مدعاة لذلك، وسلطة الأب وهيبته في نفوس أفراد أسرته مظنة، بل داعية إلى القبول والاستجابة، ومحبة الأولاد إلى الأبوين مدعاة إلى استجابة أفراد الأسرة للأبوين، وإذا علم هذا تبين أنه يتعين على أفراد الأسرة تجاه بعضهم من الأمر والنهي ما لا يتعين على غيرهم بنفس القدر والدرجة، فالذي يتعين عليك في أمر أختك أو في أمر أخيك بالمعروف ونهيه عن منكر واجبٌ عظيمٌ، وليس بالقدر الذي يتعين عليك في أمر جارك أو في أمر أبناء جيرانك أو في أمر بقية الأقارب ولو كانوا على درجة قريبة أو بعيدة في أمر القرابة، إذ الواجب في حقهم آكد منه في حق غيرهم، والإثم الذي ينال أفراد الأسرة بترك العمل والنهي ربما كان أعظم من الإثم الذي ينال غيرهم حال ترك الأمر والنهي.

стр. 2084

تخصص رب الأسرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولقد ورد الأمر لعموم المؤمنين بالأمر والنهي، والتواصي بالحق والصبر، والتعاون على البر والتقوى، بل وزيادة على ذلك، مع الأدلة العامة الشاملة التي وردت في المحاضرات التي سبقت بهذه السلسلة، إلا أن ثمة أدلة ونصوص جاءت في الأمر والنهي، والتواصي في حقوق الأسرة المؤمنة، جاءت في نصوص عدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن ذلك قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] فهذا مع ورود النصوص العامة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أنه أمرٌ خاصٌ في أمر الولي؛ من تحت ولايته من الزوجة والأبناء والبنات والأخوات والقريبات، أن يقي نفسه أولاً، وأن يقيهم ناراً وقودها الناس والحجارة، وذكر الله من شأن عظم عذابه فيها ما ذكر.

стр. 2085

قصص تستفيد منها الأسرة المسلمة

стр. 2086

قصة لقمان وما فيها من العبر للأسرة المسلمة ومن تأمل سورة لقمان وما فيها من الوصايا التي أوصى لقمان بها ولده ووعظه بها، وجده نموذجاً رائعاً وصورةً مشرقة، وصورة موعظة الأب لولده، واحتسابه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واسمع إلى قول الله في سورة لقمان: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] ثم قال بعد آياتٍ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٦ - ١٩] أمرٌ ونهيٌ واحتسابٌ، وموعظةٌ بليغة، وإرشادٌ جميل في باب العقيدة، في الأمر بالتوحيد، في النهي عن الشرك، ثم تذكيرٌ بمراقبة الله ، وعلم الله على أن هذا الولد عليه من الله رقيبٌ شهيدٌ مطلعٌ حسيب عليه في كل حركاته وفي كل سكناته وفي كل أحواله: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان:١٦] والمعنى: يا بني! لا تظن أن الصغيرة يغفل الله عنها، وإن كانت خردلة في صخرة أو في السماء أو في الأرض، فإن الله يأتي بها ناهيك عن فعلٍ تفعله، والله مطلعٌ على ما تفعل. ثم أمرٌ بالوصية العظيمة التي أمرنا بها، بل وذكرنا فيها في حال موت نبينا ﷺ يذكرنا بها: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧]. ثم وهو يأمر ولده أن يأمر بالمعروف: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] إذ الآمر لا بد أن يصيبه ما يصيبه من حال الناس، إما من يستطيل في عرضه، وإما من أحدٍ يرده أو يكذبه، وإما من شامتٍ أو حاسدٍ أو حاقدٍ أو عدوٍ، وربما تسلط على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر باليد، ومع ذلك فإن من احتسب بهذا الأمر المهم العظيم الذي كرامة فاعله عند الله بالجنة عالية، فإنه لا بد أن يوطن نفسه للصبر على ما يفعل. ثم توجيهٌ في مسألة السلوك: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨] لا تنظر إلى الناس باحتقار، لا تنظر إلى الناس بتصغير، لا تتكبر عليهم: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٨ - ١٩] إياك والرعونة! لا ترفع من صوتك من غير حاجة، كل ذلك من الآداب الجميلة والرائعة، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في محيط الأسرة الذي يتمثل من وصايا لقمان لابنه.

