Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
حال السمع والبصر واللسان في رمضان
العاقل -أيها الأحبة- يعصم سمعه ولسانه وبصره: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦].
فكم من رجل يدرك هذا الشهر، فيصوم بفمه عن الطعام والشراب، ولا يصوم لسانه عن القيل والقال، ولا يصوم عن الغيبة والنميمة، يتسحر ويفطر ليهدي أجر صومه إن ثبت له أجر الصوم، ليهديه إلى الذين يغتابهم، وإلى الذين يتكلم في أعراضهم، وكثير من الناس بهذا يقعون وفي هذا يشتغلون.
فالعاقل يعصم لسانه وبصره، فما أكثر الذين يصومون عن المأكل والمشرب والمنكح، ولكن آذانهم لا تصوم عن سماع اللهو، ولكن أعينهم لا تصوم عن النظر إلى الحرام! وتراهم حتى في شهر الصيام يشترون لهو الحديث، ويضلون أنفسهم، ويضلون من دونهم بغير علم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥].
إن كثيراً من الناس ربما تراه في نهار رمضان صائماً، ثم ينظر إلى قناة من القنوات، تلك التي يستقبلها جهاز الدش أو المستقبل، ثم يرى شيئاً يُستهزئ فيه بكلام الله، ويُستهزئ فيه بسنة رسول الله، ويسمع فيه ما يناقض العقيدة والشريعة، فتراه لا يزيد أن يقلِّب يداً على الأخرى، أو يضع رجلاً على رجل وقد نسي قول الله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٤٠].
فما أكثر المسلمين اليوم الذين يرون عبر هذه القنوات أموراً فيها استهزاءً بآيات الله أو بشريعة الله أو بسنة رسول الله، ولكنهم لا يقومون ولا يتحركون ولا يتجافون أو يبرحون هذا المكان! وإنما تراهم على منكرهم يقعدون ويمكثون، فأولئك والله على خطر عظيم، أن ينالهم نفس الوزر الذي يناله الفاعلون؛ لأن من رضي وسكت وأقر فيما يسمع ويرى من غير أن يقوم وينكر بقلبه على الأقل؛ فربما كان وشيكاً أو حقيقاً بأن يدخل في هذا الوزر العظيم.
أما كثير من المسلمين الذين لا يتورعون عن سماع اللهو والغناء، سواءً في رمضان خاصة وفي غيره عامة، فنقول لهم: يا عباد الله! أبهذا يستقبل الشهر؟ أبهذا يتقضى العمر؟ أبهذا يقضي المسلم سحابة يومه؟ يسمع الأغاني الماجنة والأغنيات الخليعة والدندنة والطنطنة التي تشغل عن ذكر الله والتي تصد عن استماع كلام الله؟ ورحم الله القائل: فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا! وكم من حر أصبح بالغناء عبداً للصبيان والصبايا! وكم من غيور تبدل به اسماً قبيحاً بين البرايا! وكم من ذي غنىً وثروة أصبح بسبب اللهو على الأرض بعد المطارب والحشايا! وكم من معافى تعرض لهذا اللهو فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا! وكم أهدي للمشغوف من أشجان وأحزان فلم يجد بداً من قبول تلك الهدايا! وكم جرع من غصة! وأزال من نعمة! وجلب من نقمة! وذلك منه إحدى العطايا! وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة وغموم متوقعة وهموم مستقبلة! نعم يا عباد الله! إن اللهو وسماعه، والحرام والنظر إليه، والمعصية والاشتغال بها، تورث ذلك كله، فالعاقل يصون صومه، ويصون جوارحه في صيامه: (فمن لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).
стр. 2382
كيف نستقبل شهر رمضان
عباد الله: الواجب علينا أن نستقبل الشهر بترك الذنوب الواجب علينا أن نستقبل الشهر بالتوبة إلى الله ؛ إذ إن كثيراً من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، ولكنهم لم يفهموا هذا الأمر فهماً جيداً، فضيعوا أمر الله احتجاجاً برحمته، ووقعوا في الكبائر والفواحش احتجاجاً بلطفه، ونسوا أن الله شديد العقاب، كما أنه غفور رحيم، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على عفو الله مع إصراره على معصية الله فهو كالمعاند.
قال بعض السلف: رجاءك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق.
وقال بعض الناس للحسن: نراك طويل البكاء، قال: [أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي].
فهذا الحسن البصري من العلماء العباد والزهاد والمحدثين، هذا عظيم خوفه وجليل إشفاقه من الله ، مع أنه لم يقترف من الذنوب ما اقترفه السفهاء، ولم يقع في المعاصي كما وقع فيه الأغبياء والجهلاء، بل سيد الخلق ﷺ بُشر بالجنة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان إذا رأى في السماء لوناً أو تغيراً؛ تغيَّر وجهه واصفر لونه ﷺ ، ويقول: (اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً).
وإذا كسفت الشمس أو خسف القمر؛ ظهر ﷺ من حجرته يجر رداءه خوفاً ووجلاً وإخباتاً وخشوعاً وخشيةً من الله أن يحل بالخلق ما يحل بهم، فما بالنا نحن معاشر الذين جمعنا مع الذنوب أملاً عظيماً ومع التفريط رجاءً واسعاً؟ فنعوذ بالله أن نكون من الذين يقع فيهم أو يحل فيهم أمر الله وقوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
سأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد! كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تنقطع؟ فقال: [والله لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تدرك أمناً، خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف].
وقال ﷺ : (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه -أي: يعطي العبد ما يحب- فإنما هو استدراج، ثم تلا قول الله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤]).
فالعاقل -يا عباد الله- يحاسب نفسه وينتبه ويعد للأمر عدته، ويحذر أن تكون هذه المعاصي قد جعلت على قلبه طبقة من الران، فأصبح كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2383
محاذير تقع في رمضان
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
стр. 2384
الترف والإسراف
أيها الأحبة في الله: إن كثيراً من المسلمين هداهم الله، يقعون في محاذير ينبغي السلامة منها في هذا الشهر العظيم خاصة، فمن أهمها: الترف الذي يحصل والإسراف الذي يقع في المآكل والمشارب على موائد الإفطار والعشاء، فإن هذا شهر عبادة وليس شهر مهرجان للطعام والشراب، وليس شهر منافسات أو مسابقات لاختيار الأذواق والأطعمة، إنما هو شهر عبادة (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) وكثير من المسلمين يتفننون في هذه الأطعمة، إننا لا نحرم أن يطهي الإنسان ما يحب ويشتهي، ولكن نقول: الحذر الحذر من أن يبلغ الأمر إلى حد الإسراف والتبذير.
فكم من مسلم مر بزبالة فرأى فيها ألوان الطعام والشراب قد اختلطت بالنجاسات وغيرها، أفهذا من شكر نعم الله؟ أفهذا من حمد الله أن بلغنا الشهر، ونحن أعزة، وغيرنا في مذلة! ونحن في أمن وغيرنا في مخافة! ونحن في نعيم وغيرنا في مجاعة! ونحن في اجتماع وشمل وغيرنا في تفرق وتمزق! ونحن في منعة وغيرنا تتخطفهم السهام من كل جانب! ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧].
فيا عباد الله: الواجب علينا القصد في المعيشة كلها، لأن المقصود من الأكل عند الإنسان أن يكون الطعام والشراب بلغة إلى الآخرة ومعيناً على عبادة الله.
نعم إن الحيوان والبهيمة نهمته ورغبته إشباع غريزة الأكل التي خلقت فيه، ليسمن ثم ينحر ليأكله أهله وأصحابه.
أما الإنسان فما يأكل ليسمن كما تسمن البهائم، وإنما يأكل ويشرب من أجل أن يكون الطعام بلغة إلى طاعة الله .
فينبغي أن نفهم المقاصد في كل ما شرع لنا، وفي كل ما أوتيناه من نعم الله ، والحذر الحذر من أن يكون همنا الرغبة في الدنيا بكل ما فيها.
إن طائفة من البشر لا هم لهم إلا الملذات ولا غير الشهوات ولا غير رغبات النفوس ولا غير شهوات النفوس ولا غير المهم اللذة في المأكل والمشرب والفراش والغدو والرواح المهم اللذة سواءً وافقت طاعة أو معصية وذلك من الإعراض عن رحمة الله ورجاء ما عند الله، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨].
فنحن أيها الأحبة: نأكل ونرجو رحمة الله، ونشرب ونرجو رحمة الله، ونغدو ونروح نرجو رحمة الله، وننام ونستيقظ نرجو رحمة الله، ينبغي ألا يفارقنا رجاء لقاء الله، ورجاء رحمة الله .
стр. 2385
التهاون في أمر السحور
إن من المحاذير التي ينبغي السلامة والحذر من الوقوع فيها من كل مسلم هو أن نعتني بأمر السحور؛ فإنه سنة ثبتت عن النبي ﷺ حيث قال: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة).
إن في السحور بركة، هدية عظيمة وبركة عميمة، يقولها النبي ﷺ ، ينطق بها عن وحي يوحى، وما هو من الهوى.
وكثير من المسلمين اليوم جعلوا طعام منتصف الليل هو مائدة طويلة عريضة، ويجعلونها هي خاتمة المطاف ثم ينام الكثير نومة يدع فيها لقمة السحور، ولو أن المسلم تفطن لذلك؛ لوجد أن في اليقظة للسحور سر ومعنى وبركة، فيما أخبر به النبي ﷺ وليكون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨].
أن تنال الشرف بمتابعة النبي ﷺ ، وتنفيذ نص أمره ﷺ ، مع ما ينالك من التسبيح والاستغفار في لحظات السحر لتكون من الذاكرين الله كثيراً، إن هذا أمر عظيم ينبغي أن ننتبه إليه.
стр. 2386
التهاون في صلاة التراويح
كذلك أيها الأحبة: الله الله في صلاة التراويح، فإن كثيراً من الناس لا يبرح أن يسلم التسليمة الثانية عن يساره بعد صلاة العشاء، ثم يطلق ساقيه للريح، يخشى أن يكون زبوناً قد سبقه أو سبق إلى دكان جاره، وكلها نصف ساعة، ما بين ركوع وسجود وقنوت وقيام، ينال فيها العبد إجابة دعوة، وتعظيماً وتسبيحاً، وقبولاً ورحمة، في ركوع وسجود ووتر وقنوت.
فالله الله لا تضيعوا صلاة التراويح، فقد صلاها النبي ﷺ ، وصلى الناس بصلاته، ثم صلاها وفعلوا مثل ذلك، ثم احتبس في بيته ولم يخرج لهم، فقالوا: يا رسول الله! هلا نفلتنا بقية شهرنا، فقال وهو الرءوف البر الرحيم بأمته: (خشيت أن تفرض عليكم) ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
الرسول ﷺ شرعها لنا وصلاها وصلى الصحابة بصلاته، ثم عاد إلى بيته يصليها خشية أن تفرض على الأمة، فيكون ذلك من المشقة، وما المشقة -أيها الأحبة- على القادر المستطيع عليها؟ إنها تشريع لكي نتسابق فيه، وإنها رحمة من النبي ﷺ فقد خاف أن تفرض على الأمة.
стр. 2387
التسابق إلى المساجد على حساب الفريضة
ومن المحاذير التي يقع فيها كثير من الشباب والمسلمين هداهم الله، أنهم يتسابقون إلى المساجد يتذوقون الأصوات، ولا حرج ولا بأس، ويا حبذا الصوت الجميل بكلام الله ، ولكن ليس على حساب الفريضة.
تجد أناساً يقضون العشاء ويصلون العشاء وقد فاتتهم، وقد خرجوا من أماكن بعيدة، ليدركوا صلاة التراويح في مسجد من المساجد، فيضيعون الصلاة مع الجماعة.
الصلاة الصلاة يا عباد الله، فضل تكبيرة الإحرام مع الجماعة الأولى، وفضل إدراك الجماعة يعدل التراويح كلها، فلا تضيِّع أمراً جليلاً ولا تضيع أمراً فاضلاً بأمر مفضول، فالحذر من الوقوع في هذا الأمر.
كذلك أيها الأحبة: من الجميل جداً، والطيب جداً ما نراه في أن كثيراً من المسلمين قد جعلوا جوار كل مسجد مكاناً يفطر فيه الصائمون، خاصة إخواننا وأحبابنا العمال الذين يشتغلون بالعمل، والسعي لأجل لقمة العيش وهنيئاً لهم إنهم يمسون ويبيتون بإذن الله ورحمته مغفوراً لهم: (من أمسى كالاً من عمل يده، أمسى مغفوراً له).
فحقهم علينا -وإكرام المسلمين واجب- أن نعد لهم طعاماً وشراباً وعشاءً، لكي يأووا إلى هذه الأماكن، فيجدوا الرحمة والتكافل والمحبة والمودة والمؤاخاة بين المسلمين.
وإنها سنة حسنة قد انتشرت في كثير من المساجد، فينبغي لكل مسلم إذا رأى أن مسجدهم ليس حوله من هذا الأمر الحسن شيء؛ فعليه أن يدعو جماعته أن يعدوا تفطيراً لجائع وإكراماً لمسلم: (ومن فطر صائماً؛ فله مثل أجره لا ينقص من أجر الصائم شيئاً).
إن في تفطير الصائم -أيها الأحبة- وإطعام الطعام سبب لدخول الجنة، قال ﷺ : (أيها الناس! أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام).
стр. 2388
التساهل في الكلام والنظر إلى الحرام
أيها الأحبة: من كان يريد أن يتلذذ بكلام الله ، من كان يريد حلاوة القرآن في سمعه وحلاوة القرآن في قلبه؛ فعليه أن يترك فضول الكلام وفضول النظر.
إن بعض المسلمين هداهم الله تجده بعد أن قضى سحابة نهار طويل في النوم، وقام وقد فاتته الفريضة في الظهر والعصر، ثم يجلس أمام التلفاز ليشاهد أفلاماً ضاحكة ساخرة وسخيفة ومشاهداً ليست مما يليق بأمر شهر الصيام، ثم بعد ذلك يأوي إلى الصلاة يريد أن يبكي من آية الوعد والوعيد، يريد أن يخشع، هيهات هيهات! وأنى له الخشوع والبكاء! وهو حينما يريد أن يكبر ليدخل في الفريضة والتراويح، يعود الشريط بالذاكرة ليعرض أمام عينيه ما رآه عصر يومه، أو ظهر يومه، أو مغرب يومه، من أفلام ساخرة أو ضاحكة أو سخيفة.
