← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أعمال هيئات الإغاثة النصرانية أيها الأحبة: هكذا يعيش المسلمون في قسوةٍ أمام بقايا الشيوعية، الذين تعاملوا في أفغانستان، لا تظنوا أن الأوضاع في أفغانستان قد حولت الشعب إلى مسلمٍ، أو إلى شعبٍ مسلمٍ سنيٍ صريحٍ صحيح، بل لا يزال في أفغانستان وخاصةً في بعض مناطق الشمال، شيوعيون تعاملوا مع الروس، وقاموا بمحاصرة المهاجرين من أجل أن يقولوا للجمعيات العالمية إن لدينا لاجئين كثر، فلتهبط طائرات الإغاثة هنا، لكي نطعم هؤلاء اللاجئين، وبالفعل هبطت طائرات الإغاثة، من دولٍ مختلفة لإغاثة هؤلاء اللاجئين، ولكن كان اللاجئون مجرد وسيلة لهبوط الطائرات، ولما أفرغت شحناتها الإغاثية، أخذت مواد الإغاثة وبيعت في الأسواق من جديد، ليعود المسلمون يستسقون الظمأ، ويأكلون الجوع، ويعتصرون الألم. هكذا يصبح المسلمون ألعوبةً في أيدي هؤلاء الظلمة، ويصبح المهاجرون ورقةً رابحة من حاصرها واستولى عليها نال كثيراً من الإغاثات والمؤن. أيها الأحبة: إن واقع المسلمين هناك يحتاج إلى لفتةٍ إعلامية، ولفتةٍ إغاثيه، ووقفةٍ إسلامية، وحسبكم قول النبي ﷺ : (مثل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك ﷺ بين أصابعه) ولا يخفاكم قول النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر). فإن عضونا في طاجكستان يشكو فهل تداعى له سائر الأعضاء في مختلف البلدان؟! إن عضواً من المسلمين في طاجكستان ينزف، فهل تداعى له سائر الجسد في مختلف البلدان؟ إن عضو المسلمين في طاجكستان يشكو من الجراح والجوع والفقر والألم، فهل تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر؟! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 282

الجهاد في طاجكستان الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: إننا نعلم سراً حقيقياً واضحاً جلياً لمن ألقى السمع وهو شهيد، وهو أن هذه الهجمة المسعورة الشرسة إنما أرادت أن تئد حركة الجهاد من جديد في تلك المنطقة، إن كثيراً من شباب المسلمين قد هجروا حياة الدعة والنوم والراحة، وانخرطوا في حركاتٍ إسلامية في طاجكستان كما انخرطوا في أفغانستان! إن أفغانستان التي تشهد جبالها وهضابها ووديانها على دماء وأشلاء وجماجم كثيرٍ من بلاد المسلمين على مختلف الدول: من الخليج وغير الخليج، من هذه الجزيرة، من هذه البلاد المباركة، ومن بلدان آسيا وأفريقيا قد ذهبوا وجاهدوا في أفغانستان، وإن طاجكستان الآن تشهد وفوداً متتابعةً متواترة لإعادة الأمجاد من جديد على أرض طاجكستان، ومنذُ أيامٍ قليلة قتل سبعةٌ من الشباب العرب، وفيهم جملةٌ من شباب السعودية والخليج، إن هذا لمما يدلل أن في الزوايا خبايا! وأن بني عمك فيهم رماح، وأن شباباً إذا نودوا ودعوا إلى قمم العلياء وذرى المجد تركوا وودعوا وطلقوا حياة الدعة والراحة، وعادوا ليموتوا في سبيل الله، ولو لم يكن لهم إلا نصرة المظلوم -ودفع العدوان يعتبر نوعاً من الجهاد في سبيل الله- لكفاهم ذلك. قد يقول قائل: ومن يضمن أن تعود طاجكستان دولة إسلامية (١٠٠%) حتى يقاتل شبابنا هناك؟ نقول: إن القتال لإقامة دولةٍ إسلامية على أي بقعةٍ من البقاع إذا واتت الظروف لهو ضربٌ من ضروب الجهاد، وإن القتال أيضاً لدفع العدوان ونصرة المظلوم؛ هو أيضاً نوعٌ من أنواع الجهاد، قتيله بإذن الله شهيد، والمجاهد فيه والمرابط على أجرٍ عظيم. أيها الأحبة: بكل عبارةٍ صريحة، لم تتلق قضية الطاجيك اهتماماً في الإعلام العالمي، لماذا؟ هل تريد دوائر الإعلام العالمية الضخمة ذات الشبكات والمراسلين المتفرقين في أنحاء العالم أن يبعثوا جذوة الجهاد من جديد؟! لا والله. بل يتمنون أن ينشروا كل خبرٍ إلا عن الجهاد! وكل حادثةٍ إلا عن المجاهدين! وكل الغرائب إلا عن كرامات الله لعباده المجاهدين! فيا أيها الأحبة! افهموا هذا السر، واعلموا أن الوضع هناك هو نوع جهادٍ في سبيل دفع العدوان ونصرة المظلوم، فإذا أضفنا إلى ذلك أن من اهتم بالقضية الأفغانية دعوةً أو متابعةً أو مشاركة، قد استفاد من أخطائه هناك، لينشر الصواب في طاجكستان، فحينئذٍ تكون تجربةً نافعة بإذن الله. وإن مما نعلمه أن مما يميز طاجكستان أنها تحت قيادةٍ واحدة، ولا يوجد أحزاب متعددة تتقاسم القوة، أو تتصارع عليها، بل هناك أميرٌ معلومٌ مشهورٌ للمجاهدين، ودونه الضباط والمهندسين وأساتذة الجامعات والمعلمون، كلهم حوله ومشورته، والعسكريون يعملون بأمره، فهذا مما يشجع ويبين أن الانطلاقة تكون واحدة في ظل قيادةٍ واحدة، لنصرة إخواننا هناك.

стр. 283

أحوال اللاجئين الطاجيك أيها الأحبة: أعود بكم من جديد إلى اللاجئين الذين يعيشون في خيامٍ بالية، لا تقيهم حر الصيف، ولا برد الشتاء القارس، بالرغم من النداءات العديدة، والصرخات والصيحات، فإن جهود الإغاثة لا تزال قاصرةً عن تقديم ما حرموه، حتى ولو على الأقل أن يحصلُ على الخبز فترةً ولو متتابعة، إن مخيمات اللاجئين عبارةٌ عن أماكن يقيم فيها المسلمون، وهي في غاية السوء، وذلك لقلة ذات اليدِ من الأموال، ولا يوجد بها عنايةٌ صحية، أو أدويةٌ أو أغذيةٌ كافية. والمتأمل في أوضاع اللاجئين يعجب! كيف اهتمت المنظمات العالمية التي تعنى وتعلن وتدعي اهتمامها باللاجئين في أنحاء العالم؛ كيف اهتموا باللاجئين في مواطن كثيرة وأهملوا اللاجئين قصداً وعمداً في طاجكستان؟ وما ذاك إلا ليضطروهم إلى أن يعودوا من جديد للدخول في طاجكستان! هكذا يراد بالمهاجرين الذين هربوا من طاجكستان، يراد بهم في ظل الإهمال، وفي ظل عدم العناية، وفي ظل تجاهل أوضاعهم من قبل كثيرٍ من هيئات الإغاثة والمنظمات العالمية، يريدون أن يضطروهم ليقولوا: ما دام الموت هاهنا على العراء، وعلى جليد الشتاء، وقلة الغذاء والدواء، فلأن نموت في طاجكستان خيرٌ من أن نموت بعيدين عنها، فيضطروهم للعودة من جديد، ومن ثم تنتظرهم بنادق القناصة، وأجهزة الدمار الشامل التي تذبحهم ذبحاً جماعياً، وتتخلص من المسلمين تخلصاً تاماً. لقد اطلع شهود عيان على حجم المقابر التي يدفن فيها اللاجئون الطاجيك ذويهم وأسرهم وأبناءهم، فوجدوا أن مساحاتٍ غريبة شاسعة كبيرة توضح وتشهد أن عدد الوفيات بين الطاجيك كبيرٌ جداً بسبب انتشار الأمراض والأوبئة، فضلاً عن قيام بعض عملاء الشيوعية بوضع السم في مياه الآبار وبكميات محسوبة للقضاء على المسلمين بالتدريج، المسلمون مستضعفون، والمسلمون مستهدفون، والمسلمون مساكين، ومن لهم إلا الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله. إن أكثر من مليون شخص لجئوا إلى الجبال، وتحصنوا بها داخل طاجكستان يتلحفون بالجليد، وليس هناك منظمات دوليةٌ أو إقليمية تقدم لهم يد العون في تلك المناطق التي لجئوا إليها. لكنهم يفطرون على قصف الطائرات، ويمسون على ضرب المدفعية، وآخرون لجئوا إلى الدول المجاورة الشيوعية، خاصةً أوزبكستان، وغيرها من دول الاتحاد السوفيتي السابق.

стр. 284

الكفر ملة واحدة أيها الأحبة: إن إخوانكم ينتظرون يد الإحسان لتمتد إليهم، إن إخوانكم ينتظرون من يعينهم في الوقت الذي قامت حكومة الطاجيك الشيوعية تؤيدها حكومة الأوزبك، بتوزيع الأسلحة على الموالين في المنطقة الجبلية للحيلولة دون سيطرة المسلمين على مناطق الجبال، وما زالت كما قلت حملاتٌ ليست من الطيران الطاجاكي الشيوعي، بل حملاتٌ بالطيران من الجيش الأوزبكي: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]. لما أصيب الشيوعيون الطاجيك بهذه الضربات والمواجهة من قبل المسلمين قام الشيوعيون الأوزبك ليساعدوهم ويساندوهم بطيرانهم وأسلحتهم وكل ما لديهم؛ فيا ترى هل يقف المسلمون أمام ومع المقاومة الإسلامية التي ما زالت مستمرةً في الجبال؟ وإني أبشركم بما لقيناه من سفراء إخوانكم -لقيناهم هنا- وبما قرأناه من رسائل بعثوا بها إلينا، يقولون: إننا مصممون على مواصلة القتال أمام الطاجيك أشد وأطول من تصميم الأفغان، يوم أن طردوا الروس وأخمدوا الشيوعية! وهذه بشارةٌ عظيمة. إن الأفغان بدءوا بزجاجات الموليتوف الحارقة، زجاجةٌ مع قليلٍ من المواد الغازية والبنزين يضربون بها الدبابة، وخناجر مثلمة، وسيوفٍ قصيرة، وبنادق صيد لا تحمل إلا طلقةٌ أو طلقتين، وها هم الآن يتربعون على الطيران والمدفعية، ويطيرون بالطائرات التي يقصفون بها، ويركبون المروحيات التي كانت تطاردهم وتمشطهم سابقاً، ويمشون على الدبابات التي حاصرتهم زمناً طويلاً: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥]. من أراد وجه الله وجاهد في سبيل الله فستكون له الدولة والغلبة بإذن الله جل وعلا، فإن إخوانكم في طاجكستان قد عقدوا الخناصر، وتعاهدت أيديهم، وصدقت قلوبهم بإذن الله على مواجهة الشيوعية حتى يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وإنهم ليرون ضغوطاً أجنبيةً غريبة على حكومات مجاورة من أجل أن تمتنع تلك الحكومات المجاورة من مساعدة اللاجئين، خشية أن ينفجر الجهاد من جديد في طاجكستان. إن مواقع العالم الإسلامي ملتهبة، ويوشك أن يلتقي الماء على أمرٍ قد قُدر، يوشك أن تنفجر حركاتٌ جهاديةٌ من جديد، في خمس أو سبع مواقع في العالم، ليلتقي المسلمون على قلبٍ واحد في يومٍ من الأيام. هذا ما يخافه الغرب، وهذا ما يخشاه الكفار: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]. وإنكم لا تطئون موطأً يرضي الله إلا أغاظهم، ولا تمشون خطوةً في سبيل الله إلا أحرقت قلوبهم، فتقربوا إلى الله بالوقوف أمام الكفار، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤].

стр. 285

صورة لحجم معاناة المسلمين الطاجيك أحبابنا: أما أطفالنا، أما أبناء إخواننا المجاهدين، أما فلذات أكباد الطاجيك الأطفال، فإن حالات الوفيات اليومية متتابعة، نظراً لسوء التغذية، وكثرت حالات إجهاض الحوامل لنقص التغذية، وأكثر الأمراض انتشاراً: الحصبة والدفتيريا، والتهاب الكبد، وإن كثيراً منهم لبأمس الحاجة إلى مواقع مؤقتة ولو من الجريد وغيره، حتى يجتمع فيها الأطفال، فيتعلموا كلام الله ورسوله، ويتعلموا أمور الدين، قبل أن تتربع بينهم الجمعيات التنصيرية، فتعلمهم التنصير والعياذ بالله. فيا أحبابنا عليكم بمساعدة إخوانكم، فإنهم يحتاجون للباس والطعام والغذاء والدواء والسلاح، والمشاركة بالنفس وبالمال، فاستعينوا بالله، وإذا علمتم أن دوائر غربية قدمت واحداً وثلاثين مليون دولار لمساعدة المهاجرين الطاجيك الذين وصلوا إلى أوزبكستان! وهل واحد وثلاثين مليون دفعت حتى يحافظ على أبناء المسلمين؟! إذا كان القصد المحافظة فلماذا يقتلون بالطرف الآخر؟! دفع واحد وثلاثون مليوناً من أجل أن ينصروا، من أجل أن يقولوا إن الله ثالث ثلاثة، من أجل أن يقولوا: المسيح ابن الله، من أجل أن ينصروا ولا يعترفوا بمحمدٍ رسول الله ﷺ ! فيا أحبابنا: إنهم ينتظرونكم، وتعلمون الحديث: (أن رجلاً زار أخاً له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكاً فقال الملك للرجل: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في الله، فقال الملك: وهل لك من نعمةٍ تردها عليه؟ قال: لا، ولكنني أحببته في الله) فهل منا من يزور إخوانه الطاجيك في الله؟! هل منا من يمشي خطواتٍ يحتسبها لوجه الله بما يحمل من علمٍ أو طبٍ أو صيدلة، أو هندسة أو تجربة، أو تدريب ليساعدهم فإنه سيكون له أجرٌ عظيم بإذن الله جل وعلا.

стр. 286

الهجوم خير من الدفاع أيها الأحبة: لا مزيد على ما ذكرت في هذا المقام، وإن أحوالهم من تأملها ودرسها من خلال تقاريرهم ورسائلهم، لهي والله تنبئ بشناعة أحوال ما فعل الشيوعيون بهم، وإن ذلك يعني أن الشيوعية لا زال لها أذنابٌ يعملون، ولا زال لها عملاء يتحركون، وما زال وراء الشيوعيين شيوعيون آخرون: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] فعليكم بهم، وأعينوا إخوانكم. إن وقفة العالم الإسلامي مع إخوانه المسلمين في أفغانستان جعلت مخططات الغرب تجاه المسلمين تتقهقر إلى الوراء شيئاً كثيراً، وإن وقفتكم لهؤلاء تجعلهم يتأخرون إلى الوراء شيئاً كثيراً. وإن دعم المسلمين على سبيل المثال: للبوسنة والهرسك لأجل قيام ولو دويلةٍ إسلامية في قلب أوروبا، ليشغل أوروبا بنفسها عن أن تنشغل ببلاد المشرق وما تصدره إليه من الفساد والإلحاد، والجريمة والتغريب؛ فهكذا ينبغي أن تكون الضربات متكافئةً قدر الإمكان، وما أمرنا إلا أن نعد ما استطعنا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]. لو أن كل قوىً أرادت بالمسلمين سوءاً أشعلنا وفجرنا بين ربوعها وفي قلبها وفي وسط أراضيها قنبلةً تنشغل بها، لعاد أولئك ينشغلون بأنفسهم، عما أرادوا ويدبرون لإخواننا في كل مكان. نسأل الله بمنه وكرمه أن ينصر إخواننا المجاهدين الطاجيك، اللهم انصرهم، اللهم انصرهم، اللهم عجل نصرهم، اللهم سدد رصاصهم، اللهم أقم على الكتاب والسنة دولتهم، اللهم اجمع شملهم، ووحد صفهم، واقهر عدوهم، اللهم احفظ أطفالهم، اللهم آمن روعاتهم، واستر عوراتهم، وسدد قادتهم، اللهم لا تجعلهم يتفرقون، اللهم لا تجعلهم متفرقين، اللهم أعنهم بعونك، وأمدهم بنصرك، وأيديهم بتأييدك، وزلزل الأرض من تحت عدوهم.

