Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
إمكان وقوع الخير من جميع فئات المسلمين
لماذا لا نتعامل مع المجتمع من حولنا بكل إمكانية وطاقة ومقدرة ونستثمر الجوانب الخيرة فيه، قد يكون عنده تقصير في جوانب، لكن عنده جوانب إيجابية هل تحسسناها؟ هل بحثنا عنها؟ هل التمسناها؟ فإذا حركت هذا الخير في نفسه، طبعاً هذا لا يعني أنك لا تنكر عليه، لا يفهمنا أحد فهماً خاطئاً، بأنك خلاص تقول: والله ما دام هذا الرجل عاصياً أو فاسقاً وحصل منه خير، إذاً لا تنكر عليه المعصية، لا.
إنما استثمر ما عنده من الخير أولاً، ابدأه بالخير الذي عنده، وانظر كيف تنكر هذا المنكر الذي وقع فيه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن في ذلك خيراً عظيماً أيها الأحبة.
خلاصة الأمر: أن البعض لا يتصور خدمة الإسلام، أو نفع المسلمين، أو إمكان نفع الدعوة، أو فعل الخير إلا من رجل صالح، لا.
بل يمكن أن يقع الخير من صالح سابق بالخيرات، ومن ظالم لنفسه، ومن مقتصد، وهذا في نفس الوقت يجعلنا نخاف، لأننا لا نتكلم وننظر إلى الآخرين، النبي ﷺ ، قال: (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر) فخف على نفسك أنت أن تكون ذاك الفاجر الذي ينصر به الدين، الله يقول في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] لماذا لا تخاف على نفسك، وتخشى الله أن تكون ذلك المنافق الذي إذا تكلم سمع له الناس؟ وفيك نفاق قد تأصل وأنت لا تدري، هذا الكلام ليس حكماً على الآخرين فقط، بل هو أيضاً خوفٌ على نفسك، ورغبة في إصلاح الآخرين، والاستفادة من الخيرات الموجودة فيهم بإذن الله .
стр. 2417
عموم خطاب القرآن للأمة بالإيمان
إن الأمة كل الأمة تخاطب بالقرآن العظيم"يا أيها الذين آمنوا" وهل كل الأمة على درجة الإيمان الكامل بأركان الإيمان وأحكامه وآدابه وشرائعه؟ لا.
ومع ذلك خوطبت الأمة بالعموم تغليباً، خوطبت بالجانب الخير فيها، دخل في هذا الخطاب الفساق أهل المعاصي الذنوب، وينادون باسم الإيمان، لماذا؟ تغليباً في الخطاب للجانب الخيّر فيهم، فلماذا لا نغلب في خطابنا واستثمار الطاقات الموجودة في مجتمعنا، أن نغلب الجوانب الخيرة في الناس، فإن ذلك خيرٌ عظيمٌ بإذن الله .
أقول: إذا فهمت هذه القضية، فإن ذلك يجعلك تستثمر أكبر عدد ممكن من الناس، إذا كان عندك في العمل مائة زميل من زملائك في العمل فيهم عشرة متدينين إن كنت تنظر أنه لا يمكن خدمة الإسلام إلا من خلال هؤلاء المتدينين، فأنت تستثمر عشرة، وإن كنت ترى أنه يمكن أن تستثمر جميع الطاقات الموجودة في هؤلاء، فأنت تستثمر هؤلاء العشرة بدرجة ثمانين في المائة، وتستثمر التسعين بدرجة عشرين أو ثلاثين أو أربعين في المائة بمقدار الخير الموجود فيهم، لكن انظر من أي جانب تدخل، قد يكون هذا الشخص الذي لا تعده متديناً لا يحب الشريط، ولا الكتاب، لكن يمكن أن يكفل داعية، قد لا يحب شيئاً اسمه الكفالات، يمكن أن يهدي شريطاً أو ينسخ شريطاً، أو يعطيك آلة تسجيل ترسلها إلى بلدة مسلمة محتاجة، المهم أنك ستجد أن هناك مجالات خيرة تستفيد فيها بإذن الله .
стр. 2418
دعوة الأفراد ودعوة الجماعات
أيضاً من المفاهيم الغريبة والعجيبة، وهذه لاحظتها في الخارج كثيراً: أن يتصور البعض أنه لا يمكن أن تتم الدعوة إلى الله إلا من خلال جماعة، أو حزب منظم، فيتصور البعض أنه لا يمكن أن يدعو إلى الله، أو يشارك في الجهود الدعوية إلا بعد أن ينخرط في سلك الجماعة، وأن يلتزم بأحكامها وأوامرها، ونقول: هذا ليس بصحيح.
بل هناك أشخاص نراهم أكبر من أفكار الجماعات، ونراهم أوسع آفاقاً من أفكار هذه الجماعات، بعض الأشخاص الله أعطاه فكراً كبحر يتدفق، والجماعة قوالب معينة، فكيف تريد أن تجر هذا البحر وهذا الفكر، وهذه الفتوحات، وتجعله في قالب جماعة، أو حزب، أو مجموعة منظمة معينة؟
الجواب
يمكن أن تدعو إلى الله جل وعلا من خلال هذه الجماعة ومن خارجها، والأدلة والشواهد على ذلك في تاريخ الإسلام كثيرة، أنا أقول هذا أيها الأحبة لماذا؟ لأن بعضهم في ريبة من أخطاء جماعته، أو أخطاء حزبه، يريد أن يترك هذا الحزب، أو أن يترك هذه الجماعة مثلاً، ولكن يظن أنه إذا تركهم فلن يستطيع أن يدعو، أو يؤثر، أو يعمل، لا،
الجواب
أنه يمكن أن يعمل، وأن يلتزم، بل بعضهم يظن أنه لو ترك هذه الجماعة، لم يعد أمامه خيار آخر إلا أن ينحرف، وأن يضل ضلالاً بعيداً، هذا ليس بصحيح، بل الشريعة والعبادة والدين واضح وجلي بحمد الله ، ومجالات الدعوة- كما قلنا- متاحة، وتستطيع أن تدعو إلى الله دون الانخراط في هذا الحزب أو في هذه الجماعة، وهذا ليس من باب الحرب على الجماعات، بل في الجماعات حسنات وسيئات، وعندها صواب وخطأ، والحق مقبول، والخطأ مردود، ولكن المقصود بيان إمكان العمل بسهولة تامة، وتأثير بالغ دون أن يرتبط الإنسان بهذه الجماعة.
أما فيما يتعلق ببلادنا في هذه المملكة الطيبة المباركة الذي أراه أننا في بلاد لا يسوغ لنا أن نعمل في ظل جماعات منظمة أو أحزاب، هذا طبعاً كما أعلم غير موجود ولله الحمد، ليس هذا اتهاماً، لكن لو أراد أن يقول ذلك، نقول: لماذا نكون جماعة؟ نحن بلاد مسلمة، ودولة مسلمة، وعندنا خير، وأخطاء، وحسنات، وسيئات، وسيئاتنا وأخطاؤنا لا تخرجنا عن صفة الإسلام، والحسنات الموجودة عندنا تستطيع أن تستثمر جهودك من خلالها، أومن خلال قنواتها، فأنت على خير عظيم بإذن الله ، فينبغي أن ننتبه لهذا، وحينما أقول ذلك، أدعو حتى لا يقع أحد في أمر جهل منه.
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
ربما شاب غرير يسافر إلى الخارج، ثم يلقى جماعة يقولون له: تعال معنا نريد أن نكون جماعة، تعال بايعنا عندنا أمير، ومسئول، ونقيب، وقل له: يا أخي الحبيب! أنا في بلد مسلمة لا أحتاج إلى ذلك، اسألهم.
قل: هذه الجماعة من أجل ماذا؟ يقولون: من أجل إقامة دولة مسلمة، قل: الآن أعيش في دولة مسلمة، الجهود التي تريدني أن أفعلها في إقامة دولة مسلمة هي موجودة، جهودي أوجهها في إنكار المنكر، والأمر بالمعروف، وإصلاح الخطأ، وتكثير الخير، وتقليل الشر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، لا أن أتصور أنني ينبغي أن أعيش بكيان أو بتنظيم معين داخل هذه الدولة معاذ الله، وعلماؤنا الأفاضل وكبار العلماء قد نهوا عن ذلك، وحديث النبي ﷺ في صحيح الإمام مسلم: (لا حلف في الإسلام) في عصور الخلافة، في عهد أبي يكر الصديق ﵁ وأرضاه، في عهد عمر هل وجدتم بعض الصحابة ذهب يصنع له جماعة من أجل أن ينكر منكراً؟ لا.
ينكر المنكر مباشرة بأساليبه، بأحكامه، بآدابه، بضوابطه، من يوفق إلى الخير يهد إليه، من يحقق الله على يده خيراً فالحمد لله، من يعجز عن ذلك، أو يبتلى، أو يحصل له ما يحصل، يصبر على ما يأتيه، وهذه سنة الله في خلقه.
стр. 2419
خطأ تعليق العمل للإسلام بالجهاد
كذلك من الغرائب، أو هي من العجائب: تعليق العمل للإسلام بالجهاد، فإذا لم يكن هناك جهاد فلا دعوة، ولا عمل، ولا جهد أو غير ذلك.
وهذا ليس بصحيح، إن الجهاد وسيلة لتبليغ الدعوة، فإذا حصل البلاغ بغيره حصل الخير، وأقول هذا الكلام، لأن كثيراً من الشباب الذين بارك الله فيهم، ونفع بهم، وسدد رصاصهم، وأبلوا بلاءً حسناً في حرب الشيوعيين والروس مثلاً في أفغانستان تجد بعضهم لما رجع من أفغانستان، جلس بدون عمل دعوي، لماذا لا تعمل؟ يعني ما هناك عمل إلا في جانب عسكري وإلا فلا يمكن أن تجد عملاً آخر، لا.
الجهاد مرحلة متقدمة عند تعذر الدعوة، أنت الآن في بلاد فيها مجالات دعوية كثيرة متاحة ومفتوحة، فبادر يا أخي الكريم بالعمل، ولا تجعل هذا الفكر يتسلط عليك، ترصد أو قصف، أو أسرى أو ألغام إذاً لا عمل! لا.
ستجد مجالات للعمل كثيرة بإذن الله.
بل إن هذا الفكر، وهو قول الإنسان: ليس هناك جهاد، إذاً لا أستطيع أن أعمل، ربما يدعوك إلى أنك تذهب تحرض أقواماً عاجزين عن الجهاد، أو هم أقليات في بعض البلاد تذهب وتحرضهم على أن يفعلوا عملاً وهم لا يستطيعون مواجهة هذا العدو الكبير، ثم بعد ذلك ماذا يحصل؟ إذا- لا قدر الله- حصل هذا لأنه إنسان متعلق بالجهاد وانتهى الجهاد، وما هناك عمل جهادي، ولا يريد أن يعمل إلا في ظل الجهاد، وفي غير الجهاد لا يتصور أن هناك عملاً ودعوة، يذهب ويحرض أناساً في أي جهة من الجهات، وبعد ذلك يصدقونه ويتحركون معه، وهو مجموعة أقلية مسلمة فقيرة ضعيفة مريضة ليس لديها أي إمكانيات تبدأ تتحرك وجدوا لهم خمسمائة رشاش، وألف قذيفة، وصاروخين استنجر، هيا باسم الله نبدأ بالجهاد، لا يا أخي الحبيب هذا أمر يحتاج إلى نظر، وتأمل، ودراسة، فلا يلزم من انتهاء الجهاد في أفغانستان، أو البوسنة أن تفجر الجهاد في مكان آخر، وأنت لا تدري عن أوضاعهم وظروفهم، ولا تدرس أحوالهم، ولا تعرف من يمدهم، ولا تعرف من يقف معهم، ولا تعرف هل من بينهم من هو قادر على أن يقيم مثل هذا العمل، أو لا يقيمه، فتزج بهم في معركة غير متوازنة ومشاريع عسكرية غير مدروسة، وهذا أمر خطير، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 2420
غربة الإسلام المعاصرة
كذلك أيها الأحبة من المفاهيم العجيبة حول قول النبي ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء).
بعض الإخوة يتصور أن غربة الإسلام غير موجودة، يقول لك: يا أخي انظر هذه محاضرة، وهذا المجتمع كل الناس حاضرين ولله الحمد، والمسجد ممتلئ، وهناك محاضرات، وهناك ندوات، ولماذا الكلام عن غربة لإسلام؟ ولماذا تتكلم عن غربة الإسلام؟ الخطأ يأتي هنا، لا تحكم بغربة الإسلام وعدمها من خلال بيئتك المحافظة، أو الملتزمة، أو التي فيها أعمال دعوية، أو نشاط دعوي معين، انظر إلى غربة الإسلام والمسلمين أحياءً وأمواتاً في كثير من البلدان في الخارج، يعيشون غربةً حقيقيةً لا يستطيع أحدهم أن يأمن على نفسه ودينه، في بعض البلدان أحدهم لو صلى الفجر مرات متوالية لأصبح متهماً، وفي بعض البلدان الفتاة المحجبة تبتلى وتسجن وتؤذى، هذه غربة حقيقة، لا تنظر إلى مجتمعك، وتقول: والله أنا في خير، وما هناك غربة في الإسلام، لا.
الغربة موجودة، لكن لا تنسب الوضع إلى مجتمعك فقط، انظر إلى مجتمع المسلمين عامةً، وانظر إلى حياة المسلمين عامة؛ ستجد الغربة الحقيقية التي ربما جعلت الجيل الثاني، والثالث من أبناء المسلمين يتنصرون، تصوروا في الأرجنتين، وتشيلي، وأمريكا الجنوبية عوائل مسلمة هاجرت، فكانت النتيجة المفجعة المؤلمة أن الجيل الثالث من أبناء هذه العوائل أصبحوا نصارى بأسماء نصارى، وأجدادهم مسلمون بأسماء مسلمين، الغربة موجودة.
البعض عندما تكلمه عن غربة الإسلام، يقول لك: يا أخي نحن بخير والحمد لله، حسناً هل الإسلام كله بلادنا؟ حينما تتكلم عن المسلمين فلا تتكلم عن المسلمين فقط في حدود المملكة، بل تكلم عن المسلمين عموماً، فتتكلم عن غربة المسلمين، نعم في بعض البقاع هم بخير، وفي بقاع كثيرة هم في فتن وبلاء وشر الله به عليم، فينبغي أن ننتبه لهذه القضية.
وأقول: هذا الشعور بعدم الغربة استناداً إلى ما ترى من واقع الخير- ولله الحمد- يجعلك لا تهتم ولا تبالي بأحوال المسلمين، ولا تتألم بآلامهم، بل لا بد أن تستحضر غربة الإسلام في هذا الزمن، وغربة المسلمين في هذا الزمن حتى يتحرك الجسد، أليس المسلمون كما قال ﷺ : (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) نعم.
فهناك أعضاء متألمة من جسد الإسلام والمسلمين اليوم يتألمون ويتأوهون ويبكون ويسكبون العبرات، ويصيحون، ولا يجدون من يغيث، أو ينجد، أو ينصر، ولا أدَل على ذلك من الذي يحدث الآن في فلسطين من حال إخواننا المسلمين اليوم، ولكن ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩].
стр. 2421
الحاجة الدائمة للجهاد
أيها الأحبة! إننا ما كرهنا مجيء من حرشوا على هؤلاء أمنهم وأوطانهم، أو بلادهم حتى تتحرك الغيرة الحقيقية، وأن يعلم المسلمون أن أوهام السلام الدائمة هذه غير واردة إطلاقاً، لا يمكن أن يعتقد مسلم يؤمن بالقرآن والسنة أنه سيتم سلام دائم لا يخدشه حربٌ أبداً، لأن هذا الاعتقاد يناقض الإيمان بالحديث (تقاتلون اليهود، فينصركم الله عليهم، ويقاتل معكم الشجر والحجر، حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! ورائي يهوديٌ تعال فاقتله) الذي يتصور أنه يمكن أن تعيش البشرية في ظل سلام إلى أن تقوم الساعة مع اليهود، هذا غير وارد أبداً، وهو مخالف لنصوص الكتاب والسنة، ربما يقع سلام في أزمان معينة، لكن لن يدوم، لن يستمر إطلاقاً، وهذا هو اعتقادنا.
