← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: يا عباد الله: فاتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]. معاشر المؤمنين: يقول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [الحج:٥] ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] وقال ﷺ : (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل منهم من يجاوز ذلك). أحبتنا في الله: اليوم نقف وقفة مع أنفسنا وهي تقبل على المشيب، أو تدخل الكهولة، ونقف وقفة مع آبائنا وأحبابنا الذي ودعوا سن الكهولة ودخلوا في المشيب، نقفها مع هؤلاء الأعزاء على قلوبنا، مع كبار السن الذين نحبهم إجلالاً، ونعزهم تقديراً، هؤلاء الذين رسموا للجيل طريق النجاح، وأناروا للجيل درب الحياة، نقف وقفة تحية وثناء، وشكرٍ وعرفان، لمن سطروا بتجاربهم أروع المثل في تربية أبنائهم وإصلاح مجتمعاتهم، ونقفها وقفة مع الذين شابوا، ولكنهم لا يزالون سادرين غافلين لاهين: إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ ترى في بعضها خللا فلأولئك الدعاء والثناء، وآخرون ممن كبروا ولا يزالون يعيشون المراهقة: ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخٌ قد تفتى وقفة مع كبار السن الأجلاء، أو من بلغ شأواً أو طعن في السن فبلغ الستين، أو أدركه الكبر فهو في السبعين، أو صار هرماً فلا تسأل عنه وهو في الثمانين: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبالك يسأمِ

стр. 2137

بيان فضل المشيب في الإسلام أيها الأحبة: نقول لمن شابت لحيته، أو شاب ذقنه وعارضاه، نقول لمن كبر سنه، أنت من أنت في مكانتك ومنزلتك وقدرك، أنت الذي شبت في الإسلام، فاحمد الله على ذلك، يقول ﷺ : (من شاب شيبة في الإسلام، كانت له نوراً يوم القيامة) رواه الترمذي والنسائي، ويقول ﷺ : (من شاب شيبة كتب الله له بها حسنة، وكفر عنه بها خطيئة، ورفعه بها درجة). فيا من اشتعل رأسه شيبا! يا من كبر وهو يتردد على المسجد كل يومٍ خمس مرات! احمد الله على أن بلغت هذه الحال وأدركت هذه السنين وأنت على التوحيد والعبادة، بلغت من الكبر عتيا ولم تسجد لصنم، ولم تركع لوثن، بل أنت عابدٌ خاشعٌ منيبٌ أوابٌ أواهٌ محبٌ لله تعالى، فمن حق هذا الذي شاب على هذه الحال أن يجل ويوقر، وأن يدعى له بحسن الخاتمة، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم) رواه أبو داود، فأنت لك شرفك ومنزلتك، تقدم في المجالس، وتقدم في الكلام، وتقدم في كل شيءٍ حتى في أمر الدين إن لم يكن معك من هو أعلم منك، بل إذا استوى كبير السن ومن هو أصغر منه في العلم، فيقدم كبير السن لكبر سنه: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، وإن كانوا بالسنة سواء، فأقدمهم هجرة، وإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا) رواه مسلم وغيره، يقول ربنا : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] والنذير هو الشيب كما جاء في تفسير الآية، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أعذر الله إلى امرئٍ أخر أجله حتى بلغه ستين سن) رواه البخاري. قال القرطبي ﵀: والمعنى أن من عمّره الله ستين سنة لم يبق له عذر، لأن ابن الستين قريب من معترك المنايا، في سن الإنابة والخشوع، وترقب المنية والاستعداد للقاء الله . ويقول قتادة ﵀: [اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نغتر بطول أعمارنا]. ويقول نبينا ﷺ : (خيركم من طال عمره وحسن عمله) وليس كل طولٍ في العمر مزية يُحمد العبد عليها، بل ربَّ أناسٍ طالت أعمارهم وشابوا واحدودبت ظهورهم، وضعفت قواهم ولكنهم في مزيد من سخط الله وغضبه، واستجلاب عقابه وعذابه المرء يفرح بالحياة وطول عيشٍ قد يضره تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره وتسوءه الأيام حتى ما يرى شيئاً يسره كم شامتٍ بي إذ هلكت وقائل لله دره ليس كل طول عمرٍ يحمد عليه العبد، إلا ما كان في طاعة الله: (طال عمره وحسن عمله). فيا أيها الشيخ المبارك! يا من مضى من عمرك خمسون أو ستون ماذا قدمت؟ وماذا أعددت؟ وما هي عدة الرحيل وأنت تتهيأ لينقلك الأحباب والورثة، والأبناء والزوجة، لينقلوك من سعة دارك وقصرك، إلى ضيق لحدك وقبرك، ومن أنس أحبابك وخلانك، إلى وحشة الدود والجنادل والظلام في المقبرة؟ ومن نور هذا البيت وإضاءة هذا القصر، إلى ظلمة هذا اللحد والقبر، ماذا أعددت وأنت على وشك الرحيل: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه).

стр. 2138

الاستعداد للقاء الله أيها الشيخ المبارك: جاوزت الخمسين أو أقبلت عليها أو تمضي فيها ولم تحفظ بعد جزءاً من كتاب الله . أيها الشيخ المبارك: جاوزت الخمسين وأنت لا تزال تدع الصلاة مع الجماعة وتصلي في دارك بأوهى عذرٍ، ولو كان عرضاً قريباً أو سفراً قاصداً، أو مصلحة مادية لانقلب ذاك الضعف قوة، وذلك التقوس في ظهرك اعتدالاً وصلابة، وتلهث وراء عرضٍ من الدنيا يسير، أولما دعاك المنادي حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح تثاقلت وجثمت على فراشك، أولما دعاك عبدٌ من عباد الله إلى عرضٍ فانٍ، وحطامٍ حقيرٍ من الدنيا انقلبت شاباً صلباً قوياً جلداً، طويل اللسان إلا في ذكر الله، طويل الباع إلا في الإنفاق في سبيل الله، طويل الخطى إلا في المشي إلى طاعة الله ومرضاته! عجباً لمن شاب على هذه الحال! نسأل الله السلامة والعافية. البعض يشيب ويكبر ويطعن في السن، ولم يتعود بعد أن يتقدم بين يدي ربه في الهزيع الأخير من الليل، بل لا زال بعضهم يكبر سنه ويطول سهره، ويكبر سنه ولا يزال يسهر افتتاناً بهذه القنوات الفضائية، وحديثه في المجالس إذا تصدرها رأيت في القناة الفلانية في البارحة الساعة الثانية ليلاً من قال كذا وكذا، وشاهدت في القناة الفلانية في الساعة الثالثة ليلاً من فعل كذا وكذا، ومثلك حقيقٌ به أن يكون في الثانية والثالثة ليلاً راكعاً ساجداً، باكياً أواباً، خاشعاً خاضعاً لله، يرجو الآخرة ويخشى عذاب ربه. [رأى أبو الدرداء رجلاً فقال له: كم عمرك؟ قال: ستون سنة، قال أبو الدرداء: الله أكبر! منذ ستين سنة وأنت تسير إلى ربك، يوشك أن تصل، فبكى الرجل فقال: ما الحيلة رحمك الله أبا الدرداء، قال: أصلح ما بقي يغفر الله لك ما مضى]. أيها الشيخ المبارك: يا من شبت وشاب ذقنك وعارضك، وسواءً ظهر الشيب أم أخفيته بالصبغ أو الحلاقة: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل منهم من يجاوز ذلك) إذا علمت بقول نبيك ﷺ ، فلا تظنن أن حساب المنايا وقدوم الآجال يتوقف إن أنت غيرت من هيئتك، أو أخلفت من حالك، ظناً أن الآجال لا تأتي إلى كبار السن، واعلم أن مزيداً من التلميع أو التغيير في هذه الشخصية، لن يجعل المنية تبتعد قليلاً أو كثيراً، واعلم أنك لا تصلح ما أفسد الدهر: عجوزٌ تمنت أن تعود صبية وقد ذبل الخدان واحدودب الظهر فراحت إلى العطار تبغي شبابها وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر إذا جاء النذير، وضعفت القوة وضعف البصر، واحتجت إلى العصا، وأدركت أنك مودعٌ، وأنك في انحدارٍ وانقطاعٍ من هذه الدنيا، إذا الرجال ولدت أولادها وأصبحت أسقامها تعتادها وكثرت من سقمٍ عوادها تلك زروعٌ قد دنا حصادها فما أجمل الاستعداد للقاء الله ، يا من شبت ماذا تصنع إذا بلغت هذه الحال والله يقول: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥]؟ قال ابن كثير ﵀: وفيه إرشادٌ لمن بلغ الأربعين، أن يجدد التوبة وأن يعزم عليها. وقال النووي ﵀ في رياض الصالحين: بابٌ في الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر. ونقلوا أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة. وقال مالك ﵀: أدركت أهل العلم عندنا وهم يطلبون الدنيا والعلم، ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالعبادة حتى يأتيهم الموت. نحن لا نقول يجب على كل من بلغ الأربعين أن يقطع مصالح الدنيا من كسبٍ حلالٍ وسعي على الذرية والزوجة والولد، بل نقول ينبغي لمن بلغ هذا السن أن يستعد، وأن يأخذ مزيداً من الاستعداد في وقته وطاقته، وإنفاقه وماله؛ ليقدم على الله بذلك، ولتعلم أن العبرة بصلاح النهايات لا بقوة البدايات، ولتعلم أن المدار على آخر العمر، وأن الأعمال بالخواتيم، ولهذا كان من الدعاء المأثور، اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وصح عنه ﷺ : (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) ولا شك أن من شاب وتقدمت به السن، فهو أقرب إلى الموت، لأن الشباب ينتظرون مزيداً من العمر، وأما من شاب فلم يبق في عمره بقدر ما مضى، فالحرص الحرص يا من شبتم، والحرص الحرص يا كبار السن، والحرص الحرص يا من تخطون في هذه الأعمار إلى المقابر والدار الآخرة، الحرص على الإكثار من الطاعات، والإكثار من الاستغفار، والاستكثار من ذكر الله ، فإن الإنسان إذا تعود شيئاً أكثر من ذكره وشب وشاب ومات عليه: عود لسانك ذكر الله تحظ به إن اللسان لما يعتاد قوالُ

стр. 2139

قبول الحق ولو على النفس أيها الأحبة! كثيرٌ من الناس ومنهم كبار السن على الأخص، ظن أن كبر سنه مسوغٌ له أن يتكلم في رد حقٍ أو قبول باطلٍ أو مكروه، وبعضهم إذا أُمر بمعروف أو نهي عن منكر قال لمن نصحه أو عامله: اسكت أنا أكبر منك وأنا أعلم منك، وليس في الحق كبيرٌ وصغير، إنما الكبر في قوة العلم بالدليل وخشية الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أيها الكبير في السن: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] نعم. بعض كبار السن إذا أمر أو نهي قال حدثنا من قبلنا، وأخبرنا من أدركناهم ونقلنا عمن عرفناهم فنقول له: إن كنت نقلت عن علماء أجلاء (فأنعم وحيهلا) وإذا كنت تنقل عن كبار سنٍ، أو آخرين ممن سبقوك إلى المقابر لم يعرفوا بعلمٍ ولا هدى ولا دليل، فليس في قولهم حجة، وليس في كلامهم محجة، بل الحجة فيما قاله الله وقاله رسوله ﷺ ، وأفتى به عالمٌ جليلٌ يُطمأن إلى علمه وخشيته وتقواه، وهذه مسألة عظيمة لكبار السن ولصغارهم، أن يقبلوا الحق ولو على أنفسهم، وأن يقبلوا الحق ممن جاء به ولو كان الذي جاء به صغيراً أو أقل علما: تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ رب كبير القوم لا علم عنده صغيرٌ إذا التفت عليه المحافل فبعض كبار السن قد ينفر من الحق ويرده إذا جاء به ولدٌ أو صغيرٌ أو قريبٌ ممن يراه ليس حقيقاً أن يحمل هذا، ولكن الحقيقة أن من حمل كلام الله وسنة نبيه ﷺ فهو شريفٌ بذلك، يعظم شأنه وقدره بمقدار ما حمل من كلام الله وكلام رسوله، ويا أيها الذي شاب ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].