стр. 287

الشعارات الزائفة تحدث الشيخ حفظه الله عن موضوع ينخدع به العوام من الناس، ألا وهو الشعارات البراقة التي يرفعها الزنادقة وأهل الكبر؛ ليضلوا بها الناس، ومن ذلك شعارات حزب البعث. ثم تحدث عن ما فعله حزب البعث في أهل الكويت، وقبل ذلك في مسلمي العراق وأهله تحت شعارات القومية التي يتشدق بها، ثم هو يزعم الجهاد عبر إذاعات وأقلام وأفواه مأجورة!

стр. 288

أنواع من الابتلاء الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، القائل في محكم كتابه: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يبتلي عباده بالسراء والضراء ليشكروه وليتضرعوا بين يديه، وأشهد أن محمداً عبده رسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق تقاته، وتتبعوا أسباب رضاه واجتنبوا أسباب سخطه، واعلموا أن التقوى سبب تفريج الكربات ودفع المحن والملمات ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. معاشر المؤمنين: لا يخلو زمن من الأزمان إلا وفيه ما فيه من مصائب الزمان ونوائب الحدثان: والليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيب وليست أمة من الأمم مخصوصة بنوع من البلاء دون غيرها حتى يأمن الآخرون فجائع الدهر: فجائع الدهر ألوانٌ منوعة وللزمان مسرات وأحزان وكلٌ ينال حظه من هذا الابتلاء ومستقل ومستكثر ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] وقديماً قيل: رب قوم أصبحوا في نعمة زمناً والدهر ريان غدق سكت الدهر زماناً عنهم ثم أبكاهم دماً حين نطق وقال الآخر: إذا ما الدهر جر على أناس حوادثه أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا معاشر المؤمنين: وقد تبتلى بعض الأمم بالسراء ويبتلى غيرها بالضراء ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] وكل أمر بتقدير الله جل وعلا وتدبيره وبالغ حكمته، وفيه حصاد العباد بما كسبته أيديهم ويعفو ربنا برحمته عن كثير: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم وقد تكون المصائب مرة: فتكون للجاهلين علماً، وللغافلين عظة وعبرة ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٥]. معاشر المؤمنين: إن ما يدور اليوم في منطقة الخليج، وما فعله البعثيون في المسلمين في الكويت لا يغيب على فكر مسلم غيور على دينه وعرضه، ولكن الجهل كل الجهل أن نفسر الأحداث والوقائع بالأسباب المادية فنظن أنها مشكلة حدودية، أو بسبب تضاعف قروض مالية ناسين أو متناسين أن ما أصابنا ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، ومن فجاءة نقمتك، ومن تحول عافيتك. معاشر المؤمنين: وقبل أن نخوض في وصف الأحكام وأخذ الدروس والعبر منها أود أن أعرف وأن يعرف الكثير من المسلمين من هم البعثيون؟ وما هو حزب البعث؟

стр. 289

عقائد حزب البعث حزب البعث أنشأه رجل نصراني يقال له: ميشيل عفلق نصراني لا يعرف له أصل، وهذا النصراني كان منشقاً عن الشيوعيين الملاحدة، إلا أنه أراد أن يقوم بحزب وجعل شعاره: (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) المهم أن يجتمع العرب تحت لواء هذا الحزب أياً كانت دياناتهم، وأياً كانت عقائدهم ومذاهبهم، وهم يرون أن النبي ﷺ ليس له منزلة إلا لأنه عربي فقط أما أن منزلة النبي بأن الله شرفه بالرسالة، وأكرمه بالنبوة، وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين؛ فذلك أمر لا يلتفتون إليه، ولا يعولون عليه، ولا يقيمون لهذا وزناً. وهذا البعث يجمع مخازي المذاهب والأفكار كلها، فحقيقة حزب البعث تقوم على ثلاثة مسائل: الأولى: أنه حزب علماني. الثانية: أنه اشتراكي. الثالثة: أنه قومي. ولا أقول هذا الكلام لأننا في مقام العاطفة أو نقد العدو، وإنما نقول: ارجعوا إلى وثائق البعث وما كتبه البعثيون بأنفسهم، وما أعلنوه في مؤتمراتهم ولقاءاتهم لتجدوا أن هذا الكلام يعترفون به ويقرون به أولاً وآخراً.

стр. 290

علمانية حزب البعث وأما علمانية حزب البعث فحقيقتها: فصل الدين عن الدولة، ويعني ذلك: أن تسير أمور الدولة بما يوافق المصالح المادية والاستراتيجيات التوسعية أياً كان هذا الأمر حلالاً أو حراماً. وإن سألتم عن الدين يقولون: الشخص نفسه له أن يمارس حدوده أو ما أراد من أموره الدينية في حدود شخصه فقط، وليس له أن يجتمع مع أحد باسم الدين، أو يتعاون مع أحد باسم الدين، أو يلتقي مع أحد باسم الله، وإنما غاية الدين عند البعثيين أن تتناول ما تشاء، أو تشرب ما تشاء، أو تأكل ما تشاء، أو تلبس ما تشاء، أو تفعل ما تشاء، فأنت لك الحرية فيما يتعلق بشخصك فقط، وأما ما يربطك بالآخرين وما يجمعك مع الآخرين فلا يسمح البعثيون بهذا؛ يظنون أنه تدخل من الدين في أمور الحياة، وعلمانية الحزب تمنع ذلك على من أراد أن يفعل منه شيئاً.

стр. 291

شعار القومية عند البعث الأمر الآخر يا عباد الله! أن حزب البعث قومي، ومعنى قوميته: أنه للعرب وحدهم فقط، وما سوى ذلك من المسلمين فلا يقيم هذا الحزب لهم وزناً، بل إن البعث لا يقيم للإسلام وزناً وإنما يقيم الوزن للعرب لكونهم عربا، ويمكن أن ينطوي تحت لواء البعث العلماني والشيوعي والنصيري والدرزي والخبيث والرافضي والقادياني وكل من له بدعة، المهم أن يكون عربياً سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو وثنياً مشركاً أياً كان لا يلتفت لهذه الأمور فقط وإنما هو حزب عربي. فمن كان عربياً فالحزب يعترف به ويتعامل به، ومن لم يكن كذلك فلا يقيم الحزب له وزناً، وهذا الكلام متناقض مع ما يفعله البعثيون اليوم، أليس جيرانهم من أهل الكويت وغيرهم من العرب؟ فلماذا يفعلون بهم هذا؟ نعلم من هذا أن هذه شعارات زائفة براقة يخدعون فيها سذج الناس وبسطاء الخلق ليجرّوهم للانضمام تحت هذه الأحزاب، وما سوى ذلك فإن الحزب كله جامع لحقد يهودي ونصراني وعلماني وإلحادي وشهوات شخصية بشرية بحتة لا يلتفت إلى ما سواها. الأمر الثالث من أركان هذا الحزب: أنه اشتراكي: فيقولون بمبدأ حزبهم أنه لا يجوز أن تكون السعودية مثلاً غنية والبعثيون فقراء، أو أن يكون الكويتيون أغنياء والعراقيون فقراء، أو لا يكون أهل الخليج أغنياء والعراقيون فقراء، بل إن الحزب يجمع على شعار الاشتراكية، ويعني هذا: أن يشترك العرب كل العرب بما فيهم من اليهود والمجوس والنصارى والعلمانيين والإلحاديين والقاديانيين والبعثيين والنصيريين والدروز وكل الطوائف الضالة الكافرة كلهم يتمتعون بخيرات الأمة العربية. الأمة العربية -يقولون- لابد أن تقسم خيراتها على جميع أبناء الأمة العربية، وكذبوا وخسئوا، لو صدقوا في ذلك لكانت خيرات العراق تعود على أبنائها، ولكن قيادة البعث ثرية غاية الثراء، وبقية الشعب في منتهى الفقر والذلة والمسكنة وقلة الحال وذات اليد، فهذه الشعارات ساطعة براقة، فهذه شعارات زائفة يرفعونها ليخدعوا بها السذَّج والبسطاء. والمصيبة كل المصيبة: أن أبناء المسلمين أو من شبابهم يوم أن يسافر إلى بعض دول الخارج أو يوم أن يكون منحلاً من دينه غير ملتزم بأوامر ربه؛ تجده يدخل هذه الأفكار، وتداعبه الأحلام الماسية، يظن أنه سينعم يوماً ما بأهداف البعث وما يعدونه به، وما علم أنهم يستخدمونه مطية لكي يصلوا به إلى ما يريدون وما يشتهون، ثم بعد ذلك جزاؤه أن يرمى أو أن يقتل، وما أكثر البعثيين من أبناء الحزب الذين اختلفوا مع قادتهم فقتلوا وصفوا، وحسبكم أن مائة وعشرين ضابطاً من ضباط الحزب وبعضهم من العراقيين لما تناقشوا في قضية غزو الكويت كان مآلهم أن يقتلوا وفتحت الرشاشات على صدورهم قبل لحظات الغزو، أفبعد هذا ينخدع مسلم بهذه الشعارات البراقة، وهذه المناهج الزائفة؟ والله إن أمة العرب كانت أهون على الله من الجعلان والجنادب والجراد والخنافس، وليس لأمة العرب وزن إلا بالإسلام؛ فمن أراد أن يرفع العرب لأنهم عرب فإن أبا لهب وأبا جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط من أصلاب العرب ومع ذلك فإنهم في الدرك الأسفل من النار.

стр. 292

العرب بين الإسلام والبعث إن العرب ليسوا بشيء ما لم يكونوا بالإسلام؛ فإن قاموا في الإسلام فهم وغيرهم من أمم العالم شرقيه وغربيه يتنافسون في هذا الدين وكلاً ينال حظه منه. أليس البخاري من بخارى؟ أليس أبو داود من سجستان؟ أليس الترمذي من ترمذ؟ أليس علماء الإسلام كلهم من مختلف بلاد العالم؟ ما الذي رفعهم: هل رفع البخاري أنه عربي؟ هو من بخارى، هل رفع الترمذي لأنه عربي؟ هو من ترمذ، هل رفع مسلم بن الحجاج أنه عربي؟ بل هو من نيسابور، إذاً ما الذي رفعهم؟ رفعهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن أراد أن يرفع في العرب راية القومية فرايته فاشلة، وهذه الراية يا عباد الله سبق وأن صفقت لها سذج الجماهير وبسطاء الناس أيام جمال عبد الناصر وما ذلك علينا ببعيد، قام الناس يريدون أن يجعلوا للأمة زعامة عربية يجتمعون باسم العربية، وينضوون تحت لواء العرب، وتجمعهم الرابطة العربية، ولكن حتى هذه الرابطة العربية تنقسم أقساماً فيما بينها، فالمصريون وهم عرب يختلفون فيما بينهم هؤلاء عرب من هذه وهذه، فالعراقيون وهم عرب يختلفون فيما بينهم، والنجديون وهم عرب ينقسمون فيما بينهم، واليمنيون وهم عرب ينقسمون ويتفرقون فيما بينهم؛ إذاً فرابطة العربية رابطة لا تنضبط ولا يمكن أن ينضوي تحت لوائها ولو عشرة أشخاص؛ لأن كل واحدٍ منهم ينزع إلى قبيلة. فإذا كنت تتفاضل على هؤلاء بأنك عربي فالعرب بعضهم قد يرفعونها عصبية فيتفاضلون فيما بينهم بقبائلهم، والقبيلة الواحدة يرفعونها عربية فيختلفون فيما بينهم بتفاضل أفخاذهم على بعض، والفخذ الواحد يتنازعون فيما بينهم بتفاضل كل أسرة وعائلة على بعض. إذاً: فالعربية ليست رابطة، إنما الرابطة الإسلام، إن الذين يطبلون وينعقون في هذه الإذاعات البعثية يريدون أن يجمعوا الأمة تحت لواء العرب هذا لواء فاشل، هذا لواء مدحور، هذا لواء مستهلك أراد عبد الناصر أن يجمع العرب به ففشل، وانكشفت أطماعه، وأخزاه الله، وولى إلى قدر الله نسأل الله أن يجازيه شر ما جزى طاغية في فعله، ألم يعذب المسلمين وهم عرب؟ ألم يقتل الإخوان المسلمين؟ ألم يشنقهم في السجون؟ ألم ينصب لهم ساحات الإعدام؟ ومع ذلك ما نفعهم أنهم عرب بين يديه؛ إلا أن حقيقة الأمر تعود إلى حقد الإلحاد وإلى بغضائه وكراهيته في العقيدة. فينبغي -يا معاشر المؤمنين- حينما نقع في مصيبة من المصائب ألا نفزع لكي نسمع التحليل الاخباري من إذاعة لندن أو نسمع إذاعة مونتكارلو أو أي إذاعة بل نفزع إلى كتاب الله، ماذا يقول الله جل وعلا؟ ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء:٨٣] لو أن كل حدث نرده إلى كتاب الله وسنة رسول الله لعلمه الذين يستنبطون الفقه ويعرفون أحكام الشريعة لا أن نصدق ما تقوله الإذاعات، وحسب مسلم جهلاً وغفلة وبلاهة وسخافة أن يأخذ الفكر من هذه الإذاعات. إن الإذاعات التي تطنطن وتطبل من هذه الأحزاب الضالة والله ما تبني في مسلم شهامة، ولا ترفع فيه كرامة، ولا تجعل له من الدين آية أو راية هذه حقيقة البعث حزب علماني، فصل الدين عن الدولة، لا مكانة للقرآن والسنة فيه، حزب قومي يجمع العرب أياً كانوا يهوداً أو نصارى أو مجوساً أو دروزاً أو بعثيين المهم أنهم عرب، حزب الاشتراكي لا بد أن تنتزع رصيدك الذي في البنك وأقسمه فيما بيني وبينك وأنت يا من تملك السيارتين لا بد أن تقسم بيني وبينك هذه مزاعمهم، وهذه أفكارهم، فهل بعد هذا يظن مسلم أن هذه العناصر التي يرفعها هذا الحزب ليست معقولة فعلاً فضلاً أن تطبق واقعاً، لا يمكن أن نتصور أن نستطيع أن نجمع أمة على رباط علماني قومي اشتراكي. أليست لبنان أريد لها أن تكون دولة اللبنانيين أجمع بما فيهم الدروز، وبما فيهم المليشيات المسيحية، وبما فيهم النصرانية وبما فيهم مختلف الطوائف؟ هل استطاعت لبنان أن تجمع دولة واحدة تحت جنسيات وعقائد مختلفة؟ لا؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٣٩] لأن الفتنة في بقاء هذه المذاهب، وفي مدى بقاء هذه الجنسيات، وفي بقاء هذه الأحزاب والتيارات: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] حينما يكون الدين لله، والحكم لله، والأمر لله، والتشريع لله، حينئذٍ تستقر الأمة، أما أن يراد لأمة من الأمم أن تكون دولة وتحتها أحزاب مختلفة وترفع شعارات متباينة، تريد أن تجمع الناس خليطاً مزعجاً مشتركاً من العقائد والمذاهب والتيارات؛ هذا لا يمكن أن يتحقق تخيلاً فضلاً أن يطبق واقعاً.

стр. 293

زعم البعث للحرية معاشر المؤمنين: ويزعمون خداعاً للسذج والبسطاء: أن هذا الحزب يرفع شعارات الوحدة والحرية، ولذلك انخدع بهم وانكشف من انكشف معهم من أذنابهم في الجنوب والشمال وعرفوا على حقيقتهم، ولكن اعلموا وخذوها قاعدة: (إن الذي ليس على دينك لا يعينك) قالتها العوام والعجائز والشيوخ. والله هذا أمر حقيقي، ظننا أن بعض الأمم يمكن أن يجدي فيها المعروف وبسط المعونات والمساعدات، وفي هذه اللحظات الحرجة نجد النكوص والغدر بالعهود والمواثيق ولكن حسابهم مع الله قريب، نسأل الله أن يرينا فيهم أسوأ ما رأيناه.