أيها الأحبة! أيضاً من القضايا التي نلاحظها أن بعض المسلمين عنده غيرة، أو اجتهاد، أو نوع من الحركة، ولكن مثل: المسحة الطبية صالح للاستعمال لمرة واحدة فقط، بعض الإنسان عنده غيرة واحدة فقط استهلكها في أفغانستان، ما بقي عنده أي تحمس سواءً للبوسنة، أو للشيشان، أو لـ فلسطين، أو أورونيا، أو آراكان، أو بورما، أو الفليبين، أين الغيرة؟ استهلكناها في أفغانستان، أين العواطف والمشاعر الجياشة؟ ذهبت في قضية أفغانستان، هذا ليس صحيحاً، الغيرة المطلوبة من المسلم ينبغي أن تكون متجددة في كل عصر عاش فيه، في كل زمان عاش فيه، وكذلك في كل قضية من قضايا المسلمين ليحقق هذا التآلف، وهذا الترابط الذي وصفه النبي ﷺ .
стр. 2422
أهمية تحري الدقة في وصف الواقع
من العجائب والغرائب: أن نجد عند بعضنا مبالغةً في وصف الواقع، وتزيّداً واستطراداً في وصف الأحداث ونقلها، والواجب أن نكون أُمناء في الكلمة، وأن نصف الواقع بدقة، وأن ننقل الحدث حينما تدعو الحاجة لنقله بدقة، وألا نبالغ أبداً، صف ما رأيت، وانقل ما سمعت ولا تتجاوز.
إن المبالغة في وصف الأحداث قد تفضي إلى التثبيط والإرجاف والتخويف والإضعاف، وإن التهوين والتساهل في نقل الأحداث، ووصف الواقع قد يفضي إلى عدم أخذ الحيطة الكاملة والأهبة التامة أيضاً، فحينما نكون دقيقين في وصف واقعة معينة، فإن ذلك يجعلنا أمناء في نقل الكلمة، ونجعل الآخرين يأخذون للقضية أو للحدث حقيقتها التي لا زيادة فيها ولا نقصان.
فلو أن واحداً من الناس يقول: يا إخوان! شبَّ حريق في العمارة الفلانية -واشتعلت الأدوار الثلاثة، والأبواب، والنوافذ، فيأتي الإنسان الذي عنده رغبة في إطفاء الحريق، يقول: ماذا بقي؟ القضية انتهت والمبنى انتهى واحترق، إذاً لا حاجة، ما تجد عندك حرقة لأن تبادر، لأن المبنى احترق وانتهى، وفي الحقيقة أنه ما احترق إلا دور واحد، أو دوران فقط، فلو نقلت إليه الحقيقة، لبادر لاستدراك ما يمكن استدراكه من البناء دون أن يحترق، ويأتي آخر، يقول لك: والله إنه حصل حريق، لكنه في نافذتين وباب فقط، ولا أكثر، أو المبنى سليم، فهذا الذي يرغب أن يتحرك للإطفاء، يقول: مجرد نافذتين وباب، لا تحتاج إلى هذا الجهد كله، الناس الذين حوله يستطيعون أن يصلحوه، فانظروا من أين جاء الخلل: لما بالغنا في نقل الحدث أصبح فيه إرجاف وتثبيط ويأس، وعدم تفاؤل وإمكانية، أو غلب على الظن أنه ما عادت هناك إمكانية للسيطرة على هذا الحريق، ولما هونا من شأن الحدث، أصبح الأمر هيناً وكلناه وأسندناه إلى الذين بجواره، لكن إذا نقلنا الحدث بدقة، فإن ذلك يدعو إلى أن كلاً يأخذ أهبته، ويستعمل قدرته، ويشارك بحسب طاقته.
أقول هذا الكلام أيها الأحبة! ونحن نلاحظ أن هناك أحياناً مبالغات في نقل بعض الأحداث، ووصف بعض القضايا والوقائع، والواجب أن نكون دقيقين في نقل الكلام والأحداث، لست بحاجة أن أضرب الأمثلة مثلاً بقضية أفغانستان، فأذكر أن الكثير وأنا كنت واحداً من هؤلاء وهذا ليس والله دعوى أو بدافع كذب -معاذ الله- ولو كذب الإنسان ما كذب في منبر ولا في بيت الله، لكن بدافع الحماس يُحدث الناس على القضايا بما يُتفاءل به، تحدث الناس عن القضايا أنه سيكون كذا، وسيكون كذا، والأمل أن يحدث كذا، والأمل أن يحدث كذا، وأطلنا الحديث في الآمال والتفاؤلات، وما كان الحديث دقيقاً في وصف الواقع، فلما جاءت الغرائب والعجائب، قلنا: كيف حصل هذا؟ لو كنا أيام أفغانستان نسمع وننقل ونتداول الواقع بدقة بحسناته وسيئاته ما كان الذي يحدث اليوم أمراً عجيباً ولا غريباً علينا، لكن كنا نتكلم عن الواقع بنفس فيها تفاؤل، وأنه سيحدث كذا، وسيكون كذا بإذن الله، وهذا يدل على كذا، لم تكن هناك دقة في وصف الواقع، لكن نقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣] لن يضيع كل جهد من جهاد، أو حماس، أو تبرع، أو بذل، أو عمل يرجو به الإنسان وجه الله ، حتى وإن تقاتل المجاهدون، أو اختلفوا، أو قامت بينهم الفتن، نسأل الله أن يصلح أحوالهم بإذن الله .
стр. 2423
القبول بما تيسر من العمل
ومن القضايا والمفاهيم الغائبة: أن البعض يطمح إلى أعلى درجات العمل أو عدم العمل.
يعني: إما أن يركب سيارة شبح (ستمائة إس إي إل) أو يمشي حافياً، وينيت، كرسيدا، بيجو، هذه غير واردة، إما شبح ستمائة أو المشي حافياً، حسناً يا أخي الحبيب أليست هناك درجات في وسائل النقل بين هذه السيارة وبين أن تمشي حافياً؟ إما أن تلبس حريراً أو تتعرى!! هذا ليس بصحيح.
تجد البعض مثلاً تقول له: العمل، الدعوة، النشاط، يقول لك: انظر يا أخي متى ما صارت الأمور كذا وكذا وكذا -وأعطاك مواصفات مثالية متكاملة رائعة لمجتمع لا ينقصه شيء- وإلا فلن أعمل، أساساً لو كان الوضع هكذا ما احتجنا إلى عمل.
فيا أخي الحبيب! عود نفسك أن تعمل في ظل القدرات والظروف والأجواء المتاحة أمامك، أنت الآن تقود سيارة نزل الضباب، تهدئ السرعة، ارتفع الضباب، تستطيع أن تسرع قليلاً، زاد الضباب، تمشي رويداً رويداً، لو تمشي عشرة كيلو متر في الساعة، فدائماً ضع هذا أمامك إمكانياتك المادية، اندفع بقوة إذا ارتفع الضباب، ضباب الفقر وإمكانياتك المادية ضعيفة، اعمل في ظل هذه الإمكانيات المادية لنزول ضباب الفقر مثلاً، وبهذه النفسية يكون عندك استعداداً أن تعمل صيفاً وشتاءً ليلاً ونهاراً في جميع الأجواء والظروف، وتستمر على العمل بإذن الله ، لأن البعض إما أن يعمل في كل مجال، وفي كل ميدان وبأعلى طاقة، وإما ألا يعمل، وأقول: هذا من المفاهيم الغائبة، وربما هو من وسوسة الشيطان أيضاً ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة:٢٦٨] فمبدأ:
ونحن أناسٌ لا توسط بيننا لنا القبر بين العالمين أو الصدر
يا إما أعلى قمة، أو القبر، هذا ينبغي أن نزيله في الدعوة إلى الله ، وأن يكون مبدؤنا في الدعوة: أن تعمل في كل مكان بقدر الإمكانيات والمجالات والظروف المتاحة بإذن الله .
стр. 2424
ترك العجلة ومراعاة عامل الزمن
من الغرائب: العجلة، العجلة (ولكنكم قوم تستعجلون) ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧].
فلا تكن عجلاً في الأمر تطلبه فليس يحمد قبل النضج بحران
ينبغي للإنسان أن يعطي الأمور قدرها، الصغير لا يكبر إلا في ظل زمن، البيت لا يبنى إلا في زمن، الإنسان لا يأخذ الشهادة الجامعية إلا في زمن، ستجد أن الزمن ظرف وعنصر رئيسي في كثير من القضايا، ولا تبلغ الأمور أشدها وتستوي جيداً إلا بمرور الزمن، فكذلك العمل والدعوة والإصلاح وكثير من القضايا تحتاج إلى صبر، وتحتاج إلى زمن، وتحتاج إلى تفاؤل، وعود نفسك على التفاؤل يا أخي، إن تشاءمت فإنك تقتل نفسك، وإن تفاءلت فأنت تدفع نفسك، وتتنفس عبيراً ونسيماً طلقاً بإذن الله ، تستطيع أن تقول: نصف هذا الكأس فارغ متشائماً، وتستطيع أن تقول متفائلاً: نصف هذا الكأس مملوء، تستطيع أن تقول في العسل:
تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
ذماً ومدحاً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير
تستطيع أن تقول إذا كنت محباً لأبيك: هذا والدي، وتستطيع أن تقول: هذا زوج أمي، القضية واحدة، لكن بحسب ما في نفسك وما في شخصيتك من التفاؤل ينعكس على أسلوبك وعباراتك، وبحسب ما في نفسيتك وشخصيتك من التشاؤم ينعكس أيضاً على أسلوبك وعباراتك.
стр. 2425
التمسك بالدعوة في جميع المواقف
في الختام ينبغي ألا تجعل ضعف موقفك سبباً في قعودك عن الدعوة إلى الله ، لا يمنعك من الدعوة ضعف موقفك، أو ضعة موقعك كأن تكون صغيراً بين كبار، أو فقيراً بين أغنياء.
نعم أيها الأحبة! هل تتصورون موقفاً أضعف وأحط من موقف تلك المرأة التي كانت على فراش الزنا بين رجلي الزاني، على حالة من الفقر والضعف، ومع ذلك ماذا قالت؟ كما في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرة من الجبل، فانطبق الغار عليهم بهذه الصخرة، وقالوا: إنه لن ينجيكم مما أنتم فيه إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، الأول توسل إلى الله ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله بأنه أعطى الأجير أجره، والثالث توسل إلى الله بأنه كانت له ابنة عم، وكانت على أحسن ما تكون عليه النساء، وأنها كانت تحتاج إليه، فيراودها عن نفسها، فتأبى وتتمنع، وأنها جاءته في سنة قحط أو جدب، فأرادت منه الإعانة أو المال، فقال: لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك، فتحْت ذِلة الحاجة ووطأة الفقر وجدب السنين وقحط الأرض، رمت بنفسها تحت قدميه، فلما تمكن منها، ما كان موقفها الضعيف الذليل صارفاً لها عن الدعوة، بل في تلك اللحظة التي هي في أحط موقف، قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، حتى في اللحظات الأخيرة من الضعف والهوان، فنفعت تلك الرسالة، وتلك الدعوة، وتلك الكلمة، فقام وتركها وترك المال.
إذاً: لا يمنعك ضعف موقفك وموقعك من الدعوة إلى الله .
وكما مرَّ بنا: إن موقف الهدهد الطائر أمام الملك النبي سليمان ﵇ ما منعه من أن يدعو وأن يبين، وموقف النملة تحت جيش جرار يهز الأرض، ما منع النملة أن تنصح قومها ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل:١٨].
стр. 2426
أهمية وضوح الموقف
أيها الأحبة وختاماً: وضوح المواقف أمر مهم جداً: إن الكثير من الشباب لا تجده ينطلق في الدعوة، وحياته، وتعامله من مواقف واضحة، على سبيل المثال: وأنا أقول هذا الكلام ديانةً، لأنني أعتقده عقيدة أدين الله بها، يعني: ستجد البعض حينما تناقشه في مسألة، تقول: هذا أسلوب لا يليق، أو لا يناسب، لماذا؟، تقول: لأننا في مجتمع فيه حاكم شرعي، وله بيعة، وله سمع وطاعة، وقد اجتمعت الأمة هنا عليه، وأهل الحل والعقد قد بايعوه، فأنت تعتقد أن هذا الأسلوب لا يناسب، ولا يجوز، ولا يرضي، فلا تجده يسلم لك، ولا تجده يفصح عما في نفسه مثلاً، فالغموض واللعب بالمواقف هذا لا يصلح، كن واضحاً وضوحاً جلياً جيداً، عندما يقولون: ما هو موقفك من هذه القضية؟ ترفعها بكل وضوح، موقفك من أهل البدع؟ وموقفي واضح، موقفك من الفاسق، كيف تتعامل في خيره وتنصحه وتتقي شره؟ لا بد أن تكون واضحاً، هذا الوضوح ينعكس أخي الحبيب على أسلوبك.
أذكر- والشيء بالشيء يذكر- أن المارق المسكين هذا الذي اسمه المسعري صاحب لجنة الحقوق جمعني به مجلس قبل أن يفعل فعلته هنا، فأخذ يتكلم حديثاً اشمأززت منه، فقلت له: يا أبا فلان، يا دكتور أنا أوافقك بشرط أن توضح لي الآن موقفك، هل أنت ترى بيعة وسمعاً وطاعةً، وتوافق ما أجمع وأطبق عليه كبار العلماء الأخيار الأبرار الصالحين، أم لا؟ قال: لا، لا، لا، هذه قضية ما لها داعي، ولا تدخلها في حديثنا، قلت له: لا، اطرح هذه القضية أولاً، فإذا اتفقنا عليها، تفرع عنها أسلوبنا في الدعوة، فإن أسلوبك في الدعوة فرع عن موقفك من الوالي، أو الإمام، أو الحاكم، إن كنت ترى بيعته، فأسلوبك يختلف، ويتمشى بحسب أوضاعك، وإن كنت لا ترى ذلك، فأسلوبك يختلف أيضاً، ليس هذا باتهام لأحد، أو بقول على أحد، لكن أنا هذا الحديث الذي دار بيني وبين هذا الرجل، ولا أعممه على أحد أبداً، فأقول: لا بد أن يكون الإنسان واضحاً في مثل هذه القضايا لمصلحة الدعوة إلى الله ، ولمصلحة استمرارك في العمل الدعوي، وإذا كتب على الإنسان ما كتب، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أيها الأحبة! هذا بعض ما جمعت في هذه القضايا أو هذه الأمور التي وجدتها إما مفاهيم غائبة، أو أخطاء يقع فيها الكثير، فأسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه، وأن ينفعنا وإياكم بها، وأسأل الله بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن يرحم المستضعفين في كل مكان، وأن ينصر المجاهدين في فلسطين، وأن ينتقم من اليهود عاجلاً غير آجل، وأن ينصر إخواننا في الشيشان، وفي الفليبين، وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم لا تدع لهذه الوجوه ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيما إلا زوجته وأسعدته يا رب العالمين، ورزقته ذريةً صالحةً بمنك وكرمك يا رب العالمين.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا على طاعتك، ولا تفرّح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
стр. 2427
أرقام تتحدث عن حال المسلمين في البوسنة
أيها الأحبة قبل الإقامة هذه رسالة كريمة من أخ كريم وهو الشيخ/ عبد الكريم بن سعد المقرم مدير مكتب منطقة مكة المكرمة للهيئة العليا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والهرسك، يقول فيها -الخطاب إن شاء الله إلى الجميع-: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد خلفت الحرب الطاحنة التي دارت رحاها أكثر من ثلاث سنوات في جمهورية البوسنة والهرسك الكثير من المآسي والمعاناة التي جفت في ذكرها المحابر، وتكسرت في وصفها الأقلام، وضاقت بحروفها وجملها الدفاتر والأوراق، وإليكم هذه الأرقام الناطقة لتتصوروا معنا فظاعة ما حدث: مائة شخص كانوا يموتون يومياً بسبب الجوع.
مليونان ومائة وثلاثون ألف لاجئ داخل البوسنة وخارجها.
أربعة عشر ألف وثلاثمائة وخمسة وسبعون نوموا في المستشفيات بسبب الأمراض والإصابات.
مائتان وخمسة وسبعون ألف قتيل.
خمسون ألف طفل وشاب معوق.
ألف مسجد تم تدميرها.
خمسة وثلاثون ألف طفل ماتوا برصاص القناصة.
تسعون بالمائة من أطفال البوسنة كانوا يعيشون في خنادق تحت الأرض.
خمسين في المائة من أطفال البوسنة شاهدوا مقتل أقاربهم وجيرانهم.
أربعون في المائة من أبناء البوسنة فقدوا الأب والأم.