стр. 2140

الاستعداد للمشيب أيها الأحبة في الله: الاستعداد للمشيب حتى لا تكون الخطبة والكلمة لمن اشتعلت رءوسهم شيباً، بل وحتى تكون الموعظة للمتكلم والسامع، والشاب والذي بلغ سن المشيب، إن صلاح المشيب يتطلب استعداداً في وقت الشباب، الذين شابوا وتعودوا دخول المساجد قبل المؤذنين، والذين شابوا وتعودوا أن يمكثوا في المساجد ليكونوا آخر الناس خروجاً منها، الذين شابوا وأصبحت قلوبهم ترفرف في المساجد، وتهوي وتخفق شوقاً إلى المساجد، الذين شابوا وهم إذا دخلوا في المسجد أصبحوا كالسمكة في الماء، نعيماً ولذة، وإذا خرجوا منها أصبحوا كالسمكة قد أخرجت من الماء فهي تحن إلى الماء؛ لأن فيه أنس أرواحهم، ولذيذ ذكرهم، وجميل إخباتهم، ولذتهم في ركوعهم وسجودهم، هؤلاء لم يبيتوا ليلة غافلين عن المساجد فأصبحوا فجأة عشاقاً لها، لا إنما عودوا أنفسهم على ذلك، وقطعوا قطعاً وفصلاً جذرياً جوهريا في مرحلة من مراحل عمرهم استعداداً وقراراً صائباً حاسماً لا تردد فيه؛ أن ما مضى وانتهى ما انتهى، ليعود الواحد استعداداً للقدوم بين يدي ربه. نحن ما خلقنا في هذه الدنيا لنظل ونستقر فيها، إنها ممر وليست مستقراً، ومن تعلق بالدنيا استوحش من الآخرة، ومن اشتاق إلى الآخرة أعد لها وعمل لها، قيل للحسن البصري: [ما بالنا نكره الموت ونحب الدنيا؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخركتم، فتكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب]. فيا أيها الأحبة: لا بد من الاستعداد للمشيب، ولا بد من تعويد النفس على المكث في المساجد، والتبكير إليها، ما الذي يضيرك أن تعود نفسك تاراتٍ وتارات، حتى يصبح أمراً لا بد منه ولا تقبل أن تتأخر عنه، أن تذهب إلى المسجد قبل الأذان وتمكث فيه؟ وما الذي يصدك أو يردك أن تمكث فيه؟ وما الذي يصدك أن تعود نفسك البقاء في بيوت الله، على حلق الذكر ورياض الجنة، ومجالس العلم، حتى تعود نفسك الأنس واللذة وأنت تخر بوجهك وجبهتك ساجداً إلى الأرض، عود نفسك أن تتلذذ بتمريغ الجبهة والأنف في حال السجود. وتأمل حالك وأنت تخضع وتركع لله متلذذاً بهذه الحال التي حرم منها من لا يستطيع الركوع، أو حرم منها من لا يستطيع السجود.

стр. 2141

سوء الخاتمة في الجور بالوصية يا من شاب في الإسلام: احذر أن تفسد خاتمتك بالجور في الوصية، فإن من الناس من يكون صاحب مسجدٍ وعبادة، وصاحب قيامٍ وتهجدٍ وذكر، ولكن إذا خط القلم وكتب وصيته جار فيها جوراً عظيماً، جعله -والعياذ بالله- ينقلب إلى سوء الخاتمة، فتراه يوصي بحرمان البنات من الميراث، أو تراه يوصي بتفضيل ولدٍ على ولد في الميراث، وذلك لا يجوز أبداً، وما دام أن الله قد أحسن إليك في مشيبك وأقبلت على هذه الخاتمة الحسنة، فإياك أن تفسدها بجورٍ في الوصية، واعلموا يا معاشر الورثة أن من رأى وصية جورٍ، فإنه واجبٌ عليه، ولا نقول يجوز؛ بل واجبٌ عليه أن يبدلها وأن يغيرها، وألا يكون سبباً في تحقيق إثمٍ على كاتبها أو من أوصى بها، بل هو آمرٌ بمعروف مغيرٌ للمنكر.

стр. 2142

كن قدوة لغيرك أيها الشيخ المبارك: يا من شبت في الإسلام! أنت القدوة لأولادك ولأبناء حيك وجيرانك، فليكن كلامك حسناً ولباسك حسنا، وفعلك حسنا، وإياك أن تخرم مروءتك، وإياك أن تهدم هيبتك حينما تزبد أو ترعد بأدنى تصرفٍ في متابعة أمرٍ لا يليق، أو انسياقٍ وراء شهوة شبابية من لعب ورقٍ، أو مشاهدة مباريات رياضية، أو مصارعة حرة، أو سهرٍ على الباطل، أو قنواتٍ فضائحية، هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ما بال أشيب يستهويه شيطانُ إنك لتعجب يوم أن ترى كباراً في السن أخفوا شيبهم أو بقي شيبهم ظاهراً، وهم أمام المصارعة الحرة، يتصرعون أمام الشاشة إذا صرع صاحبهم أو صرعه خصمه، وإنك لتعجب من عباراتٍ بذيئة نتنة ملؤها السباب والشتيمة واللعن والطرد والإبعاد من رحمة الله، إذا كان يلعب الورق ثم أخلف صاحبه لعبته، أو أفسد عليه خطته، ينقلب إلى مراهقٍ يملأ المجلس سباً وشتماً، وربما بلغت المسألة إلى حد المضاربات والكلام البذيء. عجباً لأولئك الذين كبروا في السن وهذا فعلهم ولا يزالون على ذلك، كيف تكون قدوة صالحة ولا يزال (بكت الدخان) في جيبك؟ كيف تكون قدوة صالحة وأنبوب الأرجيلة أو الشيشة لا يزال أنيس شفتيك بدلاً من أن يكون ذكر الله ديدنك وطبعك وهجيراك؟ يا من شبت في الإسلام! أما تستحي وقد أكرمك الله بشيبة كريمة، إخوانك في الشيشان وداغستان، والبوسنة، والصومال وغيرها، شابوا يشردون، شابوا يطردون، شابوا مرضى لا يجدون دواء، شابوا فقراء لا يجدون مالاً، شابوا جياعاً لا يجدون طعاماً، شابوا ظمأى لا يجدون ماءً عذباً زلالا، وأنت قد شبت والدواء بين يديك، ولا تزال العافية في بدنك، ولا تزال كريماً في مجلسك في بلدك، في وطنك، في عزك وكرامتك، شيبة كريمة فلا تفسدها بالذنوب والمعاصي، شيبة عزيزة فلا تذلها بمعصية الله والإمعان فيها، بل اجعل بينك وبين الله سراً في التهجد والذكر، والإنفاق في سبيل الله . سبحان الله! شيخٌ كبيرٌ يريد أن يحاكي الشباب في مشيته، وحركته، وكلامه، وربما زين له الشيطان فحلق لحيته، أو خضب لحيته بالسواد، أو غير ذلك، والنبي ﷺ يقول فيما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (لا تنتفوا الشيب! فإنه نور المسلم، من شاب شيبة في الإسلام كتب الله له بها حسنة، وكفر عنه بها خطيئة، ورفعه بها درجة) رواه أحمد وأهل السنن. وذكر عبد الرزاق في مصنفه عن سعيد بن جبير أنه قال: (يعمد أحدكم إلى نورٍ جعله الله في وجهه فيطفئه).

стр. 2143

الحث على التوبة والرجوع إلى الله أيها الشيخ المبارك: يا من شبت في الإسلام! يا من طعنت في هذه السنين! يا من ودّعت من السنين ما ودّعت، العودة العودة إلى الله، والإياب الإياب إلى الاستغفار، والرجوع الرجوع إلى طاعة الله ومرضاته، وبادر نفسك بالتوبة، بادر نفسك بالإنابة، وتخلص من الذنوب والمعاصي قبل أن يتلذذ بها من بعدك، وأنت الذي تحاسب عليها يوم القيامة. بعض الذين شابوا يؤتى إليهم فيقال لهم: أسهمكم في البنوك الربوية تخلصوا منها ما دمتم على قيد الحياة، فيقول: لا. اشترينا السهم بألف ريال، والآن السهم بمائة وثلاثة وستين ألفاً، من يفرط في مائة واثنين وستين ألفاً، إذا لم تجعل هذا الفرق تحت قدميك توبةً وإنابة لله ، واستغفاراً من ذلك: ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] فاعلم أن مائة واثنين وستين ألفاً سوف يتمتع بها الورثة من بعدك، وإذا جاءوا يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. وقال كل خليلٍ كنت آمله لا ألهينك إني عنك مشغولُ تأتي يوم القيامة تطلب حسنة، نصف حسنة، ربع حسنة، ألم أجمع لكم أموالاً، ألم أخلف لكم ثروات، ألم أفعل لكم؟ يقولون: هذا يومٌ كلٌ يقول فيه: نفسي نفسي، إذا كان أولوا العزم والملائكة الكرام والأنبياء والرسل، والشهداء والصديقون يقولون: نفسي نفسي، يقول ﷺ : (يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت، لا أملك لك من الله شيئاً يوم القيامة) إذا كان هذا شأن أولي العزم، بل شأن سيد الأنبياء والمرسلين، فما شأنك يا مسكين؟ أتظن أنك إذا خلفت ثروة من الحرام، من أسهم البنوك الربوية، أتظن أنك تبيت أو تموت قرير العين، وأنت الذي تحاسب عليها وتعذب عليها، وتكوى بنارها، ألا فتخلص منها، لأنهم لو ضربوا هذه المبالغ في عددها عشر مرات ما أخرت الأجل عنك ساعة: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٥] ماذا يفعل أبناؤك الذين خلفت لهم أموالاً حراماً؟ إن كان فيهم خيراً تخلصوا منها وإلا تمتعوا بها، وجعلوا عذابها وحسابها وشؤمها عليك وحدك، إن كانوا لا يعرفون حقيقة مصادرها.