إن العاقل إذا أراد أن يحتفظ ويتلذذ بالخشوع فعليه أن يغض طرفه، ويحفظ سمعه، ويحفظ لسانه.
اترك فضول الكلام؛ توفق إلى الحكمة، واترك فضول النظر؛ توفق إلى الخشوع.
فمن أراد الخشوع وكان يشكو قسوة القلب، ويرى الناس من حوله لصدورهم أزيز ونحيب وبكاء، وهو يرى قسوة لنفسه ولقلبه من بينهم، نقول: قلِّب الأمر في بصرك، وقلِّب الأمر في سمعك، فلعلك تنظر في هذه الأمور وهذه الملهيات مما يحجبك عن لذة الخشوع والإنابة والخضوع.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم عليك بمن سعى في إيذاء أوليائك، اللهم عليك بمن آذى المسلمين في كل مكان.
اللهم عليك بالصرب والروس واليهود، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وأرنا فيهم عجائب قدرتك.
اللهم من صد عن دينك، اللهم من صد عن سنة نبيك، وصد عن صحابة نبيك، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم مزقه كل ممزق، اللهم لا ترفع له راية، واجعله لمن خلفه آية.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وحكامنا وعلماءنا ودعاتنا، ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً.
اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، اللهم اجعل كل ذلك في طاعتك يا رب العالمين.
اللهم ارحم إخواننا المستضعفين في البوسنة والشيشان وفي كل مكان، واجمع شملهم في أفغانستان، وانصرهم في طاجكستان يا رب العالمين.
اللهم إنهم جياع فأطعمهم، وظمأى فاسقهم، وحفاة فاحملهم، ومتفرقين فاجمع شملهم، اللهم أقم على الحق والشريعة دولتهم، اللهم انتقم لهم ممن ظلمهم، اللهم عجل بطشك بمن عاداهم يا رب العالمين.
اللهم اغفر لنا ولأمهاتنا وآبائنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم جاز الجميع بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً.
اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، وأعنا على قيامه وصيامه، اللهم حبب إلينا الطاعة فيه وفي كل شهر، اللهم بغِّض إلى نفوسنا المعصية فيه وفي كل شهر يا رب العالمين، واجعل حظنا منه القبول يا حي يا قيوم.
اللهم صلِّ على نبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله، ﷺ تسليماً كثيراً.
стр. 2389
ماذا يحدث على أرض الشيشان ؟
إن لنا إخواناً في بلاد شتى يعانون الجوع والخوف والفقر، وينتظرون الموت في كل لحظة، ومن هذه البلدان الشيشان، وهي البلاد التي عانت الأمَرَّين من الروس الشيوعيين والنصارى الحاقدين الذين يريدون إبادة الإسلام وأهله، وقد قاموا بذلك مراراً وتكراراً، ولكن يأبى الله إلا أن ينصر جنده ويخذل أعداءه ولو كره الكافرون.
стр. 2390
غمط المسلمين وحقوقهم
الحمد لله وحده لا شريك له، الحمد لله القائل: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] والقائل عز شأنه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤] والصلاة والسلام على رسوله وسيد أنبيائه ورسله وخلقه، محمد بن عبد الله القائل: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) والقائل ﷺ : (ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا).
أحمد الله سبحانه حمداً يليق بجلاله، وأثني عليه الخير كله، وأزكى الصلوات والتسليمات الطيبات المتتابعات، على نبي الرحمة وإمام الهدى.
ثم أما بعد: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
معاشر المؤمنين: في هذا العصر تتكشف أقنعة الممثلين والمزورين، الذين يدعون الوقوف إلى جانب العدل والحرية، ولكن شرط انكشاف الحقيقة أن تكون القضية متعلقة بالمسلمين، فإن كان الأمر متعلقاً باليهود أو بالنصارى أو بأعداء المسلمين على أي ملة أو فرقة، وفي أي موقع وجهة، فلك أن ترى العدل والمساواة والحرية وحقوق الإنسان، وأما إذا تعلقت القضية بالمسلمين، الذين يقولون: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهدون أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، فحينئذ ستنكشف الحقيقة، ويظهر لك تزوير العدالة، وتعتيم الحقيقة، وتضليل المساواة، وهراء دعوى حقوق الإنسان.
أيها الأحبة: في هذه الفترة يقطع المسلمون بيقين أن الأعداء من اليهود والنصارى ومن تابعهم وشايعهم ووافقهم، لا يكفيهم من المسلمين ولا يرضيهم إلا أن يروا المسلمين قطعاناً مسخرة في أرض الكفر، مستعبدين لا يعترضون على جور، ولا يطالبون بحق ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
واسمحوا لي أن أنقلكم نقلة إلى أرض ملتهبة على سطح جليدي بارد، حيث الجمهوريات الإسلامية، وما أمرها عنكم بخفي، لقد طالبت جمهوريات المسلمين باستقلالها وطالب غيرهم، فنالت لتوانيا وغيرها، وكل جمهورية نصرانية أو ملحدة أو وثنية نالت استقلالها فوراً، وعلى ترحيب سريع ومبادرة واتفاق لم تطلق في سبيل ذلك طلقة، ولم يعجم لذلك فم، ولم يكتم في ذلك نفس، وإنما نال الكفار حقوقهم بمجرد الطلب، بل بالإشارة.
لقد طالبت جمهوريات المسلمين باستقلالها، بعد تهلهل الاتحاد السوفيتي وبعد سقوطه، وبقي الاتحاد الروسي فنال كل نصراني حقه، وتبوأ كل يهودي موقعة، بكل قناعة وعدالة ديمقراطية نسبية، لكن هذه الديمقراطية الفضفاضة لم تتسع للمسلمين، بل ضاقت جنباتها، وشرغ حلقها بنفس المسلمين وريقهم.
لقد ضاقت هذه الديمقراطية بحق أدنى مسلم، أو أصغر مسلم يريد أن يبني مسجداً يركع ويسجد لله فيه، وضاقت جنباتها على كل مسلم يلتمس مصحفاً يتدبر فيه كلام الله، أو يربي ولده على هدي نبيه ﷺ ، وضاقت جنباتها بكل المسلمين، أو بأي جماعة من المسلمين حينما يريدون أن يحكم حياتهم شريعة ربهم .
ولا أخالكم الآن تفكرون إلا في قضية الشيشان والبوسنة والهرسك بالتبع، ويلحقها قضايا المسلمين الأخرى في كل مكان، لماذا يرفض الغربيون الكذب والخداع، وتظهر الفضائح في وكالات الإعلام الغربية لكل من خادع الشعوب الغربية؟ يرفض الغربيون الكذب والخداع في إطار مصالحهم، ويشنع إعلامهم وتنبح صحافتهم على كل من خدعهم، في استراتيجياتهم ومستقبل مصالحهم، لكن هذا الإعلام النابح لا يتردد عن أن يعتم عن الحقائق ويضلل المعلومات حينما تمت إلى المسلمين بأدنى صلة.
стр. 2391
شدة عداوة الروس للمسلمين
لقد أعلن الروس أنهم لا يعادون الإسلام والمسلمين، في وقت كانت الدبابات تسحق أطفال المسلمين، والمجنزرات تطوي أبدان العجائز والشيوخ بين جنباتها، والطائرات تقصف بيوتهم في أرجون وقروزني، ولم يكف الزعيم الروسي عن الدجل والكذب، مدعياً أنه أصدر أوامره بوقف القصف والزحف على الشيشان، في الوقت ذاته كانت المحطات الفضائية تبث مشاهد المذبحة والاجتياح الشرس.
قد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هي
لقد مرت الإبادة القيصرية والماركسية وقهرت المسلمين في أذربيجان وطاجكستان، بمساعدة الأرمن النصارى، والشيوعيين واليهود، وانتهت بسقوط الاتحاد السوفيتي، ولن يعي الأغبياء في الاتحاد الروسي تلك النهاية الناطقة بوحدانية الله وقدرته، حيث ظن المسلمون واستبعدوا سقوط الاتحاد السوفيتي، وظن الشيوعيون أن حصونهم وسلاح الدمار الشامل، وكل ما ادخروه لمواجهة حلف الأطلسي، ظنوا أن ذلك يمنعهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، ورأى المسلمون فيهم آية من أعظم الآيات.
سقطت الشيوعية بأيدي رجالها، وتحطم الصنم وهوى تمثال لينين، وبالت فوقه الكلاب والقطط، إن الاتحاد الروسي لم يع هذا الدرس، ولم يعتبر بتلك النهاية، فعاد يدعم الصرب المعتدين بالسلاح والجند جهاراً نهاراً، غير مبال بأي قرار دولي يحضر السلاح في المنطقة، وغير خاف على كل متتبع لأخبار المسلمين، أن آخر هدية قدمها الروس لإخوانهم الصرب أربعة آلاف عربة قطار، مملوءة بالذخائر والأسلحة والعتاد، ناهيك عن الطائرات التي نقلت الجند لأجل حصار بيهاتش، ونزعها من يد المسلمين بعد أن حررها المسلمون.
لم يقف أولئك الظلمة على هذا الحد، بل جندوا كل المرتزقة في حرب المسلمين في الشيشان، ومنذ أيام قليلة وقف العالم بأسره ليشاهد الفصل الأخير للنهاية الشيشانية، ظناً من الغرب ويقيناً من الروس، وجزعاً من المسلمين، أن الهجوم الشامل على الشيشان، والتعبئة العامة في مواجهة المسلمين لن تدع لهم بعد ذلك عيناً تطرف، ولن تدع لهم فرصة للمواجهة، سواء بضع ساعات، وكما يسمونها رقصة الديك أو حركة الانتحار.
ففوجئ الروس أن صوتاً إسلامياً صادقاً، ونزعة جهادية طالما اشتاقت لمواجهة الكافرين في ساحة من ساحات الجهاد، قد انبعثت بين ذرات الهواء ونسمات الأفئدة، وتحركت من تحت أنقاض المدن المقصوفة، وإذا بزعيم يخرج للحرب لابساً كفنه، والجيش من ورائه قد لبسوا الأكفان، وهذا هو الذي وقع قبل أيام على حدود قروزني العاصمة الشيشانية، خرج القائد متكفناً لا يريد إلا الموت، وخرج الجند وراءه بالأكفان، لا يريدون إلا الموت، مع تكبير يرجف الأرض رجفاً، ويدوي بين الجبال.
وإذا بكتيبة من عملة المجاهدين الصعبة الشباب العرب قد انضمت إليهم بين عشية وضحاها، تسللت ولاذت وتحركت من طاجكستان ومن البوسنة ومن كل أرض فيها نفوس أبية تتمنى الموت في سبيل الله، فراع هؤلاء الكفار ذلك التكبير والنشيد، نشيد الغرام والحب والشوق إلى الموت والشهادة في سبيل الله، يقول قائلهم ويرددون وراءه:
لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما
لبيك إن عطش اللواء سكب الشباب له الدماء
لبيك لبيك لبيك.
في هذه الأيام تقدم الروس إلى العاصمة الشيشانية، وكأنهم يرددون ما قاله أبو جهل يوم بدر: لنقاتلن محمداً وصحبه، فلنقتلهم ولننحرن الجزور بأرضهم، فتغني القيان، وتسقينا الخمر، وتسمع بنا العرب، فلا تزال تهابنا الدهر أبداً، خرج الروس إلى الشيشان ينفقون أموالاً ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] خرجوا بطراً ورئاء الناس، لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولما تقدموا خطوات إلى العاصمة الشيشانية قروزني راعهم وهالهم جيش حداؤه التكبير، وأمنيته الشهادة، وحل بالروس ما لم يكن في حسبانهم، وبدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون.
حل بالروس مذبحة طالما اشتقناها لتشفى صدورنا -يا عباد الله- طالما اشتقنا في الكفار ذبحاً وقتلاً، ودماء ونزيفاً يشفي صدورنا من كل عرض اغتصب، ومن كل طفلة انتهكت، ومن كل امرأة تعاقب عليها الكفار في عفتها، ومن كل مسلم طردوه من بيته، وأحرقوا زرعه وسلبوا ماشيته، من كل شاب عفيف فعلت به الفاحشة، طالما اشتقنا إلى مذبحة، يشفي بها الله صدورنا وقلوبنا من هؤلاء الكفار.
حل بالروس مذبحة لن تبلغ وكالات الإعلام الدولية نصف وصفها بل ولا ربعها، ثم طفق المسلمون الشيشان مسحاً بالسوق والأعناق في رقاب الروس وأقدامهم، وانضمت كتائب العرب يرسلون من كل حدب إلى الشيشان، ورأى الروس نار المعركة فظنوا أنهم مواقعوها، ولم يجدوا عنها مصرفا، وفي تلك اللحظات يفيق الروس لحظة من سكر التسلط والقهر، ليسمعوا من يهودي يدعى كيسنجر قوله: إن المضي في هذا الهجوم قد يسقط الرئاسة الحالية.
ولو شاء لقال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] إن المضي في هذا الهجوم يثير حفيظة المسلمين من جديد.
إن احتدام النار في جوف الثرى أمر يثير حفيظة البركان
ثم امتنع ستة من الجنرالات عن مواصلة المعركة، وتدخل خنزير نجس من الغرب لينصح الروس بعدم المضي في هذا الطريق، الذي يفجر الجهاد ويستثير حمية المسلمين كلهم، وربما اندلعت عدوى الجهاد إلى الأنقوش والقوقاز وإلى كل مكان، نصح ذلك الخنزير قومه وأولياءه بعدم المضي في هذا الطريق، الذي يفجر على الأرض موقعاً جديداً.
أيها المسلمون: بشروا القاتل بالقتل ولو بعد حين، لقد تفرج الطواغيت على رحلة الهروب وهم يضحكون، تفرجوا على رحلة الهروب من الجحيم إلى الموت، هروب العجائز والشيوخ والأطفال والنساء، ووقفوا يقهقهون على صور النائحات والثكالى على أبنائهم، تحت أنقاض المنازل بعد القصف، وما هي إلا أيام ثم دارت رحى الحرب من جديد.
وفي القتلى لأقوام حياة وفي الأسرى فدى لهم ورق
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2392
الحث على الدعاء للمسلمين في الشيشان والبوسنة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها.
معاشر المؤمنين: قد يقول قائل: ليس الحدث بجديد، فلماذا تسوقه؟ فأجيبه: نسوق هذا الحدث حتى نبذل أقوى وأشد وأفتك سلاح نملكه وهو الدعاء ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].