نسأل المولى جلت قدرته أن يرفع البلاء، وأن يكشف الهم، وأن يزيل المحن عن المسلمين في كل بقاع الأرض، والهيئة العليا بتوفيق الله، ثم بدعم متواصل من حكومة خادم الحرمين الشريفين أيده الله والمحسنين في هذا البلد تقوم بدور عظيم لدعم صمودهم وتخفيف آلامهم ومواساتهم بما تقدمه هذه الهيئة المباركة من مساعدات إنسانية في مجالات الطب والتغذية والتعليم مع الدعوة إلى الله، وذلك بتبصيرهم بأحكام الدين، وتدريس القرآن في المساجد إلى آخر هذا الخطاب.
يقول: وحيث إن الله تعالى وفق قادة هذه البلاد الكريمة لنصرة قضايا المسلمين في كل مكان، وجعل أبناء هذه الديار كالبلسم الشافي لجراح المسلمين، وهذه نعمة من نعم الله، فعليه نأمل من إخواننا التعاون معنا في تحريك المشاعر الإسلامية والإنفاق في سبيل الله والعناية بالبذل، وتسليم التبرعات لمندوب المكتب علماً بأن الجمع سيكون في صناديق مغلقة، وسيتم فتحها وجردها بإشراف لجنة مختصة في مقر المكتب.
لذا أيها الأحبة أدعوكم ونفسي أن تتبرعوا، وأن تبذلوا ما استطعتم لهذه اللجنة الموفقة المباركة، أسأل الله أن يدفع بذلك البلاء عنا وعنكم، واعلموا أن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع أنواع البلاء، وتدفع ميتة السوء، أسأل الله أن يكفينا وإياكم كل شرٍ.
أقول قولي هذا وأستغفر الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2428
من يحقن دماء المسلمين ؟
هذه خطبة تتحدث عن مآسي المسلمين في أرض البلقان -البوسنة والهرسك- كما تتعرض لبعض جرائم الصرب في حق إخواننا المسلمين هناك.
ثم هي نداء إلى كل مسلم غيور، من أجل أن يبذل كل ما يستطيع في سبيل نصرة إخواننا في أرض البلقان.
وقد كان هناك تعقيب للشيخ عمر أحمد سيف تحدث فيه عن فضل الجهاد والمجاهدين، وعن الشرك وبعض أقسامه.
стр. 2429
مآسٍ من أرض البلقان
الحمد لله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء, وينزع الملك ممن يشاء, ويعز من يشاء, ويذل من يشاء, وهو على كل شيء قدير، الحمد لله الخالق من العدم، ومسدي النعم، ودافع النقم، ومبيد العصاة من الأمم، الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، الحمد لله حتى يرضى، والحمد له إذا رضي، والشكر له إذا رضي.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة، والفلاح في الدنيا والآخرة، أشهد أن لا إله إلا الله، واحد في ربوبيته، فلا مالك ولا مدبر ولا متصرف ولا محيي إلا هو، واحد في ألوهيته، فلا يعبد ولا يذبح ولا ينذر لغيره، الحمد لله، واحد في أسمائه وصفاته، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، كان بنا براً رءوفاً رحيماً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فلا نجاة -والله- إلا بها، يوم تضيع الأحساب، ولا تنفع الأنساب، وتتطاير الصحف، ولا ينفع خليلٌ خليلاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١].
عباد الله: يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ [النساء:٧٥] وقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩].
معاشر المؤمنين: وما تزال أنهار الدماء تجري، وما يزال الجرح النازف صبيباً سكيباً على أرض البوسنة والهرسك، الذي لا يحيط مدى وصفه إلا الله جل وعلا.
стр. 2430
أين ذهب دعاة حقوق الإنسان
عباد الله: وما تزال جهود الأمم الأوروبية المشتركة، دعاة الديمقراطية، وأساطين حقوق الإنسان، ما زالت تواصل سعيها، حتى أمنت أرواح الكرواتيين، واطمأنت على دماء النصارى، وبعد ذلك لم تبالِ ولن تبالي بأي واد هلك المسلمون، وبأي نهر جرت دماؤهم، ومن ذا ينتظر من العدو رحمة؟ ومن ذا ينتظر من الحاقد براً؟ عباد الله: إخوانكم الذين سمعتم وقرأتم وعلمتم عن أحوالهم، لا تزال الأحوال في ضعف ونقص وهلاك، وقبل يومين أو ثلاثة وصل إلى جدة واحد من الأفاضل الذين زاروهم هناك، وقال: إن دام الأمر على هذه الحال، فتقبلوا العزاء في كل المسلمين في جمهورية البوسنة والهرسك، إذ أن الحرب ضارية، والعداوة مشتعلة، ولا تفرق بين حبلى أو حائل، أو صغير أو كبير، أو عجوز أو فقير، فإنها حرب تمشيط وتصفية، عودة صليبية كما حصل للمسلمين في الأندلس، في الوقت الذي نرى فيه شعارات حقوق الإنسان ترفع، وفي الوقت الذي نرى فيه الهيئات تتخطى ملايين الأميال لكي تعالج قضايا بعيدة معالجة الشطط والحيف والجور والإثم، وتغمض بعين ملؤها الحقد، تغمض عما يدور بجوار منطقة أوروبا أو في وسط دول البلقان.
стр. 2431
صرخة من سراييفو
معاشر المؤمنين: باختصار وضع البوسنة والهرسك الآن أموال للنهب والسلب، وبيوت للدمار، وصبايا للاغتصاب، وأحداث للفواحش، وشيوخ للهوان، وعجائز للتشرد، ونساء للترمل، وأطفال لليتم.
إن دام هذا ولم يحدث له غيرٌ لم يبكَ ميت ولم يفرح بمولود
معاشر المؤمنين: نشرت إحدى الجرائد، وهذا غيض من فيض، وقليل من كثير من حقائق ما يدور, أن عروساً دخل عليها الصربيون فلم تجد بعد مذبحة عظيمة, وبعد هتك ما ترك فيها عفة، كفنت أسرتها بثوب زفافها.
وفي سراييفو العاصمة دماء, وخطف, واغتصاب, وتهرب الأم التي تهيأت للمخاض، وتجد آلام الطلق, تخرج هاربة من البيت، فيقعدها المخاض على الأرض، وتخر جاثية، فتلد في الطريق، تتشحط بنزيف ومرض ولا تجد من يغيث، وتترك طفلها بحبل سرته، مرتبط بها، تحت رحمة أقدام الغادين والرائحين!! معاشر المؤمنين: أهذا شيء يخطر بالبال أن يقع بالمسلمين؟!
قل للغفاة عن الجهاد ألم تروا ماذا يراوح دينكم ويغادي
أأموت في كف اللئام وأنتم حولي ولم يهززكم استنجادي
كم واحد منكم وممن سمعوا الصيحات حمل اللواء، وأقام الليل، واجتهد في الدعاء، وقاد حملة التبرعات، وبذل ما يستطيع، أم اكتفينا بخطبة وقتية، ومشاعر آنية، وبعد ذلك كأن شيئاً لم يكن.
أأموت في كف اللئام وأنتم حولي ولم يهززكم استنجادي
صرخات المسلمين في البوسنة والهرسك، تنادي كل مسلم في قلبه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتقول له:
أأموت في كف اللئام وأنتم حولي ولم يهززكم استنجادي
أأرد عن داري أأقتل صابراً بيد الحقير أتستباح بلادي
يا نائمين على الحرير وما دروا أنا ننام على فراش قتاد
متلفعين دم المعارك ما لنا إلا الحصى في القفر ظهر وساد
نغدو على النيران يذكيها لنا غدر اللئام وخسة الأوغاد
ونبيت لا ندري أنصبح بعدها أم أن عين القتل بالمرصاد
يا نائمين وما دروا أنا هنا لسنا نذوق اليوم طعم رقاد
стр. 2432
أبناء البوسنة والهرسك في أحضان المنصرين
معاشر المؤمنين: من تنتظرون وما تظنون؟ من تتوقعون أن يعمل في ظل هذه الظروف، إلا من رحم الله من المسلمين؟ بدأت الأميرة اليزابيث مع مطلقة المليونير الأمريكي إيفان ترامب، بدأت بحملة شعبية في لوس أنجلوس لجمع التبرعات لأطفال البوسنة والهرسك، كافرة تقود حملة لإغاثة أطفال المسلمين! وأين أنتم معاشر المسلمين؟! والحملة في برنامجها شراء سيارة لنقل الضحايا، ولماذا الحملة لأجل الأطفال؟ معلوم أنها حملة لجلب الأطفال وتربيتهم في معاهد فيالق السلام، ورسائل الإصلاح، وصوت الأناجيل، ومحاضن التبشير والتنصير، ما كانت حملة رحمة، ولا حملة إنسانية، وإنما حملة لأجل قطف ثمرة ريعان الصبا، وتفتح الطفولة على مبادئ ومعتقد الأرثوذكس والبروتستانت والكاثوليك، وأما الهيئات الإسلامية مع وجودها في الساحة، إلا أن جهدها لا يكاد يذكر بالنسبة لواقع المصيبة، وواقع الحملة الصربية الشعواء.
стр. 2433
من المسئول عما يحدث في أرض البلقان
معاشر المسلمين: من الملوم؟ من الآثم؟ من الذي يتحمل مسئولية هذا الهدر لأرواح المسلمين، وهذا النزيف لدمائهم، من يتحمل هذا؟! كل مسلم قدر على شيء تجاه هؤلاء فقصَّر أو بخل به، أو قعد عن القيام به، يناله من الإثم بقدر ما تحمل من المسئولية، وبقدر ما قدر عليه من الواجب، لن نعلق المسئولية على أحد بعينه، كل واحد منا يسأل نفسه وليسأل نفسه: ماذا استطعت أن تفعل وبم؟ معاشر المسلمين: لقد كان بوسع الرئيس علي عزت بيقوفتش، والمسلمين في البوسنة والهرسك، لقد كان بوسعهم أن يمدوا يد الخيانة والنفاق، ويد العمالة ويعلنوها دولة الأديان، كما تنادي بعض البلدان على مبادئ البانش سلا، والمبادئ الخمسة، وتعايش الأديان في ظل سلمي، لقد كان بوسعهم أن يعلنوها دولة الأديان، ودولة النصارى، ودولة الإسلام، ودولة العلمانية، ودولة الوثنية، ودولة كل بدعة, وكل ملة، وكل نحلة، ولكنهم أعلنوها فقط دولة إسلامية، فكان جزاؤهم ما ترون، ولو باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، لكان أول من يفادي عنهم حلف الناتو، ودول الكمنولث، وأول ما يدعمهم السوق الأوروبية المشتركة، وتكون قضاياهم على أولويات مقاعد الهيئات الدولية.
ولما اختاروا الإسلام اختير لهم أن يكونوا في إرشيف القضايا، كقضية فلسطين، وإن حركت أوراق الصادر والوارد في القضية، أما صُلب القضية فلا حوار ولا جدال حوله.
معاشر المؤمنين: ومع هذا فثقتنا بالله أن النصر للمؤمنين، وأن العزة للمسلمين: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] وثقتنا في الله بقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [القصص:٥] ألم يستضعفوا؟ بلى.
أليس وعد الله حق؟ بلى.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥].
معاشر المؤمنين: والله لو اختار المسلمون في البوسنة والهرسك، أن يعلنوها علمانية، أو يعلنوها دولة الأديان، لتكفل النصارى بأبنائهم، ولتحركت حقوق الإنسان لنجدتهم، ولحسمت قضاياهم في أول قطرة أريقت منهم، أما وقد أرادوا الإسلام فلا سبيل إلى الرحمة والنجدة: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩] في المحافل في الهيئات على جدران الصحف وأوراق المجلات: ﴿قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران:١١٩].
وكيف نظن بنصراني حاقد أنه قد رضي عنا، وقول الله أبلغ: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]؟!
стр. 2434
نداء إلى كل مسلم
ولكن يا عباد الله! أين الرجال؟ أين الشباب؟ أين الشابات؟ أين المعلمات؟ أين الصالحات؟ أين الغيورات؟ أين المثقفون؟ أين المتدينون؟ أين المتعلمون؟ أين كل مسلم مهما بلغت ذنوبه، وظهرت معاصيه، وفشا فسقه، أين هو عن هذه النجدة؟! إن المعصية لا تمنع الطاعة، وإن السيئة لا تمنع الحسنة، بل ذلك سبيل إلى محو المعاصي والسيئات.
أين الرجال الذين أسروا ضباط الروس في أفغانستان؟ أين الشباب الذين كسروا فلول الصاعقة، وكانوا سبباً من أسباب انهيار دولة عظمى، ودمروا صنم لينين؟ أين الذين ذبحوا الشيوعيين على الطريقة الإسلامية؟ أين أولئك؟ هل كلت منهم السكاكين؟ أم تثلمت منهم المدى؟ أين أسامة؟ أين الأسد؟ أين أسود الشباب؟ أين أسود الرجال يا عباد الله؟ إنها صرخة ليست لمن في هذا المسجد وحده، بل لمن سمع النداء: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ [النساء:٨٤].
من لإخوانكم يا عباد الله؟!
من للثكالى إذا ناحت نوائحها من للجراح التي استشرت بوادينا
من لليتامى إذا سالت دموعهم على الخدود وقالوا: من يواسينا
من للضحايا إذا ضجت مرددة صدى المنية قل اليوم باكينا
من للسيوف وقد لانت أسنتها أيغمد السيف قهراً في نوادينا
أين السيوف على الأعداء مشرعة بوارق في خضم النقع تهدينا
الله أكبر يا غارات معتصم عودي ففي القلب شوق كاد يفنينا
معاشر المسلمين: لعلها صيحة تبلغ آذان الغيورين، تبلغ آذان الذين دعموا الجهاد في أفغانستان، وشاركوا الجهاد في أفغانستان، أن ينقلوا رحى الحرب إلى دول البلقان، واعلموا أن الحرب لن تكون فقط على البوسنة والهرسك.
فالليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيبه
اللهم عليك بالصربيين، اللهم أنزل عليهم طيراً أبابيل، اللهم سلط عليهم جنودك الذي لا يعلمهم إلا أنت، اللهم اقتلهم بدداً، وأحصهم عدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم ارحم المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم ارحم المستضعفين هناك، اللهم احقن دماءهم، واجبر كسورهم، وفك أسراهم، وارحم ضعفهم، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2435
ابذلوا أموالكم ودعاءكم في نصرة المجاهدين
الحمد لله، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أمة الإسلام: متى نبلغ مرحلة نتجاوز فيها وصف الأحداث، وتحليل الوقائع؟ متى نبلغ مرحلة يكون الحدث إشارة لانطلاق الفعل؟ متى نبلغ مرحلة تكون الواقعة انفجاراً تجاه المطلوب؟ متى نبلغ مرحلة تكون المذابح والمآسي بداية أو انطلاقة لنقدم ما ينبغي، لنبذل ما يجب، لنتفاعل على الوجه الصحيح، أما أن نتقلب في وصف الأحداث، ونخرج من الجوامع والمساجد، قالوا عن اليوغسلافيين كذا، وقالوا عن الألبان كذا، وقالوا عن الأفغان كذا، ثم نعود بعد ذلك كما قال شاعر قوم عاد:
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التنامي
نتقلب على الفرش، وبين الضياع والزوجات.
معاشر المؤمنين: علينا أن ننتقل من مرحلة وصف الأحداث، ليسأل كل واحد منا نفسه: ماذا علي أن أفعل؟ وماذا ينبغي لي؟ فإن سمعت الجواب وإلا فاسأل، حتى تبلغ الجواب.
معاشر المؤمنين: تعودنا في أحداثنا أن نكون كما قيل: أوسعتهم شتماً وأودوا بالإبل، إننا لو لعنا الصربيين من الآن إلى ألف سنة قادمة، هذا لا يغني عن خطوة إيجابية في كفالة يتيم، أو تجهيز مجاهد، أو إرسال سلاح، أو شراء عتاد ينفع إخواننا هناك، أما أن نردد المآسي، وأن نذكر المصائب، فنحن كمن يصف سيارة اتجهت لكي تدهس بيته وأولاده، فأخذ يرقب النافذة، ويقول: السيارة اقتربت، السيارة دنت، السيارة وصلت، إلى أن تدهسه وبيته في مكانه، هذا لا يجدي ولا ينفع.
