Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
كلكم راعٍ وكلم مسئول عن رعيته
الأحداث والقصص والوقائع كثيرة، في إنكار الرجال على أفراد أسرهم، وفي إنكار النساء على أفراد الأسرة، ولو ذهبنا نستعرض لضاق بنا الوقت عن ذكر ذلك كله، ولكن لعل فيما مضى كفاية بإذن الله ، وشاهده أن المؤمنين ما كانوا يحصرون الأمر بالمعروف، وأن السلف الصالح والرعيل الأول ما كانوا يحصرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأسواق أو في المنتديات أو في الشوارع أو في الأماكن العامة، بل كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر حتى داخل بيوتهم وبين أفراد أسرهم، وذلك واجبٌ ومسئولية يمليها قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] ولقد قال ﷺ فيما رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالإمام- الأعظم الذي على الناس- راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئولٌ عن رعيته، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته).
стр. 2102
مفاهيم في الاحتساب يجب أن تصحح
стр. 2103
دعوة الأولاد للوالدين
وهنا مسألة مهمة -أيها الأحبة- وهي: دعوة الأولاد للوالدين، ينبغي أن نعرف أن وقوع الوالدين أو أحدهما في المنكر لا يسقط حقهما في البر والاحترام، وغاية ما يفقدانه عند ارتكاب الإثم أو الدعوة إليه ألا يطاعا فيما دعوا إليه من المعصية، بل وتبقى حقوقهم ثابتة لا يهزها شيء، ألم يقل الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] لأن شأن الوالد والوالدة عظيمٌ جداً جداً، فإن هذا الحق العظيم وتلك المكانة والمنزلة التي أنزلها الله الوالدة، وأوجب فيها الطاعة على الأولاد لوالديهم لا يهزها أن يكون الوالد أو الوالدة قد ارتكبا معصية ما لم يأمرا بمعصية أو يدعوا إلى شركٍ وكفر، فحينئذٍ لا يطاعا فيما دعوا إليه، وإنما يؤمرا ويدعيا إلى الله باللين والحكمة والمعروف، وينبغي لمن يدعو والديه، أو يدعو أحدهما إلى معروفٍ يفعلانه أو لمنكرٍ يتركانه ألا يصدع قاعدة البر والحب والإجلال والاحترام، بل ربما دعا الأمر والحال هذه إلى بذل مزيدٍ من البر والرفق والعناية حفاظاً على منزلتهما، وتودداً وتقرباً وإشفاقاً بهما حتى يقلعا عن الذنب الذي به يستوجبان سخط الله وعذابه، وإنك لتعجب من بعض الأبناء حينما ينكر أحدهم على والده -مثلاً- شاب يرى والده يدخن، فيظن هذا الشاب الملتزم الصغير الناشئ مع أحبابه، المتحمس للدعوة المحب للخير، الذي قد أشرق الإيمان في وجهه، يظن أن إغلاظه وشدته ورفعه يده ورفعه صوته أمام والده أن ذلك مما يقربه، أو مما تبرأ به ذمته في الأمر والنهي، وذلك في غاية الغلط، بل إن الأب إذا ارتكب إثماً لا بد أن يتودد إليه في الأمر والنهي، وأن يتلطف به، وألا تسقط حقوقه، فمن حقه أن يُطاع، لو أن أباً من الآباء عنده منكر من المنكرات، ثم قال لولده: اذهب بإخوانك إلى السوق، اذهب بأمك إلى المستشفى، اشتر الحاجة الفلانية، ما ينبغي له أن يقول: أنت مدخن، فأنا لا أطيعك، أو: لا تستحق الطاعة لأنك عصيت الله ورسوله، لا، وليس من حقه، بل لا يجوز أن يعصيه، لابد أن يطيعه، وهذا واجبه، ولو عصاه لعد ذلك من العقوق الذي يأثم به ذلك الشاب الناشئ المستقيم الملتزم الصالح، ولو كان أبوه عاصياً لله ؛ لأن حق الوالد حال معصيته أن يُدعى إلى طاعة الله، لا أن يعصى فيما أوجب الله، حقه أن يدعى إلى طاعة الله إلى مرضاة الله إلى الاستقامة على مرضاة الله، إلى الاستقامة على شرع الله، لا إلى أن يعصى فيما أوجب الله من حقه وطاعته، وكذلك الأم إذا كان عليها من الملاحظات ما يدعو إلى الإنكار عليها، فإن ذلك لا يعني إسقاط حقها أو عدم العناية أو الالتفاف أو الاكتراث بأمرها، وإن الواجب أن تطاع فيما أمرت به في طاعة الله، ولا تطاع في معصية الله، وتكرم ويتقرب إليها أكثر، لعل الله أن يجعل في مزيد البر والصلة والرقة واللطف والمحبة والعناية سبباً في إقلاعها عن الذنب وإقلاعها عن المعصية.
بالأمس القريب سمعت من أحد الأفاضل غاية سخطه، وغاية انزعاجه من أبيه الذي بلغ من العمر سبعين عاماً، وما ذاك إلا أن والده في هذا السن قد تزوج مرتين أو أكثر من ذلك وهو منكرٌ على والده أنه يتزوج، فقلت: يا سبحان الله! أتنكر على أبيك شيئاً أنت احتجت إليه بعد حين؟! أتنكر على أبيك أنه تزوج على أمك؟! نحن لا نقول لك: اضرب الدف على رأس أمك فرحاً بدخول ضرةٍ عليها، وإن كانت قد بلغت من الكبر عتياً، ولا نقول لك: ينبغي أن تتشمت على أمك لدخول ضرة عليها، ولكن لا يعني ذلك أن تسخط على أبيك، ولا يعني أن تهجره، ولا يعني ذلك أن تقصر في حقه، بل إن أباك لو أمرك أن تذهب بزوجته -وهي ضرة أمك- أن تذهب بها في سوقٍ أو مستشفى أو أمرٍ أو حاجة لقضائها؛ فإنه يتعين عليك أن تطيع أباك وألا تعق أمك، مع غاية المراعاة والعناية لمشاعر أمك.
إننا لنسمع العجب العجاب من بعض البنات يوم أن ترى مجموعة منهن أو بعضهن يرتكبن العقوق المتعمد مع سبق الإصرار والترصد ضد أبيهن؛ لأن أباهن قد تزوج على أمهن زوجة أخرى، ويا سبحان الله! ألأنه قد فعل شيئاً مما شرعه الله وقرر أمراً قد أذن الله به : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]؟! ألأنه تزوج الثانية أو الثالثة يجوز للبنات أن يهجرن أباهن؟! يجوز لهن ألا يسلمن عليه؟! هل يجوز لهن ألا يتبسمن في وجهه، وأن يقابلن الابتسامة بالاكفهرار، وأن يقابلن البشاشة بتقطيب الجبين، أو يقابلن الرقة واللطف واللين في الكلمة والعبارة والجملة بالصوت الأرعن، وهو العبارة الفضة الغليظة؟ لا.
هذا لا يجوز، فهذا عجبٌ عجابٌ في كلا الطرفين، بعضهم ينكر على أبيه إذا فعل شيئاً مباحاً، وتجده يعقه ولا يحترم أمره ونهيه، وبعضهم يظن أن فعل والده للمعصية موجبٌ أو مؤذنٌ بإسقاط جميع حقوقه، ومن تأمل قول الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] إذا أمرا بالشرك، إذا أمرا بمعصية الله فلا تطعهما، ولكن يبقى الجانب الآخر: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] والمصاحبة بالمعروف تعني: طاعتهم، تعني: خدمتهم، تعني: الرعاية، تعني: الدعوة، تعني: الاهتمام والرفق واللطف واللين والمحبة.
إني لأعجب من شابٍ اتصلت أخته إلي وقالت: إن فلان بن فلان الذي تعرفه وهو ممن عليه سيماء الصلاح، يرفع صوته على أبيه، ويهز يده أمامه، ولا يكترث لأمره، ولا يلقي له بالاً أبداً، فقلت: ولم يا أمة الله؟ فإني لا أعرف عن فلان إلا كل خير.
قالت: لأن والدنا مسرفٌ شرهٌ في التدخين على ما هو عليه من صلاحٍ، بعض الناس مبتلى والعياذ بالله، قد تجده محافظاً على الصلوات وصاحب صدقات وأعمال خيرة، لكنه ابتلي بمعصية من المعاصي، هذا الأب قد ابتلي بشرب التدخين، فما كان من ولده إلا أن أغلظ عليه إغلاظاً عظيماً، وأثر في فؤاد الأب، بل وكسر قلبه، وذلك لا يجوز البتة، ولما سألته أبدى شيئاً من الاعتذار ووعد بعدم معاودة ذلك.
الشاهد أيها الأحبة: أننا حينما نمارس ونطبق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنزل لا نتصور أننا في صالون ونأمر وننهي، ولا نتصور أننا في سيارة، أو نأمر الإخوان، أو القريبات أو العمات، أو الذي معنا في إطار الأسرة أن نأمرهم من علو، ينبغي أن نجعل مع الحسبة دعوة، وكلكم يعرف أساليب الدعوة وأهمها: العلم والحكمة والبصيرة، والرفق واللين والشفقة على المدعو، الحرص على المدعو ألا يفلت من يدك، ينبغي أن يتلطف الكبار في دعوة الصغار بالرفق واللين؛ لأنه أدعى إلى القبول وعدم النفرة خاصة إذا كان الولد في مرحلة المراهقة، وهذه قضية أخرى.
стр. 2104
دعوة الآباء للأبناء
الأولى: دعوة الأبناء للآباء، وهنا دعوة الآباء للأبناء، ينبغي للآباء وينبغي للأمهات أن يتلطفوا في دعوة الصغار، وأن يكون ذلك بالرفق واللين، وأن يكون ذلك بالترغيب بالجائزة بالمكافئة بالتشجيع بالإغراء بالأمور التي تقربه وتحفزه إلى أن يفعل من الخير الذي تصبو إلى أن يفعله.
وكذلك بشيء من الشكر والثناء، والتقدير والإعجاب، وإعلان ذلك بين أفراد الأسرة أن فلاناً تجنب الكذب وبإمكانه أن يكذب، أن فلاناً رد الأمانة وكان بوسعه أن يأخذها ويجحدها، أن فلاناً لم يفعل كذا وكان بوسعه أن يفعل ذلك، هذه من الأمور المهمة والجلية.
أيها الأحبة: ربما يتحول الأمر والنهي للأبناء، وخاصة المراهقين، ربما يتحول من الشفقة والخوف عليهم والحرص على سلامتهم إلى التحدي وإثبات الوجود وبيان القوة واستعراض العضلات، وحينئذٍ يبدأ مسلسل المطاردة بين الأب وابنه والأم وبنتها، أو بين الوالدين والأولاد، كيف يأتي ذلك؟ حينما يسمع الأب أن الولد قد ارتكب منكراً من المنكرات، ثم يأتيه بكل ما أوتي من صوتٍ عالٍ، وأغلظ عصا يملكها، وبأقسى عقوبة يملكها، ثم يلوح ويزمجر ويزأر ويصول ويجول على هذا الولد، لأفعلن بك، ولأقطعنك إرباً، ولأجعلنك أسوة، ولأحبسك، يريد الأب في صورة كهذه أن يثبت جدارته، أن يقول: نحن هنا، الأسد في المنزل رب البيت لم يغب إن المسئول عن البيت حاضر، ولا يمكن أن تطوف هذه الألاعيب، ونحو ذلك، ولا يعلم أنه في المقابل يزرع حلبة للمصارعة يدخل هو وولده في جولاتٍ خاسرة تنتهي بهروب الولد من المنزل، تنتهي بكراهية الولد لأبيه، تنتهي إلى عدم الاستجابة، حتى ولو أذعن أمامه، فإذا خلا بنفسه ورأى أن الحسيب أو الرقيب من الوالدين أو ممن يبعثهم الوالدان عيوناً على هذا الولد قد ابتعدوا، حينئذٍ.
خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري
إنني أحذر من هذا الأسلوب في التربية، أحذر الآباء الذين يظنون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأسرة يعني أن تجرب أغلظ العصي، وأن تجرب أشد أنواع العقوبة، وأن تلوح بأقسى العبارات، وأن تهدد بغليظ القول وفظ الكلام، إن ذلك يحول ولدك إلى ندٍ لك، بالأمس كنت أباً تأمر فيأتمر بأمرك، وتنهى فينتهي عما نهيت عنه، وتدعو فيستجاب لك، وتتكلم فينصت لكلامك، أما إذا بدأت الاحتساب في المنزل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأسرة، إذا بدأت بهذا الأسلوب، فإنك ترفع ولدك من درجة البلوى إلى درجة الند والقرين والمنازلة، وتدخل أنت وإياه في حلبة، ثم كلٌ منكم يقول: من الذي ينتصر؟ وربما انتصرت على ظاهر الحلبة وأمام الجمهور أمام الأم والإخوة والأخوات، ولكن الابن قد جعل الشيطان ينتصر لما خلا به، وجعله يفعل ألواناً من المعاصي والمنكرات، بعضها لا يميل الولد إلى فعلها، ولا يرغب أن يقع فيها، غاية ما هنالك أنه أراد أن ينتقم من أبيه، أراد أن يثبت لوالده الذي هدده ورفع الصوت عليه أنه قادرٌ على أن يفعل كل ما توعده على فعله، ربما جريمة واحدة، فسرد عليه الأب جملة من الجرائم، إن فعلت كذا وإن فعلت كذا وإن فعلت كذا وعد عليه عشر جرائم، ثم قال: لأقطعنك وأذبحنك وأطردنك وأسجننك وأجلدنك وأفعلن بك، والولد مشكلته واحدة، وهذا عد له عشراً، ثم يدخلون جولة أو حلبة المنازلة والمصارعة، ثم ينتقم الولد لرد الاعتبار وهذه الشخصية التي كسرت وحطمها الأب، خاصة إذا كان الأمر والنهي أمام الأقارب أو أمام الجيران، إن بعض الآباء أرعن في أمر ولده ونهيه، فتراه لا يحسن النصيحة والأمر والنهي إلا أمام الناس، بل ربما الولد يحتاج أن تأمره وتنهاه على خلوة حتى وإن كانت المشكلة على إطار البيت، حتى لو لم يكن في البيت إلا الأب والأم والإخوة والأخوات، وبلغوك قالوا: إن فلاناً فعل كذا، خذ فلاناً على انفراد ولا يلزم أن يكون من أول يوم أو ثاني يوم، خذه في الوقت الذي تراه قد هدأ وسكن واطمأن، ثم تنفرد به، يا بني! بلغني أنك فعلت كذا، وأنت تعلم حبي لك، وتعلم شفقتي عليك، وتعلم أنني ما أسهر الليل إلا لأجلك، وما أكدح في النهار إلا لأجلك، وتعلم شفقتي بك واعتزازي وفخري بصلاحك واستقامتك، وخوفي عليك من قرناء السوء، يا بني! هل فعلت ذلك؟ يقول لك: نعم، فعلت ذلك، فتقول: يا بني! إني أخشى عليك، وتعلم أن هذا أمرٌ قد حرمه الله، وقال الله فيه كذا وتعلم أن هذا قد حرمه رسول الله ﷺ ، وقد قال فيه النبي ﷺ كذا وكذا وتعلم يا بني أن مغبة هذا الأمر خطيرة، وأن عاقبته وخيمة، وأن الأمر ربما وصل إلى كذا وكذا وتكون العاقبة والحال، ثم بعد هذه النصيحة الرقيقة اللطيفة خذ ولدك هذا واحتضنه وقبله على خديه، وقبله على جبينه، واجعل رقبتك على كتفيه شيئاً ما، واسأل الله وأنت تحضنه، واجعله يسمع هذا الدعاء: اللهم لا تخزني فيه، اللهم لا ترني فيه يوماً أسوداً، اللهم لا تفرح عليه حاسداً، اللهم لا تشمت به عدواً.