стр. 2144

السفر إلى بلاد الكفار أيها الأحبة! إن من العجب والمحزن والمبكي، أن ترى بعض كبار السن لا يزال غارقاً في لشهواته، عددٌ ليس بالقليل من كبار السن، لما تقاعدوا من أعمالهم، تجد البعض منهم سافروا إلى الخارج وسكنوا هناك، والناس يتمنون أن يعيشوا في بلاد الإسلام، إن من الصالحين من لما تقاعد من وظيفته واشتعل رأسه شيباً هاجر إلى مكة والمدينة يريد أن يموت فيها، من استطاع أن يموت في المدينة فليفعل، المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، وآخر لما تقاعد اشترى له شقة في بلدٍ النساء فيه كاسيات عاريات، وبعضهم لا يجد أنسه إلا إذا أخذ جرائد الصباح واستمتع بها في مشهدٍ قد امتلأ طريقه وممر عبور الناس فيه بألوان الغاديات، وأصناف الكاسيات العاريات، يا سبحان الله إن منهم هداهم الله -وأقول هذا الكلام، وهي رسالة لا شك أنها ستصل أناساً ممن هم على هذه الشاكلة- من يمكث طيلة السنة خارج المملكة، فإذا جاء رمضان جلس في بيته يصوم مع أولاده، وليلة العيد الويل كل الويل إن لم تكن بطاقة الصعود إلى الطائرة للعود إلى تلك البلاد قد أعدت له، يترك شيئاً يسيراً من المال لأهله ويعيش وحده هناك، الله أعلم كيف يعيش، بل بعضهم معلومٌ عيشه بشهادة الشهود العيان، يشار إليه بالبنان، ويعرف حاله ومآله، وما يتقلب فيه بتلك البلاد، وقد قلت ذات يومٍ لأحدهم يا فلان! في كل مرة يستقبلك أولادك في المطار، وإن لم تتب فيوماً من الأيام يستقبلون تابوتاً فيه جثتك، اعلم إن لم تقطع هذه العادة والهجرة إلى بلاد الكفر والسكنى والمكث والبقاء فيها، إن لم تقطع هذه المعصية، إن لم تبادر بالإقلاع عن هذا الفعل لتعيش في بلاد التوحيد والإسلام، ولتجاور واحداً من الحرمين مكة أو المدينة، اعلم إن لم تبادر بالتوبة والإنابة والرجوع وأنت تعز وتكرم بين أولادك الذين يتعطشون لاستقامتك، ويتعطشون لحسن خاتمتك، ويخافون من حالٍ يشمت بهم الشامتون فيك، يقول لهم الناس فلانٌ أولاده تعودوا أن يستقبلوه، واليوم استقبلت جثته مع العفش، مع عفش المسافرين في المطار، فأسألك بالله من الذي يحمد حالك، أو يشكر صنيعك، أو يذكرك بخير، أو يذكر لك سيرة حسنة. اللهم أحسن ختامنا، اللهم أحسن ختامنا، اللهم أحسن ختامنا، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2145

نهاية الحياة الدنيا الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في دين الله ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أحبتنا في الله: عودٌ والعود أحمد إلى آباءٍ كرام، وأجدادٍ أجلاء لا يزال بعضهم جاهلاً بطريق الحياة، وأنها تنتهي إلى بابٍ مسدودٍ اسمه المقبرة، انتقالٌ إلى دار برزخية، وما أدراك ما يكون في هذه الدار البرزخية. أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر وأين المذل بسلطانه وأين العظيم إذا ما افتخر انتهاء وانتقال من هذه الدنيا إلى حالٍ لا يدفن مع الملك خادمه، ولا مع القائد جنديه، ولا مع الثري ماله، ولا مع الأميرة وصيفتها، ولا مع كبيرٍ ولا صغير: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] القدوم بين يدي الله ، الحال: حفاة عراة ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤] فلمَ لا نستعد، ولِمَ لا نتهيأ، ولِمَ لا نتخلص من هذه الذنوب وهذه الأوزار بدلاً من أن تكون ميراثاً وتركة؟ ما ظنكم برجلٍ يشيب ثم يموت، فيقول الناس قد ترك مائة سهمٍ ربويٍ يتنازعه الورثه، أو ترك ألواناً وأصنافاً من آلات اللهو والطرب، أو ترك أضرباً وأنواعاً من أسباب العقوبة والمقت والسخط؟ إن الواجب على من تقدمت به السن، أن ينتبه لنفسه أكثر وأكثر، والعجب أن المثقفين من كبار السن، كلما تقدمت بهم السنون؛ كلما ازداد مراجعاتهم للأطباء، والتحاليل المخبرية، وفحوصات الأشعة، من أجل ماذا؟ لأنهم يدركون أن الضعف قد بدا على الأبدان، وما كانوا يترددون على الأطباء في فترة شبابهم، لكن لما كبر السن وظهر الشيب وضعفت القوى أخذوا يترددون، وهذا دليل على أن الشيء ينقص ثم ينقص ثم ينتهي، فيا كبار السن! عودوا إلى الله ، حتى تكون الخاتمة سعيدة هنيئة لذيذة. اللهم إنا نسألك عيشة هنيئة، وميتة سوية ومرداً إليك غير مخزٍ ولا فاضح، اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، إلهنا وربنا ومولانا وخالقنا، يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعالٌ لما تريد، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، يا من إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، اللهم أهلك الروس الشيوعيين، اللهم اجعل سلاحهم في صدورهم، واجعل كيدهم في نحورهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم كما قهرتهم في أفغانستان فاقهرهم في الشيشان وداغستان، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم إنهم يحاصرون جروزني عاصمة إخواننا في الشيشان، إلهنا فاجعل جندك وملائكتك تحول بينهم وبين ما يريدون يا رب العالمين، اللهم اجعل جنودك الذي لا يعلمها إلا أنت تحول بينهم وبين ما يريدون، اللهم اجعل جنودك الذي لا يعلمها إلا أنت تحول بينهم وبين ما يريدون، اللهم ارحم النساء الثكالى، والأطفال اليتامى، والشيوخ الركع، والبهائم الرتع، اللهم ادفع البلاء عن إخواننا، اللهم ارفع البلاء عن إخواننا في الشيشان وداغستان، إلهنا لا حول ولا قوة إلا بك، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حسبنا وحسب إخواننا الله، حسبنا وحسب إخواننا الله وكفى وهو نعم الوكيل، اللهم سدد إخواننا المجاهدين، ووحد صفهم واجمع كلمتهم، وأقم على التوحيد دولتهم يا رب العالمين، اللهم انصرهم، اللهم عجل نصرهم، اللهم احفظهم، اللهم ثبتهم، اللهم أعنهم، اللهم أنزل الصبر والثبات واليقين والطمأنينة في قلوبهم يا رب العالمين، إلهنا ومولانا آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وحكامنا وعلماءنا على طاعتك، ولا تفرّح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً يا رب العالمين.

стр. 2146

ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدين معلومة، فلا يحتاج إلى تردد أو مشاورة أو دراسة، فهو مذكور في الكتاب والسنة، به نجاة الأمة، وبه نجاتنا وفوزنا وفلاحنا، وفي هذه المادة تحدث الشيخ عن فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم أتبعها بذكر شروطه وآدابه وبعض مسائله.

стр. 2147

فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله حق التقوى. أيها الإخوة: نقف اليوم مع حديث عظيم من أحاديث الرسول ﷺ قال ﷺ : (يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظ، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). عباد الله: الأمور مقدرة، والآجال مؤجلة، والأرزاق مقسومة، والفرص محدودة، والأنفاس معدودة، وكل شيء بأجل مسمىً عند الله ، فلنحسن ما بيننا وبين الله ؛ فعند ذلك لا نخشى شيئاً قل أو كثر. أيها الإخوة: هذا حديث عظيم وجليل ينبغي أن ننتبه له وأن نجعله مقياساً دقيقاً في أعمالنا كي لا نقع في رضا الخلق بسخط الخالق؛ ولكي نستطيع أن نكسب رضا الخلق فعلينا بطاعة الله . أيها الإخوة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي أن يكون هاجساً وحديثاً وعملاً وهمة في نفس كل مسلم، ينبغي أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملاً دائماً نشغل أنفسنا به؛ لأن ذلك دليل على إخلاصنا ومحبتنا لربنا، وغيرتنا أن يعصى الله أمام أعيننا، ومحبتنا أن يكون الخلق كلهم مطيعين لله . يقول أحد السلف: وددت أن هؤلاء الخلق أطاعوا الله ولو قرض لحمي بالمقاريض. يريد أن يكون الناس في عبادة لله ، وعدم عصيان لله ولو قرض لحمه بالمقاريض، انظروا الغيرة والإشفاق والمحبة لعباد الله ! ولقد كان السلف الصالح يعتنون بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عناية عظيمة، حتى إن بعضهم مع مجافاته وعدم محبته للمناصب والولايات يلزم نفسه أو يضطر لأن يتولى ولاية معينة فيها أشد الحساب ألا وهي القضاء، لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول ابن رجب: وكان بعض الصالحين يتولى القضاء، ويقول: أنا لا أتولى القضاء إلا لأستعين به على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أيها الإخوة: لا أظن بعد هذا -وقبل هذا في نفوسنا- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى تردد، أو مشاورة أو اتخاذ قرار أو دراسة، فالأمر وارد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبه صلاح الأمة، وبه نجاتنا وفوزنا وفلاحنا.