أسوق حدثاً ربما فيكم من هو أدرى به مني، من أجل أن نطالبكم ونناشدكم ونسألكم دعوة واحدة في كل سجدة لإخوانكم المسلمين في الشيشان وفي البوسنة وفي كل مكان، فلن تعدم الأمة من شخص تجاب دعوته، نسوق هذا الحدث حتى نزداد قناعة باليأس، ونزداد يقيناً بالتشاؤم من كل نظام لا يحكم بالإسلام.
فلا ترج السماحة من خبيث فما في النار لضمآن ماء
القلوب والتشاؤم ندعو إليه من كل نظام لا يحكم بالإسلام، فليس للإسلام والمسلمين رحمة ولا عدالة، ولو ادعى العدل والحرية ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران:١١٩] تلك الأنظمة: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] تلك الأنظمة: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥] تلك الأنظمة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩].
стр. 2393
شتان بين الفريقين
نسوق هذه الحادثة لنعلم أن فجر المسلمين قادم، ولكن من أين؟ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] لنعلم أن فجر الإسلام قادم، وأن ساعة الصفر باتت وشيكة، وأن أمة الإسلام تتجاذبها سنن الله من كل جانب، حتى يلتقي الماء على أمر قد قدر، إن فجر الإسلام قادم، فقد يكون من مهبط الرسالة، وقد يكون من أرض الأعاجم، وقد يكون في أرض الزنج، وقد يكون في أفريقيا ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤].
وليس بين بلاد وبين الله نسب إلا بالتقوى، وشرفنا وعزنا وأمنيتنا أن نكون أهل هذا الشرف، قادة الركب وهداة الأمة ولكن ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] ليست المسألة بالأماني وإنما هي لمن أمهرها أرواحاً وعقولاً وأموالاً ودماء، وإن نتولى أو ننكص على أعقابنا، أو نرجع القهقرى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
ونسوق هذه الحادثة، لنعلم أن الإسلام إذا دخل المعركة تغيرت الموازين واختلفت الحسابات.
إن المخططين العسكريين، والحسابات العسكرية، مبنية على تصور معركة بين فريقين أو فرق، كل فريق ينافح ويناضل ويقاتل من أجل الحياة، أما إذا دخل الإسلام المعركة، فإن الحسابات تتبدل وتتغير؛ لأنها حسابات لفريقين، أحدهما يتمنى الموت ويشتاق للشهادة، كما ودع الصحابة من خرجوا لغزو الروم، فقال أحدهم لـ عبد الله بن رواحة: ردكم الله سالمين، فقال ابن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وطعنة ذات فرغ تقذف الزبدا
وضربة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جسدي يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
الحسابات حينما يدخل الإسلام المعركة، فإنها بين فريقين: فريق يريد الحياة بنعيمها الزائل، وشبابها المنتهي بالهرم، وصحتها التي يعقبها السقم، وعزها الذي يكدره الذل، وغناها الذي يشوبه الفقر، في مواجهة فريق يدخل المعركة، وهو يريد جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يريد جنة فيها خلود ولا موت، يريد جنة لا يجدون فيها ظمأ ولا سقماً ولا ألماً ولا هرماً.
نسوق هذا هدية لكل شاب نشيده:
فيا رب إن حانت وفاتي فلا تكن على شرجع يعلى بخضر المطارف
ولكن أحن يومي شهيداً بفتية يصابون في فج من الأرض خائف
عصائب من شيبان ألف بينهم تقى الله نزالون عند التزاحف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
أيها الأحبة في الله: إن الشيوعية ولت، وبقي أذنابها في أخاديد من الأرض، فسلط الله عليها من سلط حتى انتهت، إن الشيوعية أرض بلا سماء، ويوم بلا غد، إنها الشيوعية ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩]، إنها الشيوعية: سعي بلا غاية، وعمل بلا نتيجة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، اللهم يا ودود يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد! اللهم يا منزل الكتاب، ويا هازم الأحزاب، ويا منشئ السحاب، أسألك اللهم أن تنزل بأسك وبطشك وعقابك وعذابك وأليم بأسك بالصرب والروس واليهود ومن شايعهم، بقدرتك التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، اللهم أنزل بهم بأسك وعجل هلاكهم، اللهم أهلكهم بريح صرصر عاتية، وأهلكهم بالطاغية، ولا تجعل لهم باقية.
اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم غاية، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم يا قوي يا عزيز.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2394
معاكسة البنات
أضحت معاكسة البنات عند كثير من الشباب الفارغين اللاهين، هي ما يقضون فيه وقت فراغهم، وكانت النتيجة هي أن ضحت الفتاة بعرضها وجلبت العار لأهلها.
فهذه الخطبة نصيحة إلى كل من تخاف العار وإلى كل من يخشى الخزي والشنار في الدنيا قبل الآخرة من أولياء الأمور، وهي نصيحة إلى كل شاب ما زال في قلبه خشية لله، ويعلم أنه موقوف مسئول بين يدي الله.
стр. 2395
أثر مشكلة المعاكسة على الطرفين
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: يا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فالتقوى سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، واعلموا أن الاستفادة والاعتبار من تجارب المجتمعات السابقة والتأمل في واقع المجتمع اليوم لمن أهم الأمور التي تهدي الناس إلى الرشاد وتمنعهم من الزلل والضلال، إِنْ همْ جعلوا المقياس في نجاح تجربتهم وفشلها كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
стр. 2396
السبب في انحراف الشباب إلى هذا الطريق
والذي نريد أن نصل إليه في هذا اليوم: أن نقف على مشكلة من مشاكلنا الاجتماعية والتي تعاني منها كثير من الأسر، أما المشكلة فهي معاكسة البنات والنساء في بيوتهن ومدارسهن وطرقاتهن، وأما الوسيلة المستخدمة في هذه المشكلة أو في تلك الجريمة فهي أجهزة الهاتف أو ما يسمى بالتلفون، والسيارات الملمعة التي قضى أصحابها ساعات طويلة تحت عجلاتها وحديدها تنظيفاً وتلميعاً ليتباهوا بها عند البنات والنساء حول المدارس والأسواق.
وأبطال هذه المشكلة -وليسوا أبطالاً بل هم أنذال إن لم يتوبوا إلى الله جل وعلا- هم بعض الشباب الفارغون الذين يعيشون عبئاً على كاهل المجتمع، من الذين يستهلكون ولا ينتجون، يأكلون ولا ينفعون، بأي عمل منضبط أو عمل منتظم يستفيدون ويفيدون به أمتهم ومجتمعهم، والكثير منهم قد اعتمد على جهد أبيه قليلاً كان أو كثيراً.
وأما ضحية هذه المشكلة فهي من الفتيات الجاهلات بسوء المصير، وخبث المؤامرة حينما يدخلن بداية الطريق في هذه المشكلة عن جرس الهاتف، أو التقاط رسالة رمي بها على سائق الأسرة أو أي سبيل آخر.
стр. 2397
بداية الوقوع في هذا الانحراف
معاشر الأحبة: لا شك أن الكثير منكم سمع بهذه المشكلة، وقد يكون البعض ممن طاله الأذى، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر وقد يلجأ البعض إلى إبعاد الهاتف من منزله طلباً للسلامة من هذا ثم يغلق على نفسه باباً من أسباب الراحة في الاتصال، وهذا ليس بحل جذري ناجح، بل الحل وصواب القول في هذه المشكلة يبدأ من المسئول عن الأسرة أباً كان أو أخاً أو ولياً ليجلس مع فتياته في بيته، وليبين لهن أن هذه المشكلة تبدأ من حب إشباع فضول النفس والانسياق مع رغباتها قليلاً؛ مما يجعل البنت لا تمانع الاستمرار في حديث هاتفي قصده المعاكسة، ومادته الحب العفن الذي تعلمه صاحبه من الأفلام والمسلسلات.
وكثيراً ما حدث لبعض الفتيات أن تبدي رغبتها في قطع هذا الحديث الهاتفي طالما أن المتصل أو أن الاتصال لا طائل من ورائه، ولا علاقة لهذا المتصل بالأسرة، فترونه يعاود الاتصال مرة وأخرى متوجلاً تلك الفتاة أن تكلمه وأن تسمع له ولو قليلاً ليقص عليها مشكلة خاصة أو ليبدي لها مشاعر كاذبة دنيئة لتقع في شباك علاقة هاتفية معه، وبعد مدة يسيرة لا يتردد في إبداء رغبته بمراسلتها وإعجابه بأفكارها وآرائها، وبهذا يكون قد سجل عبر جهاز التسجيل مكالمات هاتفية معها، وعبر رسائلها التي بخط يدها يكون في حوزته وثائق يهدد بها تلك البنت المسكينة حينما ترفض الخروج معه أو مواعدته خارج المنزل في السوق أو في أي مكان آخر.
وقد تكون تلك الفتاة غبية لدرجة تجعلها توافق على الخروج أو المقابلة خوفاً من التهديد لها بوسائل المواصلات وأشرطة الاتصال، وبعد ذلك تقع المسكينة في فخ الجريمة والفاحشة، وإن لم يكن ذلك فعلى أقل الأحوال أن يكون قد عبث بمشاعرها أياماً وليالي فتعيش مضطربة قلقة خوفاً من سوء مصير ما وقعت فيه.
بداية هذا الأمر جرس رنان مكالمة لطيفة أو صوت فيه تكسر وحسرة! وبعد أن نعلم فتياتنا هذا الدرس وأن المشكلة تقع من شباب عابثين لاهين ليسوا بأهل للأمانة والمسئولية مهما ألانوا القول وبذلوا الوعود بإنهاء حسم البداية الهاتفية بالزواج؛ لا سيما وأن كثيراً من العابثين يظهر لتلك المسكينة التي يخاطبها أنه من أسرة غنية، وقد يستعير سيارة أو يستأجرها لترى صدق ما يقول، وقد يكذب في مستوى وظيفته أو تعليمه ويدعي بما هو ليس بأهل له.
ثم إذا جاء وخطب البنت من أهلها وتحقق وليها بأنه ليس بكفء لابنته أو أخته ثم رده رداً جميلاً، انقلب صارخاً في وجهه: إني أحبها وهي تحبني، وبيني وبينها مكالمات ومراسلات، والوثائق موجودة بخط يدها، وأشرطة التسجيل بين يديك إن شئت أن تسمع صوتها وبعد ذلك يضطر الولي لتزويجها منه ليستر نفسه من هذه الفضيحة وخشية من العار، ثم تدفع تلك المسكينة ثمن جرأتها على الأدب والحياء وتعاليم الإسلام في ذلك لتكون زوجة لرجل عابث فاشل استطاع صيدها في شباك سماعة الهاتف أو التلفون.
وفي بعض الأحايين قد تكون معلومات هذا الشاب صحيحة فيما يقوله للبنت أو من يحدثها سراً عن أهلها بالهاتف، ولكن في نهاية المطاف إذا تقدم لخطبتها رفض وليها واعتذر لسبب من الأسباب -وما أكثر هذه الأسباب- وبعد ذلك يعيش الشاب كمجنون ليلى هراءً وسفهاً بما جنت يداه، وتعيش تلك الفتاة عذاب الضمير وحسرة البال، وبالأخص لو تقدم لخطبتها رجل آخر وقد وقر في قلبها حب أحد غيره، وقد تتزوج غيره والأول ما زال في خيالها وأحلامها.
إذاً فالتفتوا معاشر الآباء، والتفتوا معاشر الأولياء، ولا بأس بأخذ الحيطة والتوجس ريبة من المكالمات الطويلة أو انشغال الهاتف في منتصف الليل، ولو كانت بين فتاة وأخرى فقد تكون الفتاة الأخرى وسيطاً أو سمساراً بين الطرفين توقعهم في البلاء وترميهم بتوسطها إلى الشقاء.
стр. 2398
على من تقع مسئولية المشكلة
وأما الذين يؤذون بنات المسلمين في الأسواق التجارية وغيرها، فالمسئولية في هذا ذات شقين: المسئولية الأولى: على أولياء أولئك النساء: كيف يرضون بخروجهن متعطرات متبرجات بملابس رقيقة، وطريقة فاتنة، ومن رضي بهذا الوضع في خروج نسائه وبناته ولو كان معهن فلن يسلم من إثم من نظروا إليهن وقلبوا النظر في مفاتنهن ومحاسنهن.
والمسئولية الثانية على أنذال الجريمة الذين يتسابقون على مواقف السيارات قرب الأسواق، ويتجولون غادين رائحين متشبهين بالنساء في كلامهم وطريقة مشيهم، وإن كان رجال الأمن والهيئة ومن ولوا مراقبتهم بالمرصاد لمثل أولئك أعانهم الله وسدد خطاهم.
فالمسئولية معاشر الأحبة هي مسئولية الأولياء، ولسنا بحاجة إلى أن نذكر وقائع حدثت، ولسنا بحاجة إلى أن نبين أن بنت فلان من الناس وقعت ضحية مكالمة هاتفية، أو أن فلانة من الناس قد ارتبطت بحب انتهى إلى الزواج بشاب ما، وبعد ذلك قبل الدخول بها، وبعد العقد عليها في بيت أهلها وقبل الدخول بها وإعلان الزواج أخذها لينظر ما تشتهيه من مفارشها وملابسها، وإذ به يأوي بها شقة من شقق زوجاته وتصرفه هذا شرعي لا نقول إنه حرام لأنه قد عقد عليها وعقد الزوجة كافٍ بالخلوة بالمرأة ووطئها، ولكن المصيبة ما بعد ذلك يوم أن قضى وطره منها بعد أن أعيتها الحيلة منه وأجبرها بالقوة بعد ذلك ردها إلى أهلها وقال لأهلها لا أريد ابنتكم إن شئتم أن تردوا عليَّ مهري وإلا فهي معلقة في داركم، تلك أسرة مستورة مسكينة، أسرة في أمس الحاجة إلى الدينار والريال فجمع مهر ذلك الخبيث من المحسنين ورد عليه نتيجة هذا الحب الذي بدأ بمكالمة هاتفية.
لذا معاشر الأحباب! فإني أحذركم وأرغب منكم أن تحذروا بناتكم وفتياتكم ومن ولاكم الله مسئوليتهن، وأن تبينوا أن هذا خطر عظيم.
