Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
المعصية لا تنفي حب الله
السؤال
أنا شاب أحب الله ورسوله ولكني أفعل بعض المعاصي، فهل يتعارض ذلك مع حبي لله ورسوله؟
الجواب
أما بالنسبة لهذا الذي يقول: أنا أحب الله ورسوله ولكني أفعل المعاصي، أذكر هناك قصة ولا أذكر اسم الصحابي، لما هم بعض الصحابة أن يفتك به على فعلة فعلها على وقت رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : (دعه فإنه يحب الله ورسوله) لا أدري هل كان شارباً للخمر أو شيئاً من ذلك، فمحبة الله ورسوله تبقى، لكن المؤمن يرتفع عنه الإيمان أو كمال الإيمان يرتفع عنه أثناء المعصية، فإذا انتهى منها عاد إليه: (الإيمان كالظلة) كما جاء في الحديث، لكن يبقى على محبة الله ورسوله، بل وقد يحب الله ورسوله أكثر مما كان يحب إذا كان قد عاد بتوبة صادقة إلى الله ، واستغفر وأناب من فعلته تلك، رب ذنب أحدث إخباتاً وطاعة وإنابة إلى الله تعالى، وقد يكون هذا من الذنوب التي تعتبر محمودة في جانب هذا الشخص، الذنب لا يحمد لكن قد يكون سبب خير لهذا بسبب وقوعه في هذا الذنب فيتوب ويعود إلى الله.
فأسأل الله أن نكون وإياك وجميع إخواننا الحاضرين والمسلمين ممن يحبون الله ورسوله.
стр. 2172
علاج المجاملة
السؤال
يقول: ما علاج من يجد في نفسه مرض المجاملة؟
الجواب
المجاملة أقسام، إذا كانت المجاملة في تحمل الناس فيما يتعلق بالأمور العادية في المقابلات، في بعض المعاملات وكذا، لكن شيء اسمه شريعة الله ، الشرع، أحكام الله وأحكام رسوله هذا ليس فيه مجاملة، هذا اسمه مداهنة، وواجبك أن تغير وأن تنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وإن غلبتك نفسك على الإنكار في تلك اللحظة بعد فراقك لتلك اللحظة، يعني قد تكون جلست في مجلس، وحينما دخلت عند هذا الرجل وجدت أشياء في بيته، وغلبك الشيطان وما أنكرتها، خرجت من بيته، اكتب ورقة إذا كنت تعرفه، فقد يكون قريباً لك، فترجع وترصد ورقة وتقول: والله كان في نفسي شيء أحب أن أقوله وما استطعت أقوله، ولذلك تفضل هذه الورقة فيها بعض ملاحظاتي لتقرأها جزاك الله خيراً وتستفيد منها، وهي من مشفق وناصح وخائف عليك، وأذكر أبيات الشافعي:
تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه
النصيحة بين الملأ فضيحة، وقد يأتيك شيطان ويقول: أنت مجامل أنت مداهن، انصحه الآن أمام الحاضرين هؤلاء كلهم، الشيطان يغرر بك حتى يوقعك في الخرق ويوقعك في عداوته وأنت تريد أن تصلحه وتدعوه، فتقول: ذلك الأسلوب النظيف الجميل وتنتظر حتى تخلو به، ثم تنصحه على انفراد، فقد يفتح الله على قلبه بسببك فتنال الثواب.
стр. 2173
الشدة في الأمر والنهي
السؤال
هل ترى أن اللجوء إلى الشدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر حسن؟
الجواب
الشدة في الجملة شيء من العنف، والرسول ﷺ يقول: (يا عائشة! إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) فالعنف والشدة يا أخي العزيز لا تنبغي، إلا إذا كان هناك اضطرار لها؛ ولست أنت الذي تملك تطبيقها كما قلنا، لأن الشدة يفهم منها قرب وصول الأمر إلى مرحلة التغيير باليد، وعند ذلك إذا كان الأمر منطلقاً من إذن ولي الأمر، وإذن الجهة المختصة، عند ذلك تكون الشدة في محلها.
إذاً: فالأمر بحسبه، واللبيب يفهم كيف يستخدم الأمور، الإنسان إذا أراد أن يخاصم إنساناً يبدأ بالمدفعية يضربه فيها، أو بالسلاح ويقتله؟ لا.
كلمة ونصيحة، حتى العداوات بين الدول، حتى العداوات بين القبائل سابقاً وحديثاً تبدأ بالمفاوضات بالاتصالات، بالحرب النفسية، بالحرب الاقتصادية، فالحكمة منطلق عام عند جميع الأمم والجماعات، ما أحد يبدأ بالعنف من أول مرة.
إذاً: من واجبنا أن نعرف متى نستخدم العنف بضوابطه وشروطه التي أخذناها، وأن نستغني عنه ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً؛ لأن هذا الدين ينتشر بالقوة الذاتية الكامنة المتعلقة بفطرة الناس، هناك اتصال، حينما يقوم إنسان يتحدث في أمر من أمور الدين هو يخاطب قاعدة في كل قلب من قلوب الناس؛ التي هي قاعدة الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
إذاً: هذا الدين لا يحتاج إلا إلى شيء من جميل المعاملة، والعبارة الحسنة، والحكمة والموعظة الطيبة، وعند ذلك بإذن الله فإن الله ﷻ يشرح الصدور إذا كان الآمر مخلصاً عمله ذلك لوجه الله .
стр. 2174
طاعة عظيمة
إن طاعة الوالدين والإحسان إليهما من أعظم الأمور في شرع الله، حيث قرن الله طاعة الوالدين بطاعته، وإن النبي ﷺ قد عظم حق الوالدين في سنته، حتى إنه لم يأذن بالذهاب إلى الجهاد في سبيل الله إلا بعد إذنهما، وعظم حق الأم وجعل لها حقاً أعظم من الأب لما تلقته من متاعب ومصاعب حال صغر ابنها حتى كبر
стр. 2175
عظم طاعة الوالدين في الكتاب والسنة
إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهو الذي يقول في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين: لا شك أن حق الوالدين عظيم بتعظيم الله له، حيث قرن طاعتهما بطاعته، وثنى بالشكر لهما بعد الشكر له، وحسبكم أن عصيانهما من الكبائر التي تودي بصاحبها إلى النار والهلاك إن لم يتب من العقوق والقطيعة.
معاشر الإخوة: كثيراً ما سمعنا عما وقع فيه بعض المسلمين عامة، وبعض الشباب خاصة الذين عقوا والديهم، وقدموا طاعة الزوجات على الأمهات، وجعلوا حوائج الوالدين بعد الفراغ من حاجات الزوجات والأصدقاء، فترى الرجل له الولدان أو الثلاثة يقف على قارعة الطريق صباحاً أو مساءً ينتظر محتسباً يوصله أو يقربه على طريقه، وأولاده مع أصدقائهم أو على فرشهم لم يرد الواحد منهم أن يقطع لذيذ نومه أو طويل غفلته لأجل والديه، وكثيراً ما نرى المرأة الكبيرة تلتمس من جيرانها ومن حولها مساعدةً في الوصول إلى المستشفى، أو منزلٍ قريبٍ، أو بيت ذي رحم وأولادها في المنزل يتشاكسون، وكلٌ يعتذر عن الذهاب لقضاء حاجة أمه، فيا للحسرة والأسف من شاب بذل فيه والده الجهد الجهيد، ونهاية الأمر لا ينفعه في أدنى حوائجه! فاحذروا معاشر المسلمين، واحذروا معاشر الشباب عقوق الوالدين، فإن ذلك سببٌ للشقاء في الدنيا والخزي والعذاب في الآخرة، في الحديث الذي يرويه النسائي عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان، وثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة) وروى الحاكم وصححه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أربعة حقٌ على الله ألا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حقٍ، والعاق لوالديه) فإياكم والعقوق! والزموا البر والصلة، واعلموا أن الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظوا على هذا الباب إن شئتم أو دعوا، جاء في الحديث عن ابن عباس: (ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين من الجنة وإن كان واحدٌ فواحداً، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه والده، قيل: وإن ظلماه؟ قال: وإن ظلماه).
стр. 2176
ذم تعنت الوالدين في الطاعة
واعلموا معاشر المؤمنين إن من الآباء والأمهات من يتعنتون على أولادهم في حق طاعتهم تعنتاً شديداً، يصل في بعض الأحيان إلى أمر الولد أن يطلق زوجته، أو أن يفارق جلساءه الصالحين، أو أصدقاءه الطيبين، وألا يخالطهم أبداً، فهذا معاشر الآباء تشددٌ وتعسفٌ في باب الطاعة والبر، فما المصلحة لأبٍ أو أمٍ كرها زوجة ابنهما لغير سببٍ وجيه فأمراه بطلاقها؟! أيريدون أن يجنوا على زوجته المسكينة حتى إذا طُلقت عاشت دهرها أيماً لا زوج لها؟ وقد يجران البلاء والشقاء لولدهما في الحصول على زوجةٍ جديدة قد توافقه وقد لا توافقه، وقد كان قرير العين بزوجته الأولى، وينبغي لمن وقع في مثل هذا أن يحتسب الجهد في إقناع والديه ببقاء زوجته عنده وعدم طلاقها، وتأتي بحق والديه على زوجته لمضاعفة البذل والخدمة والعناية، وأما تشدد بعض الآباء هداهم الله على أبنائهم في مجالسة الصالحين والأخيار من الأصدقاء فإنهم بهذا يفتحون مجالاً لهم في أن يجالسوا الأشرار والسيئين والفاسقين، فالنفس لا بد لها من صاحبٍ إما أن يكون جليساً صالحاً، أو جليساً سيئاً، وقد يتشدد الأب على ولده في هذا النوع من المجالسة خوفاً عليه ولا شك، فالحل عند ذلك لا يكون بقطع الابن عن أصدقائه وجلسائه، أو أن يمنعه من الذهاب إلى مكتبةٍ خيرية نافعة، بل الصواب هو متابعة الابن والتأكد من ذهابه مع أصدقائه الصالحين، وسؤاله عما يدور بينهم في مجالسهم سؤال تلطفٍ واستفادة متبادلة لا سؤال تحقيقٍ وامتحان، وعند ذلك يطمئن الأب إلى ذهاب ولده وإيابه.
وبهذه المناسبة أكرر النصح والدعوة إلى الشباب عامة، وإلى الأخيار من الشباب الصالحين خاصة أن يضاعفوا البذل والعطاء والبر بوالديهم، فإن الجميع لا شك مقصرٌ في هذا الباب تقصيراً عظيماً.
стр. 2177
عظم حق الأم دون الأب
واعلموا معاشر المؤمنين! أن للأم النصيب الأوفى، والقدح المعلا، والدرجة العظمى في مقام البر وحسن الصلة، ففي الصحيح أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال له: (من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) ولا عجب أن تنال الأم هذا النصيب من البر والصلة، فلها حقٌ كبير وكثير، وما نقدمه يسيرٌ وقليلٌ بالنسبة لما قدمته لنا.
وكم ليلةٍ باتت بثقلك تشتكي لها من جواها أنةٌ وزفير
وفي الوضع لو تدري عليها مشقةٌ فمن غصصٍ منها الفؤاد يطير
فكم غسلت عنك الأذى بيمينها وما حجرها إلا لديك سرير
وتفديك عما تشتكيه بنفسها ومن ثديها شربٌ لديك نمير
وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها حنواً وإشفاقاً وأنت صغير
فآه لذي عقلٍ ويتبع الهوى وآهٍ لأعمى القلب وهو بصير
فدونك فارغب في عميم دعائها فأنت لما تدعو إليه فقير
وذكر أن أبا الأسود الدؤلي تخاصم مع امرأته إلى القاضي على غلامها منه: أيهما أحق بحضانته؟ فقالت المرأة: أنا أحق به؛ لأنني حملته تسعة أشهر، ثم وضعته، ثم أرضعته إلى أن ترعرع بين حضني كما ترى، فقال أبو الأسود: أيها القاضي! حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، فإن كان لها بعض الحق فيه، فلي الحق كله أو جله، فقال القاضي: أجيبي أيتها المرأة! فقالت: لئن حمله خِفاً فقد حملته ثقلاً، ولئن وضعه شهوة فقد وضعته كرهاً، فنظر القاضي إلى أبي الأسود وقال له: ادفع إلى المرأة غلامها، ودعني من سجعك.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص (أن امرأةً قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني بعد أن طلقني، فقال: أنتِ أحق به ما لم تنكحي) رواه الإمام أحمد وأبو داود.
