← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

المسلم يختلف عن الكافر في أمور عديدة يا أحباب! نحن ولله الحمد نختلف عن غيرنا، فعندنا غاية سامية عظيمة، لكن كما قلت لكم: هؤلاء الغربيون ليس عندهم غايات يعيشون من أجلها. تجد الواحد يمسك الحديقة من أولها إلى آخرها ويركض ويركض، ويسمن هذا الجسم، ولكن مصير هذا الجسم إلى جهنم وساءت مصيراً إن مات على الكفر، ولكن الواحد منا يأكل؛ لكي يتعبد الله ، يأكل لينشط، فإذا أصبح نشيطاً صار قوياً على طاعة الله وعبادته، لكن هذا يأكل من أجل أن يهدر ويخور كما يخور الثور. انظر العجائب التي يحققونها، أحدهم يحاول أن يسجل رقماً قياسياً في الأكل، هذا ضرب الرقم القياسي في أكل مائتي بيضة، وقد جاء منافس جديد وحطم الرقم القياسي فأكل مائتي بيضة وواحد بيضة وصفار، وبعد ذلك يأتي واحد ثالث أو امرأة تحطم الرقم القياسي وتأكل مائتين وثلاث بيضات، ويسجل الرقم القياسي في أكل البيض لفلان، ويسجل الرقم القياسي لرفع الأثقال، لكن الفرق بينكم وبين هؤلاء الحمير والبهائم في الغرب أنكم ولله الحمد والمنة الواحد منكم إذا قلنا له افعل كذا يقول: لماذا؟ ما هي الغاية؟ ما هو الهدف ما هو المقصود؟ لكن هؤلاء الغرب يهم الواحد أن يسجل الرقم القياسي. ومن المضحكات ما قرأت في جريدة أن رجلاً استطاع -أظنه أمريكياً- أن يحطم الرقم القياسي في أطول ساعات الكلام: الذي ضرب الرقم القياسي ثلاث ساعات، والذي تكلم ثلاث ساعات وعشر دقائق هذا جاء وضرب الرقم القياسي وتكلم خمس ساعات أو ست ساعات وحطم الرقم القياسي. والواحد منكم يا شباب، إذا قال سبحان الله، كتبتها الملائكة له، إذا قال الحمد لله كتبتها الملائكة، إذا قال: الله أكبر كتبها الملائكة، إذا قال: لا إله إلا الله كتبتها الملائكة في موازين أعماله، لكن هذا الذي حطم الرقم القياسي في الكلام يرغي ويزبد، خمس ساعات لا يكتب له شيء؟ ولذلك الفرق كما أقول: وينبغي أن يعرف المسلم قيمته والفرق بينه وبين الكافر، وحتى تعرف قيمتك وقدرك يا أخي! ومشكلتنا يا شباب: أن الشباب المسلم حتى الآن لم يعرفوا قدرهم ووزنهم في الإسلام، وما عرفوا أن عزتهم بالإسلام. يا أخي: أنت عزيز عزة عظيمة، يكفيك أن الواحد من المسلمين لو أصابه حادث ومات، تدفع ديته كاملة، لكن هذا الكافر تدفع نصف الدية، ولو أن مسلماً قتل كافراً فلا يقتل به حتى ولو كان عمداً وعدواناً، ينبغي أن نعرف قدرنا بالإسلام، بغض النظر عن قيمة الإنسان، نعم الإنسان له قدر في تعليمه وشهادته، وقدر في قوته المالية، وقدر في قوته العقلية، لكن هناك قدر في كونك مسلماً، وكثير من الشباب لا يعرفون قدرهم في الإسلام، بل بالعكس تجد بعضهم ينظر إلى نفسه نظرة هزيمة وضعف واحتقار أمام هذا الكافر، ولكن كما يقول الشاعر: وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع أيها الأحبة: المشكلة أن هؤلاء الغربيين الذين احتقرناهم فيما فيه الكفاية، ولكنهم حددوا أهدافاً معينة فوصلوا إليها في أمور دنياهم، هذا دخل المختبر وأغلق على نفسه الباب وقال: لن أخرج حتى أكتشف عقاراً أو مصلاً أو قطرات معينة توضع في فم الأطفال فتمنع -بإذن الله- شلل الأطفال. وهذا دخل في المعمل وقال: لن أخرج من هذا المعمل حتى اكتشف عقاراً يعوض الأنسولين في الجسم، وهذا دخل المعمل فقال: لا أخرج حتى اكتشف دواء يعالج المرض الفلاني، وحدد هدفاً ووصل إليه، وهذا حدد هدفاً معيناً في هندسة، في تسلح، في أمور عسكرية، في طيران، في تجارة، في تخطيط، في اقتصاد، في إدارة، حددوا أهدافاً فسددوا الضربات إليها، لكن نحن وإياكم يا شباب! نشكو إلى الله أن من شبابنا من لم يعرف الغاية التي خلق من أجلها، ومثل هذا كرجل داخل ملعب، مرة يسدد الهدف على فريقه ومرة على الفريق الثاني، لا يدري من أين يسدد؟! ومرة يضرب الحكم بالكرة ومرة يضرب الجمهور بالكرة، ومرة يضرب الذين يتفرجون، ليس عنده ضربات محددة، فهكذا الذين لا يحددون أهدافهم وغاياتهم، ومصيبة أخرى أن بعضهم حدد الهدف لكنه لم يسدد الضربات؛ ولذلك حديثنا اليوم عن نقطتين: أولاً: تحديد الهدف. الثانية: تسديد الضربات، توجيه الجهود والقوى، الطاقات والإمكانيات وكل ما تستطيع توجيهه إلى هذا الهدف، وربما يسمع بعضكم من بعض، بعض الشباب يقول: (فلان عربجي ما يفهم) لا والله. هذا الشاب الذي بعضكم يقول عنه عربجي لا يفهم، والله إذا من الله عليه بالهداية سترون منه العجائب والغرائب، بل أعجب العجائب. أحدهم ممن كان يسمى (عربجي) وهو نصري ناصر (عضلات). والمهم أنه كان في ضلاله ومضاربه ويدخل على الشاب ويحوسهم ويضربهم، ويدخل على المساكين ويأخذ دراهمهم، فمنّ الله عليه بالهداية، وليست الهداية أمراً بعيداً فأخونا نصري ناصر لما منّ الله عليه بالهداية الآن يحفظ القرآن كاملاً، منّ الله عليه برفع الغشاوة التي على قلبه، وزالت السحابة التي كانت على قلبه وانقشعت، فأبصر الأمور على حقيقتها ولم ينظر إليها بالشهوات والغفلات، فلما نظر إلى الأمور بالحقيقة حدد هدفاً في طاعة الله، وسدد الضربات نحو هدف محدد هو رضى الله في حفظ كتاب الله، اجتهد في حلقات القرآن اجتهد ليل نهار، حتى حفظ القرآن ولله الحمد والمنّة. والآن أسرته بعد أن كانت تتعوذ منه ويتبرءون منه ويتمنون سيارة تطؤه وتريحهم منه؛ أصبحوا يفتخرون به، فقد ضرب أروع الأمثلة في الاستقامة وفي طاعة الله . أيها الأحبة: كما قلت مشكلة الشباب اليوم مشكلتان الأولى: عدم تحديد الهدف. الثانية: عدم تسديد الضربات والجهود والطاقات إلى الهدف، مثلاً بعضهم يقول: أنا حددت الهدف، سأجد واجتهد في دراستي في المعهد المهني، هذا الهدف حدده، هل سدد الضربات؟ لا. تجده على الرصيف، أو في الحراج يميز أنواع السيارات هذه موديل كذا وهذه موديل كذا، فأين تسديد الضربات إلى الهدف الذي حدده، لم يوجه عقله وقلبه وفكره وسمعه وبصره لهذا الهدف حتى ينتجه؛ ولذلك لا يكفي أن تسجل في المعهد المهني في بداية العام، لكن يحتاج مع التسجيل مواظبة وحضور باستمرار، ومداومة ومثابرة واجتهاد حتى تخرج بنتيجة، ولا يكفي أن تقول: أنا أريد أن أتوب إلى الله، لا يكفي أن تقول أنا أريد أن أكون شاباً صالحاً ولا تسدد الضربات نحو الصلاح، لا بد أن تسدد الجهود والضربات نحو الصلاح؛ فتتخلص من وسائل المعاصي وتتجنب مجالسة أهل السوء، وتترك مجالس اللهو والمعصية، وتجد في هذا المجال؛ حتى تكون من المهتدين بإذن الله.

стр. 2452

تخبط الكافر في هذه الحياة ليس غريباً أيها الأحبة: ليس عجيباً أن يتخبط الغربيون في حياتهم، لكن الغريب والعجيب أن يتخبط الشباب المسلم الذي يعلم أن له رباً خلقه، وهو يعبد ربه وحده لا شريك له، ويعلم أن له نبياً أسوة وقدوة حسنة، ويعلم أن له ديناً، وقد أنزل الله وحياً وكتاباً معصوماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. ليس غريباً أن يتخبط الذين ليس عندهم من يدلهم، لكن الغريب أن يتخبط الذين عندهم ما يدلهم ويهديهم وعندهم ما ينفعهم، هذا هو الغريب، لو ذهبت سيارتان بـ الدهناء، سيارة فيها دليل، رجل خريت يعرف الطريق، وسيارة ليس فيها دليل، إذا ضاعت السيارة التي بدون دليل فليس بغريب أن تضيع؛ لأنه ليس لديها دليل، ولكن إذا ضاعت السيارة التي فيها الدليل فهذه هي والله المصيبة، معها دليل وتضيع، وكذلك هي مصيبتنا في شباب اليوم، عندنا دليل وهدى، وعندنا رشد وطريق ونور، ومع ذلك نتخبط في الطرق، نتخبط في الظلمات، نتخبط في ألوان وأنواع من المعاصي لا يقف بعض الشباب فيها إلا عند منحنى خطير ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 2453

من صور التخبط عند الشباب

стр. 2454

الاستهزاء بجناب الربوبية أيها الأحبة: إن من صور تخبط الشباب اليوم، وانشغالهم عن تسديد الهدف إلى الغاية الصحيحة، بل سددوا الأهداف إلى غايات لا يزال الواقع يثبت يوم بعد يوماً أنها غايات ضالة منحرفة كما قلت آنفاً؛ أنهم سددوا الأهداف بالإعجاب والتقدير، والإكبار والاحترام لأنجاس المجتمع وأوساخه، إن لم يهدهم الله . أيها الإخوة: هذه قصاصة من جريدة تقول هذه القصاصة: بعد تجربة السجن الفنان سعيد صالح يتطلع لتقديم فن هادئ، سعيد صالح كما تعلمون ويعلم الكثير أنه ممثل كوميدي مصري، وليس عيباً أنه من مصر، بل إذا ذكرت مصر نفتخر بها فمنها: ابن شهاب وفيها الليث وفيها أئمة كبار، والإمام الشافعي ﵀، له مذهب قديم وجديد، أحدهما في مصر، لكن العيب أن من الشباب من يعطي هؤلاء الفنانين غاية التقدير والاحترام، والقضية ليست قضية عادية، بل هي كما يقول الخبر. لم يكن يوم السادس عشر من أكتوبر تشرين الأول في العام الماضي يوماً عادياً في حياة الفنان الكوميدي سعيد صالح -أولاً: لا شماتة، قولوا: اللهم لا تجعلنا من الشامتين، ووالله ما أسوق هذا الخبر شماتة، ولا يجوز أن يشمت الإنسان بأحد؛ لكن أقول انظروا أيها الشباب، يا من تعلقت بالفن، أو تعلقت بالفنانين أو تعلقت بالممثلين، انظر من تتعلق به، انظر من تتعلق بهم، وحاشا أن يكون فيكم إن شاء الله من يتعلق بأمثال هؤلاء، لكن هذا من باب التحذير، يقول: لم يكن يوماً عادياً في حياة الفنان سعيد صالح، إنما هو يوم الإفراج والعودة إلى الضوء والنهار، والشارع والأحباب والجمهور بعد غياب دام ثلاثمائة وسبع وستين يوماً وأربع ساعات قضاها خلف جدران سجن الحضرة بقلب الإسكندرية بتهمة تعاطي المخدرات. الله أكبر! سنة في السجن وفضيحة، أسأل أن يسترنا ولا يفضحنا، ونسأل الله أن لا يهتك علينا أستاره، وأن لا يفضح أسرارنا، وأن يجعل باطننا خيراً من ظاهرنا، ولا نقول هذا شماتة، لكن نسأل الله إن لم يهدهم أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. أحدهم في تمثيلية من التمثيليات كان يتكلم وهو صديق لهذا الفنان، اسمه سمير غانم كما أخبرني بعض الإخوة، وأراني المشهد يقول: كان يتكلم عن حمار له، ولم يكن الحمار حاضراً في مكان الكلام، كان الظاهر في تمثيلية أو مشهد اسمه (جحا يحكم المدينة) فكان يتكلم عن شخص اسمه عبد الهادي، قال له المحقق الضابط: أين عبد الهادي؟ قام ودخل الحمار وقال هذا عبد الهادي، ليس هذه المشكلة، المشكلة أنه كان يناقش المحقق، يقول: هذا هو عبد الهادي؟ قال: (ده ربنا خلقه لحد ركبته وقال له: كمل أنت الباقي). يا إخوان: هذه كلمة خطيرة ربما الإنسان يشرب الخمر فيتوب، وربما الإنسان يزني فيتوب، وربما الإنسان يفعل اللواط فيتوب، ولكن تستهتر برب العالمين وتقول إن الله خلق هذا الحمار إلى ركبته وقال له كمل أنت الباقي، فهذا خطره عظيم وعقابه جسيم؟!! فأين الغيرة لله؟! أين الغيرة على تعظيم الله وجلال الله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] إذا كان تعظيم حرمات الله من تقوى القلوب، فما بالك بتعظيم الله ، أعظم التقوى تعظيم الله ، نعم قد يخطئ الإنسان لكن لا يبلغ به الأمر إلى أن يسخر ويستهزئ بالله . وأنا لم أصدق هذا حتى رأيته بعيني وسمعت بأذني، وكتبت في هذا كتاباً إلى الجهة المسئولة. أيها الشاب: يا من تتعلق بمثل هؤلاء الممثلين، أو فنان أو مطرب أو نجم أو أو. كما قلنا في مايكل أو غيره، هذا يقول: لو كان العرب يسمعون لي ما غنيت، أغني للخنازير ولا أغني للعرب، وهذا يستهتر بربك ويقول: هذا خلق حماراً وقال له: (كمل أنت الباقي) ألا له الخلق والأمر وحده لا شريك له، ليس لأحدٍ أن يخلق ذبابة فضلاً عن أن يخلق أو يكمل الباقي من خلقه، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]. لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابة، وهذا يقول: (أنت لا تعرف عبد الهادي، ده ربنا خلقه لحد ركبته وقال له: كمل أنت الباقي) ووالله لو أن رجلاً سخر بأمك واستهزأ بأمك وقال أمك التي هي كذا وكذا، لن تطيق، ولا أحد يطيق أن يسمع أحداً يستهزئ بأمه أو بأبيه، فما بالك وأنت تسمع من يستهزئ بربك؟! ومن الغيرة أن يكون الإنسان غيوراً على حرمات الله وعلى عظمة الله . يقال في بلد من البلدان أن ضابطاً كان يحقق مع رجل في تهمة من التهم فقال المجرم: أنا معترف كذا (وأرجو على شان الله) أن تتركها لي، فقال الضابط: ما هذا ربك، ولو جاء ربك لأسجننه معك، فقام المجرم، وأخذ الخرامة التي كانت على الطاولة وضرب بها وجه الضابط، وقال: انظر يا حيوان! اجلدني اضربني اقتلني واعمل الذي تريد؛ لكن لا تتجرأ على الله، وتتكلم عن ذات الله، تتكلم عن جناب الله فيما لا يليق، افعل ما تشاء ولا أسمح لك أن تفعل هذا الشيء. فيا أحبابنا: نحن لا نريد أن نتمادى بالإعجاب بفن أو لهو أو بمنكر إلى درجة أن يصبح الواحد يسمع هذا الفن أو يسمع هذا العفن الحقيقي، يسمع فيه ما يسمع ثم بعد ذلك يسكت ويضحك، للأسف أن هذه التمثيلية (جحا يحكم المدينة) انتشرت وشاعت وتناقلت، وقل أن تسمع مسلماً يغار، أين الغيرة على حرمات الله وفي ذات الله، وفي جنب الله ؟ هذا خبر طويل عن سجن هذا الفنان، نسأل الله ولنا ولهم الهداية، وإن كان في علم الله أنهم لا يهتدون، نسأل الله أن يريح المسلمين من شرهم ومن فسادهم.