стр. 2087

تأملات في قصة إبراهيم ﵇ مع أبيه وتأمل قول الله -أيضاً- في سورة مريم، وفيها احتسابٌ وأمرٌ ونهيٌ من ابنٍ لأبيه، من نبيٍ مؤمنٍ موحدٍ بل هو إمام الموحدين لأبيه الذي لا يزال على الشرك، إنه إبراهيم ﵇ يأمر أباه بالتوحيد وهو أعرف المعروف، وينهى والده عن الشرك وهو أنكر المنكر، فيقول : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [مريم:٤١ - ٤٥]. نعم، أيها الأحبة: من تأمل هذه الوقفة الجميلة الرائعة التي تجسد مشهداً وصورةً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محيط أسرة الولد المؤمن يأمر وينهى ويحتسب ويدعو أباه المشرك، في هذه الآيات تأمل هذه المسائل: صدر إبراهيم ﵇ كل نصيحة لوالده بقوله: يا أبتِ! مذكراً والده برابطة الأبوة التي هي من أقوى الروابط، ومن شأنها أن تجعل كلا الطرفين حريصاً على مصلحة صاحبه. الثانية: أنه طلب من والده أن يتدبر في فعله، حيث أن الأب يعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئاً. الثالثة: أنه لم يصف والده بالجهل المفرط؛ لأنه كان في مقام الدعوة، فيتألفه ويستأنس حاله، ويتقرب إليه ولا يتهمه بجهلٍ مطبقٍ وغباءٍ فاحشٍ وظلماتٍ بعضها فوق بعض، وإن كان الشرك جامعاً لهذه الصفات، لكنه في مقام الدعوة يحتاج أن يتألفه، بل بين له بأدبٍ جم: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم:٤٣] إن معي طائفة من العلم ليست معك، ثم أخبر أباه أن إعراضه عن توحيد الله بالعبادة ليس إلا بسبب اتباعه للشيطان الذي هو عدو له، ثم لم يقل لأبيه: إن عذاب الله لاحقٌ بك مرتبطٌ بك، بل أخبر بأدبٍ رفيع أنه يخشى أن يصيبه عذاب من الرحمن.

стр. 2088

تأملات في موقف النبي ﷺ مع عمه أبي طالب وهذا نبينا ﷺ في إطار الأسرة الواحدة يحتسب على عمه أبي طالب، في آخر لحظة، وهي لحظة سكرات الموت، جاء إليه النبي ﷺ وأبو طالب في النزع الأخير، فيقول له: (يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله) فانظروا إلى لطيف الخطاب (يا عم!) ثم يقول له: (قل كلمة أحاج لك بها عند الل) فما ذاك -أيها الأحبة- إلا دليلٌ على أن الواحد مأمورٌ أن يتلطف غاية اللطفِ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان في محيط الأسرة.

стр. 2089

أمر الاحتساب على الأسرة وإذا كان الآمر مأموراً بالحلم والحكمة والرزانة واللطف والعناية بالمأمورين والمنهيين، فإن ذلك في حق الأسرة وفي حق أفرادها من الآباء والأمهات والإخوة والبنين والبنات إن ذلك من باب أولى. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٥] وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] كل هذه الآيات دالة على ضرورة تخصيص الأسرة بمزيدٍ من العناية والرعاية والحياطة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 2090

الاحتساب على الأولاد وتأملوا قول النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرقوا بينهم في المضاجع) وهذا أمرٌ في غاية الأهمية أيها الأحبة. إن من واجبنا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر ليس الذي قد بلغ وناهز الاحتلام أو تجاوز هذه المرحلة، بل ينبغي أن نأمر الصغير الذي لا يزال يتعلم بدقة الأحرف والكلمات، نعلمه كيف يكون لسانه رطباً بذكر الله ، نعلمه كيف يبدأ يومه بذكر الله ، إذا رأى هذا الطفل الذي لم يفقه بعد سبب حبنا لشيء، أو سبب بغضنا لشيء، أو سبب قربنا لشيء، أو سبب بعدنا عن شيء، إذا رأى هذا الطفل منا نفرة عن المنكرات، فإنه ينفر منها جبلة قبل أن يعرف أحكامها وعللها ومناطها، وإذا رآنا نحب أموراً من طاعة الله، فإنه ينشأ ويتعلم حبها والتعلق بها قبل أن يعرف العلة في ذلك وتعلق المناط به، وهذا غاية الأمر: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه نعم أيها الأحبة: إن من أهم الأمور التي ينبغي أن نعلم الصغار عليها مسألة الصلاة، لأنها سترتبط بهم في حياتهم إلى أن يموتوا، سترتبط بهم في حلهم وترحالهم، في ظعنهم -في سفرهم- وإقامتهم، بل وسترتبط بهم في حال الأمن والخوف، بل وترتبط بهم في كل أحوالهم في الصحة والسقم إن قياماً أو على جنوبهم أو على مضاجعهم أو على جميع أحوالهم (مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشر) ودل ذلك على أن الصغير إذا رئي منه عنادٌ أو التفاتٌ أو عدم اهتمام بمسألة الصلاة وقد بلغ العاشرة أو أدركها، فينبغي أن تزاد له الجرعة في الأمر والنهي ولو تعلق الأمر بشيء من الترغيب والترهيب، أو بشيء من العقوبة اللينة التي لا تجعله يكره ويمقت ويحقد، بل تجعله يهاب ويخشى ويرغب ويتعلم بإذن الله . ثم قال ﷺ : (وفرقوا بينهم في المضاجع) وتلك والله من الأمور المهمة، وإن كنا نرى اليوم أن أذناب الغرب، والذين انصهروا وذابوا في بوتقة رياح التغريب الوافدة من الحظيرة الغربية ولم يبالوا بها؛ بهذه القضية يدفعون الثمن غالياً، إن أناساً يصيحون ويقولون بأعلى أصواتهم: أطفال مساكين لماذا نفرق بينهم في المضاجع؟ طفل عمره عشر سنوات أو تسع سنوات، أو حول هذا السن، لا يفقه لا يعرف القضايا الجنسية لا يعرف الأمور الجنسية لا يعرف معاني التذكير أو التأنيث لا يعرف الذكورة أو الأنوثة! لماذا نسيء بهم الظن؟ تأمرونا أن نفرق بنيهم؟! نعم؛ لأن الذي خلق هو الذي أدرى، والذي خلق هو الذي شرع: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فرقوا بينهم في المضاجع وإلا فإن العاقبة ما وقع لكثيرٍ من الذين أهملوا هذه القضية، ولم يلبثوا إلا وقد رأوا نذر الشر والبلاء والفاحشة والعار قد ظهرت على أولادهم وبناتهم، لأنهم استخفوا بأمر النبي ﷺ .

