Полный текст (3 155 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
نصيحة إلى كل شاب غافل
ثالثاً: أيها الأحبة في الله! أيها الشاب الذي سمع كثيراً عن الملتزمين والمتدينين والصالحين، هؤلاء هم إخوانك تسمع منهم الآية فيخبتوا ويخضعوا ويخشعوا لسماعها، ويسمعون الحديث فيستنبطون فوائده ومسائله، وتسمع منهم الكلمة الطيبة وترى في مُحيَّاهم علامات البشر والسماحة، وترى البسمات المنطلقات بكل تواضع ولين ومحبة في الله ولله: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق).
وإلى ذلك الشاب الذي أعرض ونأى بجانبه، إلى ذلك الشاب الذي قيل له: تعال فاسمع محاضرة قال: لا حاجة لي بهؤلاء المعقدين والموسوسين.
إلى ذلك الشاب الذي قيل له: تعال واسمع نصيحة واحضر مجلساً واقرأ كتاباً واكتب كلمة نافعة، قال: إني عنهم مشغول، ويدعي أنه في شغلٍ أهم من شغل الآخرة.
أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم تعبي الذنب والذم وتخطي الخطأ الجم
أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم
أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم
فكم تسدر في السهو وتختال من الزهو وتَنْصَبُّ إلى اللهو كأن الموت ما عم
وحتى مَ تجافيك وإبطاء تلافيك طباعاً جمعت فيك عيوباً شملها انضم
إذا أسخطت مولاك فما تقلقُ من ذاك وإن أخفق مسعاك تلظيت من الهم
وإن لاح لك النقش من الأصفر تهتش وإن مر بك النعش تغاممت ولا غم
تعاصي الناصح البر وتعتاص وتزور وتنقاد لمن غر ومن مان ومن نم
وتسعى في هوى النفس وتحتال على الفلس وتنسى ظلمة الرمس ولا تذكر ما ثم
ولو لاحظك الحظ لما طاح بك اللحظ ولا كنت إذا الوعظ جلا الأحزان تغتم
ستذري الدم لا الدمع إذا عاينت لا جمع يقي في عرصة الجمع ولا خال ولا عم
كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم
هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم
ومن بعد فلا بد من العرض إذا اعتد صراطٌ جسره مد على النار لمن أم
فكم من مرشدٍ ضل ومن ذي عزة ذل وكم من عالمٍ زل وقال الخطب قد طم
فبادر أيها الغمر لما يحلو به المر فقد كاد يهي العمر وما أقلعت عن ذم
ولا تركن إلى الدهر وإن لان وإن سر فتلفى كمن اغتر بأفعى تنفث السم
وخفض من تراقيك فإن الموت لاقيك وسارٍ في تراقيك وما ينكل إن هم
وجانب صعر الخد إذا ساعدك الجد وزم اللفظ إن ند فما أسعد من زم
ونفس عن أخي البث وصدقه إذا نث ورم العمل الرث فقد أفلح من رم
ورش من ريشه انحص بما عم وما خص ولا تأس على النقص ولا تحرص على اللم
وعاد الخلق الرذل وعود كفك البذل ولا تستمع العذل ونزهها عن الضم
وزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ ركب السير وخف من لجة اليم
بذا أوصيك يا صاح وقد بحت كمن باح فطوبى لفتى راح بآدابي يأتم
أيها الشاب: لم تسمع في مجالس الخير إلا من هذه النصائح والمواعظ والفوائد.
المواعظ سياط القلوب تناديك لتخرجك من غفلة السادرين، ولتوقظك من سبات النائمين، فما الذي يحول بينك وبين التوبة، وما الذي يمنعك من الهداية، وما الذي يردك عن الاستجابة، وما الذي يردك أن تعود إلى الله فتنقلب إلى أهلك ضاحكاً مسروراً فرحاً بتوبتك، وتروح إلى ملاهيك وأشرطتك وما عندك من أمور اللهو فتنقض عليها جذاذاً ولا تدع منها شيئاً أبداً؛ توبة وعوداً ورجوعاً إلى الله جل وعلا.
стр. 247
لا تساوي بين الأعمى والبصير
أخي الكريم: هل تعرف الفرق بين المهتدين والضالين؟ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد:١٦]؟ أخي الكريم: ألم تسمع قول الله جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] حياة الصالحين في تهجد الليل أتكون كحياة الفاسقين في كئوس الخمر؟ حياة الذين يقرءون القرآن آناء الليل ساجدين قائمين يرجون الآخرة ويرجون رحمة ربهم ويخشون سوء العاقبة، أتكون كمن يسدرون ويسهرون الليالي على قنواتٍ مختلفة ومحطاتٍ ما عرضت أمام أعينهم إلا الصور العارية، والمنكرات السارية، والأمور التي لا ترضي الله جل وعلا ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] أيستوي ذلك الصالح مع الطالح؟! أيستوي الفاسق مع البر؟! أيستوي الطيب مع السيئ؟! ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]؟! أخي الكريم: هل تعرف الهداية: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] هل يستوي من يمشي على صراطٍ مستقيم ومن هو منحرف عنه؟ ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢].
أتظن أن الصالحين كالطالحين في حياتهم ومماتهم وليلهم ونهارهم؟!! ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨].
стр. 248
قل: سمعنا وأطعنا
أخي الكريم: إن أسلمت فقد اهتديت، وإن سلمت الأمر لربك فقد اهتديت، وإن قلت: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فقد اهتديت، وإن قلت: لا خيرة لي بعد أمرك يا رب وأمر رسولك ﷺ فقد اهتديت.
وإن انصرفت ذات اليمين وذات الشمال وازور بك الأمر يمنة ويسرة فاعلم أنك على خطرٍ عظيم ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة:١٣٧] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] من هم المهتدون؟ من هم الذين جاوزوا أطباق الثرى والثريا بمنة الله عليهم بهذه الهداية؟ المهتدون هم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٣ - ٥] المهتدون ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧].
فما أسباب هدايتهم؟ كيف اهتدوا؟ وكيف تميزوا؟ وكيف سادوا؟ وكيف سبقوا؟ وكيف نالوا؟ وكيف تقدموا؟ والله ما نالوا ذلك بمعادلاتٍ معقدة، ولا مشروبات عجيبة، ولا كبسولات غريبة، إنما نالوا الهداية بالطاعة، سمعوا قول الله فقالوا: سمعنا وأطعنا، سمعوا قول الله فقالوا: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، ما اختاروا لأنفسهم خيرة بعد أمر الله، ما اختاروا أمراً بعد أمر الله، ما قالوا: نقلب أو نفكر أو ننظر نتوب أو لا نتوب، نقلع عن الذنوب أو لا نقلع، نعود عن المعصية أو لا نعود، أبداً ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
والله ما اختاروا شيئاً بعد أن سمعوا كلام الله وكلام رسوله، هكذا اهتدوا، وهكذا أصبحوا في عداد المهتدين.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨].
يا أيها الشاب! أتريد الهداية؟! ارم بنفسك بين يدي خالقك.
أتريد الهداية؟! اسجد نادماً، اخضع نادماً، ابك لله نادماً على ما فعلت، فإن ربك قريب ولا تحتاج توبته إلى اعترافٍ أو إلى قاضٍ أو إلى أحدٍ لتعترف بين يديه وإنما هي بينك وبين الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
стр. 249
والذين اهتدوا زادهم هدى
أيها الأحبة: ولما اهتدوا زادهم الله هدىً، أولئك الذين سلكوا طريق الهداية لما اهتدوا زادهم وآتاهم تقواهم، لقد نالوا الهداية بالانقياد وبالاستجابة وبقول: سمعنا وأطعنا ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
أما أولئك الذي ضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، أما الذين ينهون عن الحق وينأون عنه، أما الذين لم يكفهم أن يحملوا ذنوبهم بل حملوا ذنوب غيرهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥] أولئك كيف ضلوا؟ وكيف ضاعوا؟ وكيف حادوا عن جادة الصراط؟ وكيف ضلوا عن سواء السبيل؟ لقد ضلوا يوم أن زين لهم الشيطان أعمالهم، قال الله : ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤] والشيطان لا يريد بهم خيراً لما زين لهم، ذلك كما قال الله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠].
نعم لقد ضلوا بجليسٍ دعاهم إلى المعصية، ودعاية زخرفت لهم المعصية، وخيالٍ خيل لهم المعصية، ثم جلسوا يتنادون يظنون أنهم في سعادة ولكن يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويسب بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
نعم.
لهم قادة في الباطل فاتبعوهم، وجعلوا لهم رءوساً في الشر فانقادوا لهم، وحسبوا أنهم يهدونهم إلى صراطٍ وهم يضلونهم إلى سوء العذاب ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما ينفعهم قولهم يوم القيامة: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧] ثم يدعون على من قادهم إلى الضلالة فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٨].
أولئك مساكين قد غرهم كثيرٌ من الناس، وبعض الضالين إذا ناقشته في ضلاله وفي معصيته، قال لك: أكثر الناس هكذا، وأكثر الناس يفعلون هكذا، وهل الكثرة حجة؟ وهل العوام حجة؟ وهل الطغام حجة؟ وهل الفئام حجة؟ أوليس الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] لقد اتبعت الكثرة وما ذاك إلا لهوى في النفس، ومن تبع هواه فقد ضل والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠].
يا أخي الحبيب! إن طائفة من الشباب ضلوا باتباع سادة في الشر والباطل، وضلوا بسبب جلساء زينوا لهم المعاصي، وضلوا بسبب العناد والإمعان، وضلوا بسبب التكبر، بعضهم يتكبر على الحق والانقياد له، بعضهم يقول: وإذا التزمت أفأجلس مجالس هؤلاء الضعفاء أو أكون في زيهم وسمتهم، أو أحرم نفسي ما عودت نفسي عليه، لقد عود نفسه ألواناً من المنكرات ولا يريد أن يتركها، تكبر عن أمر الله وأمر رسوله.
والله جل وعلا توعد الذين يتكبرون عن الانقياد للحق بأن يصرف قلوبهم عنه، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦].
أولئك الذين أسرفوا في الضلالة فأضلهم الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤] ولما أعرضوا عن ذكر الله قيض لهم شيطاناً وهو قرين لهم يقودهم ويصدهم ويغريهم ويخادعهم ويقول لهم: إنكم على حق، وصدق الله حيث قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٣٨].
أيها الأحبة: إن بعض الشباب الذين ضلوا وأمعنوا في الضلالة قست قلوبهم وطال عليهم الأمد، والله يناديهم فيقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
قال مالك بن دينار: ما ضرب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب.
فيا أيها الشاب الذي ضل وزل وقسا قلبه: عد إلى الله فإن الله يفرح بتوبتك فرحاً عظيماً.
أخي الحبيب: والله لو اتبعت أمر الله وهدى الله فلن تجد ضنكاً ولا ضيقاً ولا سقماً ولا مرضاً: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦].
стр. 250
اللذة الحقيقية في طاعة الله
أيها الشاب: والله إن عملت صالحاً فإنا نبشرك ونهنئك ونقربك إلى حياة طيبة هي من عند الله بشارة صادقة ليست من عندي ولا من عند شيخٍ قريب ولا بعيد، يقول ربك الغني عنك: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
أيها الأحبة: إن الذين ذاقوا لذة الهداية يتحدون أعظم الناس في لذاتهم، يقول واحدٌ ممن أدركوا حلاوة الإيمان: والله لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا بالسيوف.
ويقول آخر: إنه ليمر بالقلب أوقاتٌ يرقص فيها طرباً.
ويقول ثالث: إنه لتمر بي أوقات من لذة الهداية والخشوع والمناجاة أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيشٍ طيب.