стр. 2455

من صور تخبط الشباب: جنون الرياضة أيها الأحبة: من تخبط الشباب اليوم وانصرافهم عن تسديد الهدف: جنون الرياضة، والجنون فنون، فتجد هذا الشاب إذا شجع فريقاً، يعد لك أسماء الفريق من الكابتن والحارس، والظهير، والدفاع الأيمن، والأيسر، خط الحربة، والهجوم، رأس الحربة، ويسمي الاحتياطيين ويسمي جميع الفريق، ولو قلت له عد لي عشرة من المبشرين بالجنة، أو عد صحابة رسول الله الذي فصل لك كيف تصلي، ونبيك الذي تعلمنا منه ﷺ أحكام الدين، علمنا بأسماء عشرة من صحابته لم يعرف أسماء خمسة منهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. تعرف أسماء لاعبين الكرة وأسماء الفنانين ولا تعرف أسماء العشرة المبشرين بالجنة، لا تعرف أسماء الصحابة، وعلماء الإسلام الأجلاء الذين كتبهم ومصنفاتهم ومؤلفاتهم بين أيدينا، كتب التشريعات المعاصرة، واستنباطات واجتهادات من تراثهم ومن علمهم المستمد من كتاب الله وسنة رسوله، ما نعرفهم ونعرف أسماء الفنانين واللاعبين. ثم كما أقول لأحد الأقارب وهو شاب صغير عمره ست عشرة سنة من أقاربنا مجنون رياضي، يموت في الرياضة، قلت له: تعال يا ولد أنا ليس لدي سوط أضربك، والإقناع لا بد أن يكون بالحوار، والقوة لا تأتي بنتيجة، ولا ينفع إلا الحوار والنقاش، يا حبيبي أنا أسألك النادي الذي تشجعه إذا رسبت في دراستك هل ينجحونك؟ قال: لا. قلت: إذا بقي عليك درجتان للنجاح، هل النادي يتوسط لك وتنجح؟ قال: لا. قلت: هذا النادي إذا تخرجت من الثانوية وأردت أن تدبر لك قبولاً في جامعة من الجامعات هل يدبر لك قبولاً ومستواك ضعيف؟ قال: لا. قلت: إذا تخرجت بلا شهادة بسبب ضياع وقتك أيام الاختبارات في تشجيع الأندية والنتيجة رسوب ولم يوظفك أحد هل النادي مستعد أن يوظفك؟ قال: لا. فقلت له: هل النادي يصرف عليك شهرياً؟ قال: لا. هل يصرف على أمك وأهلك؟ قال: لا. قلت: لماذا هذا الجنون؟ لماذا كل هذا الجنون والسهر، مسمر عند شاشة التليفزيون: سدد، افعل، سجل، ناوله، ويعض أصابعه ويقرض أظفاره، وفي النهاية تجده إذا وقفت المباراة على (بلنتيات) قام وقلبه يرجف، بعضهم يقول: يا رب، فعلاً إذا جاءت في الثواني الأخيرة وبها (بلنتيات) إذا وقف، قال: هاه! ما أقدر ما أقدر هاه! أخذك الله وأراحنا من أمثالك وأشكالك. وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع شاب محسوب على هؤلاء السكان، تأخذ خدمات أمنية وصحية واجتماعية وتعليمية وتربوية، وجميع الخدمات تستهلكها وإنتاجك يا رب لا يسجل الهدف، هذا الإنتاج الآن. أعود إلى صاحبنا هذا الولد الله يصلحه، قلت: يا حبيبي: إذا مرضت يشفيك هذا النادي، يعالجك هذا النادي؟ قال: لا. إذا نزلت بك المنية تقول: يا رب ارحمني خفف علي سكرات الموت هل ينفعك هذا النادي؟ قال: لا. إذا وقفت بين يدي الله وسألك: (لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه) إذا وفقت يوم القيامة وسألك الله ماذا قدمت للآخرة، تقول: يا رب كنت مشجعاً أو في رابطة المشجعين، أو يا رب كنت مخلصاً في التشجيع للنادي الفلاني. أيها الأحبة: نعم. ممكن أن يلعب الإنسان الكرة مع زملائه، فلا بأس بها وهي رياضة، ولا بأس أن يستمتع باللعب الجميل مع الزملاء والإخوان، لكن أن تصل إلى درجة أن الواحد يظل أربعاً وعشرين ساعة في لعب الكرة ومتابعتها، وأحدهم أقسم بالله لا يدخل الموز في بيته من أجل لونه الأصفر، لأنه هلالي. وانظر إلى أي درجة بلغ التعصب بالشباب، أنهم سددوا أهدافاً ولكن إلى غايات لا تنفعهم أبداً.

стр. 2456

من صور تخبط الشباب التسكع في الشوارع من الشباب من سدد أهدافاً لكن ليست في العبادة، وليست في طلب العلم، وليست في صنعة نافعة، وليست في تجارة رابحة، وليست في تجربة مفيدة، وإنما سددوا أهدافاً في التسكع في الطرقات والشوارع، ونرجو من الله أن يمن عليهم ويهديهم، فبعض الشباب سدد أهدافاً ولكن في التسكع في الطرقات والشوارع يمنة ويسرة، ثم يأتي بعدها إلى البيت (ثم يخبطها نومة) ويكلم أمه يقول: لا أحد يدق عليّ الباب. يا أخي! ألا تستحي على وجهك (هذه أمك يا ثور) تكلمها بهذا الأسلوب، قبل يديها ورأسها، بدلاً من أن تقول: لا تشغليني طق طق قم صل، وتلقاه قد رسم له جمجمة وعظمين هكذا، خطر ممنوع الاقتراب، كأنه قرصان سفينة من البحارة، ممنوع الاقتراب، ومتى يقوم؟ يقوم بعد صلاة المغرب، أو قبل صلاة العشاء، إن كان فيه خير صلى بعض الصلوات التي لم يصلهن ثم دخل الحمام وقعد ساعة، يفرك وجهه وأذانه ورقبته، إلى أن يخرج يسأل عن الثوب، ولابد أن يكون الثوب جاهزاً، ويصدر الأوامر على أمه كأنما هي خادمة في البيت، ثم يأتي بتلك الطاقية التي كأنها صاع، على وجه لا تراه، ثم يضع العقال على الطاقية، بضعهم يقلد بدون استقلال في الشخصية. ثم يخرج هذا الشاب بعد أن يضبط كل شيء يركب السيارة، ويمر على فلان وعلان، ويقضي يومه في دوران في كل شارع، حتى إذا انتهى من شارع الثلاثين، توجه إلى شارع العُلية، وإذا انتهى منه سارع إلى شارع الستين، ثم شارع جرير، وبعضهم زيادة على ذلك يجهز معه كم ورقة لاصقة، ويمر في الشارع، يحط رقم هاتفه، وتأتي البنت تطالع الرقم؛ فإن كانت مسكينة وليس لديها حصانة إيمانية وتقوى وخوف من الله وتربية جيدة، تقول: اتصل وقد جعل تحت الرقم اسم هشام. وفي هذه اليومين -أيها الأحبة- اتصلت بي فتاة من جدة، قالت: أنت فلان؟ قلت: نعم أنا فلان، قالت: أنا أرجوك حصلت لي مشكلة وأريد أن تنصح من وقع فيها، قلت: ما مشكلتك؟ قالت: كنت أمشي في السوق أنا وأختي وفجأة أحس بلمسة شاب والتفت وإذا الشاب قد وضع رقماً لاصقاً، تقول: فوراً التفت وأخذت الجزمة وضربته في رأسه وصرخت، فجاءوا الناس وضربوه واستهزءوا به، ولم يدع عزة في نفسه، وأخذوه وهذه الورقة، مكتوب فيها الاسم هشام وجعل رقم التلفون في جدة، قالت: أرجوك خذ هذا الرقم وهذا اسمه وانصحه جزاك الله خيراً، فضربت الرقم وقلت: السلام عليكم، فقال من تريد؟ قلت: في نفسي لا بد أن أدخل مدخلاً معيناً، قلت: لو سمحت أين الأخ هشام؟ قال: أي هشام، ولذلك هذه أساليب ملتوية يضع الرقم واسم مستعار ويبدأ يغازل به والعياذ بالله. أهذه أهداف يسدد فيها الشباب؟ يضيع العمر ويضيع الشباب في تجوال، في إيذاء المسلمات، في إيذاء العفيفات الطيبات الطاهرات، وإلا بعضهم سار يعمل له لوحة كبيرة: (٤٣٥١٢٣٤) يقف بجانب نساء يريهن الرقم، إلى أي درجة ضاعت الحياة، أصبحت الحياة تافهة ما عاد عند الإنسان اهتمام إلا أن يوصل رقمه إلى فتاة، هذه آخر أمنيات الشباب اليوم أن الواحد يوصل رقمه إلى بنت. يا أخي: إذا كان فيك رغبة زواج، اذهب واخطب من المسلمين مثل المسلمين، وانظر إلى هذه الفتاة إن شاء الله تعجبك وتعجبها، أما أن تؤذي بنات المسلمين بهذه الطريقة وتسدد أهدافك إلى إيذاء المسلمات وإيذاء العفيفات وإيذاء الطيبات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 2457