стр. 2091

احتساب كل من الزوجين على الآخر ثم إن مسألة الاحتساب ليست فقط من الآباء للأبناء أو للبنات، بل هي أيضاً مسألة متعلقة من الزوج لزوجته ومن الزوجة لزوجها، فهذا نبينا ﷺ لما كانت عائشة تحدثه، فتكلمت عن صفية ﵂، وصفية هي زوجة من زوجات النبي ﷺ ، فأشارت عائشة ﵂ بيدها إشارة تعرض بـ صفية -تعني أنها قصيرة- فالتفت النبي ﷺ ليأمر زوجته بالمعروف ولينهاها عن المنكر، فقال: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) انظروا -أيها الأحبة- هذا النوع من العناية ومن الاحتساب والأمر والنهي من الزوج لزوجته، من نبينا ﷺ سيد الأولين والآخرين لأم المؤمنين ﵂، فما بالنا نحن اليوم الواحد ربما سمع الغيبة تلو الغيبة، والنميمة تلو النميمة، والقالة تلو القالة من زوجته، تكلمه زوجته عن بني فلان وبنات فلان وآل علان، وآل فلان أبوهم بخيل، وأهل فلان أمهم خراجة ولاجة، وبنات فلان فيهن كذا وكذا وأبناء فلان فيهم من الصفات والصفات، غيبة تتلوها غيبة، نميمة تتلوها نميمة، ثم لا تجد الأب ينكر ذلك، ولو أن الواحد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لقال لزوجته بكل حبٍ وإشفاقٍ وحنان: يا هذه! إنك غنية عن أن تهدي ثواب أعمالك وأن تهدي حسناتك لأهل فلان وبني علان، احفظي أعمالك لا تعطي الناس ثواب عملك، وحسناتٍ تتعبين الليل والنهار في جمعها. الواقع اليوم أن كثيراً من الأزواج يتحدثون في أناسٍ والزوجة تسمع وتتلذذ لذلك، ولو كانت ممن تعتني بالأمر والنهي لقالت: يا زوجي الحبيب! يا زوجي العزيز! ألا تظن أن في هذا الكلام غيبة؟ أتظن أن هذا يجوز؟ ألا تظن أن هؤلاء سيأخذون ثواب عملك؟ ألا تظن أن هؤلاء الذين نتكلم فيهم، حتى ولو أشركت نفسها معه بصيغة الخطاب حتى لا تجعله في زاوية المهاجم لتقول: ألا ترى أن هؤلاء الذين نتكلم فيهم أليسوا يأخذون من أعمالنا؟ أليسوا يأخذون ثواب صلاتنا وصيامنا؟ أليسوا يقتصون منا إذا استطلنا بألسنتنا في أعراضهم يقتصون منا من حسناتٍ نجنيها؟ فحينئذٍ يذكر كل واحدٍ منهم الآخر، وذلك أمرٌ لا بد منه. إن الحاجة ماسة إلى الأمر والنهي في الأسرة ليست في مرحلة معينة، بل منذ ولادة الطفل، والحاجة إلى التربية وإلى الأمر والنهي؛ لتحقيق العبودية وبناء الشخصية لمراحل مبكرة أمرٌ لابد منه، ولذلك لم يكن خطاب النبي ﷺ للأمة مختصراً على الكبار، بل أمر الصغار ونهاهم، فهذا هو الصحابي الصغير كان غلاماً يجلس على مائدة النبي ﷺ يقول: (كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة -أي: يأكل تارة هنا، وتارة من وسط الصحفة، وتارة من طرف الإناء- فيأمره ﷺ ويؤدبه وينهاه، ويقول له: يا غلام! سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك) ولك أن تنظر إلى هذا المشهد الجميل يوم قدم أحد أبناء فاطمة أحد أبناء النبي ﷺ وهو الحسن أو الحسين أخذ يأكل تمراً من تمر الصدقة فقال ﷺ : (كخٍ كخٍ) يعني: أخرجها لا تأكلها دعها، مشيراً إلى أن آل البيت لا يحل لهم أن يأكلوا الصدقات أو الزكاة، ما أجمل هذه المعاني! وما أجمل هذه الصور التي تمتلئ بالأمر والنهي!

стр. 2092

صور مشرقة في احتساب النساء ولنا أن نسرد عليكم طائفة من الأخبار الجميلة والصور المشرقة التي فيها احتساب النساء أيضاً على أقاربهن وذويهن.