انظر إلى الذين ذاقوا لذة الهداية سموا، وارتفعوا، وتجاوزوا حدود الملذات القريبة، بل أصبحوا يجدون اللذة حتى لو كانوا في المحنة وفي بلاء عظيم.
هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما سجن في دمشق في سجن القلعة، قال: ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما كنت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول ﵀ في مجلسه وهو في سجن القلعة: لو بذلت مثل هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، وما جزيتهم -الذين تسببوا في حبسه- على ما تسببوا إلي فيه من الخير.
ويقول ابن تيمية: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.
واعجبوا إلى هذا العالم الجهبذ شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول وقد سجن في الإسكندرية فكتب رسالة يقول فيها: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] يحدث عن نعمة وهو في السجن، يحدث عن نعمة وهو في القيد، يحدث عن نعمة وهو في الأغلال، لو أن أحداً قرأ رسالته ولم يعلم أنه في سجن لقال: إنّ هذا قد زوج أجمل النساء، وأسكن أفضل القصور، وأركب أفخر المراكب، وقدمت له خيار وكرائم الأموال، لكنه يقول وهو في سجن الإسكندرية: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١].
يقول: والذي أعرف به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة وأتم عليهم نعمته الباطنة والظاهرة، ويقول ابن تيمية أيضاً: والله الذي لا إله إلا هو إني في نعمة من الله ما رأيت مثلها في عمري كله، فقد فتح الله عليَّ من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن في البال، ولم يدر في الخيال، هذا ويعرف بعضها بالذوق من له نصيبٌ من معرفة الله جل وعلا وتوحيده وحقائق الإيمان، وما هو مطلوب الأولين والآخرين من العلم والإيمان.
ثم يقول شيخ الإسلام: فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله ، وفي توحيده والإيمان به، وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية.
أيها الأحبة في الله: هكذا ذاقوا الهداية فأصبحت السعادة لا تفارقهم في قصرٍ أو سجن، في سعةٍ أو ضيق، ركبوا أطيب المراكب أو مشوا حفاةً، لبسوا الخز والحرير والثياب أو مشوا بأقل من ذلك أو أدنى منه.
стр. 251
احفظ الله يحفظك
إن الهداية شأنها عظيم، يحفظ الله بها عبده: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] قال ابن عباس: [هم الملائكة يحفظونه بأمر الله جل وعلا].
أيها الشاب: إن اهتديت فأنت بإذن الله في عصمة بعد الهداية وملازمة إخوانك والحرص على طلب العلم ومجالس الذكر، وأنت بإذن الله في حصنٍ حصين ومكانٍ أمين بعيدٍ عن الشبهات والشهوات، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤].
أيها الأحبة أيها الشاب: إن اهتديت فأنت معك فئة لا تغلب، وحارسٌ لا ينام، وهادٍ لا يضل.
وقال قتادة: [من يتق الله يكن معه، ومن يكن معه نجاه:] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] الهداية ستجعل عافيتك قوية، وحواسك نافعة، وجوارحك بإذن الله تنفعك حتى آخر لحظة من حياتك.
كان العلامة القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري الشافعي المتوفى سنة (٤٥٠هـ) قد جاوز المائة من عمره وهو ممتعٌ بقوة وعقل، فوثب ذات يوم وثبة شديدة، فعوتب في ذلك وقالوا له: كيف وثبت هذه الوثبة وعمرك قد جاوز المائة؟ قال: هذه جوارح حفظناها عن معصية الله في الصغر، فحفظها الله لنا في الكبر.
هذه الهداية أيها الشباب! فأقبلوا وأقدموا عليها، ووالله إن المحروم من حرم الهداية وأعرض عنها.
نقول: هذا عسلٌ مصفى، فيقول بعض من أريدت به الضلالة أو اشتهى الضلالة: لا.
أريد ماء مكدراً نجساً مخلطاً.
يقال: هذا عودٌ طيبٌ طاهرٌ ورائحة طيبة، فيقول: لا.
أريد رائحة فيها نتنٌ وفيها ذخرٌ ونجاسة.
يقال: هذه رفعة، فيختار ذلة.
يقال: خذ كرامة، فيختار هواناً.
يقال: خذ خيراً كثيراً، فيختار شراً وفيراً ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الأحبة: إن لذة الحياة وجمالها وقيمة السعادة وكمالها لا تكون إلا في طاعة الله التي لا تكلف الإنسان شيئاً سوى الاستقامة على أمر الله وسلوك طريقه ليسير المهتدي بعد ذلك مطمئن الضمير، مرتاح البال، هادئ النفس، دائم البشر، طلق المحيا، وأبشر والله لو صممت وعزمت واجتهدت وحرصت على الهداية فإن الله يدنيها إليك، ويقربها بين يديك.
أخي الكريم: إنك إن أعرضت عن الهداية واخترت الضلالة فلا تزال في نكدٍ وكبدٍ وضيقٍ وانقباضٍ وشكٍ، وانظر إلى أحوال الضالين الذين دعوا فلم يستجيبوا، ونصحوا فلم ينتصحوا، وأهدوا الشريط فلم يسمعوه، وقدم لهم الكتاب فلم يقرءوه، ودعوا إلى المحاضرة والمخيم والندوة والفائدة فلم يلتفتوا إليها، انظر ما هم فيه من حال: سهرٌ على معصية، نومٌ عن صلاة الفجر، تفوتهم المنافع والأرزاق، في الصباح في شقاقٍ مع أزواجهم، في مصائب، المعاصي تقودهم رويداً رويداً، فمجلس لهوٍ فدخانٍ فمخدراتٍ فمسكراتٌ ثم سرقة ثم معصية ثم قطع طريق وما أكثر الذين لم يعرفوا أنهم قد ضلوا وزلوا إلى أن أوشكت أن تطير رقابهم في ساحات العدل.
هذه نصيحة قد طلبت مني فأنا أقدمها لكم وأقول لكل مهتدٍ: اثبت ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود:١١٢] وأقول لكل ضال: عد إلى الله عد إلى ربك وأذكرك بقول الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣].
стр. 252
موقف محرج
رابعاً: أنتقل بكم بعد ذلك أيها الأحبة إلى الفقرة الرابعة من برنامج " ما يطلبه المستمعون " وهي فقرة غريبة طالما سئلت عنها، وهي: أي موقف محرجٍ مر عليك؟ المواقف الحرجة كثيرة: وأختار منها موقفاً غريباً، أنتم تعرفون شريط (حاولنا فوجدنا النتيجة)، هذا هو حلقة ثانية بعد شريط (حاول وأنت الحكم) صليت ذات يومٍ في مسجدٍ من المساجد فقام شابٌ عليه سيما الخير، وأخذ ينصح الناس ويعظهم ويأمرهم ويدعوهم إلى الله جل وعلا، ويحثهم على التوبة ويقربها بين يديهم، قال: وإني أنصحكم بسماع شريط (حاولنا فوجدنا النتيجة) فإن فيه قصة ثلاثة كانوا فجاراً فساقاً عصاة، منهم: سعد البريك وصالح الحميدي وفهد بن سعيد، وإن الله مَنَّ عليهم بالتوبة والهداية، لقد كانوا مجرمين وقطاع طرق وفجرة وكانوا وكانوا وأخذ يرمينا بأخبث الصفات وأقبح العبارات.
وأنا إن خرجت من المسجد قال الناس: نعم.
إذاً كان مجرماً من قبل ولذلك خرج، وإن جلست في المسجد أخذ الناس ينظرون إلي، وأنا في حرجٍ عظيم، وإن قمت أقاطعه أخشى أن أحرجه وأحرج نفسي معه.
فسكت حتى انتهى ثم أمسكت به فيما بعد، وقلت له: هل تعرف أن سعد البريك كان مجرماً من قبل؟ قال: هكذا فهمت من الشريط.
فقلت: والله يا أخي الكريم! على أية حال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، لكن اعلم أن الله مَنَّ علينا بنعمة العقل والرشد والتمييز ونشأنا في أسرة طيبة، وبتربية أبٍ أسأل الله أن يحرمه وإياكم وآباءكم على النار، ومنذ الصغر ما عرفنا -ولله الحمد- ضلالة مما ذكرت أو جريمة كما وصفت، أو قطع طريق أو فسقاً كما ذكرت، ولكن يا أخي الكريم تثبت ولا ترم إخوانك بما لا تعلم، فهذا من المواقف المحرجة.
стр. 253
أبيات نبطية في الجهاد
أحد الإخوة طلب مني أن أسوق له قصيدة كنت قد تمثلت ببعض أبياتها، وهي قصية نبطية ولكنها جميلة، كان يرددها رجلٌ يقال له: أبو طارق، وقد قتل في أفغانستان ﵀ في تلك الأيام العصيبة العظيمة التي كان الروس فيها ينزلون إنزالاً مظلياً على المجاهدين، عندما كان المجاهدون قد طردوا ودحروا الروس والشيوعيين، تقول هذه القصيدة:
يا عرب يا عجم يا ترك يا بربر يا حماة العقيدة دينكم واحد
راية الحق والتوحيد لا تقهر ارفعوها وحطوا راية الجاحد
وحدوا صفكم واقضوا على المنكر واستعيدوا لنا تاريخنا الخالد
شعبنا الأفغان يسقي الروس موت احمر واكتسح كبرياهم شعبنا الصامد
يا سمرقند يا القوقاز أقولها كذا بنفس اللغة؛ لأن الشاعر كان من أهل اليمن، أسأل الله أن يدخله الجنة، يقول:
يا سمرقند يا القوقاز قم وازأر يا بخارى بلاد العالم الماجد
شعبنا بعد غفلة صابته فكر واكتشف ما جناه الكافر الحاقد
والجهاله من الطاغوت والعسكر تمنع اللي صحا لا ينبه الراقد
من تجرأ وقال الحق في المنبر قالوا إنه عدو الناس والقايد
من دعا للخلاعة عندهم يذكر مذهب الكفر لا ناقص ولا زايد
يا بني ديننا حكم من بلاد ابتر بدلوا ديننا بالمذهب الفاسد
يا بني ديننا صوت الندا يزأر شعبنا كم تكبد ظلم ويكابد
واحمل السيف والصاروخ والخنجر والمجاهد بحق أفضل من القاعد
والطواغيت ولىَّ شرهم وادبر راح وقت العمالة والله الشاهد
صبح الإسلام عقب الليل قد نور والخلافة على منهاجها الراشد
يا عرب يا عجم يا ترك يا بربر يا حماة العقيدة دينكم واحد
من أجمل ما سمعت من الشعر النبطي الذي يثير الشباب إلى الحماس في الجهاد في سبيل الله جل وعلا.
стр. 254
مواقف محرجة أخرى
كذلك مما يطلبه المستمعون وهو موقف غريب عجيب في إحدى المحاضرات الشيخ يوسف يذكرني بأحد المواقف لعله كان قد سمع به.
نعم.
يا أخي الكريم! في إحدى المحاضرات يمكن أن نقوله من المواقف المحرجة: كنا في مسجدٍ وتعرفون الشباب من حماسهم يتقدمون ويتحلقون حول المحاضر حتى يصبح الذين في الصف الأول يصبحون في الصف الثاني أو الثالث يعني يتقدم على الصف الأول صفان من الشباب ويتحلقون حول الإمام، فلما انتهت المحاضرة وجاء المؤذن ليقيم الصلاة إذ بالمؤذن بينه وبين الميكرفون تقريباً حوالي صفين من الشباب فقال: (هو دين ولا تين)؟ كنا في الأول وصرنا في الثالث، فحقيقة مكثت أضحك هنيهة من هذا المثل الجميل (هو دين ولا تين)، قلنا له: في الحقيقة إنه دين بإذن الله جل وعلا، والمحاضرة من الدين.