من صور تخبط الشباب: السهر مع المردان والشكشكة من المآسي أيها الشباب! مأساة السهر أيضاً وسدد كثير من الشباب أمورهم إلى السهر في الاستراحة الفلانية والمخيم الفلاني في المكان الفلاني، وأعجب ما سمعت الشكشكة وما كنت أتوقع هذا الشيء حتى سألت أحد الشباب وقلت: ما هي الشكشكة؟ قال: والله غريب يا شيخ تسأل عن هذه الأشياء؟ قلت: والله أنا سألت بعض الشباب وقلت لهم ما هي الأشياء التي انتشرت بين الشباب المراهقين خاصة؟ لأني عندما أتكلم لا أتكلم عن قضايا في واد والواقع الذي يعيشه بعض الشباب في وادٍ ثانٍ، ولا بد أن أتكلم عن الأشياء الواقعية، قال: يا شيخ الشكشكة: استراحة ومخيم يأتون فيه هؤلاء (الخكاريا وعيال ومردان وخرابيط ورقص وتفيخه) إلى الفجر أو إلى آخر الليل، ثم يخرجون والعياذ بالله، إما أن تفتح عليهم باب اللواط وباب الشذوذ ويسرون مثل البهائم، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ونسأل الله أن يعافينا من ذلك، من الذي يطيق أن يجلس في مجمع آثم، ومجتمع وسخ، مجتمع ساقط، مجتمع رذيل، مجتمع اللواط، ومجتمع (الخكارى) ومجتمع المخنثين؟! فما عجبي أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجاب مسألة خطيرة جداً، والواجب أن ننتبه لإنقاذ هؤلاء الشباب، الشاب الفارغ الذي ليس في ذهنه شيء. أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا فالشاب الذي ليس عنده حصانة وتحذير من هذه الأشياء يقع فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله، والقضية كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] ليس فجأة طلع من المعهد وذهب في شكشكة، لا، القضية: جلسة، لقاء، سجارة، سهر، يمين يسار، تعال اسهر معنا، صيدة قيدة، شكشكة وقلة حياء، وهكذا يضيع العمر حتى إذا قال الزملاء: فلان مات تعالوا صلوا عليه. وفي ذات مرة شاب من المراهقين حصل له حادث ومات، وأنا أعرف أباه وأسرته، فجئت إلى المقبرة، وجاء زملاؤه ووقفوا عند القبر!! إلى متى التأنث؟ إلى متى؟ فكان الواحد يخاف أن يلمس التراب ثوبه، شمر عن يديك وتعال خذ اللبن والتراب والماء واعجن كي تضع اللبن على صديقك وتدفنه وتودعه لحده، وتعرف أنك كما دفنته ستدفن، كما أهلت عليه التراب سيهال عليك التراب، لماذا لا تحيا القلوب؟ لماذا لا تستيقظ وإلى متى والشاب في غفلة؟ السيارة ملاهي وأغاني وغفلات وإم بي سي، إف إم، ليل نهار، وفي البيت ملاهي وأغاني ودشوش وقلة حياء ووساخة، الليل سهر، الشوارع تسكع، الصلاة لا يعرفها مع الجماعة، متى يريد أن يكون له حظ في الإسلام وهو هكذا: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:٨٧]. وقيل في العهد: هو الصلاة (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) فإذا جمع الشباب ترك الصلاة وتسكع، وهمم دنيئة ومعاكسات وشكشكة، وقلة أدب وأمور سخيفة أسألكم بالله متى ينفع هؤلاء بلادهم وأسرهم، مثل هذا أسألك بالله أنت يا أخي السامع! يا أخي الشاب! لو عندك أخت هل تزوجها هذا الخكري، يقول: لي اخسأ، صحيح اخسأ ليس بكفء لها، وهذا متى يتزوج ومتى ينجب، وإذا كان مسئولاً عن أمه وأخواته فمتى ينفعهن وكيف يدير شئون حياتهن، هل يصلح أن يكون رب أسرة أو مسئولاً عن مسئولية، للأسف لا. ولا حول ولا قوة إلا بالله، وزد على ذلك هذه البرنيطة. أصبحت البرنيطة هي الشعار السائد، وأنا لا أقول لبس البرنيطة حرام، البس الذي تريد لكن لا تقلد الغربيين ولا تكن مهزوماً، ما لبستها إلا يوم أن لبسها الغربيون، في الأفلام وفي (إم بي سي) وفي الشاشات والقنوات، وفي أمس القريب أنا في مطار جدة، وشاب معه اسكيتنج المتزلج هذا، ولابس برنيطة حمراء، ووالله إني أقسم بالله، أني لم أعرف هو بريطاني أو سعودي، ويوم كنا جالسين منتظرين موعد الإقلاع جلسنا نأكل أنا وزميلي في المطعم، فمر بجانبنا وهو يتكلم بالعربية، قلت: يا دافع البلاء هذا الشكل!! سلسة في اليد، والقبة وفنليته لا أدري ما شكلها كأنها نمر مرقعة، واستكيتنج يتزلج عليها. واقع الشباب اليوم يعصر قلوبنا، لا يعرفون ماذا يراد بهم، وأعداء الإسلام لا يمكن أن ينجحوا في تدمير أمة، وإفساد أمة وإهلاك أمة إلا إذا دمروا الشباب، إذا دمر الشباب من يدافع عن البلاد؟ من يقف في مواجهه الأعداء؟ شاب ضائع صايع مسكين لا يستطيع أن يواجه، لكن لنا أمل أن من بين هؤلاء الشباب، ليس هؤلاء كلهم شبابنا ولله الحمد، يوجد في شبابنا أبناء الكليات العسكرية والحربية والجوية والبرية وكليات وشباب صالح من مختلف البلاد، لكن أيضاً من شدة غيرتنا لا نريد أن يبقى في مجتمعنا حجم بهذا الكم الموجود الآن من الشباب الضائع أو المتساهل في حياته وشبابه، لا يمكن أن تضيع الحياة بهذه الطريقة. أيها الأحبة! أقول لكم: واجبنا أن ننتبه وأن نعود ولا طريقة إلى تسديد الهدف إلا بالعودة الصادقة إلى الله ، لو كان هذا الشباب متديناً مستقيماً صالحاً، لا يقبل على نفسه أن يعاكس أو يكشكش أو يلبس قبعة، أو يتزلج اسكيتنج كما قلت لكم، بعض الأشياء لا أسوقها على وجه الحرمة ولكن أقول إنما وقع الشباب فيها على طريق التقليد، لكن ذلك عيب أمام الناس أن تلوك العلك وبيدك سلسلة، وهذه الأمور للأسف من الأشياء التي لا تليق أبداً. إن هذه القضايا -أيها الأحبة- قد أوقعت كثيراً من الشباب في هذا الانحراف التي ذكرت لكم، ولم يقف عند حد معين، وكما قلنا في محاضرة (حاول وأنت الحكم) السابقة، كيف يبدأ الشاب بالانحراف أول شيء يتعرف على واحد. ثانياً: جلسات ولقاءات. ثالثاً: سجائر، وبعد السجائر سهرة، وفي السهرة حبوب سكنال تدوين، حبة بيضاء، هروين كبتاجول، مخدرات، إبرة، ولا يزال الفساد يجر بعضه بعضاً، ولو أنه في البداية عصم نفسه عن مجالس السوء وجاهد نفسه على طاعة الله، ومن أراد أقرب طريق للاستقامة والهداية أمرين: الأول: اختيار الجليس الصالح. الثاني: الحفاظ على الصلاة مع الجماعة. ركز على هاتين القضيتين أكبر تركيز، الصلاة مع الجماعة، من أدرك تكبيرة الإحرام خلف الإمام أربعين يوماً كتبت له براءتان، براءة من النفاق وبراءة من النار، وهذا فضل عظيم؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وجليس صالح يعينك على إبعاد ما عندك من ملاهي ومعاصي، والهداية قريبة بإذن الله .

стр. 2458

فاحشة اللواط ومقدماتها لقد أصبح خطر الشباب بعضهم على بعض عظيم، وأكبر الخطر لم يعد فقط في القنوات الفضائية، بل هناك خطر عظيم من الشباب بعضهم على بعض، ناهيك أو فضلاً عن بعض الشباب الذين لا يقصرون في قلة الحياء والخساسة، وقد وجدت شاباً في الحي الذي أسكن فيه بعد صلاة المغرب فاستغربت من أين جاء هذا؟ ليس من عيال الحارة ولا من شباب الحي، ما الذي جاء به؟ ومعه سيارة غمارتين وهذا معه سيارة، وهذا معه، وقاعد يكلم له ولد عمره أربع عشرة سنة، تريد دورة؟ الله يجعل الشياطين تدور بك، ومعروف ما وراء الدورة، تريد دورة، يأتون يمسكون الشاب المسكين مولع بسواقة السيارة، تعالى نعطيك دورة، دورتين ثلاث أربع حتى يصبح لوطياً يفعل به اللواط. شاب آخر مولع بالأشرطة والسماعات والأستريوهات، أنا عندي لك هدية، يعطي له أستريو الذي يعجبه، ثم بعد ذلك والعياذ بالله يوقعه في اللواط، والله يا شباب لا أقول تجاوزاً، جاءتني أشرطة شاب يقولون: ورطنا ورطة، يأتي يقول: أنا عندي مشكلة استحي أن أقولها لك، أقول له: سجل مشكلتك في شريط، وضع رقم تلفونك وأسمع المشكلة وأرد عليك. فسمعت المشكلة يقول: أنا شاب يقول: ابتليت وتورطت بأن تعرفت على أناس، هدايا، مجاملات، حتى ورطت معهم في اللواط، كيف أستطيع أن أخرج منه؟ وأخبث من هذا أن بعضهم قاتلهم الله أنى يؤفكون على أساس يدفع الهدية لشيء يريده، واحد عمره سبع أو تسع عشرة سنة ويهدي هذه الهدايا لشاب عمره أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، استريو سوني بألف وخمسمائة ريال، لله في لله؟ لا. وراءها شيء. ثم يعطي له أستريو ثم غداً هدية، ثم ميدالية، ثم قلماً، ثم يجره، ثم يتفرجون على أفلام حتى يفعل به اللواط، والكاميرا تصور، ثم إذا أراد أن يقلع عن هذا، قالوا: تريد أن تروح تأتي وأنت حيوان، بالأمس كانوا يهدونه هدايا واليوم بالقوة، وانظر هذه صورتك موجودة وهذا فيلم الفيديو موجود، ووالله العظيم لو لم تأت لنفضحنك ونعمل بك كذا وكذا، وهذا الواقع. فالعاقل إن كان يرى أن حوله من ينسج الخيوط؛ لأجل أن يقتنصه فليكن أسداً يقتنص في خير ولا يقنص في شر. والأمر الثاني: آخر يقول عن نفسه: إنني ابتليت بشاب فعلت به وفعلت به، والآن أنا طفشان من تصرفاته، صورت وأخذت عليه وأهدده، والآن مسكين متحطم في حياته لا يقدر أن يعلم أهله بالمشكلة، الكبير هذا الذي فعل الفواحش بهذا الصغير، يعني بدأ يراجع نفسه، يقول: لا أدري كيف أتخلص، لا أدري كيف أغفر هذا الذنب، أو أستغفر من هذا الذنب. أيها الإخوة: انظروا كيف يقود الضياع والفراغ القاتل الشاب إلى هذه الأمور، وهذه قضايا ليس بعيب أن نتكلم فيها، طالما وجد من شبابنا من يقع فيها، كما أن الله تكلم في القرآن عن القتل وتكلم في القرآن عن الزنا، وتكلم في القرآن عن فعل قوم لوط، وتكلم في القرآن عن السرقة، وتكلم في القرآن عن قضايا كثيرة، كذلك نحن نتحدث للتحذير لمثل هذه القضايا. وختاماً: أقول من يسدد الهدف إلى الاستقامة؟ من يسدد الهدف إلى الهداية؟ من يسدد الهدف إلى مرضاة الله؟ من يسدد الهدف إلى التوبة؟ من يسدد الهدف إلى الطريق المستقيم؟ من يسدد الهدف والطريق إلى الجنة؟ من يسدد الهدف إلى جلساء صالحين ينفعونه بإذن الله؟ من يسدد الهدف إلى الجد والاجتهاد والإنتاج؟ هذا سؤال الرجل فيكم يقول: أنا أسدد الهدف نحو الخير، ومن لم يكن رجلاً فلا غرابة أن يستمر في ضلاله المبين، وحاشا أن يكون فيكم من يقول هذا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، واسمه الأعظم أن يهديني وإياكم لطاعته، وأن يثبتنا وإياكم على مرضاته، قولوا: آمين. يا شباب أمنوا على الدعاء لعلها ساعة يكتب لنا ولكم فيها قبول ورحمة واستجابة، اللهم اهد هؤلاء الشباب واهدنا معهم يا حي يا قيوم. اللهم اهدنا بهدايتك، وثبتنا بتثبيتك، وأيدنا بتأييدك. اللهم لا تفضح أسرارنا، ولا تهتك أستارنا، وثبتنا على ما يرضيك، واقبضنا غير خزايا ولا مفتونين يا رب العالمين! اللهم ارزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، وتوفنا وأنت راضٍ عنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. وأشكر لكم أيها الشباب هذا الاستماع الجميل، وأسأل الله أن يجمعني بكم في الجنة، وأقول ما قلته في (حاول وأنت الحكم) أنا مستعد لاستقبال أي مكالمة وأي رسالة وأي شريط، وأي قضية وأي شيء عندكم، إنسان يستحي أن يقول شيء، يرسله لي في شريط، يضعه في رسالة صندوق البريد (٥٧٥٩٤) الرمز (١١٥٨٤) موجود عند الشيخ علي العثمان أو عند الشيخ محمد البرقاوي، من أراد أن يراسلني، يضع عنوانه وأنا أراسله تريد ترسل بشريط أرسله للشيخ، وغلفه واكتب عليه يصل شخصياً ولا يفتح إلا بيد الأخ سعد البريك، تريد أن تكلمني مكالمة هاتفية هذا التلفون الذي أرد عليه (٤٢٦٠٢٧٧) أي مشكلة عندك دونها في الرسالة وضع اسمك ورقم هاتفك، إذا لم تجدني قل: أنا من شباب المعهد المهني عندي مشكلة الفلانية وهذا رقم هاتفي أرجوك اتصل عليّ، عندي مشكلة أريد أن أتناقش معك فيها: (٤٢٦٠٢٧٧) في رسالة مسجلة وفي فاكس، الذي عنده فاكس في الورشة يرسله جزاكم الله خيراً (٤٢٦٠٢٧٧) بارك الله فيكم.

стр. 2459

منبر الجمعة لا أحد يسلم من العداوة، حتى الله ما سلم من خلقه وعبيده؛ لذا وجب علينا أمة الإسلام أن نحذر من هذه العداوات التي قد تأتي إلينا من أناس يظهرون لنا الولاء وهم يحملون لنا البغض العميق، وهؤلاء هم المنافقون، وهؤلاء المنافقون عانى منهم الرسول ﷺ ، ونحن نعاني منهم اليوم، وبصور مختلفة وحيل متعددة.

стр. 2460

قدم العداوة بين الحق والباطل الحمد لله الذي أعز عباده المؤمنين، ونصر جنده الصادقين، وجعل أعداء دينهم من الصاغرين، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو إله الأولين والآخرين، أحمده وأشكره وأثني عليه الخير كله، أحمده ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، وأشهد أن لا إله إلا هو جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، عبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. معاشر المؤمنين: اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. معاشر المؤمنين: ما من أحد في هذه الدنيا يسلم من العداوة أو ينجو من الأحقاد والضغينة من قبل الحاسدين أو المبغضين، وإذا كان رب العباد جلَّ شأنه، وعزَّ سلطانه قد ضل وجهل في ذاته وصفاته أحقر خلقه وهم اليهود، فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]. وإذا كان نبيه ﷺ قد نال من عرضه المنافقون، ونال من سيرته ونبوته الكافرون، فقالوا: ساحر أو مُعَلَّمٌ مجنون، وقالوا: في شأن الوحي الذي يتلى عليه: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥]، ولم ينج ﷺ وهو النسيب الشريف في قومه لم ينج من أذى المعاندين، وسفاهة الجاهلين، فجعلوا الشوك والقذر في طريقه، وسلا الجزور على ظهره، وتمالؤوا في قتله ليضيع دمه، ولم ينج صحابته الكرام من كيد اللئام، وأذى الرعاء والطَّغام، فثبت الصحابة رضاً لرب الأنام، وأرخصوا الأرواح ليعز دين الإسلام، وبذلوا الدماء ليرتفع الجهل وليحل العدل والنور بين الأنام، وجاء من بعدهم التابعون لهم بإحسان، فحملوا الراية، ونشروا الهداية، وكانوا بحق لهذا الدين آية. ومع هذا كله مع التضحيات ما نجوا من الأذى والفتنة والابتلاء! وبالجملة: من طلب السلامة من الخلق فقد طلب المستحيل. إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل نصبُ المنصِب أوهى جلدي وعنائي من مداراة السفل ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل ولقد كانت العداوة بين الحق والباطل قديمة قِدم البشرية، واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ليبتلي الله المؤمنين، وليمحص الصادقين، وليكشف الستر عن المفسدين والمنافقين. إن عداوة الكافرين جلية من قديم الزمان، وحسبكم قول الله : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥] ويقول سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] ويقول تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩]، ويقول جل شأنه: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩]. ولما كانت هذه العداوة بين الحق والباطل، والكفر والإيمان، والهدى والضلالة لما كانت العداوة قديمة قِدم البشرية؛ فقد تلونت وتطورت بألوان البشر وتطورهم، وظهرت تارة سافرة العداوة، وتارة بأشكال قشيبة، وبأساليب غريبة ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢] ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣]. عباد الله: لقد علم أعداء الإسلام علم اليقين أن مواجهة المسلمين في عقائدهم لا تزدهم في الدين إلا صلابة، ولا تزيدهم في الطريق إلا مُضياً. لقد علم أعداء الإسلام أن المسلم حينما يصادم في عقيدته ودينه وكتاب ربه وسنة نبيه علموا أن هذا الصدام يزيل الغشاوة عن فطرته، فينهض للذب عن ملته، والذود عن أمته، وحينئذٍ لجئوا إلى أثواب الخداع القشيبة، وصور المكر المريبة التي انطلت على السذج والغوغاء، وفطن لها أولوا الفراسة والذكاء؛ فانطلق الصادقون يحذرون أمتهم شفقاً وحباً، يحذرون أمتهم شباباً وشيباً، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، انطلق الصادقون يحذرون أمتهم من خطر هذه الأساليب الملتوية، ويكشفون زيفها وباطلها.