стр. 2093

امرأة أبي رافع تحتسب على زوجها فهذه امرأة تنكر على زوجها أمراً أحدثه، أبو رافع الصحابي الجليل كان يصلي، وفي أثناء صلاته أحدث فاستمر في صلاته، فأمرته زوجته سلمى ﵂ أن يتوضأ، حيث روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، قالت: (أتت امرأة أبي رافع رسول الله ﷺ تستأذنه على أبي رافع قد ضربها، قالت: قال رسول الله ﷺ لـ أبي رافع: ما لك ولها يا أبا رافع؟ قال: تؤذيني يا رسول الله! فقال ﷺ : بم آذيته يا سلمى؟ قالت: ما آذيته بشيء، لكنه أحدث وهو يصلي، فقلت له: يا أبا رافع! إن رسول الله ﷺ قد أمر المسلمين إذا أخرج أحدهم الريح أن يتوضأ، فقام فضربني، فجعل رسول الله ﷺ يضحك ويقول: يا أبا رافع! إنها لم تأمرك إلا بخير) رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني في الكبير، فهذه امرأة تحتسب على زوجها، تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر.

стр. 2094

امرأة حبيب العجمي تحتسب على زوجها وقد ذكر الإمام ابن الجوزي أن عمرة امرأة حبيب العجمي انتبهت ليلة وهو نائم فنبهته في السحر وقالت له: قم يا رجل! قد ذهب الليل وجاء النهار، وبين يديك طريقٌ وزادٌ قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قبلنا، ونحن قد بقينا. تشير إلى دعوته وأمره بالمعروف، وهو قيام الليل عملاً بحديث النبي ﷺ : (رحم الله امرأة دعت زوجها إلى الصلاة من جوف الليل، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) وروى الأئمة أحمد، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة، والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء).

стр. 2095

احتساب عائشة على مولاتها ولقد روى الإمام البيهقي عن منبوذ بن أبي سليمان عن أمه، أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ فدخلت عليها مولاةٌ لها، فقالت: يا أم المؤمنين! طفت بالبيت سبعاً، واستلمت الركن مرتين أو ثلاثاً، فقالت لها عائشة ﵂: [لا آجرك الله! لا آجرك الله! تدافعين الرجال! ألا كبرت ومررت؟!] تشير إلى الإنكار عليها يوم أن زاحمت الرجال لأجل استلام الركن.

стр. 2096

احتساب أم سلمة على جاريتها وروى الحافظ ابن عبد البر عن أم الحسين أنها كانت عند أم سلمة ﵂، فجاء إلى البيت فقراء، فجعلوا يلحون ويستجدون في المسألة، وفيهم نساء قالت: فقلت: اخرجن، فقالت أم سلمة ﵂: ما بهذا أمرنا يا جارية! ردي كل واحدة ولو بتمرة تضعينها في يدها، أيضاً هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار الأسرة.

стр. 2097

احتساب عائشة على يزيد بن الأصم وروى الإمام الحاكم عن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة ﵂ أنه قال: [تلقيت عائشة ﵂ وهي مقبلة من مكة وأنا وابنٌ لـ طلحة بن عبيد الله -وهو ابن أختها- وقد كنا وقعنا في حائطٍ من حيطان المدينة فأصبنا منه فبلغها ذلك، فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله، وأقبلت عليَّ فوعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت أهل نبيه، ذهبت والله ميمونة، ورمي برسنك على غاربك -أي خُلي سبيلك- فليس لك أحدٌ يمنعك عما تريد، أما إنها -تعني ميمونة - كانت من أتقانا لله ، وأوصلنا للرحم، تنكر عليه أنه عبث بهذا الحائط].

стр. 2098

احتساب عائشة على ابنة أخيها وروى الإمام ابن سعد عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه قالت: [رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ وعليها خمار رقيقٌ يشف عن جيبها، فشقته عائشة ﵂ -لما رأت عليها هذا، وهو شفاف، يشف عن جسمها- قالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور، تشير إلى قول الله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ثم دعت بخمارٍ فكستها].

стр. 2099

احتساب أم سلمة على الذي لبس خاتماً من ذهب وروى الإمام ابن أبي شيبة عن عمر بن سعيد بن حسين، قال: أخبرتني أمي عن أبي، قال: [دخلت على أم سلمة ﵂ وأنا غلامٌ وعلي خاتمٌ من ذهب، فقالت: يا جارية! ناولنيه، فناولتها إياه، فقالت: اذهبي به إلى أهلك واصنعي خاتماً من ورق -يعني: من فضة- فقلت: لا حاجة لأهلي فيه، قالت: فتصدقي به واصنعي خاتماً من ورق]. فهذا إنكارٌ من أم سلمة ﵂ على هذا الذي ألبس خاتماً من الذهب.

стр. 2100

احتساب عائشة على عروة بن الزبير وروى الإمام مسلم عن هشام عن أبيه عروة بن الزبير [أن حسان بن ثابت ﵁ كان ممن تكلم في عائشة ﵂ يوم شأن الإفك قال: فسببته، فقالت: يا ابن أختي! دعه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ ] أي: يدافع ويناضل.

стр. 2101

كلكم راعٍ وكلم مسئول عن رعيته الأحداث والقصص والوقائع كثيرة، في إنكار الرجال على أفراد أسرهم، وفي إنكار النساء على أفراد الأسرة، ولو ذهبنا نستعرض لضاق بنا الوقت عن ذكر ذلك كله، ولكن لعل فيما مضى كفاية بإذن الله ، وشاهده أن المؤمنين ما كانوا يحصرون الأمر بالمعروف، وأن السلف الصالح والرعيل الأول ما كانوا يحصرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأسواق أو في المنتديات أو في الشوارع أو في الأماكن العامة، بل كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر حتى داخل بيوتهم وبين أفراد أسرهم، وذلك واجبٌ ومسئولية يمليها قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] ولقد قال ﷺ فيما رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالإمام- الأعظم الذي على الناس- راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئولٌ عن رعيته، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته).

