Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
عليكم بالوقوف ضد العلمانيين
أوصيكم -يا شباب الصحوة! - أوصيكم يا رجال الصحوة! أوصيكم يا معاشر المسلمين في هذا البلد أن تلتفوا حول علمائكم، الالتفاف حول العلماء هو أكبر سد منيع أمام العلمانيين، لأن الناس إذا طلبوا من العالم وولي الأمر أن يحاكم العلماني الذي خالف، لا يجد العلماني محيداً من أن يقدم رقبته ذليلة أمام المحكمة ليسمع حكم الله عليه.
وأقترح بل وأطالب إذا وجد دكتور -مثلاً- وأخذ يستهتر بالقرآن، أو يقول: القرآن متناقض، أو وجد من يتهجم على السنة الصحيحة، أو وجد من يحاول أن يشكك في الأمة، ما هو المانع من أن تلغى شهادة الدكتوراه؟
стр. 2522
القضاة ودورهم في الوقوف أمام العلمانيين
إذا كان هناك رجل أنفقت عليه الدولة سنوات طويلة، وأخيراً جاءنا بشهادة يشكك المجتمع في عقائده وخصائصه وأركانه وأصوله، فلا بارك الله في شهادةٍ جاءت بهذا الأمر، الأمر سهل، تلغى هذه الشهادة، ويعمم على هذا الرجل، إلا إذا كان والله يريد أن يلقى له وظيفة في الشيطان الرجيم، أو في أي جهة، يذهب يبحث له عن وظيفة، أما أن يستهزئ بالقرآن، أو يستهزئ بالسنة، لو وجد هذا، أو أن يبدأ ويقول كلاماً فيه استهزاء، أو يشكك في الدين أو في السنة أو في القرآن، فما هو المانع من إلغاء شهادته؟ شهادة لا تصلح بالتدريس، بل بحكم الشهادات التي اشتريت شراءً، لأن العلم ليس شهادات، العلم أمرٌ ينبني على عقيدة، وعلى فكر يثمر سلوكاً، وينتج برنامجاً، ينتج مشروعاً يساهم في حفظ الأمة والمجتمع، وتحقيق أهداف الدولة، هذا معنى الشهادة، أو أن الشهادة مجرد أنك تبدأ تتحدث في كل منبر وتتكلم كيفما يحلو لك، لا.
هذا أمر مرفوض ولا يجوز، وأظن أن هذا ممكن بكل سهولة يوم أن يتجرأ أحد المنافقين أو العلمانيين على أمر من أمور الشريعة، فحينما يطالب الناس من علمائهم وولاة أمرهم أن يحال هذا الذي تعدى على الدين أو على الشريعة أو على القرآن أن يحال إلى المحكمة الشرعية، أظن من حق المحكمة الشريعة أن تحكم بما تراه، إذا كان القاضي له حق التعزير ولو بالقتل، أظنه بكل سهولة يستطيع أن يعزر بإلغاء الشهادة التي حصلت عليها، وإن عشت في متشقن، أو كلورادو، أو في فنزويلا، أو في سان فرانسيسكو عشر سنين من أجل هذه الشهادة، بكل سهولة نستطيع أن نلغي هذه الشهادة بحكم شرعي، ومن هنا أركز على القضاة وأقول: ينبغي أن نعتني بقضاتنا، وأن نلتف حول قضاتنا مع التفافنا بعلمائنا وولاة أمرنا؛ لأن القضاء مسئوليتان: مسئولية قضائية للفصل بين الناس فيما يحصل بينهم من نزاع.
ومسئولية ولائية، يعني: القضاة هم نواب الإمام في ولايات عديدة مثال ذلك: الأموال التي لا وصية عليها، لا يمكن أن يتصرف الوصي بدون نظر القاضي في مشاركته، المرأة التي لا ولي لها يزوجها القاضي، أمور كثيرة القاضي يتولاها، فمصالح المجتمع القضاة من أهم من يعنون بها، وهم مسئولون عنها أمام الله، فينبغي أن نوصل ونبين ونبرز ونعلن ونخبر القضاة بما يحدث، وبما يدور في هذا المجتمع ليتولى كل واحد منهم مسئوليته.
أيها الأحبة! تقول واحدة من اللائي شاركن في تلك المظاهرة: والله لو علمنا أن الأمر سيحدث إلى ما آل إليه، أو أن المجتمع سيضج هذه الضجة ما توجهنا.
إي والله، يعني: ظنوها غضبة ساعة وتنتهي، لكن سبحان الله العلي العظيم!
وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببٌ ما بعده سبب
يقول أحد الذين كانوا يخالطون بعض العلمانيين ويعرفونهم بأسمائهم أو بسيماهم، ويعرفون عنهم فيما سبق من حياتهم، يقول: سبحان الله! هؤلاء تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، يجلس ثلاثة يتحدثون، فيقوم واحد، فيبقى اثنان يلعنان الذي خرج، والله يا إخوان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦] هؤلاء كيدهم كيد شيطان، وكيد الشيطان ضعيف، هؤلاء أحقر من أن ينالوا المنزلة والمكانة، ولذلك انظروا عدد البرقيات والاحتجاجات التي بلغت حتى المساجين في السجن أبرقوا برقية، ومعهد النور الذي يتكلم فيه المكفوفون الذين ما يرون النساء أبرقوا برقية، ومع ذلك من الذي أبرق تأييداً لهذا الأمر؟ ربما لا يتجاوزون ثلاثة أو أربعة، أما الذين قالوا: خمسين ألف برقية، مائة وسبعين ألف برقية، فكل هذا ليس بصحيح أبداً.
نعم يوجد من أيد، لكن يدخل الحمام ويرفع صوته ويقول: نعم لقيادة المرأة، نعم نعم، ويبرد عن قلبه قليلاً في الحمام ويخرج، لا سبيل له أن يعبر عن رأيه إلا في المنبر الحر الخاص به وهو الحمام، أما غير ذلك لا يستطيع أن يؤيد، يؤيد أين؟ فعلى أية حال -أيها الأحبة- أقول لكم: إن بعض الفتيات من اللائي خرجن أو شاركن -والله- مغررٌ بهن، ومن هنا حينما نسأل الله لهن الهداية، فإننا نسأل الله الهداية اللائي الذي غرر بهن، أولئك الضعيفات المسكينات اللائي ظنن أن الأمر مسألة قيادة سيارة وانتهين، في عدد منهن غرر بهن، وبعض اللاتي يعلمن بهذا الأمر مغررٌ بهن أيضاً، لكن مجموعة شياطين، أو رءوس مدبرة أو مفكرة، هؤلاء إن علم الله فيهم شراً وفساداً على أهلهم وآبائهم وأمهاتهم وذرياتهم ومجتمعهم، فنسأل الله أن يأخذهم عاجلاً غير آجل، وكما قلت لكم: أولئك العلمانيون المندسون المتسللون أولئك أصبح الآن بعضهم يلبس ثوب الإسلام، ويتحدث باسم الإسلام، وبعضهم ظل يحاول أن يثبت أنه يصلي مع الجماعة، وبعضهم يعني: ضربهم الخوف والرعب بفضل الله جل وعلا.
فيا معاشر الشباب: نحمد الله على هذه الحال التي ألفت هذا المجتمع رب ضارة نافعة: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩].
أيها الأحبة! حقاً إن أولئك الذين يسمون دعاة التحرير إنهم لا يريدون حرية المرأة، ولكن يريدون الهاوية والمصيبة والحضيض للمرأة.
стр. 2523
نداء للشباب من أجل التعاون مع العلماء
قبل أن أختم: أيها الإخوة! من خلال متابعاتي لبعض ما يكتب، وبعض ما ينشر من الكتابات يظهر لي أن بعضاً من العلمانيين يملك سكرتارية متكاملة في الشئون الاقتصادية، وفي الشئون السياسية، وفي الشئون الاجتماعية، فلا يعقل أن رجلاً يستطيع أن يكتب كتابات بهذا العمق وبهذا المستوى من تلقاء نفسه، لا بد أن يكون له سكرتارية تتابع الأخبار أول بأول، وتعد له المعلومات وتحضر كل شيء، وما عليه إلا أن ينزل المقال باسمه سواءً في مجلة أجنبية، أو في إذاعة خارجية، أو غير ذلك.
لكن أقول: أيها الأحبة! نحن بحاجة إلى سكرتارية، علماؤنا بحاجة إلى سكرتارية، وأنتم سكرتارية العلماء، أنتم المكتب الإداري لعلمائكم ولقضاتكم ولولاة أمركم، فأنتم -يا شباب الصحوة- فيكم من عنده الوعي السياسي، والوعي الاقتصادي، والوعي الاجتماعي، ومنكم من يجيد اللغة الإنجليزية، فأرجو من كل واحدٍ منكم أن يعتبر نفسه سكرتيراً أولاً لسماحة الشيخ/ ابن باز متع الله به، ولا أظن واحداً منكم يحرم نفسه هذا الشرف أن يكون خادماً لهذا الشيخ، لا والله، بل إنه غاية الشرف أن نعين سماحة والدنا على ما يمكن أن نقدم له من حصر واستقصاء ورصد ومتابعة بدقة كافية لكي نقدم بين يدي سماحته وبين يدي علمائنا، وكذلك لولاة أمرنا، نحن أيضاً سكرتارية لولاة الأمر، لكي نقدم كل شيء فيما هو خطرٌ قد يخل بأمن المجتمع، ولا حول ولا قوة إلا بالله! المطلوب منكم -أيها الإخوة- أن تتابعوا من يظن فيهم الانحراف الفكري أو من عرفوا بذلك، نريد منكم أن تعتنوا برصد المقالات السابقة، يعني مثلاً: إذا أحد اشترى مجلة كذا، أو جريدة كذا، يشتري مجلداتها، ويتخصص في كتابات الكاتب الفلاني، ويبدأ يتفرغ لها، ويقرأها سطراً سطراً، واجمعوا زلاته من أول ما كتب إلى يومنا هذا، حتى إذا تكلم الأغيار، وقالوا: إن الدكتور الفلاني، أو الاستاذ الفلاني، أو السمكري الفلاني، أو البنشري الفلاني، ما هناك مشكلة، أن فلان بن فلان عنده من الأفكار كذا وكذا، نقول لعلمائنا: وهذه البينة، في مجلة كذا، يوم كذا وكذا نشر هذا المقال، وهذا المقال موجود، الجرائد لا تنسى شيئاً، والمحلات لا تضيع شيئاً.
على أية حال هي سجل يحفظ، وما كانوا يوماً ما يظنون أن كتاباتهم ستشهد عليهم وستدينهم، لذلك أقول: يا شباب! من عرف بعدواته للصحوة، وعداوته للأمة، وحقده على المجتمع، فمن واجبكم البحث، هذا الرجل أين يكتب؟ في أي مجلة؟ والله عرفنا أنه يكتب في مجلة كذا وكذا، فليتقاسم الشباب هذه المجلة، وليطلبوها من المجلدات القديمة، من بداية كتابته في تلك المجلة، أو الجريدة إلى يومنا هذا، وليجمعوا مقالاته مقالاً مقالاً، وليرصدوها وليحللوها، وليقدموا بها تقريراً لأمير المنطقة، لولي الأمر، ولسماحة الوالد الشيخ وللعلماء والقضاة، حينئذٍ -يا إخوان- والله لا يجرأ علماني أن يمسك القلم إلا سقط القلم عشر مرات، يعني: يستأجر عاملاً يمسك القلم في يده من أجل أن يكتب، إذا علم أن وراءه من يرصد الحرف والكتابة.
أكبر دليل على أنهم كانوا يعتقدون أن المجتمع مجتمع غبي وجاهل وساذج كتاباتهم في الحداثة، كتابات الحداثيين التي بلغت حد الشرك والإلحاد، ما كانوا يظنون أن أحداً يوماً ما سيخرجها بأكملها ويعرضها بين يديهم حتى قالوا: يا ويلنا من جمع هذا عنا كله؟ لكن فليعلم العلمانيون أن المجتمع فيه من يرصد هذه الحركة، والعودة إلى سجلات التاريخ من الوثائق والمقالات والبرامج وغيرها التي تخرج أفكارهم جميعاً، هذا واجبكم يا سكرتارية الأمة، يا سكرتارية ولاة الأمر والعلماء، وهذا أمر مطلوب منكم.