стр. 2148

العدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيها الأحبة: نحتاج إلى عدة حتى نمضي على هذا الأمر وأهم عدة هي الصبر، يقول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] لأن الإنسان لابد أن يصيبه شيء، وهذه سنة الله جل وعلا أن يكون أصحاب الباطل وأصحاب الحق في صراع دائم، فلابد أن يصيبك شيء من الابتلاء والامتحان في مالك، أو ولدك، أو فرصك، أو حياتك، لكن اسمع قول الله جل وعلا على لسان لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] وانظروا هذا الأمر: (أَقِمِ الصَّلاةَ) ثم ثنى بعده: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ) الصلاة مناجاة بل هي أعظم سند للمسلم في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. كذلك يا أخي المسلم! حينما تتسلح بالصبر في هذا الأمر المهم ينبغي أن تكون متصفاً بأمر آخر وهو الذي يجعل العباد يتأثرون بأمرك، ويقبلون كلامك، ويمتثلون ما تأمرهم به من أمر الله وأمر نبيه ﷺ ، ألا وهو الإخلاص فهو مفتاح الانقياد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فالإخلاص يجعل هذه الكلمات مفاتيح سحرية شفافة تدخل إلى قلوب مغلقة فتفتحها، ثم توصل هذا الكلام إليها فتتأثر وتتفاعل، وهنا نتهم أنفسنا، ونتهم إخلاصنا؛ لأننا عرفنا أن الصحابة والسلف الصالح وعلماء الأمة كانوا يقفون في موقف واحد، أو في منبر واحد، أو في مكان واحد، فيعظهم ويأمرهم وينهاهم فتجدهم متأثرين يبكون خاشعين مخبتين، ما بالنا كثرت خطبنا، كثر كلامنا، كثرت محاضراتنا، كثرت كلماتنا ولا يتأثر إلا أقل القليل. أيها الإخوة: لنتهم أنفسنا، فإخلاصنا فيه دخن. يقول الحسن البصري: [الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم] فالإخلاص الذي هو مفتاح سر الانقياد قد أوتينا من قبله، أو قد دخل علينا منه، فينبغي أن نحاسب أنفسنا وأن ندقق في أمورنا. أيها الإخوة: حينما نعلم أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نتيجته أن ينتشر الباطل ويتكاثر أصحابه ويتجرءون على أهل الخير والصلاح، ويجرءون في السخرية، ويجدون في الاستهزاء بهم، أيرضى المسلم أن يقع هذا لدينه وأبناء دينه؟! لا والله. إذاً: ما هو السلاح لصد هذا الأمر؟ هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسأضرب مثالاً كلنا نعرفه: منذ فترة كان الذي يُذكر عنه في بيته أن عنده عوداً إنساناً يتحدث به في المجالس، والآن يتجرأ كثير من الشباب ويخرج بهذا العود ويقف على قارعة الطريق مع شلة من الشباب، ثم يبدأ يعزف وقت الصلاة، يؤذن للصلاة وتقام الصلاة وينصرف الناس وهؤلاء على لهوهم وباطلهم، وقد كان أصحاب المنكر لا يستطيع واحد إظهاره، بل أن بعضهم يخرج العود في خيشة، وهي: كساء من الليف؛ خشية أن يظن أن في بيته عوداً، والآن بكل بجاحة وجرأة يقف على قارعة الطريق، والسبب في ذلك نحن؛ لأننا رأينا أول واحد وثاني واحد وعاشر واحد ولا نقف في وجهه إلا ما ندر، وما وجد من يقول لهؤلاء الشباب: اتقوا الله الذي جعل لكم السمع والبصر، لو شاء الله لأشل هذه الأصابع التي تعزف بها وتتفنن بالعزف بها، لو شاء الله لجعلها مشلولة فما استطعت أن تحركها، إذا لم تقلع عن هذا المنكر فكن مختبئاً، لا تجاهر بالمنكر، فإن أنكر المنكر أن يجاهر المرء به، وإن أفسق الفسق أن يجاهر الفاسق بفسقه.

стр. 2149

أمور ينبغي أن تراعى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيها الإخوة: من الأمور المهمة التي ينبغي أن نلاحظها وأن نراعيها فيما يتعلق بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

стр. 2150

المصالح والمفاسد حينما نأمر بمعروف نعلم أن هذا الأمر أو أن هذا النهي لا يفضي إلى مفسدة، وأن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر يكون ميزانه في درجات، وبالمناسبة فالاستجابة ليست شرطاً، فإنه قد يقول قائل: أنا أعلم مليون في المليون إن كان هذا الجدار يتحرك من مكانه فإن هذا الذي آمره بالمعروف لا يتحرك، نقول له: مر بالمعروف وانه عن المنكر، ولو لم يغلب على ظنك أن هذا المأمور وأن هذا المنهي يقلع عن الباطل، أنت مأمور وما عليك إلا البلاغ، والهداية بيد الله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٢٠]. والمنكر في تغييرنا له حالات: إما أن يستجيب، وإما ألا يستجيب المدعو، وإما أن يكون في تغيير هذا المنكر منكر أعظم منه، فالواجب علينا في تلك اللحظة ألا نغير هذا المنكر، وأن نتركه حتى حينه، نكون أصحاب موازين ومقاييس، أصحاب فقه وحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] ينبغي أن نعرف وأن نعلم إذا غلب على ظننا حينما نأمر بهذا الأمر أو ننهى عن هذا الشيء، أنه سيفضي إلى مفسدة عظيمة فينبغي أن نترك الأمر، إذا تساوى الأمران، قال بعض العلماء: تنكر، وقال بعضهم: لا تنكر، والواجب بل الأرجح أن الإنسان ينكر، أما ما دون ذلك فالإنكار لا شك مطلوب، فينبغي أن يكون لدينا فقه ومعرفة.

стр. 2151

اتباع الأسلوب اللطيف كذلك ينبغي للإنسان حينما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون متبعاً لأسلوب مهم، ألا وهو أسلوب معرفة حماية النفس، لا أقول هذا لأنقض الكلام السابق فيما يتعلق بالخوف على النفس في المال أو في الرزق أو في غير ذلك، لا. ولكن أقصد بذلك أن تكون قد سلكت الأسلوب الذي يجعلك فيما يغلب على ظنك مؤثراً، أو بالأحرى ألا تكون متعرضاً لتحديات ومواجهات، وأنت تعرف سلفاً أن هذه المحاولات فاشلة، ومن ثم يترتب على ذلك منكر أعظم من المنكر الذي أنت في صدد تغييره، أضرب لكم مثالاً: ذات مرة جاءني أحد الأصدقاء الذين أعرفهم ووجهه قد أدمي، وفي وجنته بعض الجراحات، وأخذ يبكي، فقلت له: يا أخ فلان! ما الذي بك؟ أخذته العبرة ثم بعد ذلك سكت أو سكن مما بخاطره وسألته، قال: لنا جار يبني عمارة، وكان عنده عمال لا يصلون، فجئت ودخلت على العمال في العمارة، ولعله صار بينه وبينهم شيء من رفع الصوت والغلظة والجدال، فما كان من صاحب العمارة ومعه أناس آخرون إلا أن أمسكوا به وضربوه وجلدوه وفعلوا به فعلاً لا يفعل بمسلم، ثم بعد ذلك أخرجوه، فقلت له: يا أخي: كان من واجبك أن تتبع أسلوباً لطيفاً رقيقاً، وفي هذه الحالة: أيهما أفضل أنك أنت الآن يستهزأ بك ويتمسخر بك أمام هؤلاء الفسقة الذين ضربوك، أو أنك اتخذت الأسلوب الأمثل فذهبت إلى الهيئة وقلت: هناك أناس أنا أخشى منهم مثلاً -إلا أن يكون مفادياً بنفسه لله؛ فذلك أجره على الله- لكن أقول ذلك لأستشهد للحديث الذي رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن: (لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه، قيل: كيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق) إذا كنت صبوراً وتتحمل وتصارع وتجادل أهل الباطل وتصرعهم وتذلهم نقول: أعانك الله على هذا التغيير، لكن أنت لا زلت شاباً صغيراً تدخل على مجموعة في بيت الله فلا تعرض نفسك لشيء لا تطيقه. إذاً: لا نقول: من واجبك أن تسكت، ولكن أن تأخذ من هو أكبر منك، إمام المسجد، عمدة الحي، إنسان مسئول، رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة، وتقول: هؤلاء لا يصلون، وعند ذلك إذا سلكت هذا الأسلوب تكون بإذن الله جل وعلا قد أديت الواجب وحفظت نفسك، ولم تعرضها لما لا تطيق من البلاء.

стр. 2152

أن يكون الآمر والناهي قدوة لغيره كذلك من الأمور والآداب التي ينبغي أن نراعيها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسألة القدوة، بأن تكون أنت بنفسك مؤتمراً بالمعروف منتهياً عن المنكر قبل أن تأمر الناس، قال رجل لـ ابن عباس: [إني أريد أن آمر بالمعروف وأن أنهي عن المنكر، قال: نعم. انظر إلى ثلاث آيات، فإن استطعت ألا تقع في واحدة منهن فاؤمر جزاك الله خيراً، قال: وما هي يا ابن عباس؟ قال: قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨] والآية الأخرى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤] والآية الثالثة: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]]. إذاً: من واجب الإنسان أن يكون قدوة صالحة حتى يكون لكلامه وقع وأثر على النفوس.

стр. 2153

عدالة الآمر والناهي وهذه مسألة ذكرها الفقهاء وتعرضوا لها في كتب الفقه وفي كتب الحسبة، وهي هل يشترط عدالة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟ أعني: هل يشترط أن يكون عدلاً صالحاً عالماً مستقيماً، سليماً خالياً من الصغائر والكبائر؟ هذه مسألة خلافية، ورجح أغلب أهل العلم أنه لا يشترط العدالة التامة، وإنما يشترط العدالة العامة وذلك بالسلامة من فواحش المنكرات وكبار المعاصي، أما الصغائر فلا يسلم منها أحد، ولذلك فإن الإنسان حينما يحجه الشيطان ويقول له: أنت تفوتك صلاة الفجر أحياناً، كيف تأمر الناس بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فتترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيكون عليك ذنبان، ترك الصلاة جماعة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يقول الحسن البصري: [ود الشيطان منا أن نقع في المنكر وألا نأتمر بالمعروف ولا نتناهى عن المنكر] الشيطان يتمنى ذلك، لكن ينبغي إذا وقعنا في واحدة ألا نقع في اثنتين، إذا زل الإنسان في زلة بسيطة أو سهلة يستغفر ويتوب إليه ، ومع ذلك يبقى مصراً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يجمع على نفسه هذين الأمرين يقول الشاعر: إذا لم يعظ في الناس من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمد المعصومون هم الأنبياء: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] ليس هناك أحد يسلم الصغائر إذاً: فلا تكن هذه المسألة حجة. كنت أعرف صديقاً، من حسن صفاته أنه كان دائماً إذا صلى في مسجد استأذن إمام المسجد أن يلقي كلمة، فيقوم يلقي كلمة يتأثر بها كثير من الناس الحاضرين، وبعد مدة ترك هذا الشيء، وسألته: يا أخ فلان! مالك؟ قال: يا أخي أنا أرى نفسي مقصراً في بعض الأمور، إذاً: يا أخي! عالج نفسك ولا تحرم الناس هذا الخير، ولا تحرم نفسك هذا الأجر والثواب، انظروا هذا المدخل الشيطاني! أيها الإخوة: لا يأتي الشيطان إلى أحدنا ويقول له: من أنت؟ لست بعالم، ولست بكامل، وفيك وفيك من الذنوب ما الله به عليم، نقول: لا. أنا أستغفر الله وأتوب إليه، وأجاهد نفسي، وما دمت حياً فأنت في جهاد مع نفسك، لأن هناك شيطاناً يجاهدك، وهوىً متبعاً، ونفساً أمارة بالسوء، كلها ستجاهدها في وجه الله وفي طاعة الله ، فلا يكون ذلك مدخلاً عليك في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 2154