يقول الإمام القرطبي: إن من الإحسان إلى الوالدين والبر بهما إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما، وفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: (جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فقال ﷺ : أحيٌ والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد) رواه مسلم.
وروى البخاري: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال ﷺ : ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما) ولا شك يا عباد الله! أن بكاء الوالدين بما يجره الولد لهما لهو من العقوق، بل أعظم العقوق كما جاء ذلك في الحديث، ومن الحديث الذي سبق ينبغي لمن أبكى والديه أو أغضبهما أن يتوب إلى الله، وأن يسعى جاهداً لإرضائهما، ورد الابتسامة إلى وجهيهما بفعلٍ يرون منه ندماً وأسفاً على ما فرط في حقهما، بهديةٍ وتلطفٍ ولباقةٍ في المعاملة، ودعاءٍ لهما وخضوعٍ وخفض جناح.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2178
الجنة تحت أقدام الآباء والأمهات
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو على كل شيءٍ قدير، كل ذلك تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المؤمنين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
стр. 2179
رجل عق أمه فأنقذه الله من النار برسول الله
معاشر المؤمنين: جاء عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فأتاه آتٍ، فقال: يا رسول الله! شابٌ يجود بنفسه، فقيل له: قل لا إله إلا الله فلم يستطع أن يقولها، فقال ﷺ : أكان يصلي؟ قال: نعم.
فنهض رسول الله ﷺ ونهضنا معه، فدخل على الشاب، فقال له: قل: لا إله إلا الله، فقال: لا أستطيع، قال: لِمَ؟ قالوا: كان يعق والدته، فقال النبي ﷺ : أحيةٌ أمه؟ قالوا: نعم.
قال: ادعوها، فدعوها، فجاءت، فقال لها رسول الله: أهذا ابنك؟ قالت: نعم.
فقال لها: أرأيت لو أججت ناراً ضخمة فقيل لكِ: إن شفعتِ له صلينا عليه، وإلا حرقناه بهذه النار، أكنتي تشفعين له؟ قالت: يا رسول الله! إذاً أشفع، قال: فأشهدي الله وأشهديني أنكِ قد رضيت عنه، قالت: اللهم إني أشهدك وأشهد رسولك أني قد رضيت عن ابني، فقال رسول الله ﷺ : يا غلامٌ! قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فقال ﷺ : الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) وقد جاء في بعض الروايات: أن هذا الشاب كان يؤذي أمه، ويؤثر زوجته عليها.
стр. 2180
رجل يشتكي أباه إلى النبي ﷺ فألزمه طاعته
فيا عباد الله: الله الله في حق الوالدين بالدعاء لهما، وخفض الجناح، ومن كان والداه كبيرين فإنهما أعظم الفرصة للبر ولنوال أسباب الرحمة، ومضاعفة الدرجات، وتكفير الخطايا والسيئات، جاء في الحديث الذي يرويه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟! قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة) ولقد جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن أبي أخذ مالي، فقال ﷺ : اذهب وائتني بأبيك، فنزل جبريل على النبي ﷺ فقال: إن الله يقرئك السلام، ويقول: إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيءٍ قاله في نفسه ما سمعته أذناه، فلما جاء الأب -وهو الشيخ- إلى النبي ﷺ قال له: ما بال ابنك يشكوك، أتريد أخذ ماله؟ فقال: سله يا رسول الله! هل أنفقته إلا على عماته أو أخواته أو نفسي، فقال ﷺ : دعنا من هذا، أخبرني عن شيءٍ قلته في نفسك ما سمعته أذناك، فقال ذلك الرجل: والله يا رسول الله! آمنا بك وصدقناك، وما زال الله يرينا فيك مزيد صدقٍ ونبوة، إني قلت كلماتٍ في نفسي لم تتحرك بها شفتاي، قلت:
غذوتك مولوداً وعُلتك يافعاً تعل بما أجني عليك وتنهل
إذا ليلةٌ ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهراً أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيناي تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقتٌ مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أُؤمل
جعلت جزائي غلظةً وفضاضةً كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
فأوليتني حق الجوار ولم تكن عليَّ بمالٍ دون مالك تبخل
فقام النبي ﷺ وأمسك بتلابيب ولده، فقال: أتسمع؟ أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك).
فهل بعد هذا يا عباد الله! يستكثر الابن على والده عطاءً أو يستكثر عملاً أو خدمة؟ والله إن حق الوالدين عظيم، ولن يجزي والدٌ ولده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه ثم يعتقه، ولن يبلغ أحدٌ حق والديه حتى فيما فعله، أو كان يظن بفعله أنه قد نال شيئاً من درجات البر بهما.
стр. 2181
دعوة للرجوع إلى طاعة الوالدين
رأى رجلٌ ابن عمر، وكان ذلك الرجل يحمل أمه على ظهره يطوف بها عند البيت، فقال: [يا ابن عمر! أتراني قد جازيتها حقها؟ فقال: لا.
ولا بطلقةٍ من طلقات مخاضها].
إذاً فيا عباد الله! حق الوالدين عظيم، أمَا آن لشبابٍ قد آذوا آباءهم وقطعوهم لعروض من الدنيا حقيرة، ولأنواع من المال يسيرة قطعوا آباءهم، وهجروا بيوتهم، وشبوا نار الفتنة والفراق بينهم وبين آبائهم، أمَا آن لهم أن يتوبوا؟ أمَا آن لهم أن يئوبوا؟ أمَا يخشون الله حق خشيته؟ والله لو مات الوالد لندم الولد غاية الندم، ولن ينقطع ندمه إلى أن يموت، ولو مات الولد لتذكر أول ما يتذكر عند سكرات موته، هل يموت ووالداه قد رضيا عنه أم لا؟ إن ذلك لأمرٌ خطير، إنه لأمرٌ عظيم ألا وهو العقوق يا عباد الله! فانتبهوا لعظم جزائه وخطر عقوبته، فاتقوا الله في الوالدين، وأحسنوا إكرامهما، وأحسنوا صحبتهما وإن كانا قد توفيا فأكثروا من الدعاء لهما، والصدقة عنهما، فإنه: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولدٍ صالحٍ يدعو له، أو صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به) إذاً فاجتهدوا في ذلك يا عباد الله.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، واجزهم عنا خير الجزاء، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والسعادة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم فنوِّر ضريحه، ووسع له قبره مد بصره، وافتح له أبواباً إلى الجنة، واجعلهم شفعاء لنا، واجعلنا شفعاء لهم، واجمعنا بهم في دار كرامتك يا رب العالمين، يا واسع الرحمة والمغفرة! اللهم عليك بالإيرانيين الفرس الشيعيين، اللهم أحصهم عدداً، وأهلكهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، اللهم إن زرع باطلهم قد نمى وترعرع، اللهم فهيئ لهم يداً من الحق حاصدة تحصد زروعهم، وتميت ضروعهم، وتحصد شرورهم وتنزل بهم عذابك، اللهم أنزل بهم سوط عذابك، اللهم لا ترفع يد نقمتك عليهم بقدرتك وجبروتك يا رب العالمين! اللهم من أراد ولاة أمرنا بفتنة، وشبابنا بضلال، ونساءنا بتبرجٍ وسفورٍ واختلاطٍ في التعليم، واختلاطٍ في الوظائف، اللهم فأهلكه عياناً بياناً، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، وأسوأ من ذلك يا جبار السماوات والأرض! اللهم إنا نصبح ونمسي منك في عافيةٍ وأمنٍ وسترٍ ورزقٍ في الأموال والخيرات، وبركاتٍ في الأموال والذريات، اللهم من أراد التغيير علينا بتغيير ما نحن فيه، اللهم فغير عليه وحده، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، ولا تعم بذنبه وشؤم ذنبه عامة المسلمين بمنك ورحمتك يا رب العالمين! اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم أصلح إمام المسلمين، اللهم انصر وأعز وارفع إمام المؤمنين المسلمين، اللهم انصره وإخوانه وأعوانه، وارزقه البطانة الصالحة، وسخِّر له ولنا ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وارحم تضرعنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً غدقاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم إن بالمسلمين من الجهد والنصب والتعب واللأواء والمشقة ما لا يعلمه إلا أنت فارفع ذلك عنا وعنهم، بغيثك ورحمتك وواسع رزقك وكرمك يا رب العالمين! إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن صاحب نبيك على التحقيق أمير المؤمنين أبي بكر الصديق، وارض اللهم عن الإمام الأواب شهيد المحراب عمر بن الخطاب، وارض اللهم عن مجهز جيش العسرة بأنفس الأثمان عثمان بن عفان، وعن فتى الفتيان، ليث بني غالب، علي بن أبي طالب، وعن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2182
طوق النجاة
كثيرة هي الفتن التي تواجه المسلم في هذه الأيام، تعرض على قلب الإنسان وجوارحه، فمن أنكرها نجا وسلم، ومن أشربها خسر وحُرِم؛ ويبقى باب التوبة مفتوحاً، ويبقى في الخاطر سؤال عن كيفية النجاة والخلاص!! وهنا بيان لطريق النجاة، في كتاب الله، وفي سنة رسول الله، وتحذير من إغواء الدنيا، ووجوب التعرف إلى الله في الرخاء والسراء.
كما أوردت هذه المادة نماذج من أحوال أهل التقوى والخشية، ونماذج من أحوال أهل العصيان والغفلة.
стр. 2183
الفتن وكيفية النجاة منها
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله حمداً ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، الحمد لله على كل حال، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ثم الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أفضل من وطئت قدمه الثرى، بآبائنا هو وأمهاتنا، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة! عنوان محاضرتنا: طوق النجاة، ننجو من ماذا؟ وأي طوق نتقلده حتى ننجو؟ وأي مصيبة تعترضنا؟ وأي فتنة تلك التي نخاف منها حتى تنجو؟ والله إن أعمالنا في صباحنا ومسائنا وذهابنا وإيابنا وغدونا ورواحنا كلها هلاك علينا، وبوار بنا وخسارة في سعينا ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] بنص كلام الله جل وعلا حيث قال وأقسم جل من قائل عليماً: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] إن جميع بني الإنسانية، إن جميع أفراد البشرية لفي خسر ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣].
أيها الأحبة في الله! أما الفتن التي نلقاها فحدث عنها ولا حرج، وليس الخبر عنها بدعاً من متأخري زماننا، بل هي من معجزات نبوته ﷺ : (تكون فيكم فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل) ويقول ﷺ : (تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً فأيما قلب أشربها؛ نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب دفعها أو نجا منها كان فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على واحد من اثنين) أو كما يقول ﷺ ، إما أن يكون قلباً أسود مرباداً كالكوز مجخياً، أو أن يكون القلب فيه مثل السراج يزهر أصبح أبيض جميلاً صقيلاً، هذا معنى مجموع من أحاديث النبي ﷺ .
أيها الأحبة في الله! والله إن الفتن لتعرض علينا عوداً عوداً، قال العلماء: عوداً عوداً، شبه عرض الفتن على القلوب كعرض الحصير، كعرض العود في الحصير، عود بجانب عود، وآخر بجانب مثله، فهكذا تعرض الفتن على هذه القلوب وعلى معنى وتفسير آخر: عَوداً عَوداً أي مرة بعد مرة، والحاصل: أنه لا يسلم أحد من عرض هذه الفتن عليه.