стр. 2524
دور الصالحات في تبيين الهدف من دعوة التحرير
كذلك أقول: وما دامت القضية قضية الأخت المسلمة، وقضية المرأة المسلمة، أقول: لا بد للأخوات المسلمات من مشاركات نشطة وفعالة وجيدة، لا بد أن تتخصص الأخوات الداعيات وبناتنا وزوجاتنا وأمهاتنا وأخواتنا ممن يقدرن على رصد هذا الفكر، والقراءة فيه، والخروج بنتيجة حول هذا الموضوع، لا بد أن تعد الواحدة منهن تقريراً جيداً، ومادة جيدة لتكون محاضرة أو موضوعاً، فتزور هذه الثانوية، وتلقي على البنات ماذا يراد بالمرأة، وتزور الجامعة الفلانية وتلقي، هذه مسئولية الأخوات الداعيات.
لا بد لكل واحدة أن تجتهد، وأن تجمع كتيبات وأشرطة ومقالات فيما يتعلق ببيان فضيحة العلمانيين والمنافقين في دعوى تحرير أو (تخريب) المرأة، وكيف خربت المرأة في مصر، وكيف يراد تخريبها عن طريق الأندية الرياضية مثلاً، أو عن طريق الجمعيات، أو عن طريق مجالات معينة، أو الدخول في أمور لا تليق ولا تناسبها، هذا واجب الأخت المسلمة أن تعتني به، وأن تعرف دورها، وأن تقوم به على أتم وجه وأحسن حال.
стр. 2525
سبب التحدث عن العلمانيين
ختاماً: لماذا الكلام عن العلمانيين؟ لماذا الكلام عن المنافقين؟ لماذا نصيح ونقول: تباً يا دعاة التحرير؟ تباً يا دعاة التخريب، مهلاً يا دعاة التخريب، لماذا نقول ذلك؟ نقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] كل هذا الأمر من أجل ألا تصيب الأمة فتنة من الفتن، أو غاشية من عذاب الله، أو أن يسلط الله جنداً من جنده: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١].
تقول عائشة: (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.
-تهلكون وفيكم من يقوم الليل، ومن يصوم الإثنين والخميس، ومن يتصدق-نعم.
إذا كثر الخبث) إذا كثر الخبث تهلكون ويهلك الصالح والطالح، وإذا غرقت سفينة المجتمع، يغرق فيها الأخيار والأشرار والأبرار والفجار: (إذا كثر الخبث) متى يكثر الخبث؟ إذا خرجت المرأة عن طورها، وعن دورها، وعن طبيعتها، وعن مهمتها، وعن مسئوليتها، فسحقاً وتباً وبعداً يا دعاة التخريب لستم دعاة التحرير.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا واسمك الأعظم؛ أن تفضحهم على رءوس الخلائق، اللهم افضحهم على رءوس الخلائق، اللهم افضحهم على رءوس الخلائق، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، اللهم ما علمت فيهم فجراً وحقداً على ولاة أمرنا وعلمائنا وأمتنا ومجتمعنا، اللهم اجعل سلاحهم في صدورهم، واجعل كيدهم في نحورهم، وأدر دائرة السوء على رءوسهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم سلط عليهم جندك يا من لا يعلم جنده إلا هو.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2526
الأسئلة
стр. 2527
قياس تعليم المرأة على قضية قيادتها للسيارة
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
استبشرنا أخيراً عندما علمنا أن الفاسقات اللاتي خرجن قد فصلن من أعمالهن، إلا أننا وهذا اليوم يوم الأربعاء الموافق ١٨/ ٥ قد فوجئنا بنزول جداول مواد للفصل الدراسي الثاني في جامعة الملك سعود واسم المذكورات موجود أمام مواد سيقمن بتدريسهن لفتياتنا أحببنا إحاطة فضيلتكم للعمل بما تستطيعون به، والله يحفظكم ويرعاكم.
السؤال
في جريدة ما كتب مقال عن قيادة المرأة للسيارة، وأنها سوف تقود السيارة في المستقبل، لأنه سبق أن عرض كل من التليفزيون ودراسة المرأة، وفي الأخير درست المرأة، واشتغلت في التليفزيون وما إلى ذلك، فما هو ردنا على هؤلاء، نرجو توضيح الأمر وفقكم الله؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: أما مسألة أنه نزل أسماء بعض اللائي قمن بإدارة أو تدبير أو المشاركة في هذه المظاهرة، فأعدكم بمن الله أن أبلغ أمير الرياض حفظه الله بهذا، وأن نبلغ سماحة الشيخ بهذا الأمر لمتابعته، ولنا فيهم بعد الله وطيد الثقة والأمل.
وأما ما يتعلق بأن كاتباً ما كتب في جريدة ما بشرق أوسطٍ ما، لأنه المسألة معروفة يعني، كتب وقال: إن قضية قيادة المرأة قضية يحسمها الزمن، مثلها مثل قضية تعليم المرأة، ومثل مسألة البرقية وهلم جراً، الحاصل أيها الإخوة قبل أن نأتي إلى بيت القصيد قضية تعليم المرأة من الذي عارضه في المجتمع؟ عدد محدود وبسيط جداً جداً في مناطق أيضاً محدودة وبسيطة جداً، ولا شك أيضاً أن نوع المعارضة لم يكن على فكرة تنوير المرأة، ورفع الجهل عنها، وإلا كان ربما لعدم وضوح المنهج في تعليم المرأة، فهل تقاس قضية عارض فيها اثنان في المائة بقضية عارض فيها ثمانية وتسعون بالمائة؟ هل يقاس تعليم المرأة بقيادة المرأة؟ هل يقاس رفع الجهل عن المرأة بجر المرأة إلى الهاوية والإباحية والمصيبة؟ لا والله، إذاً فالذين يقولون: القضية قضية زمن، أولئك يبدو أنهم أجهل من أن يقدروا النسب المئوية في الحوادث أو الأحداث، هذه مسألة.
المسألة الثانية: أن سمو وزير الداخلية الأمير/ نايف بن عبد العزيز حفظه الله، قولوا آمين، نسأل الله أن يحفظه وإخوانه وأعوانه، وأن يصلح بطانتهم، وأن يجمع شملهم على كتاب الله وسنة نبيه، صرح تصريحاً رائعاً جميلاً في نادي مكة الأدبي، بأن هذا الحدث مرفوض شرعاً وعقلاً ونظاماً، وبيَّن موقف الدولة -منَّ الله عليها ووفقها- في هذه القضية، (قطعت جهيزة قول كل خطيب) هذا التصريح من مصدر مسئول يقطع الحديث في هذا الموضوع نهائياً، ولكن نفاجأ أن صاحب المقال يقول: إن القضية لم تنته بعد، وإنها قابلة للحوار في المظلة القادمة، فمن هو الذي يتحدث باسم الدولة؟ هل هو سمو الأمير أم هذا الرجل؟ لا شك أنه سمو الأمير حفظه الله.
إذاً نعرف من هنا أن هذا تطاول، ولكن لنا في المسئولين الثقة بعد الله جل وعلا في أن يعالج هذا الأمر، أو يتناول هذا الأمر بالأسلوب الرادع المناسب.
стр. 2528
قضية التطوع للبنات في التمريض
السؤال
يقول: فضيلة الشيخ: ما موقفنا تجاه التطوع للبنات في التمريض؟
الجواب
والله يا إخوان لا أحد يعارض أن المرأة تتعلم شيئاً ينفعها وينفع أولادها وبيتها وبناتها إلى غير ذلك، ولكن -يا إخواني- الأمر عجيب جداً جداً جداً! سنوات طويلة والناس تنتظر تجنيد الرجال وتدريب الرجال، وخرج الأمر بعد دراسة طويلة متأنية، وفجأة يدرس وينفذ مسألة التمريض في لحظات ودقائق، فنريد أن نسأل: ما الفارق بين هذا وهذا؟ هذه مسألة.
المسألة الثانية: إذا كان التمريض المطلوب لكي تتعلم المرأة ما يناسب عنايتها ببناتها وأولادها، وزوجها وأهلها، فإن لهذه الدورات مكانها المناسب، لا تقام في مكان يختلط فيه الغادي والرائح والذاهب والآيب، لا يجوز -يا إخوان- بدعوى أن نعلم المرأة كيف تسعف ولدها وبنتها، أن نجعلها تختلط بالرجال في الطوابير وتدخل على المرضى الرجال، فموقفنا من هذه الرفض، ولا نقبلها، ولا يقبلها كل غيور على بنته وزوجته وأهله إلا حينما تقوم مثلاً في ظل جامعة البنات، أو في ظل مستشفى نسائي كامل (١٠٠%)، وتكون هناك دورات لتعرف المرأة الإسعاف الأولي لأطفالها وأولادها، والذي يتولى الأمر من بدايته إلى نهايته نساء، ولا ترى الرجال، ولا يراها الرجال، ففي هذا خير عظيم، وما سوى ذلك فالباب مفتوح للعلاقات المشبوهة من خلال هذه القضية.
стр. 2529
وجود نادٍ فيه اختلاط في المملكة
السؤال
يقول السائل: نعم يوجد نادٍ فيه اختلاط ويوجد فيه أنواع من الرياضة ومنها السباحة والتنس وما إلى ذلك في الحي الدبلوماسي، ماذا يجب علينا وفقكم الله؟
الجواب
في الحقيقة أنا بلغني هذا، وما قلت الكلام لكم عن الحي الدبلوماسي جزافاً، ولكن أقول: أريد مزيداً من المعلومات، وأريد مزيداً من الوثائق والبيانات، حتى حينما نضع أمراً بين يدي المسئولين وولاة الأمر والعلماء حفظهم الله، يكون الأمر موثقاً محققاً متأكداً منه، لأنه بسهولة تسمع الكلام في أي مجلس، والذي بلغني أيضاً ليس فقط بلاغ شخصي مجرد، بل أيضاً وصلني الجدول، أو دليل الاشتراك في هذا النادي، لكن أيضاً أريد مزيداً من الشواهد والأدلة، وهذا واجبكم أن تساعدونا لنحفظ مجتمعنا متعاونين جميعاً في إطار واحد.
стр. 2530
قيادة المرأة للجمل ليست كقيادتها للسيارة
السؤال
لقد أذاعت إذاعة غربية في صحيفة غربية على لسان كاتب يقول الكاتب: أليست المرأة كانت تقود الجمل على عهد النبي ﷺ ، فما المانع في قيادة السيارة لها هذه الأيام، لأن السيارة حلت محل الجمل، نرجو توضيح هذه الشبهة وفقكم الله؟
الجواب
الفرق أن الجمل ما له دركسون والسيارة لها دركسون، يا إخوان أريد أن نفهم وأن نعلم أن القضية ليست ركوب امرأة على مقود قيادة، نريد أن نفقه وأن نعرف أن العلمانيين المنافقين ضعفاء العقول المغرر بهم يظنون أن النزال والنزاع في هذه القضية هو قضية هل يجوز للمرأة أن تدق إشارة وتلف يمين و (تفرمل) و (تعشق) أو لا؟ ليس هذا محل النقاش في القضية، القضية أبعد من هذا كله، يوم أن تركب المرأة السيارة وتقودها خذوا على هذا طرفة: إذا امرأة تخاصمت مع زوجها، والله ما يلحقها في الخط الدائري، لا نزال في بداية المصارعة، في بداية النقاش لحظات والملابس عند الباب: هيا اذهب بي إلى عند أهلي، فما بالك إذا قادت السيارة، أقول هذا على سبيل الدعابة، لكن إذا قادت المرأة وقطعت الإشارة فيصدر تعميم يسمح لكل امرأة أن تقطع الإشارة ولا تحاسب، وإلا فضروري أن يوقفها الشرطي ليسألها: الرخصة الله يصلحك، الاستمارة الله يمتع بك، ما هذا الكلام؟ والمرأة تتأخر عن البيت إلى العصر، أين كنت؟ أين الغداء؟ تقول: والله بنشر الكفر، ما الذي صار؟ والله خبطت، حدوها الشباب وطلعوها على الخط.
يا إخوان! الله جل وعلا الذي شرع بحكمة يعلمها، ولطف قدَّره، وعلم يراه جل وعلا ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] كل هذه الآيات هل توافق قيادة المرأة، وإلا تخالفها؟ لا شك أنها تخالفها، إذاً فهل ننقاد لجر المرأة إلى الهاوية بدعوى أن المرأة كانت تركب البعير، لها أن تركب السيارة، ونحن الذين نذهب بها، ونحن الذين نقضي حاجتها، ونحن الذين نذهب ونجيء لأجل مصلحتها، نجعلها تتسوق بصحبتنا فيما تحتاج إليه، ولا بد من تناوله بيدها وما يتعلق بذلك، لكن إذا قادت السيارة وخرجت لوحدها حتى ينفرد بها من ينفرد في أطراف المدينة، أو يخالطها من يخالطها في أي مكان، من أين يحصل للمرأة العفة والحياء وغض البصر؟ وإلا سوف تسوق السيارة وهي مطأطئة رأسها في غض البصر، لا يمكن أن تعقل هذه المسائل كلها، فالذين يقولون: قياس قيادة المرأة على ركوب الجمل، الجمل قضية ركوب وليست قيادة، الجمل وسيلة لنقل المرأة، فنحن ما منعنا المرأة تركب في السيارة مع محرمها، أو حينما لا تكون الخلوة في قضاء حاجتها، ما هناك مانع أن المرأة تركب، لكن أن تقود هي في مجتمع الأعين فيه شاردة، والنظرات جائعة، والمرأة ضعيفة، والأخطار كامنة، ونقول: المرأة قادت الجمل، فلماذا لا تقود السيارة؟! أظن أن هذا قياس غبي مع الفارق.