كذلك من الأمثال الجميلة التي يمكن أن يضرب بها المثل لبعض الشباب، ولو كنا في مجلس لربما تأدبنا أو كان من واجبنا أن نتأدب في المسجد، لكن ما دمنا في الخلاء فلا بأس أن نمرح ونضحك معكم، وأسأل الله أن يجعل ذلك في موازين أعمالنا وإياكم جميعاً في الحسنات بإذن الله.
في إحدى المحاضرات كنا نضرب مثلاً لبعض الشباب الذين يقولون: إننا لا نستطيع أن نترك هذا المنكر أو لا نترك هذه الخطيئة.
فنقول لهم: يا أخي الكريم! يا أخي الشاب! إن المعصية جزء كبير منها نوع من التعود، حتى إن بعض الشباب أصبح يمارس المعصية دون لذة بالمعصية ولكن لمجرد التعود عليها، فتجده والعياذ بالله يمعن في المعصية مرة ومرتين وثلاث وأربع وربما الأولى فيها لذة، ولكن الثانية والثالثة والرابعة هي في الحقيقة من باب التعود، ومن تعود على شيء والعياذ بالله وخاصة من أمور الشر فإنه يصبح مدمناً له فيفعله وربما مات عليه وإنا لله وإنا إليه راجعون.
على أية حال يضرب مثلاً قد يكون حقيقياً والظاهر أنه من باب الخيال أو الدعابة على أن التعود له أثرٌ عظيم حتى على البهائم: فيروى أن رجلاً كان عنده حوش، وكان في هذا الحوش أنواعٌ مختلفة من الغنم، نعيمي وبربري وعنز وأشكال مختلفة، وعددٌ لا بأس به من هؤلاء، فذات يوم تسلط بعضهم على بعض يتناطحون ويتسابون ويتشاتمون حتى ارتفع صوت رغائهم وقلبوا القدور وآذوا الجيران، فالتفت الرجل يطل من صفحة الدار على غنمه فوجدهم في معركة عظيمة، وأراد أن يسكتهم فما استطاع أن يصل إلى ذلك سبيلاً، فقام من شدة غيظه وحنقه على غنمه أن قام وفتح البوابة وركبهم جميعاً في (الونيت) وراح يفحط بهم ويدور ويرقى بهم محطات ويريد أن يقلبهم يميناً ويساراً وفرامل وسحب جلنط، (حاس بهم حوساً) حتى داخت رءوس الغنم وجاء بها في الليل وفتح الباب وكل واحد قد مسك جداراً ونام، ما استطاعوا أن يطيقوا شيئاً بعد تلك التجزيعات والتفحيطات والجلنطات ونحو ذلك، فلما جاء من الغد ما سمع للغنم صوتاً أبداً لا طبيعي، ولا صوت إزعاج، فقام وطل عليهم من السطح لينظر أين هن فلم يجدها في الحوش، فالتفت إلى الشارع فوجدها قد ركبت في السيارة ينتظرنه.
فعلى أية حال: من تعود على شيء أدمنه، حتى الغنم تعودت التفحيط وأصبحت تخرج من الحوش لتنتظر ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله، وينبغي أن تبلغوا عن مثل هؤلاء إذا رأيتموهم.
وهذا المثال أيضاً أو هذه الطرفة تضرب في شأن الذين كانوا فنانين وتركوا الفن ولكن لا يزال بعض أتباع الفنانين مصرين على الفن، تجد حتى هذا في الشيوعية والصنم الشيوعي هوى، الشيوعية سقطت، والفكرة انهارت وما عاد لها مبادئ وأسس، وتجد الناس لا يزالون يترنمون بـ الشيوعية.
كذلك بعض أهل التمثيل والسينما تابوا وعادوا ورجعوا ولا يزال بعض أتباعهم يمجدون السينما والتمثيل ويصيحون عليها مرات ومرات، فبهذا الأمر يضرب مثلٌ غريب.
يقال: إن ثلاثة كانوا في مطعم وأحدهم يتأهب للسفر، فجلسوا في هذا المطعم يأكلون ريثما يحين موعد انطلاق القطار، فما هي إلا لحظات حتى سمعوا صافرة القطار وهو يوشك أن ينطلق ويتحرك، فما كان من هؤلاء الثلاثة إلا أن أسرعوا سرعة عظيمة يريدون أن يلحقوا بالعربة، فركب اثنان منهم ورجع الثالث يضحك ضحكاً غريباً يقهقه، فقابله رجل وقال: لماذا تضحك؟ قال: أصلاً أنا الذي سأسافر وهؤلاء جاءوا لكي يودعوني.
فعلى أية حال: هذا الذي هو صاحب الفن قد رجع تائباً لكن المودعين قد ركبوا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 255
أبيات في وصف الجنة وحورها من النونية
سابعاً: أخيراً: أيها الأحبة نختم هذه الجلسة الطيبة معكم بواحدة من قصيدتين ولعلها هي من أكثر الطلبات التي وردتني في الأسئلة وهي من قصيدة النونية الشافية الكافية لـ ابن قيم الجوزية ﵀، وقصيدة أخرى بعنوان:
خل ادكار الأربع والمعهد المرتبعِ
والظاعن المودع وعدِّ عنه ودعِ
واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا
هذه قصيدة جميلة جداً لكن أحيلكم إلى شريط بعنوان: (الغنيمة الضائعة) فقد ذكرت هذه القصيدة بكاملها أو أغلبها، ولعل الوقت لا يسمح بذكرها تامة.
أختم هنا بشيءٍ من أبيات ابن قيم الجوزية ﵀ من النونية الشافية الكافية: يقول فيها ﵀:
سبحان ذي الجبروت والملكوت والـ إجلال والإكرام والسبحان
والله أكبر عالم الإسرار والـ إعلان واللحظات بالأجفان
والحمد لله السميع لسائر الـ أصوات من سرٍ ومن إعلان
وهو الموحد والمسبح والممجد والحميد ومنزل القرآن
والأمر من قبل ومن بعد له سبحانك اللهم ذا السلطان
стр. 256
دعوة إلى طالب الجنة
ثم يدعو ابن القيم إلى المسابقة إلى طلب الجنة وأنتم أيها الأحبة تعلمون حديث النبي ﷺ : (في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) وإن مما يطيب نفس المؤمن والمؤمنة، والرجل والمرأة، والذكر والأنثى؛ أن الجميع الذين يطمعون بالجنة بإذن الله، سيجدون نعيماً ولذة عظيمة تنسي كل ملذات هذه الدنيا، وتنسي شقاء الدنيا أيضاً كما في الحديث: (يؤتى بأشد أهل الدنيا بؤساً فيغمس في الجنة غمسة واحدة فيقول الله: يا عبدي هل مر بلك بؤسٌ قط؟ فيقول: لا يا رب ما مر بي بؤسٌ قط) فينادي ابن القيم الخاطبين الراغبين في الجنات:
يا خاطب الحور الحسان وطالباً لوصالهن بجنة الحيوان
لو كنت تدري من خطبت ومن طلبت بذلت ما تحوي من الأثمان
أو كنت تدري أين مسكنها جعلت السعي منك لها على الأجفان
ولقد وصفت طريق مسكنها فإن رمت الوصال فلا تكن بالواني
أسرع وحث السير جهدك إنما مسراك هذا ساعة لزمان
فاعشق وحدث بالوصال النفس وابذل مهرها ما دمت ذا إمكان
واجعل صيامك قبل لقياها ويو م الوصل يوم الفطر من رمضان
ونحن بحلول شهر رمضان أو بقرب حلول شهر رمضان ينبغي أن نستعد بأن نبني أعمالاً صالحة على توبة صادقة؛ فإن الذي يبني أعمالاً مخلطة أو أعمالاً على ذنوبٍ ومعاصٍ، كمن يبني داراً على شفا جرف هار فيوشك أن ينهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
لا يلهينك منزلٌ لعبت به أيدي البلى مذ سالف الأزمان
فلقد ترحل عنه كل مسرة وتبدلت بالهم والأحزان
سجن يضيق بصاحب الإيمان لكن جنة المأوى لذي الكفران
سكانها أهل الجهالة والبطـ ـالة والسفاهة أنجس السكان
أي: المشغولين بحطام الدنيا المعرضين عن أمر الله.
والله لو شاهدت هاتيك الصدو ر رأيتها كمراجل النيران
ووقودها الشهوات والحسرات والـ آلام لا تخبو مدى الأزمان
أبدانهم أحداث هاتيك النفو س اللاء قد قبرت مع الأبدان
أرواحهم في وحشة وجسومهم في كدحها لا في رضا الرحمن
لا ترض ما اختاروه هم لنفوسهم فقد ارتضوا بالذل والحرمان
هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطان
لو ساوت الدنيا جناح بعوضة لم يسق منها الرب ذا الكفران
لكنها والله أحقر عنده من ذا الجناح القاصر الطيران
يا عاشق الدنيا تأهب للذي قد ناله العشاق كل زمان
أو ما سمعت بل رأيت مصارع الـ عشاق من شيبٍ ومن شبان
стр. 257
ما أعد الله لساكني الجنة فيها
ثم يقول في وصف الجنة التي أعدها الله للمتمسكين بالكتاب والسنة الملتزمين بأمر الله وأمر رسوله:
هي جنة طابت وطاب نعيمها فنعميها باقٍ وليس بفان
درجاتها مائة وما بين اثنتين فذاك في التحقيق للحسبان
مثل الذي بين السماء وبين ها ذي الأرض قول الصادق البرهان
لكنَّ عاليها هو الفردوس مس قوفٌ بعرش الخالق الرحمن
أبوابها حقاً ثمانية أتت في النص وهي لصاحب الإحسان
ولسوف يدعى المرء من أبوابها جمعاً إذا وفى حلى الإيمان
منهم أبو بكر هو الصديق ذا ك خليفة المبعوث بالقرآن
هذا وفتح الباب ليس بممكنٍ إلا بمفتاحٍ على أسنان
مفتاحه بشهادة الإخلاص والتـ توحيد تلك شهادة الإيمان
أسنانه الأعمال وهي شرائع ال إسلام والمفتاح بالأسنان
هذا ومن يدخل فليس بداخلٍ إلا بتوقيعٍ من الرحمن
لا تلغين هذا المثال فكم به من حل إشكال لذي العرفان
وكذاك يكتب للفتى لدخوله من قبل توقيعان مشهوران
هذا وأول زمرة فوجوههم؛ هذه أول زمرة تدخل الجنة يذكر ابن القيم صفاتهم يقول:
هذا وأول زمرة فوجوههم كالبدر ليل الست بعد ثمان
السابقون هم وقد كانوا هنا أيضاً أولي سبقٍ إلى الإحسان
والزمرة الأخرى كأضوء كوكبٍ في الأفق تنظره به العينان
أمشاطهم ذهب ورشحهم فمسك خالصٌ يا ذلة الحرمان
ويرى الذين بذيلها من فوقهم مثل الكواكب رؤية بعيان
ما ذاك مختصاً برسل الله بل لهم وللصديق في الإيمان
هذا وأعلاهم فناظر ربه في كل يومٍ وقته الطرفان
لكن أدناهم وما فيهم دني إذ ليس في الجنات من نقصان
فهو الذي مسافة ملكه بسنيننا ألفان كاملتان
فيرى بها أقصاه وحقاً مثل رؤ يته لأدناه القريب الداني
أو ما سمعت بأن آخر أهلها أي: آخر من يدخل الجنة من أهل الجنة وآخر من يخرج من النار.