اجعله يسمع هذه الدعوات التي هي جزءٌ من النصيحة، أتظن أن ولدك بعد ذلك يجرؤ على أن يخالف أمرك؟ لا والله، لكن كيف يجرؤ على المخالفة إذا قلت: يا أنا يا أنت في البيت، يا رأسي يا رأسك، لا نجوتُ إن نجوتَ، لا يصلح هذا الأسلوب! أو تقول لأمه: أخبريه أن الليلة هي الفاصلة هي القاضية هي المهلكة، بعض الأبناء يهرب ويسعى في الشوارع ضائعاً تائهاً هائماً على وجهه، ثم يأتيه بعض قرناء السوء ويأخذونه ويسكنونه يوماً أو يومين، وربما تفاقم الأمر وكانت المسألة إنكار معصية صغيرة، ثم أوقعوه في فواحش، ثم أوقعوه في كبائر، ثم جعلوه ربما مطية يروج، ويبيع ويشتري، ويوزع ويقسم، ويناول مخدرات ومحرمات ومصائب كبيرة.
ونحن -أيها الأحبة- في مجتمعٍ نتصارع مع عناصر شتى في تربية الأولاد، من منّا يقول: أنا الذي أنال نصيب الأسد مع أولادي؟ المدرسة لها نصيب، والمنزل له نصيب، وربما الجيران والأقران في الشارع لهم نصيب، وكلٌ له نصيب، وبعض البيوت لا تجد للآباء فيها نصيباً، النصيب لفئتين: للقنوات الفضائية، وللمدرسة والخادمة ذات النصيب الباقي، والأب لا يعرف شيئاً من ذلك.
أيها الأحبة في الله! ختاماً أؤكد هذه المسألة وهي أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان المنكر من الوالدين، فلا بد أن نعالجه بمزيدٍ من الطاعة، في طاعة الله، ومزيد من الحب والهدية، والعناية والرفق واللين، والكرامة والتودد، وإننا مهما تكلمنا عن البر وفضله وثوابه وعظمة وجزائه عند الله ؛ إلا أن كثيراً منا لا يحسنون كيف يتقربون إلى آبائهم وأمهاتهم، هل فينا -يا عباد الله- من رأى والده ذات يومٍ قد مد رجله، فأقبل فقبل رجل والده؟ هل فينا من رأى ذات يومٍ والدته قد مدت رجلها، فنزل وخر وقبل رجل والدته؟ هل فينا من يتعود أن يقدم حذاء والديه إذا أراد أن يخرج أو يدخل؟ نعم.
فينا وقليلٌ ما.
إذا جلست على طعام هل تقدم أطيب ما فيه لوالديك؟ إذا وجدت نفسك تشتهي هذه القطعة، ثم امتدت يدك إليها تقول: مادامت لذيذة في نفسي وفي خاطري فإنها في فم والدي أو والدتي ألذ؟ هل تتلطف في أن تقدم طيب الطعام لهم؟ هل تهيئ الطعام إذا كنت على فاكهة، أخذت تقطع من هذه الفاكهة وتلينها وتجعلها قطعاً صغيرة ورقيقة حتى يأكلها متلذذاً بها، أو أن الواحد يقعد كأنه طاحونة بر، وعنده شاي، ومركب له طقم ضروس، ما يحسن الأكل، ثم يقوم قبل والده؟ هذا ليس صحيحاً، هناك مسائل نحتاج أن نتفنن في التودد للوالدين، أن تجد على الوالد ثوباً خشناً ثم تأتي فوراً بثوبٍ ناعمٍ رقيقٍ طيب تقول: يا أبت! هذا ألذ هذا ألطف، إن الذي يقدم البر لوالديه، بإذن الله إذا أمرهم بأمرٍ ائتمروا، فيه خير، وإذا نهاهم عن منكر انتهوا؛ لما يرونه من أن التزامه قد دعاه إلى البر والعناية والرعاية، أما هذا الذي لا يعرفهم إلا افعلوا ولا تفعلوا، فإذا جاء البر ما عرفوا منه شيئاً، فقولوا لي بالله وأسألكم بالله، كيف يأتمران بأمره، وينتهيان عن نهيه؟! هذه مسألة مهمة جداً.
стр. 2105
عدم نشر صفات الوالدين بين الأقارب
وهنا مسألة أخرى أيضاً: إن بعض الأبناء إذا رأوا على والدهم شيئاً، أو بعض البنات إذا رأين على أمهن شيئاً سرعان ما يقولون هذا للأقارب، ويظنون أن ذلك ليس بغيبة في حق الأب، ويتكلمون فيه: أبونا بخيل، أبونا أرعن أبونا قاس أبونا فيه كذا والدنا فيه كذا والدنا فيه كذا، وهذا لا يجوز، إلا في مقامٍ ضيقٍ تضيق الحيلة فيه مع الأولاد، فيضطران للكلام طلباً لعلاج المشكلة التي يعيشونها مع الأب والأم، وما سوى ذلك فلا يجوز.
إنك لتعجب من أناسٍ يهون على أحدهم أن يشرح عرض والده أو والدته مما يلقى من المعاملة معهم، ولو فتشنا في الأمر لوجدنا أن شيئاً كبيراً من المسئولية وحملاً ليس بالقليل منها يتحمله؛ لسبب انصرافه عنهما وعدم العناية بهما والرعاية لهما، فذلك أمرٌ مهم.
стр. 2106
أسلوب الاحتساب من قبل الآباء والأمهات
وفي المقابل عنايتنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل الآباء والأمهات على الأبناء، ينبغي أن نلتفت على جانبٍ مهم وهو: جانب الرحمة وإظهار المحبة والخشية، لا إظهار التحدي والانتصار، وتلك مشكلة كبيرة إذا رأى الولد أن الأب يأمر وينهي، وإذا رأت البنت أن الأم تأمر وتنهى من منطلق السلطة، والسيطرة والتحدي، وإثبات الوجود قالوا: لا يمكن أحد يعبث بالبيت ما دام الرأس يشم هواء، وأن الأمر والنهي له، فثق أن المسألة تتحول من أمر ونهي إلى تحد، ويدخلان جميعاً في حلبة مصارعات، المنتصر فيها خاسر، والخاسر فيها مهزوم ضائع، وتلك والله مشكلة، ينبغي أن يكون الأمر والنهي في الأسرة من قبل الآباء على الأبناء بإثبات المحبة والشفقة بكل الأدلة والبراهين والتأكيد على ذلك، وبسط هذا بكل عبارة وبكل دليل، وبما يدل عليه من التصرفات، ومن الإشارات، ومن الأعمال الطيبة من الرفق واللين حينئذٍ يستجيبون لهم، ولا يوجد علاج كالحب في معاملة الأولاد لأمرهم ونهيهم، يقول لي أحد الإخوة وكان يشكو من معاملة واحدٍ من أولاده، يقول: أعيتني الحيلة، وضاقت بي السبل في إصلاح هذا الولد، فعرضت أمره على طبيبٍ يعنى بالمشكلات النفسية وأمور الشباب، فقال: هل عالجته بالحب؟ أثبت له وتأكد أن الرسالة وصلت أنك تحبه غاية المحبة، لأن بعض الأبناء يظن أن أباه لا يتمنى إلا هلكته وخسارته ومحقه، وطرده وذلته، وكل أمر سيئ فيه، لو أخذت تكلمه قليلاً يقول: لا يا أخي هذا كلام طيب وجيد، لكن أنت لا تعرف أبي هذا يحقد علي ويكرهني، إلى درجة أنه يقول: أنا أشك أنني من صلب هذا الرجل، من شدة القسوة والعياذ بالله، وهذا أمر لا يليق؛ والسبب فيه ربما يكون في جزءٍ منه يعود إلى الأب الذي لا يعرف التعامل إلا بالوعيد والتهديد والزمجرة والعقوبات القاسية، كأنه جلادٌ في سجن، أو قاضٍ في محكمة، لا يعرف إلا أن يصدر أحكاماً وقضايا على هذا فقط، لا، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأسرة، يحتاج إلى رفق ولين.
стр. 2107
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الإخوة والأخوات
وهنا مسألة أخرى: الأمر بالمعروف بين الإخوة والأخوات، إذا ظهر لأحد الإخوة مشكلة على أخته، فليتأمل الأمر ولينظر المصلحة، ربما كانت المصلحة إذا كان الذي اطلع عليها رجلاً متزناً عاقلاً قادراً على التصرف ربما المصلحة ألا يطلع عليها الأب، وحينئذٍ تعالجها الأم والأخ بطريقتهم المباشرة، وربما بعض الأمور تسند المهمة فيها إلى الأم، ومن لم يستطع أن يتخذ القرار، فعليه أن يستشير اللبيب المجرب العاقل.
إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في بعضها خللا
وهذه مشكلات وتقع، وبعض الناس ربما أراد أن يعالج مشكلة ففجر منها مشكلاتٍ ولدت مشكلات أخرى، وذلك لعدم قدرته على الأمر والنهي، وعدم تصرفه المناسب، وعدم الحكمة التي تعني: فعل ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي.
стр. 2108
كيفية إزالة المنكر في البيت
أيها الأحبة: ينبغي أن نتهم أنفسنا بالتقصير، وأن نتدبر ما في بيوتنا من المنكرات، ولنتأكد أننا بحاجة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا أردنا أن نزيل منكراً في البيت، فما أجمل أيضاً أن نجعل هذا قراراً جماعياً بقناعة كل أفراد الأسرة نجمع أفراد الأسرة: يا أبناءنا! يا أحبابا! إن الله يقول كذا والرسول ﷺ يقول كذا وعندنا هذا المنكر يخالف أمر الله ورسوله، هل تريدون أن نعصي الله أم نطيع الله ورسوله؟
الجواب
سيجمعون ويقولون: نريد أن نطيع الله.
طيب، ماذا تقترح يا فلان؟ ماذا نفعل في هذا؟ ماذا تقترحين يا فلانة؟ سيقولون: نقترح جميعاً إبعاد هذا المنكر، نقترح جميعاً أن يعامل بهذه الطريقة، نقترح جميعاً فإذا لم يكن الجميع على قلبٍ واحد، فليكن الذين على هدى وعلى صراطٍ مستقيم من أهل البيت أن يصلحوا الحال، وأن يتخذوا موقفاً ولو رقيقاً لطيفاً، في أحد البيوت أبٌ مولعٌ بالدش والقنوات، وأسرته صالحةٌ، والأم مؤمنة تقية، وقد أزعجهم وجود الدش، والوالد مصر على بقائه، فتصوروا ماذا حصل؟! اجتماع قصير وقرر فيه المجتمعون بعد محاولات باءت بالفشل في إقناع الوالد بإبعاد هذا الجهاز (مستقبل القنوات الفضائية) قالوا: قررنا أن نتوجه إلى أبينا بالالتماس الآتي: أيها الوالد الحبيب الكريم! نريد منك أن تخرج هذا لتجعله في طرف الدار بأقصى مكانٍ من البيت، وألا يكون لنا فيه صلة ولا علاقة خاصة الصغار والأطفال، فما كان منه إلا أن استجاب.
نعم أيها الأحبة! قضايا الإنكار في البيوت تحتاج إلى لين وحكمة ورفق، وإلى لطف وعناية وموعظة حسنة، أقول: لا ندعي الكمال في بيوتنا، ففيها من الأخطاء، وربما فيها من المخالفات والمنكرات التي ينبغي أن ننتبه لها.
стр. 2109
بعض المنكرات الموجودة في البيوت
ولو سردنا على سبيل المثال جملة من المنكرات التي ينبغي أن نأتمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر من أجل سلامة بيوتنا منها، لعددت لكم ما يلي:
стр. 2110
منكر القنوات الفضائية
المستقبلات للقنوات الفضائية والشاشة، أليست منكراً يعرض على الأبناء سماً زعافاً يقتلهم ثم يذبحهم بإرادتنا ليل نهار؟ بلى والله، إنه لشرٌ، والعجب العجاب من أبٍ يرضى لأبنائه وبناته أن يمكثوا الساعات الطوال أمام هذه الشاشة وهو لا يدري ماذا يقال لهم! أسألكم بالله لو طرقت الباب على واحدٍ من الآباء وقلت له: أريد أن أتحدث مع ولدك ثلاث ساعات على انفراد أرجوك لا تتدخل ولا تسمع ماذا أقول، هل سيطمئن هذا الأب إلى هذا العرض؟ هل سيوافق على أن أخلو بولده أو يخلو أحدٌ بولده ليحدث ولده ساعتين أو ثلاث؟ لا.