стр. 294

سفاح يعظ جنوده بالجهاد في سبيل الله معاشر المؤمنين: وأما ما رفعه ذلك الطاغية البعثي -الذي يجلّ المنبر عن ذكر اسمه- وحزبه أولاً: الجهاد في سبيل الله عبر إذاعة مستأجرة بالأموال، وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، إذاعة استأجرت حناجر بالأموال، وأقلاماً بالأموال لتكتب عن الصف ولتطنطن في الإذاعات، وماذا بعد ذلك يا عباد الله؟ أخذوا يرفعون شعار الجهاد في سبيل الله وتحرير الحرمين، وعجبت يوم أن سمعت هذا: خرج الثعلب يوماً في ثياب الواعظينا ومضى في التو يمضي ويسب الماكرينا يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا أصبح فرعون واعظاً! متى عرفت الثعالب بالأمانة؟! متى عرف فرعون بالوعظ والإرشاد؟! أفي هذه اللحظات خرج ذلك الطاغية البعثي يصيح عبر الحناجر المأجورة والأقلام المستأجرة يرفع نداء الجهاد في سبيل الله، هل يرفع نداء الجهاد في سبيل الله الذي قتل الأكراد في كردستان، منطقة يسكنها الأكراد السنة تتنازعها خمس دول، إقليم يتاخم الاتحاد السوفيتي، وإقليم يتاخم تركيا، وإقليم يتاخم سوريا، وإقليم يتاخم العراق، هذه الأقاليم المتاخمة في وسطها بلاد اسمها كردستان أغلبهم من السنة، هؤلاء كان عدواً لدوداً لذلك الطاغية المجرم، ولما أراد أن يفتك بهم ماذا فعل؟ أرسل الطائرات فضربتهم وجعلت بلادهم خراباً بل قاعاً صفصفاً كأنه ليس بها على ظهر الأرض أحد، ولما فر من فر من النساء والأطفال والعجائز والشيوخ قابلتهم الناقلات والشاحنات التي تحمل المواد الغذائية، ففرغت المواد الغذائية هذه الناقلات وحمل فيها الأطفال والعجائز والأرامل والشيوخ، فلما بلغه الأمر قال: الآن الفرصة! اضربوهم وهم في صناديق الشاحنات، فتوجهت الطائرات وأنزلت قذائفها على كل شاحنة تمتلئ بالبشر، وعندي صور تدل على هذا، لا أقول هذا جزافاً لا والله بل عندي صور ورأيت فلماً مصوراً من التلفزيون الاسكندنافي من أوروبا نقل عبر الأقمار الصناعية في هذه المذبحة التي بلغ عدد ضحاياها أكثر من ثلاثمائة ألف. هل الذي يفعل هذا يرفع الجهاد في سبيل الله؟! هل الذي يفعل هذا بالمسلمين يرفع الجهاد في سبيل الله؟! هل الحزب يحرق عالماً من علماء العراق بالنار لما امتنع من أن يؤيد الاشتراكية والبعثية؛ صبوا عليه البنزين وأحرقوه بالنار، هل يرفع الجهاد من يفعل هذا؟ كيف تنطلي على أمة المسلمين هذه الألاعيب وهذه الحيل؟! إن كثيراً من الأمم قبلهم قد رفعوا شعار الإسلام ليصلوا في ذلك إلى أطماعهم ومؤامراتهم ومع ذلك ما كان العلماء والفطناء والأذكياء يغفلون عن هذه الشنشنة الأخزمية التي عرفت من أولئك الفجار الذين يتلاعبون بعقول الأمة، ولكن الحقيقة تفرض نفسها إن الإعلام يعبث بالشعوب، ولذلك لما رفع ذلك الطاغية شعار الجهاد في سبيل الله تطوع عدد من السذج في بعض البلدان المجاورة وقالوا: نحن جنود لهذه الطائفة، وإن كنت تريد أن تغزو إسرائيل أليست إسرائيل جارة للبعثيين، لماذا لم ينل إسرائيل طلقة رشاش واحدة؟ إن كنت تريد الجهاد فالميدان قريب ولا يحتاج إلى مسافة، وهل رفع الجهاد إلا في هذه اللحظة التي دخل فيها جنودهم وسرقوا الأموال وخوفوا الآمنين وشردوا المطمئنين؟ كيف تنطلي على العقول لعبة ما يسمى بالجهاد في سبيل الله. إننا أولى أن نرفع هذه الراية، وإننا أولى بها أن نعلن الجهاد في سبيل الله ضد البعثيين الملاحدة الكفار، ولا طمأنينة إلا برفع راية الجهاد في سبيل الله: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) (وما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا) فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة: (إذا رضيتم بالزرع، وتبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر؛ سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم). والله ثم والله ثم والله إن ما حل بـ لبنان والكويت وأفغانستان وكشمير ليس ببعيد أن يحل بنا ما لم نجاهد في سبيل الله ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] ماذا يفعل الإعداد؟ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦٠] ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦٠]. نعم يا عباد الله! إن الإعداد يوم أن تعلم الشعوب المجاورة أن الشعب السعودي شعب مجند، مدرب، يحمل السلاح ويعرف إطلاق النار، ويلبي نداء الجهاد، وفي أي لحظة يقدم كفه على روحه وليمت من يمت وليقتل من يقتل هكذا تبقى الأمة: وفي القتلى لأقوام حياة وفي الأسرى فدىً لهم ورق ما لم تقدم الأمة ثمناً للأمن والرخاء والطمأنينة من فلذات أكبادها وإلا فإن دورة الحياة دائرة، دورة الأمن والرخاء والطمأنينة تدور دورة، ثم تنتهي بخلود الناس وتوجههم إلى الترف والرفاهية والعبث بملذات الدنيا، لا نريد هذا نريد أنفسنا وشبابنا يقفون في أي لحظة وهم مستعدون أن يتوجهوا إلى الجبهات كلٌ يعرف ثكنته وقائده ومهمته؛ بهذا تحفظ الأمة نفسها. والله يا عباد الله! لا يحفظ البيت إلا صاحبه، ولا يحفظ الدار إلا بانيها، وإننا نسأل الله جل وعلا أن يجعل في هذه الأمة خيراً وبركة، ولا يزال فيها كثير من الخير بل الخير كله إلا ما شاء الله بما كسبت أنفسنا، نسأل الله أن يبارك لنا في ذلك، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. ثم اعلموا يا عباد الله! أن الذي يرفع هذا اللواء ليحرر فلسطين ليس هو ذلك الذي جاء بالحديث في آخر الزمان: (تقاتلون اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم ورائي يهودي تعال فاقتله) ولم يرد في الحديث يا بعثي ورائي يهودي تعال فاقتله فماذا يرجى من هذه الدعايات المضللة التي تغني صباح مساء: آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني هل ينتظر من هؤلاء الملاحدة أن يرفعوا للإسلام راية أم أن يجاهدوا في سبيل الله؟ إذاً: فاعرفوا ذلك معاشر المسلمين، أما دعواه أنه سيضرب إسرائيل فوالله ثم والله: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع والله لا يستطيع ولا يجرئ على غزو اليهود إلا مسلم يتحرك بذلك؛ ليس لأجل العرب وإنما لله ولأجل الله وفي سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، وأما ما سوى ذلك فلن يستطيع بأي حال من الأحوال. معاشر المسلمين: إن الذي يرفع راية الجهاد ليس هو الذي يفرض عقوبة الإعدام على من يدخل أشرطة إسلامية في البلد، إن من وجدت في حوزته أشرطة إسلامية من الخطب والندوات والمحاضرات لعدد من العلماء عقوبتها الإعدام، فهل الذي يرفع الجهاد في سبيل الله يعاقب بالإعدام على هذا؟ كذلك: هل الذي يرفع راية الجهاد في سبيل الله يقتل آلاف المسلمين، ويجعل عقوبة المحافظة على الصلاة مع الجماعة بانتظام أن يكون صاحبها مشبوهاً يتابع ثم يعاقب بالسجن والأعمال الشاقة؟ أهذه صفات وسمات من يرفع راية الجهاد في سبيل الله؟

стр. 295

العبرة من حادثة غزو صدام للكويت واعلموا يا معاشر المسلمين: أن الأمة ما لم تستفد من هذه الحادثة درساً وعبرة وآية عظيمة فمتى تعتبر إذاً؟ متى نعتبر إذا لم نعتبر بالمسلمين ولما حصل لإخواننا وجيراننا، واعلموا أنها ليست الأولى، إن ما فعل بالكويتيين فعل بالأفغان نقطة نقطة دقة بدقة. والله إن ما فعل بالكويتيين فعل بالأفغان، أخرجوا من ديارهم، وقتلوا، وشردوا، وحملت بناتنا، ورمين عرايا من على الطائرات، وعلق الأطفال في أغصان الشجر، وسلخوا كما تسلخ الشياه، وتسلخ فروة الرأس من الجمجمة ألوان من التعذيب، في منطقة من مناطق بنشير في الشمال فيها خمسمائة مسلم دكدكتها الطائرات وانتهت وليس لها وجود أبداً. إن ما يفعل بـ الكويت سبق وأن فعل بـ أفغانستان وفعل بالمسلمين السنة في لبنان، ولكن هل نعتبر يا معاشر المسلمين؟! مع أننا على أمل وثقة بالله أن الله جل وعلا سيرفع هذا العدوان، وستعود الكويت لأهلها ولأبنائها ورجالها، وعسى الله أن يجعلها بعد ذلك دار عز وتحكيم لكتاب الله وسنة نبيه ووحدة على كتاب الله وسنة نبيه لإعلاء الدين والأمة. معاشر المسلمين! إن ما حل بالمسلمين بـ الكويت لا يمكن أن ينساه التاريخ وسيبقى في سجل التاريخ مدوناً حرفاً حرفاً، فصلاً فصلاً، مشهداً مشهداً؛ لأن الناس أصبحوا يشكون هل هم في حلم أم في يقظة، إن منهم من يقول: هل أنا الآن في أحلام على فراش أم أنا في يقظة أتعامل مع الأحداث وأنا حي يقظ؛ من شدة الهول والفاجعة في مرارة المأساة. وهذه أمثلة ورأيتم عبر الشاشات والتلفاز والإذاعات وسمعتم ما حصل وما ذكره إخواننا نسأل الله أن يفرج وأن يرفع البلاء عنهم: سيارة خرجت في ثمانية عشر شخصاً، رب أسرة مع أسرته وأولاده وبناته يتوجه فراراً بعرضه -لأنهم بدءوا بالأعراض قبل الأموال- وبدينه وبنفسه وما الذي حدث؟ وجد المنافذ الحدودية مغلقة، فسلكوا الطرق البرية فتعثرت السيارة في الرمال، ولم يكن حولهم من يسعفهم حتى جاء رجال الإغاثة؛ فوجدوا من في السيارة ما بين طفل وأم وبنت قد ماتوا ثمانية عشر ماتوا من الجوع. وليسوا وحدهم يا عباد الله! بل الذين ماتوا كثير لكن هذه الحادثة مات بها أقوام من العطش والجوع في الرمال بسبب من؟ ولوجه من؟ ولأجل من؟ ولمصلحة من؟ لهذه النزوات البعثية الحاقدة على الإسلام والمسلمين. وما حال المسلمين في تلك اللحظات، اجتاحوا وفي المستشفيات نساء يلدن؟ يعانين آلام الطلق والولادة، اجتاحوا المدينة وفي المستشفيات من المعوقين والمشلولين والذين هم في غيبوبة الذاكرة أخرجوهم ورموا بهم في الطرقات والشوارع منهم من مات في مكانه، ومنهم من جاء من يسعفه لأجل من؟ ولوجه من؟ وفي سبيل من؟ هذا سؤال لا يوجد له جواب أبداً في هذه اللحظات، هناك من كانوا يغسلون موتاهم، هناك من كانوا يدفنون موتاهم، هناك من كانوا يشهدون جنائزهم، مصيبة لا تعدلها مصيبة، أناس قد أمسوا آمنين فأصبحوا مشردين، أناس أمسوا أغنياء فأصبحوا فقراء، أمسوا مجتمعين وأصبحوا مشردين، كل هذا لمن؟ لا تجد جواباً إلا أنه إشباع لهذه النزوات التوسعية البعثية الحاقدة على الإسلام والمسلمين. والآن في هذه المدينة مزارع خاوية ليس فيها إلا الهزال من الشياه والماعز، وفيها قصور تعبث بها الريح وتصفر في ردهاتها وجنباتها، لماذا شردوا أهلها؟ لماذا طردوا عنها؟ لوجه من؟ ولمصلحة من؟ كلها مصيبة من أعظم المصائب. ومما يدلكم على أنه عدوان مادي توسعي حاقد: أن أحد إخواننا من رجال الإغاثة قابل أسرة كويتية ملطخة بالدماء، فقال: ما الذي بكم؟ قالوا: كان معنا رجل ومعه ساعة ثمينة، فقال الجندي الحاقد: أعطيني الساعة، فرفض أن يسلمها له؛ ففتح الرشاش على جسمه وصدره، ثم تناثر دمه حتى لطخنا كما ترى والحال هذه، كل هذا لا تجد له جواباً إلا أن أولئك اجتمعوا على الكفر والباطل، ونحن يا أمة الإسلام ينبغي أن نجتمع على راية التوحيد وكلمة الإيمان. إن ما حل لم يحل بالكويتيين وحدهم بل حل بالمسلمين أيضاً قبلهم، ومع ذلك فهل نعتبر؟ هل نجد من هذا عبرة؟

стр. 296

الثقة بالله رأس كل شيء أعود بعد ذلك إلى فصل خطير من هذه القضية ألا وهو: مشاركة القوات الأمريكية لا أقولها معترضاً لا، وإنما أقولها سائلاً الله أن يجعل مجيئهم سخرة لنا، نسأل الله أن يسخرهم لنا، وأن ينفعنا بما عندهم من علومهم وأن يدفع البلاء عن المسلمين أجمع هذه القضية صار فيها هرج ومرج، ولكن فلنفهم جيداً أن الأمريكان أهل كتاب نصارى أما البعثيون الذين يقولون: آمنت بـ البعث رباً لا شريك له فإنهم لا يؤمنون بالله فهذه استعانة بنصراني على ملحد بعثي غاشم، افهموها جيداً ولا تعبث بكم الأهواء والأفكار أو حديث المجالس واللقاءات الخاصة، وبعضكم لا يدري كيف يحلل الوضع جيداً. والأمر الآخر يا عباد الله! أن الناس كانت أيديهم على قلوبهم من الفزع والخوف والقلق قبل وصول القوات الأمريكية، فلما وصلت اطمأنوا جميعاً! نحن لا ننزعج من وصولها ولكن ننزعج من أن الناس ارتبطوا بهذه القوة ولم يرتبطوا بالله، هنا الخطورة. يوم معركة بدر كم كان عدد الصحابة؟ وكم كان عدد المشركين؟ كان عدد الكفار ثلاثة أو أربعة أضاعف المؤمنين، ومع ذلك القلة المؤمنة انتصرت على الكثرة الكافرة، ويوم حنين كان عدد الصحابة اثنا عشر ألفاً وعدد الكفار ثلاثة آلاف فهزم المسلمون في البداية ففي بدر كان المؤمنون قلة والكفار كثرة فانتصروا؛ لأنهم تعلقوا بالله تعلقاً وقطعوا الأمل بما سواه فنصرهم الله جل وعلا وما النصر إلا من عند الله ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]. عدد الصحابة اثنا عشر ألفاً وعدد الكفار ثلاثة آلاف فانتصر الكفار في البداية. إذاً: هل الذي يحقق النصر هو القلة والكثرة أم الله جل وعلا؟ إنه الله جل وعلا؛ فلنرتبط بالله، ولنعلم أن الأمر بالله، ولنلح بالدعاء وسؤال الله جل وعلا أن يهلك هذه الأمة الظالمة الفاسدة. ومن المصيبة أن من شبابنا أو رجالنا -ولا أقول كلهم- من يجلس يحلل الأحداث على ضوء ما يسمع من الإذاعات والنشرات والتحليلات وعلى ضوء ما عند الدول والقوات والعدد والعتاد، وينسى أن يجعل الأحداث مرتبطة بمن أحدثها ومن قدرها ومن خلقها ومن له المشيئة والحكمة البالغة فيها. مثال ذلك: شخص في هذا المكان فلا يرى مخرجاً إلا مع هذه الأبواب المفتحة، أما المسلم فيرى في كل نسمة وذرة من هذا المسجد مخرجاً له لماذا؟ لأنه يرتبط بالله والله قادر أن يفتح له أبواباً عديدة. فينبغي أيها الأحبة ألا نظن أن النصر، أو هزيمة الكفار البعثيين، أو أن خلاص الأمة من هذه الأزمة مرهون بهذه الأمور التي نراها ونسمعها في الأحداث والتحليلات، بل إن لله أمراً لا نعلمه: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢] فعند الله أمر لا تعلمونه، فاسألوا الله هذا الأمر الذي به الفرج والنصر والعزة وما ذلك على الله ببعيد. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 297