عادتنا أن نصف الأحداث وننتظر غيرها، كما قال القائل:
حرب حزيران انتهت
وكل حرب بعدها ونحن طيبون
تغلل اليهود في بلادنا ونحن عائدون
ناموا على فراشنا ونحن راجعون
وصوت فيروز من الفردوس يأتي عائدون
حرب حزيران انتهت
جرائد الصباح ما تغيرت
الصور العارية النكراء ما تغيرت
إذا خسرنا الحرب لا غرابه
لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابه
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابه
بمنطق الطبلة والربابه
إنا نتوق لألسن بكم على أيد فصاح
الكفر جمع شمله فلمَ النزاع والانتطاح
يا ألف مليون وأين هم إذا دعت الجراح
هاتوا من المليار مليوناً صحاحاً من صحاح
من كل ألف واحداً نغزو بهم في كل ساح
ولكن كما قال ﷺ ، في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد في المسند عن ابن عمر: (الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) ولكن قبل أن نفيض في هذا السؤال، وندع لكم الجواب، ولنسأل بهمسة: هل نحن جادون في خدمة الإسلام؟ هل نحن جادون في التضحية للإسلام؟ إن من ادعى الصدق سيسأل: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨] إن العمل لا يقبل إلا بإخلاص وصدق، ومن ادعى الصدق فسوف يسأل: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨] أسأل الله جل وعلا أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه.
أحبابنا! الدعاء الدعاء في كل سجود في الفرائض، وفي الوتر والنوافل والرواتب، قال : ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] وهل ضرورة واضطرار أعظم من هذه؟ لا والله.
فيا عباد الله: الدعاء الدعاء، والله لأن تجمع أطفالك وصبيانك المميز وغير المميز, والصغير والكبير، ثم ترفع يديك وتدعو وهم يؤمّنون، لهذا مما تبذله وتقدمه لإخوانك في يوغسلافيا.
كذلك -أيها الأحبة- ماذا خصصنا من أموالنا شهرياً حتى تنجلي هذه الغمة؟ مصيبة ليس لها من دون الله كاشفة، ماذا قدمنا؟ نخصص للخادمة كل شهر خمسمائة ريال، ونخصص للسائق كل شهر ألف ريال، فماذا خصصنا للضحايا والأيامى واليتامى الأرامل والمنكوبين والمساكين، مرة واحدة أدخلنا اليد في الجيب، ثم قذفنا بمائة أو أكثر أو أقل وانتهت العهدة، وكأنها شقت عنان السماء.
لا بد أن يستمر البذل، ولأجل ذلك فسنستمر في هذا المسجد في كل شهر جمعتان، الجمعة الماضية وقبل الماضية والجمعة القادمة، وسنستمر بعد كل جمعة، سنجمع لهذه النازلة إلى أن يأذن الله بالفرج، إلى أن نعذر, ولا أدري كيف نعذر ونحن نقدر على ما هو أكبر.
معاشر المؤمنين: هذا أقل ما نفعله، ألا تجتمعون على طعام إلا وقد بذلتم شيئاً من قيمة ما تلذذتم به، لكي يواسى به من جرح هناك، ولا زواج ولا زفاف ولا عقيرة أو تيرة أو وكيرة أو أي مناسبة، إلا وقد بذلتم من الأموال ما تتذكرون به أثناء لذتكم بالطعام والشراب، تتذكرون به من يتضورون جوعاً، ويموتون حفاة عراة، وينبغي أن نستمر.
فينا -معاشر المسلمين- مللٌ من قضايانا، كثير من الناس ملّ قضية فلسطين، وإن جاوزت الستين عاماً، وكثير من الناس بلغ قلبه حنجرته، وظن بالله الظنونا، لما بلغ الجهاد عنق الزجاجة، وتآمرت الهيئات الدولية، وبعد هذا كله أذن الله بفرج من عنده، إذا انقطعت أسباب الأرض، تفتحت أبواب السماء، ولا يبلغ العبد حقيقة التوكل، إلا إذا قطع التعلق والرجاء والطلب من البشر، وتعلق بالله جل وعلا، حينئذٍ: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر:١٠ - ١١].
стр. 2436
الابتلاء قد يكون بالسراء أو بالضراء
أيها الأحبة: لنتعلق بالله، ولنعلم أن أسبابنا مما نتعبد به الله، وليست الأسباب هي كل الحدث، أو ما يغير الحدث، لكنها ابتلاء وامتحان من الله لنا، إن الله قادر أن يقتل الصربيين بغاز في السماء يهلكهم، إن الله قادر على أن يفجر بركاناً أو يحرك زلزالاًَ، أليس الذي يجعل الجبال كالعهن المنفوش يوم القيامة قادر على أن يحرك جبلين أو ثلاثة؟ أو يزلزل الأرض من تحت أقدامهم فيهلكوا؟ بلى.
ولكن ليبلوكم.
قد ابتلاهم الله بالضراء، وابتلينا بالسراء، ولكل بلوى فعل، ففعل من ابتلي بالسراء صبر، وفعلنا في السراء شكر، وحقيقة الشكر أن نبذل، ليس شكر اللسان:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
فماذا قدمتم يا معاشر المؤمنين؟ اسألوا أنفسكم، واعلموا أن المطاف والمرحلة قادمة على ألبانيا، وستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، والله بصير بالعباد، إن هذه الحملة ليست حملة على اليوغسلافيين البوسنة والهرسك لأنهم البوسنة والهرسك، بل إنها حملة لأنهم مسلمون، لأنهم يريدون الإسلام، وفي ألبانيا ثلاثة مليون وستمائة ألف مسلم قد ينتظرهم الدور، وفي غيرها من دول البلقان، أترضى أوروبا الصليبية أن تقوم دولة أصولية إسلامية في وسط أوروبا، لا.
لن ترضى أبداً؛ ولأجل ذلك فإذا جاءكم صريخ الألبان يدعوكم إلى النجدة كما جاء صريخ البوسنة والهرسك، فابذلوا وادعموا وأعطوا السلاح والمال، قبل أن تحل المعركة، ليس بإخوانكم في البوسنة والهرسك جبن، بل والله إنهم الآن يقاتلون ببسالة، وقد حمي وطيس القتال، ولكن عزل ليس معهم بندقية أو رشاش، وقيمة الرشاش مائة وخمسين دولار فقط هناك، عجزوا عن تأمين رشاش لكل بيت، حتى يدافع الناس عن أنفسهم وأعراضهم، ومع هذا كله فالقصف ليس في حرب المدن، بل بالراجمات والصواريخ والمدافع الثقيلة.
لا يجدي وصف الأحداث، ولا ينفع كثرة الكلام، نريد عملاً وفعلاً، نريد من كل واحد منكم، وكل من يسمع هذا الكلام أن يقدم ميزانية شهرية للهيئات الإسلامية، التي تبذل وتدعم وتقدم النجدة والفزعة في هذه البلية، هذا ما ننتظره.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فاشغله في نفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أهلك العلمانيين، اللهم سلطهم على بعضهم، اللهم افضحهم بأقلام بعضهم، اللهم سلطهم على بعضهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم فرج كربتهم، اللهم اكشف الغمة عنهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم تكفل بأيتامهم، اللهم استر نساءهم، اللهم ارحم شيوخهم وعجائزهم.
اللهم عليك بالصربيين، اللهم سلط عليهم جنودك يا رب العالمين، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم سلط سلاحهم في جباههم، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم بدل ضعف المسلمين قوة، وشتاتهم دولة، وذلتهم عزة، وفقرهم غنى، وجوعهم شبعا، وعطشهم ريا، بمنك وكرمك يا رب العالمين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً فجازه اللهم بالحسنات إحسانا، وبالسيئات عفواً وغفرانا، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم تمم نصرهم، اللهم أقم على الحق دولتهم، اللهم اجمع شمل قادتهم، اللهم اخزِ شيطانهم، اللهم اطرد المنافقين والمفسدين من حولهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم بصرهم، اللهم بين لهم، اللهم اهدهم، اللهم اجمعهم على الهدى يا رب العالمين، اللهم لا تخيب ظنون وآمال المسلمين فيما عندهم من الهدى والخير يا رب العالمين.
اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، إلهنا اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى الجنة بعد الشهادة مصيرنا ومآلنا بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم أمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم سخر لنا ولأئمتنا ودعاتنا وحكامنا ملائكة السماء بقدرتك، وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل ذلك في طاعتك يا رب العالمين، اللهم ولِّ علينا خيارنا، واكفنا شرارنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر , وعمر , وعثمان , وعلي، وارضَ اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2437
تعقيب للشيخ: عمر أحمد سيف عن الجهاد وأقسام الشرك
السَّلامُ عَلَيَّكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ الحمد لله, الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض, وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير, يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور, الحمد لله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله, أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, وأمره أن يقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠] , وأمره كذلك بأن يكون أول من أسلم, وأن ينفذ أمر الله ﵎ في ذروة سنام الإسلام فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ [النساء:٨٤] صَلَّى اللهُ عليه وعلى آله الأطهار, وأصحابه الأبرار, الذين آمنوا به ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وعمموه ونشروه في الأقطار.
стр. 2438
فضل الجهاد والمجاهدين
إخواني في الله، أحبابنا في الإيمان! لقد جئت إلى هذا المسجد وأنا أسمع لخطيبنا المسطع, والشاب النبيل المجاهد الأخ: سعد البريك , وفي نفسي وذهني كلمات هيئتها لأقولها, ولكني حينما سمعت هذه الخطبة التي أخذت بمجامع القلوب, ووصلت إلى الأعماق, ولم تترك مقالاً لقائل.
سمعت هذه الخطبة بهذا اللفظ البليغ الوجيه, فسرى في جسمي سرور كما تسري الكهرباء في مسالكها, لشيئين: الأولى: أني وجدت واطمأن قلبي بأن هذه الأمة لا زال بها الخير والحمد لله ﵎, وما دام فينا أمثال هؤلاء الخطباء الذين يحرضوننا على التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله, وإحياء سنة الجهاد, هذه السنة والفريضة الغائبة التي يقول فيها الرسول ﷺ : (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) ويقول فيها صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ: (من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) والعياذ بالله.
سرى في جسمي سرور عظيم, وعلمت أن في الزوايا قضايا, وأن الخير في هذه الأمة -بحمد الله ﵎ لا زال يفيض ولهم آذان، أمثال هؤلاء الشباب الذين يحملون مشاعل العلم, ويقولون كلمة الحق لا يخافون في الله لومة لائم فنحن على هدى, ونحن على حق, كثّر الله ﵎ من أمثالهم, وجزى الله خطيبنا خير الجزاء, وبارك الله ﵎ في علمه وفي عمره, ونفع به وبإخوانه الأجلاء.
إخواني في الله: ماذا أقول؟ لم يترك خطيبنا مقالاً لقائل, وطرق لنا أعلى فريضة في الإسلام التي لا يعادلها شيء بنص قول الله ﵎ وقول رسوله ﷺ , فربنا يقول: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:٩٥ - ٩٦] فهذا الفرق بين المجاهدين والقاعدين حينما يكون الجهاد فرض عين, أي: يوجد في الأمة من يسد الثغور, ويقص رأس الأعداء, ويقف في وجوههم, في تلك الحالة يكون الجهاد فرض كفاية وربنا ﵎ يذكر فضل المجاهدين في هذه الحالة ويستثني أولي الضرر ممن قال فيهم: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ [الفتح:١٧] ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢] إذ ذكر الله ﵎ هؤلاء, فالمجاهدون بالفعل يسبقونهم بدرجة, وأما الآخرون من العلماء والحكام والأطباء والمهندسون وغيرهم, فهؤلاء يخدمون، لكن المجاهدين يفضلون عنهم بدرجات عظيمة, بدرجات منه ومغفرة ورحمة.
وقد قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله).
وجاء رجل إلى النبي ﷺ كما في صحيح البخاري براوية أبي هريرة ﵁ قال: (دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: لن تجده, فلما ولى دعاه, قال: كيف قلت؟ قال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم ولا تفتر, وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: أما إنك لو فعلت ذلك ما بلغت درجة المجاهد في سبيل الله) وفي رواية ذكرها الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث في الجزء السادس, قال: (أما إنك لو فعلت ذلك ما بلغت عشر درجة المجاهد في سبيل الله).
ورضي الله عن الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك حينما كتب إلى الفضيل بن عياض وهو يتعبد في مكة:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
ماذا أذكر في فضل الجهاد؟ قد ذكره الشيخ بارك الله فيه, وأطلق وبين, ونادى وأبلغ, وماذا أجد في ذلك؟ ولكنني أقول كما قال الشاعر:
ربَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
نسأل الله أن يوقظنا من غفلتنا, وأن يلهمنا رشدنا, وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
فالجهاد هو أعلى ذروة سنام الإسلام, ولا يعدله عمل من الأعمال مهما كان ذلك العمل, كيف لا ورسول الله ﷺ يقول: (والذي نفسي بيده لولا رجال من أمتي لا يستطيعون الخروج معي ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله, ولوددت أن أقتل في سبيل الله, ثم أحيا ثم أقتل, ثم أحيا ثم أقتل, ثم أحيا ثم أقتل) كررها ثلاثاً صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ يتمنى الشهادة, مع أنه صاحب المقام المحمود, وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, وهو الذي قال له: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم:٨].
стр. 2439
الشرك وأقسامه
إخواني في الله: الإسلام أوامر ونواه, وباب النواهي واجتنابها أهم من باب الأوامر, باب الأوامر ذروة سنامها الجهاد في سبيل الله, وقد ذكرني الشيخ -بارك الله فيه, وزاده من علمه- وقد حذر, وأنذر, وبشر, وبين طريق الخلاص- أننا يجب أن نجاهد بأموالنا وأنفسنا وألسنتنا وبكل ما نستطيع.
وباب النواهي أعظمها الذنب الذي لا يغفره الله ﵎ وهو الشرك بالله, نسأل الله السلامة والعفو والعافية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] والله ﵎ يقول في الحديث القدسي: (يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي, يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك ولا أبالي, يا بن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة) اللهم اجعلنا من الموحدين.
وفي علمنا جميعاً ولا أفيدكم أن الشرك ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرك في الاعتقاد, كما تعتقده عباد الشمس والقمر والجن, حيث جعلوا إلهاً للخير وإلهاً للشر كما قال الشاعر:
جعلوا الضياء تخلق الخير وظلمة تخلق الشر
فمن اعتقد أن هناك خالقاً وفاعلاً غير الله ﵎ فهو كافر مشرك بالله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٤٠] خلقك وحدك, هذا شرك, من ظن أن هناك خالقاً غير الله يقلب الليل والنهار, يسخر الشمس والقمر, يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته, ينزل الأمطار فهو كافر مشرك! نعم.
قد يتسرب إلى قلوب بعض الجهلة أن كثيراً من النصارى اخترعوا اختراعات كثيرة, وأنهم وأنهم ولكننا نقول له:
وكل اختراع جاء منهم فإنه من الله مخلوق فما خلقوا غيرا
ولكنه أوصافه قد تبدلت وخالق أصل خالق كل ما يطرا
وإن أنكروا من غيهم خلق ربنا جميع الذي فيهم وفي غيرهم أجرى
فقولوا لهم فيلخلقوا لي شعيرة ومنهم أصول الخلق أو يخلقوا برا
ومع كونهم بالطب فاقوا وخيلوا بتصوير أمر كونه ذلك الأمرا
لو اجتمعوا من أول الدهر جملة لما اخترعوا روحاً إذا صوروا ذرا
وقد صوروا عيناً لفاقد نورها وما جعلوا نوراًَ فما برحت عورا
والله ﵎ تحدى البشرية والناس جميعاً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] هذا الذباب الصغير الحقير الذي تراه يقع تيجان الملوك, وعمائم العظماء, ربنا ضرب به مثلاً: ((لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً)) [الحج:٧٣] نعم.
لو كان هناك مسرح طوله وعرضه آلافاً من الكيلومترات, وأرادوا أن يخلقوا ذباباً أين سيضعون الرأس في ذلك الجسم الصغير؟ أين سيضعون العين؟ أين سيضعون الشرايين التي ستنقل الدم؟ أين سيضعون حاسة السمع؟ أين سيضعون حاسة الدماغ؟ أين سيضعون الرئة والقلب والكليتين والمعدة, الذكر, الأنثى؟ هذه الذبابة الصغيرة لو رأيتها بالميكرسكوب الذي يضخمها خمسين مرة, لرأيت جميع ما فيها من الأعضاء, وهي مصغرة ولها يدان وأربعة أرجل, وهي تمسح في كل مرة عن عينها التي ليس فيه أجزاء, ولهذه الأرجل عظام ولها مفاصل ولها عروق ولها جلد, ولها مخ يسري فيها, فكيف سيضعون كل هذا ويصورون الذبابة الصغيرة في هذه الأعضاء؟! فعجزهم ربنا بهذا الجسم الصغير, بل قال لهم أعظم من ذلك, أنه حينما يكون بجانبك شيء من العسل أو اللبن أو الفاكهة أو الخبز يأتي الذباب فيأخذ منه قطعة صغيرة لا تراها العين, يأخذها ويهرب، فقال لهم : ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣] فأنت تقدر أن تسحق هذه الذبابة بوسائل كثيرة, ولكن هل تقدر أن تأخذ ذلك الجزء الصغير الذي سلبه منك الذباب وترجعه إلى حيزك وتنتفع به؟! لا.