ماذا ستقول له؟ وما الغاية؟ وما الحاجة إلى هذه الجلسات الطويلة؟ وماذا عندك؟ وماذا وراءك؟ إذا كان بعض الآباء أصابه الشك من لقاءات ولده ببعض الأخيار، فأقول: سبحان الله! كيف ترفض ذلك وتقبل أن يبقى ابنك أو ابنتك أمام القناة الفضائية خمس ساعات أو ست ساعات، من الساعة التاسعة إلى الساعة الواحدة أو الثانية في الليل، أربع ساعات أو خمس ساعات؟ كله تعليم وغرس؛ البنت تتعلم كيف تخرج؟! تتعلم كيف تعاكس؟! تتعلم كيف تخدع؟! تتعلم كيف تحتال؟! إذا كان بجوار هذه القناة هاتف أخذت الهاتف وأخذت تتصل: ممكن نشارك، أنا أقول، أنا أفعل، أنا أنا إلى غير ذلك، هذا يجوز يا عباد الله؟! أليست مسئولية؟ أليست قضية تحتاج إلى أمر ونهي؟ وبعضهم يقول: مشغولون والله ما عندنا وقت لهذه القضايا:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه وحيدا
إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا
أو في المقابل يقول: لا.
نحن ربيناهم تربية ممتازة، أنا أثق بأولادي، وأثق ببناتي، هذا لا يخطر أن يقع لأولادي أو بناتي، سبحان الله! من المخلصين الأخيار! من المصطفين! معصومين! ما يمكن أن ترد الصغائر والكبائر؟ ما هذا الظن الذي تظنه وأنت تقرب منهم السم الزعاف وتقول: لا.
معصومون لا يمكن أن يفعلوا ذلك، هذه من المصائب والمشكلات الطائفة في البيوت والمنكرات التي يجب أن يتعاون أفراد الأسرة أو الأقارب على إزالتها.
стр. 2111
منكر خلوة السائق بالمرأة
من المنكرات: خلوة السائق بالمرأة، أن يخرج بها وحده، أو يخلو بها في البيت، أو السائق يدخل في آخر الدار، من غير وجود محرم بحجة أنه ينزل المقاضي ويرد المقاضي، قليلاً قليلاً، رويداً رويداً؛ ويطول السهاد، ويدنو الوساد، ثم تقع المصيبة الكبرى، ويصبح السائق فترة من الفترات ما عنه غطاء، كما يقول العامة إلى أن تقع المصيبة الكبرى.
стр. 2112
منكر تقليد الغرب والتشبه بالكفار
تقليد الغرب والتشبه بالكفار في بعض البيوت؛ انصياع وانسياق وانهزام أمام حملات التغريب، وقد قلت غير مرة: كما أن المجتمع اليوم يقام في أسابيع للتوعية أسبوع الشجرة أسبوع المساجد، أسبوع التحذير من الإيدز، أسبوع كذا، نحن بحاجة إلى شيء اسمه أسبوع التحذير من الغرب والتغريب، والأمة على خطر، والتغريب لا يمكن أن يأتيك بصورة رجل أعجمي فرنجي يقف في بيتك ويقول لأبنائك: افعلوا وافعلوا، لا، يدخل التغريب من خلال مطاعم، يدخل التغريب من خلال وجبات، يدخل التغريب من خلال مجلات، يدخل التغريب من خلال قصص، يدخل التغريب من خلال قنوات، من خلال أشياء كثيرة، أنت بماذا تفسر هذا الانصياع والانسياق الهائل؟ ولو سألت محللين وأخصائيين لأخبروك أن من أسرار اللهث الذي لا ينقطع أمام المطاعم ذات الشهرة الغربية هي: وجود استعداد في النفوس، استعداد لتلقي ما يوجد عند الغرب، لو أن الغرب أمة منهزمة لا يلتفت لها، لو فتحت مطاعم مشهورة، لكن ليست من أمريكا وأوروبا لكنها من سيراليون، ومن غينيا وبيساو ومن كوناثري ومن الجابون وساحل العاج، من يلتفت لهذه المطاعم الإفريقية التي جاءت من دولٍ متخلفة فقيرة؟ لا يلتفت أحد لها، لا يوجد في النفوس رصيد من الإعجاب بها، لكن عندما جاءت هذه المطاعم من دول ذات قوة وذات بأس وسطوة وسيطرة، وصلت الرسالة إلى القلوب عبر القنوات الإعلامية، ولأجل ذلك أصبحت مصيبة.
في الصين الكبرى التي عدد سكانها مليار ونصف المليار، وربما الآن قاربوا اثنين مليار الصين الكبرى لما فتحت أول سلسلة مطاعم ما تسمى: (مكدونوم) وقف الجيش بالقوة أمام الناس، لأن الناس في حصار شيوعي ويريدون الانفتاح أمام الغرب، فيعرفون أن القضية ليست قضية أن الناس تريد أن تأكل خبزة في وسطها قطعة مما يسمى بالهمبرجر أو بالدجاج أو بالسمك أو غير ذلك، لا، القضية أنه يوجد اتجاه يوجد انسجام توجد رغبة يوجد تلذذ يوجد ارتياح للغرب، وأنا لا أقول: هذا حرام، لا يقول أحد: والله جاءنا شيخ وقال: إن (وينديز) و (بيتزا هت) و (بتزإن) و (مكدونم) حرام، لا، ما قلنا ذلك، لكن أقول: إن الانسياق: تأتي للولد بالبر الطيب، والسمن والأكل الطيب، المتعوب عليه النظيف الذي لا شك أنه مفيد وقيمته الغذائية عالية، لا يقبله، ماذا يقبل؟ يقبل أكلة قد ثبت علمياً من قبل متخصصين أو محللين أن فيها من الأضرار وهي خالية من الفوائد، منخفضة السعرات الحرارية، منخفضة كذا الشيء الكثير تجده يقبل بها، وأقول: إن الحاجة أن نعظم في نفوسنا حب المسلمين، وحب الإسلام، وأمور الإسلام، وآداب الإسلام، وأن نقلل من شأن أمور الغرب، خذ على سبيل المثال ما يسمى بـ (البرنيطة) التي في فترة ما قلَّ أن تجد شاباً في المرحلة الابتدائية والمتوسطة إلا على رأسه (برنيطة)، ليست (البرنيطة) محرمة في ذاتها، لكن الهزيمة النفسية، لما وجدت (البرنيطة) في القناة الفضائية قبل أسبوع، لبست هنا بعد أسبوع.
وتلك مشكلة يا إخوان! وينبغي أن نلتفت إلى تأثر المجتمع، أحد المسئولين في فرنسا وقف -وهم كفار يشتكون من كفار- يقولون: مشكلة عندنا خمس قنوات تلفزيونية فرنسية ولا يزال الشعب الفرنسي يسجل معدلات طلب على الأفلام الأمريكية، حسبك من كافرٍ يشكو من كافر، فما بالك بالمسلم إذا شكا من الكافر، مع أن بينهم وعندهم ولديهم من وسائل التحدي في شتى المجالات ما لا يوجد عندنا في مواجهاتهم، فيا أحباب! هذه مسألة عظيمة وهي من المنكرات التي ينبغي أن نلتفت لها، إذا يوجد شيء معين يكفي أنه تقليد غربي، علينا أن نبرأ منه، وأن نعلم أولادنا كيف يكرهون الكفار، وكيف يكرهون الكفر، وكيف لا يقبلونه، مثلاً: بعض الناس تؤتى إليه بالهدايا فيما يسمى: بعيد الكرسمس، أو عيد رأس السنة، أو ميلاد المسيح، ويقول: بمناسبة عيد المسيح صديقنا الأمريكي أو النصراني قدم لنا هدية، ويحضر الكعكة أمام الأطفال وعليها صورة (بابا نويل) أو الأم (تريزا) أو نحو ذلك، وتلك مشكلة، ينبغي أن يقول لهم: هذا شخص يعمل معنا، يحسب أننا غير فاهمين، وأعطانا هدية بمناسبة الكرسمس، ثم اذهب أنت وعيالك وارموها في الزبالة والعيال ينظرون، حتى لو كانت أجمل أنواع الكيك وأطيبها، ليست القضية أن تخسر كعكة بمائة ريال، القضية أن تقتلع شيئاً اسمه تقليد غربي يوشك أن يغرس في نفس أولادك، فكل قضية متعلقة بغرس تقاليد غربية ينبغي ألا نوردها، وأضرب لكم مثلاً: لو قلنا: هذا زي يلبسه البعثيون العراقيون نريد من شبابنا أن يلبسونه، أعوذ بالله! هؤلاء البعثيون الذين دمروا الناس وتسلطوا على الناس وجروا الأساطيل، وأنشبوا الحروب، وفجروا القضايا، وجوعوا المنطقة، تريد منا أن نقلدهم؟! لأنك تكرههم، ولذلك ما تقبل أن تقلد شيئاً من تقاليدهم أبداً، حتى الفنانين يعتزلون الفن حقهم، والرياضيين يقاطعون المنتخب حقهم، وكل على مستواه يقاطع ما يقابلهم، لكن مسألة الحب لما كان في النفوس شيء من الرضا في الغرب ما كان هناك إشكال أن يقلد الغرب سواءً في بنطلونه، أو في قميصه، أو بلوزته أو في الكاب أو في غير ذلك.
стр. 2113
منكر ترك الصلوات مع الجماعة والجمع بين الصلوات
أقول: هذه من المنكرات لمن وجدت في بيته أن يعتني عناية فائقة بتنظيف البيت وتحذير الأسرة منها، ترك الصلوات مع الجماعة من المنكرات الخطيرة الكبيرة العظيمة التي توجد وكثيرٌ من الآباء لا يلتفتون لها، ولاحظ صلاة الفجر وصلاة المغرب، صلاة المغرب صفوف الأولاد والمراهقين والكبار يملئون صفين وثلاثة في المسجد، والفجر ما تجد إلا ما دون العمود، أين الأبناء؟ تخطفهم الطير؟! هووا في وادٍ سحيق؟! ماتوا؟! هلكوا؟! خسف بهم؟! المصيبة لا يوجد: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] العناية بالأمر هذا لا توجد، وهو من الأمر التي يلزم الأسرة أن تعتني بإنكاره، وتأمر الذرية بالصلاة والبنات خاصة، بعض البنات فرض الظهر يلحق العصر، وفرض العصر يلحق المغرب، والأم لا تدري هل ابنتها صلت الفجر أم لا؟ قامت أم لا؟ هل أيقظتها أم لا؟
لما رأت أختها بالأمس قد خربت صار الخراب لها أعدى من الجرب
إذا كانت الأم لا تصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس، فلا تسأل عن ذهاب البنت إلى المدرسة وهي لم تصل الفجر، إذا كانت الأم لا تذكر صلاة العصر إلا إذا دخل المغرب، فلا تسأل عن أن البنت أن تجمع بين المغرب والعشاء، وتلك من المصائب الموجودة في بعض البيوت، وهل تعلمون أن بعض البيوت فيها من الأسر من يؤخرون صلاة المغرب والعشاء إلى آخر الليل، ويقول: إن شاء الله مقصرين وسيتوب الله علينا، ولا يوجد أحد يأمر وينهى وتلك مصيبة، وتتحمل المرأة المسلمة مسئولية كبيرة.
стр. 2114
منكر اختلاء الأولاد بالهاتف
بعض البيوت فيها شيء مزعج وهو الخلوة بالهاتف، كل واحد معه بالحجرة هاتف، الولد الذي عمره ثلاث عشرة سنة موصل لحجرته هاتف، والبنت التي عمرها ست عشرة سنة موصلة لحجرتها هاتف، لماذا كل واحد في حجرته هاتف؟ أنا لا أدعو إلى الوسوسة والشك في الأولاد والبنات، لكن لماذا نفتح الباب للشر؟! قالوا لأحد الأعراب: إذا وطأت الجني بسمِ، قال: لا تطأ الجني ولا تسم، لماذا تدخل الهاتف في حجرته ثم تقعد تحذره؟! الهاتف في الصالة في المكان المنظور المشهود أمام الجميع، والذي يريد أن يتصل يتصل هنا، في هذا الوقت، في هذه اللحظة، في هذا المكان، وإذا بدأنا نلاحظ طول المكالمات عرفنا أن المسألة فيها خطر، أما أن نقول: والله ما ينبغي أن الواحد يشك، أعوذ بالله من الوسوسة، ما ينبغي أن نشك في أولادنا وبناتنا، ما ينبغي إلى متى؟ إلى أن نجد غريباً في البيت؟ إلى أن نجد البنت خرجت في وقت متأخر؟ إلى أن نبحث عن البنت في ساعة فلا نراها في البيت ولا نعلم أين ذهبت؟ تلك مصيبة وأي مصيبة، بدعوى أن أولادنا لا يزالون وما يزالون بخير، ما عليهم إلا كل خير، لا تسيئون بهم الظن إلى غير ذلك.
стр. 2115
منكر وجود الأصنام والمجسمات المحرمة والتدخين
الأصنام والمجسمات المحرمة، بعض البيوت تعجب وتستوحش إذا دخلتها، هذا صنم وهذا مجسم وهذا وهذا؛ فهذا أحضروه من فرنسا، وهذا من باريس، وهذا هدية، يا أخي! الأصنام لا تجوز (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة) لا تدخل الملائكة في هذا البيت، منكرات ينبغي إزالتها، وتجدها موجودة في كثير من البيوت، التدخين وحدث ولا حرج وقضية طويلة إلى درجة أن بعض الآباء لا يبالي أن يدخن السيجارة أمام الأولاد ويتفنن فيه لأجل أن يضحكوا، فمرة تجده يخرج الدخان من أنفه، ومرة من فمه ومرة من هنا ومرة من هنا، لكي يجدونه أمراً يعجب منه، فيذهب الأولاد ليتعلموا ويفعلوا ما كان يفعل أبوهم من قبل.