دعوة لمساعدة أهل الكويت في محنتهم الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. معاشر المسلمين: إن واقعنا الآن يحتاج إلى نجدة، ويحتاج إلى نخوة، ويحتاج إلى إيثار، ويحتاج إلى تضحية لنقف مع إخواننا أبناء الكويت؛ علنا أن نجزيهم أحسن ما صنعوا بالمسلمين في أفريقيا، إن المعروف لا يضيع، وذلك مثل: لجنة الدعوة الإسلامية، وهي لجنة كويتية ذات أعمال إسلامية نافعة رائعة، ولجنة مسلمي أفريقيا، لجنة كويتية لها نشاط لا يمكن أن ينكر في بلاد أفريقيا. إخواني! إن أبناءنا وأمهاتنا وأصهارنا وأنسابنا وأقاربنا وأحبابنا الدعاة إلى الله الصالحين من أهل الكويت! إن للجميع حقاً علينا فلا بد أن نقوم به، وذلك بالمشاركة في أعمال الإغاثة، وهذا أوان بذل المقصود والمطلوب؛ فمن تأخر عن هذا الصيف ضيع اللبن! إذا لم تفزع الآن فمتى تفزع؟ إذا لم تتحرك الآن فمتى تتحرك؟ متى تهب لنجدة إخوانك؟ إن هيئة الإغاثة الإسلامية المتفرعة عن رابطة العالم الإسلامي وهي تقع على الخط الدائري في الجهة الشرقية من الخط الدائري بعد مسجد الرسي تستقبل جميع تبرعاتك، وإخوانكم وأحبابكم في هذا المسجد ومحدثكم إلى الله الفقير إلى الله عضو فيها نستقبل تبرعاتكم ومعوناتكم، وسنجعل على الأبواب من يجمع التبرعات الآن؛ فرجائي أيها الأحبة أن تهبوا لنجدة إخوانكم وأن تفزعوا لمساعدتهم وأن تبذلوا بذلاً سخياً طيباً ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] ينبغي أن نبذل وألا نخشى فقراً ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة:٢٦٨] فمن أنفق أُنفِق عليه، ومن تصدق تُصدق عليه، والصدقة تدفع الخطيئة وتدفع البلاء وتطفئ غضب الرب. والأمر الأهم من هذا أيضاً: الدعاء الدعاء يا عباد الله! اجتهدوا في الفجر وفي صلاة الوتر وفي جميع الصلوات أن تسألوا الله جل وعلا لإخوانكم أن يفرج الكربة، وأن يرد الأهل إلى ديارهم وبيتهم، وأن يعزهم، وأن يجمع شملهم من جديد، وإلا فإن المصاب ليس بهين أبداً، كل واحد منكم: ما شأنك الآن لو أنك الآن لا تعرف أين زوجتك؟ أو أنت لا تعرف أين أختك أو بنتك؟ أو أنت لا تعرف أين ولدك، أو لم تجد بيتاً تسكنها، أو لا تجد مالاً، أو سيارتك واقعة أمامك لا تجد مالاً تشتري به وقوداً تقودها؟ الأمر ليس بهين طفلٌ يبكي يريد حليباً وليس في جيبك ريال، ماذا تفعل أمام هذه المصيبة؟! وأم جف ثديها بهول الفاجعة، ماذا تفعل أمام هذه المصيبة؟! أو بنت انتهك عرضها وأنت ترى ماذا تفعل أمام هذه المصيبة؟ هذه تحتاج إلى فزعة ونجدة فافزعوا وابذلوا لوجه الله جل وعلا والدعاء الدعاء. وأوصي الإخوة الذين يقومون على أعمال الإغاثة في المدارس أن يطلبوا من الساكنين في المدارس من إخواننا الكويتيين والساكنين في مختلف المساكن والمجمعات أن يقوموا قبل الفجر بساعة وأن يسألوا الله أن يفرج كربتهم، والله هذا هو السلاح، الذي به ترد الحقوق، وبه يشفي الله صدور المؤمنين من الكافرين، وبدون هذا إن نحن نتكل على قوة فإن القوة خذلت المؤمنين والرسول معهم، الكثرة ينبغي ألا نتكل عليها بل نعتمد على الله جل وعلا ثقة بالله وثقة بنصر الله ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] من هنا نجد طريق النصر، البذل والإيثار والدعاء والتقرب إلى الله بترك الذنوب والمعاصي. إن من شبابنا من لم يزالوا في غفلتهم وكأن شيئاً لم يكن، لا زالت شلل البلوت تجتمع، ولا زال بعضهم يجتمعون على الطرب، ولا زال بعضهم يسهرون، ولا زال بعضهم يسمعون ويغنون وكأن شيئاً لم يكن، والله إن الأيام تدور، وكلٌ ينال حظه؛ لكن ينجي الله الذين آمنوا والذين اتقوا ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ﴾ [الزمر:٦١]. فبإذن الله جل وعلا إذا حصل هذا الإيمان، وهذه العودة والتوبة والتقرب إلى الله بترك الذنوب والمعاصي فأبشروا بالفرج عاجلاً غير آجل، وثقوا بالله فإن من وثق ولجأ وتوكل على الله فإن الله لا يخذله. أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أهلك البعثيين، اللهم اهلك طواغيت البعث، اللهم احصهم عدداً، ولا تغادر منهم أحداً، واجعلهم بدداً. اللهم زلزل الأرض تحتهم، وأنزل عليهم طيراً أبابيل من فوقهم، اللهم اجعل الرعب عن يمينهم والخوف عن يسارهم، اللهم اجعل شبح الموت في وجوههم، وأهلكهم بعزتك وما ذلك عليك بعزيز يا رب العالمين. اللهم لا تجمع للبعثيين شملاً، اللهم لا توحد لهم صفاً، اللهم لا ترفع لهم راية، اللهم شتت لهم ما تجمع وفرق لهم ما تألف، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك. اللهم أخرجوا المشلولين، اللهم أخرجوا المكفوفين، اللهم فعلوا بالنساء الحبالى وحديثي الولادة فعلوا بهم مالا يفعله يهودي ببشر، اللهم فأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أخزهم، اللهم رد كيدهم في نحورهم. اللهم احفظنا بالإسلام، اللهم توكلنا عليك وحدك لا حول ولا طول ولا قوة إلا بك وحدك لا شريك لك، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت الأول والظاهر والباطن، وأنت على كل شيء قدير، اللهم إليك أنبنا، وبك اطمأننا، وإليك توجهنا، فلا تخذلنا يا ربنا. اللهم إنا نسألك أن تؤمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم اجمع شملهم، اللهم أدم عزهم ورفعتهم وكرامتهم، اللهم لا تفرح عليهم عدواً، اللهم لا تشمت فيهم حاسداً، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك. اللهم ارحم المستضعفين.

стр. 298

الخطر القاتل إن الله حرم الزنا وحرم دواعيه، فقال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) وجعل سبحانه حداً لذلك، ولكن إذا كانت أمة بأكملها تحاد الله ورسوله وتجاهره بالمعاصي فإنها تهون على الله، ويرسل عليها أضعف مخلوقاته من الفيروسات والأوبئة، ولا يوجد علاج لذلك إلا اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 299

عاقبة من أعرض عن ذكر الله وطاعته إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ويقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. أيها الأحبة في الله: يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ويقول النبي ﷺ : (ما ظهرت الفاحشة في قومٍ حتى أعلنوا بها، إلا ابتلاهم الله بالأوجاع والطواعين التي لم تكن في أسلافهم). أيها الأحبة: نقول هذا الحديث تمهيداً أو مقدمةً لما هو حدث الأسبوع، حيث إن منظمات الصحة العالمية قد جعلت يوماً مضى في الأسبوع المنصرم هو يوماً عالمياً لمكافحة مرض الإيدز، والعجب -يا عباد الله- أن تلك الأمم التي فتحت فنادقها، وشركات السياحة فيها، وشواطئها، وأماكن اللهو والدعارة فيها، هي التي تدعو إلى ذلك، فسبحان الله العلي العظيم عما يصفون ويفعلون من التناقض والعجب العجاب فيه!! أيها الأحبة: لا شك أنكم تعلمون أننا في زمنٍ تيسرت فيه سبل الفواحش، وتنوعت فيه أسباب الفاحشة، وتعددت فيه مظاهر الفساد، وكل هذا والله لبعد الأمم عن كتاب الله وسنة نبيه، وصدق الله جل وعلا حيث يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] أولئك الذين يظن بهم ضعاف الناس، وجهلة الخلق، وغوغاء الشعوب، يظنون أنهم أهل الحرية، وأهل الانفتاح، وأهل التقدم والمدنية، أولئك والله يعيشون أمراضاً لا حصر لها، وأنواعاً من البلاء لا يحصيها إلا الله، وما ذاك إلا لبعدهم وإصرارهم وصدهم عن كتاب الله وسنة نبيه، فهم ينهون وينئون عن شرع الله، فحسبهم ما أصابهم في الدنيا ولهم من الله في الآخرة عذابٌ عظيم. أما ذلك المرض الذي توافرت فيه جهود منظمات الصحة العالمية، لكي تجعل يوماً مضى في الأسبوع المنصرم لمكافحة الإيدز وما أدراك ما الإيدز.

стр. 300

طرق انتشار فيروس الإيدز تقول نشرة أصدرتها وزارة الداخلية ممثلة في مستشفى قوى الأمن بـ الرياض: إن سبب مرض الإيدز هو فيروسٌ صغيرٌ جداً، وتذكروا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١] أتظنون أن الله يعجزه عن الخلق شيء، لا. والله إن الله جل وعلا بأمره وبإرادته وبمشيئته لو شاء أن يهلك الخلق بأدنى فيروسٍ صغير لا تراه حتى أجهزتهم ومكبراتهم وميكروسكوباتهم، أو ما ملكوه من وسائل التنظير والتكبير، فسبحان الذي لا يعجزه شيء! تلك الأمم التي ملكت أنواع المدمرات، وأصناف الطائرات، وأدق المخترعات، وأبدع المكتشفات، ومع ذلك عجزوا أن يجدوا علاجاً لفيروسٍ لا يرى بالعين المجردة، إن الفيروس أصغر بمرات كثيرة من المكروب، فسبحان الله العلي العظيم! كيف هانوا على الله حتى أهلكهم بأدنى وبأصغر جندٍ من جنوده فلا تأمنوا مكر الله! ولا تأمنوا عقوبة الله جل وعلا بأممٍ عاندت شرعه، وأصرت على محاربة دينه ودعاة شرعه. أيها الأحبة: تقول هذه النشرة التي أصدرها مستشفى قوى الأمن بـ الرياض: إن سبب مرض الإيدز هو فيروسٌ، وينتقل هذا الفيروس عن طريق الإبر الملوثة، وحقن المخدرات، فليعلم الذين يتهاونون بالمخدرات ابتداءً بمقدماتها، من أنواع العطور أو الكولونيات أو نحو ذلك، فليعموا أن نهاية المطاف، وأن غاية المصير هي المصيبة والطامة الكبرى التي لا علاج لها على الإطلاق. وينتقل هذا الفيروس أيضاً عن طريق الاتصالات الجنسية الغير المشروعة، وينتقل فيروس الإيدز عن طريق اللواط -عافانا الله وإياكم- ويمكن أن تنقل هذا الفيروس أمٌ مصابةٌ إلى وليدها، وإننا والله نقول: يا مصيبة بعض الفتيات وبعض الزوجات وبعض النساء من أزواجٍ لا يخافون الله جل وعلا! ولا يراقبونه حينما يسافرون إلى الخارج! فأيما جنبٍ وجدوه ناموا معه! وأيما فراش ووجدوه مريحاً التحفوا به! وأيما فاحشة وجدوها وقعوا بها! فما حال امرأة يعود ذلك الزوج النتن الذي حمل بأصناف هذا الفيروس، الذي حمل هذا الوباء، يعود إلى بلاده لكي يضاجع زوجته فينقل إليها هذا المرض الخبيث! إنها مصيبة وطامة وبلية عظيمة، فتنبهوا -يا عباد الله- تنبهوا يا أولياء الأمور! تنبهوا يا من لكم ولاية على البنات والفتيات! لا تزوجوهن إلا من عرف منه الصلاح والاستقامة والطهر والعفاف. وينتقل هذا الفيروس عن طريق نقل الدم الملوث، ويؤدي في نهاية الأمر وخاتمة المطاف، يؤدي هذا المرض بصاحبه إلى الهلاك بعد انهيار مقاومة المريض، وتحطم جهاز المناعة؛ فإذا تحطم جهاز المناعة في البدن لا تسل عن جيوش الميكروبات، ولا تسل عن أنواع الفيروسات التي تهاجم البدن، ولا يجد البدن بعد ذلك قوة أن يدافعها أو أن يصدها، ثم بعد ذلك يأتيه الموت رويداً رويداً، يوماً بعد يوم، ساعة بعد ساعة، لحظة بعد لحظة، دقيقة بعد دقيقة، بدلاً من أن يموت مرة واحدة يموت مرات عديدة، وينال آلاماً عظيمة؛ جزاءً بما جنت يداه: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:٣٣]. بينت تلك النشرة أن أكثر الناس عرضة للإصابة بالإيدز هم الشواذ جنسياً، والزناة، والذين يتعاطون الخمور والمخدرات والمسكرات، والذين يعاشرون البغايا والمومسات. فيا عباد الله: كم من أولئك الذين يتقلبون في أحضان الفاجرات والكافرات في دول الشرق والغرب في دول الكفر، كم ينقلون! وكم ينشرون! وكم يوزعون أذناباً وإنتاجاً لهذا الفيروس حينما يعودون إلى دولهم وبلدانهم! أسأل الله جل وعلا أن يحفظنا وإياكم من الفواحش والمنكرات ما ظهر منها وما بطن، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 301

تناقض الدول الأوروبية والغربية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله: العجب والغرابة كل الغرابة أن الدول الأوربية والغربية والشرقية التي تعاني من انتشارٍ ملحوظٍ لفيروس الإيدز في فئاتٍ عديدة وطبقاتٍ مختلفة من شعوبها، وأبناء مجتمعاتها، هي التي تدعو إلى مكافحة هذا المرض، فسبحان الله العلي العظيم! كيف يرخصون ويسمحون بفتح أماكن الدعارة والفساد وبارات الخمور، ثم بعد ذلك يدعون إلى مكافحة هذه الأوبئة، وإلى محاربة هذه الأمراض، فأولئك موقفهم تجاه شعوبهم كقول القائل: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء عجباً والله لهم! وأعجب من ذلك بعض ضعفاء البصيرة من المسلمين، الذين يمجدون دول الغرب على ما تدعو إليه من هذه المؤتمرات وتلك الندوات، بأنها الأمم التي تحارب الفيروسات في وقتٍ مبكر، وأنها الأمم التي تحارب المكروبات بطريقة علمية مبتكرة، وبأجهزة دقيقة حساسة، عجباً لأولئك في تطورهم! وعجباً لتلك الدول في واقعها، كيف ذلك الواقع المتناقض والحلول المتناقضة، والانفصام بين القول والعمل! يرخصون بالفساد، ثم بعد ذلك يدعون إلى محاربة ما ينجم عنه، فأولئك مهما طال المغرورون عنهم عجباً واستغراباً بما هم فيه من الحال أو عقد الندوات والمؤتمرات أولئك يصدق علهم قول الشاعر: بنى مسجداً لله من غير حله فكان بحمد الله غير موفقِ كمطعمة الأيتام من كسب عرضها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي لهم الويل، ولهم الثبور، وعليهم من الله ما يستحقون، لا يفتحوا أبواب الدعارة، ولا يرخصوا بأماكن البغاء، ولا يقننوا أساليب الفاحشة، ثم بعد ذلك هم في حلٍ ألا يعقدوا المؤتمرات والندوات عن هذا البلاء وعن هذا المرض، وما جناه وما أظهره إلا فعلهم وما كسبته أيديهم.