стр. 2184
عرض الفتن على السمع والبصر
فأول هذه الفتن ما نسمعه بآذاننا من ملة عن ذكر الله جل وعلا، أو سماع لما يسخط الله جل وعلا، أو لكلام بذيء أو فاحش نميم أو غيبة أو ما لا يرضي الله .
فتلك فتنة في الأسماع، إما أن تدخل إلى الأسماع فتنفذ إلى القلوب، وإما أن تبعد واحدة بعد الأخرى، إما رجل يفتح أذنه بل بمكبرات الصوت التي يسلطها على أذنه لكي تعرض الأغنية تلو الأغنية، والمصيبة تلو المصيبة، والرديء من القول يعقبه ساقط الكلام، والغيبة تتلوها النميمة على هذه الأذن، فتن تعرض على هذه الأذن واحدة بعد الأخرى، فإذا قبلت الفتنة الأولى استعدت للفتنة الثانية، وإذا قبلت الثانية استعدت للفتنة الثالثة وهلم جراً، حتى تمتلئ هذه الأذن بكل نغم ماجن وبكل صوت خليع وبكل عزف وضيع، فإذا سمعت كلام الله نفرت، وإذا سمعت ذكر الله ابتعدت، وأصبحت كالحمر المستنفرة فرت من قسورة.
والله ثم والله هذا شأن طائفة من عباد الله من البشر الذين رأيناهم في هذا الزمان، يوم أن يعلو صوت كلام الله أو سنة نبي الله ﷺ ، أو داعٍ إلى الله على أسماعهم ينفرون كما تنفر الحمر، لماذا؟ لأن هذه الآذان قد امتلأت قيحاً وصديداً من رديء يسخط الله ويغضبه، وهل تستطيع أن تملأ في كوزٍ واحد مادتين في آنٍ واحد، فهو إما أن تملأ فيه خيراً، وإما أن يخرج الخير منه ويمتلأ الشر به، وإما أن يختلط الخير بالشر على مداهنة ونفاق وذلك شر العباد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وتعرض الفتن على أبصارنا عوداً عوداً، وتعرض الفتن على أعيننا عَوداً عَوداً، مرة بعد أخرى، فنرى منظراً لا يجوز النظر إليه ثم نكرر النظر، ولو كانت لنا الأولى فليست لنا الثانية، فنديم النظر ثم نطلق العنان للخطرات، ونطلق للخيال عنانه حتى يتأمل هذه الصورة ويستحسنها، وكما قال ابن القيم ﵀ في الجواب الكافي: إن الشيطان يقول لجنوده وأتباعه: عليكم بثغر الأذن! الله الله لا يدخل منه كلام مما توجل منه القلوب أو تخشع له الأفئدة، بل زينوا في هذه الآذان كل لحن وعزف وغناء، ثم عليكم بثغر العين فاجعلوها لا تنظر إلا إلى ما حرم الله، واحجبوا نظرها عن أن تنظر في ملكوت الله في سماواته، أو أن تنظر إلى بديع صنع الله في مخلوقاته، واحجبوا ذلك كله، واجعلوا هذه العين تنظر إلى ما حرم الله، فإذا رسخت هذه الصورة المحرمة زينوها في قلب هذا الناظر وانقشوها فيه ومنوه بها حتى تخالجه الخطرات في اللقاء، وتزين له الخطوات الدنو، فإذا قاب قوسين أو أدنى من المعصية فدعوه لي وأنا دونكم عنده أصرعه على فاحشة وعلى مصيبة تجعله من أهل الفواحش والكبائر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذه فتن تعرض على أبصارنا على الشاشات والمجلات، وفي الأسواق بين الغاديات والرائحات، وفي كثير من الأماكن والمناسبات، وفتن تعرض في مجالسنا إما أن يستطيل الكلام في أعراض الأبرياء، وإما أن يطول الحديث في أعراض المحصنات، وإما أن تملأ المجالس بالغيبة والنميمة، وما يثقل الموازين بالسيئات، ففتن الكلام كلمة تتلوها كلمة، فإذا تحدث واحد ممن تسلط ألسنتهم أو تسلطت ألسنتهم عليهم زين أحد الجالسين حديثه بابتسامة وأكمل بقية الحاضرين حديثه بضحكٍ وإعجاب، فما يزال بعضنا يثني على كلام بعض، حتى نستمرئ الغفلة ونستلذ الكلام في المعصية، ونأنف أن نتلذذ بسماع خطاب الله وجميل كلام نبيه ﷺ .
стр. 2185
عرض الفتن على الأيدي والأقدام
هكذا -أيها الأحبة- تعرض الفتن على هذه الأيدي، فإما أن تمتد لتدخل في هذه الجيوب حراماً، أو أن تمد اليد بطشاً وظلماً وعدواناً إلى حرام، وتعرض الفتن على هذه الأقدام فتخطو إلى الحرام وتدنو منه وتواقعه كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، فإذا رتعت ثم استحلت المرعى وقعت، ثم بعد ذلك أنى لك أن تخرجها وقد سامت المرعى وشبعت منه، ولو وجدت في الحرام والعياذ بالله لذة حجبتها وأبعدتها أن تستشعر حقيقة لذة الحلال والإيمان.
стр. 2186
النجاة من الفتن في الكتاب والسنة
أيها الأحبة في الله! إما أن نكون في فتن تعرض علينا فهذا والله حق لا شك ولا مرية فيه، ولكن ما هي النجاة من هذه الفتن؟ أي طوق نتقلده، وأي قارب نستقله، وأي سفينة نبحر بها ونحن في بحر تتلاطم أمواجه؟ والله -يا عباد الله- إن اطلاعة منكم على ما يدور في مجلس بعض الشباب لكافٍ في أن تعلموا إلى أي حد بلغت الغفلة في القلوب، وهجمت الشهوات والشبهات على الأنفس، بل أصبح المعروف منكراً، وأصبح المنكر معروفاً، واختلط الأمر على الناس في هذا الزمان بين قاسي القلب لا يخضع لموعظة، وبين مشتبه قد اشتبه عليه الحلال والحرام، قد سمع علماء الدنيا قالوا كذا، وآخرين للسلاطين قالوا كذا، وآخرين للمراتب والجاه قالوا كذا، ثم بعد ذلك احتارت قلوبهم وتباينت وتشتت أذهانهم ما هو الحلال من الحرام؟! أيها الأحبة في الله! العصمة في كتاب الله، وطوق النجاة في قرآن أنزله الله، وفي سنة أوحاها الله إلى نبيه ﷺ ، (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) أي: السنة النبوية، فطوق النجاة فيها أيها الأحبة.
стр. 2187
صراحة الاعتراف طريق للتوبة
من المصائب العظيمة أيها الإخوة أن يعرف كل واحد منا حقيقة ما في نفسه من الذنوب، والله لو سأل كل واحد من الحاضرين نفسه: أي ذنب تستحي أن تلقى الله به؟ لقلت وأجبت نفسك الآن: إنه الذنب الذي فعلته يوم كذا، في ساعة كذا، في مكان كذا، يوم أخذت مالاً، أو انتهكت عرضاً، أو فعلت فعلة ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] أنت والله أدرى بنفسك، أنت والله أعلم بنفسك، القلب يا مغرور أعلم بدائه، كل منا يعلم ما هو الذنب الخطير الكبير الذي فعله ويخشى أن يفضح يوم القيامة ويرجو من الله ستره.
نعم أيها الأحبة! الحديث مع القلوب بالصراحة هو سبيل إلى التوبة، أما أن نتزين بالمظاهر والملابس، والله أعلم ببواطننا، فإننا سنقف يوم العرض الأكبر على الله يومئذٍ لا تخفى على الله خافية، لا يمكن أن نخبئ شيئاً عن الله، ولا يمكن أن نجعل جريمة تبقى في طي الكتمان والنسيان، كيف نستطيع أن نكتم شيئاً والله جل وعلا يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
تأمل نفسك يا أخي وأتأمل نفسي أيضاً! يوم ينصب الميزان ويدعى عبد من عباد الله باسمه واسم أمه وأبيه، ولو دعي باسمه لعرف أنه المقصود المراد لم يحتج إلى بينة أو قرينة لا تتشابه الأسماء ولا الأنساب، ولا الصفات ولا اللغات، كل يكون أدرى بالخطاب يوم أن يوجه النداء، فإذا قيل: يا فلان بن فلان! قم يوم الحساب إلى الحساب ومناقشة الأعمال أمام العرض الأكبر عند الله جل وعلا، فيوضع الميزان وأنت حينئذٍ يدور بك شريط ذكرياتك، ما أول سيئة توضع في كفة السيئات؟ وتبحث أيمن منك وأشأم منك أي حسنة تظن أن فعلتها خالصة نقية على سنة واتباع وإخلاص ترجو أن توضع في موازين حسناتك، سنقف هذا الموقف وكل سيكون أدرى بما سيوضع في ميزان حسناته وسيئاته.
ثم يسدل الله ستره على عبده وهو الستار الحليم الغفور الرحيم، يقول: يا عبدي! أتذكر ذنب كذا، الذنب قد وضع في الميزان، المعصية الفاحشة الجريمة الخطيئة الزلة قد وضعت في الميزان، عبدي! أتذكر ذنب كذا في يوم كذا وكذا، فتقول: إي يا رب والله -تكذب على الله، تقول: ما فعلتها يا رب، أنت لستَ أمام البشر الذين تنطلي عليهم الحيل، لا والله، لا تستطيع أن تكذب أو تزيد أو تنقص- تقول: نعم إي والله يا رب أذكرها ولا أنساها، ولو كذبت على الله الذي لا تخفى عليه خافية لأنطق الجارحة التي فعلت المعصية، فإن كانت المعصية بقدمك تكلمت رجلك، وإن كانت المعصية بيدك تكلمت اليدان، وإن كانت المعصية بفرجك تكلم الفرج، وإن كانت المعصية ببصرك تكلم البصر، وإن كانت المعصية بسمعك تكلم السمع.
стр. 2188
شهادة أعضاء المذنب عليه
الله أكبر يا عباد الله! كيف نجرؤ على الله جل وعلا بزيادة أو بنقصان ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] لا يمكن أن يكتم عن الله شيء.
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ومهما يكتم الكاتم الله يعلم
لا يمكن أن يكتم الله شيئاً ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢١] لماذا تشهد؟ أيتها القدم التي لذذتك بهذه العملية، لماذا تشهدين؟ أيتها اليد التي جملتك بهذه الشيء لماذا تشهدين؟ أيتها العين التي متعتك بهذا المنظر لماذا تشهدين؟ أيتها الأذن التي أسمعتك هذا اللحن لماذا تشهدين؟ (قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ) ليس الأمر بأيدينا (أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) رب خلقنا من العدم فهل يعجز أن ينطقنا؟! رب خلقنا من التراب من مني يمنى حتى كنا نطفة فعلقة فمضغة فطفلاً فبلغنا أشدنا ثم كنا شيوخاً، ثم توفانا ثم بعثنا بعد موتنا، يعجز أن ينطقنا!! والله ما ذلك على الله بعزيز.
هكذا ظن الكفار لما وقف العاص بن وائل، وأخذ عظماً قد رمّ، فقام يفته ويفركه بين يديه وقال: يزعم محمد أننا إذا متنا وكنا عظاماً كهذا وقد أصبحنا رميماً أن الله يبعثنا! فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: (نعم.
يبعثك الله ثم يحشرك إلى جهنم).
وأنزل الله جل وعلا قوله في كتابه الكريم في سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] هذا المعاند المتكبر العاصي نسي أنه خلق من عدم ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٨ - ٨٠].
قال العلماء: أورد الله جل وعلا هذه الآية إبلاغاً في دفع حجج الكفار وعنادهم في قضية البعث ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً﴾ [يس:٨٠] الشجر يتولد من التراب والطين وأصل ذلك من الماء، العنصر الناري محرق، والعنصر المائي مطفئ مبتل، الذي يخلق من هذا العنصر المائي المطفئ المبتل يجعل منه ناراً ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٨٠] والله قادر على أن يجعل البحار المائية والمحيطات العظيمة نيراناً متأججة ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] أشعلت وجعلت ناراً.