إذا كان رب الدار بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقصُ
стр. 2116
منكر وجود الخادمات الجميلات في البيت مع المراهقين
وجود الخادمات الجميلات أمام المراهقين، والله يا إخوان قد أخبرني شاب، عندهم في البيت خادمات، يقول: لا أحصي كم من المرات فعلت ما فعلت مع الخادمات، هذه من جنسية، وهذه من جنسية، ولما تحققت وتأكدت ووقفت على البيت، وإذا به للأسف، لا يحتاج الإنسان أن يخوض بالكلام حرصاً على ألا تشيع الفاحشة بالمؤمنين، والسبب شاب مراهق ووسيم وجميل، ويحضر في البيت خادمات جميلات من جنسيات مختلفة، وبعض البيوت قد جمعوا خادمات جميلات مع أشكال وألوان في البيت، وتلك مصيبة أيضاً والعياذ بالله، فإذا كان ولا بد واحتاج الناس إلى الخادمة فكبيرة لا تشتهى ولا يطمع فيها، مع محرمها ولا يخلى بها، ويكون التعامل في حدود، بعض البيوت تفاجأ إذ بالخادمة داخلة في المجلس وتضع الشاي، وجاء الولد وقال: لازم تجلسي وتصبي لنا الشاي، تلك مصيبة، ولماذا لا نلتفت وندرك أن هناك منكرات ينبغي أن نعتني بها؟
стр. 2117
منكر الاختلاط في المناسبات
مسائل الاختلاط في المناسبات، بعض البيوت أصبحوا يتهاونون بمسألة الاختلاط، إما إلى سن معينة، خمس عشرة سنة؟ ما زالوا صغاراً دعوهم يجلسون مع بعض، تلك مصيبة، لكن إذا بلغ انتهى الأمر، بل وقبل البلوغ ينبغي أن يحضَّر نفسياً للبعد عن مجتمع الحريم والنساء، وتحضَّر البنت نفسياً للبعد عن مجتمع الرجال والذكور والأولاد، حتى نكون على بيئة طاهرة نقية نظيفة ما نخشى عليها شيئاً.
المجلات الخليعة يأتي بعض الآباء أو الإخوة ويرمي بها، ينبغي أن ننتبه هذه من المنكرات الموجودة.
الغيبة والنميمة في بعض الجلسات، عدم التفريق بين الصغار في المضاجع، وقد مر بنا الكلام عن ذلك.
стр. 2118
الأعمال الوقائية في بداية تكوين الأسرة
ختاماً أيها الأحبة: هناك أمرٌ ونهيٌ وقائيٌ قبل وقوع المنكرات، وحتى لا نحتاج إلى كثير من العلاج، ونحن نستطيع أن ندفع الشر بقليلٍ من الوقاية، وذلك من بداية تكوين الأسرة وحلول الأحباب وتفتح البراعم منها، منذ دخول الزوج على زوجته ينبغي أن يكون الزوج لبيباً في معرفة ما تحتاج إليه الزوجة في بيان منفعته والأمر به، وبيان ضرره والنهي عنه، الزوج الذكي من أول مرة يدخل على زوجته يعرف المداخل والمسالك والأشياء الذي عند الزوجة تقصير فيها، ويبدأ من وقت مبكر (والعود على أول ركزة) مثلما يقول العوام، وليس تقعد سنوات ثم تبدأ تعدلها.
إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ولا تلين إذا كانت من الخشب
تستطيع أن تقوم المرأة من بدايات الزواج، لأنها راغبة حريصة: ما رأيك فيني؟ لعلك أحببتني لعلي أعجبتك؟ تتمنى أن تتأكد أنه في ضمانات لاستمرار الحياة الزوجية معك، فإذا أثبت لها أن الضمانات موجودة شريطة أن يعدل هذا ويغير هذا ويصلح هذا، هي ستعدل وستتمنى كل ما تريد، وكذلك العكس؛ الزوجة ينبغي أن تكون لبيبة في إدراك ما يحتاج إليه الزوج في بيان منفعته، والأمر اللطيف بالعرض الظريف، في مصلحته ودعوة الزوج إليه بإذن الله ، وهنا مسألة -أيها الأحبة- نريد أن نعقد اجتماعاً في بيوتنا، البيت الذي لا يعقد فيه اجتماعات أعتبر أن هناك حلقات اتصال مفقودة، كل واحد تارك هذا يدخل في وقته وهذا يخرج، لابد أن توجد جلسة شبه يومية، إن لم تكن يومية، كل يومين كل ثلاثة أيام، جلسة ماذا عندك؟ وما هي أخبارك؟ وما هي الملاحظات؟ أعطني يا فلان! تقريراً على إخوانك، ووزع مسئوليات؛ أنت مسئول على اللمبات تطفؤها، وأنت على الشبابيك تقفلها، وأنت تأكد على الأبواب هي مغلقة قبل ما ننام، ووزع مسئوليات، وهناك اجتماع دوري مستمر على أساس تعرف ما الذي يدور في الأسرة، أما أنك ما عندك وقت تجلس، قد تكون مشغولاً، لكن لا يعني ذلك ألا تجتمع، نريد اجتماعاً، الأب الذي يريد أن يحقق شيئاً في بيته يحتاج أن يعقد اجتماعات دورية، الفنادق الناجحة تجتمع كل يوم، المكاتب الناجحة تجتمع كل يوم، الشركات الناجحة تجتمع كل يوم، كلٌ في دائرته، كلٌ في قسمه لمعرفة ماذا جد، وما الذي انتهى، وما الذي ينبغي أن يفعل، حتى يحافظ الجميع على مكاسبه، ومكاسبنا هم فلذات أكبادنا، هم من نرجو أن يكونوا عملاً صالحاً يستمر لنا بعد موتنا، فلا بد أن نجتمع بإذن الله معهم على طاعة الله ومرضاته، ويتخلل هذا الاجتماع موعظة قصيرة، أو كلمة، أو شرح حديث، أو شرح آية، إلى غير ذلك، فيه نفعٌ عظيم بإذن الله.
أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يقولون: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، واجعلنا ممن يفوزون بهذا الثواب العظيم من عنده سبحانه.
أسأله سبحانه أن يجعل أنفسنا وأولادنا هداة مهتدين، صالحين ومصلحين، لا ضالين ولا مضلين.
كما أسأله سبحانه أن يحفظنا وأن يحفظ ولاة أمرنا وأن يوفق علماءنا، وأن يجمع شملنا وحكامنا على طاعته، وألا يفرح علينا عدواً، وألا يشمت بنا حاسداً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2119
ذئاب تحوم حول المرأة المسلمة
المرأة المسلمة مستهدفة اليوم أكثر من غيرها، وهناك أخطار كثيرة تهدد المرأة، منها: التلفاز الهاتف المجلات الغناء تتبع الموضة إلخ، فيجب على أولياء الأمور توجيه المرأة إلى النظر في الآخرة، وتربيتها على حب العفاف والتعقل، وهنا بيان للأخطار المحيطة بالمرأة وكيف نحاربها.
стр. 2120
أخطار تهدد المرأة المسلمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين إن الله سائلنا عما استودعنا من الأمانات، فكلنا راع وكل راع مسئول عن رعيته، وإن من أخطر وأهم وأجل ما ولينا أمر بناتنا وزوجاتنا ونسائنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] فهي أمانة عظيمة، ومسئولية جسيمة، ولقد ضيعها كثير من الناس إذ جعلوا شأن المرأة خاصة والذرية عامة، الحبل على غاربة كل يفعل ما يشاء، ويغدو ويروح، ويظهر ويلبس، ويتصرف كيف شاء، وذاك والله خطر عظيم.
وإن من صور ضياع هذه الأمانة التي وليناها ما نراه من شأن النساء في ضياع أوقاتهن، وغفلة الرقيب أو الولي عنهن، يضيعون ذلكم الزمن الذي أقسم الله به فتارة يقسم ربنا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١ - ٢] ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢] ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] ذلك الزمن يقسم الله به لشرفه وجلالة قدره ولكن ضيعه كثير من الأولياء، وكثير من الرجال والنساء، حتى إذا بلغ الناس مقام الحساب، وودعوا زمن العمل، أخذ الواحد يقول: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] أما الخاسرون الهالكون فهم في النار يصطرخون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] ولن ينفع ذاك الصراخ، ولن يجدي ذلك الدعاء بالويل والثبور، إذ
الجواب
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧].
أيها الأحبة الزمن ضاع عند كثير من الرجال والنساء، والخطاب على عمومه لنا ولإخواننا وأخواتنا، للرجال والنساء، ولكننا نوصيكم بأن تضعوا مزيداً من الاهتمام لنقل هذه الوصية، ولفت تلك الضعينة، وتوجيه المرأة إلى الخطر الذي يحيط بها في الزمن الذي تضيعه، وستندم على ضياعه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
стр. 2121
خطر الإعلام على المرأة المسلمة
إن من الصور المؤلمة التي نراها في حال الرجال والنساء خاصة ما يضيع من الأوقات أمام هذه الأفلام والمسلسلات، وذاك أمر قد عم وطم حتى أن بعض البيوت تصبح على البث وتمسي على نهايته، وإذا أغلقت موجة فأخرى، فهم في الرباط يتناوبون، حال أولئك المساكين من موجة إلى أخرى، ومن شاشة إلى أخرى، وقد تناسى أولئك أو جهلوا -وتلك مصيبة- أن تلك الأجهزة وما تبثه من الأفلام والمسلسلات أقسم بالله تعظيماً أنها خطر وإفساد، وما فيها من الإصلاح فشره يغلب على خيره، ذلك خطر عظيم، وتخريب عمَّ كثيراً من البيوت، فأفسد الزوجة على زوجها، وأخرج البنت على أبيها، وجرأ العاقل على المرأة المصونة، فمتى تتعلم المرأة الحياء والتلفاز يربيها، والشاشة توجهها، والبث يحيط بها ويحاربها.
تعلم بعض النساء كيف تخرج عن طوع الزوج، وكيف تهرب عن ولاية الولي، وكيف تهرب مع العشيق، وكيف يهدد الولد أباه، وكيف تحب الفتاة ابن الجيران، وكيف يغازلها خلسة عن أهلها، وكيف تتخلص المرأة من زوجها، وكيف يتخلص الرجل من امرأته، في تلكم الشاشات مسلسلات خليعة، وأفلام هابطة، وأغانٍ ماجنة، وبث مسعور، والأمة تحترق، والمقدسات مسلوبة، والرقاب تقطع، والدماء نازفة، والنساء تغتصب، فإنها لهجمة على هذه الأمة، تسلطت عبر السماء وأطباقها، وعبر القنوات وشاشاتها، ناهيك عما فيها مما يسمى بالغرام والحب والغزل، وفيه من الفساد فنون، وللإفساد أطور ومجون، وخروج عن أدنى حدٍ للحياء والأدب، وحدث ولا حرج، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
فالعاقل -يا عباد الله- يتقي الله في نفسه، وفيمن ولاه الله من زوجة وأخت وغيرها، وليخرج ما يسمى بجهاز الاستقبال، وليتجنب هذا الدش الخطير الذي أفسد كثيراً من البيوت، وجرأ كثيراً من العفيفات، ذلكم خطرٌ من الأخطار يهدد مجتمعنا.
стр. 2122
خطر الهاتف على المرأة المسلمة
وأما الخطر الآخر فهو خطر الهاتف وما فيه من شر كامل، نعم الهاتف من المخترعات المفيدة، يوفر الأوقات، ويقصر المسافات، ويصلك بجميع الجهات، وربما استخدم في الأعمال الصالحات، ولكن بعض الناس -هداهم الله- استخدمه في أنواع من الشر عديدة، وكم كان ذاك الهاتف سبباً في تدمير بيوت بأسرها، وإدخال الشقاء والتعاسة على ساكنيها، وربما جرهم ليمتهنوا الرذيلة ويحترفوها، لقد سمعت بأذني قصص كثير من الفتيات وهي تتصل مستنجدة، وتتكلم مستغيثة تريد من يخرجها من مأزق وقعت فيه، فالعشيق المزعوم يهددها بالصوت والصورة، والزوج المتربص ربما لا يغفر خطيئتها، وربما كانت نهاية المسألة فضيحة لا يسترها إلا التراب، وسببها أن الأذن أدمنت السماع، واللسان أدمن الكلام، وتعود الرجل أو المرأة ضياع الوقت عبر هذا الجهاز فيما لا ينفع ولا يجدي كم ضيع فيه من الأوقات بمحادثات تافهة سببت للقلوب قسوة، وألهت عن ذكر الله، خاصة بين النساء، وكم من رجل دخل بيته، وقد ودع زوجته الصباح راضية مرضية، فآب إليها، فوجدها منقلبة ساخطة وهو يعلم أن لم يدخل عليها مع الباب أحد، لكن دخل عليها ذلك الثقيل بغير استئذان صوت عبر السماعة من صديقة أو قريبة أطالت معها الحديث فقالت لها: يا حبيسة الدار! يا مهيضة الجناح! يا مسكينة الجانب! كيف أنت في هذا وغيرك أعلى منك في نفقة ومركب، وكسوة وملهى، وذهاب وإياب، يعود الرجل فيجد امرأته قد تغيرت، وعن حالها تقلبت، بسبب الإسراف ومزيد من القول عبر هذا الجهاز.
إنا لا نقول أن استعمال الهاتف حرام، ولا نقول أخرجوه لعدم الفائدة منه، بل فيه من الفوائد ما ذكرنا، ولكن من المصائب التي عمت عند كثير من الناس، وعند النساء خاصة الإسراف في القول، وإضاعة الوقت، وإطالة الحديث عبر هذا: (وإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) وإذا طال الكلام خرج عن المباح إلى المكروه، ثم من المكروه إلى الحرام، ولن يكون من الحرام صلاح للبيوت، بل فيه فسادها وإفسادها.