إنه بمجرد أخذه يضيع في جسمه ويصير مادة أخرى, فقال جل وعلا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
فالذين لا يعرفون ربنا خسروا الدنيا والآخرة, لا تظن أن الله بعيد منك, ضع يدك على قلبك وانظر هذه النبضات, حياتك أنت متوقفة على جريان الدم والنفس, لو انقطع النفس لانتهيت, ولخرجت من دار الدنيا إلى دار الآخرة, ولو وقف قلبك لحظات من الذي يسير هذا القلب؟ هل هناك فيلسوف أو كافر أو ملحد أو أي مخلوق يقدر أن يقول: إنه يقدر أن يتحكم في نبضات قلبه؟ لا.
إذاً من الذي يسيره؟ اقرأ قول الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] جل الله العظيم.
خلقنا بغير اختيارنا, وسنموت وسنخرج من الدنيا بغير اختيارنا, وسنقف بين يديه ﵎ في اليوم الذي ترجف فيه الأرض والجبال بغير اختيارنا.
الشرك الثاني: شرك الوسيلة, وهو الذي وقع فيه أكثر المشركين, إنهم لا يقولون: إن الملائكة أو النبيين أو الصالحين يخلقون أو يرزقون ولكنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] هذا له مكانة عند الله, ونحن مذنبون لا نقدر أن نعبد الله, ولكننا نتقرب إلى هؤلاء ونعبدهم, وهم يشفعون لنا عند الله ﵎: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤] وهؤلاء الذين عُبِدوا من كان منهم عاقلاً سيوقفه الله ﵎ في ذلك اليوم الذي يقول الله فيه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٧] تبرأ منهم: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦].
وسيقيم الله الملائكة -لأن جماعة من العرب كانوا يعبدون الملائكة- ويقولون: بنات الله, فالله ﵎ في ذلك اليوم قال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤٢] وبقية المعبودات التي لا تعقل، يقول سبحانه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٤].
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨ - ٩٩] ليبين الله ﵎ ذلتهم وخستهم، حتى الشمس والقمر يكوران في النار؛ لأنهما عُبِدا من دون الله ﵎.
- الشرك الثالث: شرك الرياء, وهو الذي يجب أن نحذر منه, وشرك الرياء هو أن تتظاهر بالتقرب إلى الله ﵎ بالأعمال الصالحة كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها, وأنت لا تريد التقرب بها إلى الله, بل تتقرب بها إلى الناس لتخدعهم إما ليؤمنوك, وإما ليعطوك مالاً, وإما لأنك تخافهم, فهؤلاء هم المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٨ - ٩] قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢].
وقد يكون كثير منهم يتكلم باسم الإسلام, ويدخل المساجد, ويصلي الجمعة, وليس مقصوده بالتقرب إلى الله, ولكن مقصده أن يسمع الخطيب ويتلقف الأخبار التي ينقلها إلى هنا وهناك ليوقع الفتنة ويفرق بين الأمة المحمدية, فهؤلاء المنافقون: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّار
стр. 2440
طرق تؤدي إلى الشرك
وهناك طرق تؤدي إلى الشرك, ويجب أن نحذرها، وقد بينها رسول الله ﷺ بقوله: (ليس منا من تطير أو تُطير له, أو تكهن أو تُكهن له, أو سحر أو سُحر له, ومن أتى كاهناً وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) من هو الكاهن؟ هو الذي يدعي معرفة الأمور المغيبة, لأسباب ومسببات, فبعضهم يحصد اسم الشخص وأمه, وبعضهم ينظر في وجوههم ويراقبها, وبعضهم ينظر في الكف والذراع, وبعضهم ينظر في الحصى والمسبحة, وبعضهم يدعي أن له صاحباً من الجن وهو يخبره بالمغيبات, والله ﵎ يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥].
ولو كانت الجن تعلم الغيب لعلمت بموت سليمان ﵇, لقد سخرهم الله لسليمان ﵇ قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ:١٣] وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤] فالجن مقبوضون تحت قدرة الله, لا يقدرون على شيء, ولا يملكون شيئاً, ولا يعلمون شيئاً من الغيب: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥].
فمن جاء إلى الكاهن وسأله عن شيء؛ عن غائب: متى يرجع؟ أو عن مريض: هل يشفى أو يموت؟ يتزوج هذه الزوجة تكون سعيدة أم تكون شقية؟ وغيرها من الأمور المغيبة, قال رسول الله ﷺ -في معنى الحديث-: (فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد, ومن جاءه غير مصدقٍ له لم تقبل له صلاة أربعين ليلة).
قال: ومن الكهان أيضاً رجل يدعي أنه له سراً مع الله, وأن الله ﵎ أكرمه بعلم الغيب كما أكرم الأنبياء والمرسلين, كما أكرم عيسى بن مريم الذي كان ينبئهم بما يدخرون في بيوتهم, وغالب هؤلاء لا يؤدون الفرائض ولا يجتنبون المحارم, وإنما يجعل هذا وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل, ويحال أن يرزق الله مثل هذا سراً حتى يلج الجمل في سم الخياط, ومن رزقه الله سراً وكانت بينه وبين الله سريرة لا يجعل كرامة الله وسيلة للناس يبتاع ويشتري بها, ليخبرهم بالمغيبات, وليقضي لهم الحوائج ليأخذ بذلك عرضاً من الدنيا قليلاً, نسأل الله السلامة والعفو والعافية.
إخواني وأحبابي: إن أول ما نتواصى به أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً لوجه الله الكريم, فاعبدوا الله وحده لا شريك له, وأن يكون على منهاج محمدٍ بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه, قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
وأنا لا أطيل عليكم, ولكنني أختم بهذه الكلمة بحديث عظيم أخرجه الإمام الترمذي في سننه عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: كنت ردف رسول الله ﷺ يوماً, فقال لي: (يا غلام! ألا أعلمك كلمات؟ احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك -في الدنيا في البرزخ في الآخرة- إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, رفعت الأفلام وجفت الصحف).
اللهم اجلعنا من الموحدين, اللهم أجرنا من الشرك الخفي والظاهر, نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه.
وكنت أريد أن أشير إليها ولكن لم يدع الخطيب مقالة لقائل, جاء بالأمر كله واستوعب المقال كله, ونسأل الله أن يوفقنا للعمل بما قال, وأن يجعلنا من الذين يقولون ويفعلون, وألا يجعلنا من الذين يقولون ما لا يفعلون, وأن يجعلنا من الصادقين.
فالفرق بين المؤمن والمنافق في الجهاد يقول الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] وقال سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣] ويقول سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨].
والآخرون قال فيهم: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠ - ٢١].
اللهم اجعلنا من الصادقين, ووفقنا لما تحبه وترضى يا رب العالمين.
إخواني وأحبابي: هذا ابتلاء للمؤمنين -كما ذكره الشيخ- أن الله ﵎ يبتلي المؤمنين حيث قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] وإذ أننا نقرأ في القرآن المجيد قصة أهل الأخدود في نجران الذين أحرقهم ذو نواس بالنار يقول : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٤ - ٨].
وهذا هو مجال الابتلاء, ليتبين الصادق من الكاذب, من الذي يتقهقر؟ نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين, وأن يوفقنا لما يحبه ويرضى, وأن يطيل أعمار علمائنا وشبابنا الذين يدعون إلى الله بهذا الأسلوب الناصع الحاد, نسأل الله أن يكلل أعمالهم بالنجاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 2441
من يسدد الهدف ؟
إن الشباب هم عماد الأمة، وعليهم المعول في رقي الأمة وازدهارها والحفاظ على أمنها واستقرارها، قد توجه الشيخ في هذه المادة إلى الحديث عن الشباب، وقد تركز الحديث على نقطتين أساسيتين: تحديد الغايات، وتسديد الأهداف، ثم أتبعها ببعض صور تخبط الشباب اليوم.
стр. 2442
أصناف الشباب
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسله ﷺ عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة: إذا مر ذكر اسم النبي ﷺ فصلوا وسلموا عليه، قولوا: اللهم صل وسلم على نبينا محمد؛ لأن النبي ﷺ قال: (من صلى عليّ صلاة واحدةً صلى الله عليه بها عشراً) اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يسرني في هذا اللقاء الذي تجدد بعد لقاء سابق، وكان من الرجاء والدعاء والتوسل إلى الله أن يجعله الله نافعاً طيباً ينفع الله به قلوب الشباب، وينفع به المتكلم أيضاً، يسرني أن يتجدد هذا اللقاء مع شبيبة مسلمة مؤمنة لا نزال نرجو فيها خيراً كثيراً، ولا نزال أيضاً نخشى عليها شراً كثيراً.
أيها الأحبة: ما نرجوه منكم بقدر ما نخشاه عليكم، وبقدر ما نخشاه من بعض الشباب على أنفسهم وعلى مجتمعاتهم، فنحن أمام أصناف من الشباب: شاب نرجوه أن يقدم شيئاً للإسلام والمسلمين، لنفسه ولأسرته ولمجتمعه ولأمته.
نخشى عليه شراً كثيراً وعدواناً يتقصد به عبر مجالات ووسائل عديدة.
وشاب نخشى منه على نفسه ومجتمعه، ونخشى منه على أمته وأسرته أيضاً شراً كثيراً، فالحديث عن الشباب ذو شجون، وفروعه وأقسامه وأنواعه ومجالاته متعددة.
ولا تعجبوا -أيها الأحبة- فهذه قصاصة من جريدة الرياض، تقول هذه القصاصة: إن خمسين في المائة من السعوديين تقل أعمارهم عن خمسة عشر عاماً، معنى ذلك أننا دولة شباب، نحن دولة فتية، لنا الصولة والجولة القادمة، وواقع الشباب اليوم الذين تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة عشرة والعشرين والخامسة والعشرين، بوسعك أن ترى فيهم مستقبل هذا البلد وهذا المجتمع، بعد عشر سنوات أو بعد خمسة عشرة سنة انظر إلى نصف السكان الذين أعمارهم الآن خمس عشرة سنة بعد عشر سنوات سيكون نصف السكان في الثلاثين أو في الخامسة والعشرين، وحينئذٍ تنظر أي بلاد وأي مجتمع أنت تعيش فيه؟ إذا كان هؤلاء الذين هم في الخامسة عشرة إلى الخامسة والعشرين على مستوى من الجد والتحصيل، والمتابعة والاستقامة، والأخلاق الرفيعة والآداب السامية، والعناية بتزكية النفوس، والابتعاد عن مواقع الرذيلة والانحطاط، والسفالة والفساد، نحن ننتظر أن نرى نصف السكان بعد عشر سنوات على هذا المستوى، وإن أصابهم ما أصابهم من الخمول والكسل والدعة، والانحطاط والسفالة فأي جيل يكون بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة؟ سوف يكون والعياذ بالله وصمة عار في هذا المجتمع، ووصمة عار في جبين هذه الأمة.
стр. 2443
الشباب مفخرة الأمة والبلاد
إذاً: لا تلومونا إن تحدثنا عن الشباب وأعدنا الكلام عنه، لأن دولتنا ليست دولة عجزة، ولسنا بلاد عجزة، لو كان الواحد في بلجيكا في بروكسل فتلك الدولة دولة عجزة، أغلب أعمار الناس فيها ما بين الخمسين إلى السبعين والسكان الشباب قلة، ولذلك اضطرت تلك الدولة الأوروبية أن تجنس المغاربة والتونسيين والجزائريين، وتعطيهم الجنسيات؛ من أجل الإكثار من الشباب، أي أمة لا تفتخر أن عندها مليون عجوز، ولا تفتخر أن عندها ملايين من العجزة، إلا نحن نفتخر بالعجائز ونفتخر بالشيوخ الذين عندنا؛ لأنهم هم الركع السجود، لأنهم الصائمون القائمون، لأنهم أهل التوحيد والإيمان، لكن ما سوانا من الدول الغير مسلمة، لا يهمها ولا تحرص ولا تتمنى بل يؤذيها ويقض مضجعها أن يكون أغلب السكان فيها من العجائز والشيوخ؛ لأن العجائز والشيوخ، لا يدخلون في الحروب ولا يسعفون في الكوارث، ولا يستطيعون أن يحسنوا التصرف في أمور الأعاصير والهزات الأرضية.
فالأمم تحتاج إلى شباب.
أيها الإخوة: بقدر ما تكون الغالبية العظمى من أعمار الأمة من الشباب يقال: هذه دولة مقبلة، هذه دولة شابة، هذه بلاد فتية، فنحن وإياكم في بلاد فتية، وفي بلاد قادمة وفي بلاد ننتظر لها الصولة والجولة بإذن الله ، لكن يحكم هذا كله عناصر عديدة من أهمها: هؤلاء الشباب الذين نتحدث عنهم بأي وضع وبأي حياة يعيشون ويتقلبون؟ أقرأ عليكم هذه القصاصة من الرياض واس، تعرفون ما معنى واس؟ وكالة الأبناء السعودية، اتضح لوزارة الصحة لدى وضعها الخطط الصحية اللازمة؛ من أجل بناء مجتمع صحي وسليم، أن (٥٠%) من عدد السكان في المملكة العربية السعودية، تقل أعمارهم عن الخمسة عشر عاماً، أي: أنتم لستم داخلين في هذا العدد، وأن نسبة الإناث اللواتي هن في سن الإنجاب تبلغ (٢٠%) من عدد النساء، وعلمت وكالة الأنباء من معالي وزير الصحة، الدكتور أسامة عبد المجيد شبكشي، أن خطط الوزارة المرسومة التي تستهدف توفير الخدمات الصحية بشقيها الوقائي والعلاجي لجميع المواطنين، راعت هذه الحقائق، إضافة إلى اهتمام خطط الوزارة بالتوزيع السكاني بجميع مناطق المنطقة، بجميع محافظاتها ومدنها وقراها.
والذي يهمنا في هذا أننا علمنا أن عدد السكان في هذه البلاد نصفهم أقل من الخمسة عشر عاماً، والنصف الثاني وهي شريحة من المجتمع ليست قليلة وهم أنتم الذين ما فوق الخمسة عشر إلى العشرين إلى الخامسة والعشرين إلى الثلاثين وهذا هو محك البحث، وهذه هي قضية النقاش والتي نطرحها هذا اليوم.
стр. 2444
العاقل من حدد غايته وسدد أهدافه
أيها الأحبة: كل أمة رجالها وشبابها يسددون أهدافاً في حياتهم، ولا أظن عاقلاً يمضي في عمل معين إلا وهو يريد أن يسدد هدفاً.
بل حتى الذين يلعبون والذين يعبثون، يقولون: إنهم يسددون أهدافاً، هذا الذي ينظر ميدان وملعب الرياضة، تجده لا بد أن يكون عالماً وعارفاً ما هو الباب الذي يدافع عنه، وما هو الباب الذي يسدد الأهداف إليه، وإذا كان لا يعرف ما هو الباب الذي يسدد الأهداف إليه، وما هو الباب الذي يذود الأهداف عنه، أو يبعد الضربات عنه، فيسمى مجنوناً غبياً لا يصلح أن يكون لاعباً في ميدان الرياضة، هذا في عرف الرياضة، كذلك الذين يعملون في أي مجال آخر، سواء كان مجالاً فنياً أو تقنياً أو عسكرياً، أو أمنياً أو إدارياً أو تعليمياً أو إعلامياً، لا بد أن تحدد هدفاً معيناً، لأن الذي يسير بلا هدف يحدده، ولا غاية يقصدها، ذلك هو المجنون لا محالة؛ لأن العاقل هو الذي يعرف ماذا يفعل، أما المجنون يمشي خطوة أمام وخطوتين وراء، وخطوتين يسار وخطوة يمين، كأنه يرقص ديسكو أو يرقص رقصات عجيبة جداً، فتقول له ما هذا الذي عندك؟ ما هذه الحركات التي تفعلها؟ يقول لك: لا أدري، لكن الذي يعقل يمشي خطوات متتابعة مهما طالت، يتوقف وقفات طويلة، لماذا أنت متوقف يقول: لي هدف من هذا الوقوف، يجلس جلسات معينة، ما الذي أجلسك طيلة هذا الوقت؟ يقول: أنا أعرف لماذا جلست، فالفرق بين العاقل وبين المجنون، والفرق بين العاقل والجاهل، أن العاقل هو الذي يحدد الغاية ويحدد الهدف والمقصد والنية من جميع تصرفاته، فاسألوا أنفسكم يا معاشر العقلاء، لا أظن بل من المستحيل أن يوجد في هذا المعهد شاب مجنون، بل الكل عقلاء ولله الحمد والمنة، وإلا لو كان من بين الحاضرين مجنون لما قبل في هذا المعهد الذي يحتاج إلى قدرات عقلية واستيعابية كبيرة، ويحتاج أن يعرف تمام المعرفة لماذا يوضع هذا هنا، ولماذا يبعد هذا من هنا، وكيف يوضع هذا في هذا المكان، وكيف تصلح هذه الآلة وكيف يستفاد من هذه القطعة، هذه العمليات تحتاج إلى عقلية دقيقة، وتحتاج إلى فهم كبير.