يقف العباد يوم العرض الأكبر على الله يقولون: لم شهدتم علينا ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت:٢١ - ٢٢] هلَّا يوم أن أردتم أن تفعلوا فاحشة أو معصية أو جريمة أو أردتم أن تتجرءوا على أمر الله استترتم يميناً أو يساراً، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٣].
стр. 2189
السجل الدقيق للحسنات والسيئات
إخواني! يدني الله جل وعلا واحداً منا، لا نتكلم عن أجيال قبل ألف وأربعمائة سنة، أو عن أمم بعد مائتين سنة، لا.
واحداً من هؤلاء، كل سيقف على العرض الأكبر على الله، يقول أحدنا: سبحان الله! هناك وقت كافٍ لكل إنسان تناقش أعماله وسيئاته وحسناته، ثم ما هي هذه السجلات التي سيجد فيها الإنسان الحسنات والسيئات والزلات والغفلات؟ أقول: يا إخواني، لو قلت لكم: أنا أنكر الكمبيوتر، هذا الكمبيوتر أنا لا يمكن أن أصدق ما فيه، تقولون: هذا شيخ مجنون أهبل، الكمبيوتر خلال لحظة -مركز معلومات- يعطيك أسماء دولة كاملة بأفرادها وأبنائها وأمهاتها وتعداد سكانها ومنابع نفطها وموارد مائها وعدد إشاراتها خلال لحظات أمام الشاشة تخرج أمامك المعلومات بكاملها، هذا أنت يا مخلوق يا ضعيف صنعت الكمبيوتر الذي أتى بهذه المعلومات كلها، فالخالق القوي الذي خلقك أيها المخلوق أيعجزه أن ينثر أعمالك هكذا في لحظة؟! ثم تعرض عليك واحدة بعد الأخرى، لا والله لا يمكن أن تخفى على الله خافية.
ثم ملائكة الله الذين هم أضعاف أعداد سكان الأرض، ملائكة لا يحصيهم إلا الله، إذا صار كل شخص معه ملكان يكتبان حسناته وسيئاته، نفر من الله إلى أين؟ إلى الله.
стр. 2190
الذين يرجون رحمة الله
يا إخوان: يدني الله عبداً من عباده فيقول: يا عبدي يا فلان بن فلان! أتذكر ذنب كذا في يوم كذا وكذا، فيقول: إيه يا رب أذكره ولا أنساه، فيقول الله جل وعلا: أتذكر ذنب كذا وأنت تعلم أن هذا الذنب سوف يعرض عليك، فتقول: إيه يا رب والله أذكره ولا أنساه، فيقول الغفور الرحيم الجواد الكريم: يا عبدي! إني سترتها عليك -لم يعلم بها أحد- وجعلتها حسنات، اذهبوا بعبدي إلى الجنة، الله أكبر يا عباد الله! ليرحمنا الله يوم القيامة رحمة ما خطرت على قلب بشر، من يتعرض لهذه الرحمة؟ من يلبس طوق النجاة لينال هذه الرحمة، من يلبس تاج الوقار لينال هذه الرحمة؟! من يقدم دموع الندم لينال هذه الرحمة؟ من يبذل عبارات الأسف والندم على ما مضى لينال هذه الرحمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨] يرجو رحمة ربه من آمن بالله، وجاهد في سبيل الله، وجعل في قلبه هجرة من السيئات إلى الحسنات، ومن المنكرات إلى الطاعات، ومن جلساء الشر الأشرار إلى أصحاب الخير الأبرار، ينالها من بلغ هذه المنزلة ومن أدركها وليست والله بعيدة يا عباد الله.
الله أكبر يا عباد الله! عجب في شأننا مع الله، يرزقنا ونشكر غيره، يخلقنا ونعصيه، يحفظنا ولا نحفظ أمره، يهدينا ولا نهتدي بهديه، ما أحلم الله على عباده، والله إنها لآيات عظيمات تدل على أن الله رحيم حليم ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥] والله لو أن العبد يؤاخذ بالمعصية، والله ما سلم أحد خطوة بعد معصية، تفعل معصية ثم لا تكون بعدها خطوة واحدة.
أين أنت ممن يعصي رب السماوات بين الأرض والسماوات، معصية في الطائرة، أين أنت ممن يعصي الله بين الأمواج المتلاطمات.
إخواني! متى نرتبط بالله؟ متى نقول: يا الله، من خالص قلوبنا؟ متى نصيح ونجأر إلى الله ونقول: يا الله، لقد أسرفنا في أمرنا وأفرطنا تفريطاً عظيماً؟ متى نقول ذلك؟ إذا وقع الواحد منا مريضاً، ارتفعت درجة الحرارة إلى أربعين ثم وضع جهاز الضغط على اليد، ثم جاء الطبيب ويقف وأنت تقول: يا الله يا الله يا الله، وأين يا الله يوم أن كنت قوياً معافى؟ أين كلمة يا الله يوم أن كنت تجلس الساعات الطول أمام الفيديو والشاشة؟ أين كلمة يا الله يوم أن كنت تملأ هذه الآذان بألوان الغناء أو الطرب الذي يبلغ به الأمر إلى الاستهزاء بالله وسنة رسول الله ونبي الله وكلام الله والصالحين من عباد الله، أين كلمة يا الله؟
стр. 2191
أهمية التعرف على الله في الرخاء
إذا كنت تقول: يا الله! وقت الاضطرار فإن كفار قريش الذين بعث فيهم النبي ﷺ واستباح دماءهم وأموالهم كانوا عند الاضطرار يقولون: يا الله! ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢] إذا كنت تقول: يا الله! وقت الاضطرار فلست وحدك التي تقولها، كفار قريش يقولونها.
حصين بن عبيد قال له النبي ﷺ : (يا حصين! كم من إله تعبد؟ قال: سبعة، قال: وأين آلهتك يا حصين؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: من الذي لشدتك وكربك؟ قال: الذي في السماء) الاضطرار إلى الله وقت الحاجة، والاضطرار أمر طبيعي في البشر، لكن يا أخي! كن مع الله في حال الرخاء يكون الله معك في الشدة، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في حال الشدة.
نبي الله يونس بن متى كان من المسبحين، فلما ألقي في البحر والتقمه الحوت نادى في الظلمات ﴿أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] قالت الملائكة: يا رب! صوت مسموع- ليست أول مرة يسبح - ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:١٤٣] فلولا أنه كان فيما مضى من المسبحين ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٤] ولكن لأنه كان من المسبحين في الرخاء فسبح في الشدة، فجاء الفرج عاجلاً بين الكاف والنون ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].
إخواني في الله! ينبغي أن نتعرف على الله في الرخاء، ينبغي أن نقوم بأمر الله في الرخاء، ينبغي أن نبادر إلى الله ما دمنا أقوياء، اغتنم بادر (اغتنم خمساً قبل خمس: فراغك قبل شغلك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك، وخذ من دنياك لآخرتك، ومن نفسك لنفسك).
стр. 2192
مثل يبين حقيقة الدنيا
هذه الدنيا كما ضرب بها أحد السلف المثل قال: مثل الدنيا كمثل رجل لحقه عدو معه سلاح يريد أن يقتله فهرب، فما زال يلحقه وما زال يهرب، فلما نجا منه إذا بأسد جائع مفترس يلحقه ففر من الأسد فلم يجد أمامه إلا بئراً فرمى بنفسه في هذه البئر، فإذا في قاع البئر حية ووقف الأسد على شفير هذا البئر، فأمسك حبلاً يتدلى به، فإن نزل إلى قاع البئر فستلدغه الحيات، وإن خرج فالأسد الجائع ينتظره، تمسك بهذا الحبل فإذ بفأرين واحد أبيض وآخر أسود تسلطا على هذا الحبل يقرضانه، فمد ذلك الخائف الهرب، مد يده إلى جدار البئر فوجد منحلة من عسل، فلما ذاق العسل أخذ يتذوقه، ويقول: هذا عسل لذيذ، وأخذ يأكل من هذا العسل، هذا هو ابن آدم.
الخاتمة الحيات تنتظره، الموت، والأسد يدركه، وعمره هذا الحبل، والفأران الأبيض والأسود هما الليل والنهار يقرضان كل يوم من حبلك حتى ينقطع بك الحبل، أفتشتغل بعد هذا وتأكل عسلاً، تأكل من عسل هذه الدنيا يا أخي، أتشتغل بهذا والحية تحتك والفأر يقرض في حبلك، أم تحاول أن تبحث عن النجاة ثم بعد ذلك تجد فسحة ومتسعاً للعسل والحلوى وما لذ وطاب، هذا هو شأن كثير من الناس في هذا الزمان، والله ما جعلنا لله وقاراً، والله ما قام لأمر الله في قلوبهم غضب ولا غيرة، والله ما غضب أحدهم غضباً كغضبه على أحدٍ من أولاده يوم أن ضيع مائة ريال، ما غضب لله جل وعلا لحظة، وإذا رأى معصية أو منكراً مما يعصى به الله ربما ضحك وربما سكت، وإذا سمع كلمة في عرضه أو نسبه أو أصله أو شرفه، أخذ يزمجر ويزأر، ويثبت وهو يقول: أنا ابن جلَّا وطلاع الثنايا، من هذا الذي يتكلم فينا وفي أسرتنا وفي قبيلتنا ونحن ونحن ونحن، والكلام في دين الله وسنة رسول الله ﷺ في الليل والنهار عبر كثير من الوسائل وعبر كثير من الأجهزة وعبر كثير من الوسائل المختلفة، بل وفي كثير من المجالس يستطيل وينتشر وما ترى غضبة لله، أو تغيراً لله لماذا يا إخوان؟
стр. 2193
غيرة الله على نعمه
إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله عليه، والله يغار على نعمه ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
يا إخواني، والله لقد مرَّ بأهل هذه الجزيرة زمن ما أدركناه وحدثنا عنه كبار السن الذين بلغوا المائة في هذا وهم حتى الآن أحياء.
стр. 2194
مداولة الأيام وتقلب الأحوال
يروي أحد المسنين قصة يقول: امرأة في منطقة ليست بعيدة من هذه المنطقة كان معها مزادة، أتت ومعها بُنيات إلى صاحب بستان والناس يحرثون البساتين؛ لأن الجوع مستطير يخشون أن تداهم الثمرة ويأكل المال، جاءت امرأة وقالت: من فضلك وإحسانك حط عندك هذه المزادة، قال: مربوطة ووضعتها، فإذا جاء آخر النهار طرقت علي الباب، وقالت: أعطني المزادة التي عندك، قال: وتأخذها وتتنحى هي وبُنياتها وتفتح وكاء هذه المزادة وتخرج شيئاً ثم تجلس هي وبناتها ثم تعود وترد لي هذه المزادة وتقول: جزاك الله خيراً على الذي كان، قال: فسولت لي نفسي يوماً أن أفتح لأرى ما بهذه المزادة، قال: فوجدت فإذا رأس حمار يأكلونه من الجوع، من الجوع الذي بلغ بأهل هذه البلاد يا من تلبسون المشالح وتركبون السيارات بلغ بكم منذ زمن قريب جوع لا يعلمه إلا الله، تقطع من لحم رأس هذا الحمار وتقدم لبنياتها على شواء أو ملح أو غير ذلك، بلغ بالناس مبلغاً لا يعلمه إلا الله جل وعلا، إذاً: لا تطمئنوا لهذه الدنيا.