أو ما سمعت بأن آخر أهلها يعطيه رب العرش ذو الغفران
أضعاف دنيانا جميعاً عشر أمـ ثالٍ لها سبحان ذي الإحسان
ألوانهم بيضٌ وليس لهم لحى جعد الشعور مكحلو الأجفان
هذا كمال الحسن في أبشارهم وشعورهم وكذلك العينان
стр. 258
رؤية الله
أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ينظرون إلى وجهه الكريم، وألا يجعلنا من الذين يحجبون عن رؤية وجه ربهم جل وعلا:
والله لولا رؤية الرحمن في الـ جنات ما طابت لذي العرفان
أعلى النعيم نعيم رؤية وجهه وخطابه في جنة الحيوان
وأشد شيء في العذاب حجابه سبحانه من ساكني النيران
وإذا رآه المؤمنون نسوا الذي هم فيه مما نالت العينان
فلهم نعيمٌ عند رؤيته سوى هذا النعيم فحبذا الأمران
والله ما في هذه الدنيا ألذ من اشتياق العبد للرحمن
وكذاك رؤية وجهه سبحانه هي أكمل اللذات للإنسان
стр. 259
ريح الجنة وأرضها
والريح يوجد من مسيرة أر بعين وإن تشأ مائة فمرويان
قد أفلح العبد الذي هو مؤمن ماذا ادخرت له من الإحسان
فيها الذي والله لا عين رأت كلا ولا سمعت به الأذنان
كلا ولا قلبٍ به خطر المثال له تعالى الله ذو السلطان
وبناؤها اللبنات من ذهبٍ وأخـ ـرى فضة نوعان مختلفان
وقصورها من لؤلؤ وزبرجدٍ أو فضة أو خالص العقيان
والأرض مرمرة كخالص فضة مثل المراة تنالها العينان
غرفاتها في الجو يُنْظَرُ بطنها من ظهرها والظهر من بطنان
للعبد فيها خيمة من لؤلؤٍ قد جوفت هي صنعة الرحمن
ستون ميلاً طولها في الجو في كل الزوايا أجمل النسوان
أين الشباب العزاب الذين ينظرون إلى النعيم؛ نعيم الجنة سبعون حورية يا إخوان، أين الشباب الذين يريدون أن يخطبوا إلى الرحمن الحور العين مهرها العمل الصالح:
ما في الخيام سوى التي لو قابلت للنيرين لقلت منكسفان
لله هاتيك الخيام فكم بها للقلب من علقٍ ومن أشجان
فيهن حورٌ قاصرات الطرف خيـ رات حسان هن خير حسان
أشجارها نوعان منها ما له في هذه الدنيا مثال ثان
يكفي من التعداد قول إلهنا من كل فاكهة بها زوجان
يا طيب هاتيك الثمار وغرسها في المسك ذاك الترب للبستان
بل ذللت تلك القطوف فكيفما شئت انتزعت بأسهل الإمكان
أو ما سمعت بظل أصلٍ واحدٍ فيه يسير الراكب العجلان
стр. 260
الغناء والطرب واللذة في الجنة
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان
يا لذة الأسماع لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
أو ما سمعت سماعهم فيها غناء الحور بالأصوات والألحان
واهاً لذياك السماع فإنه ملئت به الأذنان بالإحسان
واهاً لذياك السماع وطيبه من مثل أقمارٍ على أغصان
واهاً لذياك السماع فكم به للقلب من طربٍ ومن أشجان
وهذا السماع كما في الحديث: (إن في الجنة لمجتمعاً للحور العين يرفعن بأصواتٍ لم تسمع الخلائق بمثلها، يقلن -ويغنين الحور العين- نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبئس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له) ثم يقول ابن القيم:
نزه سماعك إن أردت سماع ذياك الغنا عن هذه الألحان
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحرم ذا وذا يا ذلة الحرمان
إن اختيارك للسماع النازل الـ أدنى على الأعلى من النقصان
والله إن سماعهم في القلب والإ يمان مثل السم في الأبدان
والله ما انفك الذي هو دأبه أبداً من الإشراك بالرحمن
فالقلب بيت الرب ﷻ حباً وإخلاصاً مع الإحسان
فإذا تعلق بالسماع أصاره عبداً لكل فلانة وفلان
حب الكتاب وحب ألحان الغنا في قلب عبدٍ ليس يجتمعان
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بشرائع الإيمان
واللهو خف عليهم لما رأوا ما فيه من طربٍ ومن ألحان
стр. 261
أنهار الجنة ومأكل أهلها ومشربهم
أنهارها في غير أخدودٍ جرت سبحان ممسكها عن الفيضان
عسل مصفى ثم ماءٌ ثم خمـ ر ثم أنهار من الألبان
وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم ولحوم طيرٍ ناعم وسمان
لحمٌ وخمرٌ والنسا وفواكه والطيب مع روح ومع ريحان
يسقون فيها من رحيقٍ ختمه بالمسك أوله كمثل الثاني
هذا وتصريف المآكل منهم عرقٌ يفيض لهم من الأبدان
كروائح المسك الذي ما فيه خلـ ـط غيره من سائر الألوان
فتعود هاتيك البطون ضوامراً تبغي الطعام على مدى الأزمان
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن أهل الجنة يأكلون ويشربون: فهل يأكلون عن جوع ويشربون عن ظمأ؟ قال: لا، ولكن لكي ينالوا لذة الأكل فقط، ولذة الشرب، وإلا فإن في الجنة لا يجوع أحدٌ ولا يظمأ ولا يعرى، ولكن لأجل لذة الأكل والشرب.
стр. 262
لباس أهل الجنة
ثم يقول ابن القيم:
وهم الملوك على الأسرة فوق ها تيك الرءوس مرصع التيجان
ولباسهم من سندسٍ خضرٍ ومن استبرق نوعان معروفان
ونصيف إحداهن وهو خمارها ليست له الدنيا من الأثمان
والفرش من استبرق قد بطنت ما ظنكم بظهارة لبطان
مرفوعة فوق الأسرة يتكي هو والحبيب بخلوة وأمان
يتحدثان على الأرائك ما ترى حبين في الخلوان ينتحبيان
هذا وكم زريبة ونمارق ووسائدٍ صفت بلا حسبان
стр. 263
وصف الحور العين
ثم يقول في صفة عرائس الجنة، وحسنهن وجمالهن ولذة وصالهن ومهرهن:
يا من يطوف الكعبة الحصن التي حفت بذاك الحجر والأركان
من قاصرات الطرف لا تبغي سوى محبوبها من سائر الشبان
يا مطلق الطرف المعذب في الأُلى جردن عن حسنٍ وعن إحسان
لا تسبينك صورة من تحتها الد اء الدوي تبوء بالخسران
فانظر مصارع من يليك ومن خلا من قبل من شيبٍ ومن شبان
إن كان قد أعياك خودٌ مثلما تبغي ولم تظفر إلى ذا الآن
فاخطب من الرحمن خوداً ثم قدم مهرها ما دمت ذا إمكان
ذاك النكاح عليك أيسر إن يكن لك نسبة للعلم والإيمان
والله لم تخرج إلى الدنيا للذة عيشها أو للحطام الفاني
لكن خرجت لكي تعد الزاد لـ لأخرى فجئت بأقبح الخسران
أهملت جمع الزاد حتى فات بل فات الذي ألهاك عن ذا الشان
والله لو أن القلوب سليمةٌ لتقطعت أسفاً من الحرمان
لكنها سكرى بحب حياتها الد نيا وسوف تفيق بعد زمان
فاسمع صفات عرائس الجنات ثم اختر لنفسك يا أخا العرفان
حورٌ حسانٌ قد كملن خلائقاً ومحاسناً من أجمل النسوان
حتى يحار الطرف في الحسن الذي قد ألبست فالطرف كالحيران
ويقول لما أن يشاهد حسنها سبحان معطي الحسن والإحسان
والطرف يشرب من كئوس جمالها فتراه مثل الشارب النشوان
كملت خلائقها وأكمل حسنها كالبدر ليل الست بعد ثمان
والشمس تجري في محاسن وجهها والليل تحت ذوائب الأغصان
فتراه يعجب وهو موضع ذاك من ليل وشمس كيف يجتمعان
فيقول سبحان الذي ذا صنعه سبحان متقن صنعة الإنسان
وكلاهما مرآة صاحبه إذا ما شاء يبصر وجهه يريان
فيرى محاسن وجهه في وجهها وترى محاسنها به بعيان
حمرُ الخدود ثغورهن لآلأً سود العيون فواتر الأجفان
والبرق يبدو حين يبسم ثغرها فيضيء سقف القصر بالجدران
ولقد روينا أن برقاً ساطعاً يبدو فيسأل عنه من بجنان
فيقال هذا ضوء ثغرٍ ضاحكٍ في الجنة العليا كما تريان
يلمع برقٌ في الجنة فيسأل أهل الجنة: ما هذا البرق؟ ما هذا الضوء الذي خطف الأبصار؟ فيقال: هذه حورية لواحد من أهل الجنة العليا ابتسمت لزوجها في الجنة، فلمع ذلك البرق أو ظهر ذلك الضوء.