стр. 2445
تفاوت العقول في الطاقات والقدرات
ومن هنا أود أن أقول لكم يا معاشر الإخوة! لا تظنوا أن العقلاء هم الأطباء الذين يجرون العمليات الجراحية، ربما الطبيب لو وقف ليدرس الدراسة التي تدرسها ربما كان من الفاشلين، وربما لو جيء بمهندس يخطط أو يعد أو يصمم أطول العمائر وقيل له تعال ادرس هذه الدراسة -التي أنت أفلحت فيها- ربما لا يجيدها، فلا نظن أن العقل والذكاء والقدرة والإنتاج محصور في شهادات الأطباء أو محصور في شهادات المهندسين، أو محصور في شهادات مبرمج الكمبيوتر فقط؟ لا.
حتى الأعمال الدقيقة المهنية، والأعمال الفنية، لكلٍ فيها جهد وعقل وفهم وذكاء ودور، وأكبر دليل على ذلك أنك تستطيع أن تمر على مائة ورشة أو مائة مكان لإعداد الآلات وغيرها، فتقول هذا أفضل من هذا، وهذا أفضل من هذا؛ لأن هذا قد أعطى مزيداً من العقل والفهم والتركيز على ما درس وعلى ما يعمل عليه من الآلات، وعلى ما يصلحه وينتجه، فكان أفضل بكثير من هذا الذي لم يعط هذا الجهد كله، أو يستوعب هذا الجهد كله، وهذا فرق واضح؛ ولذلك بعض الشباب تقول له -مثلاً- في اجتماع من اجتماعات التعارف، يا أخي الكريم! ما الاسم الكريم؟ يقول: فلان بن فلان وينزل رأسه، تقول له: لماذا لا تكمل؟ قل: اسمي فلان بن فلان، أدرس في معهد التدريب الفني والمهني، أو في المعهد المهني، وهذا ليس بعيب؛ لأن هذا المعهد الذي تدرس فيه يتطلب قدرات عقلية وفنية ربما لا يستطعها هذه الطبيب الذي أنت تذهب إليه يعالجك، ولا يستطيعها الذي يصلح أشياء أخرى في أجهزة الكمبيوتر الدقيقة.
إذاً: فلنعلم جميعاً أننا معاشر الشباب على درجة عالية من العقل والفهم فلا نحتقر أنفسنا، وتجد بعض الشباب يقول: أغلقت في وجهي كل مجالات الحياة لم أجد أملاً أو مجالاً إلا أن أتجه إلى المعهد المهني، لا تجعل هذا التصور في ذهنك، بل اجعل التصور الذي يلزم أن يبقى في ذهنك أن لك موهبة، ولديك طاقة، وعندك ميولاً، كما أن غيرك له ميول في الطب، وهذا له ميول في الكمبيوتر، وهذا له ميول في الهندسة، أنت لك ميول في أعمال مهنية، سواء كانت سمكرة، أو هندسة، سواء كانت مكنيكا أو نجارة أو لحام أو تربيط أو غير ذلك.
والمهم أن تعرف أن هذا العقل ليس برخيص، ولا تسمح لأحد أن ينظر إليك بعقلك نظرة الدون، ووالله -يا إخوان- لو جاء أحد يكلمكم بطريقة يحتقر فيها عقولكم فإن أول من يحتقر أنتم، ولو جاء أحد يكلمكم بطريقة يحتقر فيها اهتماماتكم كان أول من يحتقر أنتم، وإذا جاء أحد يقول لكم: إن هذه العقول كما خلقها الله وأودع فيها من دقائق الخلق وأسرار التكوين ما يجعلها ذكية فاهمة، لوجدت أن هذا فعلاً هذا هو الذي يخاطبك بحق.
стр. 2446
العقل مناط التكليف
إذاً: العقل مناط التكليف، فلا تظنن أن الإنسان يكلف أو يشرف بطول جسمه، أو بلون بشرته، أو بنوع شهادته، إنما يكلف بعقله، فإذا وجد العقل حينئذٍ يوجد التكليف والخطاب الشرعي والحلال والحرام، والأمر والنهي، والذي يجوز والذي لا يجوز، وقبل أسابيع بسيطة وأيام معدودة كنا في زيارة لإخوانكم الشباب في معهد الأمل للصم والبكم، مجموعة شباب في معهد الأمل للصم والبكم، حقيقة أحسن شيء في ذلك المجتمع أنه لا يوجد فيه ضجة، ذاك المجتمع ليس فيه ضجة إطلاقاً، نعم هم في معركة كلامية، هذا يتكلم وهذا يعطيك حركات معينة، وعندهم إشارات معينة هي لغة التعامل، فقال لي أحد الأصدقاء جزاه الله خيراً وهو عبد الرحمن الفهيد، وهذا الشاب مثلي مثلكم يتكلم ويسمع وينطق ولكنه يفهم لغة الصم والبكم أكثر من الصم أنفسهم، يفهم لغة الصم والبكم أكثر من الصم والبكم أنفسهم لأن له ستة إخوة من الصم والبكم هم إن شاء الله من المهتدين؛ فتعامله معهم أورثه تعلماً للغتهم، والعجيب أن لهم دقائق لا تتوقعها، والصم هؤلاء لهم حركات بعيدة، ولهم دقائق في الإشارات، أذكر أن واحداً منهم دعاني إلى حفل زواج، فيقول لي: أنت، فسألت الرجل: ما معناه؟ قال: هذه باللغة العامية، حتى الحركات نوعان، حركات عامية، مثلما نتحدث بالكلام العامي، وحركات فصيحة مثلما نتكلم باللغة الفصحى.
قال: هذه باللغة العامية عند الصم، يعني: زواج، أي: أدعوك أنك تحضر الزواج، قلت: إذاً: ما هي اللغة الفصحى عندهم؟ قال: اللغة الفصحى عندهم (إشارات).
ومن الدعابة التي حصلت ونحن في الزواج.
أنني لما حضرت الزواج قابلت أحد الشباب منهم، والحفل لا يوجد فيه أحد يسمع، لكن عندهم سواليف وهذا يتكلم مع هذا، وهذا يتكلم مع مجموعة إلى آخره، فلقيت واحداً منهم أعرفه فقلت له: أنت متى الزواج؟ فقال الذي معي للأبكم بإشارة كذا تحت سيارة، وهي تعني: الزواج، فالشاهد الذي أريد أن أصل إليه أن هؤلاء الصم والبكم بمنّ الله وفضله، فيهم استقامة وصحوة وفيهم غيرة على الدين، ويعتمرون سوياً، ويحجون سوياً، فكان الحديث الذي بيني وبينهم، قلت يا شباب: لا تتوقعون دائماً أن يأتي الشيخ علي العثمان وإلا فلان الفلاني، وإلا الشيخ صالح الحمودي أو أحد المشايخ دائماً يلقي عليكم محاضرة.
بل نريد أن يأتي اليوم الذي يكون واحد منك يقف على منصة المتحدث ومنصة الكلام وهو يلقي محاضرة بالإشارات ويترجمها عبد الرحمن لنا بالكلام؛ لأن الكلام هو نتيجة فكر، الأفكار التي تدور في رأسك تحولها إلى كلمات وتخاطب بها الشخص الذي أمامك، فكذلك نحن نتكلم ونسمع وعندنا أفكار، كذلك الصم والبكم عندهم أفكار وعندهم عقول.
فيا أيها الصم! يا أيها البكم من الشباب: تعالوا وأعطونا ما يدور في رءوسكم من أفكار، حولوها باللغة الدارجة عندكم إلى إشارات يترجمها إلينا المترجم بالكلمات، ولا تظنوا لأنكم صم وبكم لا يمكن أن تخاطبوا بالصلاة والصيام والحج والجهاد والعبادة وعمل الخير، لا.
بل منهم من ذهب وجاهد في سبيل الله، ومنهم من هو نشيط في الدعوة الله في صفوف إخوانه الصم، تعرفون كيف يطبقون أساليب الدعوة وينشطون إلى الله سبحانه تعالى؟ يأتون إلى محاضرة مسجلة في شريط كاسيت ويسلطون الكاميرا على المتكلم، فجزى الله خيراً الذي يقوم بهذه العملية ومنهم: الأخ عبد الرحمن، يسمع المحاضرة للشيخ الحماد وسم ما شئت من المشايخ والدعاة، والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، وغيرهم، فيسمع الكلمات ويحول كلمات المشايخ إلى إشارات، والكاميرا تلتقط صورته، ثم يحول هذا الشريط بالكامل من كلمات إلى إشارات مسجلة على شريط فيديو، والآن ولله الحمد والمنّة، وزعوا آلاف الأشرطة على الصم والبكم في الكويت، وقطر، والبحرين، والإمارات، وهذه العاهة تذكرنا وإياكم بنعمة الله علينا في السمع والبصر.
أيها الأحبة: الشاهد الذي أريد أن أقوله أن النقطة الجزئية التي تجعلنا نخاطبكم وتجعلكم تخاطبوننا ونتخاطب جميعاً هي قضية العقل، فمع وجود العقل سوف نتحدث معك، ونناقشك، ونقنعك أو تقنعنا، وسوف نتحاور معك، ويكون بيننا وبينكم الجدال الطويل حتى يمن الله علينا وعليك بالهداية، أما إذا لم يوجد العقل فكلكم يعرف الحديث: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يعقل، والنائم حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ).
أيها الأحبة: نحن نتخاطب مع العقول وهذه العقول من يحترم عقله يحترم الخطاب ويحترم الكلام، ويتفاعل، والذي لا يحترم عقله، هو الذي يقول: أنا لا أفهم ما تقول وليس لدي استعاد أن أفهم ما تقول، ولا أريد أن أفهم ما تتكلم به.
أيها الأحبة: الحياة بدون غاية عبث، وقد تكلمنا عن الغاية آنفاً، والذي يعيش حياة بلا غاية فوجوده كوجود البهائم، حتى وإن كان له قلب فهو قلب لا يفقه به، حتى وإن كان له بصر فبصرٌ لا يبصر به، حتى وإن كان له سمع فسمع لا يسمع به: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩].
إنهم يرون ولكن لا يرون الحقيقة، إنهم يسمعون ولكن لا يسمعون الحق، إنهم يعقلون ولكن لا يعقلون الإيمان والهدى؛ ولذلك قال الله عنهم: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] انظر كيف يكون الإنسان كالبهيمة إذا استخدم حواسه فيما لا يليق، وجعل القلب في تدبر أمور لا تليق، وجعل اللسان فيما لا يليق، وقديماً قلنا في محاضرة (حاول وأنت الحكم) للذي سمعها منكم أو حضرها: أن الناس يسمون الذي يستخدم الشيء في غير ما وضع له مجنون، ولو أن واحداً منكم في المعهد قال له المدرس: فك الماكينة هذه وغير الزيت، فأتى بالكأس ووضعه تحت الماكينة؛ ليغير فقال له الأستاذ: تغير الزيت بالكأس يا طبل؟ الكأس للماء وليس لتغيير الزيت، فربما إذا تكررت الحركات التي تستخدم فيها شيئاً لغير ما وضع له، تقول هذا مجنون، أو يأتي واحد ماسك الملعقة يقول: باسم الله، اللهم بارك فيما رزقتنا وقنا عذاب النار.
وأراد أن يضع الطعام في أنفه أو أذنه، نقول هذا مجنون؛ لأنه يستخدم الجوارح في غير ما خلقت لها، الأنف للشم -واحد من المجانين قال له المدرس لماذا الأذن؟ قال: نعلق عليها النظارات- والأذن للسمع، واللسان للتسبيح والنطق بذكر الله ، لا للنطق بالأغاني والمحرمات، إن الذي يستخدم هذه الجوارح فيما خلقها الله له، فإنه من أعقل العقلاء، لكن إذا استخدمها في غير ما خلقت له يقال عنه: مجنون.
عندما ترى واحداً يستخدم ما خلق الله لغير ما خلق له، فتقول: هذا مجنون، فما بالك بمن استخدم الجوارح كلها، أي: الذي يستخدم جارحة واحدة في غير ما خلق الله، في غير الحكمة التي خلقت يقال عنه: مجنون، ولذلك الذي يقعد يشم الهروين ويشم الكوكايين ويشم الشمة، بماذا نحكم عليه؟ فالذي يستخدم جارحة في غير ما خلقت لها يعد مجنوناً، فما بالك بمن استخدم عقله وسمعه، وبصره ولسانه، ويده ورجله وفرجه، وكل شيء في غير ما شرع الله ، وفي غير ما خلق له، ذاك هو الجنون الكامل، فحياتنا لابد أن تكون حياة العقلاء، ولن نكون عقلاء إلا إذا تصرفنا فيها بمحض ما يتفق مع الحكمة التي خلقها الله، أو التي خلقنا الله لها.
إن الله خلقنا لحكمة عظيمة فما هي الحكمة التي من أجلها خلقنا؟ عبادته وهذا سؤال تفهمه جدتي وجدتك، ويفهمه الشايب الكبير الذي لم يدرس، ويفهمه أخوك الصغير الذي لم يدخل الابتدائي بعد، وتفهمونه أنتم والذي في الجامعة.
стр. 2447
الفارق بين المسلم والكافر
أيها الإخوة: إن في الغرب أساتذة ودكاترة، وأطباء ومكتشفين ومخترعين، يطورون قنابل نووية ومفاعلات ذرية، بضخامة مسئولياتها.
والمهم أن القضية وما فيها أن هؤلاء الغربيين برغم ما عندهم من اختراعات ومعلومات واكتشافات لو يأتي واحد منكم يسأله، تعال يا دكتور، تعال يا بروفيسور! تعال يا مكتشف يا مخترع! لماذا خلقك الله؟ لا يجد عنده جواباً، ولا يستطيع أن يجيب، ولا يحسن الجواب أبداً.
إذاً: فحياتهم حتى وإن أوجدوا ما أوجدوا كما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، ظواهر الحياة يتعاملون معها، ويحاولون أن يكتشفوا أسرارها أيضاً، ولكن هم عن الآخرة هم غافلون، لكن أنتم يا معاشر الشباب! حتى وإن كان الواحد ليس لديه مؤهل أو كفاءة إلا سادس ابتدائي هو عندنا يعادل مائة بروفيسور من هؤلاء؛ لأن الله قال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] هذا المشرك، حتى وإن كان بروفيسوراً أو دكتوراً، حتى وإن كان مخترعاً أو مكتشفاً لا تظن أننا سنحبه أكثر من حبنا لك، أو أننا سنقدمه عليك يا أيها الأخ المحب، حتى وإن كان ما كان منك من ذنوب ومعاصي وزلات، حتى وإن أحدثت ما أحدثت من خطيئات في السر والجهر، في الليل والنهار.
فذنوبك وأخطاؤك ومعاصيك لا تجعلنا نحب الكافر أكثر منك إطلاقاً، بل نستفيد مما أنتجه الكافر، الآلة التي أنتجها الكافر قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] إذا كان كافراً فلا نضيع حقه، ولا نظلمه ولا يمنع أن نتعامل معه بالحسنى، لكن مهما بلغ فنتفة شاب مسلم وقطعة من شاب مسلم أزكى وأحب وأفضل إلينا من هذا الكافر، لأن الله قال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] أي: عبد من عباد الله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١].
ولو وقفنا عند هذه الآية دقائق، تجد بعض الشباب يقول: يا روحي يا ماردونا، وماردونا أخزاه الله كما أخزى فرعون، كافر ضال مضل، فاجر، شاذ أخلاقياً، واضع في أذنيه خلاخل وليس هذا أكبر قضية! يفتخر أن عنده ولدين من زوجته التي لم يتزوج بها بعد، وهي صديقته وخدينته وعشيقته، يأتي يتصور هو بجوارها وبجوارهم ولدين، هذا الذي قال الشيخ ابن محفوظ فيه: اللهم امرده مرداً، يقول: وبجواره عشيقته: هؤلاء أولادنا، فمن أين جاءوا؟ هم أولاد زنا والعياذ بالله، ولكن انظر كيف تنطلي على الشباب المسلم فتجده معلقاً في حجرته صورة كبيرة لـ ماردونا وزوجته.