стр. 2102

مفاهيم في الاحتساب يجب أن تصحح

стр. 2103

دعوة الأولاد للوالدين وهنا مسألة مهمة -أيها الأحبة- وهي: دعوة الأولاد للوالدين، ينبغي أن نعرف أن وقوع الوالدين أو أحدهما في المنكر لا يسقط حقهما في البر والاحترام، وغاية ما يفقدانه عند ارتكاب الإثم أو الدعوة إليه ألا يطاعا فيما دعوا إليه من المعصية، بل وتبقى حقوقهم ثابتة لا يهزها شيء، ألم يقل الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] لأن شأن الوالد والوالدة عظيمٌ جداً جداً، فإن هذا الحق العظيم وتلك المكانة والمنزلة التي أنزلها الله الوالدة، وأوجب فيها الطاعة على الأولاد لوالديهم لا يهزها أن يكون الوالد أو الوالدة قد ارتكبا معصية ما لم يأمرا بمعصية أو يدعوا إلى شركٍ وكفر، فحينئذٍ لا يطاعا فيما دعوا إليه، وإنما يؤمرا ويدعيا إلى الله باللين والحكمة والمعروف، وينبغي لمن يدعو والديه، أو يدعو أحدهما إلى معروفٍ يفعلانه أو لمنكرٍ يتركانه ألا يصدع قاعدة البر والحب والإجلال والاحترام، بل ربما دعا الأمر والحال هذه إلى بذل مزيدٍ من البر والرفق والعناية حفاظاً على منزلتهما، وتودداً وتقرباً وإشفاقاً بهما حتى يقلعا عن الذنب الذي به يستوجبان سخط الله وعذابه، وإنك لتعجب من بعض الأبناء حينما ينكر أحدهم على والده -مثلاً- شاب يرى والده يدخن، فيظن هذا الشاب الملتزم الصغير الناشئ مع أحبابه، المتحمس للدعوة المحب للخير، الذي قد أشرق الإيمان في وجهه، يظن أن إغلاظه وشدته ورفعه يده ورفعه صوته أمام والده أن ذلك مما يقربه، أو مما تبرأ به ذمته في الأمر والنهي، وذلك في غاية الغلط، بل إن الأب إذا ارتكب إثماً لا بد أن يتودد إليه في الأمر والنهي، وأن يتلطف به، وألا تسقط حقوقه، فمن حقه أن يُطاع، لو أن أباً من الآباء عنده منكر من المنكرات، ثم قال لولده: اذهب بإخوانك إلى السوق، اذهب بأمك إلى المستشفى، اشتر الحاجة الفلانية، ما ينبغي له أن يقول: أنت مدخن، فأنا لا أطيعك، أو: لا تستحق الطاعة لأنك عصيت الله ورسوله، لا، وليس من حقه، بل لا يجوز أن يعصيه، لابد أن يطيعه، وهذا واجبه، ولو عصاه لعد ذلك من العقوق الذي يأثم به ذلك الشاب الناشئ المستقيم الملتزم الصالح، ولو كان أبوه عاصياً لله ؛ لأن حق الوالد حال معصيته أن يُدعى إلى طاعة الله، لا أن يعصى فيما أوجب الله، حقه أن يدعى إلى طاعة الله إلى مرضاة الله إلى الاستقامة على مرضاة الله، إلى الاستقامة على شرع الله، لا إلى أن يعصى فيما أوجب الله من حقه وطاعته، وكذلك الأم إذا كان عليها من الملاحظات ما يدعو إلى الإنكار عليها، فإن ذلك لا يعني إسقاط حقها أو عدم العناية أو الالتفاف أو الاكتراث بأمرها، وإن الواجب أن تطاع فيما أمرت به في طاعة الله، ولا تطاع في معصية الله، وتكرم ويتقرب إليها أكثر، لعل الله أن يجعل في مزيد البر والصلة والرقة واللطف والمحبة والعناية سبباً في إقلاعها عن الذنب وإقلاعها عن المعصية. بالأمس القريب سمعت من أحد الأفاضل غاية سخطه، وغاية انزعاجه من أبيه الذي بلغ من العمر سبعين عاماً، وما ذاك إلا أن والده في هذا السن قد تزوج مرتين أو أكثر من ذلك وهو منكرٌ على والده أنه يتزوج، فقلت: يا سبحان الله! أتنكر على أبيك شيئاً أنت احتجت إليه بعد حين؟! أتنكر