стр. 2461

أثر النفاق على المجتمع المسلم عباد الله: إن الذي يظهر لك العداوة سافرة، لا تحتاج إلى أدلة وبراهين لتعرف عداوته، إن الذي يبغضك صراحة لا تحتاج إلى دليل لمعرفة بغضائه وعداوته، ولكن مصيبة الأمة والخطوب المدلهمة إنما هي من أعداء يظهرون المسالمة ويبطنون الضغينة، فهم على حد قول القائل: يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب وهم كما قال الآخر: إن الأفاعي وإن لانت ملامسها عند التقلب في أنيابها العطب فالمنافقون وأهل العداواة المغلفة هم مصيبة الأمة، وسبب النيل منها. لقد هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وقامت دولته، فأصبح الناس معه على فئات ثلاث: مؤمنين وكافرين، وهؤلاء شأنهم واضح، والفئة الثالثة المنافقون، ومن المنافقين نال النبي ﷺ أذىً عظيماً، فما ترك المنافقون شاردة ولا واردة يقدرون على صرفها لمعاداة النبوة إلا فعلوها، حتى بلغ بهم الأمر أن اتهموا نبيهم ﷺ في زوجته عائشة بالزنا. يا عبد الله: لو جاء واحد وقال لك: إن زوجتك زانية، أو أمك باغية، أو أختك فاجرة، ما الذي يصيبك؟ هل تستطيع أن ترقأ بالنوم للحظة؟ هل تستطيع أن تلذ بطعام أو شراب؟ فما بالكم بالنبي ﷺ المؤيد بالمعجزة، تتنزل عليه الملائكة بالوحي، خير من وطئت قدمه الثرى، يقول المنافقون عنه: إن زوجته لزانية. أي مصيبة تصيب الأمة من المنافقين وأذناب الكافرين، لقد بلغ الأمر بهم أن اتهموا النبي ﷺ في زوجته عائشة، وهي العفيفة الحصان الرزان. أم المؤمنين ﵂، رموها بالإفك، وقال رأس النفاق ابن أُبي في شأنها ما قال لما عادت متأخرة عن الجيش. فاتها الجيش -والجيش بالليل سائر- بقيت مكانها، فلما جاء الصحابي الجليل صفوان بن المعطل السُلمي ورآها عرفها، وكان قد عرفها قبل نزول الحجاب، فما كان منه إلا أن أناخ ناقته، وتنحى عن الناقة بعيداً، حتى تركب أم المؤمنين، وأمسك بزمام الناقة، يقودها حتى بلغ الجيش. أي عفة؟! وأي غض للبصر؟! وأي احترام لزوج النبوة أعظم من هذا؟! ومع ذلك كله قال ابن أُبي رأس النفاق، الذي نشر حادثة الإفك وتولى إذاعتها ونشرها بين الناس وبين أذناب النفاق في مجتمع المدينة، قال: والله ما سملت منه وما سلم منها. فَمِن هؤلاء -يا عباد الله- يدخل البلاء في صفوف الأمة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦]. ولكن اعلموا -يا عباد الله- أن لله في هذا حكمه، وأن أنواع البلاء وتلون الابتلاء لله فيه حكمة: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢]، ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2462

طعن الأعداء في رموز الأمة الحمد لله، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: ها أنتم ترون وتعلمون أن العداوة للإسلام والمسلمين سافرة ظاهرة، وأخذت ألواناً قشيبة وأساليب غريبة، فتنطلي على من لا عقل له، ومن لا فؤاد ولا لب له، ويفهمها ويفطن لها الألِباء الأذكياء. فيا معاشر المؤمنين: اعلموا أنكم مستهدفون، وأن أمتكم مستهدفة، وأن أرضكم مستهدفة، وأن مقدساتكم مستهدفة، وأن ولاة أمركم مستهدفون، وأن علماءكم مستهدفون، فما دمنا نعلم هذه العداوة، فلنأخذ الأهبة والاستعداد، لنشد من ترابطنا، ولنوحد صفوفنا، ولنجمع كلمتنا، ولا نجعل للمجرمين والمنافقين إلى أرضنا وخيراتنا وأمتنا وعلمائنا سبيلا. معاشر المؤمنين: يئس الكفار أن يحرفوا القرآن بعد محاولات لتحريفه، فعجزوا عن ذلك، وكيف يقدرون والله حفظه، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. وحاولوا تشويه السنة، ولكن قيَّض الله لها رجالاً أتقياء أصفياء أقوياء، حفظوا الدين بالإسناد، فبينهم السند الذهبي العالي المتصل إلى النبي ﷺ . ويوم أن أيقن أعداء الدين والملة أن لا سبيل لهم إلى الكتاب والسنة؛ لم يبق أمامهم إلا الرجال، فأخذوا يلفقون الافتراءات والأكاذيب والأقاويل والأباطيل على الرجال. يقول أحد الرافضة: إننا أبطلنا الناقلة ليبطل المنقول، أي: أن شتمهم للصحابة، ونيلهم من رجال الحديث ليس لعداوة مجردة بينهم وبين رجال الحديث، ولكن الضرب والسبيل والطريق لتشكيك المسلمين في حديث نبيهم، الطريق إلى ذلك أن يشكك الناس في سير الصحابة، ومن قرأ الخطوط العريضة، وجد أقوالهم التي يستحي الواحد أن ينطق بها على هذا المنبر من شناعة قولهم في شأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم. يريدون أن يشوهوا صورة الصحابة، ويريدون أن يشوهوا صورة التابعين، حتى إذا قرأت حديثاً في سنده ذلك الصحابي قلت: ومن يضمن لي سلامة الحديث وفيه ذاك الصحابي الذي سمعنا عنها كذا وكذا. ومعتقد أهل السنة والجماعة: أن الصحابة كلهم عدول، اختارهم الله جل وعلا لصحبة نبيه، ونهى النبي عن الوقوع فيهم فقال: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق ملء جبل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) لو تصدق واحد بوزن جبل أحد ذهباً ما كانت صدقته تساوي نصف مُدٍّ، يتصدق به أحد الصحابة، ومع ذلك اجتهد الأعداء في النيل من سير التابعين ومن بعدهم، حتى يتشكك الناس في سير العلماء، وفي سير معالم الدين، ورموز الشريعة، وهيهات هيهات ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]. عباد الله: يلجأ الأعداء إلى أسلوب الشائعات والأباطيل والأكاذيب والافتراءات في معالم الدين وعلماء الأمة وولاة الأمور هجوماً وتشويهاً وتشكيكاً؛ ليتفرق الناس عن ولاة الأمر، ولتضعف الثقة في ولاة الأمور، وليتشكك الناس في نزاهة العلماء، وليتصل الناس بالمذاهب والتيارات والملل والنحل والفرق والأباطيل؛ ثم تصبح الأمة تعيش في حيص بيص، لا يجدون معلماً يتعلقون به، أو ثقة ينضوون تحت لوائه، هكذا يريد الأعداء يوم أن يلفقوا الأباطيل والتهم والشائعات على أعداء المسلمين. أليس أبا جهل هو من كان في مواسم الحج خلف النبي ﷺ وتارة يسبقه وتارة يلحقه وهو يقول: يا معاشر الحجاج! إن هذا ابننا، ولقد صبأ عن ملتنا، وإنه سفيه فينا ينال من عقله، وينال من سيرته، حتى يتشكك الناس في عدالته، فلا يقبلوا منه صرفاً ولا عدلاً. وهذا الأسلوب قد فعله شياطين الإنس في هذا الزمان وقبل هذا الزمان، ومنذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا نالت الرافضة من سير الصحابة؛ لكي يشككوا الناس فيهم، ونال النصارى من قادة الإسلام العسكريين، وأخذوا يشككون في دوافعهم إلى الجهاد، ويشككون في أعمالهم وقيادتهم لجيوش الأمة. واقرءوا ما كتب في سلسلة روايات تاريخ الإسلام، فمن قرأها -ومؤلفها نصراني- يحكم كل الحكم أن القادة وأن الجهاد تسيره آهات العشاق، ويحركه مطامع الأشواق، من قرأ تلك الروايات التي امتلأت تشويهاً وتحريفاً وتشكيكاً بسير قادة الإسلام، يقول: ما حرك الجيش إلا حب تلك الأميرة. إنهم يوم أن كتبوا عن فتح محمد بن القاسم لبلاد السند، قالوا: وكان يحب الأميرة سيتا بنت الملك ذاهر، ومن أجل ذلك جَيَّش الجيش، وأعَد العُدة، وسار وعبر النهر حتى يلتقي بمحبوبته. هكذا ينال أعداء الإسلام من الدين، لا يستطيعون أن يسبوا صحابياً، لا يستطيعون أن ينالوا من الدين مباشرة، لكنهم يستطيعون النيل من علماء الدين منذ القديم إلى هذا الزمان، فانتبهوا لذلك يا عباد الله، ولا ينبغي لمسلم أن يفتح أُذنه للشائعة والمقالة: (فبئس مطية الرجل زعموا) كيف والله جل وعلا يظهر براءة أوليائه في الدنيا قبل الآخرة ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].

стр. 2463

مكيدة أبطال الشموع معاشر المؤمنين: إن أسلوباً خبيثاً خطيراً يدبر لأمة الإسلام في هذا الزمان، وقبل هذا الزمان، أتدرون ما هو يا عباد الله؟ إنه صناعة الأبطال من الشموع، وتشكيك الثقة في الحقائق. أما صناعة الأبطال من الشموع فهذه ملموسة واضحة، يوم أن ترى المجلات الأجنبية والوافدة تضفي على رجل ألقاب الثقة، وألقاب العلم، وتجعله علماً ومعلماً وشخصية ومركزاً، ويجعلونه إماماً حتى يتعلق الناس فيه، وتشرئب أعناقهم إلى رؤيته، وتنطلق أبصارهم تتأمله. وما تزال تلك الوسائل المغرضة للدين وأهله وعلمائه وولاة أمره تصنع من أحقر التافهين بطلاً عظيماً، فإذا لمع وبرز وعرفه الناس جميعاً، أخذوا فصلاً جديداً من تمثيلية أو مسرحية، فينال من قبل الأعداء نيلاً، تجدونهم وهو من أوليائهم، وهو من أذنابهم يظهرون أنهم يؤذونه، ويظهرون أنهم يتابعونه، ويظهرون أنهم ينالون منه، حتى يتأكد الناس أنه صادق وليس بعميل. ثم بعد ذلك يطلقون سراحه من جديد، فيمسك شأناً من شئون أمة الإسلام، ثم بعد ذلك يعيث في الأرض فساداً، كيف استطاع أن ينال ثقة الجماهير والأمة يوم أن مر بدور مسرحي، وفصل تمثيلي خطير لم يكن شيئاً، ثم أظهر بين الناس، ثم لمع، ثم أصابه نوع في ظاهر الأمر بلاء، وليس في حقيقته بلاء، ثم يعود بعد ذلك مصيبة وويلاً على المسلمين. هذا اسمه صناعة الأبطال من الشموع! والنوع الآخر والمقابل لهذا: تشكيك الناس في الثقات، يوم أن يبرز عالم من العلماء، أو أن يظهر علماء المسلمين وقادتهم وقادة الجهاد ورجاله، يوم أن يظهرون ويبرزون على الساحة، تجد ألوان التشكيك، المجاهد الفلاني كان ممن يتعاطون المخدرات، القائد الفلاني وصلت إليه سيارة فيها خمور، فلان بن فلان حصل له كذا وكذا، فماذا بعد ذلك يا عباد الله؟ في المقابل تصنع الأبطال من الشموع التي لو عرضت على حرارة الفتنة لذاب الشمع ولم يبق له وجود، وفي الجهة الأخرى الثقة العالم التقي النقي يرمى بمختلف الاتهامات، لماذا؟ حتى يشكك الناس فيه، ولا يثقوا بقوله، ولا ينتصحوا لنصحه، ولا يخلصوا الأمر له ومنه. فيا عباد الله: اعلموا أن أمتكم مستهدفة، اعلموا أنكم مستهدفون بمختلف الأساليب وألوان الوسائل، فمن الناس من يفهمها، ومن الناس من تنطلي عليه. يكفي اللبيب إشارة مرموزة وسواه يدعى بالنداء العالي يا عباد الله: لقد عرفنا في بعض دول العالم الإسلامي رجالاً ممن كانوا من أهل التجارة والربح الحلال، ماذا لفق عنهم؟ ماذا قيل عنهم؟ ماذا نشر عنهم؟ إنهم يتاجرون بالمخدرات، إنهم يفعلون كذا وكذا، حتى يتشكك الناس في سيرهم وسمعتهم، وفي المقابل تخرج الرموز، ويخرج الأبطال الذين صنعوا من الشموع، فتنطلي الحيلة على السذج والغوغاء. واعلموا -يا عباد الله- أن بلدكم هذا بحمد الله ومنته هي آخر قلعة للإسلام، وهي آخر معقل من معاقله، ويأبى الله أن يدب هذا المرض إلى رجاله أو شبابه أو علمائه أو ولاة أمره، وإن حصل شيء فهذا لا يزيد أبناء المجتمع بولاة أمره إلا تماسكاً، ولا يزيد رجاله بولاة أمره إلا التفافاً، حتى يطرد الدخيل، ويكشف العميل، وتظهر السنة، وتمحى البدعة. هكذا ينبغي أن يعمل المسلمون يوم أن يصاب المجتمع، أو يدب إلى الأمة بداية مرض من الأمراض، فاعلموا أن هذا لا يجعلنا نفيض في القول والشائعات والتفسير والاقتراحات والآراء، كل يفسر من تلقاء نفسه، لا وألف لا، بل هذا يزيدنا في ولاة أمرنا تمسكاً، وبعلمائنا ثقة، وبمجتمعنا وحدة، حتى لا يدب الضعف إلينا. وما قتلت أمة إلا يوم أن قتلت من الداخل، وما سلبت أمه إلا يوم أن نهبت من الداخل، وما تسور اللص جداراً إلا يوم أن وجد الأمر هيناً، وما دخل بيتا إلا يوم أن وجد الباب مفتوحاً، فلا تفتحوا ولا تشرعوا أبواب الفتنة والشائعة والقول في ولاة أمركم أو علمائكم، بل احفظوا أنفسكم: ﴿َوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾ [النور:١٢]. يوم أن نسمع أي مقالة في واحد من ولاة أمورنا، أو علمائنا، أو رجالنا الصادقين المخلصين، فإننا والله لا يزيدنا هذا إلا إيماناً بصدقه وإخلاصه؛ لأنه ابتلي والابتلاء دليل من دلائل الصدق والإخلاص. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل الشرك والمشركين، وارفع لواء الدين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2464

نساء لم يذكرهنَّ التاريخ في إطار الهجمة المسعورة ضد المرأة، والحال المزري الذي وصل إليه واقعها، يطير بنا الشيخ في موكب حافل بصور من حياة النساء بداية بأمهات المؤمنين والصحابيات؛ مع ذكر بعض صور الصالحات في زماننا، كما تطرق إلى الأسباب والدواعي التي جعلت كثيراً ممن تجاوز سن الشباب من النساء يقمن بتصرفات المراهقة والتصابي.