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
وهذه الدار لا تبقي على أحدٍ ولا يدوم على حالٍ لها شان
أين الملوك ذوي التيجان من يمنٍ وأين منهم أكاليل وتيجان
وأين ما شاده شداد في إرم وأين ما ساسه في الفرس ساسان
أتى على الكل أمر لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
стр. 2195
تفاهة نعيم الدنيا أمام سكرات الموت
إخواني! والله لو أنك منذ أن ولدت والحشم والخدم والعبيد في قصور الملوك يخدمونك على ثياب الحرير يلبسونك، على موائد الطعام يطعمونك، والله ما تساوي لحظة من سكرات الموت التي بلغت بخير أهل الأرض قاطبة محمد ﷺ ، والله لو هون الموت على أحد لهون على المصطفى ﷺ ، لقد جاءه الموت واشتدت به الحمى، وبردت منه الرجلان، وضعفت منه القدمان، وازرقت منه الشفتان، وسكنت منه اليدان، وهو يغمس يديه في شنة من ماء، ويقول: (اللهم هون عليَّ سكرات الموت، لا إله إلا الله إن للموت لسكرات).
يعني فلنفرض أنك ملذذ منعم من كل شيء والله لا يساوي ذلك لحظة تواجه فيك سكرة من سكرات الموت.
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى الحساب وقلبه مذعور
﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل:١٧]
هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور
الله أكبر! يا إخوان: كم بلغنا من العمر؟ ثلاثين سنة! أربعين سنة! هل حفظنا القرآن؟ هل جاهدنا في سبيل الله؟ فلان نعم أسس نفسه قدم على البنك وبنى له فيلة، رجل ممتاز، هكذا أصبحنا نقيس الناس، نحن لا نمنع من ذلك، ما بذلة الإنسان في حلال فخير، والله جل وعلا يؤجره عليه، لكن أين حظنا من الآخرة؟ لقد عمرنا الدنيا وخربنا الآخرة.
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
стр. 2196
صور مشرقة من التقوى والخشية
يقول أبو بكر الصديق: [يا ليتني شعرة في صدر عبدٍ مؤمن] يا إخوان: ماذا قدمنا حتى نطمئن.
عجبت للجنة كيف نام طالبها، وللنار كيف نام هاربها! عمر بن الخطاب الذي نزل الكتاب موافقاً لقوله، عمر بن الخطاب الإمام الأواب، شهيد المحراب، عمر بن الخطاب الذي يقول عنه النبي ﷺ : (ما سلك ابن الخطاب فجاً إلا سلك الشيطان فجاً آخر، وإن الشيطان لا يجري في فج يجري فيه عمر بن الخطاب) عمر بن الخطاب أحد العشرة المبشرين بالجنة، عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة وضع عبد الله بن عمر ولده الصحابي الجليل رأس والده عمر على حجره، فيقول عمر: [إليك عني واجعل رأسي على الأرض، ويل عمر إن لم يرحمه ربه].
عبد الله بن عمر رأس والده على حجره، فيقول عمر: إليك عني ويل عمر وويل أم عمر إن لم يرحمه ربه، ثم يمرغ لحيته في التراب، ويقول: يا رب! رحماك، يا رب! رحماك، عمر بن الخطاب يسأل حذيفة بن اليمان يقول: سألتك بالله، يعني: ما ترك له فرصة يفر من الجواب للحديث: (من سألكم بالله فأجيبوه) سألتك بالله: هل عدني رسول الله من المنافقين؟ الله أكبر! إذا كان عمر يخاف على نفسه النفاق نحن ماذا نكون؟ من العشرة المبشرين بالجنة، نكون من أهل بدر، نكون من أهل بيعة الرضوان، من أهل الشجرة، ماذا نكون يا إخوان؟ نحن لا نقنط أنفسنا من رحمة الله، ولكن أسوق هذا الكلام لأننا نرى غروراً من أنفسنا، الواحد منا يرضى عن نفسه إذا صلى مع الجماعة وبس.
احمد ربك أني أصلي مع الجماعة، هناك أناس والله لا يصلي في المسجد، لا يركع في المسجد، احمد ربك أنني لا أسافر مثل الذين يسافرون، احمد ربك أنا أنا أنا إلخ، وكأنما يستكثر على الله، يا مسكين يا مسكين المنة لله عليك، والفضل لله عليك، وأنت لا تنفع إلا نفسك، الله غني عن العباد ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
يا إخواني: فلنستعد لله، واعلموا أننا على خطر، لا بد أن نرتدي طوق النجاة من هذه اللحظة، لا بد أن نلبس لباس النجاة وهي التوبة من هذه اللحظة.
يا إخوان: والله إنها لفتن، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، والواقع شاهد بذلك، كما عرفنا من كثير من أبناء الأسر وشباب المجتمع، تفلتوا رويداً رويداً حتى قلَّ حظهم من الإيمان، واستحكم في قلوبهم أمر الشيطان، وزين لهم الفسوق والعصيان، فماتوا على خاتمة سيئة أو كفر بالله جلَّ وعلا.
стр. 2197
صورة من سوء الخاتمة
ذكرت في خطبة جمعة من الجمع أن شاباً بلغ من شأنه، كان كسائر الشباب ما زال مع قرناء السوء وإيمانه يضعف ولا يتفقد نفسه حتى سافر إلى بانكوك، وأنتم تعلمون ما بانكوك؟ وفي لحظة هوس وعشق ومجون فقد حبيبة قد شغفها حباً وأشرب قلبه حبها، فلما أبطأت عنه كاد يجن، فلما قدمت عليه خر ساجداً لها، فكانت السجدة الأخيرة قبضه ملك الموت كافراً فاسقاً فاجراً ساجداً لغير الله.
يا إخوان! سوء الخاتمة ليس بعيداً عن أن تقلب القلوب، كان ﷺ وهو المعصوم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أكثر ما يدعو وهو ساجد، وأكثر دعائه في سجوده أن يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) وكان كثيراً ما يحلف ويقول: لا ومقلب القلوب، يحلف بالله مقلب القلوب، أفيأمن أحدنا على نفسه يا إخوان.
стр. 2198
ورع ابن خثيم وعفته
أين إيماننا؟! إيمان الربيع بن خثيم، الذي تمالئ عليه فساق المنطقة التي كان يسكنها، اجتمع فساق المنطقة قالوا: نريد أن نضل الربيع بن خثيم، شاب وسيم جميل عابد تقي صالح، قالوا: كيف نضله؟ قالوا: نأتي ببغية غانية، وتسمى الغانية غانية؛ لأنها استغنت بجمالها عن المجملات، فأتوا بباغية غانية، قالوا: نريد منك أمراً، قالت: ما هو؟ قالوا: نريد منك أن تضلي الربيع بن خثيم، وندفع لك مائة دينار، قالت: وماذا تريدون؟ قالوا: قبلة واحدة، اجعليه يقبلك قبلة واحدة، قالت: قبلة فقط، أجعله يزني، هل تدفعون أكثر؟ قالوا: نعم.
ندفع.
وفي هذه القصة عبرة: وهي أن الفساق لا يطمئنون لترك الأبرار والأخيار على خير، فإما أن يتجه الأبرار لدعوة الفساق فيكونون صالحين أمثالهم، وإلا فإن الفسق يسري حتى يعم الصالح والطالح، إذا كان الفساق يتمالئون على الأبرار، فما بالك بالشخص العادي الذي مثلك، عادي يعرف الصلاة في المسجد فقط، وليس هناك التزام ولا استقامة، مع الأغاني أغاني، ومع البلوت بلوت، ومع السفر سفر، ومع الشلة شلة، ومع الغفلة غفلة إلى آخر ذلك.
قالوا: نريد أن تجعليه يقبلك قالت: لا.
أجعله يزني، فوقفت له مع استغنائها بجمالها، وزادت فيما يجملها عطراً، يفوح شذاه بالمعصية ويطرح ضعاف الإيمان، فلما وقفت له في طريق، ثم أماطت الرداء عن بدنها فوقفت له، فقال الربيع: كيف بهذا البدن إذا نخره الدود، وكيف بهذه العين إذا غارت في التراب، وكيف بهذا اللسان إذا شهد عليك، فصاحت صيحة وصرخت صرخة، ثم قالت: قتلني الربيع بن خثيم، قتلني الربيع بن خثيم.
стр. 2199
صور أخرى من المعاصي
الله أكبر! يا إخوان: والله منذ مدة كنا في محاضرة بـ الرياض، محاضرة بعنوان: (الحذر من الفتن) فأرسل إلينا شاب وكنا على المنصة، وقال: يا شيخ! ولسنا والله بمشايخ ولكن هذا الزمن جعل التلميذ أستاذاً، قال: يا شيخ! إني نزلت في الليل فوجدت أبي يزني بالخادمة، تسلط على خادمة قد لا يكون فيها من الجمال ما يلفت النظر؛ لكن انظر الضعف في الإيمان! فما بالك لو وقفت له امرأة كما وقفت للربيع بن خثيم، إيمان ضعيف يحتاج إلى تقوية يا إخوان، الإيمان ضعيف.
وفي مجلس قريب حدثني أحد الشباب أن شاباً سافر ولم يزل بصاحبه ليسافر معه، والشاب حصلت منه سابقة لكنه مل من الفساد، والعاصي يا إخوان ترى ما يطمئن للمعصية ولو ضحك، ولو شرب ولو سكر، كما يقول الحسن البصري: [والله وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه] والله لو مر قدامك (كادلك) أو (مرسيدس) ولا معه أجمل وأحسن وأفضل شيء وهو عاصٍ لله، والله إنك أيها المسلم التقي الحفي حافي القدمين متقلب في طمرين أشعث أغبر والله إن في قلبك عزة ما يبلغها هذا الذي في السيارة، لأن ذل المعصية لا يفارق أصحاب المعاصي.
المهم: شاب حصل منه ما حصل، وأراد أن يكون عادياً، وهذا الزمن لا تصلح فيه كلمة عادي، الدين الذي يريده كثير من الناس يقول: لا تكن فاسداً ومدمن مخدرات، ولا تكن ملتزماً جداً كالذين لا يسمعون الأغاني، ولا ينظرون إلى النساء، كن وسطاً، ككل الناس، المهم أن هذا الشاب أراد أن يكون عادياً نسأل الله أن يعفو عنا وعنه وقد أفضى إلى ربه، ما زال ابن عمه يحاول معه ويحاول، قال: يا أخي أنا طفشت ومليت يعني في هذه اللحظة لو وفق ذاك الشاب بجلساء طيبين يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لتاب إلى الله توبة صادقة نصوحاً.
المهم يا إخوان قال: تذكر صديقتنا فلانة، الدعوة المجردة لم تنفع، تذكر صديقتنا فلانة التي في الفندق، وتذكر صديقتنا فلانة التي طلعنا معها، وأخذ يذكره بفلانة وفلانة، حتى ما زال به وسافر معه، فلما سافر معه لا زال قلبه كارهاً، فاتفق مع واحدة، دائماً أهل الفجور لو يسافر ثلاثة فساق فيزني اثنان والثالث لم يزنِ مستعدين أن يأتوا له بفاجرة لكي يزني مثلهم، هذا معروف معلوم، يحب أهل المعصية أن يشتركوا في العذاب والذنوب والمعاصي.
فذهب وأتى بامرأة وأدخلها عليه، فإذا بابن عمه يسمع رفيقه هذا الذي وصل له تقريباً على هذا الشيء، غصب إكراه يعني مجاملة وهلم جراً، إذا به يسمع ضحك ومداعبة وأخذ يكلم صديقه، ابن عمي فلان! تحرك، قم فلان استيقظ، نائم ما يسمع صوت، وإذا بنفسه قد سكنت ومات بعد أن قذف الماء فيها، الله أكبر يا إخوان! هذه خاتمة، هذه خاتمة يا إخوان ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦] ذكر القصص والاستشهاد بها من الواقع لا من الخيال، لا من ألف ليلة وليلة، حتى نعتبر ونتدبر ونتذكر، ما الذي أقلق الأولين والآخرين والصحابة والسلف والصالحين، إنه سوء الخاتمة.