стр. 302

العلاج الناجح والحقيقي من الأمراض والأوبئة عباد الله: إن العلاج كل العلاج هو في دين الله جل وعلا، هو في شرع الله، هو في قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦]. إن العلاج كل العلاج والدواء كل الدواء في قوله : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ [النور:٣٣]. في دولة بريطانيا عقد اجتماعٌ كبير ضم عدداً من الشخصيات واللوردات، وأخذوا يناقشون هذا المرض الذي سرى في الجيل البريطاني، وشباب لندن، والدول الغربية عامة، ثم قامت امرأة وقالت: إني أقترح عليكم علاجاً، فأرهف القوم أسماعهم، وشخصوا بأبصارهم إليها، قالوا: ما الذي عندك في هذا الحل؟ قالت: العلاج هو الحل السعودي قالوا: وما تعنين بذلك؟ عنت بذلك أن من زنا أن تطبق عليه حدود الله جل وعلا، وأن تمنع أبواب الفساد والدعارة، فالحمد لله -يا عباد الله- أن جعل بلادكم قدوة ونبراساً وقنديلاً ومشعلاً تستضيء به الأمم عامة، وتخرج به من الظلم أممٌ تاهت في دياجير الظلام، وحنادس الظلمة. فيا عباد الله: اعرفوا قدر بلادكم، وقدر الطهر والعفاف فيها، وحاربوا كل دعوة تدعو إلى هتك حجب الحياء، ونابذوا كل مقولة تدعوا إلى الاختلاط، ونابذوا كل دعوة تسمح أو تتهاون في فتح أي نوعٍ من أنواع الفساد صغُر أو كبُر. واعلموا -يا عباد الله- أن ما يُحذر منه لا يعني بالضرورة أن ما هو موجود، ولا يعني أيضاً أن الأعداء لا يفكرون في غزو الأمة به، فكونوا على مستوى الفهم، وعلى مستوى الوعي، وعلى مستوى الإدراك لما يريده أعداء الإسلام منكم. عباد الله: إن دين الله جل وعلا يوم أن شرع حد الزنا أمر قبل ذلك بغض البصر، وأمر قبل ذلك النساء أن يقرن في بيوتهن، وأمر قبل ذلك بالحجاب، وأمر قبل ذلك بالحياء والفضيلة، ثم بعد ذلك يزيد حد الزنا عقوبة لمن تسور جدران الفضيلة، وحجب الحياء، غير مبالٍ بالأبصار، غير مبالٍ بالحجاب، غير مبالٍ بالحياء والطهر والعفاف. إن شريعة الإسلام يوم أن شرعت حد السرقة، قررت قبل ذلك الأمر بالزكاة، والأمر بالصدقة، وكفالة أفراد المجتمع، وحث الناس على التوسعة لبعضهم البعض، ثم بعد ذلك جاءت العقوبات لمن خالف تلك الحجب، وتسور تلك الجدر. أما الحلول الغربية المتناقضة فهي والله في غاية التناقض، وفي غاية الانفصام، من جهة يفتحون أبواب الدعارة والفساد، ومن جهة يدعون إلى علاج الأوبئة والأمراض، إنها أممٌ تتخبط في ألوان الضلالة، وأصناف الجهالة، ولا حل ولا علاج لكل أمة في هذا الزمان، وفي كل مكان وزمان إلا بكتاب الله وسنة نبيه. إن الطهر إن الحياء إن العفاف لهو خير ما يحفظ الإنسان، وبقدر حفظك -أيها الرجل- نفسك يحفظ من دونك، وبقدر بعدك عن الوقوع في حرمات الله جل وعلا، يكون ذلك سبباً لبعد الناس عن أن يجترئوا عليك أو على محارمك وقديماً قال الشافعي ﵀: من يزنِ يُزنَ به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهمِ إن الزنا دينٌ فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلمِ فيا عباد الله: احفظوا بيوتكم، واحفظوا أنفسكم، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، ومكنوا الحياء في بناتكم وأولادكم، ومكنوا الحجاب في نسائكم تسدوا بذلك معروفاً لمن دونكم، وتحفظوا بذلك مجتمعكم. أيها الأحبة في الله: إن هذا الفيروس قد انتشر انتشاراً عظيماً، وشاع في دول الغرب شيوعاً ذريعاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ففي أمريكا وحدها في سنة من السنوات سبعة وعشرون ألف مصاب بهذا الفيروس، مات منهم ستة عشر ألف، ومعدل الوفيات نتيجة هذا الفيروس مائتين وعشرين رجل يموتون أسبوعياً، والدراسات والإحصائيات تقول: إنه خلال أشهرٍ عديدة قادمة سيكون معدل الوفاة من جراء الإصابة بهذا الفيروس ألف شخصٍ يموتون في الأسبوع الواحد. فانظروا إلى عظم الجريمة، وانظروا إلى هوان الخلق على الله يوم ألا يبالوا بمحارمه، ويوم أن ينتهكوا حدوده فاحفظوا الله يحفظكم، احفظوه جل وعلا في أمره وفي نهيه، احفظوا الله جل وعلا يحفظكم، احفظوا الله في كل آنٍ، وفي كل زمان، وفي كل مكان، تجدوا الله تجاهكم، ومن لم يحفظه الله فلا حافظ له، ومن يضلل الله فلا هادي له. أسأل الله جل وعلا أن يحفظنا جميعاً، وأن يحفظ شبابنا، وأن يمنَّ على هذه البلاد بالطهر والعفاف والحياء، وأن يبعد عنها وأن يقهر فيها كل دعوة إلى الاختلاط والتبرج، أو إلى تيسير وسائل الاتصال التي لا تنبغي ولا تليق في مجتمعات المسلمين خاصة، وفي غيرها من المجتمعات عامة. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أرادنا بسوءٍ فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، يا سميع الدعاء! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم احفظ إمام المسلمين، وإخوانه وأعوانه وثبتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واكفهم شرارهم، اللهم سخر لنا ولولاة أمرنا ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كلِ بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولاهماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا أيماً إلا زوجته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازه بالحسنات إحسانا، وبالسيئات عفواً وغفراناً. اللهم انصر عبادك الموحدين، وانصر جندك المجاهدين، اللهم انصر جندك المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، وفي فلسطين وفي الفلبين، وفي سائر أرضك يا رب العالمين! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً، سحاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، اللهم إنا خلقٌ من خلقك وعبيدٌ من عبيدك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك ورحمتك يا رب العالمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 303

سفينة المجتمع إن المجتمع كالسفينة، تحتاج إلى ربان ماهر يقودها إلى برِّ الأمان، فكيف إذا كان هذا المجتمع هو أمة الإسلام؟! وقد تحدث الشيخ عن المجتمع الإسلامي وعن الأخطار التي تعترضه، وكيف يمكن له أن يتجنبها وينجو منها، وعماد ذلك كله هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 304

حاجة السفينة إلى ربان ماهر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أسأل الله جل وعلا أن يثيبكم خير الثواب، وأن يجزيكم أطيب الجزاء على حضوركم واستماعكم، ونسأله جل وعلا في مستهل هذا اللقاء أن يسددنا في القول، وأن يخلص لنا ولكم العمل. عنوان هذه الكلمة التي اختار الإخوان عنوانها: (سفينة المجتمع) وهذا عنوان حَمَّال ذو وجوه، فلك أن تتكلم عن سفينة المجتمع وما يتعلق بالأمن والأمان في هذا المجتمع، والمخاطر التي تخترم الأمن وتهدد الطمأنينة، ولك أن تتكلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحديث النعمان بن بشير ﵁ الذي جاء فيه: أن النبي ﷺ قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة) الحديث. ولك أن تستنبط من هذا العنوان معاني عديدة، وحسبنا أن نشير إلى ما أشار إليه الحديث الشريف؛ فهو أقربها إلى الأذهان، وهو من درجات الإيمان، ومن أهمها ومن أحوج ما تحتاج إليه الأمة في هذا الزمان. أيها الأحبة في الله: إن المتأمل في حال البشر تماماً يراهم مثل أقوام ركبوا السفن: فمنهم من ركب سفينة متينة، وأبحر باتجاه أمواج متلاطمة لا توصله إلى بر الأمان، بل سرعان ما تنكسر خشبته وتتحطم ألواحه ويتيه الربان ويضيع الركب، ولا تسأل عن هَلَكَة القوم بعدئذ؛ فالسفينة لا تغني قوتها ولا صلابتها عن أن يبحر بها ربان ماهر قادر يبحر بها ويتجافى ويتحاشى أمواجاً لا يطيقها، ويأخذها ذات اليمين تارة وذات الشمال تارة، يمشي بها الهوينا حينما يتعثر السير، ويجدُّ بها إذا وجد طريقاً ميسراً، ونصَّ وأسرع في سيره حتى يبلغ بأهلها. وقوم ركبوا سفينة ضعيفة فلم تقاوم أدنى موج من أمواج البحر فانكسرت بأصحابها. وأقوام ركبوا سفينة متينة وسار بهم ربان ماهر قادر خرِّيت مجرب، وسار وأبحر بهم إلى بر الأمان بإذن الله، فأولئك هم الذين أنعم الله عليهم من أهل الصراط المستقيم: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]. وإن تشبيه الناس في هذا المجتمع كقوم على سفينة لتشبيهٌ بليغ وجميل جداً؛ إذ أن الناس قد أبحرت بهم سفنهم من أول يوم وُجِدوا وخُلِقوا ونزلوا على وجه هذه الأرض، وكلنا أيها الأحبة قد ركب هذه السفينة، فهي تمخر بنا عباب السنين والأعوام. والليل فاعلم والنهار كلاهما أرواحنا فيها تعدُّ وتحسبُ إن الجديدين إذا ما استوليا على جديدٍ أسلماه للبلى منع البقاءَ تقلبُ الشمس وخروجُها من حيث لا تمسي وبزوغُها صفراءَ صافيةً ومغيبُها حمراء كالوَرْسِِ نحن قد أبحرت بنا السفن: فمنا من قطع من الرحلة عشرين أو ثلاثين أو أربعين، ومنا من هو الآن على شاطئ النهاية، وبعد النهاية -نهاية الدنيا- يستمر ويمضي في برزخ إلى أن يبعث يوم القيامة. فنحن في سفينة ماخرة بنا إلى الدار الآخرة؛ فيا ليت شعري أين يكون الشاطئ وأين يكون بر الأمان؟! وأين الجودي الذي تستوي عليه هذه السفينة؟! قال ﷺ : (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة -أي: ضربوا القرعة بينهم، والسهمان أو ضرب القرعة من الأمور التي يُلْجَأ إليها عند تساوي الأمور- فكان لبعضهم أعلاها وكان لبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء -أي: طلبوا السقيا وأرادوا الماء- مروا بالذين من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا هذا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن هم تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً) هذا الحديث عند البخاري ﵀، وهو حديث عظيم وفيه من الفوائد المستنبطة الجليلة العظيمة الكثير: فمنها: جواز ضرب الأمثلة. ومنها: البيان والتوضيح. ومنها: جواز القرعة. إلى غير ذلك.

стр. 305

مجتمعات تقاذفتها أمواج البحر أيها الأحبة في الله: ينبغي أن نعلم تماماً أن سفينة مجتمعنا هي ماضية بنا وكل واحد منا عضو في هذا المجتمع، ومجموعنا نكون مجتمعاً واحداً وكلنا سائرون في هذه الدنيا إلى دار أخرى؛ ولكن من المهم تماماً أن نعلم أن كثيراً من الناس ربما تحطمت بهم السفينة قبل أن يبلغوا شيئاً من عمق البحر أو قبل أن تمخر بهم السفن في عرضه وطوله. أعني بذلك: مجتمعات نشبت فيها الفتن وكثر فيها القيل والقال، وضاعت فيها المناهج، واختلطت المبادئ، وضيَّع القومُ صراطاً مستقيماً مبيناً قويماً، وأصبح الدليل حيران. تاه الدليل فلا تعجب إذا تاهوا أو ضيَّع الركبَ أذنابٌ وأشباهُ أيها الأحبة: إننا يوم أن ننظر إلى سفنٍ اجتماعية عبارة عن مدن أو مجتمعات أو دول: فمنها: مَن يتخبط ذات اليمين وذات الشمال. ومنها: مَن هم ضاربون في أعماق الرذيلة والفساد والضلالة والانحراف ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤]. ومنهم: مَن تحطمت بهم السفن، وتكسرت بهم الألواح، وكثر الغرقى، ولم يُسمع لصائحهم صيحة، ولم يَستجب لمناديهم أحد. فهذه مجتمعات: منها: مَن ضلَّ وتحطم وانتهى وانكسر. ومنها: مَن ما يزال قائماً. ومنها: مَن ينازع سكرات النهاية يوشك أن يفارق هذه الدنيا. تأملوا مثلاً فلسطين التي هي مسرى رسول الله ﷺ في المسجد الأقصى: إنك يوم أن تتأمل أحوال إخواننا المسلمين في فلسطين وقد مضوا ستين عاماً قد انكسرت سفينة مجتمعهم، ولسنا بصدد البحث عن أسباب كسر هذه السفينة؛ لكنك تجد قوماً لا سفينة لهم؛ بمعنى لا مجتمع أو لا كيان يحميهم ويجمعهم ويوحدهم ويمثلهم إلا ما كان من أمرٍ تعلموا حكم الإسلام فيه قبل أشهر أو أسابيع معدودة. وعلى سبيل المثال أيضاً: تطاولت يد الشيوعية على مجتمع المسلمين في أفغانستان فحطمت، وتصارعت أمواج الشيوعية مع سفينة ضعيفة في المجتمع الأفغاني، وما زال الناس يرون لوحاً منكسراً يتعلقون به، أو شراعاً يُمَدُّ ليدفع هذه السفينة شيئاً ما، وما زالوا يصارعون وينازعون الأمواج حتى بلغوا إلى قريب من شاطئ الأمان وبر النهاية، وليست هذه هي النهاية إنما النهاية أن يُحَكَّم كتابُ الله وأن تُطَبَّق سنة رسوله ﷺ ، وأن يعلو التوحيد ولا يعلو شرك عليه بأي حال من الأحوال. ولك أن تتأمل مجتمع أو سفينة إخواننا في البوسنة والهرسك وهي قد تحطمت على يد الصرب وما بقي إلا أقل من ألواح؛ بل أدنى من عيدان هشة تعلق بها من تعلق، فالقوم في محنة لا يعلمها إلا الله، نسأل الله أن يفرج كربتهم، وأن يعجل نصرهم، وأن يكسر أعداءنا وأعداءهم. وخذوا أيضاً الصومال وكيف انهار ذلك المجتمع، وكيف تحطمت تلك السفينة، فالناس الآن إما في سفينة يبحرون بها على خطر ووجل، وإما أقوام صارعوا أمواجاً عنيفة متلاطمة عنيدة فكسَّرت سفنهم، وبقي البقية منهم ينازعون البقاء، ويعالجون السباحة لبلوغ بر الأمان على ألواح هشة. ونحن في هذه البلاد وفي هذا المجتمع نعيش على سفينة حسبنا من الخطر أن اسمها سفينة، وحسبنا من الخطر أننا في بحر تتلاطم أمواجه، وحسبنا من الخطر أننا نعالج ونواجه قوىً تتربص بنا في داخل أرضنا ومن خارجها. وإني أقف وقفة يسيرة أمام بعض أحبابنا الذين ينزعجون عند مثل هذا الكلام، حينما نتكلم عن الأعداء وعن الشر، وعن المتربصين والعلمانيين، وعن الفجرة وعن الذين يتمنون البلاء والفتنة والشر بهذا المجتمع، إني أقول لأولئك: لا تزعجكم هذه العبارات فإنها موجودة مذ وجد أفضل الخلق وأفضل المجتمعات وأفضل الأجيال، بل إن من تأمل قول النبي ﷺ في مستهل خطبته: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) فالنفس فيها شر فكيف ينكر أحد وجود شر في بيته أو في مجتمعه، أو وجود خطر من شر يحوم حوله. وأيضاً كما جاء في السنة: (أنه من بنى بامرأة فله أن يضع يده على ناصيتها ويقول: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جُبِلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جُبِلت عليه) فأنفسنا فيها شرور نسأل الله أن يعيذنا منها، وزوجاتنا فيهن شرور نسأل الله أن يدفع شرهن عن أنفسهن وعنا، وأموالنا وأولادنا: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ففي أموالنا أعداء، ومن أولادنا أعداء، ومن بيننا أعداء؛ فكيف ينزعج البعض حينما يسمع كلمة الشر والعداوة، والتخطيط والمكيدة، والمنافق والمتربص وكلها موجودة؛ ولو خلا منها مجتمع لخلا منها أفضل مجتمع النبي ﷺ .