стр. 2399
تنبيه إلى كل غيور على فتياته
وينبغي معاشر الأحباب أن نلتفت إلى تربية بناتنا على الحياء منذ الصغر، والحياء شيء يسري في العروق وفي الدماء، ولا ينفع إيجاده في البنت بعد كبرها وبعد مضيها من العمر دهراً إن لم يكن ذلك الحياء زرع وغرس في نفسها منذ طفولتها، والآن فإن الكثير لا يبالي بحياء الفتاة في صغرها فترى الكثير يلبس ابنته ملابس قصيرة جداً تبدي ساقها وفخذها وإن كانت طفلة لا نقول: إن هذا مما تشتهيه النفوس ولكن نقول: إن هذه الفتاة تتربى في صغرها رويداً رويداً على هذا النوع من اللباس، فإذا كبرت لا ترى بأساً ولا ترى حرجاً لو بدا ساقها أو شيء من فخذها.
إذاً فانتبهوا لذلك يا عباد الله، واغرسوا الحياء في صغاركم وأطفالكم منذ الصغر، وعلموهم الستر والحياء في طفولتهم، وعلموا البنات خاصة أن يلجأن إلى البيوت، ولا تعودوهن كثرة الخروج بهن والاختلاط بغيرهن لأن الحياء شيء يسري في الدماء، ولأن الحياء أمر مهم، فإذا نزع الحياء فلا إيمان، ولا فائدة في امرأة لا حياء لها.
فلا والله ما في العيش خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء
والآخر يقول:
ربوا البنات على الفضيلة إنها في الشرق علة ذلك الإخفاق
الأم روض إن تعهده الحيا بالري أورق أيما إيراق
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
فالحياء تربية منذ الصغر، والحياء مسئولية على الأولياء والآباء، من استطاع أن ينجح في غرس هذا الزرع في بناته وأطفاله فإنه في مستقبل الأمر بإذن الله يجني شباباً وفتياتٍ صالحين وصالحات، ويرى منهم خيراً بفضل الله جل وعلا، وللجميع أسوة في نبينا ﷺ الذي كان أشد حياءً من العذراء في خدرها ﷺ بآبائنا هو وأمهاتنا.
فالحياء مسئولية علينا، وإن الكثير من الفتيات اللائي وقعن في شباك هذه السماعات إنما وقعن لجرأتهن على الحياء، وإنما وقعن غريزة حب استطلاع لما يدور في نفوس بعض الشباب، وإنما وقعن لرؤيتهن أفلاماً فيها شاب يبدأ حبه بمكالمة هاتفية، وبعد ذلك اتصال في أي وقت، وبعد ذلك خروج في أي مكان وبدون استئذان وفي أي مناسبة، وبعد ذلك تعيش المسكينة بعد أن تحطم جدار الحياء في قلبها، ما بال تلك تذهب حيثما شاءت وأنا حبيسة الجدران لا أخرج إلى هنا ولا إلى هناك، وبعد ذلك تقع فريسة أولئك الشباب العابثين.
أسأل الله جل وعلا أن يستر علينا وعليكم، اللهم استر على بناتنا، اللهم استر على محارمنا، اللهم لا تفضح لنا عورة ولا تهتك لنا ستراً.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2400
إلى كل من سئم من هذا الطريق
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن المثيل وعن الند وعن النظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير كل ذلك تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى أزوجه وآله وصحبه ومن اتبع سنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
معاشر المؤمنين معاشر الشباب: الزموا جماعة المسلمين بالصلاة معهم جماعة، الزموا جماعة المسلمين بالصلاة معهم جماعة.
أيها الأحبة في الله: إنكم سمعتم أن النبي ﷺ وعلمتم وهذا ثابت: (أنه ﷺ كان أشد حياءً من العذراء في خدرها) ولكم في نبينا وإخوانه من الأنبياء سلفاً صالحاً.
وإن كنا قد عالجنا المشكلة الآنفة الذكر في جانب البنات، فإن للشباب مسئولية عظيمة، وإن على الشباب دوراً عظيماً في اتصالاتهم، وفي مقابلاتهم، وفي مواقع أعمالهم ومسئولياتهم؛ لأن الإنسان إذا اتصل ببيت من البيوت وقد أرخى القول وكسره، ولين الكلام وأخبثه، فإن المرأة ناقصة عقل ودين سرعان ما تقع في شباك ذلك الصوت الدافئ، وبعد ذلك قد تكون الجاهلة المسكينة هي التي ترغب في مداومة الاتصال.
إذاً: فيا معاشر الأحباب ينبغي لنا إذا اتصلنا باتصالات لغير أقارب أو لغير محارم أو لغيرهم، ينبغي أن نكون جادين في الحديث، وأن يكون اتصالنا لحاجة معينة، كأن يكون فلان موجود أم لا؟ وينتهي الكلام بعد ذلك، أو أخبروه أن فلاناً اتصل عليه فقط، أما أن يتكسر الكلام، وأما أن يلين القول بأصوات وعبارات مضحكة وقد يكون فيها خبث ودهاء، فإن الإنسان قد يجر بذلك البلاء والفضيحة على غيره من المسلمين، وقد يكون من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا عياذاً بالله من هذا الأمر.
وينبغي للشباب أن يعلموا أنها مسئولية لهم، وأن الله جل وعلا يبتليهم، وطوبى لشاب ترك هذا النوع من الحديث الذي يجره إلى البلاء، ليكون أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إن البعض قد يسير في حديث هاتفي مع بعض البنات حتى يصل الأمر بهن إلى أن الواحدة منهن تدعوه إلى نفسها، ولكن البعض يقف عند ذلك، والواجب أن يقف في أول الطريق في أول المكالمة، ومن وقف عند ذلك فهو إن شاء الله من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، يوم أن ذكر واحداً منهم: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله).
وكلكم يعرف قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فانحدرت صخرة من الجبل فسدت ذلك الغار عليهم، فقال أحدهم: إنه لن ينجيكم إلا أن تسألوا الله بصالح أعمالكم، فقام منهم رجل وقال: اللهم إنك تعلم أن لي ابنة عم أحبها حباً شديداً، وكثيراً ما راودتها عن نفسها، حتى إذا احتاجت في سنة جدب وقحط ثم جاءت إلي واحتاجت قلت لها: لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك، فوافقت تحت ضغط الحاجة والفقر، وبعد ذلك يقول: يوم أن وقف منها موقف الرجل من زوجته، وجلس منها مجلس الرجل من زوجته، دمعت عينه بعد أن قالت له: يا هذا اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وانصرف، فانفرجت الصخرة عن ذلك الغار بأعمالهم الصالحة بعد رحمة الله وتجاوزه عنهم.
ولكم في نبي الله يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الذي كان عند امرأة العزيز: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] قالت له: تهيأت لك، أرادته إلى المعصية: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] وليتها وقفت عند هذا الأمر، بل إنها قالت: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢] فماذا قال ذلك الشاب الوسيم الجميل؟ ماذا قال ذلك النبي الجليل؟ ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] أين الذي يقول هذا الكلام في هذا الزمان؟ وأي إيمان يتزعزع أو يتحرك عندما يقع في فتنة كهذه ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣].
اللهم اصرف عنا كيد أهل السوء، اللهم اصرف عنا كيد أهل السوء، اللهم اصرف عنا وعن بناتنا وعن نسائنا كيد أهل السوء.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بفتياتنا وبناتنا ونسائنا سوءاً، اللهم فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، وأدر عليه دائرة السوء بقدرتك يا جبار السماوات والأرض! اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشبابنا ضلالاً، اللهم فأدر عليه دائرة السوء، اللهم فأرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم بطانة صالحة وجنبهم بطانة السوء، اللهم ما علمت في أحد لولاة أمورنا خيراً فقربه منهم، وما علمت في أحدٍ لولاة أمورنا شراً فأبعده واطرده عنهم، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اهد أئمتنا لكتابك ولسنة نبيك، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم اجمع شمله بإخوانه، اللهم لا تشمت بهم حاسداً، ولا تفرح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً، اللهم سخر لهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك.
اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم اجعل لشباب المسلمين من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، ومن كل فاحشة أمناً، اللهم فارحمهم واهدهم وردهم إليك رداً جميلاً، اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى الجنة مصيرنا ومآلنا.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر نبينا محمد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، والأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2401
مفاهيم غائبة
ترتبط القضايا الدعوية بالهمة والاهتمام، ويحتاج القائم بالدعوة إلى خبرة وتأهيل ومتابعة، واختيار مجال مناسب له من مجالات الدعوة الكثيرة.
لكن قد تنشأ في مسيرة الدعوة كثير من الأخطاء الناتجة عن غياب بعض المفاهيم التي لا غنى عنها.
وفي هذه المحاضرة بيان لبعض تلك المفاهيم، وللأخطاء الناتجة عن غيابها، والمتعلقة بآداب الاختلاف، ومن هو القائم بالدعوة، وضوابط الجهاد، وغير ذلك.
стр. 2402
خطأ حصر وتحديد مجالات الدعوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنها لمناسبةٌ سعيدةٌ، وموقفٌ مشرفٌ أن يقف الأخ بين يدي إخوانه، وفيهم من هم خيرٌ منه وأعلم وأتقى لله منه؛ لأجل التواصي وسماع الموعظة والذكرى، وإن الإنسان ليملُّ الانتظار والإطالة إلا في عبادة، أو في انتظار عبادة، وإن الإنسان ليكره الزحام إلا في طاعة ولسماع ذكرى، وإن الواحد ليحمد الله أن تمضي هذه الساعة من عمره ودهره وحياته وهي شاهدةً له بأنه ما قضاها أمام ملهاة أو معصية، ولا في سماع باطلٍ أو ساخطٍ من القول، وإنما قضاها بعد عبادةٍ في ذكرٍ ينتظر بعدها عبادة، وإن ذلك -كما في الحديث- مما يرفع الدرجات، ويمحو الله به الخطايا، ذلكم هو الرباط كما قال ﷺ : (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: كثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).
أيها الأحبة! إنها نعمة عظيمة أن نجتمع وإياكم في طاعة، ولسماع طاعة، ولنحقق طاعة، ولنعمل في طاعة، ونحن نعلم أن الكثير من عباد الله في معصية، وإلى معصية، وعلى معصية، أو في تحقيق معصية، أن تكون من المصطفين الذين أكرمهم الله بهذه الهداية، ومنَّ عليهم بهذه الاستقامة، إنها لنعمةٌ وأي نعمةٍ، بل وأعظم بها من نعمة.
أحبتنا في الله! حديثنا اليوم محصلة موجزة، وتجربة قصيرة متواضعة من خلال زيارات ولقاءات وكلمات، أو محاورات بين بعض الإخوة ومع كثير من الأحبة، تبين لي أن ما تسمعون الليلة وإن كان معلوماً لدى الكثيرين بحمد الله، إلا أن الكثير أيضاً يغيب عن أذهانهم الكثير مما نسمعه اليوم، وبعضهم لا يتصورونه بوضوح كامل، أو بأفق واسع، ولأجل هذا سميناه بـ (المفاهيم الغائبة) وليس هذا من باب الاستغراق، ولكن لعل في الإشارة ما يغني عن التفصيل في كل العبارة، وكفى من القلادة ما أحاط بالعنق.
أيها الأحبة! التعبير بالمفاهيم لأجل التواصي والتذكير بدلاً من النقد والانتقاد مع اعتقادنا جميعاً أن النقد الذاتي مطلوبٌ، ولَأن ننتقد أنفسنا خيرٌ من أن يقع أعداؤنا على مواقع الضعف فينا، ولَأن نبادر إلى التواصي بيننا خيرٌ من أن يجدها الأعداء مسبة، أو مثلبة يتشمتون بنا فيها، وهذا الذكر لهذه المفاهيم مع احترام العمل القائم والجهد المبذول، والحديث سهل والعمل عسير، وليس بيسير إلا على من يسره الله عليه.
أقِّلوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أيها الأحبة! طرح هذه المفاهيم أراها تصحيحاً لتصور خاطئ، أو توسيعاً في مجال ضيق، أو تذكيراً بأمر غائب، وبالجملة فالموضوع لا يخرج عن إطار التواصي الذي هو من صفات المؤمنين كما أخبر سبحانه بقوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
وطرح هذه المفاهيم من باب التذكير بها لا يخرج عن إطار الذكرى لقول الله : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
وأبدأ في سرد هذه المفاهيم، وربما لا تأتي مرتبةً، ولكن لعل ذلك من التشويق والتنويع، فمن ذلك: أنني رأيت كثيراً من الأحبة والفضلاء والغيورين والمتحمسين يتصورون حصر الجهد في الدعوة في مجالات محدودة معدودة، وإذا لم يتحقق النشاط، أو النماء، أو الامتداد، أو الحركة، أو العمل في هذه المجالات المحدودة، يرى أنه لا مقام، ولا مكان، ولا سبيل إلى الدعوة إلى الله .
وأرى أن ذلك تحجير لواسع، بعضهم يرى أن الدعوة فقط في المحاضرة والندوة وتوزيع الشريط والكتاب، وفي الحقيقة أن هذا حصرٌ، ومن يرى أن الدعوة فقط في هذه المجالات فهو كمن يجعل البحار في قِرَب، أو يجعل المحيطات في أنهار، الدعوة محيطٌ متدفقٌ واسعٌ، وبحرٌ أمواج خيره وبره ونفعه متلاطمةٌ تجيء بالخير بإذن الله ، وليس محصورةً في هذه المجالات فحسب.
стр. 2403
أهمية خطبة الجمعة ودورها في الدعوة
فعلى سبيل المثال لا الحصر: هناك خطبة الجمعة، وما أدراك ما خطبة الجمعة؟ إنها من أجل وأرقى وأعلى وأسمى وأهم مجالات الدعوة إلى الله ، ولو أننا تواصينا مع خطبائنا، ومع الذين يعتلون المنابر في مجتمعاتنا بالعناية بها، بتقديم الفائدة، واقتراح الموضوع، وتحديد العناصر، وتقريب الكلمة، والمعنى والقضية، واقترحنا عليهم ما يهم، لكان في ذلك خيرٌ عظيمٌ.
إن خطبة الجمعة حضورها واجبٌ، والإنصات لها واجب، ويحضرها من لا يحضر الدروس والمحاضرات، ويحضرها من لا يقرأ الكتاب، ولا يسمع الشريط، بل يحضرها من قد لا يصلي الصلوات الخمس مع الجماعة، فأهم جمهور، وأهم المستمعين لمادة الدعوة وقضايا الدعوة هم المصلون يوم الجمعة، فالعناية بهذا الأمر مهمٌ جداً.