وكم من امرأة أو كم من فتاة كانت حصاناً رزاناً عفيفة كريمة جرأت عبر هذا، فخرجت لتقع فريسة للذئاب والمفسدين، وخذوا هذه القصة الواقعية، وهي واحدة من عشرات القصص إن لم تكن المئات، هذه القصة تقول: كانت البداية مكالمة هاتفية عفوية، ثم تطورت إلى قصة حب وهمية أوهمها أنه يحبها، أنه ميت دنف هلك في غرامها، وسيتقدم لخطبتها لكنه يطلب رؤيتها، فرفضت فهددها بهجر أو بقطع علاقة فضعفت، فأرسلت له صورة مع رسالة وردية معطرة، فتوالت الرسائل، ثم طلب منها أن تخرج معه، لكنها هذه المرة رفضت بشدة فهددها بتلك الصورة وبالرسائل المعطرة، وبالصوت المسجل عبر الهاتف، فخرجت معه على وعد أن تعود في أسرع وقت وأقرب فرصة، لكنها عادت وقد كُسر حياؤها، وانتهكت عفتها، وتجرأ على صلاحها، فقالت له بعد ذلك: لا بد من ردم الأمر وستره بالزواج حتى لا تكون الفضيحة، فقال لها بكل احتقار وسخرية: إني لا أتزوج فاجرة، كيف العلاج؟ وكيف السبيل إلى حل يجعل هذه البيوت تستيقظ من الشر الذي أحاط بها؟ إن من الفتيات من تصبح على الأغنية، وتضحي على الشاشة، وظهيرتها على الهاتف، وعصرها في السوق، ومساؤها في المناسبة، فقولوا يا عباد الله: متى تعود إلى الله أو ترعوي عن غيها وضلالها؟!!
стр. 2123
المجلات الخليعة وخطرها على المرأة
أما البلية الثالثة التي تشكل خطراً على بعض البيوت وبعض الفتيات والنساء، ويشارك الرجال بقدر لا بأس به في هذا، فهي متابعة الصحف والمجلات الخليعة، تلكم التي انتشرت في كل مكان، تراها في كثير من الحوانيت والدكاكين والأزقة والأسواق، وماذا تقدم هذه الجرائد؟ وماذا تقدم تلكم المجلات؟ إنها موضات ودعاية ورذيلة ليس فيها خيرٌ أبداً، فيها من الصور الخليعة، وفيها ما يهتك الستر ويجرئ الشباب على الفاحشة، ويغريهم بالسفر إلى الخارج، ويملأ عقولهم بما لا يرضي الله، ويضرهم ويفسد عليهم عقولهم وأفئدتهم.
стр. 2124
الغناء خطر رابع على المرأة
أما الخطر الرابع الذي ابتليت به المرأة المسلمة، الخطر الذي سلط على بعض نسائنا في هذا الزمان؛ فذلكم هو خطر الغناء الذي لا يشك أحد أنه من البلاء الذي دخل كثيراً من البيوت إلا من رحم الله، مع أنه محرم وأدلة تحريمه جلية، قبل من قبل، أو اعتذر أو رد، أو عاند من عاند، خاصة ونحن في هذه الأيام أصبحنا نرى ونسمع أن إذاعة مسعورة وبثاً فاجراً فاسقاً قد سلط على مسامعنا لا يبث إلا الأغاني ليل نهار، فليعلم أولئك، وليعلم الذين يبثون، وليعلم الذين يسمعون بحكم الله ورسوله فيه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦] قال ابن مسعود: إنه الغناء، إنه الغناء، إنه الغناء.
وقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم:٥٩ - ٦١] قال ابن كثير: قال الثوري عن أبيه عن ابن عباس: السمد هو الغناء، وهي يمانية، يقول أحدهم: اسمد لنا، أي: غنّ لنا.
وقال مجاهد: هو الغناء، يقول أهل اليمن: سمد فلان إذا غنى.
ويقول تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الإسراء:٦٤] قال ابن كثير: ومعنى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) صوت الشيطان هو الغناء.
وقال مجاهد: اللهو والغناء أي: استخفهم بذلك.
وقال ﷺ : (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر -أي: الفروج- والحرير والخمر والمعازف) قال ابن حجر في الفتح ﵀: المعازف هي آلات اللهو، وقيل: أصوات الملاهي.
وعن أبي مالك الأشعري قال: قال ﷺ : (ليشربن ناسٌ من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير) رواه ابن ماجة وابن حبان والبيهقي وهو صحيح.
وعن أنس ﵁ أن رسول ﷺ قال: (ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ؛ وذلك إذا شربوا الخمور، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف) ذكره ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وهو صحيح، وأورده الألباني في صحيح الجامع وفي السلسلة أيضاً.
أيها الأحبة أما شأن الغناء وما يحدثه من قسوة القلوب وإنبات النفاق فيها؛ فحدث عن خطره ولا حرج، وحسبك أنه صارف للقلب عن التلذذ بكلام الله، لا يجتمع صوتان ولا يجتمع أمران:
حب الكتاب وحب ألحان الغنى في قلب عبد ليس يجتمعانِ
стр. 2125
خطر الإسراف في اللباس والأزياء ومتابعة الموضة
والخطر الخامس الذي ابتليت به المرأة المسلمة، وعلى الزوج والرجل والولي في هذا مسئولية: الإسراف في اللباس والأزياء، وما يسمى بالموضة والزينة والعطور، والانشغال بتوافه الأمور.
إن هذا الانشغال بهذه الأمور الرخيصة الصغيرة التي ليست بأمر يعد ولا شأن يذكر إذا اشتغل الإنسان بها أصبح عبداً لها، فكم من فتاة أصبحت رقيقة وأمة لفساتينها، رقيقة لمرآتها، رقيقة لمساحيقها، ولتتذكر وليتذكر الجميع قول النبي ﷺ فيما يرويه أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) رواه البخاري.
فما بالكم بحال رجل أو امرأة يدعو عليه النبي ﷺ بالتعاسة، ويدعو عليه بالانكباب على وجهه والانقلاب إلى قفاه، وألا يسلم من شوكة أو ينتقشها إذا دخلت في رجله أو قدمه.
وأما ما تصرفه بعض بناتنا وأخواتنا ونسائنا في مستحضرات التجميل فواجبنا -يا عباد الله- أن ننبههن إلى خطر الإسراف في هذا، إذ أن كثيراً من النساء يهون عليها أن تصرف الألف والألفين في قطعة من المساحيق المجملة، ويشق عليها مشقة بالغة أن تصرف مائة لتساهم في إغاثة مجاعة في الصومال، أو منكوبين في البوسنة، أو مساكين في كشمير وغيرها.
إن إحصائية أوردتها مصلحة الإحصاء عن إجمال قيمة الواردات عام ١٤٠٩هـ من مستحضرات التجميل بما في ذلك المواد العطرية تقول: لقد بلغ ما أنفق على هذا من استهلاك عامة الناس لهذه المساحيق والعطور، أكثر من ثمان مائة مليون ريال، وهذه الإحصائية أوردتها جريدة الرياض في عددها (٨٣٧٢) يوم الإثنين/ ١٣/ ١١/ ١٤١١هـ.
إنها من المصائب التي ابتليت بها المرأة في ضياع وقتها بسماع الأغاني، ومشاهدة الأفلام، والخروج إلى الأسواق لغير حاجة، ومتابعة الموضة والمجلات والأزياء وما يتعلق بها.
وإنا لن نقف عند وصف الأمراض لنصيح ونقول: نحن مرضى أو بنا سقم، ولكن يجب على من شخَّص الداء أن يصف الدواء، فنصيحتنا لكل ولي أن يوجه موليته أن تقلل الخروج إلى الأسواق، تلكم شر البقاع عند الله، وأن تقصر خروجها على ما تمليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة الراجحة مع محرم أو مع ثقاة من النساء، وألا تمكث في السوق أكثر من وقت حاجتها، كما نوصي الجميع أن يلتفتوا إلى محاولة اكتفاء المرأة في ملابسها بأن تتعلم خياطة ما تحتاجه بنفسها، أو أن يكون لها مع قريباتها أو مجموعة من جاراتها حائكة أو خياطة تحسن ذلك، فلا تخرج المرأة إلى الدكاكين أو إلى الأسواق بحجة الملابس.
وينبغي لكل فتاة أن تنظر إلى من يسمين بعارضات الأزياء، واللائي يغدين ويرحن بهذه الملابس الفاضحة، على الفتاة المسلمة أن تنظر إلى تلك المرأة التي جعلت من نفسها لوحة للعرض وشاشة للدعاية نظرة العطف والرحمة فيما وقعت فيه في مستنقع الرذيلة الآثم، ونظرة ترى فيها أن تلك المسكينة قد جعلت من جسدها تجارة رخيصة يتاجر فيها مصمم الأزياء والموضات.
ألا وإن هذه الأمور مما ينبغي أن نلتفت إليه.
стр. 2126
طول الأمل سبب في الضياع
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام وأطيبه وألذه وأجمله هو كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، واعلموا أن كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة.
أيها الأحبة في الله إذا تأملنا هذه الأمور التي ذكرناها وما ابتليت به بعض الأسر وبعض البيوت منها، وما تسلط به أعداء هذه البلاد وأعداء الإسلام من بث مركز مسلط عليها فيها، تأملنا أن من أسباب ضياع أوقاتنا ووقوعنا في هذه الغفلات، طول الأمل والتسويف، فإن الله بيَّن أن الذين يطيلون الأمل ويلهيهم الأمل يعلمون ولكن ساعة لا ينفع الندم، قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] قال القرطبي: (يلههم الأمل) أي: يشغلهم عن طاعة الله .
وقال الحسن البصري: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل.
стр. 2127
خطر قرين السوء
اعلموا -يا عباد الله- أن من أسباب وقوع بعض الفتيات أو بعض الناس في هذا القدوة السيئة، وغياب القدوة الحسنة، وذلك أن العامة والنساء خاصة ينظرون إلى من هو أقل منهم في استغلال أوقاتهم واستثمار حياتهم، والواجب أن نعلم أن قدوتنا في من هو أعلى وأكمل وأجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] فالحذر الحذر من قرين وقرينة السوء اللذين يدسان السم في العسل، واللذين يغران بمعسول الكلام، والحذر الحذر ممن يهونون المعصية، ويعظمون أمر الطاعة، ويجعلون شأن التوبة بعيداً، ومنالها أمراً صعباً حديداً، فأولئك من شياطين الإنس الذين قاد بعضهم بعضاً إلى ما لا يرضي الله ، إنه قرين السوء لا يريد بصاحبه خيراً:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالحُ
قل لنا من جليسك فنقول لك من أنت، واعرف وانظر من جليس ابنتك أو موليتك ثم احكم لتعرف من هي، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
إن بعض الفتيات -هداهن الله- يشعرن بالنقص كلما أرادت التوبة، ويشعرن بالعجز كلما أرادت الإقلاع، وتشعر بالإحباط كلما صممت على هجر المنكر والمعصية، وما ذاك إلا من الشيطان الذي هو عدو الإنسان قال : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] أما إن الفتاة لو صممت وعزمت وشمرت واجتهدت ثم تركت هذه المنكرات، وطلقت تلك المعاصي، وأقبلت على الطاعة؛ قراءةً للقرآن، وتدبراً للسنة، وإقبالاً على النافع من الكتب، وحرصاً على جليسة صالحة، وقرينة نافعة، فإن ذلك -بإذن الله- يورثها استقامة وصلاحاً، وإن كثيراً من الناس ليعلمون إدبار بناتهم أو أخواتهم أو مولياتهم عن الاستقامة ولكن بعضهم كثيراً ما يضرب الأنامل بعضها ببعض، أو يضع كفاً على كف ويقول: كيف أنصحها وأنا رجل وهي امرأة، وأنا ذكر وهي أنثى، وكيف أؤثر عليها، نقول: خاطبها كلِّمها وجهها أرشدها حذرها، بيِّن لها ما يحاك لها ويدبر ويتربص بها، وعظها وقل لها في نفسها قولاً بليغاً، وادعها إلى التوبة التي أمرنا بها، فالله يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] وبين لها حاجتها إلى التوبة، وحذرها من سوء الخاتمة، فعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يبعث كل عبد على ما مات عليه) فأيما رجل أو امرأة مات على خنا بعث عليه، مات على رباً بعث عليه، مات على فاحشة بعث عليها، مات على معصية بعث عليها، ومن مات على طاعة بعث عليها، فالواجب أن ننبه إلى خطر سوء الخاتمة.
стр. 2128
نساء خُلِّد ذكرهن
لابد أن نرشد إلى سير الصحابيات، القدوة الصالحة من نساء المؤمنين وأمهات المؤمنين، وخذوا هذا الأنموذج الرائع الفريد الجميل.
стр. 2129
أسماء بنت يزيد
جاء في صحيح مسلم ﵀ أن أسماء بنت يزيد الأنصارية أتت النبي ﷺ والنبي جالس بين أصحابه: فقالت أسماء بنت يزيد: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أنا وافدة النساء إليك، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وصدقناك، إنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن أحدكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مجاهداً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا أثوابكم، وزينا أولادكم، أفنشارككم في هذا الخير والأجر؟) لله درها من امرأة! لله درها من صحابية! تسأل النبي هل لها فيما يناله الرجال من الأجر نصيب، تقول: أفنشارككم في هذا الخير والأجر؟ -قالت أسماء مقالتها هذه- فأُعجب النبي ﷺ وسر بها سروراً بالغاً، ثم التفت إلى أصحابه يسألهم قبل أن يجيبها فقال: (هل سمعتم مسألة امرأة قط أحسن من مسألة هذه المرأة في دينها؟ فقالوا: يا رسول الله! ما ظننا امرأة تهتدي إلى هذا؟ فالتفت ﷺ إلى أسماء يجيبها على مسألتها ويرد على مقالتها، فقال: اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله).