لا إنكار في مسائل الخلاف أيها الإخوة: هنا أيضاً مسألة مهمة جداً وهي الإنكار في مسائل الخلاف: قد ترد مسائل خلافية عند بعض أهل العلم، أي أن فريقاً من العلماء يقول: هذا الشيء يجوز، وبعض أهل العلم يقول: لا يجوز، فعند ذلك نأتي في دبر هذا الزمان الذي اتسع فيه خرق افتراق الأمة ونريد أن نجمع الناس على رأي واحد وأمر واحد، ما دامت النصوص موجودة، والاجتهاد مفتوح، وكل يتبع شيخاً بدليل، إذا كان مقلداً قد يتبع هذا الشيخ بدليله، وإذا كان مجتهداً فعنده الدليل، تأتي أنت تقول: لا. لابد أن تتبعوا هذا الأمر. وأعطيك مثالاً على ذلك: رجل دخل المسجد وقت نهي، والرسول ﷺ نهى أن يصلى في أوقات معلومة، ويستثنى من ذلك بما هو معلوم، يستثنى قضاء الفوائت، يستثنى أشياء معينة، والرسول ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) جاء إنسان بعد صلاة العصر، وصلى ركعتين، يأتي واحد يمسكه ويقول: لا يجوز يا أخي، لا يصلح، ثم تقعد تبلج في حلقه، لماذا هذا كله؟ لأن هذا وقت نهي، فنقول: اتركه يا أخي! المسألة وارد فيها الدليل، وهناك من الصحابة من رأى هذا الرأي، ومن الصحابة من رأى الرأي الثاني، فالمسائل الخلافية التي جاءت الأدلة فيها بالتوسيع على الأمة، ينبغي ألا ننكر فيها؛ لأنه قد يغلب على ظننا أو بالأحرى نظن لهذا الرجل أنه قد أخذ بدليل هذا الشيخ أو بدليل هذا العالم، إذاً فالمسألة ورد فيها عدة أدلة، وعند ذلك لا ينكر أي: لا يشدد النكير بعضنا على بعض، بإمكانك إذا كان طالب علم أن تتناقش معه، تقول: أنا أريد أن أستفيد، والرسول نهى عن الصلاة في هذا الوقت، وذلك إذا كنت تستدل عليه فهو يقول لك: إنها من ذوات الأسباب، أو كذلك العكس، فعند ذلك إذا كان في المسألة مجموعة من الأدلة، والمسألة خلافية بين العلماء، فلا ينبغي أن نشدد النكير فيما اختلفنا فيه.

стр. 2155

شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أيها الإخوة: كلنا يعلم أن شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عديدة: منها:

стр. 2156

الإسلام أن يكون مسلماًً؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولاية، والولايات لا يتولها الكفار: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] فالإسلام شرط أساسي من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك نص الفقهاء ألا يولى الحسبة كافر. وكذلك أن يكون: عدلاً بالجملة، وليس عدلاً بالدقيق والجليل، لأن العدالة الكاملة شبيهة بالعصمة والعصمة للأنبياء، والكمال لله تعالى.

стр. 2157

الاستطاعة المسألة الثالثة: الاستطاعة، كل فيما يخصه، أنت رأيت منكراً فأقل الأمور أن تنكر بقلبك إذا لم تستطع بلسانك، وإذا غيرت بلسانك جزاك الله خيراً إذا لم تستطع أن تغير بيدك، وكلنا يعلم قول الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] بحيث لا يترتب على هذا الإنكار منكرات أعظم وأشد، ومسألة الاستطاعة كل بحسبه، يقول ﷺ : (ما نهيتكم عن أمر فاجتنبوه، وما أمرتكم بشيء أو بأمر فائتوا منه ما استطعتم) فكذلك إتياننا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل فيما يخصه بقدر استطاعته. من شروط هذا المنكر الذي ننكره أن يكون منكراً فعلاً، ليس -كما سبق- قد تكون المسألة فيها أقوال متعددة، فعند من لا يرى هذا الأمر يعده منكراً، فلا.

стр. 2158

وجود المنكر المسألة الثانية: أن يكون المنكر معلوماً موجوداً حال إنكارك؛ لكن إذا فات فعل المنكر يأتي هنا دور الوعظ والنصيحة، ومثال ذلك: إنسان علمت أنه شرب الخمر في يوم أمس، وفي اليوم الثاني جاء ودخل المسجد وصلى، تأتي تمسكه في المسجد وتقول له: لماذا تشرب الخمر في يوم أمس؟ صحيح أنك تنكر المنكر لكن فات وقته، وعليك الآن أن تنصحه، تقول: علمت أو سمعت أو لاحظت، حتى مسألة سمعت مسألة لنا فيها كلام وسنتحدث فيها، سمعت أنك بالأمس في وقت كذا أغواك الشيطان، أو كذا، ولكن التوبة مفتوحة، وأقلع يا أخي، فالخمر أم الخبائث إلى آخر ذلك من النصيحة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لأن الإنكار ليس هذا وقته، فالمنكر لم يكن موجوداً الآن، وقد فات وقته، فدورك الآن الوعظ والإرشاد.

стр. 2159

عدم التجسس والتحسس كذلك أن يكون المنكر ظاهراً بغير تحسس أو تجسس، فلا يجب على المسلم بل يحرم عليه أن يتجسس يقول: والله يمكن أن يوجد في ذاك البيت منكرات، فلابد أن نتجسس على بيتهم كي نعرف هل عندهم منكرات أم لا. فنقول: لا يجوز لك أنك تتصنت حتى تعرف ماذا يدور من المنكر في هذا البيت، هل عندهم غناء ورقص أم لا، إذا علمت بحاسة ممكنة، ببصرك وبرؤيتك أو بأذنك، عند ذلك تستطيع أن تنكر، لكن أن تتسور أو تتحسس وتتجسس حتى تنكر، لا. ما هذا بإنكار، هذا تجسس، وهذه جاسوسية نهى عنها الإسلام، والمسألة ليست بالأمر الهين. روي أن عمر بن الخطاب ﵁ علم أن منكراً في بيت رجل، فتسور عليه الباب وأطل عليه، ووجده فعلاً على منكر، فأمره عمر بن الخطاب بالمعروف ونهاه عن المنكر الذي هو فيه، فقال ذلك الرجل: يا أمير المؤمنين! لقد أنكرت منكراً ووقعت في ثلاثة منكرات، المنكر الأول: أنك تجسست علي والله سبحانه قال: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢] والرسول ﷺ قال: (ولا تحسسوا). الأمر الثاني: أن الله قال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]. والأمر الثالث: أن الله جل وعلا قال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩] وأنت تسورت الجدار يا عمر وما أتيت البيت من الباب، فرجع عمر، وكان وقافاً عند كتاب الله. إذاً: من شروط إنكار المنكر الرؤية، ولذلك الرسول ﷺ قال: (من رأى) ما قال من سمع بمنكر يعني: يذكر له منكر، لا. رأيت أو علمت هذا المنكر بحاسية شخصية منك، عند ذلك وجب عليك، إلا أن يكون مسئولاً تحت سلطتك وتحت يدك من رجال الأمن ومن هم مكلفون بمعرفة هذا الأمر، وبلغت هذا الأمر، لا تقول له: اصبر حتى آتي أنظر بنفسي، لا. هؤلاء مكلفون، وهؤلاء في مكانك وفي مكان ولي الأمر لمعرفة هذه الأشياء.