стр. 2200
أهمية التزود بالتقوى والاستعداد للموت
تزودوا يا إخواني، تزود من الدنيا، إنه ليس أمامنا بعد هذا الذي رأينا وعرفنا وعلمنا إلا أن نستعد، ليس أمامنا إلا أن نستعد، والخاتمة لا نعلم متى تفاجؤنا.
وكل نفس لها يوم منيتها تأتي إليها صباحاً أو تماسيها
والله ما تردي موتك يأتيك على فراش الصبح أو فراش الليل أوفي الدوام أو أو إلخ.
تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر
وكم من عروس زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
لا يعلم الإنسان متى يلقى الله جل وعلا.
إخواني: لو دخل ملك الموت من هذا الباب، وقال: من المستعد للموت بعمل صالح الآن إلى الجنة؟ من يقوم منكم؟ والله ما منا مستعد، والله ما فينا مستعد، صحابة نبينا ﷺ رضوان الله عليهم قد استعدوا للقاء الله وأحبوا لقاء الله فأحب الله لقاءهم، ومع ذلك مع حبهم للقاء الله يخشون، عملوا عملاً صالحاً ويرجون رحمة الله ويخشون أن تزل بهم القدم، والحسن البصري ﵀ لما حضرته الوفاة بكى، قيل: يا أبا عبد الله، أنت الذي تصيح؟ أنت الذي تبكي؟ أنت تبكي إذا حضرك الموت، فماذا نفعل نحن؟! قال: أخشى أن يقذف بي في النار ولا أبالي، من أنت على الله يا مسكين ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٩٩] ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر:٤٨] ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] كان إذا قرأها السلف أخذوا يبكون ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾.
على عملنا هذا أنت لو سألناك وقلنا لك: أنت يا أخي والثاني والثالث العمل الذي أنت عليه هل تريد به جنة وحريراً، وحور عين، وأمناً عند رب العالمين، يعني: أنت دليلك حاكم على نفسك بأنك مقصر وما بلغت هذه الدرجة وهذه المنزلة، لم لا تستعد للقاء الله؟ لم لا تبدأ طوق النجاة بالتوبة الصادقة إلى الله.
стр. 2201
دعوة للمبادرة بالتوبة إلى الله
أيها الإخوة! خلاصة هذه المحاضرة أن نتوب إلى الله جل وعلا من هذا المكان، وأن نعلنها توبة صادقة صالحة من هذه الساعة، فمن كان مقصراً فليبادر بالتمام, ومن كان مفرطاً فليعد إلى الله، ومن كان مرتكباً فليتب إلى الله جل وعلا، منذ هذه اللحظة إن بلغ الإيمان في قلبك مبلغاً، وأن كلام الله ينفع في قلبك وسنة المصطفى ﷺ تجدي في خطابك، فاسمع قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١] ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
تفقد نفسك! ما هو أمر الله في نفسك؟ ما هو أمر الله في استقامتك؟ ما هو أمر الله في بيتك؟ فقل: سمعت وأطعت ونفذ منذ هذه اللحظة، لا نشاور الجماعة والأصدقاء، أو نشاور الشباب وننظر هل فلان يستقيم أم لا يستقيم؟ فلان يلتزم أو لا يلتزم؟ أحد الشباب كان في طريقه إلى منطقة جلاج، كنت أتحدث أنا وإياه عن أحد الفنانين الذين هداهم الله جل وعلا مطرب فنان محبوب الجماهير على ما قالوا، يقولون له: يا فلان، والله لا تهتدي، قال: والله لو يهتدي فلان بن فلان لاهتديت، والعجيب أن مطربه هذا الآن وإن كان مسجوناً إلا أن الله قد منَّ عليه بتوبة صادقة نصوح، فتاب إلى الله توبة من الفن والطرب، وأخذ ينصح ويعظ المساجين في السجن، وإذا جئنا لصاحبنا هذا وقلنا له: هذا مطربك المفضل تاب فتب إلى الله، قال: هاه أنظر، يمكن أن أقلب، أو يقول: أنا سأتوب ولكن الأغاني لا أستطيع تركها، والدخان هذا صعب، واللحية ماذا يقول الناس عني؟! مطوع معقد!! والثوب أخاف من كلامهم، ويمكث يجمع لك (أتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) يخشون الناس ولا يخشون الله، الناس هؤلاء يؤخرون الأجل لحظة؟ يعجلون عرضك على الله يوم القيامة؟ يدخلونك الجنة؟ يخرجونك من النار؟ ما قتل الناس مثل الناس، وما ذبح الناس مثل الناس، مجاملة الناس، مراءاة الناس، الأصدقاء، الشلة، الآخرون وهلم جراً، ولو جئت إلى أحدهم في ريال أو عشرة أخذ يقلب عينه فيك ويحسب ويناظر وأنت كفء أم لا، وأنت تستحق أم لا، ويمكن يعطيك وينظر ما هو مردودها معك، وربما يستغلك فيما يعطيك، لكن عليك برب كريم يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ينزل ربنا في ثلث الليل الآخر فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ أين التائبون؟ أين المستغفرون؟ أين المقبلون على الله؟
стр. 2202
كيفية تعامل التائب مع منكرات بيته
يا إخواني! خلاصة كلامنا أن نتوب إلى الله وأن نقبل على الله، وأن نستجيب لأمر الله، وليس معنى هذه الاستجابة منذ أن تدخل مع الباب تبصق في وجه زوجتك وتكسر التلفزيون والأشرطة وتقلب الدنيا على عقب! لا، ليست هذه الاستجابة، الاستجابة أن تدخل ضاحكاً مبتسماً، منطلق الجبين خافض الجناح، تبدل المعاملة السيئة مع أهلك وزوجتك بمعاملة حسنة، تبدل وتغير العبارات البذيئة بالكلمات الطيبة، تغير العادات الخبيثة بعادات نافعة، تغير مجالس الأشرار إلى مجالس الأبرار والأطهار.
هكذا تفقد نفسك وتفقد حالك، ثم بعد ذلك أقنع نفسك وأهلك وذريتك رويداً رويداً حتى تقنعهم بما منَّ الله به عليك، بما في قلبك من الخير والهداية، ثم تقول: هذا فيه شر، ممكن نستفيد منه إذا أردنا ذلك، وإذا لم تستفد، أو كان ضرره أغلب علينا من نفعه، نخرجه، الذي ينفعنا في ديننا ودنيانا نبقيه، والذي يضرنا في ديننا ودنيانا نخرجه، الذي ينفعنا في ديننا ودنيانا نفعله، وهلم جراً.
هكذا تكون الاستقامة ويكون الالتزام، ويكون صدق الإقبال على الله جل وعلا، وعند ذلك تنام مطمئناً، والله لو مرت بك لحظة مرض شديد قلت: الحمد لله على هذه الساعة الذي جاء هذا المرض وقد يكون مرض موت وأنا قد تبت إلى الله، وأنا قد أقبلت على الله واستجبت لله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] الله يدعونا لما يحيينا ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] أنت الآن تدعى لكي تستجيب لله، فإذا لم تستجب فلست في كل حال تستطيع الاستجابة، ليس في كل وقت تستطيع الاستجابة، إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر لا تستطيع الاستجابة.
стр. 2203
واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه
رجل كان من الفساق المبغضين الكارهين لله، الكارهين للأخيار الطيبين، فلما حضرته الوفاة قال لأخيه: هات لي هذا المصحف الذي على الدولاب، ففرح أخوه وقال: يا الله جاءت خاتمة حسنة لأخي، فأخذ المصحف، وقال: اللهم إني كفرت بكل آية في هذا المصحف، ثم أغلق المصحف وفاضت روحه، أقسم بالله إنها وقعت، انظروا سوء الخاتمة ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤].
ما فائدة الكلام في أن الله يحول بين المرء وقلبه بعد أن يستجيبوا، أي: إذا لم تستجيبوا الآن بعد أن أقيمت عليكم الحجة وبلغتكم النذارة فليس بالضرورة أن تستجيبوا في كل وقت ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] تشتهي التوبة، التوبة مفتوحة وقد هيئت لك فرصها ونفحاتها ولكنك أعرضت عنها وما استجبت لله جل وعلا، فتوبوا إلى الله واذكروا الله، فذكر الله دواء، وذكر الناس داء.
وصلى الله وسلم على محمد.
стр. 2204
ظاهرة تَفَشَّت
من زرع أدوات الفساد فلابد أن يحصد الفساد وثماره المُرَّة، ومن كان يرى أن هذا الأمر من لوازم الحضارة فليتحمل عار هذه الحضارة المدعاة.
وليس هذا الكلام لإزالة وإنكار ما وصل إليه العلم، ولكن هو تحذير من تسخير هذه الأدوات في الإفساد وحسب، فإن من أهمل رعيته في الدنيا واعتدى على أعراض الناس ذاق مغبة عمله في الدنيا قبل الآخرة!
стр. 2205
دوافع تفشي ظاهرة المعاكسة
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا في محكم كتابه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢].
عباد الله: إن في هذه الآية لَعِبَراً وأبواباً عظيمة؛ من تأملها وجدها كافية لسد جوانب كبيرة من جوانب الفساد، وإن من يتأمل واقعه ومجتمعه اليوم ويرى ما انتشر فيه من مصيبة المعاكسات، أو ما يُسمى بالمغازلات والاتصالات الهاتفية؛ ليجد أن في هذه الآية بلسماً شافياً، وترياقاً طبياً لمن أراد الهداية والاستقامة على شرع الله المبين.
أيها الأحبة في الله: أما هذه الظاهرة فموجودة لا يستطيع أحدٌ أن ينكرها، وإن البحث عن الأمراض والكشف عليها، ومن ثم دواؤها وعلاجها لخيرٌ من ادعاء النزاهة والبراءة من المرض أو العيب، ومن ثم يقع المسلم في يومٍ من الأيام فريسة مرض سرى تحت جلده، أو سرى في خفية وغفلة منه، فإذا هو يتكشف فضيحة وعاراً على وجهه وبيته، وخزياً عليه أمام الله.
ومادامت هذه الظاهرة موجودة، وأنها حقيقة لا نشك في وجودها، فيا تُرى! ما هي أسبابها؟ وما دوافعُها؟ وما علاجُها؟ أيها الأحبة في الله: إن قضية المعاكسة والمغازلة والتعرض لنساء المؤمنين عبر أجهزة الهاتف، لَهِيَ واحدة من سائر الفواحش والمعاصي والمصائب والآلام، ومنبع كل معصية وفاحشة ومصيبة تنشأ من الفراغ؛ لأن من تراه مشغولاً في عمل لمصالح دينه ودنياه، حاشاه أن يلتفت إلى مثل هذا النوع من البلاء والفساد.
وقد يكون أبطال هذه المعصية ممن قد نالوا حظاً وافراً من مكاسب الدنيا ورءوس أموالها؛ ولكن في ظنهم أن هذا الاتصال والمعاكسة يحقق مزيداً من اللذة، ويكشف أبواباً جديدة من التلذذ، وهذا -والله- سوء جهل وخبث طوية، ما لم يتوبوا إلى الله ويخبتوا إليه.
أيها الأحبة: يقع كثير من الشباب والشابات في مصيبة هذه المعاكسة، وتنفضح أمورهم، ويضحون ضحية لها، وإذا تأملت أحوالهم وجدت الكثير منهم من ذوي الفراغ والبطالة، وقديماً قال الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجِدَة مفسدة للمرء أي مفسدة
فإذا وُجِدَ عنفوان الشباب وقوة الصحة والعافية، ومعها من النشاط والعافية والفراغ ما جعل الإنسان متوجهاً إلى هذه المعصية، بعيداً عن أن يستفيد من وقته في عمل نافع، عند ذلك يجد أسهل وأهون وأقرب طريقة للفساد والانحراف، أن يرفع هذه السماعة ويدير قرص هذا الهاتف، أو يضغط بأصبعه على أرقامه؛ لكي يخبط خبط عشواء، في بيت من بيوت عباد الله الصالحين أو غيرهم.