لله لاثم ذلك الثغر الذي في لثمه إدراك كل أمان
ريانة الأعطاف من ماء الشبا ب فغصنها بالماء ذو جريان
لما جرى ماء النعيم بغصنها حمل الثمار كثيرة الألوان
والقدر منها كالقضيب اللدن في حسن القوام كأوسط القضبان
في مغرس كالعاج تحسب أنه عالي النقا أو واحد الكثبان
لا الظهر يلحقها وليس ثديها بلواحق للبطن أو بدوان
لكنهن كواعبٌ ونواهد فثديهن كألطف الرمان
والله جل وعلا يقول: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ [النبأ:٣٣]
والجيد ذو طولٍ وحسنٍ في بيا ض واعتدالٍ ليس ذا نكران
يشكو الحلي بعاده فله مدى الـ أيام وسواسٌ من الهجران
والمعصمان فإن تشأ شبههما بسبيكتين عليهما كفان
كالزبد لين في نعومة ملمسٍ أصداف در دورت بوزان
والصدر متسع على بطنٍ لها حفت به خصران ذات ثمان
وعليه أحسن سرة هي مجمع الـ خصرين قد غارت من الأعكان
حق من العاج استدار وحوله حبات مسكٍ جل ذو الإتقان
قاما بخدمته هو السلطان بيـ نهما وحقٌ طاعة السلطان
ثم استحيا ابن القيم ﵀ وقال:
وإذا انحدرت رأيت أمراً هائلاً ما للصفات عليه من سلطان
وهو المطاع أميره لا ينثني عنه ولا هو عنده بجبان
وجماعها فهو الشفاء لصبها فالصب منه ليس بالضجران
وإذا يجامعها تعود كما أتت بكراً بغير دمٍ ولا نقصان
فهو الشهي وعضوه لا ينثني جاء الحديث بذا بلا نكران
ولقد روينا أن شغلهم الذي قد جاء في "يس" دون بيان
شغل العروس بعرسه من بعد ما عبثت به الأشواق طول زمان
بالله لا تسأله عن أشغاله تلك الليالي شأنه ذو شان
واضرب لهم مثلاً بصبٍ غاب عن محبوبه في شاسع البلدان
والشوق يزعجه إليه وما له بلقائه سببٌ من الإمكان
وافى إليه بعد طول مغيبه عنه وصار الوصل ذا إمكان
أتلومه إن صار ذا شغلٍ به لا والذي أعطى بلا حسبان
يا رب غفراً قد طغت أقلامنا يا رب معذرة من الطغيان
أقدامها من فضة قد ركبت من فوقها ساقان ملتفان
والساق مثل العاج ملموم يرى مخ العظام وراءه بعيان
والريح مسكٌ والجسوم نواعمٌ واللون كالياقوت والمرجان
وكلامها يسبي العقول بنغمة زادت على الأوتار والعيدان
وهي العروب بشكلها وبدلها وتحببٌ للزوج كل أوان
وهي التي عند الجماع تزيد في حركاتها للعين والأذنان
لطفاً وحسن تبعلٍ وتغنجٍ وتحببٍ تفسير ذي العرفان
يقول الله: ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٧]
أتراب سنٍ واحدٍ متماثلٍ سن الشباب لأجمل الشبان
بكرٌ فلم يأخذ بكارتها سوى الـ محبوب من إنس ولا من جان
يعطى المجامع قوة المائة التي اجـ ـتمعت لأقوى واحد الإنسان
وأعفهم في هذه الدنيا هو الـ الأقوى هناك لزهده في الفاني
فاجمع قواك لما هناك وغمض الـ عينين واصبر ساعة لزمان
ما ها هنا والله ما يسوى قلا مة ظفر واحدة ترى بجنان
وإذا بدت في حلة من لبسها وتمايلت كتمايل النشوان
تهتز كالغصن الرطيب وحمله ورد وتفاح على رمان
وتبخترت في مشيها ويحق ذا ك لمثلها في جنة الحيوان
ووصائف من خلفها وأمامها وعلى شمائلها وعن أيمان
كالبدر ليلة تمه قد حف في غسق الدجا بكواكب الميزان
стр. 264
مقابلة المسلم زوجته في الجنة
حتى إذا ما واجهته تقابلاً أرأيت إذ يتقابل القمران
فسل المتيم هل يحل الصبر عن ضمٍ وتقبيلٍ وعن فلتان
وسل المتيم أين خلف صبره في أي وادٍ أم بأي مكان؟
وسل المتيم كيف حالته وقد ملئت له الأذنان والعينان
من منطقٍ رقت حواشيه ووجه كم به للشمس من جريان
يتساقطان لآلئاً منثورة من بين منظومٍ كنظم جمان
وسل المتيم كيف مجلسه مع الـ محبوب في روحٍ وفي ريحان
وتدور كاسات الرحيق عليهما بأكف أقمار من الولدان
يتنازعان الكأس هذا مرة والخوذ أخرى ثم يتكئان
فيضمها وتضمه أرأيت معشوقين بعد البعد يلتقيان
غاب الرقيب وغاب كل منكدٍ وهما بثوب الوصل مشتملان
أتراهما ضجرين من ذا العيش لا وحياة ربك ما هما ضجران
ويزيد كلٌ منهما حباً لصا حبه جديداً سائر الأزمان
ووصاله يكسوه حباً بعده متسلسلاً لا ينتهي بزمان
فالوصل محفوف بحبٍ سابقٍ وبلاحقٍ وكلاهما صنوان
стр. 265
تنبيه إلى كل ناعس بأن يتيقظ
يا غافلاً عما خلقت له انتبه جد الرحيل فلست باليقظان
سار الرفاق وخلفوك مع الألى قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني
ورأيت أكثر من ترى متخلفاً فتبعتهم ورضيت بالحرمان
لكن أتيت بخطتي عجزٍ وجهل بعد ذا وصحبت كل أمان
منَّتك نفسك باللحاق مع القعود عن المسير وراحة الأبدان
ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا ماذا صنعت وكنت ذا إمكان
بالله ما عذر امرئ هو مؤمنٌ حقاً بهذا ليس باليقظان
لكن قلبك في القساوة جاز حد الصخر والحصباء في أشجان
لو هزك الشوق المقيم وكنت ذا حسٍ لما استبدلت بالأدوان
أو صادفت منك الصفات حياة قلب كنت ذا طلب لهذا الشان
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنان
يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها إلا أولو التقوى مع الإيمان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسدٌ بين الأراذل سلفة الحيوان
يا سلعة الرحمن أين المشتري فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن هل من خاطبٍ فالمهر قبل الموت ذو إمكان
يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ خطاب عنك وهم ذوو إيمان
يا سلعة الرحمن لولا أنها حجبت بكل مكاره الإنسان
ما كان عنها قط من متخلفٍ وتعطلت دار الجزاء الثاني
لكنها حجبت بكل كريهة ليصد عنها المبطل المتواني
وتنالها الهمم التي تسمو إلى رب العلى بمشيئة الرحمن
فبأي وجه ألتقي ربي إذا أعرضت عن ذا الوحي طول زمان
يا معرضاً عما يراد به وقد جد المسير فمنتهاه داني
دع ما سمعت الناس قالوه وخذ ما قد رأيت مشاهداً بعيان
والله لو جالست نفسك خالياً وبحثتها بحثاً بلا روغان
تالله لو شاقتك جنات النعيم طلبتها بنفائس الأثمان
رحم الله ابن القيم رحمة واسعة، كان شاعراً بليغاً فصيحاً أجاد وصف الجنة وحورها ونعيمها، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، وعذراً على الإطالة عليكم، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 266
الأسئلة
стр. 267
مراجع لحياة ابن القيم ونونيته
السؤال
ما هو المرجع الذي تدلنا عليه للتعرف على حياة ابن القيم؟ وآخر يقول: أين نجد هذه القصيدة؟
الجواب
أما حياة ابن القيم ﵀ فتجدها مصنفة أو تجدها منثورة ربما في بعض أو في مقدمة كثيرٍ من كتبه مثل الذين حققوا زاد المعاد في هدي خير العباد، وربما في بعض طبعات طريق الهجرتين، وفي كتاب الروح وحادي الأرواح، وكثيراً من مقدمات كتبه تجد ترجمة لحياته ﵀.
وأما هذه القصيدة فهي في آخر الكتاب الموسوم المعروف بـ الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، وهو كتابٌ جميلٌ جداً ويقرأه كثير من طلبة العلم، إذ إنه كله في العقائد والتوحيد والشرائع والأحكام وفي الرد على طوائف الضلال، خاصة الذين ضلوا في بعض الصفات ضلالاً بعيداً.
стр. 268
نصيحة للمبتدئ بطلب العلم
السؤال
أنا شاب في بداية الطريق المستقيم وأرغب -إن شاء الله- في علم الفقه فما نصيحتك لي؟
الجواب
ننصحك يا أخي الكريم بأن تأخذ العلم بمسائله المختصرة الصغيرة ثم الوسطى ثم الكبيرة منها؛ لأنه ليس من صالح المبتدئ أن يبدأ بالمطولات، وطريقة علماء هذه البلاد خاصة وكثيرٌ من أهل العلم من غيرهم عامة أن يبدأ المبتدئ بالمختصرات ثم بالشروح ثم بالمطولات، وعليك أن تحضر حلقة أو حلقاتٍ باستمرار، وأن يكون كتابك معك، وقلمك الذي تضيف فيه الفوائد على كتابك الذي تقرأ فيه، مستمعاً مراجعاً قبل الدرس مستذكراً قبله ومتأكداً بعده، فإن في ذلك خيرٌ عظيم بإذن الله وهذا الذي ننصحك به.
стр. 269
التوبة من عقوق الوالدين
السؤال
بت البارحة خارج البيت في المخيم -ليس هذا المخيم- مع شباب عصاة، وأبي وأمي غاضبين فبماذا تنصحني؟
الجواب
يا أخي الكريم! الأولى أن تقول: ربما جالست أقواماً عصاة فلم يكون سهرك معهم على طاعة الله، ولا أقل من أن يكون في ذلك معصية لله، فأنت أغضبت الله قبل أن تغضب والديك، وهذا مما يجعل الإثم متضاعفاً، فتب إلى الله وإياك بأن تسهر أو تخلو أو تبقى أو تمكث مع أناسٍ يعينونك على المعصية، زد على ذلك أن والديك ساخطون عليك، فاتق الله واطلب منهم الرضا واطلب من ربك التوبة والمغفرة؛ فإن الله غفور رحيم إذا صدقت منك التوبة.
стр. 270
نصيحة لمن يعارض والده ذهابه للمحاضرات
السؤال
أنا شاب أحب حضور المحاضرات ولكن الوالد يرفض ذلك، فهل ذلك من عقوق الوالدين؟
الجواب
على أية حال يا أخي لعل والدك لا يعلم ما يدور في هذه المحاضرات، فلك أن تستضيف أحد المشايخ أو العلماء لإقناع والدك وزيارته وتطييب قلبه وطمأنت نفسه، فإن النفس إذا اطمأنت رضيت وسمحت وأذنت بذلك، ولا نظن أن والدك يشتهي لك الشر ويحجبك عن الخير ويحرمك منه، لكن ربما في نفسه شبهة أو أمرٌ لم يتضح، فلا بد من إزالة الشبهات، وإذا عرف السبب بطل العجب.
стр. 271
علاج العادة السرية
السؤال
أعمل العادة السرية فما هو الطريق لترك هذه العادة؟
الجواب
الذين يكثرون أو يقعون في هذا سبب ذلك أمور: أولاً: أنهم يجالسون من يتحدث بهذه الأمور فيعدي بعضهم بعضاً بهذا الأمر.
ثانياً: كثرة التفكير في هذه القضية، وكثرة التخيل لما يتعلق بها وذلك مما يقودهم إليها، وعلى هذا الشاب أن يستعين بالله وأن يجد في طلب الزواج، فإن عجز عن ذلك فعليه أن يشغل نفسه بما ينفعه؛ فإن من اشتغل بالمهمات والعظائم انصرف عن مثل هذه الترهات والسفاهات.
стр. 272
الوسيلة الناجحة في حفظ القرآن والسنة
السؤال
إني أحبك في الله يا شيخ، وأرجو منكم أن تبينوا لنا طريقة لحفظ القرآن والحديث؟
الجواب
أظن أن الشيخ عائض القرني حفظه الله سئل ذات يوم: ما هي المأكولات التي تعين على الحفظ؟ فقال: نحن لا نقول: إن الباذنجان والبقدونس والبطاطا والبصل مما يعين على الحفظ، ولكن الذي يعين على الحفظ بحقٍ وحقيقة هو تقوى الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ويقول الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال: اعلم بأن العلم نورٌ ونور الله لا يؤتاه عاصي
فإن من بركات الطاعة أن الإنسان يبارك له في حفظه ويبارك له في علمه، وإذا قرأ شيئاً حفظه، وإذا قرأ شيئاً أدركه واستفاد منه، وإن من شؤم المعصية أن يتفلت على الإنسان علمه، ومن ذلك كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
стр. 273
ما يكون للنساء في الجنة
السؤال
إن ذكر الحور العين يجعل من النساء من يغار، فبماذا توجه الأخوات المسلمات؟
الجواب
نقول لأخواتنا: إن الله جل وعلا قال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١] أي: للرجال والنساء والذكور والإناث ما يشتهون من تمام اللذات، المهم أن نصل الجنة، إذا دخلنا الجنة انتهت القضية، فيتلذذ الإنسان بأنواع اللذات وأعلاها النظر إلى وجه الله جل وعلا، فنسأل الله أن يهدينا إلى عملٍ صالح، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يتوفانا عليه، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله، قيل: وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه إلى عملٍ صالح ثم يتوفاه عليه).
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى عملٍ صالح، وأن يتوفانا عليه وهو راضٍ عنا.
ويقول كذلك فضيلة الشيخ جابر جزاه الله خيراً: إن غيرة النساء منزوعة تماماً، لا تنزعج الواحدة تقول: زوجي معه سبعون حورية وأنا ما أطقت جارة واثنتين، فلتعلم أن لها تمام لذتها وله تمام لذته والغيرة منزوعة تماماً.