وإني لأعجب أن أجد كثيراً من الإخوة ربما يهتم أحدهم بالمحاضرة اهتماماً لا يهتمه لخطبة الجمعة، وأرى أن ذلك من عدم فهم الأولويات وترتيبها، بل لو قال قائل: إنني مشغول بالجمعة، ولا أرى شغلاً بغيرها، قلنا: ليس هذا ببدع، ولا غريب، ولا عجيب، فهي مجال مهم، إنها رسالة إلى جميع الناس في ساعة واحدة في زمن معين، لا تجد ذلك في دين من الأديان، ولا في عقيدة من العقائد، هبوني وأروني واذكروا لي ملة، أو ديانة، أوحزباً، أو مذهباً، أو طائفة تستطيع أن تجمع أتباعها وأنصارها ومؤيديها ومعتنقيها في ساعة على وجه الأرض أو المعمورة، لا تجد ذلك، لكن في هذا الدين تجد ذلك.
خذ على سبيل المثال: ترى في هذه البلاد في المملكة العربية السعودية من الشمال في أقصى طريف والقريات إلى الجنوب في آخر شرورة ونجران وما وراءها، ستجد أنه من الساعة الثانية عشر إلا ربع مثلاً إلى الساعة الواحدة إلا ربع الناس كلهم في المسجد، هذا مؤتمر خطير، واجتماع خطير، وهذه مسألة مهمة، وهذا حشد لا يمكن أن يحققه الإنسان بالإعلانات على المحاضرات، ولا بالدعوة إليه عبر الإذاعة، أو عبر وسائل الإعلام، لكنه يتحقق بحي على الصلاة حي على الفلاح، فيتحقق هذا الاجتماع العظيم الكبير، ثم لا نجد كثيراً من إخواننا يهتم بهذا الاجتماع ويعطيه حقه، أو يوفيه قدره، أو ينزله مكانته التي ينبغي أن يُنزل إياها.
قد يقول أحدكم الآن: لو كان الحضور من خطباء الجمع لكان هذا سائغاً.
أقول: نعم يا أخي الحبيب.
في الحضور من هم من الخطباء، وأنتم ممن يصلون مع الخطباء، فإذا كنا جميعاً نعتني بهذه الخطبة، ونعين الخطيب على تحضيرها وإعدادها وأدائها، وتقديم الأفكار والعناصر، واقتراح الموضوعات المناسبة، وتقريب ما يعينك في الخطبة، القضية الواحدة التي تطرح في الخطبة تحتاج إلى الأدلة من القرآن والسنة، وإلى الكلام من سير السلف والصالحين، وإلى القصص الواقعة الحادثة في هذا الصدد، وإلى شيء من العناية بسبك العبارة والأسلوب، فلو أننا اعتنينا واعتنت كل مجموعة منا بخطيب حيهم وإمام حارتهم مثلاً، وأعانوه على إعداد هذه الخطبة؛ لكُنا نحن وهذا الخطيب شركاء في الأجر العظيم حينما يقول خطبة تربوية نافعة تدعو العباد إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتدعو العباد إلى نبذ الغفلة والضلالة والهوى، والعودة إلى الاستقامة والجد والاجتهاد في الطاعة، نشترك معه في الأجر والثواب، ولا أظن أن عاقلاً يأنف أو يستنكف أن يقبل نصيحةً تأتيه من أحد إخوانه، بل علينا أن نعلن وأن نفتح هذا الباب لمن كان عنده نصيحة في أمر ينفع المسلمين.
والخطيب مسئول عن هذه الكلمة، ومحاسبٌ عليها في الدنيا والأخرى، لكن هذا لا يمنع من أن نعينه وأن نقدم له الأفكار المهمة سواءً بالعناصر المحررة، أو بالأرقام والحسابات والإحصائيات، كل ذلك أيها الأحبة نافع ومهم، ويحول هذا الاجتماع الأسبوعي في ساعة واحدة على مستوى هذه المملكة بكاملها إلى اجتماع يطرح قضايا مهمة وعالية وجيدة جداً، أنا لا أقول: جميع الذين يخطبون لا يعتنون بذلك حاشا وكلا، بل الكثير والكثير من إخواننا ومشايخنا وخطبائنا يعتنون، لكن هذا أيضاً لا يعني أنه لا يوجد من لا يبالي، أو لا يعتني، أو لا يهتم، فواجبنا أن نهتم بهذا الموضوع، وأن نعتني به غاية العناية، فهو من أكبر وأضخم وأهم، بل وأخطر مجالات الدعوة هي خطبة الجمعة، فألا من مشمرٍ ومهتمٍ ومعتنٍ بهذه القضية.
стр. 2404
وجود مجالات دعوية تناسب الجميع
كذلك أيها الأخ الحبيب حينما أتحدث إليك، أو أحاورك في أمورٍ ومجالاتٍ دعوية ربما تسمع من بعض الإخوة القول بأنه لا يحسن هذا المجال، ولا يحسن هذا المجال، وهل كانت الدعوة محصورة فقط في مجال تحسنه؟! لا أظنك عيياً عاجزاً أخرقاً لا تستطيع أن تحسن مجالاً من مجالات الدعوة، وأقلها مجال المراسلة سواء كانت مراسلة في الداخل أو في الخارج.
إن كثيراً من الذين ضلوا ومنهم من أضلوا عن سواء السبيل عادوا إلى المحجة، وإلى الطريق البين، وإلى البرهان الواضح، وآبوا من الزيغ إلى الهداية، ومن الانحراف إلى الاستقامة برسائل متتابعة طرقت أسماعهم عبر شريط، وطرقت قلوبهم عبر أحرف مكتوبة، ملؤها المحبة، عبقة بالأخوة والرأفة والرحمة والحنان، فيا أيها الأحبة، ليس من الضروري أن نكون خطباء حتى نقوم بالدعوة، على الخطباء مسئولية، ومن لا يحسن الخطابة أظنه يحسن الرسالة، ومن لا يحسن الرسالة أظنه يحسن القراءة، فيختار رسالة معدة في هذا الأمر، أو يستشير، أو يسأل ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] كيف ينصح ضالاً واقعاً في هذا الإثم، أو من زل ووقع في هذا الذنب العظيم؟ فيأتيه التوجيه: عليك بالرسالة الفلانية، الكتيب الفلاني، انقل من الشريط الفلاني، قدم من هذا الشيء الفلاني، وابعث به مع هدية متواضعة، أو بدون هدية، ستجد أن ذلك بإذن الله من أسباب الفلاح والنجاح في الدعوة، ولا تظن أن كل رسالة سوف تأتيك برجل ملتزم ومهتد، اجعل في بالك أنك ربما ترسل مائة رسالة، فلا يستجيب إلا واحد، وألف رسالة، فلا يستجيب إلا اثنين، أو ثلاثة، ولن تكون أفضل من رسل وأنبياء هم صفوة الله من خلقه وخيرة خلق الله، يقول النبي ﷺ فيهم: (ورأيت النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرهط والرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد).
إذاً: اليوم قضايانا الدعوية مرتبطة بالهمة والاهتمام، ولا أظنها ترتبط ارتباطاً كلياً تاماً ببعضها البعض، نعم الإجادة والقدرة أمر مهم، لكن ليس ذلك هو كل شيء، لأنك إن عجزت عن هذا المجال ستقدر في مجال آخر، لكن إذا وجد الاهتمام فإنك بإذن الله ستجد المجال المناسب بحجم قدراتك وظروفك.
على سبيل المثال: الكثير بلا حصر من الشباب يرغبون في الزواج، لكن ليس كل هؤلاء الشباب يستطيعون أن يتزوجوا الفتاة الحسيبة النسيبة، المتعلمة الجميلة، الفاخرة الراقية إلى آخره، لكن مع ذلك يتزوج الإنسان بقدر ظروفه، وبقدر إمكاناته، ويحقق الهدف الذي يصبو إليه، لما كانت رغبة شخصية وفطرة غريزية، ونداء قائماً في البدن والروح والجسم استطاع الإنسان أن يصل إليه، وإن لم يصل إليه بكل المواصفات والمقاييس التي يريدها، لكنه حقق ذلك، لأن الرغبة مستمرة وملحة وقائمة، فكذلك إذا كانت الرغبة في الدعوة إلى الله ملحة وقائمة تصبحك وتمسيك وهي همك، وتراها في المنام، وتتمناها، ومرتبطة بشعرك وقصيدتك وقراءتك، وتتألم لما يؤلم المسلمين؛ حينئذٍ ستجد مجالات كثيرة في الدعوة إلى الله ، والمقام يضيق بذكر مجالات عديدة للدعوة، وأحيل إلى شريط سبق أن ألقي منذ زمن لا بأس به بعنوان"مجالات جديدة للدعوة" انظر هذه المجالات فستجد أنك لن تعجز عن واحد أو آحاد من هذه المجالات.
стр. 2405
تعدي القيام بالدعوة إلى غير البشر
أيها الأحبة! إني أقول لإخواني الشباب الذين فيهم الخير والصلاح والاستقامة والغيرة على الإسلام والمسلمين، أقول لهم: لماذا وقف الالتزام إلى حد الأمور الشخصية فقط؟ لماذا لا يكون الواحد إيجابياً وداعياً ومتحركاً؟ إن الجن وهم الجن لما سمعوا الوحي تحركوا ودعوا أقوامهم، والله يقول: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] فهم حضروا، وأنصتوا ليتدبروا ويفهموا مقاصد الخطاب، وما فيه من الأمر والنهي والحكم، ثم ماذا بعد ذلك؟ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١] فأفادوا أنهم سمعوا وحياً وخيراً وهدى، ثم دعوا قومهم إلى الاستجابة: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١].
ثم ماذا بعد ذلك؟ قالوا لقومهم: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ [الأحقاف:٣٢] هؤلاء وهم جن لما سمعوا الوحي أنصتوا وتدبروا وولوا إلى قومهم منذرين.
لا يكن الهدهد خيراً منك، فقد نصح وتكلم ودعا وسعى، وكانت نصيحة هذا الطائر سبباً في إسلام مملكة كاملة كانوا يسجدون للشمس من دون الله، سليمان ﵇ لما تفقد الهدهد، وتفقد الطير، فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ فلما بحث عن هذا الهدد أين كان؟ أين ذهب؟ فجاء إلى سليمان ﵇ الملك النبي، وقال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل:٢٢ - ٢٤] هذا هدهد يدعو وينكر منكراً، وأكبر المنكرات هو الشرك بالله : ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ [النمل:٢٤] إلى أن قال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل:٢٥] ويستدل بأفعال الرب على استحقاق الخالق للعبادة .
стр. 2406
مقترح في الدعم المادي للدعوة
أيها الأحبة! هذه من القضايا المهمة، لأننا نجد فتوراً وكسلاً في أمر الدعوة إلى الله ، ولكن ينبغي أن نتواصى، وأن نهتم سيما والدعوة هي أمر الله لنبيه للمؤمنين من بعده: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [فصلت:٣٣] (من دعا إلى هدىً، فله أجره وأجور من تبعه إلى يوم القيامة) (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمر النعم).
فيا أحبابنا! الدعوة مسئولية مهمة، لكن أنا أقول لك: متى تصبح الدعوة قضية مهمة؟ حينما تجعل للدعوة اهتماماً شهرياً في ميزانيتك، وذلك فرع عن الاهتمام القلبي في شخصيتك وروحك ستجد أن الدعوة مهمة، الواحد يخصص من دخله للكهرباء وللماء، ويخصص من دخله لراتب الخادمة لصيانة سيارته، فهل تخصص من دخلك للدعوة إلى الله ؟ هل فعلاً شهرياً إذا قبضت راتبك، أو الدخل الذي يأتيك تقول: هذا للدعوة إلى الله ، أكفل به داعية في أي مكان خارج البلاد، أو أشتري به شريطاً نافعاً أوزعه على الشباب، أو كتيباً، أو رسالةً، أو أفكر كيف أشغل هذا الجزء اليسير من الدخل في الدعوة إلى الله ، وما يدريك لعل الله أن يهدي بهذا أقواماً أنت لا تعرفهم، ويهدي بذلك آخرين من ورائهم لا تعرفهم تلقاهم يوم القيامة هم وأعمالهم ومن هدى الله على أيديهم في موازين أعمالك الصالحة، والدعوة- كما تعلمون- هي خيرٌ ينفع العبد بإذن الله ، لأنها أعظم أجراً في أقصر زمنٍ وأقل مدة، فأسأل الله ألا يحرمنا وإياكم هذا الأجر العظيم.
стр. 2407
آداب الخلاف في فقه النوازل
أيها الأحبة! من المفاهيم الغائبة عند كثير من شبابنا اليوم: أنه حينما تقع في هذا الواقع نوازل، أو تحدث أمور ليس فيها حكم قطعي بنص قطعي الدلالة والثبوت حينما تقع مثل هذه الأحداث أو الوقائع لا شك أن الناس تتباين آراؤهم وأقوالهم، بل وربما تباينت آراء وأقوال أهل العلم فيها، فيقع شيء من الاختلاف في وجهات النظر، فتعجب من وجود بعض الشباب يتحمس إلى أقصى اليمين لبعض الآراء، وتجد آخرين يتحمسون إلى أقصى اليسار لبعض الآراء، ولا يمكن أن تكون بينهم مسافات للتقارب، أو قناعات أنني على صواب ورأيي يحتمل الخطأ، وأنك على خطأ ورأيك يحتمل الصواب، لا أبداً.
لا يرى الحق والقول والصدق إلا عنده، وما سوى ذلك وكل ما عند غيره فهو باطل، وعلى مبدأ ضال، وإن لم تكن معي فأنت ضدي.
وهذا لا ينطبق خاصة إلا في المسائل التي تجِد في الواقع، ولا تكون فيها أحكام قطعية ثابتة.
أما المسائل التي أحكامها قطعية بدلالة قطعية بثبوت قطعي فلا يختلف فيها أحدٌ من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا، لكن هناك نوازلاً ومواقفاً وأحداثاً وأموراً عجيبة غريبة تقع في واقع المسلمين اليوم بالتأكيد سيختلف فيها المسلمون، وتتعدد فيها الآراء، لكن إذا تنوعت هذه الآراء هل من حقنا أن نلزم الناس جميعاً أن يكونوا معنا على رأي واحد؟
الجواب
لا.