فقد يوافق امرأة، إما أن تسبه وتشتمه وإما أن تعرض عن حديثه من البداية وإما أن يكون أمرها كما قال القائل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
فقد تكون نتيجة هذا الاتصال وإدارة هذا القرص والأرقام في امرأة أو فتاة فارغة مثل هذا الفارغ الذي اتصل، ومن ثم تبدأ العلاقة، وتنشأ المعصية، وتنمو المصيبة، ويُرتَّب لما بعدها، ولا حول ولا قوة إلا بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله: لا شك أن جهاز الهاتف لمَِن أهم وسائل البنية الاجتماعية، ومن أهم دلائل تطورات المجتمع، وعمق اتصالاته ونمو أعماله؛ ولكن -والله- إن في هذا الهاتف لمصائب عظيمة، ولا أقول هذا لكي نقطع أسلاكه، أو نخرجه من بيوتنا، فقد أضحى في هذا الوقت ضرورة من الضرورات؛ ولكن أقول هذا لكي ننتبه انتباهاً واضحاً مبيناً.
عباد الله: إذا كان البعض يتصل على بيته في الضحى فيجد الهاتف مشغولاً، ثم بعد نصف ساعة يجده أيضاً مشغولاً، ثم بعد مضي ساعة يجده أيضاً مشغولاً، وتمضي ساعة أو ساعتان والهاتف مشغول، هذا يدل على واحد من اثنين: الأول: إما أن يكون طفل قد رمى بهذه السماعة جانباً، فأضحى الاتصال يعطي نتيجة الإشغال.
الثاني: وإما أن تكون هناك مكالمة طويلة، ولا نجزم مباشرة أن تكون هذه المكالمة معاكسة؛ لكنها مما يدل على الفراغ، مما يدل على أن الرجل أو المرأة أن الفتى أو الفتاة قد انشغلوا بهذه السماعة نتيجة فراغ يجدونه ويعانون منه.
وقد يكون إشغال الوقت من أحاديث الناس في منازلهم، وملبوساتهم، ومطعوماتهم، ومشروباتهم، وما أوجدت هذه الأجهزة للتفصيل في هذه الأخبار المنزلية اليومية.
وإما أن يكون الأمر الآخر، وهذا احتمال وارد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عند ذلك ينبغي أن ينتبه صاحب المنزل إلى منزله، خاصة من كان بيته مليئاً بأجهزة التلفاز والفيديو، وما يُعرض فيها من مسلسلات وأفلام، قد يتعلم من يشاهدها فنوناً وألواناً من فن المعاكسة وضروبها.
نعم -يا عباد الله- ينبغي أن ينتبه صاحب المنزل إلى ما وضع في منزله، وأنه ما من شيء إلا وله نتيجة، ما من بذر إلا وله حصاد، فمن بذر بيته بالأجهزة والأفلام من بذر بيته بالمجلات من بذر بيته بأشرطة الغناء الماجن الخليع، فلا بد أن يجد النتيجة، سواءً كشفها عاجلاً أو آجلاً، وتدل على تَدَنٍّ في الأخلاق، وضعف وانكسار في الحياء ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨].
بعض أرباب البيوت يزرعون بيوتهم؛ في كل مجلس جهاز وشاشة، في كل صالة جهاز وشاشة، والأفلام متدفقة يَمْنة ويَسْرة، ثم بعد ذلك ينكر ما يجد من النتائج، وقد يكون أيضاً هو من أبطال هذا العمل.
إذا كان رب الدار بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقصُ
عجباً! أن نجد رب البيت وصاحب المنزل وعائل الأسرة وراعي رعية أسرته، إذا كان غافلاً مشغولاً بألوان من هذه الأشرطة، وألوان من هذه الاتصالات، وتساهل في العلاقات، وانفتاح في اللقاءات، إلى حد التساهل بالمحارم والمحرمات، فلا عجب أن يسري ذلك إلى أولاده وأطفاله.
وإذا المعلم لم يكن عدلاً سرى روح العدالة في الشباب ضئيلا
إذا لم يكن المعلم أو رب الأسرة عدلاً ثقة أميناً فإنك لا تجني من الشوك العنب.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2206
الرقي خاضع للدين
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراًَ إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
واعلموا أن خيرَ الكلام كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: تأملوا قول الله جل وعلا في الآية السالف ذكرها: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] لا تخضعن بالقول: لا تتدللن بالقول, لا تتكسرن بالقول، لماذا؟ ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢].
يكون الجواب على قدر السؤال، يكون الكلام بقدر الحاجة، من غير انكسار أو تدلل، وإننا -والله- لنستحي أن نطلب -مثلاً- واحداً ممن لنا به حاجة -وأنتم ترون هذا- فإذ بك تجد من يرد عليك، إما فتاة أو امرأة تتكسر في صوتها، أو تتغنج في لحن عبارتها، وما الحاجة إلى هذا؟! وما الداعي إلى ذلك؟! أما طائفة من البشر، فيظنون أن هذا من علامات الرقي، ومن علامات التمدن، ومن علامات الحضارة، أن ترد الفتاة بصوت كله نعومة، وما هذه نعومة، بل هي خشونة المعصية بداية شرها بداية دخول المرض في القلب المريض.
إن مئات من الآذان بل آلافاً لَمَريضة جداً.
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
يتلذذ بعضهم بهذا الخطاب، فلا يجد بُداً من أن يتفنن في السؤال، ويطرح ألواناً من الأسئلة وأنواعاً من الاستفسارات، لا حاجة له -والله- بها، وإنما هو يريد مزيداً من السماع، مزيداً من الكلام، مزيداً من العرض، وهذا هو أول خيوط المعصية، وأول بداياتها.
يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:٣٢].
عباد الله: لم يقل الله: ولا تزنوا، وإنما قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]؛ لأنه لا يمكن أن يقع أحدٌ في الزنا مباشرة، لا يمكن أن يوجد رجل فيرفع ثيابه على امرأة لكي يزني بها من أول وهلة؛ قد يسبق الزنا إما مكالمة، وإما نظرة، وإما اتصال، وإما وقوف وانتظار ونظرات.
خدعوها بقولهم: حسناءُ والغواني يغرهن الثناءُ
حينما يبدأ بعضهم بهذا الاتصال قد يطرح سؤالاً ويجيب عليه بنفسه، ويمدح هذه المسكينة، والمرأة ضعيفة، والفتاة هزيلة، عند ذلك تنكسر وتذوب لمديح هذا الفاجر، ثم بعد ذلك يبدأ ليبني طوب مصيبته، ويبني جدار معصيته على هذه العبارات، وعلى هذه الكلمات، وعلى هذه النظرات.
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
عباد الله! من هنا نكشف سر قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]؛ لأن الزنا يكون قرباناً، يكون خطوات، يكون خطوة تليها خطوة، فإذا نجحت الأولى تقدم المجرم إلى الثانية، وإذا استعصت الثانية أطال المكوث فيها طويلاً حتى يذلل صعوبة وجدها أمامه، وينتقل إلى الثالثة، وهَلُمَّ جراً، وكل هذه المعاصي، وكل هذه المصائب مبدؤها من الصغائر التي نتساهل ونتهاون بها، ونعد أن من المرونة في الدين، وأن من المرونة في العلاقات أن لا ندقق في هذه الصغائر، وأن لا نهتم بها، وألا نلقي لها جانباً، لا.
خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر ضِ الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى
ويقول الآخر:
كل المصائب مبدؤها من النظرِ ومعظم النار من مستصغر الشررِ
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وترِ!
يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالضررِ
ونقول نحن أيضاً:
كم (كلمة) فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وترِ؟!
يسر (مسمعه) ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالضررِ
стр. 2207
الزنا ديْن لابد من قضائه
أيها الأحبة في الله: ينبغي أن نحذر على أنفسنا، ينبغي أن ننتبه لأنفسنا.
ذكر ابن القيم ﵀ كلاماً جميلاً في شأن من وقع في أول هذه المعاصي، فقال: مثله كمثل من كانت معه فرس عنيدة شمَوس جموح، كان يقودها ويذللها، فبعد ذلك انتهى به الطريق إلى زقاق ضيق، إلى سكة ضيقة، ثم نشبت رأس الفرس في بداية هذا الطريق، ما الحل لتخليص الفرس من هذه المشكلة؟ أمن الحل أن يضربها بالسياط حتى تمضي تتوغل في هذه السكة والزقاق؟! لا.
إنما الحل أن يداريها وأن يرجع بها حتى يتخلص من هذا الطريق، ويسلك بها طريقاً أخرى.
والفرس: هي النفس الإنسانية.
والطريق: هي طريق المعاصي والشهوات.
فمن بدأ أو وقع في ذلك فليسحب فرسه من البداية، وليسلك بها طريقاً أخرى مذللة.
عباد الله: إن كثيراً من الشباب ليتساهلون بهذا الأمر، وما يعلمون أن الأمور بالموازين، وأن المكاييل كما تكيل لغيرك فالناس يكيلون لك، ومن حفظ عينه عن أعراض الناس حفظ الناس أعينهم عن عرضه، ومن حفظ مسمعه عن أعراض الناس حفظ الناس مسامعهم عن عرضه.
يا أيها الشاب، الذي قد يرفع هذه السماعة لكي يعاكس فتاة! يوم أن تمتد يدك لتغازل أو تعاكس فتاة اعلم أن مئات الأيادي بل آلاف في هذه اللحظة وفي هذه الساعة سوف ترفع السماعة وتدير الرقم والقرص على بيتك، وإن أنت وضعتها خوفاً من الله، ليصرفن الله عن أهلك وعنك السوء، وعن كيد الماكرين.
فيا عباد الله: ينبغي لنا أن ننتبه لهذه المعصية، ومن وجدناه واقعاً أو متساهلاً بها، أن نحذره ونخوفه منها؛ لأن الناس لا يرضون ذلك لبناتهم، ولا لإخواتهم، ولا لإمهاتهم، وإن كان بعض المعاكسين-كما علمتُ- ومنهم مَنْ مَنَّ الله عليه بالتوبة -أسأل الله أن تكون لنا ولهم توبة صادقة نصوحاً- يقول: إنه لا يتورع أن ينشئ علاقة بين أخته وأخ الفتاة التي يعاكسها؛ حتى تتوقد العلاقة بينه وبين الفتاة التي يريدها.
إلى هذا الحد ترخص الأعراض، وتهون الكرامات والشيم؛ لكي يضحي الإنسان بهذا كله، من أجل الوصول إلى مكالمة، ووراءها ما وراءها؟!
مَنْ يَزْنِ يُزْنَ به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فاهمِ
إن الزنا دَين فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلمِ
جاء شاب إلى النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! ائذن لي بالزنا -هل طرده النبي ﷺ ؟ أو سَبَّه؟ أو شتمه؟ لا بآبائنا هو وأمهاتنا، بل دعاه يدنُ منه قليلاً- فقال: يا غلام، أترضاه لأمك؟ قال: لا.
يا رسول الله! قال: فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضاه لأختك؟ قال: لا.
يا رسول الله! قال: فإن الناس لا يرضونه لأخواتهم، أترضاه لعمتك؟ قال: لا.
يا رسول الله! قال: فإن الناس لا يرضونه لعماتهم) أو كما قال ﷺ .
стр. 2208
نتيجة عدم الالتزام بالأخلاق الإسلامية
أيها الأحبة في الله: علينا أن ننتبه لهذه الظاهرة التي سبق الكلام عنها، ولكن الاستقراء والتأمل ليدل على أنها تفشَّت، وأول مصائبها: الفراغ، وغيبة راعي الأسرة، وكذلك ضعف التربية الإسلامية، التي أوجدت ألواناً من الشر والفساد، ولم تفتح باباً من التعليم والتربية والأخلاق الإسلامية.