وأذكر أنني حدثت زوجتي عن حور الجنة، فقالت: والله لو رأيتك معها لأقطعك أنت وهي.
لا حول ولا قوة إلا بالله، والمجالس بالأمانات.
стр. 274
وجوب إزالة الريبة عن النفس
السؤال
في هذا المخيم وفي هذه الليلة سمعت البعض يضحكون ويتهامسون عندما يسمعون اسم العائلة أو اللقب لبعض الناس ويقع كثيرٌ في هذا، فهل تتفضلون في توجيه كلمة نصح لمثل إخواننا الشباب هداهم الله؟
الجواب
على أية حال من الجهل وعلامات الجهل أن بعض الناس ربما لا يلفظ اسم المرأة أو اسم البنت وهذا والله جهل عظيم؛ النبي ﷺ لما زارته صفية بنت حيي وكان معتكفاً فلما خرجت قام ليقلبها أي: ليوصلها إلى البيت، فمر اثنان من الصحابة فقال: (على رسلكما إنها صفية بنت حيي، قالوا: سبحان الله! حتى أنت يا رسول الله -أي: أنشك فيك يا رسول الله؟ - قال: نعم، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) فلو كان ذكر اسم المرأة عيباً لما قال النبي ﷺ : إنها صفية.
مع أنه ليس هناك داعٍ أصلاً لأن يسأله أحد، لكن النبي ﷺ خشي أن يقذف الشيطان في قلب الصحابيين أمر سوء عن النبي ﷺ ، وهذا فيه دليل على أن دفع الريبة مشروع، أن من حامت حوله ريبة فعليه أن يظهر من الكلام أو الرد أو القول ما يطرد به الريبة.
стр. 275
طاجكستان ومآسيها
إن طاجكستان ما هي إلا صورة لمأساة من مآسي المسلمين المتتابعة، ونكبة من نكباتهم المتلاحقة، وضربة من الضربات الموجعة التي سددها أعداء الله إلينا بغضاً وحقداً.
ولن يكون المخرج من هذا إلا بقوله ﷺ : (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) بأن نكون يداً واحدة على عدونا، مجاهدين في سبيل ربنا.
стр. 276
قوة رابطة العقيدة
الحمد لله؛ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين: اسمحوا لي اليوم أن أنقلكم من لين الفرش، إلى تربةٍ وتضاريس صعبة، اسمحوا لي أن أنقلكم من هذه المخازن المليئة بالأطعمة إلى القفار وكهوف الجبال التي لا تجد فيها من الزاد إلا قليلاً، ومن الشراب إلا مكدّراً، اسمحوا لي اليوم أن أنقلكم من هذا الوضع الآمن نقلةً تخيليةً تصوريةً لواقعٍ قائمٍ الآن، إلى إقليمٍ خائف، إلى إقليمٍ جزع، واسمحوا لنا أن ننقلكم في وقتٍ قل فيها المخبر، وندر فيه المعلِم عن أحوال المسلمين.
أيها الأحبة: حديثنا اليوم عن مأساة إخواننا في طاجكستان، ولماذا الحديث عن طاجكستان؟! فهل تجمعنا بهم علاقة دم، أم لغة، أم رقعةٌ جغرافية؟! كلا وألف كلا، ولكن تربطنا بهم علاقةٌ هي أعلى وأقوى وأرسى وأثبتَ من الدماء والتضاريس واللغات، هي علاقة العقيدة، هي رابطة لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله:
وحيثما ذُكر اسم الله في بلدٍ عددت أرجاءه من لب أوطاني
نعم تنتهي الدماء، وتفنى التضاريس، وتذوب العلاقات الدموية والعرقية؛ لتنصهر في بوتقة لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وهل نفعت علاقات اللغة بين المسلمين يوم أن تسلط البعث على جيرانه؟! وهل نفعت علاقات الدم بين الأمم يوم أن تسلط العفالقة على المسلمين في الكويت؟! وهل نفعت علاقات التضاريس يوم أن تسلط البغاة الطغاة على إخوانهم، أو على جيرانهم؟! إن كل علاقةٍ زائلة وذاهبة ومضمحلة؛ لتعلن أن كل علاقةٍ لا تبنى على لا إله إلا الله محمداً رسول الله فهي وهمية زائلةٌ منقضية، وكل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
ما كان من علاقة مرتبطة بالله فهي باقية، وما كانت بغير ذلك فهي زائلةٌ فانية.
إن علاقة العقيدة هي التي جعلت سلمان الفارسي من آل البيت، فقال ﷺ : (سلمانُ منا آل البيت).
إن علاقة العقيدة هي التي جعلت بلالاً الحبشي يتصدر المجلس بجوار رسول الله ﷺ وصناديد قريش الذين هم من سواء قريش وجرثومتها وأرومتها يقصون ويبعدون، بل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣].
سيصلاها ولو كان قرشياً، سيصلاها ولو كان من سادات قريش، سيصلاها ولو ربطته بالقرشيين والعرب علاقة الدم، أو اللغة، أو التاريخ، وسيمشي بلال في الجنة ولو كان بعيداً، ولو كان أسود، ولو كان مفلفل الرأس، ولو كان حبشياً؛ قال ﷺ : (يا بلال: إني سمعت دف نعليك في الجنة فأي عملٍ عملته لتنال ذا؟ فقال يا رسول الله: أما إني ما توضأت وضوءاً إلا صليتُ بعده ركعتين).
هذه رابطة العقيدة، جعلت رسول الله ﷺ : يدني صهيباً الرومي وسلمان الفارسي، وبلالاً الحبشي ويتوعد أبا لهب وأبا جهل، ويتوعد عقبة، وشيبة وعتبة ويتوعد غيرهم، وقال: (اقتلوه ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة) ينبغي أن نرتفع عن العلاقات الضيقة، وأن نسمو بأنفسنا عن العصبيات والقبليات لتربطنا علاقة العقيدة، ومن هذا المنطلق ننتقل بكم اليوم إلى طاجكستان.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ [النساء:٧٥].
стр. 277
ماذا تمثل مأساة طاجكستان
أيها المسلمون: إن إخوانكم في طاجكستان ليصورون مأساةً من المآسي المتتابعة، ونكبةً من النكبات المتلاحقة، وضربةً من الضربات الموجعة التي سددها وساقها أعداء الله بغضاً وحقداً وكرهاً لله ورسوله وقبلة المسلمين، ومسجد رسول الله ﷺ .
هذه صورةٌ لأبٍ طاجيكي أمام زوجة مهيضة الجناح، وطفلةٍ تتكئ بيمينها على عكازٍ تأبطه صدرها، وطفلٌ يصيح يريد قطرة حليبٍ فلا يجد، وفتاةٌ طاجيكيةٍ كانت عذراء فانتهكها المجرمون، وقد وضع الأب رأسه بين رجليه، وقعد قعدةً توحي بكل ألمٍ وحسرةٍ ومرارة، وكأني به يردد قائلاً:
فلو أبصرتني والليل داجٍ وخدي قد توسط بطن كفي
ودمعي يستهل من المآقي إذاً أبصرت ما بي فوق وصفي
أيها الأحبة: لكل أُسرةٍ حكاية، ولكل عائلةٍ رواية، ولكل مهاجرٍ أعجوبةٌ وأعاجيب، فلماذا لماذا ينسى هؤلاء في زمنٍ ارتبط العالم ببعضه، وأصبحت الكرة الأرضية كقريةٍ صغيرة، لو أنجبت بقرةٌ هولندية انتاجاً عجيباً، أو عجلاً غريباً لعلم به العالم بأسره، أما مآسي المسلمين الطاجيك، فلولا فداحة الخطب، ولولا كثرة الدماء، ورسائلك ينقلها نهر سيحوت، لما سمعنا عنهم من الأخبار إلا قليلاً.
وحق لهم أن نهتم بهم؛ لأنهم حفظوا القرآن في الأقبية والسراديب وتحت الأرض؛ في زمنٍ كانت حيازة المصحف عقوبتها الإعدام! في زمنٍ تعلم اللغة وتعليمها كانت عقوبته السجن والأعمال الشاقة، في زمنٍ من عرف فيه بالدعوة إلى الله فعقوبته المقصلة، والمشنقة والزنزانة الانفرادية.
فإني لأثق أن كثيراً من المسلمين لا يعرفون أين تقع طاجكستان.
إنها في الجزء الجنوبي الأقصى لما يسمى بـ الاتحاد السوفيتي سابقاً، على مساحةٍ تبلغ مائةً وثلاثة وأربعين ألف كيلو متراً مربعاً، وحدودها من الشمال الشرقي آسيا الوسطى، وأوزبكستان، وكرغيزيا، كل هذه تحدها من الشمال، والشمال الشرقي، ولها حدودٌ طويلة مع أفغانستان، والصين من الجهات الجنوبية.
стр. 278
ما تعيشه طاجكستان من مأساة حالية
في تلك البقعة، وفي زمنٍ يسير بإمكانكم أن تدرسوه وتقيسوه، من بداية التحول في الاتحاد السوفيتي إلى أيامٍ قليلة، تسلط بقايا الشيوعيين -ومن ظن أن سقوط الشيوعية يعني قيام الإسلام في روسيا فهو واهمٌ لا محالة، لقد سقط وتحطم الجبل الشيوعي، ليتحول إلى صخراتٍ شيوعية، لقد تحطم ذلك الكثيب العظيم من الشيوعية، ليتحول إلى حفناتٍ شيوعية - وكلُ حفنةٍ تسلطت على رقاب كثيرٍ من المسلمين، فلم يتغير الوضع كثيراً، كما تفاءل وظن كثيرٌ من المسلمين.
وبعد أن تحولت الأوضاع هناك ظهر المسلمون على السطح، وتنفسوا الصعداء، والتفتوا يمنةً ويسرةً أهي أحلامٌ يرونها في المنام، أم حقيقة واقعٍ تأذن لهم بأن يخرجوا لهم مدارس القرآن من الأقبية إلى سطح الأرض، وأن يخرجوا كتب اللغة من السراديب إلى صالات الدراسة، وأن يخرجوا بجموعهم ليصلوا جماعات، وليمشوا في الطرقات، معلنين دينهم لا يخافون أبداً، خرج المسلمون وما إن خرجوا ليحكموا أنفسهم بما نصت عليه مواثيق تلك البلاد بعد سقوط الشيوعية بعودة الديمقراطية، وأن الأحكام للأغلبية؛ إذ بأقليةٍ شيوعية تعود من جديد لتجثم على صدور المسلمين، ولتسن المطرقة ولكي تسن المنجل من جديد وتضرب بالمطرقة لتعيد عهداً جديداً للشيوعية، وفي تلك الفترة إلى يومنا هذا، في ظل هجماتٍ مسعورة، وحركاتٍ وحشية، أحرق أكثر من مائة وخمسين ألف منزل، وقتل أكثر من خمسة وعشرين ألف مسلم، وأما القتلى في نواحٍ مختلفة ممن يعرفون ومن لا يعرفون فقد بلغوا أكثر من مائتي ألف نسمة، خمسة وعشرين ألفاً في معارك المواجهة، في القتال الدائر الشديد الذي حمي وطيسه وجهاً لوجه بين المسلمين وبين الشيوعيين من الطاجيك، ومن ساعدهم من الأوزبك، وأما ضحايا القصف العشوائي والتشريد والهجرة إلى المجهول فقد بلغوا مائتي ألف نسمة، والمفقودون أكثر من مائة وخمسين ألفاً، لكي تظهر صفحةً جديدة، وتعلن هجرةً جديدة للمسلمين، بلغ عدد المهاجرين حتى الآن أكثر من نصف مليون لاجئ، كلهم هربوا ولجئوا إلى الحدود الشمالية؛ أو إلى الحدود الجنوبية بالنسبة لهم، إلى شمال أفغانستان في مناطق قندوز وبلخ وغيرها.