стр. 2160

مسألة: إنكار المنكر المعلوم فيما يتعلق بمسألة إنكار المنكر المعلوم أو الموجود كما قلنا في مثال شارب الخمر، أعني المنكر الذي ينبغي ألا نتحسس ولا نتجسس عليه، وهناك حالة نستثنيها، يجوز فيها التحسس والتجسس وهي أن المنكر إذا وقع يفوت ولا يستدرك، كمن علم أن رجلاً سيقتل رجلاً في هذا البيت، فعند ذلك يجوز لك إلى حد ما أن تبذل من الأسباب ما يدفع هذا الأمر، ولا تنتظر حتى يقع المنكر، والمسألة قد نص عليها أهل العلم قالوا: بشرط أن يخشى فواتها، كذلك إذا علمت بوسيلة من الوسائل أن امرأة سيزنى بها، فهل تنتظر حتى يقع الزنا ثم تأتي تنكره؟! لا. يجوز لك ولو تحسست إلى حد ما أن تحول بالوسيلة التي مكنك الله بها بين هذا المنكر وبين أصحابه. أيها الإخوة: وكما قلت: نحن بأمس الحاجة إلى الأسلوب اللطيف بالتغيير، وبأمس الحاجة إلى الأسلوب الجميل في الدعوة إلى الله، وذلك لقول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] أسلوب التغيير ينبغي أن يكون بالأسلوب اللطيف، أسلوب النصيحة، أسلوب الإشفاق، أسلوب المحبة والمودة. كذلك إذا أردت أن تنصح أقواماً ومن بينهم مجموعة كلنا يعلم أنك تقصد فلاناً في الصف الرابع من المجلس فهذا لا يجوز، كان ﷺ إذا أنكر أمراً قال: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) إذاً: فلك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فالله لما أرسل موسى وهارون إلى فرعون الذي تجبر وطغى وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وقتَّل بني إسرائيل وفعل وفعل، قال الله لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] والله يقول لنبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فلا بد من اللطف واللين، لابد من المشاورة، والتقدير والاحترام حتى أثناء الإنكار، حتى أثناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأسلوب النبي ﷺ نموذج نسوقه الآن في إقناع الإنسان، وفي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، جاء شاب وقال: (يا رسول الله! ائذن لي بالزنا، فهم الصحابة أن يقتلوه، فقال ﷺ : دعوه، اتركوه، فجاء ومسح على رأسه، فقال: أترضاه لأمك؟! قال: لا. أترضاه لأختك؟! قال: لا. أترضاه لخالتك؟! قال: لا. وكان كلما قال له: شيء قال: لا. فكان الرسول يقول له: فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضاه لعمتك؟! قال: لا. قال: فإن الناس لا يرضونه لعماتهم، ثم مسح الرسول ﷺ على رأسه أو قلبه ثم قال: اللهم حصن فرجه -ودعا له بدعوات- قال: فما فارق الرسول ﷺ إلا والزنا أبغض شيء إليه) الأسلوب الجميل في الإنكار له الأثر العظيم. جاء أحد الوعاظ إلى أحد الخلفاء وأغلظ عليه في الموعظة، فماذا قال الخليفة؟ ضجر وقال: على رسلك، فقد بُعث من هو خير منك إلى من هو شر مني، بعث موسى إلى فرعون ومع ذلك قال له الله : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. ويذكرون أن الإمام أبا حنيفة ﵀ رحمة واسعة كان له جار يسكر أحياناً، فيقول إذا سكر وانتشى واضطرب: أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر كما نقول: ينتفل، فافتقده ليالي، ثم ذهب إلى دار الحسبة أو المحتسب، فإذ بالرجل قد شرب الخمر وسجن، فبعد أن شفع فيه الإمام أبو حنيفة، والمسألة لا شك متعلقة بإقامة الحد عليه، وخرج وجاء الإمام أبو حنيفة وسأل عن حاله وخرج به، قال: يا فتى! وهل ضيعناك، أنت في كل ليلة تقول: أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر ها نحن أتينا نسأل عنك فهل ضيعناك؟ فعجب الرجل، ذلك سبباً في تركه للخمر، وبغضه لها، وأصبح ذلك سبباً في هدايته واستقامته بسبب هذه التصرفات والفعال الطيبة. أيها الإخوة: ينبغي أن يكون الدافع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ابتغاء وجه الله ، ينبغي ألا يكون إنكارك للمنكر للتشفي من هذا الإنسان، لأنه في يوم من الأيام أخطأ عليك فأردت أن تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر أمام أناس حتى تتشفى أو تشفي غليلك منه أمام هؤلاء الحاضرين، عند ذلك والله لا يقبل منك ما لم يكن دافعك لهذا الأمر هو إخلاصك لوجه الله ، وأن يكون دافعك لهذا الأمر هو محبته والإشفاق عليه، وعدم الشماتة به، عند ذلك يكون لأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر أثر مهم جداً ويكون له فائدة في نفس الرجل.

стр. 2161

اشتراط إذن الإمام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هنا مسألة مهمة: هل يشترط إذن الإمام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة، والصحيح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يتعلق باللسان وإنكار القلب لا يحتاج إلى إذن الإمام، ولا خلاف في ذلك، وكذلك الإنكار باللسان، إلا فيما يتعلق باليد، فالإنسان الذي يريد أن ينكر منكراً بيده لا بد إذا غلب على ظنه خاصة بأنه ينتج عنه فتنة، أو مصيبة، أو مشكلة، أو عراك، أو جدال قد يشهر سلاحاً وقد يحدث جراحاً، فلابد أن يؤخذ إذن الإمام في ذلك حتى لا يكون الأمر فوضى، ولو قلنا إن إنكار المنكر باليد مسموح لأي إنسان لأتى مجموعة يريدون بإنسان سوءاً أو يحقدون عليه أو يكرهونه؛ فيضربونه ويقولون: رأيناه على منكر وغيرناه، لا. المسألة ليست بالأمر الهين، خاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الحيل والألاعيب والأساليب وغير ذلك فيما يتعلق بإنكار المنكر، ولابد من استئذان السلطة كما يقول الفقهاء: اشتراط إذن الإمام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أيها الإخوة: هذه جملة مما قرأته وكتبته في هذا الموضوع، وأفدت نفسي والله، والسبب والفضل لله ثم لكم أن كلفتموني بهذا الأمر. أسأل الله جل وعلا أن أكون قد أفدت إخواني بما قدمت، وكل ما تسمعونه إن كان صواباً وحقاً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان. أسأل الله جل وعلا أن يجنبنا وإياكم ما يسخطه، وأن يعصمنا عما يغضبه، وأن يوفقنا إلى ما يرضيه، وأن يجعل اجتماعنا هذا مرحوماً، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وألا يجعل للشيطان والنفاق والرياء فيها نصيباً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2162

الأسئلة

стр. 2163

رفع الصوت في مخاطبة الوالدين السؤال ما حكم رفع الصوت على الوالدين؟ الجواب لا شك أن في ذلك إثماً عظيماً؛ لأن الله قال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] قال العلماء: لو علم الله شيء أدنى من الأف لنهى عنه في خطاب الوالدين: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] وأنت يا أخي تقول: أنا أرفع صوتي على والدي وعلى والدتي، لا يجوز لك أن ترفع صوتك، وقولك: للشر الذي أتوقعه، يمكن في ظاهر تصورك أنه شر، وإلا فإن الوالدين لا يضمران لابنهما شراً إطلاقاً، فالوالد له قلب حنون كأنه أغصان شجرة في مهب الريح فيخشى على ولده، وحينما يقسو عليه فإن قسوته هذه من فرط المحبة قسا ليزدجروا ومن يك راحماً فليقس أحياناً على من يرحم فلا يجوز لك أن ترفع الصوت، بل من واجبك أن تخضع وتطأطئ رأسك، وأن تسمع والدك، فإذا انتهى والدك من كلامه تقول: الله يغفر لك يا والدي، الله يجزيك الجنة، الله يعينك على طاعته، بكل كلام جميل من الثناء والدعاء حتى تتألف قلب والدك؛ لأنك مهما فعلت فلن تبلغ معشار ما قدم لك، إذاً: لا يجوز لك أن ترفع صوتك عليه على الإطلاق.

стр. 2164

المعاملة مع الوالد العاصي السؤال شاب هداه الله؛ لكنه يعاني من مشكلة في بيته بأن والده لا يصلي؛ فماذا يفعل؟ الجواب الواجب علينا لهذا الأخ هو الدعاء، وأرجو من الإخوة أن يأمنوا: نسأل الله جل وعلا، الحليم العظيم، رب العرش العظيم، رب السماوات ورب العرش الكريم أن يمن على والده بالهداية، نسأل الله أن يمن على والده بالهداية، وأن يرده إلى الطاعة والصلاة والعبادة رداً جميلا، هذا واجب الأخ علينا أن ندعو له، وأقول لك أيها الأخ: لا تدخر وسعاً في نصح والدك، ولكن بالأساليب اللطيفة، نشرات عن حكم ترك الصلاة تعطيها إياه، تستطيع أن تجابه والدك مجابهة بغير العنف، وأن تتحدث معه بكل رقة وبكل لين، يا والدي! لك الفضل بعد الله في وجودي في هذه الدنيا، ومن تمام محبتي لك أن أنصحك، يا والدي! الصلاة عمود الدين، ورأس الأمر في الإسلام، يا والدي! ما كلفك الله إلا بخمس مفروضات، هون عليه المسألة رويداً رويداً، يا والدي المسألة كذا، كذلك من تعرف من أبناء عمك، من أخوالك، من أعمامك، من أصدقاء والدك، من إمام المسجد إذا كان له علاقة بالوالد، أو أردت أنه يكون له دور التأثير على الوالد، المهم أن يعلم الوالد منك فعلاً صدق المحبة، وصدق الاحترام، وفي نفس الوقت لا يشعر الوالد أن الابن يفتخر عليه، هذا مستقيم متدين يصلي وهذا فاسق لا يصلي، لا يشعر منك والدك بهذا الأسلوب إطلاقاً، ينبغي أن تشعره بكل أسلوب يفضي إلى الاحترام والمودة والتبجيل والإجلال، يشعر الوالد أن قصدك محبته، وإن شاء الله تكون النصيحة سبباً في نجاته من النار ودخوله في نعيم الله . أيها الأخ: بهذا الأسلوب وبكل أسلوب تستطيعه، ضع عند سريره مثلاً أو عند المسجل الذي يستمع شريطاً عن حكم ترك الصلاة، أرسل النشرات هذه وضعها في مكانه، أو عبر من تعرف من الأقارب والأصدقاء، وعند ذلك سيكون لك الأجر العظيم. أيها الإخوة: أنا أعرف شاباً أسأل الله أن يكثر من أمثاله، كان شاباً عادياً، وإخوانه عاديين جداً بل يمكن يميلون إلى شيء من الوقوع في المعاصي، هداه الله ، ليس هو أصغر إخوانه، بل هو وسط بينهم، لكن هذا الشاب لما أن منَّ الله عليه بالهداية وحفظ كتاب الله، تأثر والده أثراً عظيماً، وذلك بأسلوب التقدير والاحترام، كان يقدر والده ويحترمه، إذا قدم والده قبل يد والده وقبل رأسه وسلم عليه، وإذا أراد والده أن يخرج قدم نعاله أمامه، وإذا أراد أن يخرج هو ووالده لا يدخل قبل الوالد؛ مراعاة للأدب الكامل، ألا تلاحظون أدب الخدم مع الملوك، كان يفعل بوالده أشد من ذلك، فتأثر هذا الوالد تأثراً عظيماً وأطلق لحيته وهجيراه وديدنه وطبيعته -هذا الوالد- كتاب الله دائماً يقرأه، يخرج من العمل، وإذا نام وأخذ قسطه من الراحة فتح كتاب الله وأخذ يقرأ، ويحب هذا الولد محبة عظيمة، وأثر هذا الشاب على إخوانه أيضاً. وهكذا حينما يكون هناك إخلاص وصدق وحسن أسلوب، فإن المقاصد تتحقق بإذن الله؛ لأن الله وعدنا بها.

стр. 2165

بدء التغير في البيت والأقارب السؤال ما رأيكم في بعض الشباب الذين يأمرون وينهون الناس، وأحدهم تجد أخته تخرج قد أخرجت ذراعيها إلى غير ذلك من المنكرات التي لا ينكرها على أهله؟ الجواب كما قلنا فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال أن يكون الآمر بالمعروف قدوة في نفسه وأهله وبيته وكلما يتعلق به، ومن واجبك أن تساره بالنصيحة فيما بينك وبينه، قد يكون غافلاً، قد يكون ناسياً، قد لا يأبه لهذا الأمر، فمن واجبك أن تركز على هذا الأمر بأسلوب ودي، وإذا كنت تعرف أنه قد يضجر منك، أو قد يمل منك أو يفضي ذلك إلى كراهية، انظر إلى إنسان آخر آمر بالمعروف وناه عن المنكر، وله به صداقة، تقول له: لو تكرمت يا أخي، أنا لي ملاحظة كذا، أسأل الله أن تكون ملاحظتي في غير محلها، لكن من باب براءة الذمة، بحكم أنك صديقه، تخبره بهذا الأمر، عند ذلك تكون -جزاك الله خيراً- قد بذلت ما في وسعك.