стр. 2448
تولع الشباب بمشاهير الغرب (الأنجاس)
أيها الأحبة: كافر أمرنا أن نبغضه، أمرنا أن نكرهه، وأن نمقت فعله ودينه، وتجد من شبابنا من يفتخر به ويعلق صورته ويباهي بها، وبعضهم يقول: أنا عندي ألبوم النجوم، أي: المشاهير أول واحد ماردونا، والثاني مايكل جاكسون، وهذا الخبيث مايكل جاكسون رأيت بعض الشباب على ما قال: بريك دنس: يتكسر، فسألته ما هذه الحركة، قال هذه حركة مايكل جاكسون يقول: هذا المغني المعروف الروق ولو قرأتم ما كتبه هذا الماجن، الفاجر الحقير، المسمى مايكل جاكسون قال: لأن أغني للخنازير فتسمعني أحب إلي من أن أغني للعرب فيسمعونني، لكن للأسف يا شباب! نحن أصبنا بداء كما يقال: (القط يحب خناقه) الذي يسبنا ويشتمنا ويستهزئ بنا ويحتقرنا، نعلق صورته على الجدران ونفتخر به ونعتز به، والذي يقدرنا ويحترمنا، ويخاطب عقولنا، ويأمرنا في ديننا، وينهانا عن سخط ربنا نقول: (يا شيخ امش بلا مطاوعة، بلا وجع رأس، صلوا صلوا، افعلوا ردوا هاتوا) لا يا أخي الحبيب: نحن نريد أن تعرف فعلاً من الذي يحبك حباً صادقاً، ومن الذي أنت تحبه وهو لا يراك إلا قطعة من نجاسة.
ومعلوم أن الخنزير نجس، فهذا الخبيث مايكل جاكسون ماذا يقول: لو كنت أعلم أن العرب يسمعون لي ما غنيت، ويقول في عبارة أخرى: لئن أغني لقطعة من الخنازير أحسن من أن أغني للعرب، واسأل شبابنا اليوم ماذا يفعلون، اسأل بعض الشباب ولا أريد أن أضرب كثيراً من الأمثلة سواء فيما يسمونه (النجوس) وليس النجوم (نجوس) من النساء والرجال، شباب مولع بهؤلاء الغربيين.
أي: على سبيل المثال لو تسأل بعض الشباب عن لاعب محترف يوجد في إحدى الفرق الرياضية، وأنا لا أتكلم عن سامي الجابر وماجد وغيرهم، فهؤلاء إخواننا، ونسأل أن الله يهديهم ويثبتهم وينفع بهم، ويردهم إلى الحق رداً جميلاً.
إنما أتكلم عن لاعب كافر في نادٍ من الأندية، ولو سميت لك لاعباً كافراً في نادي الهلال مثلاً، فقلت لك أيهما تحب ماجد عبد الله الذي في نادي النصر أم اللاعب الكافر في نادي الهلال ماذا ستقول؟ لا.
ذلك نصراوي.
لكن القضية لو كان هذا الكافر في فريقك، وسأضرب لك مثالاً: لو أن لاعباً كافراً مثلاً في نادي الهلال وأنت هلالي، وأتيت لك بالمقابلة محيسن الجمعان في نادي النصر، فالبعض لو تقول له: أيهما تحب محيسن الجمعان أم اللاعب الكافر، يقول: يا شيخ بلا هم بلا وجع رأس، عسى الله أن يخلي لنا هذا الرمح الذي يلعب رأس الحربة، هذا دينمو النادي، الله أكبر! كافر أحببته؛ لأنه في نفس الفريق الذي تشجعه، وأبغضت هذا المسلم لأنه في الفريق الآخر.
أيها الأحبة: أعلمتم كيف نحن نضل ضلالاً بعيداً حينما نحب كافراً لأجل الرياضة أو الفن، أو قضية من القضايا؟! إن المسألة لها حدود، حتى ولو كنت قد جن بك الجنون -وكلامنا عن الجنون الرياضي- لو جن بك الجنون في النصر، لا يبلغ بك الحد إلى أن تحب لاعباً كافراً في هذا النادي، وتكره لاعباً مسلماً في نادٍ آخر.
من المأساة والمآسي كثيرة، أن تجد بعض الشباب إذا دخل دورة المياه، كتب على جدرانها: فندق نادي كذا، وهذا مما يعبر به عن كراهيته للنادي، ثم يسمي لك أسماء النادي كلهم ويكتبهم ويحتقرهم ويبغضهم ويكرهم، يكتبهم في باب الحمام وهم مسلمون يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويصلون ويصومون وفيهم خير كثير، وفيهم دين ومع ذلك تجده يكتب أسماءهم ويقول: هذا مكانهم وموقعهم؛ لأنهم في الفريق الذي لا يحبه، لكن تعال في الفريق الذي يشجعه ويحبه، حتى ولو كان فيهم من الكفار، تجده يشخص بهم، ويضعهم في ألبوم النجوم الذي عنده، وربما جعل صورهم في غرفته بالكامل، وربما علق صورة اللاعب الكافر مفتخراً بها مع الفريق، فأين الإيمان؟ أين الولاء والبراء؟ أين حمية المسلم لدينه وغيرته على عقيدته، تلك والله من أعظم المصائب ومن أعظم البلايا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 2449
الانتحار في الغرب
أقول: إن الغربيين مهما بلغوا من العلم والرقي المادي إلا أنهم من التفاهة والسخافة بدرجة عالية، فهم لا يعرفون الغاية التي من أجلها خلقوا، ولذلك تجد نهاياتهم عجيبة، هذا ينتحر، وهذا يأكل الحبوب حتى يموت، وهذا يمسك بخط موجب من عمود الكهرباء، وعجائب الانتحار في الغرب لا حدود لها، مع أنك تجده متعلماً، وعنده قدرات، ودراسة عالية، وبعد ذلك ينتحر، والانتحار في الغرب لا يوجد في الناس الذين لا يقرءون ولا يكتبون وإنما يقدم على الانتحار الدكاترة والأغنياء، وهذا أحد الذين حاولوا الانتحار، فتداركوه في اللحظات الأخيرة وقالوا له: لماذا تريد أن تنتحر؟ قال: لم يعد في الحياة شيء جديد قالوا: كيف لم تجد في الحياة شيئاً جديداً؟ قال: جمعت الأموال بعد جهد جهيد واستطعت أن أحصل ثروة، ثم ماذا؟ قال: حصلت الثروة من أجل أن أكون سعيداً فلم أجد السعادة، ولن يجد السعادة؛ لأن السعادة في رضا الله وتقواه، فرب شاب فقير مسكين لا يملك في جيبه ريالاً واحداً، أو لا يملك في رصيده عشرة ريالات، من أسعد عباد الله، وآخر عنده ملايين مملينة، وتجده (طفشان زهقان حيران) لا يدري أين يذهب وأين يقبل وأين يدبر.
стр. 2450
غاية المسلم في الحياة
إذاً: ليست القضية قضية أن الإنسان يعيش بلا غاية، بل القضية أن تعيش لهدف وغاية، والله قد بين لنا الغاية التي نحن ننتظرها.
يا أحباب: نحن نصبح ونمسي، إذا قال المؤذن حي على الفلاح وذهبنا نصلي، ووقفنا وركعنا وسجدنا، فالجباه أشرف عضوٍ في الإنسان لو ضرب إنسان على وجهه لجن جنونه؛ لكن هذا الوجه الشريف أشرف ما فيه باختيارك وبرضاك وبطوعك، تأتي وتسقط وتضعه على الأرض: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، ترمي هذه الجبهة على الأرض خاضعاً منكسراً، ولا تجد وضعاً تكون فيه في تام الذلة والخضوع والعبودية لله مثل وضع السجود أبداً.
وأقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد؛ لأنه يكون في غاية الخضوع والذلة والانكسار للخالق، تدعوه وأنت منكسر في سجود؛ لأنك تعلم أن أمامك غاية، وهي أن يرحمك الله رحمة واسعة، وأن يتوفاك على الإسلام، وأن يرضى عنك وأن يدخلك الجنة، وأن ينجيك من النار.
يا شباب: أنتم جميعاً الذي لا يجعل هذه الغايات أمامه صباح مساء مسكين مسكين، ضائع ضائع، ووالله لو جاء مدير المعهد المهني، وقال: يا شباب: من هذه السنة لا يوجد شهادات، هناك دارسة لكن ليس هناك شهادات؛ تجد الطلاب في فوضى، ندرس كل هذه الدارسة ثم نخرج بدون شهادة وبدون فائدة لا نقبل، فأين الغاية وأين الثمرة وأين النتيجة، أنتم حددتم بل الغاية والثمرة والمقصد من مجيئكم يومياً إلى المعهد موجودة في عقولكم وقلوبكم، ولذلك لو جاء المدير يساومكم عليه، يقول: هذه الغاية ألغيناها، قلتم: لا.
نبحث عن معهد آخر يعطينا الشهادات.
إذاً: أنا أسألكم جميعاً الآن، هل تجعلون الغاية من وجودكم وهي عبادة الله ، هل تجعلونها أمام أعينكم؟ للأسف كثير من الشباب يقول: لا.
والكافر هو الذي يقول:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
كيف جئت كيف أبصرت طريقي
لست أدري
ولماذا لست أدري؟
لست أدري
هذا الكافر لا يعلم لماذا خلق وإلى أين النهاية، لكن أنت أيها الشاب! أنت تعلم ما هي الغاية من وجودك، الغاية أن تعبد الله وحده لا شريك له، أي عمل يخالف مقاصد العبودية لله ، لا تقبله أبداً، لو جاءك رجل وقال: تعال أريد أن أشغلك طبالاً، نريد أن نشغلك رقاصاً، نريد أن نشغلك رقِّيصاً، تعرفون الفرق بين الرقاص والرقيص؟ الذين يعرفون الحمام يعرفون الفرق بين الرقاص والرقِّيص.
المهم لو قال لك: أتشتغل عندي رقاصاً؟ قلت: لا يا أخي أنا لم يخلقني الله لأكون رقاصاً، وإنما خلقني الله لعبادته، هات وظيفة معينة فيها عبودية، أدرس في المعهد المهني وأتخرج على وظيفة معينة، أنفق على أولادي منها عبادة لله، أطعم وآكل بالحلال من دخلي وأتصدق عبادة لله؛ لأن العبادة ليست فقط بالركوع والسجود، بل هي في كل عمل ترجو به وجه الله، لكن لا يأتي أحد يقول أنا أرجو وجه الله بالرقص، أنا أرجو وجه الله بالعزف، أنا أرجو وجه الله بالملاهي، لا.
دف ومزمار ونغمة شادنٍ فمتى رأيت عبادة بملاهي
أيها الأحبة: الغاية من وجودنا هي عبادة الله ، فلابد أن نجعلها أمام أعيننا، وهذا حديث عليكم أن تحفظوه غاية الحفظ ألا وهو: (من أصبح وهمه الآخرة) يعني: أنت اليوم استيقظت على أذان الفجر، وأصبحت وكل همك: يا ألله ترحمني يا ألله تجعلني من أهل الجنة، وليس بلازم أن يصبح عمرك ستين سنة حتى تقول: يا ألله ارحمني: (من أصبح وهمه الآخرة تكفل الله برزقه، وأتته الدنيا راغمة، وجمع الله ضيعته) يعني جميع الأمور المتشتتة، يجمعها الله له ويهيئ أمره ويسهل عليه أموره: (ومن أصبح وهمه الدنيا فرق الله عليه أمره ولم يؤته من الدنيا إلا ما قسم له).
стр. 2451
المسلم يختلف عن الكافر في أمور عديدة
يا أحباب! نحن ولله الحمد نختلف عن غيرنا، فعندنا غاية سامية عظيمة، لكن كما قلت لكم: هؤلاء الغربيون ليس عندهم غايات يعيشون من أجلها.
تجد الواحد يمسك الحديقة من أولها إلى آخرها ويركض ويركض، ويسمن هذا الجسم، ولكن مصير هذا الجسم إلى جهنم وساءت مصيراً إن مات على الكفر، ولكن الواحد منا يأكل؛ لكي يتعبد الله ، يأكل لينشط، فإذا أصبح نشيطاً صار قوياً على طاعة الله وعبادته، لكن هذا يأكل من أجل أن يهدر ويخور كما يخور الثور.
انظر العجائب التي يحققونها، أحدهم يحاول أن يسجل رقماً قياسياً في الأكل، هذا ضرب الرقم القياسي في أكل مائتي بيضة، وقد جاء منافس جديد وحطم الرقم القياسي فأكل مائتي بيضة وواحد بيضة وصفار، وبعد ذلك يأتي واحد ثالث أو امرأة تحطم الرقم القياسي وتأكل مائتين وثلاث بيضات، ويسجل الرقم القياسي في أكل البيض لفلان، ويسجل الرقم القياسي لرفع الأثقال، لكن الفرق بينكم وبين هؤلاء الحمير والبهائم في الغرب أنكم ولله الحمد والمنة الواحد منكم إذا قلنا له افعل كذا يقول: لماذا؟ ما هي الغاية؟ ما هو الهدف ما هو المقصود؟ لكن هؤلاء الغرب يهم الواحد أن يسجل الرقم القياسي.
ومن المضحكات ما قرأت في جريدة أن رجلاً استطاع -أظنه أمريكياً- أن يحطم الرقم القياسي في أطول ساعات الكلام: الذي ضرب الرقم القياسي ثلاث ساعات، والذي تكلم ثلاث ساعات وعشر دقائق هذا جاء وضرب الرقم القياسي وتكلم خمس ساعات أو ست ساعات وحطم الرقم القياسي.
والواحد منكم يا شباب، إذا قال سبحان الله، كتبتها الملائكة له، إذا قال الحمد لله كتبتها الملائكة، إذا قال: الله أكبر كتبها الملائكة، إذا قال: لا إله إلا الله كتبتها الملائكة في موازين أعماله، لكن هذا الذي حطم الرقم القياسي في الكلام يرغي ويزبد، خمس ساعات لا يكتب له شيء؟ ولذلك الفرق كما أقول: وينبغي أن يعرف المسلم قيمته والفرق بينه وبين الكافر، وحتى تعرف قيمتك وقدرك يا أخي! ومشكلتنا يا شباب: أن الشباب المسلم حتى الآن لم يعرفوا قدرهم ووزنهم في الإسلام، وما عرفوا أن عزتهم بالإسلام.
يا أخي: أنت عزيز عزة عظيمة، يكفيك أن الواحد من المسلمين لو أصابه حادث ومات، تدفع ديته كاملة، لكن هذا الكافر تدفع نصف الدية، ولو أن مسلماً قتل كافراً فلا يقتل به حتى ولو كان عمداً وعدواناً، ينبغي أن نعرف قدرنا بالإسلام، بغض النظر عن قيمة الإنسان، نعم الإنسان له قدر في تعليمه وشهادته، وقدر في قوته المالية، وقدر في قوته العقلية، لكن هناك قدر في كونك مسلماً، وكثير من الشباب لا يعرفون قدرهم في الإسلام، بل بالعكس تجد بعضهم ينظر إلى نفسه نظرة هزيمة وضعف واحتقار أمام هذا الكافر، ولكن كما يقول الشاعر:
وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع
أيها الأحبة: المشكلة أن هؤلاء الغربيين الذين احتقرناهم فيما فيه الكفاية، ولكنهم حددوا أهدافاً معينة فوصلوا إليها في أمور دنياهم، هذا دخل المختبر وأغلق على نفسه الباب وقال: لن أخرج حتى أكتشف عقاراً أو مصلاً أو قطرات معينة توضع في فم الأطفال فتمنع -بإذن الله- شلل الأطفال.
وهذا دخل في المعمل وقال: لن أخرج من هذا المعمل حتى اكتشف عقاراً يعوض الأنسولين في الجسم، وهذا دخل المعمل فقال: لا أخرج حتى اكتشف دواء يعالج المرض الفلاني، وحدد هدفاً ووصل إليه، وهذا حدد هدفاً معيناً في هندسة، في تسلح، في أمور عسكرية، في طيران، في تجارة، في تخطيط، في اقتصاد، في إدارة، حددوا أهدافاً فسددوا الضربات إليها، لكن نحن وإياكم يا شباب! نشكو إلى الله أن من شبابنا من لم يعرف الغاية التي خلق من أجلها، ومثل هذا كرجل داخل ملعب، مرة يسدد الهدف على فريقه ومرة على الفريق الثاني، لا يدري من أين يسدد؟! ومرة يضرب الحكم بالكرة ومرة يضرب الجمهور بالكرة، ومرة يضرب الذين يتفرجون، ليس عنده ضربات محددة، فهكذا الذين لا يحددون أهدافهم وغاياتهم، ومصيبة أخرى أن بعضهم حدد الهدف لكنه لم يسدد الضربات؛ ولذلك حديثنا اليوم عن نقطتين: أولاً: تحديد الهدف.