стр. 306

علاج العطب الحاصل في السفينة أيها الأحبة: إذا تأملنا هذا وأدركناه فإننا نعالج هذه القضية بأمور، أهمها: شعورنا أننا على خطر. إن من استعرض الوسادة، وغَطَّ في النوم، وأشغله السبات، وعلا شخيره، وعاش في أحلام خيالية، وظن أنه بمأمن من العوادي والغوادي والمتربصين وغيرهم؛ فإنه يوشك أن يهلك لا محالة. أما الذين يعملون وينكرون ويجاهدون، ويستعينون ويناصحون؛ فأولئك نسأل الله أن يسددهم وأن يكونوا على خير عظيم. أقول: إننا في سفينة تربص بها الأعداء في الداخل والخارج فلننتبه لها، وإن كان في السفينة شيء من سوس نَخَرَ في بعض ألواحها إن كان في السفينة مَن يحاول أن يخرقها لتغرق بأهلها إن كان في السفينة شيء من الخطأ والخلل؛ فإن ذلك لا يعني أن نرضى بخرقها، أو أن نستسلم لمن أراد فسادها، أو أن نخضع لمن أراد أن يضيع ربانها وهم قادتها وولاة أمرها وعلماؤها. أيها الأحبة: ينبغي أن نستشعر هذا المعنى، أنت يوم أن تتأمل أحوال المسلمين: إما أن تجدهم مسلمين بلا بلد بلا دولة بلا سفينة بلا كيان بلا مجتمع. أو تجدهم مسلمين تحت ضغط وقهر واستبداد وأحكام مؤبدة، وأعمال شاقة، وأغلال وزنازين وسجون وشرور وآثام لا يعلم حدها وحصرها إلا الله جل وعلا. أو أن تجد مجتمعاً كمجتمعنا هذا فيه خير كثير وفيه شر أيضاً نسأل الله أن يدفعه عنا، ولكن من المهم أن نعلم وأن نحقق هذا: أننا من أقل بلاد الله شراً، ومن أكثر بلاد الله خيراً. إذاً فسفينتنا من أفضل السفن ولا يعني أنها سلمت من العوادي، ولا أنها في مأمن ومنجى من الخطر فكل عاقل ينتبه ويحذر. أيها الأحبة: ما دمنا في هذه السفينة التي ننعم في ظلها وأمنها ووارف خيراتها ونعيمها، وما يُجْبَى إليها من الثمرات من المشرق والمغرب، وما فيها من النعم والأمن والطمأنينة، وما فيها من أمور تسهلت لكثير بل لجل الناس إن لم يكونوا كلهم؛ فنحن من المهم أن نحافظ على هذه السفينة؛ لما فيها من الخير الكثير؛ والفضل الوفير، وأفضل الخير فيها أنك لا تجد قبراً يُعبد من دون الله، ولا تجد ضريحاً يُطاف به، أو ولياً يُعتقد بأنه يدفع شراً أو يجلب نفعاً. أعني بذلك أن من أعظم حسنات هذه السفينة التي نحن فيها سلامة المعتقد والتوحيد، وهذا خير عظيم، كما أن فيها من المصائب وأنواع البلاء والكبائر والمنكرات ما ربما يَرِد الحديث عنه. أيها الأحبة: ما هي الأمور التي تكدر على هذه السفينة هادئ إبحارها؟ ما هي الأمور التي هي نذر شر بأمواج قد تواجه هذه السفينة وربانها؟ ما هي الأمور التي ربما كانت سبباً في أن يتصارع الناس وسط السفينة ويتنازعون فيها. إن الشر والشرور التي تحيط بالسفن الماخرة على بحار المحيطات المتلاطمة بأمواجها العاتية ليست شروراً بالضرورة، قد تكون من حولها، أو من حيتان تقلبها من أسفلها من أعماق البحار، أومن قرصان أو قناصة أو قطاع طرق، بل قد يكون الشر من أبناء السفينة في وسطها لو تعاركوا وتصارعوا وتنازعوا واختلفوا، ثم دب الفشل فحينئذ ينشغل الربان عن سفينته ويشتغل القوم بعضهم ببعض، وحينئذ: ومن رعى غنماً في أرض مسبعة ونام عنها تولى رعيَها الأسدُ حينئذ لا يدري الربان بم يشتغل! أهو بأن يهدي سير السفينة إلى بر أمانها، أم يعالج أوضاع أهلها من داخلها وهذه إشارة: تكفي اللبيب إشارة مرموزة وسواه يُدعى بالنداء العالي أيها الأحبة: أتحدث عن مجتمعنا هنا لأنه ليس من الحكمة أن نجتمع مثلاً هنا في ظهرة البديعة في الرياض، ثم نتكلم عن أوضاع الصين، أو كمبوديا، أو السلفادور والبوريساريو، إن حاجة الناس أن يتحدثوا وأن يجتمعوا للحديث عن أوضاعهم وعن مجتمعهم وحاجاتهم وما يهمهم من الأخطار التي تحيط بهم، وليس من الحكمة أن نتحدث عن أخطار في مجتمعات بعيدة، ونحن نعالج ونرى ونجاهد ونصارع أخطاراً ومنكرات تحيط بنا، وحاجة الناس أن يسمعوا ما يتحاجون إليه لا ما يشتهيه متحدث وغيره.

стр. 307

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذه سفينتا فما الذي يهددها وما الذي يكدرها؟ إنها المنكرات والمعاصي؛ إن كل جنوح أو ميل أو انحراف أو بُعد خاصة حينما يكون عمداً -ومعاذ الله أن يوجد هذا- أو ميل عن صراط الله المستقيم عن الشريعة القويمة والمحجة المستقيمة؛ عن هذا الدين الذي أتمه الله وأكمله؛ إنما هو بُعد بهذه السفينة عن سيرها الهادئ إلى شعاب مرجانية وصخور شرسة تحطم هذه السفينة وتُفني وتكسر ألواحها، فالمنكرات بأنواعها من أخطر الأمور على هذه السفينة. وعلاج هذا كله هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حاجة السفينة وحاجة أهلها أن تُهْدَى وأن تسلك سبيل المعروف، وأن تقاوم وتجانب وتجافي طريق المنكر، فما هو المعروف؟ وما هو المنكر؟

стр. 308

المعروف والمنكر هل المعروف ما تعارفنا عليه؟ وهل المنكر ما اتفقنا على إنكاره؟ هل المعروف ما رآه فلان وعلان؟ وهل المنكر ما أنكره فلان وعلان؟ كلا ولا وألف لا، إنما المعروف ما كان معروفاًَ في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، والمنكر ما كان منكراً في كلام الله وكلام رسوله ﷺ . وهذا من جميل خصال وسمات منهج أهل السنة والجماعة الذي يقرر فيه أئمة السلف وعلماء الملة والشريعة: أن التحسين والتقبيح ما هو إلا من جهة الشرع لا من جهة العقل، أما المعتزلة والمناطقة والفلاسفة والمتكلمون فإنهم يقولون بالتقبيح والتحسين العقليين، يعني: ما كان في العقول حسناً فهو حسن، وما كان في العقول قبيحاً فهو قبيح، وهذا قد جعلهم يضلون ضلالاً بعيداً، وقادهم إلى التعطيل والتشبيه والضلال في باب الأسماء والصفات، بل قاد كثيراً من متقدميهم ومتأخريهم إلى إنكار صريح السنة بحجة أنه خبر آحاد، وقاد بعضهم إلى نفي المتواتر من الدين بتأويلٍ لا مسوِّغ له ولا قرينة تصرف إليه، وكلكم تعلمون هذه المسائل. إذاً: فالمعروف ما كان معروفاً في كلام الله ورسوله، والمنكر ما كان منكراً في كلام الله ورسوله؛ إذ لو أن الأمر اعتبر فيه ما اجتمع عليه الناس لكان اجتماع الناس في زمن أو في مكان على منكر من المنكرات واعتباره معروفاً يحوِّل الحرام حلالاً والحلال حراماً. انظر إلى بعض مجتمعات المسلمين فضلاً عن مجتمعات الكفار كيف ينظرون إلى أن فعل المرأة بتبرجها وكونها حاسرة عن شعرها، مُبْدِية صدرها، حتى أبانت ذراعيها وشيئاً من ساقيها، يرونه مما تعارف عليه الناس بل وربما أُنْكر على مسلمة تحجبت وغطت وجهها وسترت يدها وساقها ونحو ذلك. هل اجتماع الناس في بلد من البلدان ولو سميت إسلامية نسبة إلى تعداد المسلمين وإن كانت أنظمتها ضالة ظالمة، هل اجتماع الناس على أمر كهذا يغير مسألة التبرج من كونها حراماً ومنكراً إلى المعروف والحلال؟! لا وألف لا، بل في كثير من المجتمعات يُعَد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاته تدخلاً وعدوانية وفضولية، بل وربما عوقب الإنسان لأنه أمر أو نهى، وربما تعارف الناس على مثل هذا، فكون الناس تعارفوا على ترك الأمر بالمعروف، واعتبار القيام به فضولية وتدخلاً في شئون الآخرين فإن ذلك لا يغير حقيقته. إذاً: فالمعروف معروف بكلام الله وكلام رسوله، والمنكر منكر بكلام الله وكلام رسوله في كل زمان وفي كل مكان؛ إذ أن الذي خلق العباد هو الذي أنزل الكتاب، وهو الذي شرع الشرائع، وهو الذي سن الأحكام، وهو الذي أحل الحلال وحرم الحرام: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. إن ربنا جل وعلا يوم أن شرع في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ صنوف وألوان وأحكام الحلال والحرام شرعها للبشر في كل زمان ومكان؛ فلا يتغير المنكر بل يبقى منكراً إلى يوم القيامة، ولا يتغير بل يبقى المعروف إلى يوم القيامة، وقد ضل وجهل وسقم من ظن أن الأمور يمكن أن تتحول من كونها معروفاً إلى منكراً ومن كونها منكرةً إلى المعروف، بل إنما الذي يتغير أنواع من المباحات ربما تكون في بعض الأحيان لمصلحة العباد أن يُمْنَعوا من شيء منها، ولمصلحة العباد أن يؤمروا أو يجبروا على شيء منها؛ مما يقدره العلماء ومما تقتضيه المصالح المرسَلَة والمصالح الشرعية المرعية. إذاً: فأول قاعدة في هداية هذه السفينة وسيرها المطمئن إلى بر الأمان أن نعرف أن حاجتها إلى إقرار المعروف والعمل به ومعرفة المنكر والحذر منه، والمعروف ما كان معروفاً في الكتاب والسنة، والمنكر ما كان منكراً في الكتاب والسنة، حتى ولو أجمع الناس وأطبقوا على خلافه.

стр. 309

أمثلة للمعروف والمنكر على سبيل المثال: خذ بلية من البلايا، ومصيبة من المصائب، وفتنة من الفتن التي ابتُلينا بها في مجتمعنا هذا، نسأل الله أن يدفع عنا شرورها وغوائلها ومغبتها ألا وهي: قضية الربا؛ إن كثيراًَ من الناس قد وقعوا في الربا بحجة أنه قد انتشر، أو بحجة أنه لا سلامة منه، أو بحجة أي مقولة تقال، المهم ينبغي أن نعرف أن الربا خطر وأنه من أخطر معاول الهدم والكسر لهذه السفينة، كيف لا والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]؟! فالربا كبيرة وخطر: (لعن الله آكل الربا ومُوْكِلَه وكاتبه وشاهديه) لا أحد ينازع في هذه القضية حتى لو تعامل بها مَن تعامل، أو ضل بها مَن ضل، أو تأول مَن تأول؛ إذ أن مصيبتنا في هذا الزمان أن أقواماً أخذوا يلتوون ويسلكون أذناب الثعالب في الدخول إلى عقول السُّذَّج والبسطاء والغوغاء يقولون لهم: إن الربا الحرام ليس هو الربا الذي يتعاطاه بعض الناس في هذا الزمان، ولو سُلِّم هذا الأمر وانطلت مثل هذه الحيل لجاء اليوم الذي يقال فيه إن الزنا الذي يوجد في بلاد الغرب ليس الزنا المحرم، وإن الشرك الذي يُعبد فيه أصحاب القبور، ويعتقد فيه بنفع ودفع الأولياء وضرهم ليس هو الشرك المقصود، ولا تستقر حينئذ للأمة أحكام، ولا تُفْهَم شريعة على مثل هذا التأويل أو سوق هذه الحيل والأباطيل.

стр. 310

وجوب التسليم لأمر الله وأمر رسوله أيها الأحبة في الله: ما دمنا قد علمنا أن المعروف معروفاً والمنكر منكراً بكلام الله وكلام رسوله، فإن أول ما يتعلق بنا ونحن من ركاب سفينة المجتمع هذه؛ أن نعلم أن من واجبنا الإذعان والانقياد؛ فالأصل في كل مسلم أن يقبل الحق وأن يعمل به؛ والأصل في كل مسلم أن يرد المنكر وأن يزجر عنه دون عناد أو جدال، حتى إن علم الحكمة أو جهلها، إن فهم المقصد أو غاب عنه؛ فواقع المسلم وأصل المسلم أن يقبل الحق وأن يقول فيه: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. الأصل في المسلم أن يكون مستجيباً منقاداً مخبتاً لأمر الله وأمر رسوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] أين نحن من: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] أين نحن من (ليس لنا الخيرة في أمرنا هذا) ما دام الأمر قد ورد من عند الله، والنهي قد جاء من وحي يُوْحَى مثل كلام رسول الله ﷺ فما ينبغي لنا إلا الاستجابة. إنك تعجب من مسلم تقرر له القاعدة في أن الربا محرم، أو أن هذا الأمر لا يجوز، أو أن هذه المسالة لا تجوز ثم يقول: ولكنهم في الغرب اكتشفوا، ولكنهم في الشرق علموا، ولكنهم وصلوا ودخلوا وقرروا! بل وأعجب من هذا أن تجد مسلماً يسلِّم بل يعتقد بل يؤمن بل يوقن أن شجرةً بعرض هذا العمود قد كتب عليها أحد علماء الآثار أن هذه الشجرة عمرها ثلاثة آلاف سنة، فيصدق وينقل هذا الخبر للناس مع أن المكتشف ليس عنده سند متصل ممن غرس هذه الشجرة إلى هذا الزمان حتى يُعْرَف أن عمرها ثلاثة آلاف سنة أو ألف أو خمسمائة سنة! وربما أخرجت أحفورة من الأحافير أو قطعة أثرية من الآثار ويَكتب باحثُها: مائة سنة، أو ثمانمائة سنة، فيسلِّم بعقله مستجيباً، ولو ناقشه أحد لقال: ألا تسلِّم لأهل العلوم في علومهم؟! ألا تسلِّم لأهل الفنون في فنونهم؟! ألا تسلِّم لأهل الطب في طبهم؟! لماذا لا تسلِّم لذوي الاختصاص؟! فإذا قيل له: قال الله وقال رسوله، قال: لماذا؟ وكيف؟ ولعلل! ويمكن! وربما! وأين؟ وأتى لك بجميع أدوات الاستفهام والحذف والجر والإضافة غير مستجيب لأمر الله وأمر رسوله! فأين استجابته بالتصديق الموقن فيما يتعلق بشجرة عمرها ثلاثة آلاف سنة؟! وأين استجابته لقطة أو لاكتشاف أثري بيد واحد من علماء الآثار من استجابته لكلام الله وكلام رسوله؟! شتان ما بين هذا وهذا! إن من المصائب في هذه السفينة التي نبحر بها ونمخر عباب البحر المتلاطم بالأمواج فيها، أن تجد من أبنائنا من لا يزال ينخر بل يخرق في لوح السفينة، وإذا قيل له: إن مضيك في هذا الخرق يحدث فجوة تغرق هذه السفينة؛ فتجده ينازع ويجادل ويناطح ولا يستجيب أبداً ويستجيب لأمور لا دليل عليها من عقل. إن القضية تتعلق تعلقاً أصلياً بمسألة العقيدة، وكيف يكون تعلقها؟ انظر أخي الكريم إلى مريض من المرضى يشكو علة من العلل وسقماً من الأسقام وداءًَ من الأدواء، ثم يُذكر له طبيب ماهر بارع خبير بأمراض الأبدان، فتجده يذهب إليه ويبوح بأسراره، ويكشف علته، ويصف أعراضها وحالها وأوصافها فيقول الطبيب: افتح فمك، مد يدك، ارفع رجلك، انزع ثيابك، خذا هذا الشراب، وخذ هذا الدواء، وامتنع من الطعام، وكُلْ هذا الطعام، فتجده مستجيباً حتى لو جُعِل الحديد والإبر في بدنه لقال: هذا من حكمة هذا الطبيب الذي عرف هذا الدواء لذلك الداء في ذلك الموضع في تلك الساعة في ذلك المكان، استجابة لا ينازعها تردد أبداً، لماذا استجاب؟! لأنه أيقن وعلم علماً لا جهل فيه، ويقيناً لا شك يخالطه؛ أنه ذاهب إلى طبيب ماهر قد سلَّم لعلمه وحكمته فكان نتيجة تسليمه استجابة لا تردد فيها بأي حال من الأحوال، فإذا قيل له: هذا أمر الله وأمر رسوله ربما وجدت تردداً وعناداً، واختلافاً وإصراراً، وتعليلاً وتأويلاً وغير ذلك! ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].