стр. 2531
الجمعيات النسائية قد تكون أوكاراً للفساد
السؤال
نعلم علم اليقين أن الجمعيات النسائية لها دور كبير فيما حصل، ففي الرياض جمعيتان هما: جمعية الوفاء، وجمعية النهضة، فنرجو أن توضحوا ذلك الدور، كذلك ما رأي فضيلتكم في دخول الفتيات المستقيمات فيها ومعرفة ما يدور فيها، نرجو توضيح الأمر وفقكم الله؟
الجواب
أيها الإخوة! الجمعيات النسائية إما أن تكون خيراً، وإما أن تكون شراً، وللأسف إن كان زمام المبادرة في بعضها قد أخذه من لا ينتظر منه الخير، أو من لم يظهر منه الخير حتى الآن، اللهم إلا بعض الأمور التي لا تشجع على الثناء أو الثقة، لكن أنا بالنسبة لي محدود الاطلاع فيما يتعلق بالجمعيات النسائية، وإن كان حد علمي ينتهي إلى أنها أوكار وأماكن لتوجيه بعض النساء في أمور لا توافق ولا تناسب طبيعة هذا المجتمع المسلم بما يخدم اتباعه لكتاب ربه وسنة نبيه ﷺ ، أو على الأقل فيما لا يعين على التمسك، لكن أرجو ممن عنده معلومات وافية وجيدة عن جمعية النهضة وجمعية الوفاء، جمعية كذا، أرجو أن يعتني بجمع ما يسر الله له، وأن يزودني بهذا فأدعو له، وجزاه الله خير الجزاء.
стр. 2532
وقفة مع مسرح الطائف، ومع رجل يدرس الطالبات مشافهة دون حاجز
السؤال
هل لك من كلمة حول ما يحصل في مسرح الطائف للتمثيل خاصة وفيه اختلاط، أو ما يشتكين منه طالبات جامعة الملك فيصل بـ الدمام، وهو تدريس الرجل للطالبة مشافهة دون حاجز؟
الجواب
يا إخوان! هذه وقاحة وكسر للحياء، كان الأولى بهذا المدرس أن يكون مأموناً على أعراض بناتنا وأخواتنا، فلا يرضى بهذا، وبإمكانه أن يحقق ما يريد بوسيلة أخرى، وما وقفت مصيبة المجتمع على هذا الفصل أو على هذه المادة حتى نكون أو لا نكون بسبب هذه المادة، ولكن هذا مما يدل على أن هناك إصراراً وتحدياً، ولا يزال أملنا في جامعة البنات حلاً لهذه المشكلة.
لقد سئلت عن هذا الكلام في الأحساء من طالبات جامعة الملك فيصل، وقالوا: إن هناك أحياناً يحصل مدرس، وربما هذا المدرس يتكلم بأمر لا يليق، فقلت: ينبغي للطالبات أن يخرجن من الفصل جميعاً، وأن يذهبن إلى العميدة أو إلى المسئولة، فإن لم يجدوا امرأة مسئولة أو قاضياً أو عالماً من العلماء يرفع إليه الأمر، فليرفعوا مسئوليتهم، أو شكايتهم إلى أمير المنطقة أو إلى وزير الداخلية، أو إلى خادم الحرمين حفظه الله، أما المرأة تجلس والدكتور يكلمها ويشافهها هذا أيضاً أمر غير مقبول، من واجبها أن تترك القاعة لكي يشرح للماسات والكراسي والجدران، وحينئذٍ يشعر المدرس أنه منبوذ، فإن لم يكن في قلبه غيرة لكي يحترم هؤلاء البنات، فإن البنات في أنفسهن غيرة على أعراضهن وأنفسهن، فيخرجن ويتركن له القاعة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
стр. 2533
سحب بعض الصلاحيات على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السؤال
يقول السائل: -طبعاً ممكن ألا نوافقه على هذا- أحداث الخليج استفاد العلمانيون منها بمشروعهم السخيف وهو تخريب المرأة، وأنتم أيها الدعاة -على حد قوله- لم تستغلوا الوضع وتطالبوا بإزالة أكثر المنكرات الشائعة، بل سحب البساط من تحت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم هذا؟
الجواب
أيها الأحبة! هذا مما نرجو الله جل وعلا أن يسدد خطى العلماء وولاة الأمر فيه، لأنه بدأت فيه خطى طيبة بعد اجتماعات مباركة بمن الله وفضله وتوفيقه، ونحن على أمل قريب أن نسمع باب التطوع في الهيئات قد فتح على مصاريعه، ومن أراد أن يتطوع في الهيئة كما أن التطوع حاصل في التمريض، وكما أن التطوع حاصل في الدفاع المدني، وكما أن التطوع حاصل في الجيش، فيفتح التطوع في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قريباً نحن على أمل أن نخرج هذا المشروع، ولنا ثقة بالله أن يتحقق هذا الأمر قريباً.
وأما مسألة سحب الصلاحيات، ففي الحقيقة والله يا إخوان كانت الهيئة قد وفرت على رجال الأمن وضباط الأمن جهداً كبيراً في وقتهم وفي فكرهم وانشغالهم، يعني: كانت قضية الاختلاء المحرم، وقضية التحقيق في بعض المسائل، وأمور كانت الهيئة تقوم بها، فتجد رجل الأمن أو الضابط مفرغاً لقضايا القتل لقضايا الاختطاف لقضايا الاغتيال لقضايا السرقة تحتاج إلى متابعة وطول نفس، فإذا أشغلنا رجال الأمن بصغار القضايا مع كبارها، ماذا يبقى عندهم؟ ولذلك فإن الحاجة ماسة إلى عودة التحقيق والصلاحيات للهيئات، وهذا ما ننتظره ونطالب به عاجلاً غير آجل.
стр. 2534
ليس الحكم الشرعي إلغاء شهادة المستهزئ بالدين بل القتل
السؤال
ذكرت في حديثك أن الدكتور إذا نادى أو شكك في القرآن، فتسحب شهادة الدكتوراه منه، وقد يفهم أن هذا الحكم الشرعي؟
الجواب
لا شك أن من شكك في حرف من كلام الله، أو فيما هو ثابت من سنة رسول الله، فهذه ردة، وحكم المرتد أن يقتل، لكن أقول: إلى جانب هذا، ليعرف كل من يجرؤ على الكلام، أو التلميح من قريب أو بعيد في مسائل تتعلق بالشريعة حسمت شرعاً أن الشهادة تسحب منه يوماً من الأيام، ما عاد هناك رخصة عمل، مثل: العامل الذي يبحث له عن عمل.
يقول له: أخرج الرخصة، هل معك رخصة؟ أو هذا الجدار يبنيه غيرك، لا تبنيه أنت، وأما الحد الشرعي، فأنا أوافقك ولم أقصد أن الحد الشرعي مجرد فصله من وظيفته، بل الحد الشرعي في من استهزأ أو شكك في الثابت من القرآن، والثابت من السنة، فلا شك أن هذا حده القتل، لأن هذا الفعل خروج ومروق من الملة وردة تستحق القتل، وكما قلت: إن ظن العلمانيون أن الدولة ضعيفة، فأنا على ثقة أن من حرك أنفه فإن الدولة لن تسمح بتسلط الفوضى في هذا المجتمع، لا سيما ونحن بمن الله جل وعلا يد واحدة من ولاة الأمر والقضاة والعلماء وشباب الصحوة ورجال المجتمع، لأننا نشم أن سيتسلل في صفوف المتحمسين أو في صفوف الطيبين من يظن به الحماس، والحماس لا بد أن يكون معروفاً ومنضبطاً، ولذلك يسرني هذا العنوان الذي سمعته لفضيلة الشيخ/ عبد الوهاب الطريري (الحماس الذي نريده) أقول: يا شباب! فلنركز جيداً على أننا أمة واحدة ومجتمع واحد، ولا نسمح بالتصرفات الفوضوية كما نوهت عن قضية المنشورات كتصرف فردي، وليس الذي كتب المنشور من الطيبين والملتزمين ابتداءً، نعم.
قد يوجد من يظن أنه قد يخدم الإسلام عندما يصور عشر أوراق أو عشرين ورقة، وقلنا: لا.
وليس بدليل شرعي، وليس الاستحسان بدليل على مثل هذا الأمر.
رام نفعاً فضر من غير قصدٍ ومن البر ما يكون عقوقاً
لكن أقول: مع جرأتنا في الحق قوة في الصلة بالولاة والعلماء والقضاة لكيلا نسمح لأحد أن يتنفذ في صفوفنا بأي حال من الأحوال، وأحذركم -يا شباب وانقلوها عني في كل مجلس- أحذركم ممن قد يتزيا بزي يظن أنه رسمي، أو ينتحل شخصية رسمية، ليدعي أنه رجل مفوض، انتبهوا جيداً، إذا طلبت، أو إذا أردت أن تقدم شيئاً، فمبنى الإفتاء ومبنى الإمارة والجهات الرسمية واضحة شامخة، فلا يجرك أحد يقودك إلى أمر لا تعلمه أنت، إذا أردت شيئاً، فاذهب إلى هذه البوابات المفتوحة ليكن عملك صريحاً واضحاً.
يقول ابن مسعود: [إذا رأيت الناس يتسارون في أمر دينهم، فاعلم أنهم على دسيسة] لماذا؟ لأن أمور الدين أمور مبنية على الصدق والجهر بالحق والنطق والصراحة، أخشى من إنسان نظن أن مقاسنا فيه مقياس شكلي أو ظاهري، وقد نرى فيه نوعاً من التهور، أو نوعاً من الغلظة، فنظن أن هذا أخلصنا وأعلمنا، وأحقنا وأغيرنا على مجتمعنا، لا.
لن نسيء الظن بالضرورة، لكن لن ننقاد بما يريد، قبل أن ننفذ شيئاً يراد منا لا بد أن نراجع سماحة الشيخ، نراجع علماءنا، نراجع قضاتنا، نراجع ولاة أمرنا، فنعرف هل نحن في خطىً واضحة بينة، أو لا؟ وأظن الإخوان فهموا ما أقصد جيداً.
стр. 2535
نبذة عن نشأة العلمانية
السؤال
حبذا لو أعطيتنا فكرة عن العلمانية من حيث المذهب والمكان؟
الجواب
أصل العلمانية والمنشأ، فلا شك أنها نتجت وليدةً، أو بصفتها ثورة على تسلط الكنيسة على المجتمع، حيث إن المجتمع عانى ألواناً من القهر والطغيان الكنسي، صكوك الغفران، التركات للكنيسة فيها نصيب، لا يغفر لأحدٍ ذنبه إلا بإذن الراهب، والراهب لا بد له من أجرة، لا يعقد نكاح إلا وللراهب فيه أجرة، لا يحصل شيء تباركه الكنيسة إلا والكنيسة لها فيه أجرة، وأصبحت المسألة طغيانٌ كنسيٌ، ومنعت الكنيسة الناس من أن يتنوروا بالعلوم التطبيقية والتجريبية، فثار الناس ضدها، وقالوا: لنجعل الكنيسة في جانب معين، ولنجعل أمور الحياة وأمور العلم لكافة مجالات الحياة.
من هنا نشأت العلمانية أي: فصل العلم عن الدين، وفصل الدين عن الحياة، وجعل الدين في طقوس معينة، هذه صفة منشئها، ومن عرف صفة المنشأ، أو كيفية النشوء، أدرك جيداً أن العلمانية تعني ألا يتدخل الدين في أمر الحياة أبداً، حينما نتكلم عن الاقتصاد في الإسلام، يقول لك: ما الاقتصاد في الإسلام؟ أعطني آدم سميث، أعطني بيجو، أعطني فريدريك، أعطني علماء الاقتصاد المعروفين، ولا تدخل الدين في الاقتصاد، لماذا تدخل الدين في الاقتصاد؟ أو تأتي تدخل الدين في السياسة، لماذا تدخل الدين في السياسة؟ الدين تريد أن تصلي أهلاً وسهلاً فالمساجد منورة ومفروشة ومكيفة، والأئمة موجودون وهلم جراً، لكن تريد أن تدخل الدين في الحياة.