وهذا ليس بصحيح ما لم يكن الخلاف في هذا الأمر يفضي إلى فتنة، فحينئذٍ الذي يجمع الناس على أمرٍ عامٍ، به يتعاملون، وإليه يختصمون، أو يحتكمون هو الحاكم أو المفتي الذي يعينه هذا الحاكم، وكما في القواعد الفقهية والشرعية: حكم الحاكم يرفع الخلاف، فله أن يلزم الناس في المسائل الاجتهادية برأي يجتمع الناس عليه دفعاً للفتنة، ولا حاجة إلى الإنكار الشديد.
أعود إلى قضية الخلاف في المسائل: لا حاجة إلى الإنكار الشديد في مسائل الخلاف، شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، يقول: ومسائل الخلاف لا ينكر فيها باليد، ومعنى كلامه: لا يلزمك أن تجمع الناس فيها على رأيك، وإنما كلٌ يورد ما عنده بالأدلة، ونحن على يقين بين القطبين، وبين الطرفين، وبين النقطتين مسافة طويلة يمكن تصور وجود الخطأ الكبير والصواب القليل فيها، ووجود الصواب الكبير والخطأ القليل فيها، فواجبنا حينئذٍ أن نقرب هوة الخلاف ولا نوسعه.
стр. 2408
تجاوز الاختلاف المشروع إلى التدابر والقطيعة
العجيب الذي يقع: أن ترى من بعض الشباب حينما يقع الخلاف أنهم يتدابرون ويتقاطعون، ويغتاب بعضهم بعضاً، ويتكلم بعضهم في عرض بعض، وربما أصبح هذا البر الطيب المبارك الخير يتكلم في عرض آخر مثله، وله مثل هذه الصفات، ولا يتكلم في عرض فاسق أو فاجر، وليست هذه دعوة إلى الكلام بأعراض الفساق والفجار أبداً، إنما هي دعوة إلى العمل، الكلام يا أحباب لا ينتج ولا يقدم شيئاً، نريد عملاً جاداً يفضي إلى تحقيق نتائج ترد عباد الله إلى عبادة الله وحده لا شريك له، إن الله قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] لكن الله نهى عن التفرق، فالخلاف ممكن، والتفرق ممنوع ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] فالخلاف وارد، ولا يمكن في مسألة اجتهادية أني ألزمك برأيي، ولا يمكنك أنت أنك تلزمني برأيك، إذا كان الخلاف سائغاً، وفي مسائل لا ترتبط بمصير أمة، أو بمصلحة مجتمع بالكامل، أما إذا كانت هذه المسألة التي اختلف فيها المختلفون مرتبطة بمصير أمة، أو بقضية استراتيجية كقضية أمن، فحينئذٍ نرجع إلى عالم قد تعلقت الأمة برقبته، وأصبح قوله وفتواه بمنزلة حكم الحاكم الذي يرفع الخلاف، وإذا أمر ولي الأمر بلزوم قول هذا المفتي، لزمنا جميعاً أن نعمل به، وكلٌ يحمل في قلبه ما يعتقد.
стр. 2409
أهمية الحفاظ على الأخوة مع المخالفين
أيها الأحبة! يقول يونس بن عبد الأعلى المصري الشافعي ﵀: ما رأيت أعقل من محمد بن إدريس الشافعي -الإمام الشافعي ﵀ اختلفت معه في مسائل كثيرة فتفرقنا، يعني: ما اتفقنا عليها، فلقيني ذات يوم وأخذ بيدي وقال: يا أبا عبد الله ألا يستقيم أن نكون إخوة وإن لم نتفق في مسألة.
اليوم الواقع في الحقيقة يندى له الجبين، أن تجد هذا ملتحياً، وهذا ملتحياً، وهذا يتبع السنة، وهذا يتبع السنة، وهذا على خير، وهذا على خير، وربما بينهم من الفرقة والخلاف ما يجعل بعضهم لا يلقي السلام على صاحبه، ولا يشمِّته، ولا يعوده في مرضه، وربما لا يتبع جنازته، وربما أسقط حقوقه وأهدر واجبات له، وربما احتقره (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) ولم هذا كله؟ لأنه اختلف معه، وهل الخلاف مبرر لأن نقع في هذا الأمر؟ هل هذا مبرر لَأن أغمطك حقك، ولا أنزلك قدرك؟ أستغفر الله وأتوب إليه.
سئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀، إمام أهل السنة عن إسحاق بن راهويه وهو إمام من أئمة الحديث، فلما سئل عنه قال الإمام أحمد -مع أنه بين الإمام أحمد وبين إسحاق بن راهويه خلاف في مسائل- قال: لن يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق بن راهويه، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً.
فيا أحبابنا! هل نجد في أنفسنا هذه الروح؟ هل نجد في أنفسنا هذه السعة لتحمل شخصية ورأي المخالف؟ هذا للأسف يكاد أن يكون نادراً، ويصبح الاعتدال بين كثير من القضايا المتلاطمة ذات الأطراف المتباينة أمراً عسيراً حينما نحمل مثل هذه النفسية.
أيها الأحبة! إن هذه القضية: وهي عدم تصور الوفاق والاجتماع حتى مع الخلاف في بعض الآراء الاجتهادية والمسائل؛ جعل بعض شبابنا لا يبالي بإخوانه، ولا بقدرهم، ولا بمنزلتهم، ولا بمكانتهم، ولا يغار على أعراضهم، وهذا أمرٌ خطير، فالذي يتقي الله ، ربما تراه يخالف هذا الشخص، أو هؤلاء الأشخاص في آرائهم، في أفكارهم، لكنه يتقي الله في أعراضهم، ويتقي الله فيهم إذا غابوا، فيذب عنهم إذا حضر مجلساً، ولا يسمح أن يتهموا، أو أن يقال فيهم ما يقال، بسبب ماذا؟ لأن الخلاف ليس بينه وبينهم في عداوة شخصية، بل إنما الأمر يعود إلى دليل واجتماع وفكر ورأي يراه مدعماً، ويرى الآخرين يختلفون فيه، ولكنه لا يوافقهم على ذلك، فخلافه لا يبيح أعراضهم ولا يسقط حقوقهم.
ثم أيها الأحبة قد كثر الخلاف في آخر الزمان، وفي الآونة الأخيرة كثرت المسائل التي اختلف فيها فلان مع فلان، وفلان قال كذا، وفلان قال كذا، ثم أي شرخ من تصدعات الخلاف يفتح علينا شروخاً عديدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والعجيب أننا نرى دولاً تحاربت وتصارعت، ثم اصطلحت واتفقت وتصالحت! فيا أيها الأحبة! إذا كان هذا على مستوى الدول والأنظمة تقاتلت وتحاربت، ثم تصالحت وانتهت، لأجل ماذا؟ لأجل المصالح، أو لأجل القناعة بعدم جدوى العداوة، أفلا يليق بنا أن نصلح ذات بيننا، وأن نضيق هوة الخلاف؟ نعم والله أيها الأحبة، فتجد بعض الشباب يختلفون على قضية ما، ومنشأ خلافهم هو بسبب اختلاف أناس أكبر منهم فيها، اختلاف أنظمة، أو دول، أو فقهاء، وسمها ما شئت، فبعد ذلك يصطلح هؤلاء المختلفون ولا يزال هؤلاء المساكين على شجار وشقاق بينهم.
سبحان الله! أصحاب القضية اتفقوا وانتهوا، وأنت لا تزال ترفع راية الخلاف والنزاع والشجار، هذا يذكر بالطرفة التي تسمعون بها، أو تعرفونها: الرجل الذي كان في محطة القطار، ومعه ثلاثة أو أربعة يأكلون وجبة، ولما سمعوا صوت منبه القطار أخذوا يتراكضون، فركبوا جميعاً إلا واحداً رجع وهو يضحك، قالوا: لماذا تضحك؟ قال: أنا المسافر وهؤلاء أتوا ليودعوني، فالذي جاء يودع ركب القطار وذهب به، وصاحب القضية لا يزال قائماً، يعني: اقلب هذه الطرفة على هذا الواقع وستجد أصحاب القضايا الكبار الذين اختلفوا قد اتفقوا، وانتهى الخلاف فيما بينهم، لكن الذين ورثوا الخلاف لا زالوا يجترونه، ولا يدرون هل اتفق من فوقهم أم لم يتفقوا.
والسبب أن الواحد لا يفكر بعقله وإنما يفكر بعقل غيره، وقد نسي أنه يوم القيامة لن يسأل غيره عنه إلا بما أغواه فيه، أو أضله به، لكن أيضاً المسئولية والمحاسبة فردية، فنسأل الله لنا ولكم البصيرة.
ومن الأمور التي تعين أيها الأحبة: أن يلتفت الواحد إلى الدعاء والإلحاح على الله أن يهديه إلى الحق فيما يختلف فيه الناس، إن النبي ﷺ يفتتح دعاء القيام: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل فاطر السماوات والأرض، رب كل شيءٍ ومليكه، اهدني لما اختلف فيه من الحق، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون).
стр. 2410
عدم إلزام الناس بما تراه
إن هذه المسائل التي يختلف فيها الناس لن يسألك الله عنها، لماذا لم تتبن هذا الرأي؟ بل بوسعك أن تعرض عن هذا الاختلاف كله، ولن يسألك الله يوم القيامة: لماذا لم تأخذ بهذا الرأي، لا سيما إذا كان لا يتطرق إليك الأمر مباشرةً؟ فالآن تجد بعض الناس يقول: ما رأيك في فلان وعلان؟ تقول: يا أخي! لن يسألني الله عنه يوم القيامة، إن كان صالحاً فالله وليه، وإن كان غير ذلك فحسابه على الله ، أنا لست ملزماً أن أحمل راية عداوة، أو راية موالاة أو معاداة، يعني: لست مسئولاً أن تعرض عليك قائمة، فيقال: ما رأيك في كل من: ١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، يقول الشيخ الشنقيطي ﵀ فيما يذكره الدكتور/ عبد الله الأمين عن سيرة والده في شريط أكرر النصيحة بسماعه اسمه/ العقد الثمين في سيرة الشيخ الأمين، يقول: كان ﵀ يقول: يا ولدي إن الله لن يسألك يوم القيامة لماذا لم تشتم فرعون؟ فكذلك بعض الشباب ما رأيك في طالبان؟ ما رأيك في رباني؟ ما رأيك في حكمتيار؟ ما رأيك في فلان؟ يا أخي افرض أني ما أعطيت رأياً في هؤلاء جميعاً، لن أمدح هذا، ولن أشتم هذا، ما شققت عن قلوبهم ولا عندي شيء، قد يكونوا قالوا شيئاً يوجب مدحهم أو قدحهم، لكن ما بلغني، أنا غير مسئول عن ذلك.
فيا أخي الحبيب! عليك بما ينفعك، والحذر من المبادرة والمعاجلة بالقول، تجد البعض- سامحه الله وهاده- إذا حصلت نازلة، أو وقعت واقعة تتعلق بآراء وأشخاص وقضايا معينة، لا بد أن يجمع الناس ويلزمهم برأيه، والمسألة فيها سعة عريضة، أنا جذيلها المحكك، وأنا عذيقها المرجب، وأنا ابن بجدتها، وأنا فارس ميدانها، وأنا حذام
وإذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام
ويريد أن يجمع الناس على رأيه، هذا ليس من حقك يا أخي، الناس لديهم عقول، وتتباين عقولهم في الفهم، والاستنباط، والدلالة، ولولا ذلك ما اختلف أئمة الإسلام، ولما تباينت أحكامهم في ثبوت النصوص والأدلة، ولما تباينت أحكامهم في فهم الدلالات من النصوص والأدلة، فكذلك الاستنتاجات من البشر في قضايا ربما لا تصل إلى أمور العقيدة من حق الناس أن يختلفوا فيها، وإن وقع الخلاف فالحذر أن يكون سبباً في الفراق، الخلاف وارد، لكن أن يكون الخلاف سبباً في السب، أو الشتم، أو الغيبة، أو النميمة، أو إسقاط الحقوق، والتجرؤ على الأعراض، فإن ذلك أمرٌ خطيرٌ أيها الأحبة.
стр. 2411
أهمية سؤال أهل العلم عند الالتباس
حينما تجد نفسك ملزماً بأن تقول قولاً وليست لديك الآلة والقدرة والتجربة والمعلومات الكافية، حينئذٍ مثل ما قال الشيخ/ ابن عثيمين: هذا صنفٌ يلزمه السؤال ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] وبعد ذلك إذا رأيت أهل الذكر مختلفين وأنت تقول: أنا لا أدري أميل مع من، أو أقول بقول من، أقول: اعرض هذا الرأي على أقوال أهل الذكر وأحكامهم فهذه مسألة اجتهادية.
أعطيك مثالاً: عرضت مسألة من مسائل سمها ما شئت مثلاً مسألة التأمين، أو مسألة معينة، فأقول لك: رأي هيئة كبار العلماء الشيخ/ ابن باز، الشيخ/ ابن عثيمين، الشيخ/ ابن فوزان، والشيخ/ ابن غديان، والشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، والشيخ فلان، والشيخ فلان، ورأي المجمع الفقهي، ورأي كثير من علماء الإسلام أن ذلك ممنوع لما فيه من غرر ورهان، أو مقامرة، أو جهالة، ويأتي اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، عشرة من العلماء المشهود لهم بالعلم، فيقولون: لا، هذا أمر جائز، تقول: والله أنا عامي أصدق من؟ أقول بقول من؟ أقول: انظر إلى هذا الفريق والجمهور الكبير من العلماء والأئمة والمجتهدين، أظن أن النفس تطمئن إلى الميل إلى قولهم وفتواهم.
وقس على ذلك أي قضية وأي نازلة، إذا كنت مضطراً للكلام فيها، فانظر إلى الجمع الغفير والكم الهائل من العلماء وأئمة الإسلام، فإذا نظرت قولهم في هذه المسألة معيناً، فاتبع ذلك القول المعين، وستجد أنك بإذن الله أمام الله بمعذرة، لأنك نظرت إلى هذه المسألة فلم تستطع أن تقول فيها بقول أو باجتهاد من عندك، لأنك قاصر عن الاجتهاد، ثم نظرت إلى من حولك، فوجدت مائة يقولون بهذا القول، وخمسة أو عشرة يقولون بالقول الآخر، فقل بقول هؤلاء المائة، ولا يضيرك عند الله أن تقول: قلت بقول هؤلاء، بل هذا في أمور الدنيا، الآن الواحد لو أراد أن يستشير في علاج أو دواء معين، وقال: ما رأيكم؟ يسأل هيئة استشارية طبية، ويقول: ما رأيكم في استعمال هذا الدواء؟ فتقول له هذه الهيئة: مائة طبيب ينصحونك بعدم تناوله، وخمسة أطباء ينصحونك بتناوله، فهل من العقل أنك سترمي بقول مائة طبيب عرض الحائط، ثم تأخذ بقول هؤلاء الخمسة؟ هذا في بدنك وصحتك، ستأخذ بقول من توافرت عقولهم وأقوالهم بهذا، فكذلك من باب أولى في دينك ودنياك ومعادك.