стр. 279
سر اهتمام الروس بطاجكستان
ولماذا اشتدت ضربة الشيوعية على طاجكستان بالذات؛ أوليست كل ولايات ومدن الاتحاد السوفيتي مليئةٌ بالمسلمين؟ بلى.
إنها مليئة، ولكن نالت هذه مزيداً من الضربات، ومزيداً من الاهتمام بالإيلام والإيجاع، لأن طاجكستان تحتل المرتبة الثانية بعد روسيا من حيث الاحتياطات المطلقة للموارد المائية، ولأن طاجكستان غنيةٌ بالثروات الطبيعية، ولأن طاجكستان يقبع تحت أراضيها مخزونٌ عظيمٌ من اليورانيوم، ربما شكل قرابة ثلث اليورانيوم في الاتحاد السوفيتي كله، لأن طاجكستان بوابة وممرٌ ومعبر من طريقه يمكن أن تدخل قوافل الدعوة والدعاة إلى الله إلى سائر الجمهوريات، لأجل هذا كله، اهتم بها الروس ليعودوا وليعيدوا تمثيلية جديدة، بل مأساةً جديدة، تذكر بدخول الاتحاد السوفيتي على دباباته المدججة المليئة بالجنود، وعرباته المليئة بالألغام وبالغازات السامة، ليعيدوا هذا المشهد من جديد، يوم أن دخلوا إلى كابل، يعيده الروس الآن لكي يضربوا فيه حركةً إسلاميةً في طاجكستان.
أيها الأحبة: كلكم يعلم أنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتمزق أوصاله، وانقلاب ذلك الدب الجاثم على صدور المسلمين، قامت حركاتٌ إسلامية وجدت متنفساً يدعوها إلى أن تتحرك، ومن ثم قامت مجموعةٌ إسلامية، سمت نفسها بـ النهضة الإسلامية في طاجكستان، والتي سرعان ما اكتسحت وكسبت تأييد الشعب بأكمله، ثم بدأت لتضغط على الشيوعيين، وبمقتضى ميثاق النظام السوفيتي بعد سقوطه، وبمقتضى الميثاق الذي شمل تلك البقاع أن الأغلبية تحكم نفسها، وتحدد اتجاهها، أرادوا الإسلام، لأن الأغلبية مسلمون، وأرادوا الإسلام لأن الجميع يطالبون بالإسلام، ولكن سرعان ما عادت المطارق من جديد لتضربهم.
فبعد الإطاحة بالحكومة الشيوعية، ورئيس البرلمان الشيوعي السابق المدعو كنجايف، شعرت قوى الاستكبار العالمي بخطورة الوضع على مصالحها الحيوية في المنطقة، خاصةً إذا علمتم أيضاً أن طاجكستان تحتوي على ثلث احتياط اليورانيوم الخصب والمخصب للاتحاد السوفيتي، ويقع في تلك البقعة أكبر ثلاثة مصانع مخصصة لإشباع اليورانيوم في الاتحاد السوفيتي.
ونظراً لهذا الموقع الجغرافي الفريد، وتلك الثروات الضخمة للدولة الطاجيكية، فهي إلى ذلك تقع إلى شمال أفغانستان التي تشهد مخاض وجود دولةٍ إسلامية في أفغانستان، نسأل الله أن يجمع شمل قادتها، وأن يقيمها على أسسٍ متينةٍ من الكتاب والسنة، إن قرابة خمسة ملايين طاجيكي يمكن أن تكون مع أفغانستان دولةً واحدةً قوية، وإذا علمنا أن أفغانستان لا زالت حديثة العهد والتجربة بمعارك قابلت فيها ألوان الجيوش، واستخدمت وتدربت وتعاملت مع كثيرٍ من الأسلحة، فإذا أضيفت قوة الأفغان مع تجربتهم العسكرية التي دامت ثلاثة عشر عاماً مع الثروات الموجودة في طاجكستان أدركت أن قيام وحدةٍ بين هاتين الدولتين يمكن أن يشكل اكتساحاً عريضاً خطيراً ليطيح ببقية ولاياتٍ روسية، سيما وأن فيها مئات الملايين من المسلمين الذين يتمنون السلاح ونفس الحرية لتحكم بلادهم بالإسلام.
стр. 280
مكر الشيوعيين وأعوانهم
أيها الأحبة: لذا رأى الشيوعيون أنه لابد من القضاء على المسلمين في مهدهم، ولابد من وأد حركتهم قبل ميلادها وقبل اشتدادها وقوتها، وهكذا بدأت عملية تصفية الإسلاميين والموالين لهم في منطقة كولاب من قبل العناصر الشيوعية العائدة بعد هزيمتها في المواجهة مع الإسلاميين في الساحة العامة في العاصمة الطاجيكية، دوشنبه، وذلك بدعمٍ من قواتٍ روسية متواجدةٍ في المنطقة، وأعجب من ذلك أن قوى أجنبية كانت ترقص وتفرح وتضحك وتهزأ بحال الاتحاد السوفيتي وهو يسقط، إذ بتلك القوى من جديد تعود لتدعم الروس لضرب المسلمين في دوشنبه، ولضرب المسلمين في طاجكستان، لقد هبطت طائراتٌ أجنبية فخمة مدججة مطورة، كلها تحت غطاء المساعدات الإنسانية وهي تحمل في ثناياها الألغام والقنابل والصواريخ لأجل من؟ وفي سبيل من؟ ولأجل غاية من؟ لأجل قتل كل مسلمٍ يقول لا إله إلا الله، لأجل قطع كل حنجرة يخرج منها صوت لا إله إلا الله، لأجل ضرب كل هامةٍ تسجد لله، لأجل قطع كل يدٍ ترتفع مكبرة لله، لقطع كل رجلٍ تشمي إلى بيوت الله، تكالبت وتواترت وتوافدت قوى الروس، والقوى الأجنبية لضرب المسلمين في طاجكستان.
وقد اعتمدت تلك الطائرات الأجنبية على التعامل مع أصحاب السوابق الإجرامية الخطرة الذين أطلقوا من سجون طاجكستان، وسلحوا تسليحاً خطيراً، وأفرج عنهم، بعد أن كانت عقوباتهم السجن مدى الحياة أو الإعدام، أفرج عنهم من جديد وسلحوا من أجل أن يعطوا مكافأة مقابل قطع كل رقبة وانتهاك كل عرض، وبقر بطن كل حامل، وتدمير كل بيت، وإحراق كل زرعٍ وإتلاف كل ماشية.
بهذا عادت روسيا من جديد لتتعامل بمنطق المطرقة والمنجل، وتناست البروستريكيا أو إعادة البناء، أو التعامل المفتوح، والتعامل مع الأقليات، وسماع الرأي الآخر، لأجل ذلك أيها الأحبة: هاجر كثيرٌ من المسلمين بعد معارك دامية، وبدأ الهجوم الشيوعي المركز على كورجان، واحتلت ولا تزال تحت معارك طاحنة، يحاول المسلمون أن يستولوا عليها من جديد.
أيها الأحبة: وكما سبق ذكره، بعد أن تولى المسلمون زمام الأمور في بداية الوضع وطردوا الشيوعيين في البداية، عادت من جديد قوى الشر، لتعين الشيوعيين لضرب المسلمين، وكانت نتيجة تلك المواجهات فقط، أكثر من قتل اثنين وعشرين ألف مسلم، وهدم بيوتهم، وانتهاك أعراضهم.
هكذا أيها الأحبة حصل للمسلمين ما حصل، وأصبحت مصيبةً عظيمةً، هرب كثيرٌ من المسلمين وفروا إلى النهر، ولم يجدوا ما يعبرون به، فمنهم من عبر النهر مفضلاً محاولةً فيها احتمال النجاة (١%)، واحتمال الغرق والهلاك (٩٩%)، وإذا علمت أن القناصة الشيوعيين لحقوا المسلمين وقتلوهم وهم يسبحون في النهر، وهم يملكون هذه الأسلحة الدقيقة التصويب، الدقيقة الفاعلية، حيث قتل كثيرٌ منهم وهو هاربٌ والآخر قتل وهو يسبح، وفي أيامٍ جاء شهود عيان وقالوا: إن بعض الأيام يرى فيها النهر يمشي بكتلٍ حمراء من الدماء، وهي دماء الذين قتلوا أثناء هروبهم بالسباحة، أو على قاربٍ صغير، وإن الواحد قد يعدها من الخيال، لولا شهود العيان، ولولا ركبانٌ تواترت أنباؤها وجاءوا بمثل هذه الأمور.
стр. 281
أعمال هيئات الإغاثة النصرانية
أيها الأحبة: هكذا يعيش المسلمون في قسوةٍ أمام بقايا الشيوعية، الذين تعاملوا في أفغانستان، لا تظنوا أن الأوضاع في أفغانستان قد حولت الشعب إلى مسلمٍ، أو إلى شعبٍ مسلمٍ سنيٍ صريحٍ صحيح، بل لا يزال في أفغانستان وخاصةً في بعض مناطق الشمال، شيوعيون تعاملوا مع الروس، وقاموا بمحاصرة المهاجرين من أجل أن يقولوا للجمعيات العالمية إن لدينا لاجئين كثر، فلتهبط طائرات الإغاثة هنا، لكي نطعم هؤلاء اللاجئين، وبالفعل هبطت طائرات الإغاثة، من دولٍ مختلفة لإغاثة هؤلاء اللاجئين، ولكن كان اللاجئون مجرد وسيلة لهبوط الطائرات، ولما أفرغت شحناتها الإغاثية، أخذت مواد الإغاثة وبيعت في الأسواق من جديد، ليعود المسلمون يستسقون الظمأ، ويأكلون الجوع، ويعتصرون الألم.
هكذا يصبح المسلمون ألعوبةً في أيدي هؤلاء الظلمة، ويصبح المهاجرون ورقةً رابحة من حاصرها واستولى عليها نال كثيراً من الإغاثات والمؤن.
أيها الأحبة: إن واقع المسلمين هناك يحتاج إلى لفتةٍ إعلامية، ولفتةٍ إغاثيه، ووقفةٍ إسلامية، وحسبكم قول النبي ﷺ : (مثل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك ﷺ بين أصابعه) ولا يخفاكم قول النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
فإن عضونا في طاجكستان يشكو فهل تداعى له سائر الأعضاء في مختلف البلدان؟! إن عضواً من المسلمين في طاجكستان ينزف، فهل تداعى له سائر الجسد في مختلف البلدان؟ إن عضو المسلمين في طاجكستان يشكو من الجراح والجوع والفقر والألم، فهل تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر؟! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 282
الجهاد في طاجكستان
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: إننا نعلم سراً حقيقياً واضحاً جلياً لمن ألقى السمع وهو شهيد، وهو أن هذه الهجمة المسعورة الشرسة إنما أرادت أن تئد حركة الجهاد من جديد في تلك المنطقة، إن كثيراً من شباب المسلمين قد هجروا حياة الدعة والنوم والراحة، وانخرطوا في حركاتٍ إسلامية في طاجكستان كما انخرطوا في أفغانستان! إن أفغانستان التي تشهد جبالها وهضابها ووديانها على دماء وأشلاء وجماجم كثيرٍ من بلاد المسلمين على مختلف الدول: من الخليج وغير الخليج، من هذه الجزيرة، من هذه البلاد المباركة، ومن بلدان آسيا وأفريقيا قد ذهبوا وجاهدوا في أفغانستان، وإن طاجكستان الآن تشهد وفوداً متتابعةً متواترة لإعادة الأمجاد من جديد على أرض طاجكستان، ومنذُ أيامٍ قليلة قتل سبعةٌ من الشباب العرب، وفيهم جملةٌ من شباب السعودية والخليج، إن هذا لمما يدلل أن في الزوايا خبايا! وأن بني عمك فيهم رماح، وأن شباباً إذا نودوا ودعوا إلى قمم العلياء وذرى المجد تركوا وودعوا وطلقوا حياة الدعة والراحة، وعادوا ليموتوا في سبيل الله، ولو لم يكن لهم إلا نصرة المظلوم -ودفع العدوان يعتبر نوعاً من الجهاد في سبيل الله- لكفاهم ذلك.