ونحن ليس عندنا هذا الفصام النكد بين الدين والحياة؛ لأن الدين هو الحياة، والحياة هي الدين، حياة بدون دين لا تسمى حياة، بل هي حياة البهائم.
стр. 2536
هل العلماء مقصرون في الوقوف أمام دعاة التحرير ؟
السؤال
يقول السائل: لماذا لا يخرج العلماء في وسائل الإعلام للتنديد بقضية حرية المرأة؟
الجواب
أولاً: نرجو ونطالب أحبابنا وإخواننا وشبابنا وقضاتنا وعلماءنا أن يحرصوا على المشاركة، لأن كلمة حق أقولها أن المشاركة ضعيفة في هذا المجال.
الأمر الثاني: عندي شك أنه لو جاء رجل يريد أن يحلل الأحداث تحليلاً من واقع شهادته التي أخذها من جامعة هارفد، أو من جامعة إكسفورد، أو من جامعة اسطنبول ربما يبرز على الشاشة، لكن أن يبرز شيخ من المشايخ يحلل الأحداث عندي في هذا شك، لكن أنا مستعد أن أدير حلقة أو حلقتين أو عشر حلقات في التلفاز مع عدد من المشايخ وطلبة العلم.
стр. 2537
الاستبداد في الصحافة
السؤال
الهجمة الإعلامية البشعة ممثلة بشكل مركز في الصحافة في مقالات وكتابات من دعاة التخريب، بينما الاختفاء شبه التام للصوت الإسلامي المقابل، فإلى متى هذا الاستبداد في الصحافة؟
الجواب
والله هذا أسلوب جميل جداً استبداد فكري، والله صدقت، دكتاتورية في الصحافة، نعم.
لماذا ينشر لدعاة الضلالة، ولا ينشر للصوت الإسلامي الأصيل؟ يعني: ما هو الضابط في أن مقالك ينشر ومقالي لا ينشر؟ أريد أن أعرف هل لأنك تستدل من مدينة أفلاطون، أو قرية أرسطو، وأنا أستدل من القرآن والسنة؟ لا أدري، لماذا الاستبداد؟ أنا أسأل بعض الشباب، أقول له: هل أرسلت؟ يقول: كتبت وكتبت وكتبت ولم ينشر، لكن أقول لشباب أيضاً: اكتبوا واكتبوا، وكل كتابة صور منها واجعل منها في ملف، وأرسلها وبالبريد المسجل، وخذ عليها واسطة، واستمر على هذا حتى يأتي اليوم الذي تجمع لك عدة رسائل وتدخل بها على مسئول، وتقول: انظر صورة من صور الاستبداد، عدة رسائل ما نزل منها مقال، والكلام التافه والساقط والبذيء قد يكون في كل حال يكتب، أحياناً تقرأ في الصحافة كلاماً، يعني: لو وضعوا مكانه مقالاً من هذه المقالات الطيبة، أو من هذه الأفكار الإسلامية الطيبة النيرة لكان خيراً، لكن لأن يكتب كلامٌ تافه فهو في نظر بعضهم أهون من أن ينزل مقال لأحد طلبة العلم، أو العلماء، يوجد استبداد فكري في الصحافة ما عندي في هذا شك، لكن أقول: واجبنا أن نكتب، ثم نكتب، ثم نكتب، ونأخذ مؤكدات الكتابة بالبريد المسجل حتى نعرف لمن هذه المؤسسة، هل هي لأفراد المجتمع المؤسسة الصحفية، أم هي لفئة معينة يحضر ويمنع منعاً باتاً على غيرهم أن يدخلوها وأن يكتبوا فيها؟.
стр. 2538
لماذا لا يوقف العلمانيون عند حدهم ؟
السؤال
يقول السائل: الصحفيون والكتاب الذين يدعون إلى تخريب المرأة، لماذا لا يوقفون عند حدهم عن طريق العلماء، نرجو توضيح ذلك؟
الجواب
وعلى أية حال هذا مما ذكرته آنفاً، وقلت: إنه حينما يكون هناك رصد قوي، وجمع لكل ما كتبه أولئك الذين يعبثون ويهزءون، أو لا يبالون بما يكتبون، ويهرفون بما لا يعرفون، يوم أن ترصد مقالاتهم وتقدم إلى المدعي العام بدعوى الإخلال بالأمن، وبدعوى مخالفة أمر الله وأمر رسوله، يحال هذا الشخص مع المدعي العام إلى المحكمة، ويحكم فيه القاضي بالحكم الشرعي الذي يراه، هذا أمرٌ مطلوب، وينبغي ألا يتساهل به حينما نعلم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] (ما) عامة في كل شيء، أي أمر حصل فيه خلاف، نحن نعرف أن المسئولين -وفقهم الله- حينما يتنازع اثنان، يقول: هيا أحيلوهما للشرع، بفضل الله نحن مطمئنون لهذا الأمر، فإذا تنازع الأغيار مع صحفي من الصحفيين، حولوهم الشرع، الشرع على العين والرأس، نحن نرضى بالشرع، ومن أحيل على مليء فليحتل.
стр. 2539
نظرات في حديث (سبعة يظلهم الله)
منزلة عظيمة أن يُظل الله عبداً من عباده في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد ذكر الرسول ﷺ سبعة أصناف تكون لهم هذه المنزلة.
فيا ترى: ما هي الأعمال التي أهلت هؤلاء السبعة للوصول إلى هذه الرفعة؟! بيان ذلك تحويه هذه المادة، مع متفرقات أخرى لن يعدم قارؤها الفائدة.
стр. 2540
مقدمة في حديث (سبعة يظلهم الله)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم رب جبرائيل وميكائيل، رب كل شيء ومليكه، فاطر السماوات والأرض اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله جل وعلا أن يجزل لكم المثوبة وحسن الجزاء على حضوركم، وأستميح أخي المقدم جزاه الله خير الجزاء على قوله: إن لنا فضلاً عليكم، لا والله، بل الفضل لكم بعد الله جل وعلا، إن الفضل ليس للقائد على جنوده، بل الفضل للجنود الذين جعلوا منه قائداً، وإن الفضل ليس للمدرس وحده أو للعالم وحده على تلاميذه، بل لهم فضلٌ أن اجتمعوا حوله واجتمعوا له حتى جعلوا منه إماماً ومعلماً.
ونحن وإياكم في هذه المحاضرات لعل الله جل وعلا أن يجزل لنا ولكم المثوبة كما أسلفت، لولا حضوركم لما جئنا، ولولا إنصاتكم لما تكلمنا، فنسأل الله جل وعلا أن يجعل الكلام منا والسماع منكم، والمجيء منا والقدوم منكم خالصاً لوجهه الكريم، كما نسأل ألا يجعله هباءً منثوراً، نسأل الله ألا يجعل أعمالنا وإياكم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، نسأل الله جل وعلا ألا يجعل أعمالنا وإياكم كرماد اشتد به الريح في يوم عاصف.
وأشكر لأخي فضيلة الشيخ/ عبد الله الصميعي إتاحة هذه الفرصة مع مندوب مركز الدعوة والإفتاء والإرشاد في هذه المنطقة لتنظيم هذه المحاضرة، فنحن وإياكم بأمس الحاجة إلى أن نجلس في بيوت الله، والله لو لم يكن من المحاضرات إلا أن تكتب ملائكة الحسنات لنا أنا مكثنا برهة من الزمن في بيوت الله جل وعلا، وغشيتنا الرحمة وحفتنا الملائكة ونزلت علينا السكينة، لكان في هذا خير عظيم، وإن كان هناك مزيد من فائدة أو علم أو حكمة، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
أيها الأحبة في الله: أما موضوعنا فهو كما تفضل أخونا الشيخ هو نظرات في حديث عظيم جامع اتفق الشيخان على صحته "نظرات في حديث سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" هذا الحديث رواه البخاري في مواضع عدة، ورواه الإمام مسلم، ورواه بعض أهل السنن، ورواه الإمام أحمد، ورواه مالك في الموطأ، وشهرة هذا الحديث أعظم من أن يعرف أو أن يعنون، وحسبكم أن عليه تاج الوقار، وقد جاوز القنطرة، ورواه الشيخان رحمهما الله رحمة واسعة.
في البخاري: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى عن عبيد الله، قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال -وفي رواية: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال- فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق -في رواية: بصدقة أخفاها- حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
في هذا الحديث العظيم فوائد شتى ومسائل منثورة، ولعلكم تستفيدون من هذا الحديث أكثر مما استفدته من خلال ما بحثت وطالعت (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ورب مبلغ أوعى من سامع).
أيها الأحبة في الله: قال العلماء: هل الثواب مخصوص لهؤلاء السبعة؟ أي: هل هؤلاء السبعة وحدهم هم الذين يكونون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله؟ أجاب ابن حجر العسقلاني ﵀ في كتابه وسفره العظيم الجامع المانع فتح الباري حيث قال: والظاهر أنه لهؤلاء السبعة، وقيل: بل لغيرهم، وقال ابن حجر: وناظرت فلاناً -وسماه- في مجلس أحد الخلفاء، وكان يذكر أنه يحفظ صحيح مسلم، قلت له: هل تحفظ شيئاً يدل على أن غير هؤلاء السبعة يكونون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله؟ فقال: لا.
فبينت له أن الإمام مسلماً ﵀ روى في صحيحه قول النبي ﷺ : (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).
وابن حجر ﵀ قال عن نفسه: تتبعت مواضع شتى لمعرفة هل هذا الفضل مخصوص بهؤلاء السبعة، فوجدت هذا الفضل قد أعد لهم وأعد لغيرهم، منه ما هو في أحاديث صحاح، ومنه ما هو في أحاديث بعضها يقوي بعضاً، ومنه ما هو في أحاديث ضعيفة.
قال أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل ينظم هذا الفضائل التي من شأنها أن يكون فاعلها أو المختص بها من الذين في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله:
وقال النبي المصطفى إن سبعةً يظلهم الله الكريم بظله
محبٌ عفيفٌ ناشئٌ متصدقٌ وباكٍ مصلٍ والإمام بعدله
قال ابن حجر: وزدت على هذه الأبيات ما قلت فيه:
وزد سبعةً إظلال غازٍ وعونه وإنظار ذي عسرٍ وتخفيف حمله
وإرفاق ذي غرمٍ وعون مكاتبٍ وتاجر صدقٍ في المقال وفعله
أيها الأحبة: قال ابن حجر بنص كلامه: وقد تتبعت الأحاديث الواردة في مثل ذلك، فزادت على عشر خصال، وقد انتقيت منها سبعة وردت بأسانيد جياد، ونظمتها تذييلاً على ما ذكر أبو شامة، وهي التي سمعتموها آنفاً.
قال بعض أهل العلم: ونقله ابن حجر عن الكرماني، وذكر الكرماني ما محصله أن الطاعة أو أن العبادات التي وردت في هذا الحديث إما أن تكون بين العبد وبين الرب، وإما أن تكون بين العبد وبين الخلق، فأما العبادات التي بين العبد وبين الرب فهي عبادة باللسان وهي عبادة الذكر، أو عبادة بالقلب وهي تعلق القلب بالمساجد، أو عبادة بالبدن هو بدن الناشئ في العبادة، وإما أن تكون تلك العبادة مرتبطة بين العبد وبين الخلق وهي في أمر عام في الإمام العادل، وفي أمر خاص بالقلب وهو التحاب، أو بالمال وذلك جلي في الصدقة، أو في البدن وهذا واضح في العفة.
стр. 2541
علماء ألفوا في الخصال الموصلة إلى الظلال
أيها الأحبة في الله: ومن عظم شأن هذا الحديث صنف فيه علماء الإسلام والسلف الكرام مصنفات عدة، فقد ألف ابن حجر ﵀ في هذا جزءاً سماه معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال أي: إلى ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله، وألف السيوطي ﵀ رسالة أخبرني بها فضيلة الشيخ/ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم القاضي في المحكمة الكبرى حيث سألته: هل هناك من ألف غير ابن حجر مصنفاً أو جزءاً في هذه الفضائل؟ فقال: نعم.
فهناك السيوطي ألف رسالة بعنوان تمهيد الفرش في الخصال الموجبة لظل العرش وعليه مختصر بعنوان بزوغ الهلال في الخصال الموجبة للظلال.
ونبدأ في فقه الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).