стр. 2130
ماشطة بنت فرعون
أيها الأحبة هذه أنموذج لنا أن نسرده، وأن نبينه، وأن نقصه لبناتنا ونسائنا، وفي التاريخ من النساء الصابرات الصامدات الثابتات على الحق اللائي ابتلين بفتنة الموت في سبيل الله فثبتت على ذلك، ومن هذا ما يبينه النبي ﷺ حيث قال: (كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت علي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل! ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنت فرعون وأولادها، قال: قلت: وما شأنها؟ فقال: بينما هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقط المدرى -أي: المشط- من يدها، فقالت: باسم الله، فقالت ابنة فرعون: يعني أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله، فقالت: أخبره بذلك؟ فقالت الماشطة: نعم، فأخبرته، فدعا فرعون الماشطة فقال فرعون: يا فلانة! وإن لك رباً غيري؟ قالت: نعم.
ربي وربك الله، فأمر بتنور من نحاس، فأحميت ثم أمر بها أن تلقى الماشطة هي وأولادها في هذا التنور فقالت الماشطة: إن لي إليك حاجة، فقال: ما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام أولادي في ثوب واحد وتدفننا جميعا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأمر فرعون بأولادها فألقوا بين يديها واحداً واحداً إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها رضيع، وكأنها تقاعست وأدركتها الشفقة لأجله، فأنطق الله رضيعها فقال: اقتحمي يا أماه فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت) هذه قصة ثابتة في مسند أحمد ﵀، وسندها صحيح، نسوقها إلى كل فتاة مسلمة أن تنظر ما تلقى من بلاء وامتحان، وما تلقى تلك الماشطة الصابرة الثابتة من بلاء وامتحان.
ولها أيضاً في سمية بنت خياط، وفي نسيبة، وفي أم عمارة، وفي غيرهن من الصحابيات أسوة حسنة، تلك امرأة تمتحن بالقتل والإحراق بالنار في سبيل الثبات على دينها، فتختار نار الدنيا على نار الآخرة، وتختار أن تقتحم النار ثباتاً على دينها، وواحدة من بناتنا -يا عباد الله- تبتلى في أغنية فلا تصمد في هجرها، تبتلى في موضة فلا تصمد في مقاطعتها، تبتلى في شيء من هذه الأمور الحقيرة التافهة فلا تثبت فيها، ألا وإنا ننتظر من بناتنا وزوجاتنا ونسائنا توبة نصوحاً، وصلاحاً في الذات، وإصلاحاً لغيرهن، ونذكر الجميع بقول النبي ﷺ : (من دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا).
فالله الله يا عباد الله! وجهوا البنات والزوجات، والفتيات والأمهات، إلى طلب العلم بما تيسر من وسائله وسبله، وإلى حفظ القرآن والعناية بالسنة، وجهوا المرأة إلى الشريط الإسلامي استماعاً وتلخيصاً، وتكراراً وإهداءً وتبادلاً، وجهوا المرأة إلى الدروس الدورية النافعة في بيوتهن أو في المساجد، وجهوهن إلى ما يرضي الله عز جل، وجهوهن إلى الندوات والمحاضرات النافعة، فكم من رجل يحمل أولاده إلى أماكن ما يسمى بالفسحة، وقل أن يحملهم معه إلى محاضرة نافعة أو ندوة مفيدة، وإن على معاشر الأولياء، أن يعينوا الفتاة بأن تقيم في بيتها دروساً لها ولقريباتها ولجاراتها، ففي هذا نفع عظيم، واجعلوا من كل واحدة منهن قدوة حسنة عسى الله أن يكف بأس الذين ظلموا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً:
رب البنات على الفضيلة إنها في الشرق علة ذلك الإخفاقِ
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراقِ
الأم روض إن تعهده الحيا بالري أورق أيما إيراقِ
أسأل الله أن يثبت بناتنا ونسائنا، وأن يصلحهن، وأن يجعلهن لنا قرة أعين، وأن يعيننا على ما ولينا في شأنهن وتربيتهن والعناية بهن.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين.
اللهم من أراد بالمرأة المسلمة بهذه البلاد خاصة وفي سائر بلاد المسلمين عامة تبرجاً وسفوراً ورذيلة، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، وأرنا فيه عجائب قدرتك، وعجل اللهم به بأسك وسخطك يا رب العالمين.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم ولِّ علينا خيارنا، واكفنا شرارنا.
اللهم اجمع شملنا، وولاة أمرنا، ولا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً يا رب العالمين، اللهم اهد إمامنا وأصلح بطانته، وقرب له من علمت خيراً له ولإخوانه يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين وكشمير وأرومو، وإرتيريا، والفليبين، وفي طاجكستان وأفغانستان وسائر البقاع يا رب العالمين.
اللهم توفَّنا وأنت راضٍ عنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم يا حي يا قيوم، يا من لا يخيب سائله، لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مرضاً إلا شفيته، ولا حاجة إلا قضيتها، ولا غائباً إلا رددته، ولا تائباً إلى قبلته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذرية صالحة وهبته.
اللهم صلِّ على محمد على آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 2131
رحلة إلى الدار الآخرة
الموت حق على كل حي في هذه الأرض؛ سواءً كان ملكاً أو رئيساً أو جباراً أو عنيداً، أو صالحاً أو فاسقاً، لكن ماذا بعد الموت؟ وماذا بعد دار الدنيا؟ بعدهما دار الآخرة التي غفلنا عن الاستعداد لها، وأنت هنا مع الشيخ في رحلة إلى تلك الدار، فاستعد نفسياً لما يقع فيها من عجائب وأهوال.
стр. 2132
الفرق بين المسلم والكافر يوم القيامة
الحمد لله حمداً طيباً مباركاً كما ينبغي لجلال ربنا وعظيم سلطانه، نحمده سبحانه، خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل خيرٍ سألناه أعطانا، له الحمد في الأولى والآخرة، له الحمد وحده لا شريك له، نثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يفجره، نرجو رحمته ونخشى عذابه، إن عذابه الجد بالكفار ملحق.
وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، جل عن الشبيه، وعن الند، وعن المثيل، وعن النظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، لم يعلم سبيل خيرٍ إلا دل أمته عليه، ولا سبيل شرٍ إلا حذَّر أمته منه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر الأحبة: كلنا يعلم أنه لو كان بانتظار مفاجأة سارةٍ أو ضارة، مليحة أو قبيحة، فإنه يتخيل نفسه فيها، ويتصور ما سيكون له تجاهها، فالذي ينتظر التفرج مثلاً، يتخيل يوماً يقف فيه أمام زملائه وأمام مكرميه، لكي يستلم شهادته غبطاً مسروراً بنتيجة جهده وتحصيله، والذي ينتظر وظيفةً يتخيل مكتبه ومقعده وما بين يديه من الدفاتر والمعاملات، والذي ينتظر زواجاً يتخيل زفافه ومسيره ووصوله إلى أهل عروسه، ويتخيل دخوله على زوجه، ويتوهم ويتخيل أحلى أيامه ولياليه معها، والذي ينتظر صناعةً يتخيل إنشاء مصنعه، والإنتاج في هذا المصنع، ثم خروج بضاعته ومنتجاته وتوزيعها على مستهلكيها، ويقبض غلتها وريعها ومردودها، يتخيل عده دراهمه وإيداعها في خزينته، والذي يتخيل تجارةً، يتخيل بضاعته ومستودعاته ودفاتره ومحاسباته، والذي يهم أو ينتظر سفراً يتخيل إقلاع طائرته، ثم تحليقها وهبوطها ونزوله إلى بلدٍ يسافر إليها، ثم بعد ذلك يتخيل أيامه في سياحته أو في سفره وتنقلاته، ونحن يا عباد الله! بانتظار مفاجأة سارةٍ أو ضارة، بانتظار مفاجأةٍ مليحة أو قبيحة، حسنها وقبحها، يتوقف على عمل صاحبها، ألا وهي رحلتنا من الدنيا إلى دار البرزخ، ومن دار البرزخ إلى دار القرار والآخرة.
على أي متن رحلةٍ سننتقل؟ وما هي مدة الرحلة؟ ومن هم المضيفون؟ ومن الذين يستقبلون؟ وماذا سيقدم لنا في سفرنا ورحلتنا هذه؟ ينبغي أن نتوهم ذلك وأن نتخيله وأن نتذكره، كيف سيكون شأننا في هذه الرحلة؟ والذي يسافر في رحلةٍ ولا يتخيل ماذا سيكون له من أعماله أو مفاجآته، أو جدول ما سيقدمه ويعده، فذاك نسميه معتوهاً أبله؛ لأنه يسافر إلى بلدٍ لا يدري ماذا سيفعل فيها، ولأي شيءٍ ولأي غرضٍ قدم إليها.
فيا أحبتنا في الله: تعالوا معي، وتخيلوا وتوهموا حالنا، ونحن نودع هذه الدنيا، وننتقل إلى دار البرزخ، تخيل كأنه قد نزل بك الموت وشيكاً سريعاً، فتوهم نفسك وقد صرعك الموت صرعة، ملك الموت واقفٌ على رأسك، يصرعك صرعةً لا تقوم منها إلا في الحشر إلى ربك، فتوهم نفسك في نزع الموت وكربه وغصصه، وسكراته وضمه وقلقه، قد بدأ ملك الموت يجذب أرواحنا من الأقدام، فوجدنا ألم جذب الروح من أسفل القدمين، ثم تدارك الملك الجذب واستحث النزع، وجذبت الروح من جميع أجزاء البدن، فنشطت الروح من الأسفل متصاعدةٍ إلى الأعلى حتى إذا بلغ منك الكرب منتهاه، وبلغت الروح الحلقوم، وعلت آلام الموت جميع جسمك وقلبك، وقلبك وجلٌ محزونٌ مرتقب، تنتظر البشارة أو النتيجة، إما بغضبٍ من الله أو رضى، وقد علمت أنه لا محيص لك دون أن تسمع إحدى البشارتين، لا محيص ولا محجى ولا منجى إلا أن نسمع إحدى البشارتين من الملك الموكل بقبض الروح ونزعها.
يا ابن آدم!
أنت الذي ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
فبينما أنت في كربك وغمومك، وأنت في آلام الموت وسكراته وشدة حزنك، لارتقابك وانتظارك البشارة، كالذي يقف بين يدي الحاكم مطرقاً رأسه، إما أن يؤمر بعذابه أو أن يؤمر بتكريمه وتفريحه، بينما أنت تنتظر البشارة من ربك، إذ نظرت إلى صفحة وجه ملك الموت بأحسن صورة، أو نظرت إلى ملك الموت بأقبح صورة، ونظرت إلى الملك، وأنت ترى من حولك وأنت في بعدٍ وفي شأن آخر منهم، تراهم ولا ينظرون إلى ما تنظر إليه -على سريرك أو على فراشك، في بيتك أو في المستشفى- يجثون على ركبهم، ينتظرون ماذا يحل بك، وأنت تراهم وتعلم أنهم لا يرون ما تراه، أنت ترى ملك الموت، نظرت إلى صفحة وجه ملك الموت بأحسن صورة، أو نظرت إلى صفحة وجه ملك الموت بأقبح صورة، ثم مد الملك يده إلى فمك ليخرج الروح من بدنك، فذلت نفسك، وخارت قواك، وضعفت قوتك لما عاينت ذلك، وعاينت وجه ملك الموت، وتعلق قلبك بماذا يفاجئك من البشارة إذ سمعت صوت نغمةٍ جميلة، أبشر يا ولي الله! برضىً من الله، أبشر يا ولي الله! برضى الله وثوابه، أو تسمع ذلك الملك قبيح الصورة يقول: أبشر يا عدو الله! بغضبٍ من الله وعقابه، فتستيقن حينئذٍ بنجاحك وفوزك، ويستقر الأمر في قلبك، فتطمئن إلى الله أو تستيقن العذاب والهلاك، ويحل الفزع قلبك وتندم حينئذٍ غاية الندم، ويحل بك الهم والحزن أو الفرح والسرور حين انقضت من الدنيا مدتك وودعت من عمرك أيامك وانقطع أثرك، وحملت إلى دار من سلف من الأمم قبلك، كلٌ يرى حين موته مقعده من الجنة أو من النار، فهذه ابتسامة الموتى يوم أن نراها على وجوههم، أو قلق وانزعاج الوجه والمحيا، حينما يرون ما لا يسرهم.
عباد الله: ثم ماذا بعد ذلك؟ توهم نفسك، تخيل نفسك حين استطار قلبك فرحاً وسروراً، أو ملئ حزناً وعبرةً بفترة القبر وهول مطلعه وروعة الملكين وسؤالهما، يسألانك عن إلهك، عن إيمانك بربك، فمثبتٌ من الله جل ثناؤه بالقول الثابت، أو متحيرٌ شاك مخذول، الذين حولك إن كان منهم من يحبك، وقف لحظات عند قبرك وهو يقول: اللهم ثبته بقولك الثابت، اللهم ثبته بقولك الثابت.