على أبيك أنه تزوج على أمك؟! نحن لا نقول لك: اضرب الدف على رأس أمك فرحاً بدخول ضرةٍ عليها، وإن كانت قد بلغت من الكبر عتياً، ولا نقول لك: ينبغي أن تتشمت على أمك لدخول ضرة عليها، ولكن لا يعني ذلك أن تسخط على أبيك، ولا يعني أن تهجره، ولا يعني ذلك أن تقصر في حقه، بل إن أباك لو أمرك أن تذهب بزوجته -وهي ضرة أمك- أن تذهب بها في سوقٍ أو مستشفى أو أمرٍ أو حاجة لقضائها؛ فإنه يتعين عليك أن تطيع أباك وألا تعق أمك، مع غاية المراعاة والعناية لمشاعر أمك. إننا لنسمع العجب العجاب من بعض البنات يوم أن ترى مجموعة منهن أو بعضهن يرتكبن العقوق المتعمد مع سبق الإصرار والترصد ضد أبيهن؛ لأن أباهن قد تزوج على أمهن زوجة أخرى، ويا سبحان الله! ألأنه قد فعل شيئاً مما شرعه الله وقرر أمراً قد أذن الله به : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]؟! ألأنه تزوج الثانية أو الثالثة يجوز للبنات أن يهجرن أباهن؟! يجوز لهن ألا يسلمن عليه؟! هل يجوز لهن ألا يتبسمن في وجهه، وأن يقابلن الابتسامة بالاكفهرار، وأن يقابلن البشاشة بتقطيب الجبين، أو يقابلن الرقة واللطف واللين في الكلمة والعبارة والجملة بالصوت الأرعن، وهو العبارة الفضة الغليظة؟ لا. هذا لا يجوز، فهذا عجبٌ عجابٌ في كلا الطرفين، بعضهم ينكر على أبيه إذا فعل شيئاً مباحاً، وتجده يعقه ولا يحترم أمره ونهيه، وبعضهم يظن أن فعل والده للمعصية موجبٌ أو مؤذنٌ بإسقاط جميع حقوقه، ومن تأمل قول الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] إذا أمرا بالشرك، إذا أمرا بمعصية الله فلا تطعهما، ولكن يبقى الجانب الآخر: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] والمصاحبة بالمعروف تعني: طاعتهم، تعني: خدمتهم، تعني: الرعاية، تعني: الدعوة، تعني: الاهتمام والرفق واللطف واللين والمحبة. إني لأعجب من شابٍ اتصلت أخته إلي وقالت: إن فلان بن فلان الذي تعرفه وهو ممن عليه سيماء الصلاح، يرفع صوته على أبيه، ويهز يده أمامه، ولا يكترث لأمره، ولا يلقي له بالاً أبداً، فقلت: ولم يا أمة الله؟ فإني لا أعرف عن فلان إلا كل خير. قالت: لأن والدنا مسرفٌ شرهٌ في التدخين على ما هو عليه من صلاحٍ، بعض الناس مبتلى والعياذ بالله، قد تجده محافظاً على الصلوات وصاحب صدقات وأعمال خيرة، لكنه ابتلي بمعصية من المعاصي، هذا الأب قد ابتلي بشرب التدخين، فما كان من ولده إلا أن أغلظ عليه إغلاظاً عظيماً، وأثر في فؤاد الأب، بل وكسر قلبه، وذلك لا يجوز البتة، ولما سألته أبدى شيئاً من الاعتذار ووعد بعدم معاودة ذلك. الشاهد أيها الأحبة: أننا حينما نمارس ونطبق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنزل لا نتصور أننا في صالون ونأمر وننهي، ولا نتصور أننا في سيارة، أو نأمر الإخوان، أو القريبات أو العمات، أو الذي معنا في إطار الأسرة أن نأمرهم من علو، ينبغي أن نجعل مع الحسبة دعوة، وكلكم يعرف أساليب الدعوة وأهمها: العلم والحكمة والبصيرة، والرفق واللين والشفقة على المدعو، الحرص على المدعو ألا يفلت من يدك، ينبغي أن يتلطف الكبار في دعوة الصغار بالرفق واللين؛ لأنه أدعى إلى القبول وعدم النفرة خاصة إذا كان الولد في مرحلة المراهقة، وهذه قضية أخرى.