стр. 2465

أسباب الحديث عن المرأة الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها الأحبة في الله: أسأل الله جل وعلا أن يجزيكم خير الجزاء على حضوركم هذه المحاضرة في ليلةٍ شديدة البرودة، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بكم في جنةٍ لا نرى فيها: ﴿شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان:١٣ - ١٤]. أحبتنا في الله: حديثنا إليكم حديث الأخ المتعلم إلى إخوانه العلماء والأفاضل، ولكن لا بأس أن يذكر بعضنا شيئاً قد يغيب عن أذهان البعض. أحبتي في الله! عنوان هذه الكلمات: نساءٌ لم يذكرهن التاريخ، نساءٌ لم يذكرهن التاريخ بسوء، نساءٌ لم يذكرهن التاريخ بفاحشة، نساءٌ لم يذكرهن التاريخ بمعصية، نساءٌ سطر التاريخ مآثرهن، وسجل كرامتهن، وسطر مواقفهن التي كانت ولا تزال شمساً مشرقة وقناديل تضيء لأجيال الفتيات والبنات والأمهات طريق السير في معترك الحياة.

стр. 2466

الهجمة المسعورة على المرأة أما الحاجة إلى طرح هذا الموضوع: فإنا وإياكم نعلم هذه الهجمة المسعورة، وذلك النعيق والنقيق والصياح والعواء ضد المرأة وتجاهها، ولماذا كل هذا على هذه المرأة المسكينة؟! نعم. إذا أفسدوها فسد المجتمع، ومن أراد أن يبطل شيئاً؛ فلا بد أن يبطل أركانه، ومن أراد أن يفسد داراً؛ فلا بد أن يعطل أساسها، ومن أراد أن يخرب دولةً؛ فليهدم مجتمعها، وإن مجتمعنا ولله الحمد والمنة لا يزال يشهد تماسكاً وترابطاً، ورعايةً وعناية من الآباء والأمهات، ومكانة الأسرة مرموقة، ومنزلتها معلومة، إلا أن أعداء الإسلام من العلمانيين والمنافقين والمتربصين بنا الدوائر قد شرقوا بريقهم، وأغاظهم هذا الأمر، وحسدونا على ما نحن فيه، وصدق فيهم قول الله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] وصدق فيهم قول الله جل وعلا: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥]. إذا لقونا تبسموا بالشفاه، وأظهروا صادق الولاء، وإذا خلوا عضوا علينا الأنامل من الغيظ يريدون أن يروا يوماً أسود، وشتاتاً وفرقة، ومصيبةً وبليةً في هذا المجتمع، ويأبى الله ذلك -بمنه وفضله وكرمه- ورسوله والمؤمنين.

стр. 2467

إبراز الإعلام للمرأة الكافرة والفاسقة حاجتنا أيها الأحبة إلى طرح هذا الموضوع؛ لأننا نرى في وسائل الإعلام وفي كثيرٍ من الصحف والمجلات تلميعاً للكافرات، وذكراً وإطالةً وإطناباً، وإشارةً وإلماحاً، وتصريحاً وتلميحاً بشأن الفاسقات. ونرى من يحرص على أن يبرز المرأة التي تركت بيتها، وأهملت أولادها، وهجرت بيت زوجها. نرى من يحرص أن يجعلها هي القدوة، وهي المثل الأسمى، وصاحبة القدح المعلى. نرى من يحرص أن يسجل هذه المرأة المتبرجة التي تسافر وحدها، والتي تخرج وتدخل وتتصل وتهاتف وتكلم وتعِد وتزور وتلقى من تشاء كيفما شاءت، وبأي زيٍ شاءت، وفي أي وقتٍ شاءت. نرى من يحرص على إبرازها بأنها الفتاة المرموقة، والمرأة المثقفة، وصاحبة الفهم والوعي والإدراك التي استجابت لما يحتاج إليه الواقع، والتي واكبت ظروف العصر، والتي طرحت نفسها في معادلة الرقي الاجتماعي. هذا والله مما نراه، وتلك شنشنةٌ نعرفها من أخزم! نعرف أن أعداء الإسلام ما أرادوا للمرأة سعادة، ولا أرادوا لها حرية، ولا عفةً وحياءً، ولا ستراً وحجاباً، وإنما أرادوا أن يكون الطريق إليها سهلاً، وأن يكون السبيل إليها مفتوحاً، وكما قال محمد قطب حفظه الله وسائر علماء ومفكري المسلمين، قال: إنهم لا يريدون حرية المرأة ولكنهم يريدون حرية الوصول إلى المرأة.

стр. 2468

جعل نصيب للمرأة من الخطاب إن من حاجتنا إلى طرح هذا الموضوع: أن نخاطب المجتمع، وأن يكون نصيب المرأة من الخطاب معلوماً، كما أن الدعاة في شأن هذه الصحوة المباركة خاطبوا الشباب على الأرصفة، وجلسوا على الرصيف وحدثوهم، وخاطبوا الشباب في السجون وفي معاقل المخدرات، وتحدثوا مع الناس في المساجد، وتكلموا مع المراهقين في مدارسهم ودور تعليمهم. إن من واجب الدعاة إلى الله أن يخاطبوا المرأة وأن يحدثوها، خاصةً تلك المرأة التي أقبلت على الكهولة. إن الحديث للمرأة عامٌ ولكني أخص اليوم بالذكر فئةً وشريحةً من النساء اللائي جاوزن الخامسة والثلاثين أو الأربعين، وأقبلن في دبر العمر، لأن النبي ﷺ قد صح عنه في صحيح البخاري أنه قال: (قد أعذر الله إلى امرئٍ بلغه الستين من عمره) وفي الصحيح أيضاً: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليلٌ منهم من يجاوز ذلك) فأيما رجلٍ وامرأة بلغ هذا السن أو جاوزاه؛ فهو والله في دبر العمر، وفي خريف الحياة، فلينظر ماذا قدموا وماذا أخروا.

стр. 2469

السفه الذي تحياه جملة من النساء إن مما دعاني وحدا بي إلى الحديث معكم في هذا الموضوع والحديث إلى الأخوات ممن يسمعن ويستمعن إلى الشريط: أنني رأيت وعرفت وعلمت شريحةً كبيرةً من النساء بدلاً من أن تكون الواحدة منهن إذا أقبلت على الأربعين، أو جاوزتها في الخمسين، بدلاً من أن تتجه إلى قيام الليل، وصيام الإثنين والخميس، والصدقة وصيام الأيام البيض، وصلاة الضحى والدأب على الاستغفار، وعلى التسبيح، أراها قد عادت إلى الجنون والسفاهة، وهي كما قال القائل: عجوزٌ تمنت أن تعود صبيةً وقد ذبل الخدان واحدودب الظهرُ فراحت إلى العطار تبغي شبابها وهل يصلح العطار ما أفسد الدهرُ نعم. إني أعجب أن أرى امرأةً جاوزت الأربعين تتغنى وتتزين وتفاخر أنها ستكون عصر السبت في حديقة الحيوانات، وعصر الأحد في الملاهي، وعشاء الإثنين في حفل الزفاف، واليوم الرابع في النادي الفلاني في حفلةٍ نسائية، أين حظ العبادة من وقتها؟! أين حظ الطاعة من ساعاتها؟! أين حق القيام والتهجد من قيامها ونهارها؟! لا تجد لهذا قليلاً أو كثيراً، إلا من رحم الله منهن، وقليلٌ ما هُنَّ. إنا لا نقول: حرامٌ على المرأة أن تحضر مناسبةً، أو أن تروح عن نفسها بشيء، ولكن امرأةً جاوزت الشباب، ودخلت في الكهولة، حريٌ بها أن تستحي، حريٌ بها أن تُقْبل نحن ما قلنا: إنها عجوزٌ قد خرفت، أو قلنا إنها قد أدبرت، ولا فائدة لزوجها منها، حاشا وكلا! فكم من امرأةٍ في هذا السن هي خيرٌ من شابةٌ في مقتبل عمرها، ولكن نقول: إن هذه المرحلة تتطلب منها إقبالاً وتوجهاً وحرصاً على العبادة، لكي يعلوها الوقار، وتتزيا بالهيبة، وتقتدي بها بناتها، وتقتدي بها جاراتها، وتقتدي بها زوجات أبنائها، تكون بهذه الحال لا أن تصبح سفيهةً مراهقة: هَبِ الشبيبة تبدي عذر صاحبها ما بال أشيبَ يستهويه شيطانُ

стр. 2470

دواعي سوء تصرف من جاوزن سن الشباب أيها الأحبة في الله! إن ما نراه في حال كثير من نساء المسلمين في هذا الزمن، لاسيما اللائي بلغن هذا العمر أو جاوزن الأربعين وقاربن الخمسين، مع إغراق كثيرٍِ منهن في السفاهة والتصابي والمراهقة، إنها والله مراهقةٌ جديدة، إنها والله عودةٌ إلى مراهقة الكهولة، مراهقة الخمسين وما بعد الأربعين، ما الذي يدعوهن إلى ذلك؟ إن الداعي والباعث إلى كثيرٍ من هذه التصرفات: أولاً: الفراغ: فراغ القلوب، وفراغ الوقت. نعم. لقد فتح الله علينا أبواباً من الخير كثيرة، وأبواباً من النعم لا تحصى. كانت المرأة فيما مضى مشغولة بجلب الماء من البئر، وبإعداد الملابس لزوجها، وطهي الطعام، وإعداد شئون أولادها، وترتيب منزلها، لا تجد إلا وقتاً قليلاً للعبادة، ومع هذا كله، فقد عرفنا وعرفتم، ولاحظنا ولاحظتم أن فئةً كبيرةً من النساء اللائي سلفن في عمرٍ مضى مع كثرة مشاغلهن في المنازل كنَّ أقرب إلى الله، وأتقى لله، وأقوم لليل، وأصوم للنهار، وأكثر عبادةً وتهجداً، ولما فتحت علينا شئون الدنيا وأصبح الناس يخدموننا من بلاد الشرق والغرب، أصبحت البيوت مليئة بالخادمات، كان المفترض أن تجتهد -من نالت الفراغ بعد الشغل- في العبادة والطاعة، ولكن من المؤسف حقاً أن نجد أن الوقت أخذ يُملأ بالملاهي وحدائق الحيوانات، وكثير من المناسبات التي لا فائدة فيها، وكثير من اللقاءات التي ربما ملئت بالرقص وسماع الغناء، وربما اجتمعن ورقصن البنات فيها وحصل فيها من المنكرات ما الله به عليم. أعود وأكرر: إننا لا نثرب أو نحرج أو نحرم على المرأة أن تنال شيئاً من الراحة، أو أن تروح عن نفسها في مناسباتها، ولكن لا يعني ذلك أن تشتغل الليل والنهار وطيلة أيام الأسبوع أو أغلب أيام الأسبوع في مثل هذه المسائل. ثانياً: بعد الفراغ في الوقت. فراغ الروح، إن من كان بالله أعرف؛ كان منه أخوف، وإنما العلم الخشية، و ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فمن عرف الله حقاً كان خائفاً منه، ومن أدرك نعم الله قابلها بشكره بعبادته، ولكن كثيراً من النساء ويا للأسف قابلن هذا بفراغ الروح وملئن القلوب باللهو والطرب! إن لكل شيءٍ غذاء ومادةً تناسبه لكي تملأه بها، فلو أن فتاةً أو امرأةً جاءت وقالت: إني عطشى، إني جائعة، نقول لها: اشربي بنزيناً! هل البنزين شرابٌ للعاطشين؟! لا. إن من كان عطشاناً فإن غذاءه الماء، ومن كان جائعاً هل نلقمه التراب، أو نجعله يعلف الصخرة والحصى؟! لا. إن من كان جائعاً فغذاؤه الطعام، فما دامت البطون لا يصلح لها إلا ما يناسبها من الطعام، فكذلك القلوب من العبث أن نملأها بغير ذكر الله جل وعلا. إن كثيراً من الناس جاعوا في قلوبهم وأصابهم العطش، وأقفرت صحاري قلوبهم، وأجدبت ربوع قلوبهم، فذهبوا يستسقون وذهبوا يطلبون الماء والطعام لقلوبهم، فقدموا لهذه القلوب الأغاني لعلها تروى من عطشها، قدموا للقلوب الأفلام لعلها تشبع من جوعها، قدموا للقلوب المجلات الخليعة لعلها تجد شيئاً من حاجتها، قدموا للقلوب السهرات التافهة، والذهاب والإياب، والغدوات والروحات، في غير طاعة الله أو في لهوٍ يفضي إلى معصية الله جل وعلا. أيها الأحبة! إن الضخ الإعلامي -عبر كثيرٍ من وسائل الإعلام التي كانت المرأة هدفاً رئيساً فيه- حدا بكثيرٍ من النساء أن إلى التنافس، والدليل على ذلك أن تجد جملة وشريحة من النساء ممن أقبلن على الخمسين تنافس وتقلد وتفاخر أن فستانها كفستان الممثلة الفلانية، وأن لباسها كلبس المغنية الفلانية، وأن سهرتها في المكان الذي سهرت فيه الراقصة الفلانية، ووالله إن هذا موجودٌ في مجتمعنا، نسأل الله أن يرد الجميع إليه رداً جميلاً. ثالثاً: لو كانت المرأة فقيرة لما اشتغلت بهذا. نعم. حينما ترى امرأةً سبتها في حديقة الحيوانات، وأحدها في الملاهي، واثنينها في حديقةٍ عامة، وثلاثاؤها في مناسبةٍ سهرة، وأربعاؤها في حديثٍ، وتجد في هذا سهرٌ طويل واشتغالٌ عن طاعة الله، ونومٌ عن صلاة الفجر، ونهارها ضائع والخادمة هي التي تدبر الأطفال وتدير البيت، لو كانت هذه المرأة فقيرة، أو أفغانيةً تستجدي قطعة قماش تستر عورتها وعورة بناتها بها، أو كرديةً لا تدري هل تضع القماش تحت رجلها لكي يقيها من صقيع الجليد والثلج؟ أم تجعله على كتفها؛ لكي يرد عنها شدة البرد والزمهرير لو كانت واحدة من تلك لما فكرت ولما وجدت وقتاً أن تزور حديقة أو ملهاة، ولكن هو شأن بني آدم: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] لما استغنى بالمال وبالوقت وبالعافية؛ أصبح يصرف ويقلب، وأصبح حال كثيرٌ من النساء يصرفن ويقلبن هذه الأوقات في الملاهي والمسارح ومناسباتٍ لا ترضي الله جل وعلا. والله لو كانت في الصومال التي تشهد مذابح عنيفة، أو كانت إريتريةً فقيرة، أو في بلادٍ فيها قتلٌ وسفكٌ وتشريدٌ وأرامل ويتامى لما وجدت مكاناً ووقتاً لكي تضيع المال والوقت والصحة، أو مريضةً في كل عشرين ساعة تغسل كلاها لفشلٍ كلوي أصابها، لو كانت مريضةً تحتاج أن تستنشق الأكسجين أو البخار لأزماتٍ في تنفسها تنتابها بين الساعة والساعة، لو كانت مريضةً بشريانٍ أو بصمام، أو مشلولةً لا تستطيع أن تتحرك، والله ما وجدت وقتاً لكي تضيعه في الذهاب والإياب إلى هذه الملاهي وإلى تلك الحدائق وغيرها. وإني لأنصح أخواتي وبناتي، وأنصح الزوجات والأمهات أن يزرن قسم النساء في دار النقاهة، ولهن وحسبهن حديث النبي ﷺ : (من زار مريضاً؛ لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع) فلهن الأجر من الله بقول رسول الله ﷺ ، ألا يا صويحبات أمهاتنا! ألا يا بنات مجتمعاتنا! ألا يا معاشر الزوجات! ألا يا معاشر البنات والأمهات! زوروا دار النقاهة؛ لكي تعرف الواحدة نعمة الله عليها، لكي تعرف أنها إن أرادت حاجتها الخاصة قضتها بنفسها، وأن أختاً لها لا تستطيع قضاء حاجتها إلا بوقوف ثلاث ممرضات، إحداهن على صدرها واثنتين على بطنها، حتى تخرج ما بجوفها!! أفلا تحمد الله؟! أفلا تشكر الله؟! أفلا تسبح وتكبر لله جل وعلا؟! هذا خيرٌ لها، لكن الكثير من الناس لا يستعتب أو يعود أو يؤب إلا إذا مسه الشر، إلا إذا حلت به المصيبة، وكما قال الله جل وعلا، وهذا في شأن الذكر والأنثى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢]. فتاةٌ يوم أن كانت مريضة تتلوى تتقلب تتأوه، امرأة يوم أن كانت مريضة لا تطيق أن ترى أحداً، لا تتمنى أن تقابل أحداً، فلما عوفيت وشفيت اذهبوا بنا اليوم إلى الحديقة؛ اذهبوا بنا إلى ذلك المكان، بالأمس كانت تتلوى وتتضور من الجوع والألم، ولما حضرت تلك الحفلة المطربة والمغنية وآلات الموسيقى والأعواد والفرقة الموسيقية أخذت ترقص يمنةً ويسرةً على هذه الأنغام، ونسيت أنها بالأمس كانت تتلوى على السرير الأبيض في المستشفى!! نعم ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ يتلوى على جنب ﴿أَوْ قَاعِداً﴾ لا يستطيع أن يستمر نائماً، تارةً يقعد، وتارةً يقف، وتارةً ينقلب على جنبه، وتارةً على ظهره ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ لما ذاقت تلك المرأة أو الفتاة أو الزوجة أو الأم طعم العافية ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] كأنها لم تصب يوماً بمرض، ولم تذق ألماً وسقماً من الأسقام.