стр. 311

وجوب تقدير الله حق قدره أتظنون أن الله حرَّم الحرام عبثاً؟! أو أمر بالواجب عبثاً؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٥]، ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦]. إن الإنسان ما خُلِق عبثاً، وما أُمِر عبثاًَ، وما نُهِي عبثاً، ما أُمِر بالشرع عبثاً، وما نُهِي عن أمر عبثاً، بل كل أمر فيه حكمة، وكل ندب فيه حكمة، وكل زجر فيه حكمة، فمن سلَّم لحكمة الله أورثه ذلك وقاراً وهيبةً وإجلالاً لله، ولأجل ذا قال نوح ﵇ لقومه لما وجد عنادهم وإصرارهم، ووجدهم يستغشون ثيابهم، ويضعون أصابعهم في آذانهم، ويصرون إصراراً، ويستكبرون استكباراً، جعل المعول في هذا كله أنهم لا يعرفون لله قدراً ووقاراً، فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] لو كنتم تعظمون الرب حق التعظيم، وتجلونه حق الجلالة، وتخشونه حق الخشية، وتهابونه تمام الهيبة، وتراقبونه حق المراقبة، لأورث ذلك استجابة لأنبيائه ودعاته ورسله؛ ولكن لما غاب التعظيم والوقار فلا تسل عن ألوان المعاصي، ولأجل ذلك كان العلم الخشية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. كفى بخشية الله علماً: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] مَن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ولما جاء الثلاثة النفر إلى بيت رسول الله ﷺ يسألون عن عبادته وكأنهم تقالُّوها، قال أحدهم: (وأين نحن من رسول الله وقد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فلا آكل لحماً، وقال الآخر، لا أستظل ظلاً، وقال الآخر: لا أطأ فراشاً ولا ألتذ بنوم، فلما علم النبي ﷺ غضب واحمر وجهه وخطب الناس وقال: ما بال أقوام يرغبون عن سنتي إلى أن قال: أما إني لأَعْلَمُكُم بالله وأخشاكم له) فترتب الخشية على العلم. لذا حاجتنا أن نعلم لله عظيم وقاره وعظيم قدره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. إننا بحاجة قبل أن ننذر العصاة وأن نذكرهم أن نعرفهم من هو الرب الذي عصوه! ومن هو الرب الذي خالفوا أمره! إذ أن من عصاك ولا يعرف قدرك لا يبالي بما استمر عليه من المعصية، فالحاجة ماسة إلى إنكار المنكر مع بيان عظمة الرب جل وعلا لهؤلاء الخلق جميعاً. نقول: إن الأصل في كل مسلم أن يقبل الحق مستجيباً له على أية حال.

стр. 312

من نأى عن الكتاب لم يزدد إلا ضلالاً العجب أيها الأحبة! أنه يوجد من -ولعلهم أقل من البعض- من يعتقد أن المجتمع كافر، وأن النظام كافر، وأن الدولة كافرة، بحجة وجود بعض المعاصي والمنكرات والكبائر، وسيأتي الكلام على هذه المسألة. وقد وجدت شيئاً من هذا الضلال المبين لما كنت في سفر قبل شهر تقريباً في أمريكا، فوجدت أناساً قد تخبطت بهم المناهج وضاعت بهم السبل؛ ولا غرابة! فمن طلب الحق بغير منهج أهل السنة والجماعة فقد ضل ضلالاً بعيداً مهما أعمل عقله وأجال فكره: نهاية إقدام العقول عقال وآخر سعي العالمين ضلالُ وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية مسعانا أذىً ووبالُ ولم نستفِد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وجدنا أقواماً ما قادهم طول البحث والحوار والجدال على منهج غير قويم إلىصراط مستقيم، بل قادهم إلى مزيد ضلال وبعد، ولا حول ولا وقوة إلا بالله! الأمر الآخر أيها الأحبة: نحن يا من نعيش في هذه السفينة ويهمنا شأنها، ونعلم أن هذه السفينة بحُكَّامها ودُعاتها وعلمائها وقادتها ونحن معهم فيها إن غرقت غرقنا جميعاً وإن نجت نجونا جميعاً، فالعاقل ينتبه إلى مثل هذه المسائل حتى يكون الإصلاح بطريقة تصلح لوحاً ولا تخرق أمراً، بطريقة ترد المنكر وتدفعه بغير أن يضطرب الطريق أو يتصارع الناس داخل السفينة.

стр. 313

المنكر في كل زمان والمعروف كذلك هذه السفينة؛ ألا وهي مجتمعنا لا نتصوره مجتمعاً ملائكياً يخلو من الخطيئة والمعصية، إن من أراد مجتمعاً إسلامياً لا معصية فيه قد طلب مجتمعاً أفضل من مجتمع النبي ﷺ ، وهذا محال بكل حال، يقول ﷺ : (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فلا يمكن أن يأتي أحد ليجعل أو ليصنع من مجتمع خيرية تحاكي -فضلاً أن تكون أفضل- أو تضاهي مجتمع النبوة أو مجتمع الخلافة الراشدة، أو القرن الأول والثاني والثالث، ينبغي أن نفهم هذا تماماً، ولكن إذا علمنا أن صلاح المجتمع وصلاح أهل السفينة لا يعني بالضرورة سلامة أهلها من وقوع وحصول بعض المعاصي والمنكرات؛ إذ لو تأملت مجتمع النبي ﷺ لوجدت فيه من زنا فرجم، ومن زنا فجلد، ومن سرق فقطع، ومن زنت فرجمت، بل ومن خان خيانة عظمى، ومع ذلك فإن المنهج القرآني والمنهج الإسلامي الشرعي جاء ليحفظ لكلٍ حسناته؛ إذ أن السيئة لا تلغي الحسنات ولكن الحسنات تمحو السيئات، هذا أمر ينبغي أن نفهمه تماماً. على سبيل المثال: حاطب بن أبي بلتعة لما بعث بكتاب في قرن امرأة إلى قريش ليخبرهم أن النبي ﷺ يصبِّحهم ويمسِّيهم، هذا في المصطلح السياسي المعاصر يسمى الخيانة الكبرى، إفشاء أسرار الجيش والدولة، حاطب بن أبي بلتعة قد أرسل مع ضعينة إلى أهل مكة رسالة تخبرهم أن النبي سيغزوهم، فجاء الوحي وأخبر النبي ﷺ بذلك، فبعث علياً وآخر من الصحابة وقال: ستجدون الضعينة في مكان كذا خذوا منها الكتاب، فلما أسرعوا وجدُّوا في السير وبلغوها حيث وصف وذكر النبي ﷺ ، قالوا لها: [أخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتاب، فقالوا: لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لننزعن الثياب] فقامت فأخرجت كتاباً من ضفائرها، ثم جيء بـ حاطب إلى رسول الله ﷺ ، وعمر بن الخطاب شهيد المحراب، الإمام الأواب، الفاروق الذي يهابه الشيطان؛ يتطاير غيظاً وحنقاً على من فعل هذه الفعلة، فقال عمر ﵁: نافق يا رسول الله، فدعني أقطع رأسه، فقال ﷺ : (يا عمر! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني قد غفرت لكم). انظروا إلى هذا العدل النبوي؛ تذكر حسنة عظيمة أمام سيئة عظيمة، حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وأرضاه من صحابة رسول الله أفشى أسرار الدولة، أفشى أسرار المصطفى ﷺ ، فجاء من يظن أن عقابه أن يقطع رأسه، ولكن من يتكلم بالوحي الذي لا ينطق عن الهوى يتكلم بهدي مبين وشرع من عند رب العالمين، يذكر حسنته عند سيئته هذه، هذا هو المنطق وهذا هو الواجب، إذا أردنا أن نعاقب فعلينا أن نذكر الحسنات والسيئات، إذا أردنا أن نجازي فلنذكر الحسنات والسيئات، لا أن ننظر بعين مغضية عن السيئات أو بعين مسرفة في الحسنات أو العكس، لابد أن ننظر بعين متوازنة إلى مجتمعنا وإلى أفرادنا وأئمتنا وعلمائنا وقادتنا وحكامنا حتى نعرف مقدار الخير الذي نملكه وحجم الشر الذي نخشاه على ولاة أمرنا ومجتمعنا وأنفسنا.

стр. 314

حاجتنا إلى المنهج القرآني العادل هذا العدل الرباني العظيم وإن كان هذا نوع استطراد عن موضوع المحاضرة لكن لا بأس؛ لأننا أيها الأحبة ربما أسرفنا شيئاً ما في بعض المواضيع فأسهبنا وتعمقنا في ذكر منكرات وسيئات ومعاصٍ ونسينا أن في مجتمعنا حسنات، وربما ابتلينا ببعض المنافقين والمداهنين الذين أخذوا يزيدون ويبالغون ويذكرون الحسنات حتى ظن بعض الناس أنه لا يوجد ولا يتصور أن يوجد على وجه الأرض مجتمع أفضل منا، أو يظن البعض أن صورة مجتمعنا هذه هي صورة شرعية مطابقة للكتاب والسنة على درجة (١٠٠%) وهذا أمر لا يجوز، حاجتنا أن ننظر بعين العدل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥]، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. حاجتنا أن ننظر بالمنهج القرآني، اقرأ من أول سورة آل عمران: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران:٧١] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٩٩] ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران:٦٦] خطاب وعتاب وكلام شديد على أهل الكتاب، ثم بعد ذلك يأتي قول الله: ﴿لَيْسُو سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣] انظر إلى هذا العدل القرآني حتى مع الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] وقالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] وقالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] وانظر نفس العدل وذات العدل من رب العالمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ [يونس:٤٤]، وكما يقول ربنا في الحديث القدسي: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً) انظر هذا العدل حتى مع الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] وحتى مع ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨١] قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ﴾ أي: جبل من الذهب ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ [آل عمران:٧٥]. نحن بحاجة إلى الوسطية والاعتدال في منهج الدعوة في الأمر في النهي في الإنكار في النصيحة في الموقف في كل شئوننا، وحينئذ نضمن بإذن الله سلامة سفينتنا، ومضي إبحارها على طريقة متواترة توصلها بإذن الله جل وعلا إلى بر الأمان وشاطئ السلامة. أيها الأحبة: أعود إلى أصل الموضوع لأقول: إن من يعتقد أن أهل السفينة ومجتمع السفينة ينبغي أن يكون مجتمعاً لا معصية فيه، أو لا يتصور أن توجد فيه الخطيئة فقد ضل ضلالاً بعيداً، ولو كان المقصود في الناس والحال التي عليها ولأجلها خلقوا أن يوجدوا على وتيرة لا معصية فيها ولا ذنب لَمَا كانت ثم فائدة عظيمة أو حاجة بليغة إلى آيات التوبة والاستغفار. الصحابي الذي جاءته امرأة وكان تماراً في المدينة وقد أعجب بجمالها فقالت المرأة وهي قد قدمت لشراء التمر: هل عندك تمر أجود من هذا؟ قال: نعم. في البيت أجود منه، فلما خلا بها في داره أو أغلق الباب وأوصده دونها كأنه مَسَّ شيئاً من جسدها، ولم يبلغ معها ما يوجب حداً، قال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان الذي فسره في الحرم المدني، ولستُ أدري هل هذا مذكور في الأضواء أم لا، قال: لعله كان بينه وبينها شيء من الضمِّ أو التقبيل أو نحوه وأمر لا يوجب الحد، فلما حصل ما حصل ندم الرجل وعاد نادماً آيباً إلى النبي ﷺ ، فأخبر المصطفى ﷺ بذلك، فما لبث النبي حتى تغشاه الوحي وأنزل الله جل وعلا آية مدنية في سورة مكية في سورة هود: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]. إن ذلك الصحابي يوم أن أذنب ذلك الذنب لم يُنْفَ من المجتمع، ولم يُصَنَّف مذنباً، ولاحظوا هذه المسألة الخطيرة التي بلي الناس بها في هذا الزمان عند أدنى ذنب أو خطيئة أو زلل أو خطل ونحوه فإنه سرعان ما يصنَّف ولا يُلْتَمَس له عذر، ما صُنِّف مذنب في عصر الصحابة ولا عصر النبي ﷺ بل يقال: مخطئ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]. الناس واحد من ثلاثة: إما سابق بالخيرات. وإما مقتصد. وإما ظالم لنفسه. هكذا ينبغي أن ننظر في تعاملنا مع بعضنا ونحن في وسط هذه السفينة التي تمخر بنا عباب بحار مليئة بأمواج خطيرة ومتلاطمة.

стр. 315

حاجتنا إلى الحفاظ على أمن الأمة أيها الأحبة! وما دمنا قلنا إن هذه السفينة تعالج أخطاراً في داخلها، وتواجه أعاصير وأمواجاً من خارجها فإن سلامتها وأمانها واطمئنانها يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلكم سبب خيريتها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]. هذه الصفة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي سبيل الأمان للسفينة، هي سبيل دفع الأمواج عنها وحفظ أهل السفينة وإصلاح شأنهم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبيل اكتسابها الخيرية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من دلائل بل من أوضح سمات أهلها: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١]. إذاً: نحن بحاجة إلى أن نشعر بالمسئولية، المدرس بحاجة إلى أن يشعر بها، المعلمة بحاجة إلى أن تشعر بهذه المسئولية وأن تتحملها، وأن تنظر وتتأمل حجم الخطر، ولك أن تتأمل الشيء عند فقده، وإذا أردت أن تعرف قيمة نعمة الأمن التي أنت فيها، فتخيل أنك ذات ليلة تبيت بلا أمن فهل تجد طريقاً سابلة؟ هل تطمئن على دار؟ هل تطمئن على مال؟ هل تخرج من بيتك آمناً على أهلك؟ هل تظن مصالحك ماضية؟ هل وهل وهل؟ انظر كل أمر من أمورك منذ أن تبدأ الصباح إلى أن تنتهي، نريد أن نشعر بحجم المخاطر التي تكتنف هذه السفينة؛ إذ أن شعور الإنسان فرع عن تصوره، إن الذي لا يتصور شيئاً لا يشعر تجاهه بقليل ولا بكثير، لكن تصور الأمر حق التصور هو الذي يجعلك تقدره. خذ على سبيل المثال: أنك في انعدام أمن وخلل اقتصادي وسياسي، يؤذن للفجر فهل ستسمع الأذان أم لا؟! هل ستخرج إلى المسجد لتصلي مع الجماعة أم لا؟! وإذا خرجت هل ستأمن على أهل بيتك أم لا؟! وهل ستبيت متوسداً سلاحك أم لا؟! وهل ستجد من الذخيرة ما تكفي هذا السلاح أم لا؟! تخيل أنك خرجت من البيت معك سيارتك لو اختل الأمن ربما وجدت الوقود يوماً ويومين وثلاثة ثم تصبح سيارتك كقطعة من الأحجار، هل ستجد أن مصالح الناس في وظيفتك ووظائفهم مستمرة أم لا؟! هل ستجد أن الأرزاق التي تُجْلَب إلى بلادك ستصل أم لا؟! هل ستجد ما تطبخ وتنضج به هذه الأمور أم لا؟! يا إخوان! لما فوجئنا بانقطاع التيار الكهربائي قبل شهر تقريباً أو شهر ونصف، الناس ضاعت حيلهم، الطيب منهم من وجد شمعة يستضيء بها في دهاليز بيته المظلمة. إذاً ينبغي أن تعلم حجم المخاطر التي تكتنفك من كل جانب، وهذا يحملك مسئولية أن تحفظ بيضة الأمة، إن هناك مسئولية يشترك فيها الحاكم والأمراء والجنود والشرط والعسكر والعلماء والدعاة والعوام والرجال والنساء ألا وهي: مسئولية الوعي الأمني المحافظة على استراتيجية الأمن البعيدة حتى يستمر للناس استقرار دينهم وعبادتهم وصلاتهم وأذانهم وكثير من أحوالهم، فلو اختل على الناس شيء من هذا -لا حول ولا قوة إلا بالله، ومعاذ الله أن يكون ذلك- فلا تسَل عن هَلَكَة القوم وضيق أمورهم ومعاشهم وأرزاقهم. أقول: إذا شعرنا بحجم هذه المسألة وتصورنا حجم حاجتنا إلى ما نحن نرفل فيه وحاجتنا إلى استمراره، فإن ذلك يحملنا المسئولية إلى أن نتحمس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأجله، من دخل سوق خضار فوجد ألوان الأرزاق والخيرات والناقلات من جميع ثمار البلدان تُجبَى إلى بلدنا هذا فليعلم أن من أهم الأمور التي تضمن استمرار هذه الناقلات: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أكبر أمر وأصغر أمر: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] لم يلبسوا إيمانهم بالشرك، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا يمتنع أن يندرج في معنى الآية: الظلم بأنواعه، الظلم العظيم الكبير الذي جاء في معنى قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] وظلم العباد بعضهم بعضاً بما ينالون من أعراض وأموال ودماء بعضهم البعض وظلم العبد نفسه بالمعاصي والسيئات والكبائر والمنكرات. إذا أردنا مزيداً من الأمن والطمأنينة فعلينا بمزيد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذا أردنا مزيداً من تفجر الخيرات من وسط الأرض من بترول وذهب ومعادن: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:٩٦] فمزيد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذاً سلامة السفينة من فتنة في داخلها ومن أمواج تتلاطم حولها تكون بالعناية بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر. كيف تتحطم سفن مجتمعات تحطمت أو هي في سبيلها إلى التدهور والانهيار؟! أيها الأحبة إذا ترك الأمر والنهي تحطمت وضاعت السفن بل حلت اللعنة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] لأجل أنهم تركوا صمام الأمان، وضيعوا مقود الهداية لهذه السفينة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حل بهم ما حل مما سمعناه وقرأناه. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣]. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:٦ - ١٢] كثر الفساد، ولم يوجد الإنكار، ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:١٣]. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢] قد يكون هذا من كفر الجحود وعدم شكر النعم، وربما استخدمت النعم في المعاصي فماذا كان؟ ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢]. قال بعض العلماء: ذُكِر الجوع والخوف في معنى اللباس أي: فُصِّل عليهم الخوف كما تفصَّل الأكمام على الأيدي، والسراويلات على الأرجل، والثياب على الأبدان، فُصِّل الخوف تفصيلاًَ وفُصِّل الجوع تفصيلاً لما ترك أمان الأمة ونجاة السفينة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولما عجبت عائشة ﵂ كما في الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: (خرج النبي ﷺ يجر إزاره، وقد احمر وجه غضباً، قال: الله أكبر! ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج إلخ الحديث، فقالت عائشة: يا رسول الله! أنَهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم. إذا كثر الخبث). والخبث هو: الزنا ودواعيه، الأفلام، المسلسلات، الأمور التي تجر إلى الاختلاط، الأمور التي تدعو إلى الفواحش، الأمور التي تدعو إلى المعاصي، كل هذه من الأمور الخطرة التي هي سبب هلاك الأمة سبب تحطم السفينة سبب قوة الأمواج التي تكسر هذه السفينة سبب اشتعال الفتن بين أهل السفينة في داخلها، وكما قلت لا يشترط أن تُكْسَر السفينة بموج أو عاصفة تجاه شعاب مرجانية تحطمها، بل ربما تحطمت السفينة وهي على بحر قد ركدت أمواجه؛ نتيجة فتنة وخلاف وشر مستطير بين أهلها ولا حول ولا قوة إلا بالله! ويؤيد هذا المعنى قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام:٦٥]. حينما تُغْرِق الأمة في المنكرات والمعاصي والضلالة فربما عُذِّبت وعوقبت بأن يضرب بعضها ببعض ويُلْبسوا شيعاً وفرقاً وجماعات شتى، ثم يضلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله ضلالاً بعيداً. إذاً: فانتشار المنكر، وشيوع الفاحشة وانحصار الخير، من أخطر الأمور التي تهدد الأمة، ليس فقط وجود المنكرات بل إذا وجدت في الأمة ضعفاً في الخير والدعوة والحماس للخير والبذل له فاعلم أنها على خطر؛ لأن القضية لا تقف عند حد معين: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧] لا يوجد مرحلة بين المرحلتين ومنزلة بين المنزلتين كما عند المعتزلة، لا. إما أن نتقدم في خير وربما إن لم نحقق التقدم في الخير ربما وقع الإنسان في تراجع إلى المنكر، ولا حول ولا قوة إلا بالله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧].