قال بعضهم: الظل هو المنعة والحفاوة والعز والتكريم، ولا شك أن المصير إلى هذا المعنى تأويل، ولا حاجة إلى التأويل في هذه المسألة، فظل كل شيء بحسبه، أما وقد آمنا أن لله عرشاً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فإن لهذا العرش ظلاً كما هو لائق بهذا العرش العظيم، فهو ظل حقيقي، أما الكلام في كيفيته والكلام في طوله وعرضه، وهيئته وتفاصيله، فإنا لم نحط بالله علماً: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣].
فالكلام في تفصيل هذه المسألة هو كالكلام في الاستواء، الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، والصفة معلومة والكيفية مجهولة، وهذا خير طريق يسلم به العبد في إثبات صفات الله جل وعلا، أن تثبت لله ما أثبته لنفسه كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠] وأن تنفي عن الله ما نفاه الله عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وما من لفظ لم يرد في الشرع له اعتبار أو إلغاء أو نفي أو إثبات، فعلامة الدهر وإمامه، وأحد أئمة العلم في هذا الزمان الشيخ/ محمد بن صالح بن عثيمين قد قال: وأما الصفات التي لم يرد فيها نفي ولا إثبات، فإن السلامة أن يتوقف في لفظها وأن يفصل في معناها، فيقال: إن كان المعنى يدل على كمال يليق بالله أثبتناه لله، وإن كان المعنى يدل على نقص ينزه الله عنه، فإننا ننزه الله عنه، ودليلنا على ذلك الشمس المشرقة والآية المحرقة لشبهات المعاندين ألا وهي قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦].
وهذه لفتة مهمة في هذا الحديث أيها الأحبة: أن نحرص على معرفة منهج السلف رضوان الله عليهم في إثبات العقائد، وخاصة فيما يتعلق بالأسماء والصفات.
نعود إلى الموضوع، ممن ألفوا في الخصال الموجبة لظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام السخاوي وهو من تلاميذ ابن حجر، ألف رسالة بعنوان الاحتفال في جمع أولي الظلال قال: ظفرت بأربع عشرة خصلة زيادة على ما جمعه شيخي أي: ابن حجر، وهذا مما أفادنا به فضيلة الشيخ/ عبد العزيز بن قاسم متع الله به وحفظه، ولا عيب ولا حرج أن يسند الإنسان الفضل والعلم إلى من تعلمه منه
وقل فلان جزاه الله صالحةً علمنيه ودع ذا الكبر والحسد
стр. 2542
الإمام العادل وسبب تخصيصه في الحديث
أما الخصال التي وردت في هذا الحديث، فأولها: إمام عادل.
وهل تدخل المرأة في هذه الخصلة؟ قال ابن حجر: لا تدخل المرأة، لأن المرأة لا تلي الإمامة العظمى، وقال بعضهم: قد تكون المرأة من أهل هذه الخصلة إذا كانت ذات عيال وعدلت بين أبنائها في المعاملة.
الحاصل أن الإمام العادل في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله، وأين الإمام العادل؟ الإمام العادل هو الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط، والإمام العادل هو الذي ما يلي شيئاً من أمور المسلمين إلا وينتهج منتهى العدل فيه، والإمام العادل هو الذي يجعل القوي الأمين في خير مكان يناسبه، والإمام العادل هو من إذا رأى في المسلمين كفؤاً ومن رأى في المسلمين أهلاً أن يولى ولاه ولو كان بعيداً أو قريباً، ولو كان نسيباً أو وضيعاً؛ لأن مصلحة المؤمنين تتعلق بهذا الأمر.
لماذا كان الإمام العادل من الذين خصوا بهذه المنقبة؟ لأن الإمامة فيها السلطة والقدرة، وكثيرٌ ممن يلون السلطات ويقدرون على رقاب الناس، يقع منهم الظلم والعدوان والبغي وأكل أموال الناس بالباطل، ولذلك لما كان الإمام والياً وقادراً ومتنفذاً ومتسلطاً وتحت يده ما يشاء من أموال الناس، وما يشاء من الجند والعسكر الذين يأتمرون بأمره فيما يشاء في رعيته أو في من دونه، كان عدله منقبة عظيمة؛ لأن من ترك شيئاً وهو يعجز عنه لا فضل له في ذلك، حينما تقول: هذا رجل ضعيف لا يظلم، فإن كونه متصفاً بعدم الظلم، أو كون هذا الضعيف عادلاً ليست بمنقبة؛ لأنه ضعيف لم يلِ رقاب أحد ولم يلِ أموال أحد حتى يعدل أو لا يعدل أو حتى يظلم أو لا يظلم، ولكن الذي ولي شيئاً وتحت يده المال والسلطان والقوة والجند والعسكر حينئذٍ يكون عدله منقبة ويكون لعدله مزية.
وهذا يذكرنا بما أفاض فيه العلامة الشيخ/ محمد بن عثيمين في رسائل في العقيدة حيث قال: والقاعدة الثانية في مسألة الصفات: نفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ مع إثبات كمال ضده؛ لأن الإنسان قد ينفى عنه الصفة وليس نفي الصفة عنه مدحاً أو كمالاً في جانبه، قال: لماذا؟ لأنه ربما نفيت الصفة عنه لعجزه أو لعدم قابليته أو لامتناع ذلك عليه، كأن تقول: هذا عمود لا يظلم، فكونك تنفي الظلم عن هذا العمود ليس ثناءً عليه وليست منقبةً له؛ لأن العمود لا يمكن أن يصدر منه عدل ولا ظلم، ولكن حينما تقول لمن هو قادر على البطش ومن هو جبار وقوي، ومن بيده المال والسلطة، تقول: هذا قادر ولكنه لا يظلم، حينئذٍ يكون نفي صفة الظلم عنه كمالاً في جانبه.
ولهذا نقول: ننفي ما نفى الله عن نفسه مع ثبوت كمال ضده، فإذا نفينا عن الله صفة الظلم، فإننا نثبت لله كمال ضدها وهو كمال العدل، ومنه قول الشاعر:
قبيلةٌ لا يغدرون بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردل
فإن هذه ليست مديحة لهذه القبيلة، وليست منة أو مزية لهذا القبيلة، لأنها قبيلة صغيرة، فقوله: لا يغدرون بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردل، قوله هذا فيهم ليس مدحاً لأنهم عاجزون وضعفاء.
ثم بعد ذلك الإمام العادل من يتفقد رعيته، والإمام العادل من يخشى الله فيهم، والإمام العادل من يراقب الله في كل ما يأتي ويذر، وللإمام على رعيته حقوق: أن يدعى له بظهر الغيب، وأن يدعى له بصلاح البطانة، وأن يدعى له بالسداد في القول والفعل، وأن يدعى له بحسن النية والفعل والمقصد، وأن يحرص على جمع شمل الأمة حوله، وعدم تشجيع الخارجين والبغاة ومن يريدون باستقرار بيضة الأمة انكساراً أو تشتتاً، هذا من حقوق الإمام العادل، إذ أن الإمام العادل له حقوق وعليه واجبات.
стр. 2543
شاب نشأ في عبادة الله
أما الثاني في أولئك الثلة الذين هم في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله: فشاب نشأ في عبادة ربه، أو شاب نشأ في عبادة الله جل وعلا، وفي بعض الروايات: (شاب نشأ في عبادة ربه حتى توفي على ذلك) وفي حديث آخر: (شاب نشأ في عبادة ربه أفنى نشاطه وشبابه في عبادة الله جل وعلا) وهذا شرط مهمٌ حينما يحصل الإنسان فضيلة من الفضائل وعد الشارع عليها بثواب جزيل، فإن من شرط نيل هذا الفضل أن يثبت عليها وألا يأتي بما يناقضها كما يقول شيخ الإسلام/ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حفيد إمام الدعوة ﵀ لما ذكر باباً في فضل لا إله إلا الله: (من قال لا إله إلا الله خالصاً مخلصاً من قلبه دخل الجنة) وفي حديث أبي هريرة لما توضأ النبي ﷺ وقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاك إلا أدخله الله الجنة) قال الشيخ سليمان: فهذه الأحاديث التي جاءت في فضل لا إله إلا الله قد قيدت بالقيود الثقال: أولها: الثبات على لا إله إلا الله حتى يلقى الله بها، الثبات على كلمة التوحيد، كلمة الإخلاص والشهادة بالوحدانية والرسالة حتى يلقى الله جل وعلا بها.
الأمر الثاني: ألا يأتي بما يناقضها، وما أكثر الذين يقولون: لا إله إلا الله، وبعضهم يناقضها في كل صباح، أو في كل أسبوع، أو في كل شهر، أو في كل سنة، أو في عمره مرة، عجباً لأولئك الذين يرددون لا إله إلا الله ويصدق فيهم قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
إن من الناس من يعتقد أنه موحد، وإذا قلبت أمره، وجدت في حقيقة أفعاله ما يخرجه من الملة، فمن ذلك استهزاؤه بالدين، ومن ذلك استهزاؤه بالسنن، ومن ذلك تضايقه أو تبرمه وكراهيته لما شرع الله وشرع رسوله، حتى وإن كان هذا الأمر المشروع بالنسبة له من الأمور التي يفعلها ويطبقها، فإن من فعل عبادة وهو يكرهها متبرماً منها متضجراً من فعلها، فإن هذا لا يقبل منه، بل هذا مظنة كفر وخروج عن الملة كما قال إمام الدعوة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب: ومن نواقض التوحيد أن يكره العبد شيئاً جاء به الله أو جاء به رسول الله ﷺ ، واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
ومن نواقض التوحيد أيضاً: كل فعل أو قول يفضي إلى الشرك سواءً كان جلياً أو كان خفياً، أو كان ذبحاً أو استعانة أو استغاثة أو اعتقاداً بأن الله جل وعلا معه من تصرف له شيء من العبادة أو معه من يدبر الكون، أو كما فعلت الجهمية والمعطلة الذين نفوا عن الله صفاته وجعلوا إلهاً من العدم سموه إلهاً، ونفوا عنه كل الصفات، وأولئك كما قال الإمام:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشرٍ من العلماء في الأزمان والأوطان
واللالكائي الإمام حكاه عنه بل حكاه عنهم الطبراني
إن أولئك وإن اجتهدوا في العبادة، لكنهم يمرقون في مسائل الصفات إلى حد الخروج بها عما لا يليق بالله جل وعلا من التعطيل أو الإغراق في التشبيه، فأولئك ممن أتوا بنواقض التوحيد ولا حول ولا قوة إلا بالله! نعود إلى أصل موضوعنا: شاب نشأ في عبادة ربه، أين الشباب الذين ينشئون في عبادة ربهم؟ أين الشباب الذين يقدمون مرضاة الله على أهواء أنفسهم؟ أين الشاب الذي إذا وقف أمامه داعيان: داعي الهدى وداعي الردى، داعي الفضيلة وداعي الرذيلة، داعي الغواية وداعي الهداية، داعي الاستقامة وداعي الانحراف، قدم داعي الهدى والهداية والاستقامة وما يرضي الله جل وعلا على ما يخالفه؟ إن كثيراً من شبابنا، إن كثيراً من أحبابناً -نحبهم وندعو لهم بظهر الغيب سراً وعلناً، جهاراً ونهاراً وإعلاناً وإسراراً- ولكننا نعلم -أسأل الله أن يهديهم- أن الواحد منهم إذا خلا بمحارم الله ارتكبها وانتهكها، ونعلم من بعضهم أن الواحد منهم حينما تعرض له شهوة ذاتية أو شهوة شخصية قدم شهواته على ما كان يدعيه أو يقوله بلسانه ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولماذا ذكر الشاب في هؤلاء السبعة؟ لأنه شاب يملك القوة، قوة الفكر وقوة البدن وقوة الغرائز وقوة الحواس، واجتماع هذه القوى مظنة إلى سيره واتجاهه إلى المعصية، فكان من هذا الشاب الذي يعجب ربنا منه ليس له صبوة، يوم أن يكبح جماح نفسه ويوم أن يقهر عنان شهواته، ويوم أن يقود نفسه إلى مرضاة الله جل وعلا، وما يرى من منكر أو فتنة أو دعاية إلى ضلالة أو دعوة إلى انحراف يقول: إني أخاف الله، ويذكر ربه ويقول: معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، يوم أن ينشأ في طاعة الله فلا يرى إلا حلالاً، ولا يسمع إلا حلالاً طيباً، ولا يقرأ إلا كلاماً نافعاً، ولا يمشي إلا إلى حلق الذكر ورياض الجنة، ولا يمد يده إلا بما ينفع ويشفع، ولا يقبض بيده إلا ما كان طيب المطعم، ولا يفكر إلا كيف يزيد من إيمانه، كيف يرفع مستوى إخلاصه، كيف يصل إلى درجات المؤمنين، كيف يبلغ درجات المحسنين، كيف يبلغ درجات الموقنين، كيف يكون من المخلَصين والمخلِصين، يفكر بهذا، أو يفكر كيف يصلح أمه، كيف يصلح زوجته، أو يصلح ابنته، أو أخواته، كيف يدعو والديه أو كيف يدعو جيرانه أو زملاءه في المدرسة.