стр. 2471

نساء من السلف أيها الأحبة! هذه مقدمة لهذا الموضوع، وأما النساء اللاتي لم يذكرهن التاريخ، وقدواتهن. بل تيجان رءوسهن: أمهات المؤمنين ﵃ والصحابيات ومن سرن على هديهن، واقتفى أثرهن وأثر رسول الله ﷺ بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 2472

خديجة بنت خويلد ﵂ فأولهنّ خديجة بنت خويلد: كان ﷺ كثيراً ما يذكرها ويدعو لها؛ تقول عائشة: (قلّ مجلسٌ يجلسه رسول الله ﷺ إلا ذكر خديجة بخير) حتى أنه ذات يوم كان عندهم لحمٌ أو طعام، فقال ﷺ : (أطعموا صويحبات خديجة) فاشتعلت الغيرة في نفس أُمنا عائشة ﵂، فالتفتت إلى النبي ﷺ وقالت: [يا رسول الله! هل كانت خديجة إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها] رضي الله عن أمهات المؤمنين، تضايقت عائشة من كثرة ذكر خديجة، لا كراهية في خديجة، ولكنها غيرة تصيب النساء، فالتفتت وقالت: [وهل كانت خديجة إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها] فقال ﷺ : (لقد آمنت بي خديجة لما كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً ولم أرزق من غيرها، قالت عائشة: فقلت في نفسي: والله لا أذكر خديجة بسوءٍ أبداً).

стр. 2473

فاطمة بنت محمد ﷺ انظروا إلى شأن فاطمة بنت نبينا ﷺ ، بنت النبي، بنت ملك الدولة، بنت رئيس الدولة، بنت إمام الدولة الإسلامية العظمى، قال زوجها علي بن أبي طالب ﵁: [سنوتُ] أخذت أستخرج الماء من البئر بالسانية، والناس تسني على الأباعر والحمر والثيران وغيرها وعلي يسني بنفسه، قال: [سنوتُ حتى اشتكيت صدري] يخاطب زوجته وصاحبة خدره وفراشه، قال: [سنوتُ حتى شكوت صدري، فاطلبي يا فاطمة من أبيك خادماً، فلقد بلغني أنه قد جيء إلى النبي ﷺ بسبي] فذهبت فاطمة، ولما وقفت بين يدي الرسول ﷺ استحت! ما أجمل الحياء! ما أجمل العفاف! ما أجمل هذا الحياء الذي ظهر وأيرق وأشرق وأزهر في بيت النبوة، بعد أن استحت عادة مرةً أخرى، فذهب علي بنفسه ﵁ وقال: [يا رسول الله! سنوتُ حتى اشتكيت صدري، وطحنت فاطمة حتى مجلت يداها] أصابها شيءٌ من آثار القروح من أثر ما تطحنها على الرحى وهي تعلف النوى لفرس علي بن أبي طالب. قال علي: [يا رسول الله! فهب لنا خادماً] فهل قال ﷺ : أبشر بسواد عين، فإن ابنتي عندك؟! أو قال: أبشر لعينك يا علي يا بن أبي طالب يا بن عمي؟! لا. بل قال ﷺ : (والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة -الفقراء المساكين المحتاجين الذين يطوون الحصى على بطونهم من الجوع والفاقة والحاجة- تطوى بطونهم ولا أجد ما أنفق عليهم، لكن أبيع السبيَ؛ فأنفق على أهل الصفة). ثم ولى علي ﵁، وفي الليل جاءه رسول الله ﷺ فدخل على ابنته وزوجها، فوجدهما قد تغطيا بفراشٍ إن غطيا به رأسيهما بدت رجلاهما، وإن غطيا به رجليهما بدا رأسيهما، الله أكبر! فجلس النبي ﷺ بينهما، قال علي: والله إني لأجد أثرَ برد قدم الرسول ﷺ على كبدي، فقال: (أفلا أخبركما بما هو خيرٌ لكما من خادم؟ تسبحان دبر كل صلاةٍ عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبران عشراً) وهذا في مسند أحمد، وفي صحيح البخاري: (إذا أويتما إلى فراشكما سبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمدا الله ثلاثاً وثلاثين، وكبرا الله أربعاً وثلاثين) قال علي: [فما تركتها، قيل له: ولا ليلة صفين، قال: ولا ليلة صفين]. نساءٌ لم يذكرهن التاريخ بفاحشة ولا بمعصيةٍ ولا بدناءةٍ ولا بخسةٍ ولا بسخافةٍ أبداً، منهن فاطمة ﵂، أول أهل الرسول لحاقاً به، فقد أخبرها النبي ﷺ بخبرٍ سارّها به فيما بينه وبينها، وعائشة تنظر إليهما، فبكت فاطمة ثم سارّها مرةً أخرى؛ فضحكت فاطمة، فماذا كان السر الأول المبكي؟ وما هو السر الآخر المضحك الذي بعث على الفرح والابتسامة؟ أما الأول: فإن النبي ﷺ قال: (أنتِ أول من يلحق بي من أهل بيتي) فبكت ﵂ وقد توفيت فاطمة بعد رسول الله بستة أشهر. ثم لما سارها مرةً أخرى، قال: (وأنت يا فاطمة سيدة نساء أهل الجنة). يا أمنا! يا أختنا! يا جدتنا! يا زوجةً لإخواننا! يا فتاةً من بناتنا! لو قيل: إن مطربةً فلانية ستحضر النادي الفلاني؛ لتهيأ كثيرٌ من البنات لكي تقف أو تصور أو تجالس أو تظفر بكلمة أو توقيع على ما يسمى بالأتوجراف، أو ورق الذكرى لكي تحتفظ وتفتخر به. يا أمنا! يا أختنا! يا زوجة أحد إخواننا! ألا يسرك أن تكوني صديقةً ورفيقةً وزوارةً لسيدة نساء أهل الجنة في الجنة؟ بلى والله إن ذلك لهو الفوز العظيم، أن تكوني صديقةً لـ فاطمة، وأن تكوني قريبةً من خديجة، وأن تكوني جليسةً لـ عائشة ﵂. ولما حانت منية فاطمة ﵂ ودعها زوجها وغسلها وكفنها وصلى عليها. هذا نهاية المطاف في الحياة وبداية الانتقال إلى دار برزخية. عائشة نهايتها الموت، فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أيضاً كانت نهايتها الموت، وكذلك خديجة وغيرها أفأنتِ لن تكون لك مثل هذه النهاية؟ ستموتين وسنموت جميعاً. أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح لو كانت الأعمار تبقى لواحدٍ لكان رسول الله حياً مخلداً فيا أمنا! يا أختنا! يا زوجة أحد إخواننا! يا امرأة ندعوك بالله وإلى الله ولوجه الله، أفلا تزورين خديجة ﵂، وهي التي يقرؤها جبريل الرسول الأمين السلام ويبشرها من الله ببشارة، يقول لزوجها محمدٍ ﷺ : (بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا وصب). يا أختنا! يا فتاة الإسلام! يا امرأة الإسلام! ألا تريدين أن تكوني زوارة صديقة جليسة أنيسة لـ خديجة؟ بلى والله.

стр. 2474

عائشة بنت أبي بكر ﵂ أما عائشة، وما أدراك ما عائشة، ذلك المعلم الشامخ والقمة السامقة من أمهات المؤمنين، أحب النساء إلى الرسول ﷺ كان يقول: (أحب الناس إليَّ عائشة، وأحب الرجال إليَّ أبوها) هل اتكلت عائشة على أن زوجها هو النبي ﷺ وبذلك ستكون ضامنة للجنة بأي حال؟ مع أنها مبشرةٌ بالخير العظيم من الله ورسوله ﷺ ، التي نزلت براءتها من فوق سبع سماوات في حادثة الإفك المعلومة، التي حفظت للأمة شيئاً عظيماً من أحكام الدين فيما يتعلق بالمعاشرة وخصوصيات حياة رسول الله ﷺ . عن القاسم قال: [كنتُ إذا غدوت أبدأُ ببيت عائشة أسلم عليها، فغدوت يوماً، فإذا عائشة قائمة تسبح وتقرأ القرآن وتقرأ قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] قال: وهي تدعو وتبكي وتردد هذه الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] قال: فلما طال انتظاري قمت وذهبت إلى السوق؛ لعلها تنفتل من صلاتها وتسبيحها، يقول: أطلت انتظارها، وهي لا تزال تقرأ الآية ولم تلتفت ولم تدر أني قد دخلت عليها. قال: فذهبت إلى السوق ثم رجعت فإذا هي قائمةٌ كما هي تصلي وتبكي. وكانت عائشة ﵂ تقول: إنكم لن تلقوا الله بشيءٍ هو خير لكم من قلة الذنوب] ثم أتبعت تقول: [فمن سره أن يسبق الدائب المجتأب؛ فليكف نفسه عن كثرة الذنوب]. هذه حال عائشة. ولما حضرتها الوفاة وكان عندها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر فاستأذن ابن عباس وقد قربت من الموت فقالت: [مالي ولـ ابن عباس؛ فأكب عليها يرجوها ابن أخيها حتى أذنت له، فدخل ابن عباس وأثنى عليها خيراً وقال: أنت الذي أنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات، وبركاتك على المؤمنين في كثيرٍ من الأمور، فالتفتت عائشة إليه وقالت: دعني منك يا بن عباس، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنتُ نسياً منسياً]. عائشة زوج الرسول ﷺ ، مبشرة بالخير العظيم، تمدح وتثنى وتذكر مناقبها بين يديها، فتقول: [دعني عنك يا بن عباس؛ فوالله لوددت أني كنتُ نسياً منسياً]. يا أمة الله! يا فتاة الإسلام! يا امرأة تجاوزت الأربعين أو قربت منها! خذي صورةً من صور أمهات المؤمنين واجعليها قدوةً ونبراساً ومثالاً لتتأسي وتقتدي بها، بدلاً من أن تنافسي فلانة في ذهبها، وعلانة في حليها، وفلانة في فستانها، وفلانة في خدمها، وفلانة في أباريقها، وفلانة في زجاجها وما عندها من الأواني والأثاث وغير ذلك، خذي طريقة أمهات المؤمنين واسلكيه؛ تصلين بها إلى جنة، فتُخدَمي في الجنة، وتكوني من المنعمات نعيماً لا ينقطع، أما الحلي والملابس والأباريق والأكواب والأثواب والأثاث وغير ذلك؛ فإنك تنقلين من سعته إلى ضيق قبرك، ومن نور الإضاءة والكريستال والنجف إلى ظلمة القبر، ومن السعة في الفلل والقصور إلى ضيق اللحود، ومن الأنس بالزائرات والصديقات والملاهي والحدائق وغير ذلك إلى دار وحشة حيث لا أنيس فيه إلا عبادة ترجين بها وجه الله جل وعلا.