стр. 2104

دعوة الآباء للأبناء الأولى: دعوة الأبناء للآباء، وهنا دعوة الآباء للأبناء، ينبغي للآباء وينبغي للأمهات أن يتلطفوا في دعوة الصغار، وأن يكون ذلك بالرفق واللين، وأن يكون ذلك بالترغيب بالجائزة بالمكافئة بالتشجيع بالإغراء بالأمور التي تقربه وتحفزه إلى أن يفعل من الخير الذي تصبو إلى أن يفعله. وكذلك بشيء من الشكر والثناء، والتقدير والإعجاب، وإعلان ذلك بين أفراد الأسرة أن فلاناً تجنب الكذب وبإمكانه أن يكذب، أن فلاناً رد الأمانة وكان بوسعه أن يأخذها ويجحدها، أن فلاناً لم يفعل كذا وكان بوسعه أن يفعل ذلك، هذه من الأمور المهمة والجلية. أيها الأحبة: ربما يتحول الأمر والنهي للأبناء، وخاصة المراهقين، ربما يتحول من الشفقة والخوف عليهم والحرص على سلامتهم إلى التحدي وإثبات الوجود وبيان القوة واستعراض العضلات، وحينئذٍ يبدأ مسلسل المطاردة بين الأب وابنه والأم وبنتها، أو بين الوالدين والأولاد، كيف يأتي ذلك؟ حينما يسمع الأب أن الولد قد ارتكب منكراً من المنكرات، ثم يأتيه بكل ما أوتي من صوتٍ عالٍ، وأغلظ عصا يملكها، وبأقسى عقوبة يملكها، ثم يلوح ويزمجر ويزأر ويصول ويجول على هذا الولد، لأفعلن بك، ولأقطعنك إرباً، ولأجعلنك أسوة، ولأحبسك، يريد الأب في صورة كهذه أن يثبت جدارته، أن يقول: نحن هنا، الأسد في المنزل رب البيت لم يغب إن المسئول عن البيت حاضر، ولا يمكن أن تطوف هذه الألاعيب، ونحو ذلك، ولا يعلم أنه في المقابل يزرع حلبة للمصارعة يدخل هو وولده في جولاتٍ خاسرة تنتهي بهروب الولد من المنزل، تنتهي بكراهية الولد لأبيه، تنتهي إلى عدم الاستجابة، حتى ولو أذعن أمامه، فإذا خلا بنفسه ورأى أن الحسيب أو الرقيب من الوالدين أو ممن يبعثهم الوالدان عيوناً على هذا الولد قد ابتعدوا، حينئذٍ. خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري إنني أحذر من هذا الأسلوب في التربية، أحذر الآباء الذين يظنون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأسرة يعني أن تجرب أغلظ العصي، وأن تجرب أشد أنواع العقوبة، وأن تلوح بأقسى العبارات، وأن تهدد بغليظ القول وفظ الكلام، إن ذلك يحول ولدك إلى ندٍ لك، بالأمس كنت أباً تأمر فيأتمر بأمرك، وتنهى فينتهي عما نهيت عنه، وتدعو فيستجاب لك، وتتكلم فينصت لكلامك، أما إذا بدأت الاحتساب في المنزل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأسرة، إذا بدأت بهذا الأسلوب، فإنك ترفع ولدك من درجة البلوى إلى درجة الند والقرين والمنازلة، وتدخل أنت وإياه في حلبة، ثم كلٌ منكم يقول: من الذي ينتصر؟ وربما انتصرت على ظاهر الحلبة وأمام الجمهور أمام الأم والإخوة والأخوات، ولكن الابن قد جعل الشيطان ينتصر لما خلا به، وجعله يفعل ألواناً من المعاصي والمنكرات، بعضها لا يميل الولد إلى فعلها، ولا يرغب أن يقع فيها، غاية ما هنالك أنه أراد أن ينتقم من أبيه، أراد أن يثبت لوالده الذي هدده ورفع الصوت عليه أنه قادرٌ على أن يفعل كل ما توعده على فعله، ربما جريمة واحدة، فسرد عليه الأب جملة من الجرائم، إن فعلت كذا وإن فعلت كذا وإن فعلت كذا وعد عليه عشر جرائم، ثم قال: لأقطعنك وأذبحنك وأطردنك وأسجننك وأجلدنك وأفعلن بك، والولد مشكلته واحدة، وهذا عد له عشراً، ثم يدخلون جولة أو حلبة المنازلة والمصارعة، ثم ينتقم الولد لرد الاعتبار وهذه الشخصية التي كسرت وحطمها الأب، خاصة إذا كان الأمر والنهي أمام الأقارب أو أمام الجيران، إن بعض الآباء أرعن في أمر ولده ونهيه، فتراه لا يحسن النصيحة والأمر والنهي إلا أمام الناس، بل ربما الولد يحتاج أن تأمره وتنهاه على خلوة حتى وإن كانت المشكلة على إطار البيت، حتى لو لم يكن في البيت إلا الأب والأم والإخوة والأخوات، وبلغوك قالوا: إن فلاناً فعل كذا، خذ فلاناً على انفراد ولا يلزم أن يكون من أول يوم أو ثاني يوم، خذه في الوقت الذي تراه قد هدأ وسكن واطمأن، ثم تنفرد به، يا بني! بلغني أنك فعلت كذا، وأنت تعلم حبي لك، وتعلم شفقتي عليك، وتعلم أنني ما أسهر الليل إلا لأجلك، وما أكدح في النهار إلا لأجلك، وتعلم شفقتي بك واعتزازي وفخري بصلاحك واستقامتك، وخوفي عليك من قرناء السوء، يا بني! هل فعلت ذلك؟ يقول لك: نعم، فعلت ذلك، فتقول: يا بني! إني أخشى عليك، وتعلم أن هذا أمرٌ قد حرمه الله، وقال الله فيه كذا وتعلم أن هذا قد حرمه رسول الله ﷺ ، وقد قال فيه النبي ﷺ كذا وكذا وتعلم يا بني أن مغبة هذا الأمر خطيرة، وأن عاقبته وخيمة، وأن الأمر ربما وصل إلى كذا وكذا وتكون العاقبة والحال، ثم بعد هذه النصيحة الرقيقة اللطيفة خذ ولدك هذا واحتضنه وقبله على خديه، وقبله على جبينه، واجعل رقبتك على كتفيه شيئاً ما، واسأل الله وأنت تحضنه، واجعله يسمع هذا الدعاء: اللهم لا تخزني فيه، اللهم لا ترني فيه يوماً أسوداً، اللهم لا تفرح عليه حاسداً، اللهم لا تشمت به عدواً. اجعله يسمع هذه الدعوات التي هي جزءٌ من النصيحة، أتظن أن ولدك بعد ذلك يجرؤ على أن يخالف أمرك؟ لا والله، لكن كيف يجرؤ على المخالفة إذا قلت: يا أنا يا أنت في البيت، يا رأسي يا رأسك، لا نجوتُ إن نجوتَ، لا يصلح هذا الأسلوب! أو تقول لأمه: أخبريه أن الليلة هي الفاصلة هي القاضية هي المهلكة، بعض الأبناء يهرب ويسعى في الشوارع ضائعاً تائهاً هائماً على وجهه، ثم يأتيه بعض قرناء السوء ويأخذونه ويسكنونه يوماً أو يومين، وربما تفاقم الأمر وكانت المسألة إنكار معصية صغيرة، ثم أوقعوه في فواحش، ثم أوقعوه في كبائر، ثم جعلوه ربما مطية يروج، ويبيع ويشتري، ويوزع ويقسم، ويناول مخدرات ومحرمات ومصائب كبيرة. ونحن -أيها الأحبة- في مجتمعٍ نتصارع مع عناصر شتى في تربية الأولاد، من منّا يقول: أنا الذي أنال نصيب الأسد مع أولادي؟ المدرسة لها نصيب، والمنزل له نصيب، وربما الجيران والأقران في الشارع لهم نصيب، وكلٌ له نصيب، وبعض البيوت لا تجد للآباء فيها نصيباً، النصيب لفئتين: للقنوات الفضائية، وللمدرسة والخادمة ذات النصيب الباقي، والأب لا يعرف شيئاً من ذلك. أيها الأحبة في الله! ختاماً أؤكد هذه المسألة وهي أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان المنكر من الوالدين، فلا بد أن نعالجه بمزيدٍ من الطاعة، في طاعة الله، ومزيد من الحب والهدية، والعناية والرفق واللين، والكرامة والتودد، وإننا مهما تكلمنا عن البر وفضله وثوابه وعظمة وجزائه عند الله ؛ إلا أن كثيراً منا لا يحسنون كيف يتقربون إلى آبائهم وأمهاتهم، هل فينا -يا عباد الله- من رأى والده ذات يومٍ قد مد رجله، فأقبل فقبل رجل والده؟ هل فينا من رأى ذات يومٍ والدته قد مدت رجلها، فنزل وخر وقبل رجل والدته؟ هل فينا من يتعود أن يقدم حذاء والديه إذا أراد أن يخرج أو يدخل؟ نعم. فينا وقليلٌ ما. إذا جلست على طعام هل تقدم أطيب ما فيه لوالديك؟ إذا وجدت نفسك تشتهي هذه القطعة، ثم امتدت يدك إليها تقول: مادامت لذيذة في نفسي وفي خاطري فإنها في فم والدي أو والدتي ألذ؟ هل تتلطف في أن تقدم طيب الطعام لهم؟ هل تهيئ الطعام إذا كنت على فاكهة، أخذت تقطع من هذه الفاكهة وتلينها وتجعلها قطعاً صغيرة ورقيقة حتى يأكلها متلذذاً بها، أو أن الواحد يقعد كأنه طاحونة بر، وعنده شاي، ومركب له طقم ضروس، ما يحسن الأكل، ثم يقوم قبل والده؟ هذا ليس صحيحاً، هناك مسائل نحتاج أن نتفنن في التودد للوالدين، أن تجد على الوالد ثوباً خشناً ثم تأتي فوراً بثوبٍ ناعمٍ رقيقٍ طيب تقول: يا أبت! هذا ألذ هذا ألطف، إن الذي يقدم البر لوالديه، بإذن الله إذا أمرهم بأمرٍ ائتمروا، فيه خير، وإذا نهاهم عن منكر انتهوا؛ لما يرونه من أن التزامه قد دعاه إلى البر والعناية والرعاية، أما هذا الذي لا يعرفهم إلا افعلوا ولا تفعلوا، فإذا جاء البر ما عرفوا منه شيئاً، فقولوا لي بالله وأسألكم بالله، كيف يأتمران بأمره، وينتهيان عن نهيه؟! هذه مسألة مهمة جداً.

стр. 2105

عدم نشر صفات الوالدين بين الأقارب وهنا مسألة أخرى أيضاً: إن بعض الأبناء إذا رأوا على والدهم شيئاً، أو بعض البنات إذا رأين على أمهن شيئاً سرعان ما يقولون هذا للأقارب، ويظنون أن ذلك ليس بغيبة في حق الأب، ويتكلمون فيه: أبونا بخيل، أبونا أرعن أبونا قاس أبونا فيه كذا والدنا فيه كذا والدنا فيه كذا، وهذا لا يجوز، إلا في مقامٍ ضيقٍ تضيق الحيلة فيه مع الأولاد، فيضطران للكلام طلباً لعلاج المشكلة التي يعيشونها مع الأب والأم، وما سوى ذلك فلا يجوز. إنك لتعجب من أناسٍ يهون على أحدهم أن يشرح عرض والده أو والدته مما يلقى من المعاملة معهم، ولو فتشنا في الأمر لوجدنا أن شيئاً كبيراً من المسئولية وحملاً ليس بالقليل منها يتحمله؛ لسبب انصرافه عنهما وعدم العناية بهما والرعاية لهما، فذلك أمرٌ مهم.
следующие страницы →