هذه همومه وهذه أفكاره وهذه اتجاهاته، ليس شاباً همه أن ينتصر الهلال على النصر، أو الاتفاق على الوحدة أو الأهلي على الزمالك أو غيرها من سائر اهتمامات كثير من شبابنا، ليس شاباً يتمنى أن تفوز دولته أو بلاده في دوري الأربعة أو في كأس العالم، ولكنه لا يهمه أن يذبح المسلمون في آسام أو في سنيقار أو في سيريلانكا أو في كمبوديا أو في الصين أو في أي مكان من الأماكن.
من شبابنا من هذه همومه: أن تصل بلاده إلى دوري الأربعة، ولكنه لا يهتم أن تصل أمته إلى أرقى درجات التوجيه والقيادة والريادة في هذا العالم المعاصر، من شبابنا من همومه أن يصل مستوى المسرح الوطني والأغنية الوطنية إلى مستوى منافس للأغنية الخليجية أو الأغنية الغربية أو الفلكلور الغربي ونحو ذلك، لكنه لم يهتم كيف ينقذ إخوانه الضائعين في ماخور البغاء وفي مواقع الرذيلة ومنحدر المخدرات، وفي أوكار الفواحش والزنا واللواط.
إن من الشباب من لا تفكير له إلا في كل سافل من الفكر وكل ساقط من الهمة وكل رديء من الأمان، فأولئك كيف نرجو أن نرفع بهم رأساً؟ شباب هذه اهتماماتهم، اهتمام الواحد منهم أن يملك سيارة مكشوفة، اهتمام الواحد منهم أن يجد صديقة لا تخونه، اهتمام الواحد منهم أن يجد عشيقة لا تفارقه، أبمثل هؤلاء تحرر فلسطين؟ أبمثل هؤلاء تحرر أفغانستان؟ أبمثل هؤلاء ننقذ بنات المسلمين في سجون أرتيريا اللواتي هن حبالى من الزنا، وقد أنجبن ما لا يقل عن ألفي طفل من السفاح والزنا؟ أمثل هؤلاء الشباب نرجو أن تعود أسبانيا إلى سيطرة الإسلام؟ أمثل هؤلاء الشباب ممن نرجو أن يرتفع مستوى الإعلام ليكون إسلامياً على مرضاة الله؟ أن يرتفع مستوى الاقتصاد لتكون المعاملات وعوامل الإنتاج وحركة المال والسياسات النقدية والتجارة الدولية لتكون على أوسع وأحدث نمط وأكثر الأنظمة تقدماً على مرضاة الله جل وعلا؟ نريد شباباً نشئوا في طاعة الله، يفكرون في هموم الإسلام، يفكرون في هموم المسلمين، كيف يدير الإسلام إعلاما، كيف يدير الإسلام اقتصاداً، كيف يدير الإسلام سياسة، كيف يدير الإسلام تعليماً، كيف يدير الإسلام تربية وشباباً، كيف يدير الإسلام هذه الأمور على نحو يحقق مرضاة الله جل وعلا، من نشأ في طاعة الله فهنيئاً له أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وكما قلت: خص الشباب لأنهم مظنة الشهوة واجتماع الغرائز والنشاط.
علمت يا مجاشع بن مسعدة
أن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة
يا للشباب المرح التصابي روائح الجنة بالشباب
الشباب قوة فإما أن تكون قوة بناء، وإما أن تكون قوة هدم، إما أن يكون الشباب قوة عمار وإما أن يكونوا قوة دمار، أين الشباب الذين ننتظرهم بكل مجال وبكل صعيد أن يكونوا على هذا المستوى؟
стр. 2544
رجل قلبه معلق بالمساجد
وثالث الثلة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: رجلٌ قلبه معلق بالمساجد، في إحدى الروايات: (ورجل قلبه معلق بالمساجد من حبها) وقيل معلق: أي من العلاقة وهي شدة الحب، والمعنى: أنه طويل ملازمة المسجد يبكر إلى المسجد بعد الأذان أو قبل الأذان ويمكث في المسجد بعد الصلاة، يعتكف في المسجد، يحضر دروس العلم، يحضر المحاضرات يحضر الندوات يحضر الحلقات، يجعل جلوسه في المسجد جلوس طمأنينة وجلوس ارتياح، قلبه غير معلق بالملاعب، وغير معلق بالأرصفة، ولا بصالات التزلج، وغير معلق بأمور الرذيلة، ولا بالإسفاف والإغراق في المباحات أو في أمور اللهو، بل شاب قلبه معلق بالمساجد.
وما أقل الذين تتعلق قلوبهم ببيوت الله جل وعلا.
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
حال المؤمن -أيها الأخوة- أن يكون في المسجد كالسمكة في الماء، وأما المنحرف الفاسق فانظر إليه حينما يدخل المسجد كأنه ضب في الماء، المؤمن كالسمكة في الماء وأما المنحرف الفاسق فكأنه الضب يتقلب بعكرته في الماء، يريد الخروج من المسجد من أول وهلة يسلم الإمام.
على أية حال إن التعلق بالمساجد أمر لا يستطيع الإنسان أن يصفه تمام الوصف، ولكن يدركه تمام الإدراك إذا عود نفسه وجاهدها ودربها على المكث والجلوس في المسجد؛ فبكر إليه وجلس فيه وجعل المسجد جزءاً رئيسياً من يومه وحياته.
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يداريها
стр. 2545
رجلان تحابا في الله
الرابع من الثلة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه.
وفي هذا بيان حقيقة المحبة مع الدوام عليها، محبة صادقة خالصة، محبة نشأت لله فتدوم لوجه الله، ومن أحبك لشيء أبغضك عند فقده، ومن لقيك بشيء فارقك عند فقده، فمن أحبك لدنياك كرهك لفقرك، ومن أحبك لوظيفتك فارقك لعزلك، ومن أحبك لمنصبك فارقك عند تغير أحوالك، إذاً فانظر من تحب، وانظر أولئك الذين جمعت أرقامهم وأسماءهم في دليل هاتفك، أسألك: هل استطعت أن تخرج عشرة من هؤلاء تعدهم للنوائب؟ هل تستطيع أن تجمع من مجموع من عرفت وخالطت وجالست وصادقت وخاللت وتعرفت هل تستطيع أن تخرج من هؤلاء خمسة أو عشرة؟ لا والله، أصبح الصديق الوفي في هذا الزمان أشد ندرة من الغول والعنقاء، بل أصبح من عجائب الدنيا السبع أن تجد اثنين على وفاء صادق.
وما أكثر الذين يدعون المحبة! ما أكثر من تلقاه فيقول: أخي، إني أحبك في الله، ولكن لو طلبنا برهان المحبة لوجدناها دعوى.
والدعاوى إن لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء
стр. 2546
من لوازم المحبة
إن من حقيقة الحب في الله: أن تحفظ عرض أخيك في غيبته، ألا تغتابه، ألا تنم عنه، ألا ترضى فيه بمكروه، ألا يشذب أو يجرح أو ينشر جلده بكل ساقط ورديء في المجلس وأنت ساكت، إن من الحب في الله أن تكون داعياً له بظهر الغيب، وهذه المحبة يؤجر الإنسان عليها يوم أن يحققها، جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، وقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ -عجيب سؤال البدو! عجيب سؤال الأعراب! عجيب سؤال أهل البادية! قال الصحابة: كنا نفرح إذا جاء أعرابي إلى مجلس الرسول ﷺ ؛ لأنه يسأل العجائب، وهذا ليس بغريب- جاء الأعرابي ذلك البدوي ﵁، قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال ﷺ : وماذا أعددت لها؟ -هذا جواب الحكيم: أن تصرف السائل إلى إجابة تنفعه- قال ﷺ : ماذا أعددت لها؟ فقال: يا رسول الله! ما أعددت كثير عمل، ولكني أحب الله ورسوله ويوم أن قال (أحب) هو يعني هذه الكلمة، ويعرف أبعاد هذه المحبة ويعرف حقيقتها.
جهد الصبابة أن تكون كما أرى عين مسهدة وقلب يخفق
أرق على أرق ومثلي يأرق
عين مسهدة تدعو لإخوانك بظهر الغيب، تتذكر إخوانك في الله، إذا نأوا دعوت لهم بالحفظ، وإذا دنوا دعوت لهم بدوام اجتماع الشمل، قلبك يخفقك عليهم حباً وشوقاً إليهم، هذه المحبة حينما تكون لله، فإنها تزداد حينما ترى من أخيك زيادة في الطاعة، دليل الحب في الله إذا أردت أن تعرف نفسك هل أنت تحب في الله أو لا تحب في الله، وهل دعواك صادقة أنك تحب فلان بن فلان في الله ولله، انظر إلى نفسك فإذا رأيته يزداد في العبادة ازداد حبك له، فهذا دليل المحبة الصادقة في الله، وإذا رأيت انحسار العبادة عنه وضعفه وكسله وابتعاده عن العبادة قلَّتْ محبتك له، فهذا دليل محبتك الصادقة لله وفي الله، لما كانت لله زادت محبتك يوم ازداد في طاعة الله وقلَّتْ محبتك يوم قلت أو انحسرت أو انقطعت عبادته لوجه الله جل وعلا.
أما المحبة التي تزعم في هذا الزمان وهي محبة الجسوم والرسوم، ومحبة الصور والوجوه، وانسجام الناس لأهواء أو لعرق خفي في النفوس لا يعلمه إلا الله جل وعلا، ويدعي بعضهم محبةً في الله الله أعلم بصدقها فتلك محبة المرضى، تلك محبة السقم، تلك محبة البلاء، تلك محبة بداية الانحراف.
فما في الأرض أشقى من محبٍ وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل وقتٍ مخافة فرقةٍ أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا حذر الفراق
هذه محبة الجسوم والرسوم، أما الحب في الله، فإذا فارقت أخاك وقد قتل شهيداً في سبيل الله ازداد حبك له، وتطايرت شوقاً أن تقتل في سبيل الله كما قتل، وإذا سبقك إلى عبادة أو إلى حفظ قرآن أو إلى وعي السنة أو إلى الدعوة إلى الله، تطاير قلبك فرحاً أن أخاك بلغ هذه المنزلة وأدرك هذه المنقبة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] وكما في الحديث: (المتحابون في الله على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء بمجالسهم من الله يوم القيامة، أما إنهم ليسوا بأنبياء ولا شهداء، ولكن يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله، قال الصحابة: من هم يا رسول الله؟ قال: المتحابون في الله) والحب في الله عبادة عظيمة.
والله -يا معاشر المؤمنين! يا معاشر الطيبين! يا معاشر الأكرمين! - إنا نحبكم في الله، ونسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بكم في الجنة، وإننا ما نذكر عملاً نرجو أن نلقى الله به إلا توحيده وحده لا شريك له عسى ربنا أن يسلم لنا توحيدنا ما غيرنا وما أشركنا وما بدلنا، ثم محبتكم لله وفي الله ودليلنا وبرهاننا وبينتنا على ذلك أننا نفرح يوم أن قيل فلان بن فلان استقام، أو فلان الذي استقام حسنت استقامته، أو فلان نبشرك أنه حفظ القرآن، أو فلان دعا إلى الله ووفقه الله، أصبح نشيطاً في حيه، أصبح داعية بين زملائه، هدى الله زملاءه في العمل على يده، نفع الله به بين زملائه والموظفين من حوله، حينئذٍ نفرح ونعلم أن فرحنا به دليل محبتنا لله وفي الله.