стр. 2475

أم شريك ﵂ خذوا صورةً من صور هؤلاء النساء اللائي لم يذكرهن التاريخ بسوءٍ ولا بشرٍ أبداً. أم شريك ﵂، اسمها: غزية بنت جابر بن حكيم السدوسية، قال الأكثرون: هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ فلم يقبلها، وعن ابن عباس قال: [وقع الإسلام في قلب أم شريك ﵂ فأسلمت وهي بـ مكة، وكانت تتردد وتدخل على نساء قريش سراً]. امرأة لما أسلمت وكان الإسلام لم يزل بعدُ سراً خفياً لم تقم له دولة وصولة، هذه المرأة جعلت تدخل على نساء قريش سراً فتدعوهن وترغبهن في الإسلام، حتى انتشر أمرها في مكة، فأخذوها، وقالوا: لولا قومك لفعلنا بك، وفعلنا، لكن سنردك إلى قومك. قالت: [فحملوني على بعيرٍ ليس تحتي منه شيء، ثم تركوني ثلاثة أيام لا يطعمونني ولا يسقوني، وكانوا إذا نزلوا منزلاً أوثقوني في الشمس واستظلوا هم عن الشمس، وحبسوني عن الطعام والشراب، فبينما هم كذلك قد نزلوا منزلاً أوثقوني في الشمس في حر الهاجرة، إذا أنا بشيء أجد برده على صدري، فتناولته فإذا هو دلوٌ من ماء -كرامة لـ أم شريك ﵂ قالت: فشربتُ منه قليلاً قليلاً، ثم نزع مني فرفع عني ثم عاد وتناولته فشربت منه، ثم رفع ثم عاد فتناولت منه، ثم رفع مراراً ثم شربت منه حتى رويت، ثم أفضت سائر ما في هذا الدلو على جسدي وثيابي، فلما استيقظ القوم إذ هم بأثر الماء حولي، ورأوني حسنة الهيئة، قد بَلَّ الماء جسدي وبدني، فلما استيقظوا ورأوها على هذه الحالة؛ قالوا لها: إنك حللت الوثاق فأخذت سقاءنا، وشربت منه، قالت لهم: لا والله، ولكن قد كان من الأمر كذا وكذا، قالوا: لئن كنتِ صادقةً لدينك خيرٌ من ديننا، فلما ذهبوا إلى أسقيتهم وجدوها كما هي ما نقصت منها قطرة، فأسلموا عند ذلك] وكانت سبباً في إسلامهم. انظروا أيها الإخوة! انظرن واسمعون يا معشر الأخوات! ويا معاشر الأمهات! امرأة تدعو سراً لما تعذر الأمر أن تدعو جهراً.

стр. 2476

أم أيمن ﵂ ومن صور الأمهات والنساء اللائي لم يذكرهن التاريخ: أم أيمن، اسمها: بركة مولاة النبي ﷺ وهي حاضنته. ورثها ﷺ وأعتقها، وكانت ﵂ عابدةً صالحة. قال أنس ﵁: [ذهبت مع الرسول ﷺ إلى أم أيمن -الله أكبر! إمام الدولة الإسلامية العظمى يخرج من بيته ليزور امرأة اسمها أم أيمن - فلما دخلنا عليها قربت للنبي طعاماً أو شراباً، فإما كان ﷺ صائماً أو لم يرده، فجعلت تخاصم النبي ﷺ وتريد منه أن يأكل فهي حاضنته ومولاته، ولها عليه دلالٌ، وفي قلب النبي ﷺ لها منزلة، قال أنس: فلما توفي ﷺ ، قال أبو بكر لـ عمر: مر بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان ﷺ يزورها -انظروا إلى تتبع سنة النبي، كان يزور فلانة، إذاً الصحابة يزورونها- فلما رأتهما أم أيمن -لما رأت أبا بكر وعمر - بكت؛ فقالا لها: ما يبكيك يا أم أيمن؟ فقالت: إني لأعلم أن رسول الله ﷺ صار إلى خيرٍ مما كان فيه، ولكني أبكي لانقطاع خبر السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها]. قال الواقدي: حضرت أم أيمن معركة أحد، وكانت تسقي الماء وتداوي الجرحى وشهدت خيبراً وتوفيت في آخر خلافة عثمان. أمٌ حاضنةٌ داعيةٌ رقيقةٌ بكاءة، من بكائها يبكي أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ وليس الأمر عند هذا، بل شهدت أحداً وشهدت خيبراً.

стр. 2477

أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قد يخرج الله الحي من الميت، وقد يخرج الله الرياض الغناء من الصحاري الجدباء، عقبة بن أبي معيط الذي جاء بسلى الجزور فوضعه على ظهر النبي ﷺ يوم أن كان النبي في تلك اللحظة ساجداً له ابنةٌ اسمها أم كلثوم، قالت: كنت أخرج إلى بادية لنا فيها أهلي، فأقيم بها ثلاثة أيامٍ جهة التنعيم، ثم أرجع إلى أهلي ولا ينكرون ذلك، ثم إني لما أجمعت الهجرة إلى المدينة -بعد أن دخلت في الإسلام، واستقر الإسلام في قلبها- خرجت يوماً من مكة كأني أريد البادية على عادتي. ماذا تريد يا إخوان؟ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، تتوقعون إلى أين تذهب؟ هل تزور أحداً تتفكه، تضيع الوقت، تقضي الساعات؟ لا. تريد أن تهاجر من مكة إلى المدينة، امرأة بنت أشقى القوم تهاجر من مكة إلى المدينة، وهذه دعوة لكل فتاةٍ في أسرةٍ كافرة، أو في أسرةٍ لا تدين بالإسلام الصحيح، أن تهجر قومها وأهلها وأن تفر بنفسها ودينها إلى دين الله، وإلى الإسلام وإلى مرضات الله جل وعلا. قالت: ثم لما خرجت وأنا أريد اللحاق برسول الله ﷺ إذ برجلٍ من خزاعة قال: أين تريدين؟ فسألته فقلت: مَنْ أنتَ؟ قال: أنا من خزاعة، قالت: فاطمأننت إليه؛ لأني أعلم أن لخزاعة عهدٌ عند رسول الله ﷺ -أي بين النبي وبينهم عهدٌ وميثاق، فليسوا بأعداء له- قالت: فقلت: أنا من قريش وأريد اللحاق برسول الله ﷺ ، فسار بها وخدمها وأحسن رعايتها، وكان يجعل البعير يبرك لها ويتنحى عنها حتى تركب، ثم إذا استوت وتسترت عليه أخذ بها حتى وصلت المدينة، ثم إنها لما بلغت المدينة، دخلت على أم سلمة، فسألتها أم سلمة ﵂، قالت: فسألتني أم سلمة، فقلت: أنا فلانة هاجرت إلى الله ورسوله، فقالت أم سلمة: هاجرت إلى الله ورسوله؟!! أهلاً بكِ يا أخية، وأثنت عليها والتزمتها وقبلتها، ثم إن رسول الله ﷺ لما دخل وسأل قالت له أم سلمة: هذه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فتكلمت أم كلثوم قالت: إني خائفة أن يردني رسول الله كما رد أبا جندل وأبا بصير؛ لأن بين النبي عهدٌ وميثاق أن من خرج من مكة إلى المدينة أن يرده النبي إلى أهل مكة، فرحب بها النبي ﷺ ، وللقصة بقية شاهدها: امرأة تهاجر فراراً بدينها لوجه الله ولحاقاً برسول الله ﷺ .

стр. 2478

أسماء بنت أبي بكر ﵂ وأما أسماء بنت أبي بكر وما أدراك من أسماء؟ إنها ذات النطاقين، كانت إذا مرضت أعتقت كل مملوكٍ لها، ما أكثر من يمرض من بناتنا وأخواتنا وزوجاتنا، فإذا مرضت الواحدة منهن أهديت لها المجلات، وهذا شيٌ أراه بعيني وترونه. تجد بعض الفتيات إذا ما زارت قريبة لها في المستشفى أخذت لها كل المجلات الخبيثة الخليعة التي لا تليق ثم جاءت بها وأهدتها وقدمتها لتلك المريضة، هل يقدم للمريض صورٌ متبرجة؟ هل يقدم للمريض غثاء؟ هل يقدم للمريض كلامٌ يشغل عن الله وعن ذكر الله جل وعلا. الآن الورود عند المستشفيات تباع الوردة بمائة ريال ومائة وخمسين ريال، والله لو أن الواحدة من أخواتنا إذا زارت صديقةً أو قريبة؛ اشترت المسجل الصغير ومع المسجل عدداً من الأشرطة المناسبة لكان هذا خير لها، فإذا قدمت هذه الهدية لهذه المريضة، جعلت السماعتين على أذنيها وأخذت تسمع كلام الله، تسمع الشفاء ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء:٨٢] تسمع الهدى والوحي والبصيرة التي تعينها وتعين بدنها على الصحة والعافية. كانت أسماء إذا مرضت تعتق كل مماليكها وتتصدق بمالٍ كثيرٍ جداً.

стр. 2479

سمية بنت الخياط ﵂ وسمية بنت الخياط، ما شأن هذه المرأة؟ إنها أول شهيدةٌ في الإسلام، لما أسلمت جاء أبو جهل يصفعها ويضربها ويركلها ويجرها ويسحبها يريدها أن تترك دين محمد ﷺ ، فكان شأنها أنها كانت ثابتةٌ ثبوت الجبال، صامدةًَ صمود الرواسي، على دين نبينا ﷺ وملة الإسلام، زوجها يعذب، وعمار يعذب، وأمه سمية تعذب، والنبي يقول: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة). فلما بلغ الغيظ من أبي جهل مبلغه؛ خرج ذات يوم فوجدها تعذب وقد وكل بها عبيداً له يعذبونها حتى تترك الإسلام، فاغتاظ أبو جهل منها، ورأى عبيده قد مدوها على حر الهاجرة، فانتزع الحربة من يد أحد عبيده ثم رمى بالحربة في فرجها فخرت صريعة شهيدةً في سبيل الله، وكانت أول شهيدةٍ في الإسلام. أين فتاة الإسلام التي تصر على هذا الدين، وتلتزم وتستقيم على هذا الدين، وتدعو إليه في مدرستها وبين جاراتها وصويحباتها وتمضي وتستمر على هذا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! قممٌ سامقةٌ وجبال رائدة في الدعوة والتقوى، وشريحةٌ من بناتنا يعالجنَ المعاكسة، والهوى، والحب، والمجلات، والخلائع، وأمورٌ الله أعلم بها، أسأل الله أن يستر على الجميع بستره.

стр. 2480

فاطمة بنت الخطاب ﵂ وهذه فاطمة أخت عمر بن الخطاب: دخل عمر بن الخطاب على أخته وزوجها وقد أسلما، فلما طرق الباب وفتحت، ودخل عليها، صفعها صفعةً، وكان معه شيءٌ شج به وجهها، فسال الدم على وجهها -وكان ذلك قبل إسلام العملاق عمر بن الخطاب الذي أعز الله به الإسلام- قالت فاطمة: يا بن الخطاب ما كنتَ صانعاً فاصنعه، فإني قد أسلمت! إن المسألة قد انتهت ولا يمكن أن تعاد القضية للمداولة أو تطرح للحوار، أو ترد للمساومة، قد أسلمت يعني قد أسلمت.

стр. 2481

أم عمارة نسيبة بنت كعب ﵂ وأم عمارة نسيبة بنت كعب: صحابيةٌ جليلة شهدت أحداً والحديبية وخيبر وحنين وعمرة القضاء، ولما مات رسول الله ﷺ شهدت اليمامة في غزو مسيلمة الكذاب، وشاركت في حرب الردة، ورجعت وبها عشر جراحاتٍ من طعنٍ وضرب، قال عمر بن الخطاب: [ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا رأيت أم عمارة تقاتل وقد جرحت اثنتي عشر جرحاً]. ولما نادى منادي رسول الله في أحد: أن الحقوا بالكفار في حمراء الأسد ما استطاعت اللحاق من كثرة نزيف الدم من بدنها، مجاهدة وفينا من يعرض الجهاد على نفسه لو حق الجهاد أن يذهب أو لا يذهب، امرأة قدوة أسوة. نحن لا نريد من بناتنا أن يذهبن إلى أفغانستان أو كشمير أو بورما وسيلان لكي ينقذن المسلمات من الشيوعيين ونمور التاميل والهندوس وغيرهم! لكن نريد استقامة وتوبة ودعوة، نريد منهن الحرص على تنظيف المجتمع، نريد منهن عناية وبداية بالنفس ثم بالأولاد والزوج، وكم من زوجةٍ إذا صلحت كان بصلاحها صلاح زوجها. إن فتاةً لما رأت الانحراف في زوجها، أصبحت تعتني بأولادها بطريقةً أصبح الأطفال ينكرون على أبيهم ما يرونه؛ حتى اضطروه أن يخرج الفيديو والأفلام من البيت بحسن تربيتها! فالمرأة نريد منها أن تقوم بهذا الدور، فهي لها دورٌ ينبغي أن تقوم به، وحتى الآن لم نر آثاراً واضحة أو على المستوى المطلوب لفتاةٍ الإسلام، وإن فتاة الإسلام، والمرأة المسلمة، والأم المسلمة، والزوجة المسلمة جديرةٌ وقادرة على أن تقوم بهذا الدور، ولكن الذي حيرها وثبطها هو إرجاف العلمانيين واستهزاء المستهزئين وسخرية الساخرين وتقليد أصحاب الموضات والقردة والببغاوات، إننا ننتظر منها عملاً يكون سبباً في رحمة الله؛ لكي تكون جليسةً لـ أم عمارة وعائشة ورملة وسهلة وأم حبيبة وغيرها.

стр. 2482

أم حبيب سهلة بنت ملحان ﵂ أم سليم سهلة بنت ملحان الرميصاء عندما خطبها أبو طلحة قالت: [أما إني فيك لراغبة، ومثلك لا يرد ولكنك كافر!!]. الله أكبر! الله أكبر! انظروا كيف أصبحت المرأة المسلمة، والزوجة المسلمة، والأم المسلمة تعرض دينها ودعوتها بقوةٍ وقدرة، تقلب عقيدة الرجل، الذين يقولون: إن المرأة النصف المعطل، المرأة التي تسلط عليها الرجل، وغسل أفكارها ودماغها، وأصبحت تابعةً له، وأصبحت رقيقةً يملكها. أم سليم تغسل فكر أبي طلحة وتغير معتقده! بأسلوبٍ جميل وكلماتٍ معدودة: [أما إن مثلك لا يرد! وإني فيك لراغبة، ولكنك كافر وأنا مسلمة، فإن تسلم؛ فإسلامك مهري ولا أريد منك مهراً]. انظروا يا عباد الله: المرأة التي كذبت دعاوى الجاهلية والعلمانيين وأصحاب حركة التغريب والإفساد في المجتمع! الذين يقولون: إنه لا دور لها، والرجل يؤثر عليها، والرجل والرجل نعم يؤثر عليها بطاعة الله، ولكن هذه قلبت عقائد وأفكار وموازين رجل من الجاهلية إلى الإسلام، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الشرك إلى التوحيد. خرجت أم سليم يوم حنين تداوي الجرحى ومعها خنجر، وكان زوجها أبو طلحة يبتسم لشأنها ويقول: [يا رسول الله! أما ترى أم سليم قد ربطت في بطنها خنجراً] والآن بعض شبابنا لو رأى خنجراً يخاف، ولو سمع طلقة مسدس سقط على الأرض. فـ أم سليم تخرج وفي بطنها خنجر، فألتفت إليها رسول الله ﷺ وقال: (يا أم سليم! ما تفعلين بهذا الخنجر فقالت: إن دنا كافر يا رسول الله أبقر به بطنه) امرأة تعلم الشجاعة! امرأة قدوة لنساء المسلمين! ولـ أم سليمِ قصةٌ عجيبة: كان لزوجها أبو طلحة بعد أن تزوجها وأسلم ولدٌ مريض عليل، فخرج أبو طلحة ثم اشتد المرض بولدها، فمات وتوفي ﵀، فقامت وغسلت ولدها وطيبته وكفنته ووضعته في طرف البيت في حجرةٍ له، فلما جاء زوجها؛ وجدها قد أعدت نفسها وتهيأت له، وأعدت طعامه، فلما أصاب الطعام وبات ونام معها سألها عن ولده، قال: ما شأن ولدي؟ قالت: هو بأهدئ حال وأسكن ما يكون، ثم إنه لما أصبح؛ أخبرته فكان أن وجد أبو طلحة في نفسه عليها شيئاً، فذهب وأخبر رسول الله ﷺ فأثنى عليها خيراً وقال: (أعرستم البارحة؟ قال: نعم. فدعا لهما وقال: اللهم بارك لهما فيه) فرزقا أولاداً فيهم بركة وخير.