مسألةٌ تتفرع عن هذه القضية -وهي من المفاهيم الخاطئة-: يظن بعض من يسمع بمثل هذه القضايا أن من واجبه أن يتحيز لأحد الفريقين، وأن يتعصب، لا أبداً هذه مسألة لن يسألك الله عنها يوم القيامة، أنت ما تتفرج على حلبة مصارعة، يلزمك أن تشجع فلاناً ضد فلان، وفلاناً ضد فلان، ولا يمكن أن تضرب هذه القضايا الخلافية بحلبات المصارعة، بل إذا أردت أن تتدخل في هذه القضية فليكن تدخلك من منطلق قول الله : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] إذا وجدت هذا الخلاف قد أفسد ذات البين، وأردت أن تتكلم، فلا تزد النار وقوداً، وإنما اجعل كلامك باباً للتوفيق والتقريب في إصلاح ذات البين بإذن الله .
فلا يلزمك حينما تسمع بفرقة، أو فتنة، أو اختلاف أن تتحيز لأحد أطرافه إلا إذا رأيت أن الحق الواضح البين مع فريق قد ذهب جمهور العلماء والثقات والأثبات والكبار إليه، فحينئذٍ لك أن تميل، وأن تطمئن إلى هذا القول، وأن تعمل به، وليس ذلك بغريب بإذن الله .
стр. 2412
كيفية اختيار مجالات العلم والدعوة
مسألة أخرى: ستجد حينما تقع مثل هذه القضايا ردوداً ومرادات ونحو ذلك، تجد بعض الشباب لا شغل له إلا دراسة الردود والقيل والقال، حسناً اسأله أولاً عن تأسيس علمه، كيف أسس علمه في الفقه؟ كيف أسس علمه في المصطلح؟ كيف أسس علمه في العقيدة؟ كيف أسس علمه في اللغة؟ كيف أسس علمه في القواعد الشرعية الفقهية وأصول الفقه؟ لا تجد عنده تأسيساً، لكنه يريد أن يشتغل برد فلان على فلان، وقال فلان على فلان، وأشغل حياته بذلك، مع أن نقل الردود ما يسعف عن الله ، ولئن تلقى الله يوم القيامة وأنت لا تعرف رداً على هؤلاء المختلفين، أو لم تسق رداً بينهم، لن يحاسبك الله على ذلك، لكن ينفعك عند الله أن تكون قد أسست علماً رصيناً متيناً مكيناً في العقيدة، والتوحيد، والعبادة، والفقه، واللغة، والمصطلح.
فأسأل الله أن يؤلف قلوبنا، وأن يهدينا إلى الصواب.
كذلك من المفاهيم التي أدركتها ولاحظتها وربما يقع بعض الشباب فيها: التهوين من شأن بعض المجالات، وعدم الالتفات إليها، والقول بالتركيز على مجالات معينة.
هذا ليس بصحيح، أنا لا أحسن إلا هذا المجال، فلماذا تهون من شأنه، تريد أن تثبطني حتى أتركه، فلا أعمل، أنا لا أحسن إلا هذا المجال، قد تكون أنت قادراً على مجالات عديدة في الدعوة مثلاً، لكنني أنا لا أستطيع أن أحسن من الدعوة إلا مجالاً واحداً، فلماذا تهون من شأنه؟ بل إذا وجدتني على ثغرة قد عضضت بالنواجذ عليها، فأعني وثبتني واشكرني وأيدني، فإن لم يكن ذلك عندك.
لا خيل عندك تهديها ولا مالُ فليسعف النطق إن لم تسعد الحالُ
إذا لم تستطع أن تدعمني وتؤيدني على هذا المجال الذي أنا فيه بكلمة طيبة، فإن بخلت وعجزت بكلمة طيبة (فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
أنا أضرب مثالاً من الواقع: شاب يقول لآخر: لماذا تعمل في مكاتب هذه الجالية؟ ليسوا غير هنود رائحين وهنود قادمين وطالعين ونازلين! وهل دعوة غير المسلمين إلى الإسلام أمر هين؟ مثلاً بعض الشباب يرى في باله أنه لو استطاع أن يكبس أو يكتشف أو يداهم شبكة دعارة أن ذلك هو أخطر وأهم وأكبر مجال يستطيع أن ينصر فيه الدعوة إلى الله جل وعلا، لكن أن يسلم على يده هندي، أو هندوسي، أو بوذي، أو وثني، أو نصراني، أو يهودي، هذا مسألة لا تقوم ولا تقعد عنده، لا يا أخي هؤلاء على ضلالهم ودعارتهم على سبيل المثال لا يزالون مسلمين، وهم فساق وعصاة ومرتكبو كبيرة، لكن هذا ترك الكفر إلى الإسلام، كان يسجد للصليب، فأصبح يسجد لله، كان يخضع للأوثان، فأصبح يخضع لله ، فلماذا تهون من هذا المجال؟ يعني: لا بد أن نؤمن بقدرات وإمكانيات وتخصصات كل في مجاله، بل هذا يدعو إلى النظر في فقه الأولويات والاهتمام به، هل يستطع أحد أن يقول: إن الاهتمام بإنكار منكر أعظم وأجلّ وأعلى قدراً من دخول كافرٍ في الإسلام؟ طبعاً لا، لكن هذا لا يعني أن الذي يعمل في الجاليات يثرب على أهل الهيئات والحسبة الذين يطاردون أهل الكبائر والمنكرات، بل أولئك على ثغر، وأنت على ثغر، وهذا الذي يتربى عند العلماء في حلق العلم على ثغر، وهذا الذي يعمل في الأعمال الخيرية على ثغر، وهذا الذي يعمل في كفالة الأيتام على ثغر، وهذا الذي يدعو في السجون على ثغر، وهذا الذي يخالط الشباب ويدعوهم ويكلمهم ويدعوهم بلغتهم والمستوى الذي يفهمونه على ثغر، وكلٌ على ثغر، فإياك أن تهون من شأن مجال يعمل فيه واحد من إخوانك.
ليس هذا- كما قلت- بدعوة إلى أن يجتمع الناس في مجلس واحد، وهو أيضاً تحذيرٌ من أن يهون بعضنا من مجال يشتغل فيه البعض الآخر، إنما من واجبا أن نحترم القدرات والمهارات، وأن نوظف الطاقات كلٌ في المجال الذي يصلح له بإذن الله .
стр. 2413
انصراف الناس عن العمل والدعوة
أيها الأحبة! أعود لأقول مذكراً بالحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمر: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة).
أذكر كما علمت أن أحد الإخوة خطب خطبة جمعة، وبعد الجمعة قال: أيها الأحبة -في مسجد لا يقل عدد المصلين فيه عن ثلاثة آلاف مصلٍّ أغلبهم من الشباب- إننا نفتح مجال المشاركة والمساهمة معنا في مكتب الدعوة وتوعية الجاليات في شعبة متابعة المسلم الجديد، فنريد من يعمل أو يتابع معنا، فلم يتقدم إلا ثلاثة من ثلاثة آلاف، نحلل هذه الظاهرة: إما أن يكون الجميع مشغولين بالدعوة كل واحد منهم في مجال آخر، هذا يعمل في تحفيظ القرآن، وهذا تجويد، وإما أن يكون هؤلاء الثلاثة الآلاف بعد أن نخرج منهم ألفاً هم كبار في السن، ويبقى ألفان إما أن يكونوا مشغولين فعلاً بمجالات الدعوة، ليس لديهم وقت فراغ يعملون، أو أن يكون هؤلاء لم يهتموا بالعمل في الدعوة إلى الله ، وهذه مسألة خطيرة! لو كان الثلاثة الآلاف هؤلاء كلهم يعملون في الدعوة، لرأيت أمراً آخر.
إذاً الواقع أيها الأحبة: لم تعد عندنا تلك الحرقة، وذاك الحماس، وتلك الإيجابية، وذلك التعاون والتخطيط والترتيب، وتلك المتابعة من أجل تحقيق عمل دعوي، أعرف في حي من الأحياء أحد الإخوة على ثغر دعوي، جندي مجهول، ماذا عنده؟ يعلم أطفالاً كتاب الله و (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ويأخذهم في كل أسبوع في رحلة يقرأ عليهم من الأحاديث، ويشرح لهم، ويلعب معهم الكرة، ويعطيهم الجوائز، وهو على هذا العمل سنين مستمر عليه، يا ليت كل واحد يأخذ له مجالاً دعوياً، ويعمل فيه! لكن للأسف إلى الآن ما تحركت هذه القضية في قلوبنا الحركة المناسبة، أو بالقدر المطلوب.
стр. 2414
خطأ حصر القيام بالدعوة على فئة معينة
كذلك أيها الأحبة من الملاحظات: أن تجد من يرى حصر انتفاع الإسلام والدعوة في فئة معينة، يعني: يتصور أنه يمكن يخدم الإسلام فقط أصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء، أو القضاة الأكابر، أو أو إلى آخره، يعني: لا يتصور أنه يمكن أن يخدم الإسلام من جميع البشر الذين أمامه.
أيها الأحبة! أنا إذا تصورت أنني لا أستطيع أن أوظف جهود الحاضرين لخدمة الإسلام والدعوة إلا من خلال مواصفات معينة، فمن تنطبق عليهم هذه المواصفات هم الذين سيخدمون، والبقية لن يعملوا شيئاً أبداً، وإذا تصورت أن جميع الحاضرين بإمكاني أن أوظف جهودهم، فأنا أستطيع أن أوظف جهوداً ضخمة وخطيرة وجبارة في خدمة الدعوة إلى الله ، إذاً من أين ينشأ الخلل؟ ينشأ من أنك تتصور أن خدمة الإسلام ونفع الدعوة لا يمكن أن تحصل إلا من عدد محدود، أو من طائفة معينة، والبقية لا، وبعبارة أوضح وأشمل: ينبغي أن تتصور أن الفاسق يمكن أن يخدم الإسلام، والفاسق يمكن أن يعينك في أمر ترجوه عند الله ، ففسقه له وحسناته لله ، لكن تنفعه بإذن الله ، ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٢].
لماذا لا نتصور أن الإنسان إذا كانت عنده معاص، أو منكرات أو فسق أنه لا يمكن أن يكون عنده عمل صالح؟ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] بل إن بعض الذين عليهم سمات الفسق الظاهر، أو شيء من هذا تستطيع أنك تكلمه أحياناً، وتشعره بأنه يستطيع أن يتبنى قضايا دعوية، أو أموراً مهمة، فتجد فيه إيجابية، إذاً لماذا نعجب؟
стр. 2415
إسلام نصراني على يد فاسق
في مدينة الرياض رجل يشرب الخمر (سكير) لكن فيه خيراً وهو حبيب لطيف، لكنه يشرب الخمر دائماً، فشرب ذات يوم، واتصلت زوجته بأحد الإخوة متضايقة من حاله، فجاء إليهم، فوجد هذا الرجل، ووجد معه السائق -وكان نصرانياً- وجد الرجل جالساً مع السائق يتحدث معه، فعجب كيف يتحدث وهو سكران؟ فإذ به يدعوه إلى الإسلام -والذي لا إله إلا هو أيها الأحبة إن هذه قصة حقيقية- وهو ليس لديه تلك الحقائق عن الإسلام، لكن يقول: اسمه راجو، وراجو هذا أسلم في مكتب الدعوة وتوعية الجاليات في البديعة، ومحضر وشهادة إسلامه موجودة، فيقول: يا راجو! لابد أن تسلم! الرجل في حالة سكر، ليس في حالة طبيعية، طبعاً هو كان يدعوه قبل سكره، يعني: ما جاء الفتح بالدعوة يوم سكر، لا يأتي أحد الناس يقول: أنا عجزت أن أدعو! لا بد أن أشرب كأساً!!! لا، الرجل كان يدعو هذا النصراني في أوقات صحوته، كلما رآه قال: يا راجو أسلم، يا راجو أنت لماذا لم تسلم؟ يا راجو لابد أن تسلم! المهم سكر ذاك اليوم، وجلس يكلمه ويكلمه، ولما جاء الأخ ودخل عليه وجد هذا الأخ راجو متهيئاً تماماً للإسلام، فأخذه وأكمل له اللازم وأنطقه الشهادتين، وأحاله إلى مكتب الجاليات، كيف أسلم؟ والله ما أتته رسالة ولا أعطي كتاباً، لكن هذا الفاسق الذي يشرب الخمر كان يدعوه إلى الإسلام، فأسلم على يده.
إذاً أيها الأحبة! لا نتصور أن من يفعل المعصية لا يمكن أن يفعل الطاعة، لا نحرم المسلمين من نفعه وخيره، ألم يكن الصحابي يجلد عند رسول الله ﷺ ، ويقول أحد الصحابة: [أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به في الخمر] فقال ﷺ : (لا تعينوا الشيطان على أخيكم) ما قال لهم: يستاهل، وما حفظ أن النبي ﷺ طرده عن مجلسه، وما حفظ أن النبي ﷺ تبرأ منه، وما حفظ أن النبي ﷺ قال: أنت صحابي معنا وفي الخلف تشرب خمر؟ سبحان الله العلي العظيم!
стр. 2416
إمكان وقوع الخير من جميع فئات المسلمين
لماذا لا نتعامل مع المجتمع من حولنا بكل إمكانية وطاقة ومقدرة ونستثمر الجوانب الخيرة فيه، قد يكون عنده تقصير في جوانب، لكن عنده جوانب إيجابية هل تحسسناها؟ هل بحثنا عنها؟ هل التمسناها؟ فإذا حركت هذا الخير في نفسه، طبعاً هذا لا يعني أنك لا تنكر عليه، لا يفهمنا أحد فهماً خاطئاً، بأنك خلاص تقول: والله ما دام هذا الرجل عاصياً أو فاسقاً وحصل منه خير، إذاً لا تنكر عليه المعصية، لا.