قد يقول قائل: ومن يضمن أن تعود طاجكستان دولة إسلامية (١٠٠%) حتى يقاتل شبابنا هناك؟ نقول: إن القتال لإقامة دولةٍ إسلامية على أي بقعةٍ من البقاع إذا واتت الظروف لهو ضربٌ من ضروب الجهاد، وإن القتال أيضاً لدفع العدوان ونصرة المظلوم؛ هو أيضاً نوعٌ من أنواع الجهاد، قتيله بإذن الله شهيد، والمجاهد فيه والمرابط على أجرٍ عظيم.
أيها الأحبة: بكل عبارةٍ صريحة، لم تتلق قضية الطاجيك اهتماماً في الإعلام العالمي، لماذا؟ هل تريد دوائر الإعلام العالمية الضخمة ذات الشبكات والمراسلين المتفرقين في أنحاء العالم أن يبعثوا جذوة الجهاد من جديد؟! لا والله.
بل يتمنون أن ينشروا كل خبرٍ إلا عن الجهاد! وكل حادثةٍ إلا عن المجاهدين! وكل الغرائب إلا عن كرامات الله لعباده المجاهدين! فيا أيها الأحبة! افهموا هذا السر، واعلموا أن الوضع هناك هو نوع جهادٍ في سبيل دفع العدوان ونصرة المظلوم، فإذا أضفنا إلى ذلك أن من اهتم بالقضية الأفغانية دعوةً أو متابعةً أو مشاركة، قد استفاد من أخطائه هناك، لينشر الصواب في طاجكستان، فحينئذٍ تكون تجربةً نافعة بإذن الله.
وإن مما نعلمه أن مما يميز طاجكستان أنها تحت قيادةٍ واحدة، ولا يوجد أحزاب متعددة تتقاسم القوة، أو تتصارع عليها، بل هناك أميرٌ معلومٌ مشهورٌ للمجاهدين، ودونه الضباط والمهندسين وأساتذة الجامعات والمعلمون، كلهم حوله ومشورته، والعسكريون يعملون بأمره، فهذا مما يشجع ويبين أن الانطلاقة تكون واحدة في ظل قيادةٍ واحدة، لنصرة إخواننا هناك.
стр. 283
أحوال اللاجئين الطاجيك
أيها الأحبة: أعود بكم من جديد إلى اللاجئين الذين يعيشون في خيامٍ بالية، لا تقيهم حر الصيف، ولا برد الشتاء القارس، بالرغم من النداءات العديدة، والصرخات والصيحات، فإن جهود الإغاثة لا تزال قاصرةً عن تقديم ما حرموه، حتى ولو على الأقل أن يحصلُ على الخبز فترةً ولو متتابعة، إن مخيمات اللاجئين عبارةٌ عن أماكن يقيم فيها المسلمون، وهي في غاية السوء، وذلك لقلة ذات اليدِ من الأموال، ولا يوجد بها عنايةٌ صحية، أو أدويةٌ أو أغذيةٌ كافية.
والمتأمل في أوضاع اللاجئين يعجب! كيف اهتمت المنظمات العالمية التي تعنى وتعلن وتدعي اهتمامها باللاجئين في أنحاء العالم؛ كيف اهتموا باللاجئين في مواطن كثيرة وأهملوا اللاجئين قصداً وعمداً في طاجكستان؟ وما ذاك إلا ليضطروهم إلى أن يعودوا من جديد للدخول في طاجكستان! هكذا يراد بالمهاجرين الذين هربوا من طاجكستان، يراد بهم في ظل الإهمال، وفي ظل عدم العناية، وفي ظل تجاهل أوضاعهم من قبل كثيرٍ من هيئات الإغاثة والمنظمات العالمية، يريدون أن يضطروهم ليقولوا: ما دام الموت هاهنا على العراء، وعلى جليد الشتاء، وقلة الغذاء والدواء، فلأن نموت في طاجكستان خيرٌ من أن نموت بعيدين عنها، فيضطروهم للعودة من جديد، ومن ثم تنتظرهم بنادق القناصة، وأجهزة الدمار الشامل التي تذبحهم ذبحاً جماعياً، وتتخلص من المسلمين تخلصاً تاماً.
لقد اطلع شهود عيان على حجم المقابر التي يدفن فيها اللاجئون الطاجيك ذويهم وأسرهم وأبناءهم، فوجدوا أن مساحاتٍ غريبة شاسعة كبيرة توضح وتشهد أن عدد الوفيات بين الطاجيك كبيرٌ جداً بسبب انتشار الأمراض والأوبئة، فضلاً عن قيام بعض عملاء الشيوعية بوضع السم في مياه الآبار وبكميات محسوبة للقضاء على المسلمين بالتدريج، المسلمون مستضعفون، والمسلمون مستهدفون، والمسلمون مساكين، ومن لهم إلا الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
إن أكثر من مليون شخص لجئوا إلى الجبال، وتحصنوا بها داخل طاجكستان يتلحفون بالجليد، وليس هناك منظمات دوليةٌ أو إقليمية تقدم لهم يد العون في تلك المناطق التي لجئوا إليها.
لكنهم يفطرون على قصف الطائرات، ويمسون على ضرب المدفعية، وآخرون لجئوا إلى الدول المجاورة الشيوعية، خاصةً أوزبكستان، وغيرها من دول الاتحاد السوفيتي السابق.
стр. 284
الكفر ملة واحدة
أيها الأحبة: إن إخوانكم ينتظرون يد الإحسان لتمتد إليهم، إن إخوانكم ينتظرون من يعينهم في الوقت الذي قامت حكومة الطاجيك الشيوعية تؤيدها حكومة الأوزبك، بتوزيع الأسلحة على الموالين في المنطقة الجبلية للحيلولة دون سيطرة المسلمين على مناطق الجبال، وما زالت كما قلت حملاتٌ ليست من الطيران الطاجاكي الشيوعي، بل حملاتٌ بالطيران من الجيش الأوزبكي: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣].
لما أصيب الشيوعيون الطاجيك بهذه الضربات والمواجهة من قبل المسلمين قام الشيوعيون الأوزبك ليساعدوهم ويساندوهم بطيرانهم وأسلحتهم وكل ما لديهم؛ فيا ترى هل يقف المسلمون أمام ومع المقاومة الإسلامية التي ما زالت مستمرةً في الجبال؟ وإني أبشركم بما لقيناه من سفراء إخوانكم -لقيناهم هنا- وبما قرأناه من رسائل بعثوا بها إلينا، يقولون: إننا مصممون على مواصلة القتال أمام الطاجيك أشد وأطول من تصميم الأفغان، يوم أن طردوا الروس وأخمدوا الشيوعية! وهذه بشارةٌ عظيمة.
إن الأفغان بدءوا بزجاجات الموليتوف الحارقة، زجاجةٌ مع قليلٍ من المواد الغازية والبنزين يضربون بها الدبابة، وخناجر مثلمة، وسيوفٍ قصيرة، وبنادق صيد لا تحمل إلا طلقةٌ أو طلقتين، وها هم الآن يتربعون على الطيران والمدفعية، ويطيرون بالطائرات التي يقصفون بها، ويركبون المروحيات التي كانت تطاردهم وتمشطهم سابقاً، ويمشون على الدبابات التي حاصرتهم زمناً طويلاً: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥].
من أراد وجه الله وجاهد في سبيل الله فستكون له الدولة والغلبة بإذن الله جل وعلا، فإن إخوانكم في طاجكستان قد عقدوا الخناصر، وتعاهدت أيديهم، وصدقت قلوبهم بإذن الله على مواجهة الشيوعية حتى يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وإنهم ليرون ضغوطاً أجنبيةً غريبة على حكومات مجاورة من أجل أن تمتنع تلك الحكومات المجاورة من مساعدة اللاجئين، خشية أن ينفجر الجهاد من جديد في طاجكستان.
إن مواقع العالم الإسلامي ملتهبة، ويوشك أن يلتقي الماء على أمرٍ قد قُدر، يوشك أن تنفجر حركاتٌ جهاديةٌ من جديد، في خمس أو سبع مواقع في العالم، ليلتقي المسلمون على قلبٍ واحد في يومٍ من الأيام.
هذا ما يخافه الغرب، وهذا ما يخشاه الكفار: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠].
وإنكم لا تطئون موطأً يرضي الله إلا أغاظهم، ولا تمشون خطوةً في سبيل الله إلا أحرقت قلوبهم، فتقربوا إلى الله بالوقوف أمام الكفار، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤].
стр. 285
صورة لحجم معاناة المسلمين الطاجيك
أحبابنا: أما أطفالنا، أما أبناء إخواننا المجاهدين، أما فلذات أكباد الطاجيك الأطفال، فإن حالات الوفيات اليومية متتابعة، نظراً لسوء التغذية، وكثرت حالات إجهاض الحوامل لنقص التغذية، وأكثر الأمراض انتشاراً: الحصبة والدفتيريا، والتهاب الكبد، وإن كثيراً منهم لبأمس الحاجة إلى مواقع مؤقتة ولو من الجريد وغيره، حتى يجتمع فيها الأطفال، فيتعلموا كلام الله ورسوله، ويتعلموا أمور الدين، قبل أن تتربع بينهم الجمعيات التنصيرية، فتعلمهم التنصير والعياذ بالله.
فيا أحبابنا عليكم بمساعدة إخوانكم، فإنهم يحتاجون للباس والطعام والغذاء والدواء والسلاح، والمشاركة بالنفس وبالمال، فاستعينوا بالله، وإذا علمتم أن دوائر غربية قدمت واحداً وثلاثين مليون دولار لمساعدة المهاجرين الطاجيك الذين وصلوا إلى أوزبكستان! وهل واحد وثلاثين مليون دفعت حتى يحافظ على أبناء المسلمين؟! إذا كان القصد المحافظة فلماذا يقتلون بالطرف الآخر؟! دفع واحد وثلاثون مليوناً من أجل أن ينصروا، من أجل أن يقولوا إن الله ثالث ثلاثة، من أجل أن يقولوا: المسيح ابن الله، من أجل أن ينصروا ولا يعترفوا بمحمدٍ رسول الله ﷺ ! فيا أحبابنا: إنهم ينتظرونكم، وتعلمون الحديث: (أن رجلاً زار أخاً له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكاً فقال الملك للرجل: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في الله، فقال الملك: وهل لك من نعمةٍ تردها عليه؟ قال: لا، ولكنني أحببته في الله) فهل منا من يزور إخوانه الطاجيك في الله؟! هل منا من يمشي خطواتٍ يحتسبها لوجه الله بما يحمل من علمٍ أو طبٍ أو صيدلة، أو هندسة أو تجربة، أو تدريب ليساعدهم فإنه سيكون له أجرٌ عظيم بإذن الله جل وعلا.
следующие страницы →