стр. 2547
التزاور بين المتحابين في الله
ولا يخفاكم حديث الرجل الذي سافر إلى أخٍ في الله يزوره، انظر يا أخي! تخرج من بيتك، تحرك سيارتك، تمشي ثمانين كيلو متراً أو مائة أو مائتين، فتطرق الباب على أحد إخوانك في الله تزوره في مدينة الخرج أو في عفيف أو الدلم أو في أحد ضواحي شتير أو في القصيم أو في المنطقة الشرقية أو في أبها أو في وادي الدواسر أو في حوطة بني تميم أو في الحريف أو في أي مكان تذهب إليه وتزوره وتجلس معه ساعة أو ساعة إلا ربع لا يحركك من بيتك إلا حبه في الله ولله، ومن ثم تعود من جديد، هذا من الحب في الله، كما في الحديث: (إن رجلاً زار أخاً له في الله، خرج خروجاً بعيداً لزيارة أخ له في الله، فأرسل الله على مدرجته ملكاً -أي: جعل الله ملكاً على طريق هذا الذي ذهب يزور أخاه في الله- وكان هذا الملك على صورة رجل، فقال للزائر: أين طلبك؟ أو ما حاجتك؟ قال: أزور أخي في الله، قال: وهل لك من حاجة تربها؟ قال: لا والله إلا أني أحببته في الله، فقال الملك: إني رسول الله إليك، إن الله أحبك كما أحببته فيه) هنا تظهر المحبة في الله وتظهر الأخوة في الله يوم أن يدعوك إخوانك في الله إلى أمر من الخير فتستجيب، يوم أن يزجروك عن أمر من الشر فتنزجر وترعوي، هذه من دلائل الحب في الله والبغض في الله.
والمحبة في الله شأنها عظيم، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أولئك.
стр. 2548
رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال
والخامس -أيها الأحبة- من الثلة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، وفي رواية: رجل دعته امرأة إلى نفسها، وفي أخرى: فعرضت نفسها عليه، أي: دعته إلى الفاحشة، قال بعضهم: دعته إلى زواجها، فأبى خشية أن يشتغل بها عن العبادة، أو أبى خشية أن يكون قبوله من الزواج بها سبباً أو طريقاً إلى فعل معصية وفاحشة، وهذا تأويل بعيد، والظاهر الواضح والجلي من الحديث أنه رجل دعته امرأة ذات منصب إلى نفسها، دعته إلى الفاحشة، فقال: إني أخاف الله.
وتدخل المرأة في هذا الباب: لو أن رجلاً ذا منصب وجمال دعاها إلى نفسه فأغراها بالمال، وامتنعت من ذلك، وقالت: إني أخاف الله، قال ابن حجر: فهي تدخل في ظل عرش الله، فهي من السبعة الذين يكونون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 2549
وقفة مع قصة يوسف وامرأة العزيز
أيها الأحبة في الله: إن هذه المسألة من أخطر المسائل ألا وهي فتنة النساء، وإن كثيراً من الناس ربما يصمد أمام المدفعية وربما يصمد أمام الرشاش، وربما يصمد أمام القنابل الدبابات ويصبر على حمم الطائرات ودويها، ولكنه لا يصمد دقائق أمام امرأة ذات منصب أو ذات جمال أو جمعت بين الأمرين جميعاً؛ لأن فتنة النساء عظيمة.
في صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: قال ﷺ : (من يضمن لي ما بين رجليه وما بين لحييه ضمنت له الجنة) أي: من حفظ فرجه وحفظ لسانه، فإن النبي ﷺ كفيل وضمين وزعيم له بالجنة بإذن الله جل وعلا، ولا تخفاكم قصة يوسف ﵇ لما غلقت الأبواب امرأة العزيز وقالت: هيت لك، قال: معاذ الله، تذكر ربه، وذكر نعم الله عليه، وذكر ما أنعم الله به عليه فاستعاذ بالله، ومن استعاذ بالله فقد نجا، ومن لجأ إلى الله فقد عصم، ومن توكل على الله فقد كفي، قال: معاذ الله، ولما هددته وبلغ التهديد منه مبلغاً حتى طاردته، ودخل العزيز ذات مرة ورأى شيئاً من الريبة، وألفيا سيدها لدى الباب، فانقلبت عليه فاتهمته بالفاحشة: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥] ماذا قال يوسف الذي هو حرٌ قد بيع رقيقاً، وعزيزٌ قد أصبح طريداً شريداً، وأصبح خادماً في بيت السلطان: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف:٢٦] وظهر البرهان الحسي، البرهان القريب: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف:٢٦] لأنه إذا شق القميص من الأمام من القبل فمعناه أن يوسف ﵇ -وحاشاه ذلك- أراد أن يندفع إليها فدافعته فانشق قميصه من ذلك: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٧] أي: أن يوسف هو يهرب وهي تلحقه وتجذبه بقميصه فيتشقق قميصه من هذا: ﴿فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٢٨ - ٢٩] قيل: إن هذا كان قبل إسلام العزيز وإلا فلا يعقل أن رجلاً يجيب على مثل هذا الموقف الذي فيه من خروج امرأته عن حدود العفة والطهارة والحياء وحفظ الفراش وحفظ النفس بهذا الكلام: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٢٩].
لما بلغ الأمر منها مبلغاً وتحدث صويحباتها ونساء المدينة: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ [يوسف:٣٠ - ٣١] حتى تبين أنها لا تلام في باطلها الذي همت به وإن كانت في الحقيقة قد أسرفت على نفسها بهذا الفعل: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف:٣١ - ٣٢] هل انتهى الأمر؟ لا: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢] إما أن يفعل الفاحشة، إما أن يختار الرذيلة، إما أن يجيء إلى الفراش، إما أن يأتي إلى علبة الليل، إما أن تطفأ الأنوار ويحصل الستر وإما أن يسجن.
فماذا قال ﵇ وهو شابٌ حدثٌ صغيرٌ في قوة شبابه ضعيفٌ أمام زوجة الملك في قصرها في دلالها في جمالها في أبهتها في سلطانها بين وصيفاتها وخدمها وحشمها، تدعوه وتهدده، فماذا يقول؟: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] هل منا من قال ذلك؟ ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣].
أين شباب الأسواق العقارية وأسواق الشعلة، وأسواق العامة الذي الواحد منهم يخرج وقد ملأ جيبه بعشرات الأرقام من رقم هاتفه وهاتف أصدقائه ويمشي ويوزع، حتى أن بعضهم يحتال في استخدام بعض الأساليب كي يلصق الرقم بعباءة الفتاة ولا حول ولا قوة إلا بالله! أحد الشباب أحضر لي بطاقة صغيرة مكتوب عليها: نرجو ممن يطلع على هذه البطاقة مساعدة حاملها أو الاتصال بجمعية العشاق والمحبوبين والمجروحين، وفي القلب الاسم: عاشق محتار، مكان اللقاء: أول وهلة حصلت، وأسئلة سخيفة، بكلام لا يليق ذكره، وعبارات عجباً لشباب يحملونها! وصدق من قال: إن الشباب في هذا الزمان، أو إن بعض الشباب في هذا الزمان حتى لا نظلم البقية إذ فيهم خير عظيم، حتى بعض الذين عندهم بعض المعاصي نظن ببعضهم خيراً كثيراً؛ لأن الكثير من الشباب حتى وإن كان في معصية لكن فيه رجولة، لا يتخنث إلى هذا الحد، لا ينهار برجولته إلى هذا الحد، ولعل رجولته وحياءه وعفته التي انبثقت من صلاته وحرصه على العبادة تقوده إلى استكمال ما نقص من نفسه من السنة أو الاستقامة على ما يرضي الله جل وعلا.
أقول أيها الإخوة: إن بعض الشباب هم حقيقة ذكور وليسوا رجالاً، هم ذكور وليسوا رجالاً، وقد قالتها امرأة في مجمع من اللقاءات أو في مكان لما سئلت امرأةٌ من النساء عن قول الله جل وعلا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] وهي في بلاد ليس للرجل فيها منزلة أو مكانة، فقالت وأجابت جواباً صحيحاً: الله جل وعلا قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾ [النساء:٣٤] ولم يقل الذكور قوامون على النساء، لأن الرجولة أمر يتعدى الذكورة، الرجولة وصف كامل بما فيه من الشمم والإباء والحياء والغيرة والخشية والانقياد والاستجابة لأمر الله جل وعلا.
نعود إلى صلب موضوعنا، فهذا يوسف ﵇ لما دعته وهددته: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] هذا من حصل له مثل هذا أو من ابتعد عن موقف كهذا، فهو من الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 2550
قصة محمد المسكي
ومن الأمور التي سطرها التاريخ أن شاباً وسيماً يقال له: محمد المسكي كان هذا الشاب يأكل من طعام يده، يصنع المراوح التي تعمل باليد، وكان يدور في الأزقة والأسواق ويبيع مراوحه هذه ويأكل من كسب يده، فرأته امرأة وكانت ذات مالٍ فأعجبت به، وترصدت له عند الباب، فلما مر جوار بابها، قالت: هل عندك مراوح غير هذه؟ قال: نعم.
فأرخت له الستر أو فتحت له الباب، وقالت: ادخل لأرى، فلما دخل وكان منصرفاً عنها يظن أنها سترى ما في يده من المراوح، ثم يبيعها أو لا تشتري إن أبت، ثم يخرج، فما دخل قليلاً إلا وجذبته وأدخلته دهليز بيتها وأغلقت الباب دونها ودونه، وقالت: إما أن تفعل بي الفاحشة وإما أصيحن بك بين الناس إن فلان بن فلان اقتحم بيتي وتسور داري ودخل وأراد أن يفعل بي الفاحشة، فأصبح في محنة عظيمة، إن فعل الفاحشة أصبح ممن زنوا، والزنا شأنه خبيث وخطير، والله سماه سوء السبيل: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] فيه فحش وفيه سوء السبيل، وإن فضح نفسه فهو في مصيبة عظيمة، فقلب النظر وأدار الفكر، فقال: حسناً: أريد الحمام، فلما خلت بينه وبين الحمام، دخل المكان الذي هو (الحش) وليس الحمام آنذاك كحماماتنا واسعة، بعض الحمامات الآن تعتبر صالة أو حجرة طعام بالنسبة لبعض البيوت، بعض الحمامات تبلع (٦×٥) بعض الحمامات (١٠×٨) صحيح والله، دخلت بيتاً ذات يوم فرأيت حماماً أكبر من مجلسنا، فعجبت من هذا عجباً عظيماً، قلت: سبحان الله! هل الرجل ينام في هذا المكان؟! أن الحمام آنذاك هو (حش) توضع فيه القذارة والعذرة، مكان كالحفرة يوضع فيه الغائط -وأجل الله بيته والملائكة والسامعين أجمعين- فما كان منه إلا أن نزع الغطاء عن الحش وبيت الغائط، ثم أخذ يغرف من الغائط ويمسح على رأسه وثيابه وأجزاء بدنه، فلما ملأ بدنه بهذا خرج إليها وناداها، فلما رأته بهذه الصورة أخذت تسبه وتشتمه وطردته من بيتها.
انظروا إلى هذا الشاب الذي يدعى إلى الزنا فيأبى ولا يريد الفضيحة على نفسه، فهدي إلى هذه الفكرة الذكية، واختار أن يلطخ نفسه وبدنه بالبول والغائط حفاظاً ألا يطأ مكاناً حرمه الله عليه، ألا يلمس جسداً حرمه الله عليه، ألا يقول كلاماً يحاسب عليه، فلما خرج من بيتها أخذ يدعو ربه أن تصرف الأبصار عنه حتى بلغ بيته وغير ملابسه واغتسل مما هو فيه من النجاسة فما هي إلا لحظات حتى فاح المسك من جميع أجزاء بدنه! أكرمه الله جل وعلا، جل ربنا أن يعامله العبد نقداً فيجازيه نسيئة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة:١٢٠] ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠] لقد أحسن العمل فجاءه حسن الجزاء، أصبح ما يحل محلاً إلا والمسك يفوح من طريقه، حتى أصبح معروفاً أن فلان بن فلان مر من هذا الطريق بدليل رائحة المسك، وفلان بن فلان في ذلك المسجد بدليل رائحة المسك، وسمي محمد المسكي نسبة إلى هذه الكرامة التي أكرمه الله جل وعلا بها.
стр. 2551
الزنا وعواقبه
أين شبابنا الآن في هذا الزمان؟ لعلهم يكفون عنا ويكفون عن بيوت المسلمين أصواتهم وألسنتهم التي تشبه نقيق الضفادع، التي تشبه صوت الغربان، وبعضهم يتكسر بصوته ويظن أنه بهذا يضع الحبال للفتيات لعله أن يأسر فتاة بصوته المميز، مسكين والله هذا! وبعض الفتيات من الضالات المضلات -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ربما تسلطن على بعض الشباب واتصلن عليه، تتصل الفتاة على الشاب، وتريد أن توقعه في الفحشاء، ضاع الحياء وضاعت الفضيلة في بعض البيوت التي اشتغلت واشتهرت وامتلأت بالأفلام، أفلام الفيديو والأفلام الخليعة، والرقص مع المطربين والمطربات، والمصارعات النسائية إلى آخر ما نسمع وما يقال عن أفلام فيها من كل ما يزعج البصر ويقلق السمع ويخبث الفؤاد ويكدر العقل، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وقد أحسن بعض الشباب لما قال لي: إن فتاة اتصلت بي ذات مرة وكانت منحرفة، قال: إنها اتصلت بي وقالت: ألم تسمع صوتي قبل هذا اليوم؟ قال: نعم.