أنت أنت يا من لم تسمع في ظلمة اللحد، واللبن قد أغلق على لحدك، وأهيل التراب حتى ختم باب قبرك، ثم ولى الناس مسرعين إلى حوائجهم ينسونك عند آخر خطوةٍ يتجاوزون فيها باب المقبرة، وإن كان لك من حبيب أو أخٍ في الله وقف عند قبرك والناس قد ولوا وتركوك، وحبيبك هذا يقول: اللهم ثبته بقولك الثابت، اللهم لقنه حجته، اللهم لقنه حجته، فتوهم ذلك وأصوات الملائكة عند ذلك، توهم صوت الملكين حين يناديانك فيجلسانك ليوقفاك على السؤال، توهم كيف تجلس في ضيق لحدك، وقد سقطت أكفانك على حقويك، والقطن سقط من عينك على ركبتيك وقدميك، ثم رفعك البصر، وشخوصك ببصرك إلى صورة الملكين، وعظم أجسامهما، فإن رأيتهما بحسن الصورة أيقن قلبك بالفوز والنجاة، وإن رأيت ملكين قبيحين تيقنت الهلاك والعذاب، تخيل أصوات الملكين وكلامهما وتخيل سؤالهما، ثم بعد ذلك هو تثبيت الله إن ثبتك أو خذلك، وتخيل جوابك يوم يسألانك، وجوابك باليقين أو بالحيرة والشك، وتخيل إقبال الملكين عليك، إن ثبتك الله ، وإقبالهما عليك بالسرور، وضربهما بأرجلهما جوانب القبر فينفرج القبر عن النار ثم تنظر إلى النار، وهي تتأجج بحريقها، وأنت تنظر ما صرف عنك من لهيبها ونارها، فيزداد قلبك سروراً وفرحاً، وتوقن أنك نجوت من هذه النار التي نظرت إليها، أو توهم أن الملكين ضربا بأرجلهما جوانب قبرك وانفراجه عن الجنة بزينتها ونعيمها وقولهما لك: يا عبد الله! انظر إلى ما أعد لك، فهذا منزلك وهذا مصيرك، أو تتخيل أن ترى الجنة ثم يقال: حرمت منها، وأن ترى النار ويقال: أنت من أهلها، تخيل سرور قلبك وفرحك بما عاينت من نعيم الجنان وبهجة ملكها، وعلمت أنك صائرٌ إلى ما عاينت من نعيمها وحسن بهجتها، وإن تكن الأخرى، إن كنت عاينت النار توهم خلاف ذلك كله، تخيل ما ينهرك، وتخيل ما تنظر إليه ويقال لك: انظر إلى ما حرمك الله من النعيم، ثم تنظر النار ويقال لك: انظر إلى ما أعد الله لك، فهذا منزلك ومصيرك، فأعظم بهذا خطراً، وأعظم عليه بالدنيا غماً وحزناً حتى تعلم في القبر حالك، وتعلم في القبر مآلك.
стр. 2133
أبيات شعرية تصف الموت والقبر
هذه الرحلة أيها الأحبة! وهذا الوداع، وهذا الفراق، وهذه الغربة التي لا أنيس ولا جليس ولا حديث، سوى العمل الصالح، والله إنها الغربة، ليست غربة الأوطان، ولكنها غربة الأبدان في الظلمات، وغربة الأشلاء بين الدود والتراب.
ليس الغريب غريب الشام واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفن
إن الغريب له حقٌ لغربته على المقيمين في الأوطان والسكن
لا تنهرن غريباً حال غربته الدهر ينهره بالذل والمحن
سفري بعيدٌ وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني
تمر ساعات أيامي بلا ندم ولا بكاء ولا خوف ولا حزن
يا معاشر المؤمنين: ما أحلم الله، إن الله حليمٌ علينا!
ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني
أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني
يا زلةً كتبت في غفلة ذهبت يا حسرةً بقيت في القلب تحرقني
دع عنك عذلي يا من كان يعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني
دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتفكير والحزن
دعني أسح دموعاً لا قياس لها فهل عسى عبرة منها تخلصني
كأنني بين تلك الأهل منطرح على الفراش وأيديهم تقلبني
كأن ما كان حولي من ينوح ومن يبكي عليَّ وينعاني ويندبني
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب في ذا اليوم ينفعني
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرقٍ بلا رفقٍ ولا هون
وأخرج الروح مني في تغرغرها وصار حلقي مريراً حين غرغرني
وسل روحي وظل الجسم منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني
وغمضوني وراح الكل وانصرفوا بعد الإياس وجدوا في شرا الكفن
وقام من كان أولى الناس بي عجلاً إلى المغسل يأتيني يغسلني
وقال يا قوم نبغي غاسلاً حذقاً حراً أديباً أريباً عارفاً فطن
فجاءني رجلٌ منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني
وأطرحوني على الألواح منفرداً وصار فوقي خرير الماء يغسلني
وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن
وألبسوني ثياباً لا كمام لها وصار زادي حنوطي حين حنطني
وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني
صلوا عليَّ صلاةً لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني
وأنزلوني في قبري على مهل وأنزلوا واحداً منهم يلحدني
وأكشف الثوب عن وجهي لينظره وأسبل الدمع من عينيه أغرقني
فقام محتزماً بالعزم مشتملاً وأطرح اللبن من فوقي وفارقني
وقال: هلوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الجبار ذي المنن
بكيت لما كساني الترب منجدلاً صار التراب على ظهري فأثقلني
في ظلمة القبر لا أمٌ هناك ولا أبٌ صديق ولا أخٌ يؤانسني
وأودعوني ولجوا في سؤالهمُ ما لي سواك إلهي من يخلصني
وهالني صورةٌ في العين إذ نظرت من هول مطلع ما كان أغفلني
من منكرٍ ونكير ما أقول لهم إذ هالني منهم أمر فأفزعني
جاءك منكر ونكير وقال لك: ماذا عملت في دنياك؟ تقول: نمت الليل إلى وقت الدوام، بعت أفلام الملاهي وأشرطة الفيديو، بعت آلات الطرب، سهرت مع الأصدقاء، ضيعت صلاة الجماعة، اشتغلت بالغفلة، طربتُ للغناء، نسيت ذكر الله، غفلت عن قبري.
وهالني صورةٌ في العين إذ نظرت من هول مطلع ما كان أغفلني
من منكرٍ ونكير ما أقول لهم إذ هالني منهم أمر فأفزعني
فامنن عليَّ بعفو منك يا أملي فإنني موثق بالذنب مرتهن
تقاسم الأهل مالي بعد ما انصرفوا وصار وزري على ظهري يثقلني
واستبدلت زوجتي بعلاً لها بدلي وملكَّته على مالي وفي وطني
وصيرت ولدي عبداً ليخدمه وصار مالي له ملكٌ بلا ثمن
فلا تغرنك الدنيا وزينتها وانظر إلى أهلها في الأهل والوطن
انظر إلى من حوى الدنيا ليجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن
انظروا إلى الملوك، انظروا إلى الأثرياء، انظروا إلى الحكام، انظروا إلى الرؤساء، انظروا إلى أرباب الأموال، هل جعلوا في القبر معهم رصيداً؟ أو وقف على القبر لهم حارساً؟ أو جعلوا في اللحد معهم خادماً؟
انظر إلى من حوى الدنيا ليجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن
خذ القناعة في دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن
يا نفس كفي عن العصيان واكتسبي فعلاً جميلاً لعل الله يرحمني
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2134
دعوة للمحاسبة
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أحبتي في الله: هل سمعتم برجلٍ أو شابٍ إذا علم أن صديقه في السجن ذهب نجدةً ونخوةً وبذل شفاعته وجاهه وماله لكي يخرج صديقه من السجن، فأنت ماذا فعلت حتى تخرج نفسك من النار؟ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ماذا فعلنا حتى نخرج أنفسنا من سجون اللحود إلى روضات الجنات؟ ينزل بنا الأصدقاء والأقارب والأهل، فننحر لهم الذبائح ونعد لهم الضيافة ونكرمهم ولا نبخل عليهم، لكننا نبخل على أنفسنا بالأعمال الصالحة، أي بخيلٍ أبخل من الذي يهمل نفسه ويجعلها مقادةً للشيطان، إذا قال له الشيطان: احلق لحيتك، توجه إلى المرآة فحلقها، إذا قال له الشيطان: اسبل ثوبك، أطلق ثوبه يجره، وهو يعلم حديث النبي ﷺ : (ما أسفل من الكعبين ففي النار) إذا قال له الشيطان: اسهر هذه الليلة، سهر حتى ترك صلاة الفجر، إذا قال له الشيطان: اسمع هذا الطرب والغناء، ذهب ليشتري نسخة أصلية، ويباهي زملاءه وقرناءه وأنداده بوجودها عنده، وليست عندهم.
إذا قال له الشيطان ووسوس وأوحى إليه أي كافر: سافر إلى بلد الفجور والخنا والزنا، إذا وسوس له الشيطان: اشرب ما بدا لك، شرب وطاح ثملاً سكيراً مستطلاً، إذا قال له الشيطان: افعل كذا، استجاب وانقاد، يغويه الشيطان فيستجيب له: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] أولئك يعلمون ويسمعون مثل هذه المواعظ ويعرفون الخاتمة، ويعرفون الفناء وقرب الرحيل، ودنو الزوال، ومفاجأة الموت، وهول المطلع، وإفلاس النفس من شفاعة الأصدقاء والأقارب والجلساء، ولا يبقى لك إلا نفسك، إن كان معها عملٌ صالح يخلصك بهذا العمل بعد رحمة الله جل وعلا، وإلا فتبقى كسيراً طريداً شريداً وحيداً في قبرك، أفبعد هذا نتمادى يا عباد الله؟! أبعد هذا ننسى الآخرة؟ أبعد هذا نستمر على عصياننا؟ ويوم أن ينصحنا أحدٌ من الصالحين نقول: الحمد لله نحن ملتزمون، وإذا سمعنا ونظرنا إلى هذا الالتزام، وجدناه التزامٌ على سماع الغناء، والتزامٌ على سهرٍ في معصية، والتزامٌ على ترك صلاة الفجر والصلوات مع الجماعة، والتزام على المداهنة، والتزامٌ على ترك الأمر بالمعروف، والتزامٌ على ترك النهي عن المنكر، أي التزامٌ هذا يا عباد الله؟! والله لقد زين الشيطان لأقوامٍ حسن أفعالهم.
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
تأملوا وقفوا وحاسبوا أنفسكم أياماً قلائل وتصدر ميزانيتنا، فما هي ميزانية الأعمال الصالحة؟ فنمضي فنودع عاماً مالياً، سنسمع فيه كل شيء، فلنحاسب أنفسنا، ما هي ميزانيتنا المالية بالحسنات والسيئات؟ كم حسنة أودعناها في الصحيفة؟ وكم خزيةٍ وسيئة وعارٍ ومعصية أودعناها في الصحيفة؟ ولو ختم لنا بهذه الخاتمة بماذا نقابل الله؟ أيتسع القبر لمن تاجر بالملاهي؟ أيتسع القبر لمن ترك صلاة الجماعة؟ أينفرج اللحد لمن عصى الله جهاراً نهاراً؟ أيتسع القبر لمن جاهر الله بالمعصية؟ أيتسع القبر لمن غفل عن ذكر الله واستطرب الملاهي ومزامير الشيطان؟ أم يتسع القبر لعبدٍ من عباد الله مشى في ظلمة الليل والبرد القارس؟ (بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة) يتسع القبر لمن تدثر ملابسه ومضى يمشي خطوةً خطوة، وهو يسبح الله ويذكر الله، يسأل الله غفران زلة، ويسأل الله الثبات على يومٍ يستقبله، ويسأل الله استقبال يومٍ مليء بالصالحات، يتسع القبر ويرى الملائكة الحسان الوجوه، من حافظ على الصلاة مع الجماعة، من لم يتاجر بالملاهي، من لم ينشر الدعارة والأفلام الخليعة، من لم يساهم في نشر الفاحشة في المؤمنين، ينتظر أن يرى مقعده من الجنة، من دعا إلى الله على بصيرة، وأصبح هادياً مهدياً، داعياً إلى الله برحمةٍ من الله، لا بعمله ولا بقوله ولا بحوله، يقول ﷺ : (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
أسأل الله أن يتغمدنا برحمته، أسأل الله أن يتغمدنا برحمته، أسأل الله أن يتغمدنا برحمته، اللهم اغفر ذنوباً سترتها، اللهم اغفر ذنوباً سترتها، اللهم اغفر ذنوباً سترتها، اللهم امح سيئات ما علمها الناس وعلمتها، اللهم إنا نتوب إليك فتب علينا في هذه الساعة المباركة في هذا اليوم المبارك، في ساعةٍ لعلها ساعة إجابة، نسألك اللهم أن تعفو وتغفر ما سلف، وأن تهدينا إليك فيما بقي، اللهم ردنا إليك مرداً جميلاً، اللهم ردنا إليك مرداً جميلاً، اللهم ردنا إليك مرداً جميلاً، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم توفنا راكعين ساجدين، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم توفنا على ما يرضيك، اللهم توفنا على ما يرضيك، ولا تقبضنا على خزيٍ أو عارٍ أو شرابٍ أو معصيةٍ أو فاحشةٍ أو جريمةٍ يا رب العالمين.
اللهم زينا بزينة الإيمان، اللهم جملنا واسترنا بالإيمان، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين يا رب العالمين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم من كان منهم على ظهر هذه الدنيا حياً، اللهم متعه بالصحة والعافية على طاعتك، واختم اللهم له بمرضاتك.
اللهم لا تجعل لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2135
رسالة إلى الشيخ المبارك
هذه رسالة موجهة إلى كبار السن الأجلاء، إلى من طعن في السن فبلغ الستين، أو أدركه الكبر فهو في السبعين، أو صار هرماً فهو في الثمانين.
رسالة إلى من امتن الله عليه بنعمة الشيب في الإسلام، ندعوه فيها إلى المحافظة على هذه النعمة بحسن العمل، ومحاسبة النفس، وقبول الحق، والاستعداد للقاء الله، والإنابة والرجوع إليه.
стр. 2136
أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: يا عباد الله: فاتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
معاشر المؤمنين: يقول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [الحج:٥] ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] وقال ﷺ : (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل منهم من يجاوز ذلك).
أحبتنا في الله: اليوم نقف وقفة مع أنفسنا وهي تقبل على المشيب، أو تدخل الكهولة، ونقف وقفة مع آبائنا وأحبابنا الذي ودعوا سن الكهولة ودخلوا في المشيب، نقفها مع هؤلاء الأعزاء على قلوبنا، مع كبار السن الذين نحبهم إجلالاً، ونعزهم تقديراً، هؤلاء الذين رسموا للجيل طريق النجاح، وأناروا للجيل درب الحياة، نقف وقفة تحية وثناء، وشكرٍ وعرفان، لمن سطروا بتجاربهم أروع المثل في تربية أبنائهم وإصلاح مجتمعاتهم، ونقفها وقفة مع الذين شابوا، ولكنهم لا يزالون سادرين غافلين لاهين:
إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في بعضها خللا
فلأولئك الدعاء والثناء، وآخرون ممن كبروا ولا يزالون يعيشون المراهقة:
ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخٌ قد تفتى
وقفة مع كبار السن الأجلاء، أو من بلغ شأواً أو طعن في السن فبلغ الستين، أو أدركه الكبر فهو في السبعين، أو صار هرماً فلا تسأل عنه وهو في الثمانين:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبالك يسأمِ
стр. 2137
بيان فضل المشيب في الإسلام
أيها الأحبة: نقول لمن شابت لحيته، أو شاب ذقنه وعارضاه، نقول لمن كبر سنه، أنت من أنت في مكانتك ومنزلتك وقدرك، أنت الذي شبت في الإسلام، فاحمد الله على ذلك، يقول ﷺ : (من شاب شيبة في الإسلام، كانت له نوراً يوم القيامة) رواه الترمذي والنسائي، ويقول ﷺ : (من شاب شيبة كتب الله له بها حسنة، وكفر عنه بها خطيئة، ورفعه بها درجة).