стр. 2166

منكرات في البيوت السؤال لي إخوة وأخوات في بيتنا يستمعون الأغاني ويشاهدون الأفلام والمسلسلات والتلفاز؟ الجواب فيما يتعلق بالمنكرات الموجودة في بيته من الملاهي والفيديو والأغاني والملاهي وغير ذلك، واجبك من الدرجة الأولى النصيحة بالأسلوب الطيب والحكمة والموعظة الحسنة، وإيجاد البديل، تهدي إخوانك مثلاً أشرطة مفيدة تهديهم شيئاً من القصص والأقلام والحاجات التي يشعرهم أنك إنسان كريم، وحبيب ولطيف وطيب في المعاملة، عند ذلك يكون عندهم استعداد لتقبل كلامك ونصحك. يأتي شاب ما عمره أهدى لأخته هدية، عاش معها خمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة، ما يوم من الأيام فكر أن يشتري مقلمة أو هدية صغيرة يعطيها لأخته، وإذا به يريد أن يأمرها كما يأمر السيد عبده، لا يمكن هذا، لابد أن يكون لك قاعدة تنطلق منها في الأمر، ألا وهي: قاعدة المحبة والمودة، إذاً: أوجد محبة أولاً ثم مر بما بدا لك، لابد أن نؤسس هذه القاعدة، فإذا فعلت هذا الأسلوب ولم تجد شيئاً وأظن إذا كنت جاداً وصادقاً وحريصاً فإن هذا الأسلوب ينفع إن شاء الله، عند ذلك إذا كنت تستطيع أن تغير بيدك؛ لأن هذه سلطة في داخل بيتك، نقول: جزاك الله خيراً، ولا يعني ذلك أن تأخذ الفاروع وتهد التلفزيون وتكسره وتأخذ الأشرطة وتكسرها، فقد يشترون بدل الواحد اثنين، وبدل الأشرطة أضعافها، وتكون مناورة فاشلة خاسرة، بل من واجبك أن تتنحى قليلاً ولا تكثر المجالسة، إذا كانوا جالسين على منكر لا تجلس معهم، إذا كانوا جالسين على غير ذلك فاجلس، لا تقطعهم مرة واحدة، فالقطيعة مع أهل البيت -مهما كان- خطأ، لكن إذا جلست معهم فليكن لك دور الناصح الواعظ، صاحب القصة الجميلة والطرفة المؤدية إلى هدف من أهدافك، الإنسان الذكي يستطيع أن يستغل الفرص أياً كانت.

стр. 2167

حكم الاستهزاء بمظاهر الدين السؤال ما الحكم في المصر على الاستهزاء باللحية ومظاهر التمسك بالدين؟ الجواب كما تفضل الأخ فيما يتعلق بالأمور الشرعية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:٣٦] ليس هناك اختيار أو آراء أو وجهة نظر، المسألة مسألة استجابة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] بالنسبة لهؤلاء الذين يستهزئون ونحو ذلك، إذا أردت أن تسأل عن حكم إصرارهم فيما يفعلون فهم على خطر عظيم، وقد يكون هذا الاستهزاء والعياذ بالله مخرجاً عن الإسلام والتوحيد، قد يكون مخرجاً عن الملة، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] أنت حينما تستهزئ بالملتحي تستهزئ بالصانع أم بالصنعة؟! تستهزئ بالخالق أم بالمخلوق؟ أنت حينما تستهزئ بهذا الإنسان الذي قد اتبع السنة في ثوبه، تستهزئ بالذي شرع هذه السنة أم تستهزئ بهذا الذي أطاع الله في طاعته وامتثاله؟ ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فلا يقبل العذر حتى كانوا يقولون: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب. كما ورد في أحد الغزوات التي كان فيها الرسول ﷺ أنه كان المنافقون يقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أقسى أفئدة إلى آخر تلك المقولة، يستهزئون بالقراء من أصحاب رسول الله ﷺ ، فهؤلاء في العصر الحاضر يستهزئون بالشباب الصالحين بتمسكهم وقراءتهم واستقامتهم، كان الواحد منهم يمسك بزمام الناقة والحجر يدمي عقبيه ينظر إلى رسول الله ﷺ ، والرسول على ناقته: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، والقرآن ينزل على رسول الله ﷺ : ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] حكم بكفرهم، إذاً فهذا المستهتر المستهزئ على خطر عظيم، وقد يقع في الكفر والعياذ بالله، فينبغي لكل من رأى هؤلاء المستهزئين أن يهمس لهم همسة لطيفة: أنت تسخر من لحيتي من الذي خلقها أنا باختياري أم الله الذي أمرني بتوفيرها؟ أنت تسخر من ثوبي من الذي أمرني أن أتبع السنة فيه؟ الذي أمرني هو رسول الله ﷺ بوحي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] إذاً: تسخر من وحي الله؟! ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] ذكره بالآية هذه وعند ذلك لا يتجرأ، والله لا يتجرأ مسلم مهما بلغ من ضعف الإيمان أو ضعف اليقين بعد قيام الحجة عليه، لا يتجرأ أن يستهزئ بملتزم في التزامه وبمتمسك في تمسكه بدين الله.

стр. 2168

والدي يمنعني من مجالسة الصالحين السؤال أنا شاب ملتزم والحمد لله، ولكن والدي يمنعني من مجالسة الصالحين في أيام الدراسة يقول: إني لا أستفيد من ذلك؛ فماذا أفعل أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب ينبغي ألا تعصي والدك وألا تنقطع عن إخوانك؛ لأن إخوانك هؤلاء بإذن الله يكونون سبباً عظيماً ومهماً في استقامتك وصلاحك، وفي رقيك التعليمي وتقدمك، كثير من الشباب لولا أن الله منَّ عليهم بصحبة صالحة وإلا كانوا سوقة (أولاد شوارع) كما يقال، ضيعوا مستقبلهم في الدنيا والآخرة، لكن منَّ الله عليهم بجلساء طيبين، وكان منهم من ترك الدراسة وأوشك على الهاوية والانحراف، فبعد معرفته بهؤلاء الطيبين منَّ الله عليه ورجع وانتسب وواصل وتوظف وتخرج ونفع الله به أمته ومجتمعه وبلاده، وأهل بيته، وزملاءه، إذاً: ينبغي أيها الأخ أن تجتهد ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وأن تقنع والدك وتشعره بمدى انتفاعك من زملائك خاصة فيما يتعلق بالدراسة والتدريس. إذا كان هناك إمكانية أن تكون الدراسة والمذاكرة بعض الأيام في بيتك لكي يطلع والدك ويعرف فعلاً أنكم تذاكرون وتدرسون وتقرءون وتسترجعون وتتعاونون في هذه الأمور التعليمية فذلك خير، لأن الوالد لا يألو جهداً في جلب الخير إلى ولده، فإذا تأكد وتحقق له أن هناك مصلحة من اختلاطه بهؤلاء الصحبة الطيبة سيبعثه بل ويقول له: ما الذي أجلسك هنا اذهب. أنا أعرف آباء صالحين بعد العصر يقول لولده: اذهب إلى المكتبة واستفد مع إخوانك، هناك آباء لما أدركوا وعرفوا هذا الأمر أحبوا ألا يتخلف أولادهم يوماً ما عن المكتبة إذا لم يكن لهم حاجة في البيت، فينبغي أن تسلك الأسلوب الذي يجعل والدك يقتنع ويفهم ويعلم علماً يقينياً أنك تستفيد من إخوانك ومن زملائك؛ بجلوس زملائك مع الوالد، بجلب زملائك إلى البيت بعض الأحيان والدراسة معهم والمذاكرة. لكن للأسف بعض الشباب -وأنا أقولها وبكل صراحة- أخذ يغرق في الذهاب والإياب، والكثير من الاختلاطات بلا فائدة، وإذ بالنهاية راسب في تسعة، راسب في ستة، راسب في سبعة، والسبب في ذلك أنه لا يقر له قرار، دائماً كدوامة، لكنه لو كان يقتصر ويعطي الوقت حقه، هذا وقت مجيئي بالمكتبة، أو مجيئي بالمركز، أو مجيئي بالنادي، أو مجيئي في المكان المعين للاستفادة، الحمد لله جلسنا واستفدنا، لكن أرجع إلى البيت، هناك وقت لحاجة الأهل، وهناك وقت لحاجتي أنا، دروسي وأموري، قراءتي للقرآن، قراءتي للسنة، عبادتي، كل شيء له وقت، فتجد أن هذا الشاب هو الذي قصر، فتقصير هذا الشاب بما يفسره أهله؟ أو إخفاقه وفشل النتيجة، هذا السبب ذهبت مع فلان وفلان وفلان، ضيعوا وقتك وهذه النهاية، لا، السبب أنت لأنك ما أحسنت الأسلوب الذي ينبغي منك للمجالسة والمخالطة.

стр. 2169

الجلوس مع أناس يتهاونون بالصلاة السؤال إذا كان لي زملاء يتهاونون بالصلاة والغيبة، وأنا أتودد إليهم وأعمل معم صداقات لكي أستقطبهم بالكلمة الطيبة فهل علي إثم؟ وكيف التعامل معهم خصوصاً أني أعمل معهم؟ الجواب لا شك أنك مأجور إن شاء الله على إنكارك عليهم في تركهم للصلاة، وفي وقوعهم في الغيبة، وواجبك ألا تنقطع عن هذا الأمر، ومثلما أخبرنا سلفاً: كل ما تراه مناسباً من وسيلة فعليك أن تؤثر عليهم بالنشرات، بالكتب، بالأشرطة، بالجلسات الطيبة، بالمخالطات النافعة، هذا طيب، إذا جلسوا وولغوا في حديث من الأحاديث التي تحسب عليك ولا تحسب لك، ووقعوا في الأعراض ونهيتهم فلم يرتفعوا عن ذلك، فإذا كان لك فرصة في أن تتجافى وأن تبتعد فذلك خير لك، إذا كان هناك إمكانية ورأيت إصرارهم وعدم إقلاعهم بعد أمرك لهم ونهيك ومناصحتهم ووعظهم، إذا كان لك إمكانية أن تسكن مع شباب آخرين -كأني أفهم من الشاب هذا أنه ساكن في عزبة أو في سكن جامعي أو شيء من هذا- فذلك خير لك، لأن كثرة مجالسة صاحب المنكر يجعل المنكر طبيعياً، بعد مدة يصبح ترك الصلاة بالنسبة لك شيئاً طبيعياً؛ لأنك ترى هذا يترك الصلاة دائماً، وأصبحت تدخل البيت وتخرج من البيت وأنت تراه على فراشه لا يذهب إلى الصلاة، فيصبح الأمر بالنسبة لك عادياً، وكذلك الحديث في أعراض الناس، لأن (كثرة المساس تفقد الإحساس) فينبغي أن تنتبه لنفسك، والإنسان كما يقال: (المرء من جليسه والطبع استراق). الإنسان يسترق الطباع وهو لا يشعر، ويتأثر وهو لا يشعر، فحفاظاً على دينك، وحفاظاً على أخلاقك الطيبة وسجاياك الحميدة ينبغي أن تنتبه، فإن استطعت أن تغير فبها ونعمت، فإن وجدت فرصة في التنقل أو الانتقال عنهم إلى فئة طيبة مثلاً غرفة أخرى في سكن معين أو في جناح ثاني فذلك خير لك وهو أولى بك.