стр. 2483

أم حرام بنت ملحان ﵂ أما أم حرام بنت ملحان أخت سهلة تقول: (نام رسول الله ﷺ في بيتها فاستيقظ وهو يضحك، فسألت رسول الله ﷺ : ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: عرض عليّ ناسٌ من أمتي يركبون ظهر هذا البحر كالملوك على الأسرة من كرامة الله لهم، قالت أم حرام ﵂: ادع الله أن يجعلني منهم -يركبون على البحر في غزو ومع ذلك تدعو الله أن تكون معهم- فقال: اللهم اجعلها منهم) ثم نام أيضاً فاستيقظ فضحكَ فسألته فقال كما في الأولى: (أناسٌ من أمتي يركبون على ظهر البحر كالملوك على الأسرة فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم يا رسول الله! فقال: أنت من الأولين) فخرجت أم حرام ﵂ وغزت مع عبادة بن الصامت وكان زوجها، فوقصتها بغلة لها شهباء فوقعت وماتت وكانت بإذن الله شهيدة ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] فما بالك بمن خرج مجاهداً.

стр. 2484

صحابية فقدت أبوها وأخوها وزوجها وابنها وهذه قصة لامرأةٍ من نساء المؤمنين اللائي لم يذكرهن التاريخ بسوءٍ ولا فاحشةٍ ولا منكر، ولا خزيٍ ولا عار، قال أنس ﵁: لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصةً عظيمة، وقالوا: قتل محمد! حتى كثرت الصوارخ في نواحي المدينة، فخرجت امرأةٌ من الأنصار ولما خرجت تنظر ما الخبر، إذ بأهل المعركة يقابلونها بأخيها وأبيها وزوجها وابنها! كلهم قتلى في المعركة! قال: لا أدري بأيهم استقبلت أولاً، فلما مرت على آخرهم، من هذا؟ قالوا: هذا أخوك وأبوك وزوجك وابنك. هل لطمت خداً؟ هل شقت جيباً؟ هل ناحت بدعوى الجاهلية؟ قالت: وماذا فعل رسول الله ﷺ ؟!! قالوا: أمامك، فذهبت إلى الرسول فأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: [بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لا أبالي إذا سلمت من عطب!] إذا سلمت أنت يا رسول الله؛ فلا أبالي بمن يهلك ومن يعطب، الله أكبر! فيا أحبابنا! هذه صور أمهاتنا نسائنا، ولولا أن يطول بنا المقام لذكرنا المزيد وهو موجودٌ ميسور لا جهد لي فيه لجمعه، قد جمعه الأسلاف والآباء والأجداد في الكتب، ولكني أريد أن أنتقل بإخواني وأخواتي نقلةً كبيرة إلى واقعنا المعاصر

стр. 2485

من أخبار الصالحات في عصرنا هل انتهى الصلاح؟ هل انتهى الخير؟ لا والله، لا زال الخير في هذه الأمة، واسمعوا طرفاً من أخبار الصالحات في مجتمعنا. امرأة موجودة يقول لها زوجها: يا فلانة! لماذا لا توترين في أول الليل؟ قالت: لا أترك وترَ آخر الليل. قال: والله لا أذكر أن وترها فاتها آخر الليل متهجدةً عابدة. وفي حوطة بني تميم امرأةٌ كان زوجها عقيماً، فصبرت عليه، وما تركته وتزوجت غيره، كفيف البصر، كانت تقوم معه في الليل يتهجدان، ولولا عجائز وشيوخ ركع، وبهائم رتع، وأطفالٌ رضع؛ لصب علينا البلاء صباً، ولكن يرحمنا الله بدعائهم. تقوم الليل مع زوجها الكفيف العقيم إلى آخر الليل، وقُبيل أذان الفجر تأخذ بيده وتذهب به إلى المسجد حتى تجعل يده في باب المسجد وتعود إلى بيتها. أيها الإخوة! ولا يزال الخير في هذه الأمة، والأمثال الطيبة والصور الرائعة تتجدد في الأمهات وفي الزوجات الصالحات، وما سقنا هذا الحديث إلا ونحن نريد المزيد من التميز هذا المجتمع بصلاح المرأة فيه، بصلاح الزوجة، بصلاح الأم والبنت والفتاة الصغيرة والكبيرة.

стр. 2486

المرأة الأفغانية المرأة الأفغانية التي خاض شعبها جهاداً إسلامياً، مع ذلك ما تبرجت وما سفرت وما خرجت وما باعت عرضها، وكل من ذهب إلى أفغانستان، وكل من تتبع أخبار الجهاد يجد أن من أعجب الغرائب والعجائب في تاريخ الجهاد على صلابة المراس، والوطيس الذي حمي فيه وشدة بأس الطرفين فيه، أن المرأة لم تخرج ولم تتبرج ولم تبع عرضها لأجل الحاجة أبداً، بل كان الأفغان أشد الناس غيرةً على نسائهم، وكانت الأفغانية أشد غيرة. حدثني أحد الإخوة قال: زرت أحد القادة فكان في منطقة مليئة بالشيوعيين، فدخلت فأدخلني في الستر، ثم إذ بي كأني أرى خيمةً تتحرك، فقلت: من؟ قال: هذه ابنتي، قلت: كيف تجعل ابنتك تخرج؟ قال: لا تخشى شيئاً، الرشاش تحت عباءتها. المرأة الأفغانية صورة من النساء اللائي لم يذكرهن التاريخ، لابد أن يسطرهن التاريخ. حينما نقول: لم يذكرهن التاريخ نساءٌ لم يذكرن بفاحشة، ونساءٌ قد عرفن وسجلن وسطرن الخير والمآثر والبطولات والتضحيات ولم يؤرخن حتى الآن، أو أرخ شيءٌ قليلٌ من مواقفهنَ وسجايهن. أخبرني أحد الإخوة عن قصة مجاهد جاء كان كالاً تعباً بعد سنواتٍ طويلة من الجهاد، وقد تعودت الأفغانية أن زوجها يذهب للجهاد خمسة أشهر وستة أشهر ثم يعود، يجلس عندهم عشرين يوماً، يتفقد أحوال أبنائه ثم يعود إلى الجبهات من جديد، قالت: فكأنها لاحظت أن الرجل قد مضى عليه خمسة وعشرون يوماً ما خرج، قالت: ما بالك لا تذهب إلى الجبهة من جديد؟ قال: الجهاد طال والمسألة طالت، قالت: لا حرج، أعطني ثيابك ورشاشك، وأنت البس ثيابي واجلس أنت عند الأطفال، وأنا أذهب أجاهد. صورة من صور التضحية والفداء، ليست المرأة التي إذا خرج زوجها مع إخوانٍ له في الله في رحلة أو دعوة، أو عمرة تصيح وتئن وتنوح: تركتني لوحدي، سبحان الله العظيم! نعم. كثير من الشباب الآن يشكو مشكلات بعض زوجاتهم، تريدُ أن يقابلها صباح مساء، ألا تكونين يا أختنا عوناً له على طاعة الله؟! ألا تكونين له عوناً في الدعوة إلى الله؟! ألا تكونين شريكة الأجر معه في أن يسّرت له من وقتك ونفسك وبيتك ما يجعله مفكراً دؤوباً في العمل والتخطيط والتنفيذ للدعوة إلى الله جل وعلا.

стр. 2487

الحياء المطلوب عند المرأة خذوا صورةً جديدةً من صور النساء: امرأةٌ تبكي بعد أن أجريت لها عمليةٌ في عينيها، قيل لها: احمدي الله على العافية ما الذي يبكيك يا أم فلان! قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، بعد هذه السنين الطويلة يكشف وجهي رجل، الله أكبر الحياء، العفاف، النقاء، الطهارة، السمو الذي نفتقده، للأسف بعض البنات، والأمهات، لو كان في قدمها جرح كشفت وجهها! وما علاقة الرجل بالوجه، لكن ربما دخلت عليه متساهلةً أو مضطرة، والتي تعرف أنها مضطرة لن تكشف إلا ما دعت الحاجة لكشفه، لكن مصيبتنا أن يقال: هنا طبيبة وهنا طبيب فتذهب إلى الطبيب مباشرةً، ولا تتردد بأن تكشف وجهها، وربما كشفت ما لا حاجة إلى كشفه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أين العفاف؟ أين الحياء؟ أين الطهر؟ أين السمو والنقاء؟ نحن بحاجةٍ إلى هذا، امرأة تبكي بعد أن أفاقت من بنج العملية: ماذا فيك يا أم فلان؟ قالت: الله المستعان، بعد هذا العمر يكشف وجهي رجل؟!! الله المستعان.

стр. 2488

قصة لعجوز مقعدة عابدة وأذكرُ لكم قصةً لعجوز أعرفها جيداً لأنها جدتي، أسأل الله أن يتغمدها برحمته؛ تعلمتُ منها شيئاً كثيراً، وقد علمتني شيئاً من الفقه درسته وما فقهته وعلمتني إياه لما تخرجت من المعهد العالي للقضاء، جئت إليها وهي في سجادتها، قلت: يا أماه ادعُ الله لي ألا أكون قاضياً أعرف من نفسي أني لا أصلح لهذا، وأما القضاء فهو منصبٌ خيرٌ طيبٌ مبارك، هنيئاً لإخواننا الذين صبروا وصابروا وثبتوا ورابطوا من أجل نفع الإسلام والمسلمين فيه، فلما قلتُ لها: ادعٌ الله لي ألا أكون كذلك، قالت: يا مجنون! -بهذه العبارة- دراستك طيلة هذه السنين ما نفعتك، استغربت! وقلت: وماذا أنتظر أن تقول؟ قالت: لا أدعو لك بما تريد أسأل الله أن يقسم لك الخيرة المباركة من أمر الدين والدنيا. سبحان الله العلي العظيم! أريد شيئاً، ولكن خيرة الله هي خيرٌ لي مما أريد، فكانت دعوةً مستجابة، ولله الحمد والمنة. كانت تلومنا نور الله ضريحها، وقد أقعدت أربع عشرة سنة، تزحف آخر الليل على يديها وركبتيها إلى الحمام وربما غسلت بالماء البارد في الليلة الشاتية لتصلي آخر الليل، وتصلي وتوقظ جدي الذي تجاوز المائة وتوفي من سنواتٍ قليلة، فيتهجدان، ثم تنادي وتصيح: يا فلان يا فلانة وربما تصفق بيديها، فإذا نزلنا وسلمنا عليها تقول: كل الليل تنامون؟ هل أنتم مرضى؟ ثم تردد أبياتاً علينا من الشعر العامي تقول: يا نايم الليل كله ترقد ولا فيك عله لزماً تزور المقابر وترقد الليل والنهار كله نعم. تنكر علينا أن ننام الليل، تقول: لماذا هذا النوم كله؟ هل أنت مريض؟ هل أنت عليل؟ ستزور المقبرة وتنام ليلاً ونهاراً طويلاً، أسأل الله أن يجمعنا بها وإياكم في الجنة. لما كنتُ صغيراً أنا وأخي تعطينا المال لكي نشتري بها الكتب، إذا قلنا: نريد مالاً، لا تعطي، لكن نريد نشتري كتباً تخرج المال وتعطينا، وزيادةً على ذلك تقول بالعبارة العامية: "جعل العدو عينك، من يستطيع أن ينفع الناس ويبخل بذلك". أيها الإخوة! نحن بحاجة أن تتعلم الأمهات اللائي بلغنَ الأربعين والخمسين الدروس والمثل والقيم، وحسن التربية وحسن الأداء والتوجيه، لكي تصنع الرجال، الرجال لا يصنعون في الجامعات والمدارس والمعاهد: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراقِ أيها الإخوة! أحد الإخوة يقول عن خالةٍ له: كان كفنها عندها تحمله حيثما ذهبت ورحلت وسافرت، ومعه حنوطها، وكل ما يلزم لتكفينها وتغسيلها قال: منذُ عشرين سنة، وهي تدور بكفنها، بأي مكانٍ ذهبت تذهب به استعداداً للموت، ولا يفارق الموت بالها (أكثروا من ذكر هادم اللذات).

стр. 2489

قصة امرأة متصدقة إن المجتمع بفضل الله جل وعلا ما خلي من الصالحات، حتى من الفتيات، وأختمُ بهذا قبل أن أفرع من الكبيرات. أحد الإخوة في مدينة عفيف، رجلٌ فاضل؛ لما ماتت أمه فجع أهل عفيف بها، فعجب من شأنها وما كان يدري أن لأمه هذه المنزلة، فلما سأل عنها؛ عرف أنها كانت إذا هجع الناس في ليلٍ أو هاجرة تخرج إلى بيوت الضعفاء والمساكين، تأخذ من طعام وكساء بيتها وتقسم على الناس وتعطيهم وتواسي مصائبهم، وتتلمس حاجاتهم.

стр. 2490

فتاة تدعو إلى الله أما فتياتنا الملتزمات الصالحات نسأل الله أن يثبتهن، فأذكر قصة واحدة لفتاة توفيت منذُ مدة، أسأل الله أن يبدلها بزوجٍ في الجنة، وأن ينور ضريحها وأن يغفر لها، يقول لي أخوها: ما كانت تحضر زواجاً فيه منكر، وإذا حضرت زواجاً لابد أن تقسم الأشرطة والكتيبات وتوزع على جميع البنات، وأما المناسبات والولائم، فكانت تملأ بذكر الله جل وعلا، والدعوة إلى الله ، خطبها شابٌ من أهل منطقة القوعية أو قرب تلك الجهة، وحصل حادثٌ لها ولأبيها فماتت في الطريق مع والدها، ومات معهم أيضاً فتاةٌ أو امرأةٌ أخرى، وكانت قد رأت في المنام أنها قد فصلت قميصاً فلم تلبسه، فعبرت رؤياها قرب وفاتها ولم تخبر بذلك، وكتب الله ما كتب أن انتقلت بمنِّ الله ورحمته إلى جوار ربها، نسأل الله أن يغفر لها جوار رحمة ربها جل وعلا.
следующие страницы →