فيا من اشتعل رأسه شيبا! يا من كبر وهو يتردد على المسجد كل يومٍ خمس مرات! احمد الله على أن بلغت هذه الحال وأدركت هذه السنين وأنت على التوحيد والعبادة، بلغت من الكبر عتيا ولم تسجد لصنم، ولم تركع لوثن، بل أنت عابدٌ خاشعٌ منيبٌ أوابٌ أواهٌ محبٌ لله تعالى، فمن حق هذا الذي شاب على هذه الحال أن يجل ويوقر، وأن يدعى له بحسن الخاتمة، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم) رواه أبو داود، فأنت لك شرفك ومنزلتك، تقدم في المجالس، وتقدم في الكلام، وتقدم في كل شيءٍ حتى في أمر الدين إن لم يكن معك من هو أعلم منك، بل إذا استوى كبير السن ومن هو أصغر منه في العلم، فيقدم كبير السن لكبر سنه: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، وإن كانوا بالسنة سواء، فأقدمهم هجرة، وإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا) رواه مسلم وغيره، يقول ربنا : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] والنذير هو الشيب كما جاء في تفسير الآية، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أعذر الله إلى امرئٍ أخر أجله حتى بلغه ستين سن) رواه البخاري.
قال القرطبي ﵀: والمعنى أن من عمّره الله ستين سنة لم يبق له عذر، لأن ابن الستين قريب من معترك المنايا، في سن الإنابة والخشوع، وترقب المنية والاستعداد للقاء الله .
ويقول قتادة ﵀: [اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نغتر بطول أعمارنا].
ويقول نبينا ﷺ : (خيركم من طال عمره وحسن عمله) وليس كل طولٍ في العمر مزية يُحمد العبد عليها، بل ربَّ أناسٍ طالت أعمارهم وشابوا واحدودبت ظهورهم، وضعفت قواهم ولكنهم في مزيد من سخط الله وغضبه، واستجلاب عقابه وعذابه
المرء يفرح بالحياة وطول عيشٍ قد يضره
تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره
وتسوءه الأيام حتى ما يرى شيئاً يسره
كم شامتٍ بي إذ هلكت وقائل لله دره
ليس كل طول عمرٍ يحمد عليه العبد، إلا ما كان في طاعة الله: (طال عمره وحسن عمله).
فيا أيها الشيخ المبارك! يا من مضى من عمرك خمسون أو ستون ماذا قدمت؟ وماذا أعددت؟ وما هي عدة الرحيل وأنت تتهيأ لينقلك الأحباب والورثة، والأبناء والزوجة، لينقلوك من سعة دارك وقصرك، إلى ضيق لحدك وقبرك، ومن أنس أحبابك وخلانك، إلى وحشة الدود والجنادل والظلام في المقبرة؟ ومن نور هذا البيت وإضاءة هذا القصر، إلى ظلمة هذا اللحد والقبر، ماذا أعددت وأنت على وشك الرحيل: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه).
стр. 2138
الاستعداد للقاء الله
أيها الشيخ المبارك: جاوزت الخمسين أو أقبلت عليها أو تمضي فيها ولم تحفظ بعد جزءاً من كتاب الله .
أيها الشيخ المبارك: جاوزت الخمسين وأنت لا تزال تدع الصلاة مع الجماعة وتصلي في دارك بأوهى عذرٍ، ولو كان عرضاً قريباً أو سفراً قاصداً، أو مصلحة مادية لانقلب ذاك الضعف قوة، وذلك التقوس في ظهرك اعتدالاً وصلابة، وتلهث وراء عرضٍ من الدنيا يسير، أولما دعاك المنادي حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح تثاقلت وجثمت على فراشك، أولما دعاك عبدٌ من عباد الله إلى عرضٍ فانٍ، وحطامٍ حقيرٍ من الدنيا انقلبت شاباً صلباً قوياً جلداً، طويل اللسان إلا في ذكر الله، طويل الباع إلا في الإنفاق في سبيل الله، طويل الخطى إلا في المشي إلى طاعة الله ومرضاته! عجباً لمن شاب على هذه الحال! نسأل الله السلامة والعافية.
البعض يشيب ويكبر ويطعن في السن، ولم يتعود بعد أن يتقدم بين يدي ربه في الهزيع الأخير من الليل، بل لا زال بعضهم يكبر سنه ويطول سهره، ويكبر سنه ولا يزال يسهر افتتاناً بهذه القنوات الفضائية، وحديثه في المجالس إذا تصدرها رأيت في القناة الفلانية في البارحة الساعة الثانية ليلاً من قال كذا وكذا، وشاهدت في القناة الفلانية في الساعة الثالثة ليلاً من فعل كذا وكذا، ومثلك حقيقٌ به أن يكون في الثانية والثالثة ليلاً راكعاً ساجداً، باكياً أواباً، خاشعاً خاضعاً لله، يرجو الآخرة ويخشى عذاب ربه.
[رأى أبو الدرداء رجلاً فقال له: كم عمرك؟ قال: ستون سنة، قال أبو الدرداء: الله أكبر! منذ ستين سنة وأنت تسير إلى ربك، يوشك أن تصل، فبكى الرجل فقال: ما الحيلة رحمك الله أبا الدرداء، قال: أصلح ما بقي يغفر الله لك ما مضى].
أيها الشيخ المبارك: يا من شبت وشاب ذقنك وعارضك، وسواءً ظهر الشيب أم أخفيته بالصبغ أو الحلاقة: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل منهم من يجاوز ذلك) إذا علمت بقول نبيك ﷺ ، فلا تظنن أن حساب المنايا وقدوم الآجال يتوقف إن أنت غيرت من هيئتك، أو أخلفت من حالك، ظناً أن الآجال لا تأتي إلى كبار السن، واعلم أن مزيداً من التلميع أو التغيير في هذه الشخصية، لن يجعل المنية تبتعد قليلاً أو كثيراً، واعلم أنك لا تصلح ما أفسد الدهر:
عجوزٌ تمنت أن تعود صبية وقد ذبل الخدان واحدودب الظهر
فراحت إلى العطار تبغي شبابها وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
إذا جاء النذير، وضعفت القوة وضعف البصر، واحتجت إلى العصا، وأدركت أنك مودعٌ، وأنك في انحدارٍ وانقطاعٍ من هذه الدنيا،
إذا الرجال ولدت أولادها وأصبحت أسقامها تعتادها
وكثرت من سقمٍ عوادها تلك زروعٌ قد دنا حصادها
فما أجمل الاستعداد للقاء الله ، يا من شبت ماذا تصنع إذا بلغت هذه الحال والله يقول: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥]؟ قال ابن كثير ﵀: وفيه إرشادٌ لمن بلغ الأربعين، أن يجدد التوبة وأن يعزم عليها.
وقال النووي ﵀ في رياض الصالحين: بابٌ في الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر.
ونقلوا أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة.
وقال مالك ﵀: أدركت أهل العلم عندنا وهم يطلبون الدنيا والعلم، ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالعبادة حتى يأتيهم الموت.
نحن لا نقول يجب على كل من بلغ الأربعين أن يقطع مصالح الدنيا من كسبٍ حلالٍ وسعي على الذرية والزوجة والولد، بل نقول ينبغي لمن بلغ هذا السن أن يستعد، وأن يأخذ مزيداً من الاستعداد في وقته وطاقته، وإنفاقه وماله؛ ليقدم على الله بذلك، ولتعلم أن العبرة بصلاح النهايات لا بقوة البدايات، ولتعلم أن المدار على آخر العمر، وأن الأعمال بالخواتيم، ولهذا كان من الدعاء المأثور، اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وصح عنه ﷺ : (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) ولا شك أن من شاب وتقدمت به السن، فهو أقرب إلى الموت، لأن الشباب ينتظرون مزيداً من العمر، وأما من شاب فلم يبق في عمره بقدر ما مضى، فالحرص الحرص يا من شبتم، والحرص الحرص يا كبار السن، والحرص الحرص يا من تخطون في هذه الأعمار إلى المقابر والدار الآخرة، الحرص على الإكثار من الطاعات، والإكثار من الاستغفار، والاستكثار من ذكر الله ، فإن الإنسان إذا تعود شيئاً أكثر من ذكره وشب وشاب ومات عليه:
عود لسانك ذكر الله تحظ به إن اللسان لما يعتاد قوالُ
стр. 2139
قبول الحق ولو على النفس
أيها الأحبة! كثيرٌ من الناس ومنهم كبار السن على الأخص، ظن أن كبر سنه مسوغٌ له أن يتكلم في رد حقٍ أو قبول باطلٍ أو مكروه، وبعضهم إذا أُمر بمعروف أو نهي عن منكر قال لمن نصحه أو عامله: اسكت أنا أكبر منك وأنا أعلم منك، وليس في الحق كبيرٌ وصغير، إنما الكبر في قوة العلم بالدليل وخشية الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أيها الكبير في السن: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] نعم.
بعض كبار السن إذا أمر أو نهي قال حدثنا من قبلنا، وأخبرنا من أدركناهم ونقلنا عمن عرفناهم فنقول له: إن كنت نقلت عن علماء أجلاء (فأنعم وحيهلا) وإذا كنت تنقل عن كبار سنٍ، أو آخرين ممن سبقوك إلى المقابر لم يعرفوا بعلمٍ ولا هدى ولا دليل، فليس في قولهم حجة، وليس في كلامهم محجة، بل الحجة فيما قاله الله وقاله رسوله ﷺ ، وأفتى به عالمٌ جليلٌ يُطمأن إلى علمه وخشيته وتقواه، وهذه مسألة عظيمة لكبار السن ولصغارهم، أن يقبلوا الحق ولو على أنفسهم، وأن يقبلوا الحق ممن جاء به ولو كان الذي جاء به صغيراً أو أقل علما:
تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ
رب كبير القوم لا علم عنده صغيرٌ إذا التفت عليه المحافل
فبعض كبار السن قد ينفر من الحق ويرده إذا جاء به ولدٌ أو صغيرٌ أو قريبٌ ممن يراه ليس حقيقاً أن يحمل هذا، ولكن الحقيقة أن من حمل كلام الله وسنة نبيه ﷺ فهو شريفٌ بذلك، يعظم شأنه وقدره بمقدار ما حمل من كلام الله وكلام رسوله، ويا أيها الذي شاب ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
стр. 2140
الاستعداد للمشيب
أيها الأحبة في الله: الاستعداد للمشيب حتى لا تكون الخطبة والكلمة لمن اشتعلت رءوسهم شيباً، بل وحتى تكون الموعظة للمتكلم والسامع، والشاب والذي بلغ سن المشيب، إن صلاح المشيب يتطلب استعداداً في وقت الشباب، الذين شابوا وتعودوا دخول المساجد قبل المؤذنين، والذين شابوا وتعودوا أن يمكثوا في المساجد ليكونوا آخر الناس خروجاً منها، الذين شابوا وأصبحت قلوبهم ترفرف في المساجد، وتهوي وتخفق شوقاً إلى المساجد، الذين شابوا وهم إذا دخلوا في المسجد أصبحوا كالسمكة في الماء، نعيماً ولذة، وإذا خرجوا منها أصبحوا كالسمكة قد أخرجت من الماء فهي تحن إلى الماء؛ لأن فيه أنس أرواحهم، ولذيذ ذكرهم، وجميل إخباتهم، ولذتهم في ركوعهم وسجودهم، هؤلاء لم يبيتوا ليلة غافلين عن المساجد فأصبحوا فجأة عشاقاً لها، لا إنما عودوا أنفسهم على ذلك، وقطعوا قطعاً وفصلاً جذرياً جوهريا في مرحلة من مراحل عمرهم استعداداً وقراراً صائباً حاسماً لا تردد فيه؛ أن ما مضى وانتهى ما انتهى، ليعود الواحد استعداداً للقدوم بين يدي ربه.
نحن ما خلقنا في هذه الدنيا لنظل ونستقر فيها، إنها ممر وليست مستقراً، ومن تعلق بالدنيا استوحش من الآخرة، ومن اشتاق إلى الآخرة أعد لها وعمل لها، قيل للحسن البصري: [ما بالنا نكره الموت ونحب الدنيا؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخركتم، فتكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب].
فيا أيها الأحبة: لا بد من الاستعداد للمشيب، ولا بد من تعويد النفس على المكث في المساجد، والتبكير إليها، ما الذي يضيرك أن تعود نفسك تاراتٍ وتارات، حتى يصبح أمراً لا بد منه ولا تقبل أن تتأخر عنه، أن تذهب إلى المسجد قبل الأذان وتمكث فيه؟ وما الذي يصدك أو يردك أن تمكث فيه؟ وما الذي يصدك أن تعود نفسك البقاء في بيوت الله، على حلق الذكر ورياض الجنة، ومجالس العلم، حتى تعود نفسك الأنس واللذة وأنت تخر بوجهك وجبهتك ساجداً إلى الأرض، عود نفسك أن تتلذذ بتمريغ الجبهة والأنف في حال السجود.
وتأمل حالك وأنت تخضع وتركع لله متلذذاً بهذه الحال التي حرم منها من لا يستطيع الركوع، أو حرم منها من لا يستطيع السجود.
следующие страницы →