واعجباً منا -يا عباد الله- الواحد يوم أن يبني فلة جميلة، بما فيها من الأدوات الصحية والأبواب والنوافذ، يستقدم خادماً أو خادمة ليلمع الزجاج والأبواب والمرايا وغير ذلك، وما يبذل من ماله ما يلمع به أخلاق أولاده، ما يلمع به سَمْتَهم وعلاقاتهم، ما يجعل من وقته ما يكفي لتربيتهم، لا يحرص على أن يوجد من يهتم بهم أو يعتني بهم، بل بعضُهم -والعياذ بالله- يوم أن يرى في بعض أولاده بذرة من الهداية، وبداية في الاستقامة يقول: هذا بدأه الوسواس، هذا دخله الدين، هذا تطوع، هذا تعقد، هذا تشدد.
ينبغي أن يفهم الدين على أصوله، ينبغي أن يفهم الدين الذي فهمنا من آبائنا وأجدادنا وجداتنا، وهَلُمَّ جَرَّاً، وينسب إلى الأجداد والجدات فهماً هم -والله- منه براء؛ لأن أولئك -عفا الله عنهم وجمعنا بهم في مستقر رحمته- عرفوا الدين خوفاً وورعاً، وكفى بخشية الله علماً، ومن كان لله أخوف فهو به أعرف، أولئك الذين ما كنتَ ترى من إحداهن كفاً ولا أصبعاً، ما كنت ترى من إحداهن ثوباً لا قصيراً ولا طويلاً.
أما في هذا الزمان -والله- إنه المستقيم المتعفف لينكسر بصره في الأرض، مما يرى من حرقة أبصار النساء إليه، لقد انكسر الحياء وضاع عند كثير من الفتيات، بسبب ذلك.
ولا تعجبوا -يا عباد الله-! أن ما نزرعه بأيدينا نحصده بأيدينا أيضاً، فانظروا ماذا زرعنا في بيوتنا منذ عشرات السنين وها نحن نجد اليوم غيه.
إن هذه لَمِن المصائب أن يغفل الإنسان عما يدور في بيته.
فانتبهوا لذلك -يا عباد الله- وإن مصائب المعاكسات لَذَاتَ شرٍّ خطير، ووزر مستطير، وآثام منتشرة، ولا يملك من ينكشف له العار من الساعات إلا أن يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣].
أسأل الله أن لا يرينا الخزي في أنفسنا، ولا في أحبابنا، وأن يستر علينا، وألا يهتك لنا ستراً، وألا يكشف لنا عورة.
يا عباد الله: إنها لمن أعظم المصائب يوم أن تُكشف القضية أمام رجال الهيئة! من هذه؟ إنها فلانة بنت فلان! من هذا؟ إنه فلان بن فلان! فتكون مصيبة لا يمحوها إلا التراب، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ إلا من تداركه الله بتوبة صادقة صالحة، فإن الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
وللحديث في هذا الموضوع بقية.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب، أن يحفظنا، وأزواجنا، وبناتنا، وأمهاتنا، وأخواتنا، وعماتنا، وخالاتنا، وجميع أقاربنا.
اللهم لا ترينا في أنفسنا فاحشة ولا مكروهاً، اللهم لا ترينا في أنفسنا فاحشة ولا مكروهاً، وتجاوز عنا أجمعين، برحمتك يا رب العالمين! اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازِه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم يا حي يا ودود يا ذا العرش المجيد قرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته، اللهم يا حي يا ودود يا ذا العرش المجيد أبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين! ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، ولا تفرِّح علينا ولا عليهم عدواً، وسخر اللهم لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين! اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم أصلح قلوبهم، اللهم اهد قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم وحد صفهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم سدد رصاصهم، اللهم أقم دولتهم، يا رب العالمين! اللهم عليك باليهود أعدائك أعداء دينك وأنبيائك ورسلك وكتبك، اللهم اهلك زروعهم، وضروعهم، اللهم اجعلهم شذر مذر، واجعلهم غنيمة للمسلمين، يا رب العالمين! اللهم أغثنا وأغث قلوبنا وبلادنا وأرض المسلمين أجمعين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلِّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 2209
على شارع الحياة
لقد منَّ الله علينا بنعم كثيرة لا تحصى، ومع ذلك ترى الكثير من شباب المسلمين لاهين غافلين لا يؤدون شكر نعمة من نعمه، ولو أن هؤلاء الشباب سخروا أوقاتهم وأموالهم وأسفارهم للدعوة إلى الله لكان خيراً كثيراً ولكن ألهتهم الشهوات، وسوف يعلمون.
стр. 2210
عظمة الله تعالى
الحمد لله القائل في محكم كتابه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١]، والقائل في محكم كتابه: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة:٣٦] أحمده على آلائه، وأشكره على نعمائه، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله: والله إني لأستحي أن أحدثكم وأنا جالس أو قاعد، وإكراماً لوجوهكم وإفادة بكوامن الشعور والإخاء والمودة بيني وبينكم، لا أرضى لكم ولا أرضى لمقامكم من نفسي إلا أن أقف بينكم، وأسأل الله جل وعلا، أن يجعل مقامي ومقامكم هذا في خالص أعمالنا يوم نلقى الله يوم القيامة.
أيها الأحبة: إن مما يطعن قلوب اليهود والنصارى، ومما يُبطل مخططات أعداء الإسلام، ويفسد مؤامرات أهل الكيد والتخطيط والتدبير في شباب الجزيرة مثل هذا الاجتماع، إن اجتماعكم هذا -أيها الشباب- لأعظم طعنة وأعظم بصقة في وجه أولئك الذين أصبحوا يراهنون عليكم، ووالله ثم والله، لقد تحدث الأعداء عنكم وقالوا: كفيتم شأن هؤلاء الشباب، أشغلناهم بالأفلام، وبالمعاكسات، والمجلات، والتفحيط والمخدرات، والشذوذ والعلاقات الشاذة، والأمور الخبيثة إلى غير ذلك من كل جديد يبتكرونه وينتجونه لصدكم عن صراط الله المستقيم.
أما وقد عادت شوارعنا مجالس ذكر، وعادت مساجدنا رياض جنة، وعاد شبابنا دعاة إلى التوحيد وإلى الاستقامة والصلاح، فهذا والله موطن يغيض الكفار، هذا موطن يغيض أعداءكم وأعداء أمتكم، وأعداء بلادكم، وأعداء المسلمين في كل مكان.
يا شباب الإسلام! يا شباب العقيدة! أتظنون أن الله جل وعلا خلق الواحد منكم في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]؟ يا شباب الإسلام! أتظنون أن الله كرمكم، وفضلكم وجعل لكم منزلة فوق سائر المخلوقات: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠]؟ يا شباب الإسلام! أتظنون أن الله أسجد الملائكة لأبيكم آدم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة:٣٤]؟ الملائكة خلق عظيم شديد، كلهم ما بين راكع وساجد، ومسبح ومكبر ومؤتمر بأمر الله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] الملائكة يسجدون لأبيكم، أليس هذا دليل تكريم لكم؟ أليس هذا دليل منزلة لكم؟ أليس هذا بيان مرتبة لكم؟ بلى والله، ولكن كثيراً من شبابنا وأبنائنا يدعون إلى مائدة القرآن ليكرموا، فيختارون موائد السفالة والرذيلة.
إن بعض شبابنا يدعون إلى رحمة الله لينجوا فيختارون المعصية والهلكة.
إن كثيراً من شبابنا، يدعون إلى العز والكرامة، فيختارون الذلة والهوان.
إن كثيراً من شبابنا يدعون إلى مرضاة الله، ويدعون إلى حِلقٍ تغشاها السكينة، وتتنزل فيها الرحمة، وتحفها الملائكة، ويذكر الله الجالسين فيها فيمن عنده، فيختارون مجالس لا يفتح فيها إلا صفحات السيئات، ولا يكتب فيها إلا ملائكة السيئات، يجلسون في سيئة، ويأكلون على سيئة، ويشربون على سيئة، ويتحدثون في سيئة، ويقيمون عن خطيئة وربما انتهت بسوء الخاتمة والعياذ بالله.
أيها الشباب! إن واقعنا في هذا اليوم يحتم علينا أياً كان الواحد منا، أستاذاً أو تلميذاً، مدرساً أو معلماً، موظفاً أو بناء، أو أياً كانت وظيفته، أو أياً كان عمله، إن واقعنا وواجب ديننا علينا أن يشعر الواحد منا أنه مربوب لله معبود لله، تذكر أنك عبد لله قبل كل شيء، وتذكر أنك مخلوق صغير جداً بالنسبة لخلق الله جل وعلا.
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
كيف يجرؤ ابن آدم على معصية الله وهو خلق صغير جداً جداً أمام عظمة الله جل وعلا، ما تظنون في هذه المدينة العظيمة؟ فسيحة جداً، وما تظنون في المدن الأخرى؟ أكبر منها، ما تظنون في دول العالم؟ كبيرة جداً جداً، ما ظنكم بعرش الله جل وعلا؟ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
استوى ربنا على عرشه، استواءً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وعرش الله أكبر من هذه الأرضين جمعياً، بل أكبر من السماوات جميعاً، إذا كان هذا عرش الله، فما بالكم بربكم؟ ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣].
أيها الشباب! قبل أن ندخل في تفاصيل الحديث، اعرفوا من أنتم؟ واعرفوا من هو ربكم؟ أمَّا نحن فخلق ضعيف ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨] أما نحن فخلق عجول: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء:١١].
أما نحن فخلق هلوع جزوع منوع: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج:١٩ - ٢١].
أما نحن فخلق ضعيف، إذا أصابنا ألم انكسرنا ونقول: يا الله، يا الله، يا الله، فإذا عوفينا وعادت العافية إلى أبداننا، ودبت الدماء في عروقنا، بدأنا نقول: دعنا من كلام الله، دعنا من كلام رسول الله، آخر أغنية ما هي؟ آخر مسرحية ما هي؟ آخر شريط ما هو؟ يوم أن كنا في بلاء المرض والألم، كان الواحد يصيح: يا الله، ولما سرت الحياة في عروقه، وانتفض الدم في جوفه، أصبح يلتفت يمنة ويسرة فيسمع الأذان ولا يجيب، ويرى جلسة اللهو والطرب فيستجيب، يسمع نداء (حي على الصلاة، حي على الفلاح) فلا يهب ولا يتحرك، ويسمع جلسةً فيها عزف أو وتر أو طرب فيتحرك، ولا أقول: إن من حضر جلسة طرب قد انقطع الأمل فيه، لا والله فيه من الإيمان خير، فيه من الإسلام بقية، ولكن كيف غلبه الشيطان! أيها الأحبة: يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢].
وأنا أعطيكم أكبر دليل على هذا، أنتم ترون شاباً ربما أتى إلى الإسعاف في ليلة من الليالي على أثر مرض، أو صداع أو شيء يؤلمه، ثم بعد ذلك يؤتى به في حالة إسعافية، وماذا بعد ذلك؟ يؤتى إليه بالعربية، أو بالسرير الذي أعد للإسعاف، فيوضع على هذا السرير، وهو يقول: آه، آه، آه، يصيح من المرض، يتألم، والممرضات في طريقه ولا يلتفت إليهن، والزائرات في طريقه ولا يراهن، والحسناوات مقبلات مدبرات ولا ينظر إليهن، فإذا دخل المستشفى ووضع المغذي في عروقه، واعتني بصحته، ودبت إليه العافية، إذا جاءت الممرضة تعطيه علاجاً أخذ ينظر إليها بطرفٍ خفي، نعم لما دخل المستشفى في تلك الليلة، وهو يصيح: آه آه من المرض والألم لم يكن يلتفت لحسناء ولا ممرضة ولا مقبلة ولا مدبرة، ولكن لما دبت العافية في عروقه، وسال الدم دفاقاً قوياً في شرايينه، أصبح لا يرى مقبلة إلا أحرقها ببصره، ولا يرى مدبرة إلا نفذها ببصره، ولا يسمع شيئاً إلا أرهف الحس لنغمه وطربه، ألست أنت وأنا ذلك المسكين؟! ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس:١٢] لما كان في الإسعاف ﴿أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢].
следующие страницы →