إنما استثمر ما عنده من الخير أولاً، ابدأه بالخير الذي عنده، وانظر كيف تنكر هذا المنكر الذي وقع فيه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن في ذلك خيراً عظيماً أيها الأحبة.
خلاصة الأمر: أن البعض لا يتصور خدمة الإسلام، أو نفع المسلمين، أو إمكان نفع الدعوة، أو فعل الخير إلا من رجل صالح، لا.
بل يمكن أن يقع الخير من صالح سابق بالخيرات، ومن ظالم لنفسه، ومن مقتصد، وهذا في نفس الوقت يجعلنا نخاف، لأننا لا نتكلم وننظر إلى الآخرين، النبي ﷺ ، قال: (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر) فخف على نفسك أنت أن تكون ذاك الفاجر الذي ينصر به الدين، الله يقول في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] لماذا لا تخاف على نفسك، وتخشى الله أن تكون ذلك المنافق الذي إذا تكلم سمع له الناس؟ وفيك نفاق قد تأصل وأنت لا تدري، هذا الكلام ليس حكماً على الآخرين فقط، بل هو أيضاً خوفٌ على نفسك، ورغبة في إصلاح الآخرين، والاستفادة من الخيرات الموجودة فيهم بإذن الله .
стр. 2417
عموم خطاب القرآن للأمة بالإيمان
إن الأمة كل الأمة تخاطب بالقرآن العظيم"يا أيها الذين آمنوا" وهل كل الأمة على درجة الإيمان الكامل بأركان الإيمان وأحكامه وآدابه وشرائعه؟ لا.
ومع ذلك خوطبت الأمة بالعموم تغليباً، خوطبت بالجانب الخير فيها، دخل في هذا الخطاب الفساق أهل المعاصي الذنوب، وينادون باسم الإيمان، لماذا؟ تغليباً في الخطاب للجانب الخيّر فيهم، فلماذا لا نغلب في خطابنا واستثمار الطاقات الموجودة في مجتمعنا، أن نغلب الجوانب الخيرة في الناس، فإن ذلك خيرٌ عظيمٌ بإذن الله .
أقول: إذا فهمت هذه القضية، فإن ذلك يجعلك تستثمر أكبر عدد ممكن من الناس، إذا كان عندك في العمل مائة زميل من زملائك في العمل فيهم عشرة متدينين إن كنت تنظر أنه لا يمكن خدمة الإسلام إلا من خلال هؤلاء المتدينين، فأنت تستثمر عشرة، وإن كنت ترى أنه يمكن أن تستثمر جميع الطاقات الموجودة في هؤلاء، فأنت تستثمر هؤلاء العشرة بدرجة ثمانين في المائة، وتستثمر التسعين بدرجة عشرين أو ثلاثين أو أربعين في المائة بمقدار الخير الموجود فيهم، لكن انظر من أي جانب تدخل، قد يكون هذا الشخص الذي لا تعده متديناً لا يحب الشريط، ولا الكتاب، لكن يمكن أن يكفل داعية، قد لا يحب شيئاً اسمه الكفالات، يمكن أن يهدي شريطاً أو ينسخ شريطاً، أو يعطيك آلة تسجيل ترسلها إلى بلدة مسلمة محتاجة، المهم أنك ستجد أن هناك مجالات خيرة تستفيد فيها بإذن الله .
стр. 2418
دعوة الأفراد ودعوة الجماعات
أيضاً من المفاهيم الغريبة والعجيبة، وهذه لاحظتها في الخارج كثيراً: أن يتصور البعض أنه لا يمكن أن تتم الدعوة إلى الله إلا من خلال جماعة، أو حزب منظم، فيتصور البعض أنه لا يمكن أن يدعو إلى الله، أو يشارك في الجهود الدعوية إلا بعد أن ينخرط في سلك الجماعة، وأن يلتزم بأحكامها وأوامرها، ونقول: هذا ليس بصحيح.
بل هناك أشخاص نراهم أكبر من أفكار الجماعات، ونراهم أوسع آفاقاً من أفكار هذه الجماعات، بعض الأشخاص الله أعطاه فكراً كبحر يتدفق، والجماعة قوالب معينة، فكيف تريد أن تجر هذا البحر وهذا الفكر، وهذه الفتوحات، وتجعله في قالب جماعة، أو حزب، أو مجموعة منظمة معينة؟
الجواب
يمكن أن تدعو إلى الله جل وعلا من خلال هذه الجماعة ومن خارجها، والأدلة والشواهد على ذلك في تاريخ الإسلام كثيرة، أنا أقول هذا أيها الأحبة لماذا؟ لأن بعضهم في ريبة من أخطاء جماعته، أو أخطاء حزبه، يريد أن يترك هذا الحزب، أو أن يترك هذه الجماعة مثلاً، ولكن يظن أنه إذا تركهم فلن يستطيع أن يدعو، أو يؤثر، أو يعمل، لا،
الجواب
أنه يمكن أن يعمل، وأن يلتزم، بل بعضهم يظن أنه لو ترك هذه الجماعة، لم يعد أمامه خيار آخر إلا أن ينحرف، وأن يضل ضلالاً بعيداً، هذا ليس بصحيح، بل الشريعة والعبادة والدين واضح وجلي بحمد الله ، ومجالات الدعوة- كما قلنا- متاحة، وتستطيع أن تدعو إلى الله دون الانخراط في هذا الحزب أو في هذه الجماعة، وهذا ليس من باب الحرب على الجماعات، بل في الجماعات حسنات وسيئات، وعندها صواب وخطأ، والحق مقبول، والخطأ مردود، ولكن المقصود بيان إمكان العمل بسهولة تامة، وتأثير بالغ دون أن يرتبط الإنسان بهذه الجماعة.
أما فيما يتعلق ببلادنا في هذه المملكة الطيبة المباركة الذي أراه أننا في بلاد لا يسوغ لنا أن نعمل في ظل جماعات منظمة أو أحزاب، هذا طبعاً كما أعلم غير موجود ولله الحمد، ليس هذا اتهاماً، لكن لو أراد أن يقول ذلك، نقول: لماذا نكون جماعة؟ نحن بلاد مسلمة، ودولة مسلمة، وعندنا خير، وأخطاء، وحسنات، وسيئات، وسيئاتنا وأخطاؤنا لا تخرجنا عن صفة الإسلام، والحسنات الموجودة عندنا تستطيع أن تستثمر جهودك من خلالها، أومن خلال قنواتها، فأنت على خير عظيم بإذن الله ، فينبغي أن ننتبه لهذا، وحينما أقول ذلك، أدعو حتى لا يقع أحد في أمر جهل منه.
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
ربما شاب غرير يسافر إلى الخارج، ثم يلقى جماعة يقولون له: تعال معنا نريد أن نكون جماعة، تعال بايعنا عندنا أمير، ومسئول، ونقيب، وقل له: يا أخي الحبيب! أنا في بلد مسلمة لا أحتاج إلى ذلك، اسألهم.
قل: هذه الجماعة من أجل ماذا؟ يقولون: من أجل إقامة دولة مسلمة، قل: الآن أعيش في دولة مسلمة، الجهود التي تريدني أن أفعلها في إقامة دولة مسلمة هي موجودة، جهودي أوجهها في إنكار المنكر، والأمر بالمعروف، وإصلاح الخطأ، وتكثير الخير، وتقليل الشر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، لا أن أتصور أنني ينبغي أن أعيش بكيان أو بتنظيم معين داخل هذه الدولة معاذ الله، وعلماؤنا الأفاضل وكبار العلماء قد نهوا عن ذلك، وحديث النبي ﷺ في صحيح الإمام مسلم: (لا حلف في الإسلام) في عصور الخلافة، في عهد أبي يكر الصديق ﵁ وأرضاه، في عهد عمر هل وجدتم بعض الصحابة ذهب يصنع له جماعة من أجل أن ينكر منكراً؟ لا.
ينكر المنكر مباشرة بأساليبه، بأحكامه، بآدابه، بضوابطه، من يوفق إلى الخير يهد إليه، من يحقق الله على يده خيراً فالحمد لله، من يعجز عن ذلك، أو يبتلى، أو يحصل له ما يحصل، يصبر على ما يأتيه، وهذه سنة الله في خلقه.
стр. 2419
خطأ تعليق العمل للإسلام بالجهاد
كذلك من الغرائب، أو هي من العجائب: تعليق العمل للإسلام بالجهاد، فإذا لم يكن هناك جهاد فلا دعوة، ولا عمل، ولا جهد أو غير ذلك.
وهذا ليس بصحيح، إن الجهاد وسيلة لتبليغ الدعوة، فإذا حصل البلاغ بغيره حصل الخير، وأقول هذا الكلام، لأن كثيراً من الشباب الذين بارك الله فيهم، ونفع بهم، وسدد رصاصهم، وأبلوا بلاءً حسناً في حرب الشيوعيين والروس مثلاً في أفغانستان تجد بعضهم لما رجع من أفغانستان، جلس بدون عمل دعوي، لماذا لا تعمل؟ يعني ما هناك عمل إلا في جانب عسكري وإلا فلا يمكن أن تجد عملاً آخر، لا.
الجهاد مرحلة متقدمة عند تعذر الدعوة، أنت الآن في بلاد فيها مجالات دعوية كثيرة متاحة ومفتوحة، فبادر يا أخي الكريم بالعمل، ولا تجعل هذا الفكر يتسلط عليك، ترصد أو قصف، أو أسرى أو ألغام إذاً لا عمل! لا.
ستجد مجالات للعمل كثيرة بإذن الله.
بل إن هذا الفكر، وهو قول الإنسان: ليس هناك جهاد، إذاً لا أستطيع أن أعمل، ربما يدعوك إلى أنك تذهب تحرض أقواماً عاجزين عن الجهاد، أو هم أقليات في بعض البلاد تذهب وتحرضهم على أن يفعلوا عملاً وهم لا يستطيعون مواجهة هذا العدو الكبير، ثم بعد ذلك ماذا يحصل؟ إذا- لا قدر الله- حصل هذا لأنه إنسان متعلق بالجهاد وانتهى الجهاد، وما هناك عمل جهادي، ولا يريد أن يعمل إلا في ظل الجهاد، وفي غير الجهاد لا يتصور أن هناك عملاً ودعوة، يذهب ويحرض أناساً في أي جهة من الجهات، وبعد ذلك يصدقونه ويتحركون معه، وهو مجموعة أقلية مسلمة فقيرة ضعيفة مريضة ليس لديها أي إمكانيات تبدأ تتحرك وجدوا لهم خمسمائة رشاش، وألف قذيفة، وصاروخين استنجر، هيا باسم الله نبدأ بالجهاد، لا يا أخي الحبيب هذا أمر يحتاج إلى نظر، وتأمل، ودراسة، فلا يلزم من انتهاء الجهاد في أفغانستان، أو البوسنة أن تفجر الجهاد في مكان آخر، وأنت لا تدري عن أوضاعهم وظروفهم، ولا تدرس أحوالهم، ولا تعرف من يمدهم، ولا تعرف من يقف معهم، ولا تعرف هل من بينهم من هو قادر على أن يقيم مثل هذا العمل، أو لا يقيمه، فتزج بهم في معركة غير متوازنة ومشاريع عسكرية غير مدروسة، وهذا أمر خطير، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 2420
غربة الإسلام المعاصرة
كذلك أيها الأحبة من المفاهيم العجيبة حول قول النبي ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء).
بعض الإخوة يتصور أن غربة الإسلام غير موجودة، يقول لك: يا أخي انظر هذه محاضرة، وهذا المجتمع كل الناس حاضرين ولله الحمد، والمسجد ممتلئ، وهناك محاضرات، وهناك ندوات، ولماذا الكلام عن غربة لإسلام؟ ولماذا تتكلم عن غربة الإسلام؟ الخطأ يأتي هنا، لا تحكم بغربة الإسلام وعدمها من خلال بيئتك المحافظة، أو الملتزمة، أو التي فيها أعمال دعوية، أو نشاط دعوي معين، انظر إلى غربة الإسلام والمسلمين أحياءً وأمواتاً في كثير من البلدان في الخارج، يعيشون غربةً حقيقيةً لا يستطيع أحدهم أن يأمن على نفسه ودينه، في بعض البلدان أحدهم لو صلى الفجر مرات متوالية لأصبح متهماً، وفي بعض البلدان الفتاة المحجبة تبتلى وتسجن وتؤذى، هذه غربة حقيقة، لا تنظر إلى مجتمعك، وتقول: والله أنا في خير، وما هناك غربة في الإسلام، لا.
الغربة موجودة، لكن لا تنسب الوضع إلى مجتمعك فقط، انظر إلى مجتمع المسلمين عامةً، وانظر إلى حياة المسلمين عامة؛ ستجد الغربة الحقيقية التي ربما جعلت الجيل الثاني، والثالث من أبناء المسلمين يتنصرون، تصوروا في الأرجنتين، وتشيلي، وأمريكا الجنوبية عوائل مسلمة هاجرت، فكانت النتيجة المفجعة المؤلمة أن الجيل الثالث من أبناء هذه العوائل أصبحوا نصارى بأسماء نصارى، وأجدادهم مسلمون بأسماء مسلمين، الغربة موجودة.
البعض عندما تكلمه عن غربة الإسلام، يقول لك: يا أخي نحن بخير والحمد لله، حسناً هل الإسلام كله بلادنا؟ حينما تتكلم عن المسلمين فلا تتكلم عن المسلمين فقط في حدود المملكة، بل تكلم عن المسلمين عموماً، فتتكلم عن غربة المسلمين، نعم في بعض البقاع هم بخير، وفي بقاع كثيرة هم في فتن وبلاء وشر الله به عليم، فينبغي أن ننتبه لهذه القضية.
وأقول: هذا الشعور بعدم الغربة استناداً إلى ما ترى من واقع الخير- ولله الحمد- يجعلك لا تهتم ولا تبالي بأحوال المسلمين، ولا تتألم بآلامهم، بل لا بد أن تستحضر غربة الإسلام في هذا الزمن، وغربة المسلمين في هذا الزمن حتى يتحرك الجسد، أليس المسلمون كما قال ﷺ : (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) نعم.
فهناك أعضاء متألمة من جسد الإسلام والمسلمين اليوم يتألمون ويتأوهون ويبكون ويسكبون العبرات، ويصيحون، ولا يجدون من يغيث، أو ينجد، أو ينصر، ولا أدَل على ذلك من الذي يحدث الآن في فلسطين من حال إخواننا المسلمين اليوم، ولكن ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩].
следующие страницы →