الثانية: تسديد الضربات، توجيه الجهود والقوى، الطاقات والإمكانيات وكل ما تستطيع توجيهه إلى هذا الهدف، وربما يسمع بعضكم من بعض، بعض الشباب يقول: (فلان عربجي ما يفهم) لا والله.
هذا الشاب الذي بعضكم يقول عنه عربجي لا يفهم، والله إذا من الله عليه بالهداية سترون منه العجائب والغرائب، بل أعجب العجائب.
أحدهم ممن كان يسمى (عربجي) وهو نصري ناصر (عضلات).
والمهم أنه كان في ضلاله ومضاربه ويدخل على الشاب ويحوسهم ويضربهم، ويدخل على المساكين ويأخذ دراهمهم، فمنّ الله عليه بالهداية، وليست الهداية أمراً بعيداً فأخونا نصري ناصر لما منّ الله عليه بالهداية الآن يحفظ القرآن كاملاً، منّ الله عليه برفع الغشاوة التي على قلبه، وزالت السحابة التي كانت على قلبه وانقشعت، فأبصر الأمور على حقيقتها ولم ينظر إليها بالشهوات والغفلات، فلما نظر إلى الأمور بالحقيقة حدد هدفاً في طاعة الله، وسدد الضربات نحو هدف محدد هو رضى الله في حفظ كتاب الله، اجتهد في حلقات القرآن اجتهد ليل نهار، حتى حفظ القرآن ولله الحمد والمنّة.
والآن أسرته بعد أن كانت تتعوذ منه ويتبرءون منه ويتمنون سيارة تطؤه وتريحهم منه؛ أصبحوا يفتخرون به، فقد ضرب أروع الأمثلة في الاستقامة وفي طاعة الله .
أيها الأحبة: كما قلت مشكلة الشباب اليوم مشكلتان الأولى: عدم تحديد الهدف.
الثانية: عدم تسديد الضربات والجهود والطاقات إلى الهدف، مثلاً بعضهم يقول: أنا حددت الهدف، سأجد واجتهد في دراستي في المعهد المهني، هذا الهدف حدده، هل سدد الضربات؟ لا.
تجده على الرصيف، أو في الحراج يميز أنواع السيارات هذه موديل كذا وهذه موديل كذا، فأين تسديد الضربات إلى الهدف الذي حدده، لم يوجه عقله وقلبه وفكره وسمعه وبصره لهذا الهدف حتى ينتجه؛ ولذلك لا يكفي أن تسجل في المعهد المهني في بداية العام، لكن يحتاج مع التسجيل مواظبة وحضور باستمرار، ومداومة ومثابرة واجتهاد حتى تخرج بنتيجة، ولا يكفي أن تقول: أنا أريد أن أتوب إلى الله، لا يكفي أن تقول أنا أريد أن أكون شاباً صالحاً ولا تسدد الضربات نحو الصلاح، لا بد أن تسدد الجهود والضربات نحو الصلاح؛ فتتخلص من وسائل المعاصي وتتجنب مجالسة أهل السوء، وتترك مجالس اللهو والمعصية، وتجد في هذا المجال؛ حتى تكون من المهتدين بإذن الله.
стр. 2452
تخبط الكافر في هذه الحياة ليس غريباً
أيها الأحبة: ليس عجيباً أن يتخبط الغربيون في حياتهم، لكن الغريب والعجيب أن يتخبط الشباب المسلم الذي يعلم أن له رباً خلقه، وهو يعبد ربه وحده لا شريك له، ويعلم أن له نبياً أسوة وقدوة حسنة، ويعلم أن له ديناً، وقد أنزل الله وحياً وكتاباً معصوماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
ليس غريباً أن يتخبط الذين ليس عندهم من يدلهم، لكن الغريب أن يتخبط الذين عندهم ما يدلهم ويهديهم وعندهم ما ينفعهم، هذا هو الغريب، لو ذهبت سيارتان بـ الدهناء، سيارة فيها دليل، رجل خريت يعرف الطريق، وسيارة ليس فيها دليل، إذا ضاعت السيارة التي بدون دليل فليس بغريب أن تضيع؛ لأنه ليس لديها دليل، ولكن إذا ضاعت السيارة التي فيها الدليل فهذه هي والله المصيبة، معها دليل وتضيع، وكذلك هي مصيبتنا في شباب اليوم، عندنا دليل وهدى، وعندنا رشد وطريق ونور، ومع ذلك نتخبط في الطرق، نتخبط في الظلمات، نتخبط في ألوان وأنواع من المعاصي لا يقف بعض الشباب فيها إلا عند منحنى خطير ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 2453
من صور التخبط عند الشباب
стр. 2454
الاستهزاء بجناب الربوبية
أيها الأحبة: إن من صور تخبط الشباب اليوم، وانشغالهم عن تسديد الهدف إلى الغاية الصحيحة، بل سددوا الأهداف إلى غايات لا يزال الواقع يثبت يوم بعد يوماً أنها غايات ضالة منحرفة كما قلت آنفاً؛ أنهم سددوا الأهداف بالإعجاب والتقدير، والإكبار والاحترام لأنجاس المجتمع وأوساخه، إن لم يهدهم الله .
أيها الإخوة: هذه قصاصة من جريدة تقول هذه القصاصة: بعد تجربة السجن الفنان سعيد صالح يتطلع لتقديم فن هادئ، سعيد صالح كما تعلمون ويعلم الكثير أنه ممثل كوميدي مصري، وليس عيباً أنه من مصر، بل إذا ذكرت مصر نفتخر بها فمنها: ابن شهاب وفيها الليث وفيها أئمة كبار، والإمام الشافعي ﵀، له مذهب قديم وجديد، أحدهما في مصر، لكن العيب أن من الشباب من يعطي هؤلاء الفنانين غاية التقدير والاحترام، والقضية ليست قضية عادية، بل هي كما يقول الخبر.
لم يكن يوم السادس عشر من أكتوبر تشرين الأول في العام الماضي يوماً عادياً في حياة الفنان الكوميدي سعيد صالح -أولاً: لا شماتة، قولوا: اللهم لا تجعلنا من الشامتين، ووالله ما أسوق هذا الخبر شماتة، ولا يجوز أن يشمت الإنسان بأحد؛ لكن أقول انظروا أيها الشباب، يا من تعلقت بالفن، أو تعلقت بالفنانين أو تعلقت بالممثلين، انظر من تتعلق به، انظر من تتعلق بهم، وحاشا أن يكون فيكم إن شاء الله من يتعلق بأمثال هؤلاء، لكن هذا من باب التحذير، يقول: لم يكن يوماً عادياً في حياة الفنان سعيد صالح، إنما هو يوم الإفراج والعودة إلى الضوء والنهار، والشارع والأحباب والجمهور بعد غياب دام ثلاثمائة وسبع وستين يوماً وأربع ساعات قضاها خلف جدران سجن الحضرة بقلب الإسكندرية بتهمة تعاطي المخدرات.
الله أكبر! سنة في السجن وفضيحة، أسأل أن يسترنا ولا يفضحنا، ونسأل الله أن لا يهتك علينا أستاره، وأن لا يفضح أسرارنا، وأن يجعل باطننا خيراً من ظاهرنا، ولا نقول هذا شماتة، لكن نسأل الله إن لم يهدهم أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
أحدهم في تمثيلية من التمثيليات كان يتكلم وهو صديق لهذا الفنان، اسمه سمير غانم كما أخبرني بعض الإخوة، وأراني المشهد يقول: كان يتكلم عن حمار له، ولم يكن الحمار حاضراً في مكان الكلام، كان الظاهر في تمثيلية أو مشهد اسمه (جحا يحكم المدينة) فكان يتكلم عن شخص اسمه عبد الهادي، قال له المحقق الضابط: أين عبد الهادي؟ قام ودخل الحمار وقال هذا عبد الهادي، ليس هذه المشكلة، المشكلة أنه كان يناقش المحقق، يقول: هذا هو عبد الهادي؟ قال: (ده ربنا خلقه لحد ركبته وقال له: كمل أنت الباقي).
يا إخوان: هذه كلمة خطيرة ربما الإنسان يشرب الخمر فيتوب، وربما الإنسان يزني فيتوب، وربما الإنسان يفعل اللواط فيتوب، ولكن تستهتر برب العالمين وتقول إن الله خلق هذا الحمار إلى ركبته وقال له كمل أنت الباقي، فهذا خطره عظيم وعقابه جسيم؟!! فأين الغيرة لله؟! أين الغيرة على تعظيم الله وجلال الله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] إذا كان تعظيم حرمات الله من تقوى القلوب، فما بالك بتعظيم الله ، أعظم التقوى تعظيم الله ، نعم قد يخطئ الإنسان لكن لا يبلغ به الأمر إلى أن يسخر ويستهزئ بالله .
وأنا لم أصدق هذا حتى رأيته بعيني وسمعت بأذني، وكتبت في هذا كتاباً إلى الجهة المسئولة.
أيها الشاب: يا من تتعلق بمثل هؤلاء الممثلين، أو فنان أو مطرب أو نجم أو أو.
كما قلنا في مايكل أو غيره، هذا يقول: لو كان العرب يسمعون لي ما غنيت، أغني للخنازير ولا أغني للعرب، وهذا يستهتر بربك ويقول: هذا خلق حماراً وقال له: (كمل أنت الباقي) ألا له الخلق والأمر وحده لا شريك له، ليس لأحدٍ أن يخلق ذبابة فضلاً عن أن يخلق أو يكمل الباقي من خلقه، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابة، وهذا يقول: (أنت لا تعرف عبد الهادي، ده ربنا خلقه لحد ركبته وقال له: كمل أنت الباقي) ووالله لو أن رجلاً سخر بأمك واستهزأ بأمك وقال أمك التي هي كذا وكذا، لن تطيق، ولا أحد يطيق أن يسمع أحداً يستهزئ بأمه أو بأبيه، فما بالك وأنت تسمع من يستهزئ بربك؟! ومن الغيرة أن يكون الإنسان غيوراً على حرمات الله وعلى عظمة الله .
يقال في بلد من البلدان أن ضابطاً كان يحقق مع رجل في تهمة من التهم فقال المجرم: أنا معترف كذا (وأرجو على شان الله) أن تتركها لي، فقال الضابط: ما هذا ربك، ولو جاء ربك لأسجننه معك، فقام المجرم، وأخذ الخرامة التي كانت على الطاولة وضرب بها وجه الضابط، وقال: انظر يا حيوان! اجلدني اضربني اقتلني واعمل الذي تريد؛ لكن لا تتجرأ على الله، وتتكلم عن ذات الله، تتكلم عن جناب الله فيما لا يليق، افعل ما تشاء ولا أسمح لك أن تفعل هذا الشيء.
فيا أحبابنا: نحن لا نريد أن نتمادى بالإعجاب بفن أو لهو أو بمنكر إلى درجة أن يصبح الواحد يسمع هذا الفن أو يسمع هذا العفن الحقيقي، يسمع فيه ما يسمع ثم بعد ذلك يسكت ويضحك، للأسف أن هذه التمثيلية (جحا يحكم المدينة) انتشرت وشاعت وتناقلت، وقل أن تسمع مسلماً يغار، أين الغيرة على حرمات الله وفي ذات الله، وفي جنب الله ؟ هذا خبر طويل عن سجن هذا الفنان، نسأل الله ولنا ولهم الهداية، وإن كان في علم الله أنهم لا يهتدون، نسأل الله أن يريح المسلمين من شرهم ومن فسادهم.
стр. 2455
من صور تخبط الشباب: جنون الرياضة
أيها الأحبة: من تخبط الشباب اليوم وانصرافهم عن تسديد الهدف: جنون الرياضة، والجنون فنون، فتجد هذا الشاب إذا شجع فريقاً، يعد لك أسماء الفريق من الكابتن والحارس، والظهير، والدفاع الأيمن، والأيسر، خط الحربة، والهجوم، رأس الحربة، ويسمي الاحتياطيين ويسمي جميع الفريق، ولو قلت له عد لي عشرة من المبشرين بالجنة، أو عد صحابة رسول الله الذي فصل لك كيف تصلي، ونبيك الذي تعلمنا منه ﷺ أحكام الدين، علمنا بأسماء عشرة من صحابته لم يعرف أسماء خمسة منهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
تعرف أسماء لاعبين الكرة وأسماء الفنانين ولا تعرف أسماء العشرة المبشرين بالجنة، لا تعرف أسماء الصحابة، وعلماء الإسلام الأجلاء الذين كتبهم ومصنفاتهم ومؤلفاتهم بين أيدينا، كتب التشريعات المعاصرة، واستنباطات واجتهادات من تراثهم ومن علمهم المستمد من كتاب الله وسنة رسوله، ما نعرفهم ونعرف أسماء الفنانين واللاعبين.
ثم كما أقول لأحد الأقارب وهو شاب صغير عمره ست عشرة سنة من أقاربنا مجنون رياضي، يموت في الرياضة، قلت له: تعال يا ولد أنا ليس لدي سوط أضربك، والإقناع لا بد أن يكون بالحوار، والقوة لا تأتي بنتيجة، ولا ينفع إلا الحوار والنقاش، يا حبيبي أنا أسألك النادي الذي تشجعه إذا رسبت في دراستك هل ينجحونك؟ قال: لا.
قلت: إذا بقي عليك درجتان للنجاح، هل النادي يتوسط لك وتنجح؟ قال: لا.
قلت: هذا النادي إذا تخرجت من الثانوية وأردت أن تدبر لك قبولاً في جامعة من الجامعات هل يدبر لك قبولاً ومستواك ضعيف؟ قال: لا.
قلت: إذا تخرجت بلا شهادة بسبب ضياع وقتك أيام الاختبارات في تشجيع الأندية والنتيجة رسوب ولم يوظفك أحد هل النادي مستعد أن يوظفك؟ قال: لا.
فقلت له: هل النادي يصرف عليك شهرياً؟ قال: لا.
هل يصرف على أمك وأهلك؟ قال: لا.
قلت: لماذا هذا الجنون؟ لماذا كل هذا الجنون والسهر، مسمر عند شاشة التليفزيون: سدد، افعل، سجل، ناوله، ويعض أصابعه ويقرض أظفاره، وفي النهاية تجده إذا وقفت المباراة على (بلنتيات) قام وقلبه يرجف، بعضهم يقول: يا رب، فعلاً إذا جاءت في الثواني الأخيرة وبها (بلنتيات) إذا وقف، قال: هاه! ما أقدر ما أقدر هاه! أخذك الله وأراحنا من أمثالك وأشكالك.
وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع
شاب محسوب على هؤلاء السكان، تأخذ خدمات أمنية وصحية واجتماعية وتعليمية وتربوية، وجميع الخدمات تستهلكها وإنتاجك يا رب لا يسجل الهدف، هذا الإنتاج الآن.
أعود إلى صاحبنا هذا الولد الله يصلحه، قلت: يا حبيبي: إذا مرضت يشفيك هذا النادي، يعالجك هذا النادي؟ قال: لا.
إذا نزلت بك المنية تقول: يا رب ارحمني خفف علي سكرات الموت هل ينفعك هذا النادي؟ قال: لا.
إذا وقفت بين يدي الله وسألك: (لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه) إذا وفقت يوم القيامة وسألك الله ماذا قدمت للآخرة، تقول: يا رب كنت مشجعاً أو في رابطة المشجعين، أو يا رب كنت مخلصاً في التشجيع للنادي الفلاني.
أيها الأحبة: نعم.
ممكن أن يلعب الإنسان الكرة مع زملائه، فلا بأس بها وهي رياضة، ولا بأس أن يستمتع باللعب الجميل مع الزملاء والإخوان، لكن أن تصل إلى درجة أن الواحد يظل أربعاً وعشرين ساعة في لعب الكرة ومتابعتها، وأحدهم أقسم بالله لا يدخل الموز في بيته من أجل لونه الأصفر، لأنه هلالي.
وانظر إلى أي درجة بلغ التعصب بالشباب، أنهم سددوا أهدافاً ولكن إلى غايات لا تنفعهم أبداً.
следующие страницы →