стр. 316

انتشار الخير وانحصار الشر دليل على البقاء أيها الأحبة: إن الخطر على سفينة المجتمع قد لا يكون بكثرة الشر، بل إن انحصار الخير أيضاً من المخاطر التي ربما كانت سبباً في حلول مزيد من الشرور والآثام، ولا تقف الأمور عند حد معين، فينبغي أن نعلم تماماً أن حاجة الأمة إلى المزيد والبذل والمواصلة والعطاء الدائم المستمر حتى وإن انخفض منحنى بذل الأمة ودعمها شيئاً لا بد أن يستمر، المهم ألا يتوقف الخير بأي حال من الأحوال، وهذا يعني أن الخير لا بد أن يظهر وأن يفشو. ومن علامات ظهور الخير وفشوه: نشاط جلي في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا وَجَدْتَ في الأمة نشاطاً جلياً واضحاً في الدعوة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاعلم أنها دلالة خير، وإن وَجَدْتَ الخير يخبو والإنكار ينتهي أو يقل أو يضمحل فاعلم أنها قرينة شر ولا حول ولا قوة إلا بالله. لذلك يقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في هذا المعنى في رسالته إلى واليه على المدينة، قال: [وليفشُ العلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً] إذا قَلَّ الخير واضمحل حتى أصبح رجل خير أو داعية خير لا يمكن أن يعلم أو يتعلم أو ينفع إلا سراً فهي دلالة شر، أما إذا كان الخير ظاهراً والعلم منتشراً وظاهراً فهي دلالة خير، وهذا مما يحمِّل الأمة مسئولية الإعلان بالخير في كل مكان، حتى ولو لم يجتمع لك إلا واحد أو اثنان أو ثلاثة، المهم أن تعلم أن الخير ممكن وميسَّر ومستمر. وعند هذه النقطة اسمحوا لي أن أعاتب بعض الذين قد نسجت العناكب على عيونهم وعقولهم خيوطاً، وكبَّلتهم عن التفكير، وقعدت بهم عن المضي في الدعوة إلى الله جل وعلا بحجة أنهم يخافون، إني أعلم أن أناساً يخافون من الدعوة إلى الله، والانتماء إليها، والانخراط في سلك الدعوة والعلماء والدعاة، ومناصحة الناس، ومخالطة الولاة، ومناصحة كل بقدر ما يحتاج، والثناء على كل بقدر ما يستحق، أناس يخشون من هذا ويهابونه هيبة عظيمة؛ لماذا؟ بحجة أنه خائف، ما الذي عندك؟ الله أعلم! إني أعجب من أناس ربما بعضهم لم يكتفِ بأن ينأى بل نهى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦]. في منطقة من المناطق شكى عدد من الشباب أن آباءهم يمنعونهم من الدعوة إلى الله والمشاركة فيها، والاشتراك في بذل الخير؛ سواء كان توزيع شريط أو طباعة كتاب أو اشتغال بأمر من أمور الدعوة، فإذا خاطب الشباب آباءهم وقالوا: لماذا تمنعوننا؟ قالوا: نخاف عليكم. مم تخافون عليهم؟! هل في مراقدهم طائرات؟! وهل في وسائدهم متفجرات؟! وهل في مطابخهم بارجات ومدمرات؟! أمر عجيب جداً من أناس يخافون من الخير وهم لم يفعلوا للخير خطوة واحدة، يا أخي! مم تخشَ منه؟! هل قيل لك: وزع شريطاً ممنوعاً؟! إن الذي يتبنى توزيع الأشرطة الممنوعة لَهُوَ على خطأ كبير جداً، لكن عندك آلاف الأشرطة المسموحة، اشتغل وانشط، وامضِ وصِلْ، وأعطِ ووزع وانشر منها ما استطعت من خير فهذا من ضمانات وروافد استمرار الدعوة إلى الله جل وعلا، الكتاب الذي توزعه هل طبع في مطبعة يهودية أو مطبعة بعثية أو ضالة، طبع في بلاد مسلمة تحت رقم وتصريح من وزارة الإعلام، هل تتصور أن يوجد تناقض بأن الوزارة تسمح بطبعه ثم يُمْنَع من توزيعه، لا يمكن أن يُتَصَوَّر مثل هذا التناقض. إذاً: فمن واجبك أن تنشط في الدعوة إلى الله، ولا تخشَ شيئاً، ولا تهب من قليل ولا كثير، إنك تعجب من بعض الشباب إذا كلمته قال: أنا مراقَب، وقلتُ هذا مراراً في أكثر من محاضرة، يا فلان ادعُ إلى الله، يا فلان أعطِ جارك شريطاً، يا فلان أعطِ طلابك شيئاً ينتفعون به، يا فلان إذا جاءك أقاربك وزع عليهم من الكتيبات والأشرطة، قال: أنا أخشى أن أراقَب، وممن تراقَب؟ ثم ماذا يعني؟ افترض أن ما تَوَهَّمْتَه صحيح: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدَّق ما يعتاده من توهُّمِ هب أنك مراقَب، ثم ماذا؟ الحمد لله أنك مراقب، وأن صفحتك بيضاء. يا أخي الكريم، ويا إخوتي الأفاضل، ينبغي أن نمارس الدعوة كما نشرب الماء يوم (١) شوال، هل يجوز لأحد أن يصوم يوم العيد؟ لا. ينبغي أن تمارس العمل الدعوي كما تمارس شرب الماء في نهار (١) شوال، في نهار يوم العيد لا بد أن نلغي عن أنفسنا عقدة الخوف من الدعوة إلى الله جل وعلا، وإن كثيراً يملكون قدرة على الخطابة، ومواهب شعرية، وأقلاماً نثرية، وكلمات جيدة، وأساليب نافعة، وحوارات مقنعة، وخيراً كثيراً ينفع في الهداية والدعوة، ولكن تبقى العقدة: أخاف وأخشى وو إلى آخره. يا أخي! مِمَّ تخش، اتقِ الله وتحرك وانفع هذه الأمة التي هي بحاجة إليك في الداخل وفي الخارج. كذلك أيها الأحبة حينما تترك الأمةُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنها على خطر عظيم، ولأجل ذا تتضح مثل هذه المعاني في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٦] إلى أن قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] نريد السلامة والأمن والطمأنينة والنعم والخيرات والنجاة من الهلكات والدركات؟ الأمر بالمعروف، الإصلاح، الدعوة بأساليبها وضوابطها.

стр. 317

المنكرات التي تعيشها المجتمعات ثم إن المجتمعات في هذه السفينة: فيها منكر خفي. وفيها منكر جلي. فأما المنكرات الخفية:- فهي ما يفعله الناس سراً، فلا يجوز لأحد أن يتلصص على أحد، بل لو علمتَ وأنت من سائر الناس رجلاً يستتر بمعصية من المعاصي فإن المشروع لك أن تناصحه ما استطعت في ذلك سراً، إلا إذا جاهر أو جعل من بيته وكراً ومركزاً لتصدير الفساد وتجميعه فحينئذ أصبح من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فالواجب إبلاغ المسئولين أو الهيئات عنه. المنكرات الخفية شيء والمنكرات الظاهرة شيء. أخطر ما يواجه السفينة المنكرات العلنية الظاهرة، إذ أن فعل أصحابها لها دون خوف من الله ولا حياء من خلقه وسكوت الباقين عنها أمر خطير، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] في الظلم الجلي، في المنكرات الواضحة، إلا إذا كان في الأمة من يناصح، فحينئذ يدفع الله البلاء عن الأمة بفضل منه ومِنَّة، ثم بغيرة وإنكار أهل الغيرة. بوب الإمام مالك ﵀ في الموطأ: باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة، وذكر أثراً عن عمر بن عبد العزيز ﵁، قال فيه: [إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عُمِل المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم] ويؤيد ذلك بل دليله حديث النبي ﷺ الذي هو عند الترمذي، والإمام أحمد، عن حذيفة بن اليمان قال ﷺ : (والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). أيها الأحبة: هذه من المصائب الخطيرة التي تنذر بهلاك السفينة حينما يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإننا في هذا المقام لنسجل بكل فخر واعتزاز أن بلادنا هذه هي البلاد الوحيدة التي بها جهاز مسئول رئيسه برتبة وزير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحاجتنا أن ندعمه وأن نؤيده بالتسديد والنصيحة والرأي والفكرة، ولا يعني ذلك حينما يوجد جهاز أن المنكر انتهى، لا. يوجد جهاز فيه خير كثير، ويوجد منكر نخشى منه شراً مستطيراً، ولكن واجبنا أن نثني على هذا وأن ندعمه ونؤيده ونسدده، ونجتهد في مناصحة أهل المنكر حتى تسلم الأمة من غوائل هذه المنكرات وسوء مغبة أمورها. أود أن أختصر هذه البقية حتى يكود باقي الوقت للأسئلة. أيها الأحبة: إن التساهل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خطير جداً جداً، ويورث في الأمة البطالة والفساد والانحراف، وانتشار أمراض اجتماعية، وأحقاد وحسد وتباغض وتنابذ، وأمور لا تُحمد عاقبتها، لماذا؟ لأن الناس إذا تركوا إنكار المنكر، معنى ذلك أنهم قد رضوا بواقعهم، إذا رأيت من لا يرضى أن يُنْكَر منكراً ولا يتكلم عن منكر؛ فاعلم أنه قد رضي بواقعه رضىً لا يَوَدُّ أن يغير من حاله، نعم كونك ترضى عن نفسك وترجو المزيد هذا شيء؛ لكن الرضا الذي ليس بعده شيء ولا تتوقع أنه يمكن أن تحقق شيئاً أفضل منه هذا هو الخطر. إذاً: فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خطر، أو نذير شؤم أن يرضى الناس وأن يطمئنوا بما عندهم، وأن يسكتوا عن إنكار منكرات مختلفة. أما بقية المسائل فلعلها لمحاضرة قادمة، ألا وهي فيما يتعلق بمراتب الإنكار، ووسائل الإنكار، ومقاصد الإنكار، وحقوق المنكرين، أو حقوق المحتسبة القائمين على مثل هذا، ومعوقات في هذا الطريق، لعل أن يكون نصيبها في محاضرة أخرى بإذن الله تعالى. أسأل الله جل وعلا أن يجعل هذه الكلمات خالصة لوجهه، وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 318

بيان لابن باز بشأن البدع عفواً! فضيلة الشيخ/ محمد بن إبراهيم الشعلان طلب مني قراءة هذه الرسالة من سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، وإدارات البحوث العلمية والإفتاء سماحة الوالد الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز متع الله به على طاعته. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد اطلعتُ على نشرة مصدَّرة بما نصه: قال رسول الله ﷺ : يا علي! لا تنم إلا أن تأتي بخمسة أشياء، وهي: قراءة القرآن كله. والتصدق بأربعة آلاف درهم. وزيارة الكعبة. -هذه وصية مكذوبة وخرافة من الخرافات التي يرددها ويروجها بعض الضلال والجهلة والمساكين والسذج والبسطاء، فأرسل سماحة الشيخ رسالة للتحذير من هذا وهي: يا علي! لا تنم إلا أن تأتي بخمسة أشياء: قراءة القرآن. والتصدق بأربعة آلاف درهم. وزيارة الكعبة. وحفظ مكانك في الجنة. وإرضاء الخصوم. إلى آخر ما تضمنته النشرة. يقول سماحة الشيخ: ولكون ما تضمنته هذه النشرة لم يرد في كتاب من كتب الحديث المعتمدة بل هو من الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ ، وقد نص بعض أهل العلم ﵏ على أن الوصايا المنسوبة إلى النبي ﷺ أنه أوصى بها علياًَ وكل ما صدر بياء النداء من الرسول لـ علي كلها موضوعة، ما عدا قوله ﷺ : (يا علي! أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي). وممن نصَّ على ذلك الشيخ/ ملا علي القاري في كتاب الأسرار المرفوعة بالأخبار الموضوعة المعروف بـ الموضوعات الكبرى، والشيخ/ إسماعيل العجلوني في كتابه كشف الخفاء ومزيل الإلباس. ولذلك فإني أحذر إخواني المسلمين من الاغترار بهذا الحديث وأمثاله من الأخبار الموضوعة، أو العمل على طبعها، أو نشرها بين المسلمين؛ لما في ذلك من تضليل العامة والتلبيس عليهم، والكذب على رسول الله ﷺ الذي وُعِدَ المتعمد له بالوعيد العظيم، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: (إن كذباًَ عليَّ ليس ككذب على غيري، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). وقال: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين). وفي الأخبار الصحيحة عن الرسول ﷺ والمدونة في كتب الحديث المعتمدة من الصحاح، والسنن، والمسانيد غنية لمن وفقه الله إلى الخير عن اللجوء إلى أخبار الكذابين والوضاعين -يعني: فيما صح من السنة غنية عن الأحاديث الموضوعة وغيرها-. أسأل الله أن يرزق الجميع العلم النافع والعلم الصالح، ويجنب الجميع طرق الضلال والانحراف إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مفتي عام المملكة العربية السعودية.

стр. 319

الأسئلة

стр. 320

طلب تسجيل النونية على شريط السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخبرك أني أحبك في الله. أما بعد: فقد سمعت لك محاضرة بعنوان: (دار المتقين) وذكرت أبياتاً من نونية ابن القيم ﵀ وكانت مؤثرة جداً فحبذا لو كانت النونية كاملة بصوتك يا شيخ، وأسأل الله أن ينفعنا وإياك بها وجزاك الله خيراً؟ الجواب لعل الله يسهل اختيار شيءٍ من أبيات النونية وتُسَجَّل في شريط، أسأل الله أن ينفع بها قائلها وسامعها.
следующие страницы →