стр. 2170

التقصير لا يمنع من الدعوة السؤال أريد أن أنهى عن المنكر، ولكني بعض الأحيان لا أطبق ما أقول، فهل هذا يمنعني من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الجواب يا أخي تعرضنا لهذا، تعرضنا لهذا خاصة لما يتعلق بالشق الثاني قلنا: إن الإنسان قد يأمر وهو عاص، هنا مثلاً مسألة: حينما يقف من بيننا آمر ويأمرنا ويبين لنا مزايا الصيام، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، صيام الإثنين والخميس، صيام يوم وإفطار يوم، صيام تاسوعاء وعاشوراء، صيام عشر ذي الحجة، صيام يوم عرفة، صيام ست من شوال وكذا، هل من واجب هذا أن يصوم كل هذه الأيام؟ لا. قد يصوم شيئاً منها والحمد لله، لكن أن يقال: ينبغي أن يصومها كلها أو لا يأمرنا ليس بصحيح، وكما قلنا: إذا لم يعظ في الناس من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمد هذا جانب متعلق بفعل الأوامر، كذلك ترك المناهي، افرض إنساناً ينهى الناس كثيراً ويأمرهم وينصحهم، وفي يوم من الأيام زل في غيبة أو نميمة، زل في قضية معينة، لكنه تاب إلى الله وأناب، نفتح له باب الشيطان ونقول له: لا تأمر ولا تنه، أنت وقعت في هذا المنكر، ونعين الشيطان عليه حتى يجمع بين مصيبتين، بين وقوع في المنكر، وبين ترك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا. هذا لا يمكن ولا يليق.

стр. 2171

المعصية لا تنفي حب الله السؤال أنا شاب أحب الله ورسوله ولكني أفعل بعض المعاصي، فهل يتعارض ذلك مع حبي لله ورسوله؟ الجواب أما بالنسبة لهذا الذي يقول: أنا أحب الله ورسوله ولكني أفعل المعاصي، أذكر هناك قصة ولا أذكر اسم الصحابي، لما هم بعض الصحابة أن يفتك به على فعلة فعلها على وقت رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : (دعه فإنه يحب الله ورسوله) لا أدري هل كان شارباً للخمر أو شيئاً من ذلك، فمحبة الله ورسوله تبقى، لكن المؤمن يرتفع عنه الإيمان أو كمال الإيمان يرتفع عنه أثناء المعصية، فإذا انتهى منها عاد إليه: (الإيمان كالظلة) كما جاء في الحديث، لكن يبقى على محبة الله ورسوله، بل وقد يحب الله ورسوله أكثر مما كان يحب إذا كان قد عاد بتوبة صادقة إلى الله ، واستغفر وأناب من فعلته تلك، رب ذنب أحدث إخباتاً وطاعة وإنابة إلى الله تعالى، وقد يكون هذا من الذنوب التي تعتبر محمودة في جانب هذا الشخص، الذنب لا يحمد لكن قد يكون سبب خير لهذا بسبب وقوعه في هذا الذنب فيتوب ويعود إلى الله. فأسأل الله أن نكون وإياك وجميع إخواننا الحاضرين والمسلمين ممن يحبون الله ورسوله.

стр. 2172

علاج المجاملة السؤال يقول: ما علاج من يجد في نفسه مرض المجاملة؟ الجواب المجاملة أقسام، إذا كانت المجاملة في تحمل الناس فيما يتعلق بالأمور العادية في المقابلات، في بعض المعاملات وكذا، لكن شيء اسمه شريعة الله ، الشرع، أحكام الله وأحكام رسوله هذا ليس فيه مجاملة، هذا اسمه مداهنة، وواجبك أن تغير وأن تنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وإن غلبتك نفسك على الإنكار في تلك اللحظة بعد فراقك لتلك اللحظة، يعني قد تكون جلست في مجلس، وحينما دخلت عند هذا الرجل وجدت أشياء في بيته، وغلبك الشيطان وما أنكرتها، خرجت من بيته، اكتب ورقة إذا كنت تعرفه، فقد يكون قريباً لك، فترجع وترصد ورقة وتقول: والله كان في نفسي شيء أحب أن أقوله وما استطعت أقوله، ولذلك تفضل هذه الورقة فيها بعض ملاحظاتي لتقرأها جزاك الله خيراً وتستفيد منها، وهي من مشفق وناصح وخائف عليك، وأذكر أبيات الشافعي: تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه النصيحة بين الملأ فضيحة، وقد يأتيك شيطان ويقول: أنت مجامل أنت مداهن، انصحه الآن أمام الحاضرين هؤلاء كلهم، الشيطان يغرر بك حتى يوقعك في الخرق ويوقعك في عداوته وأنت تريد أن تصلحه وتدعوه، فتقول: ذلك الأسلوب النظيف الجميل وتنتظر حتى تخلو به، ثم تنصحه على انفراد، فقد يفتح الله على قلبه بسببك فتنال الثواب.

стр. 2173

الشدة في الأمر والنهي السؤال هل ترى أن اللجوء إلى الشدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر حسن؟ الجواب الشدة في الجملة شيء من العنف، والرسول ﷺ يقول: (يا عائشة! إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) فالعنف والشدة يا أخي العزيز لا تنبغي، إلا إذا كان هناك اضطرار لها؛ ولست أنت الذي تملك تطبيقها كما قلنا، لأن الشدة يفهم منها قرب وصول الأمر إلى مرحلة التغيير باليد، وعند ذلك إذا كان الأمر منطلقاً من إذن ولي الأمر، وإذن الجهة المختصة، عند ذلك تكون الشدة في محلها. إذاً: فالأمر بحسبه، واللبيب يفهم كيف يستخدم الأمور، الإنسان إذا أراد أن يخاصم إنساناً يبدأ بالمدفعية يضربه فيها، أو بالسلاح ويقتله؟ لا. كلمة ونصيحة، حتى العداوات بين الدول، حتى العداوات بين القبائل سابقاً وحديثاً تبدأ بالمفاوضات بالاتصالات، بالحرب النفسية، بالحرب الاقتصادية، فالحكمة منطلق عام عند جميع الأمم والجماعات، ما أحد يبدأ بالعنف من أول مرة. إذاً: من واجبنا أن نعرف متى نستخدم العنف بضوابطه وشروطه التي أخذناها، وأن نستغني عنه ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً؛ لأن هذا الدين ينتشر بالقوة الذاتية الكامنة المتعلقة بفطرة الناس، هناك اتصال، حينما يقوم إنسان يتحدث في أمر من أمور الدين هو يخاطب قاعدة في كل قلب من قلوب الناس؛ التي هي قاعدة الفطرة التي فطر الله الناس عليها. إذاً: هذا الدين لا يحتاج إلا إلى شيء من جميل المعاملة، والعبارة الحسنة، والحكمة والموعظة الطيبة، وعند ذلك بإذن الله فإن الله ﷻ يشرح الصدور إذا كان الآمر مخلصاً عمله ذلك لوجه الله .

стр. 2174

طاعة عظيمة إن طاعة الوالدين والإحسان إليهما من أعظم الأمور في شرع الله، حيث قرن الله طاعة الوالدين بطاعته، وإن النبي ﷺ قد عظم حق الوالدين في سنته، حتى إنه لم يأذن بالذهاب إلى الجهاد في سبيل الله إلا بعد إذنهما، وعظم حق الأم وجعل لها حقاً أعظم من الأب لما تلقته من متاعب ومصاعب حال صغر ابنها حتى كبر

стр. 2175

عظم طاعة الوالدين في الكتاب والسنة إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهو الذي يقول في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. معاشر المؤمنين: لا شك أن حق الوالدين عظيم بتعظيم الله له، حيث قرن طاعتهما بطاعته، وثنى بالشكر لهما بعد الشكر له، وحسبكم أن عصيانهما من الكبائر التي تودي بصاحبها إلى النار والهلاك إن لم يتب من العقوق والقطيعة. معاشر الإخوة: كثيراً ما سمعنا عما وقع فيه بعض المسلمين عامة، وبعض الشباب خاصة الذين عقوا والديهم، وقدموا طاعة الزوجات على الأمهات، وجعلوا حوائج الوالدين بعد الفراغ من حاجات الزوجات والأصدقاء، فترى الرجل له الولدان أو الثلاثة يقف على قارعة الطريق صباحاً أو مساءً ينتظر محتسباً يوصله أو يقربه على طريقه، وأولاده مع أصدقائهم أو على فرشهم لم يرد الواحد منهم أن يقطع لذيذ نومه أو طويل غفلته لأجل والديه، وكثيراً ما نرى المرأة الكبيرة تلتمس من جيرانها ومن حولها مساعدةً في الوصول إلى المستشفى، أو منزلٍ قريبٍ، أو بيت ذي رحم وأولادها في المنزل يتشاكسون، وكلٌ يعتذر عن الذهاب لقضاء حاجة أمه، فيا للحسرة والأسف من شاب بذل فيه والده الجهد الجهيد، ونهاية الأمر لا ينفعه في أدنى حوائجه! فاحذروا معاشر المسلمين، واحذروا معاشر الشباب عقوق الوالدين، فإن ذلك سببٌ للشقاء في الدنيا والخزي والعذاب في الآخرة، في الحديث الذي يرويه النسائي عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان، وثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة) وروى الحاكم وصححه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أربعة حقٌ على الله ألا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حقٍ، والعاق لوالديه) فإياكم والعقوق! والزموا البر والصلة، واعلموا أن الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظوا على هذا الباب إن شئتم أو دعوا، جاء في الحديث عن ابن عباس: (ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين من الجنة وإن كان واحدٌ فواحداً، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه والده، قيل: وإن ظلماه؟ قال: وإن ظلماه).
следующие страницы →