سمعت صوتاً قريباً من صوتك في الحمام أو في الغسالة أو في السيفون، قال: فما كان منها إلا أن أغلقت السماعة وقد استحت على وجهها، وجزاه الله خيراً على هذا الجواب، إن من الناس من لا يرده إلا مثل هذه الأساليب ولا حول ولا قوة إلا بالله! والذي أنصح به عامة: إن من ابتلي بمثل هؤلاء الذين يتسلطون على هاتفه:
إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت
السكوت خير جواب للسفيه.
صبراً على فعل السفيه فإن صبرك قاتله
كالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تؤكله
وكن -يا أخي الكريم- حريصاً على حفظ بيتك بحفظ نفسك.
إن الزنا دين فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
من يزنِ يزن به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهم
من يزنِ في بيتٍ بألفي درهم في بيته يزنى بغير الدرهم
يزنى بالمجان ولا حول ولا قوة إلا بالله! الحاصل أن من ترك هذا الأمر خشية لله، ومن ترك ذلك لأجل الله ولوجه الله، ترك مواقع الريبة ومحادثة الفتيات، وإن عرض عليه الأمر، أو عرض على الفتاة أمر الرذيلة، تركت ذلك لوجه الله جل وعلا، فإنه يؤجر أجراً عظيماً.
ومن المؤسف أن في بعض الأماكن تأتي الفتاة بسائقها وتطرق الباب على الشاب ولا حول ولا قوة إلا بالله! وقد علمت بشيء من هذا، وحمدت الله أن حفظ ذلك الشاب الذي تسلطت عليه شيطانة من شياطين الإنس حتى طرقت عليه الباب وأرادت أن توقع به أو تأخذه معها أو أن تواقعه في بيته ولا حول ولا قوة إلا بالله! فمن حفظ نفسه ومن أراد ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله، فحري به أن يبعد نفسه عن مواطن الريبة: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
стр. 2552
رجل تصدق بصدقة فأخفاها
والسادس من الثلة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: رجل تصدق بصدقة، أو تصدق فأخفى -كما في نص حديث البخاري - حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
والمقصود: حتى لا يعلم الناس الذين من حوله، وبعض الناس أو كما ذكر أن بعضهم كان لا يفقه الحديث فكان إذا أراد أن يتصدق أدخل يده اليسرى في جيبه ثم أدخل المال يمده هكذا يظن أن الشمال تنظر إلى اليمين فحينئذ يخبئها في جيبه أو في داخل معطفه أو كوته، وليس هذا هو المقصود، إنما المقصود أن صدقته خفية لا يعلم بها الناس، يتحرى فيها أوقات السر، ولا يريد الإعلان بها خلافاً لما نسمع عن بعض الذين يتصدقون اليوم وغداً، نرى الجرائد قد امتلأت أن فلان بن فلان تصدق بمليون ريال على كذا وعلى كذا وعلى كذا.
إن خير الصدقة ما كان سراً لوجه الله جل وعلا، وإن خير الصدقة ما كان يرجى به وجه الله، هب أن الناس علموا بصدقتك هل يقبلونها منك؟ هل يرفعونها إلى السماء؟ هل يخرجونك من النار؟ هل يدخلونك الجنة؟ وهب أن الناس لا يعلمون إن عدم علم الناس أقرب إلى إخلاصك وأتقى لقلبك، وأقرب منك إلى ربك، وأدعى إلى ثباتك، وأحوط ألا يصيبك العجب فيما أنت فيه، فاحرص على ذلك أخي الكريم.
ولعل كثيراً من الذين يشاهرون ويدعون ويظهرون ما يفعلون من دعوى الصدقات في الجرائد والمجلات وغيرهم، لعل الكثير منهم لا أقول كلهم؛ لعل بعضهم ممن يسرق من هذا ويعطي هذا، نعم.
بعضهم يرابي، والربا من قوت المساكين والضعفاء، بعضهم يرتشي، بعضهم يأخذ أموالاً ليست من حلها ثم يصرفها هنا.
بنى مسجداً لله من غير كسبه فكان بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
وفي مسند أحمد من حديث أنس بسند حسن مرفوعا: (إن الملائكة قالت: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم.
الحديد، قالت: فهل أشد من الحديد؟ قال: نعم.
النار، قالت: فهل أشد من النار؟ قال: نعم.
الماء، قالت: فهل أشد من الماء؟ قال: نعم.
الريح، قالت: فهل أشد من الريح؟ قال: نعم.
ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله) وهذا كلام موصول بالسادس من أولئك الذين يظلهم الله في عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ألا وهو الذي تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
وقال بعض أهل العلم: يحتمل أن يكون هذا رجل يشتري من فقير وضعيف متكسب فيعطيه أكثر من سلعته، أو يتقصده بالشراء منه لكي يعينه على أسباب الكسب، وهذا جميل جداً، إذ ليس من شرط الصدقة أن تكون هكذا من دون مقابل، مثال ذلك: أنت حينما تعرف رجلاً فقيراً معدماً، أو رجلاً مسكيناً ويبيع سلعة مباركة أو سلعة ميسرة من أدنى السلع ويبيعها بعشرين ريالاً، فتأتي أنت وتشتري منه واحدة من هذه السلع وتعطيه أربعين ريالاً أو تعطيه خمسين ريالاً وتذهب، أنت بهذا تعينه على الاستمرار في الكسب، واشتريت منه إعانة له، وما زاد عن قيمة السلعة هو صدقة، وهذا من أفضل أنواع الصدقة أيضاً، هو من خير ما يتصدق به العبد بإذن الله جل وعلا.
الحاصل: فلنحرص -يا إخواني- على صدقة السر كما في هذا الحديث: إن مما هو أشد من الجبال والحديد والنار والماء والريح وغيرها الصدقة يتصدقها ابن آدم في السر فلا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
стр. 2553
حث على الصدقة وإخفائها
معاشر الأخوة معاشر الشباب هل منا من خرج في الساعة المتأخرة من الليل، أو خرج في غفلة الناس في الضحى وأخذ معه كيساً من الرز، أو ذبيحة من اللحم، أو شيئاً من الدجاج، أو شيئاً من المأكولات فقصد بيتاً من بيوت الفقراء لا يعرف من هو، لا يعرف وجهه، متلثماً مستخفياً متخفياً لا يريد أن يعرف، فطرق الباب وتصدق بهذه الصدقة وذهب؟ هل منا من يفعل ذلك؟ إننا -أيها الإخوة- كما نحن بحاجة إلى أعمال علنية جماعية نتعاون فيها مع بعضنا البعض، فإننا بأمس الحاجة إلى أعمال سرية، أعمالنا السرية صدقة في السر، أن تدخل لوحدك وأن تدعو واحداً من الضلال فيما بينك وبينه لا يعرف بذلك أحد، أن تعرف فلان بن فلان من المنحرفين وأن تجتهد عليه في السر لا يعرف أحد جهودك في دعوته، وجهودك في تقويم انحرافه، فإن هذا من أعظم الأعمال التي تؤجر عليها عند الله.
والله إني لأغبط شباباً لم يعرفوا في المحاضرات، ولم يعرفوا في الندوات، ولم يعرفوا في اللقاءات، ولم يعرفوا في كثير من المنابر، ولكنهم في الدعوة أنشط منا وخير منا، وهم أتقى وأعلم وأنقى لله منا، نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحداً، نغبطهم بأن أعمالهم في السر، نغبطهم بأنهم لا يعرفون، نغبطهم بأنهم إذا ذهبوا لم يفقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، فذلك أدعى لإخلاصهم.
نسأل الله ألا يفسد أعمالنا وأعمالكم بالرياء أو السمعة.
стр. 2554
رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه
والسابع من الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: رجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.
فاضت عيناه بالدموع، وفي الحديث: (عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله) وفي الحديث: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله جل وعلا) لأن البكاء في السر والبكاء في الوحدة أمره عظيم، ما أكثر الذين حينما يجدون من يبكون يبكون! وكما يقول الشاعر:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابةً بسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلت الفضل للمتقدم
والإنسان حينما يحضر مع قوم يضحكون ليس من الغريب أن يضحك معهم، وحينما يجلس مع قوم يبكون ليس غريباً أن يبكي أو يتباكى معهم، ولكن الخير والفضل وقوة الإيمان وصدق اليقين أن يبكي وحده، أن يبكي ولا يراه إلا الله، أن يبكي وحده في سيارته أن يبكي وحده في حجرته، أن يبكي فيما بينه وبين نفسه، أن يبكي بكاءً لا يعرفه من حوله، تنحدر من عينه قطرات ساخنة ودمع حار متتابع، يسيل على وجنتيه ولا يعرف من بجواره أن فلان بن فلان أبكى، أما الصياح والضجيج والنياح والبكاء ورفع الأصوات والمبالغة في هذا، فمن الناس من بكاؤهم في خير وبكاؤهم في صدق، ومن الناس من ترى فيهم تكلف البكاء أو تكلف التباكي إلى أمر يخرجهم عن حدود مقبولة في الغالب.
يقال: إن الشافعي أو غيره مر برجل يبكي في المسجد، وقال: ما أطيب هذه الدموع ولو كانت وحدك لكانت أطيب.
стр. 2555
من أسباب البكاء خشية الله
قال القرطبي ﵀: والبكاء فيض العين أو دمع العين هو بحسب حال الذاكر، فربما يبكي الإنسان حينما يسمع أوصاف الجلال، فحينما تقرأ في القرآن آيات عظمة الله؛ علمه قوته جبروته أن الله جل وعلا يسير الجبال فتسير، يجعلها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، أن الله يجعل البحار تنسجر، والنجوم تنكدر، والسماء تنفطر، والكواكب تنتثر، حينما تقرأ مثل هذه وحينما تبكي لهذه الأوصاف، فإنك تبكي لأوصاف الجلال والعظمة التي هي من علم الله وقوته وقدرته وجبروته جل وعلا.
وقد يبكي الإنسان حينما يرى أوصاف الجمال، فإذا رأيت بستاناً جميلاً ورأيت وروداً متفتحة ورأيت زهوراً عبقة بالعطر، أخذت تبكي شوقاً إلى الجنة؛ لأن ما ترى في الدنيا هو شيء قليلٌ قليل جداً جداً بالنسبة لما هو موجود في الآخرة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥] إذا ذكر نعيم الولدان والأولاد والذرية، ذكرت نعيم الجنة، وإذا ذكرت القصور، ذكرت أن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أفشى السلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام، حينما تعلم هذا النعيم المقيم العظيم من الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٤] السابقون أغلبهم في الزمان الماضي، والقليل منهم في الزمن المتأخر: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً * وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٤ - ٤٠] فالبكاء إما أن يكون لأوصاف الجلال وأوصاف عظمة الله جل وعلا، وإما أن يكون لأوصاف الجمال؛ الشوق إلى ما أعد الله جل وعلا.
وقد كنت أحفظ عن جدتي رحمها الله رحمة واسعة وأحفظ عن عجائزنا وشيوخنا الكبار في السن إذا جلسوا في الطعام، قالوا: أسأل الله الكريم من فضله، يا ألله نعيم الجنة، يا ألله الجنة التي لا يتفرق أحبابها ولا يزول نعيمها، أما الآن فتكاد تنعدم سماع مثل هذه الكلمات، رحم الله الآباء والأمهات والأجداد والجدات، كانوا يعلموننا الشوق إلى الجنة، وكانوا يربون في نفوسنا أن ما نرى من النعيم ليس بشيء بالنسبة لما ينتظر المؤمنين عند الله جل وعلا، ولكن في هذا الزمان قل أن تسمع هذا، وقل أن تجد من يربي أولاده على مثل هذه المعاني.
الحاصل أيها الإخوة: أن البكاء من خشية الله أمر عظيم جداً جدا، روى الحاكم من حديث أنس مرفوعاً: (من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة) فأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من عباده الذين يستظلون بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ونسأل الله جل وعلا أن يكرم المؤمنين والمؤمنات بهذا الفضل.
ألا وإن هذه الفضائل ليست للرجال وحدهم دون النساء، وإنما هي لأولئك جميعاً، وذكر ابن حجر ﵀: إن مما يخص به الرجال دون النساء في الحديث كقوله ورجل قلبه معلق بالمساجد، قال: لأن صلاة المرأة في بيت زوجها أفضل.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2556
الأسئلة
стр. 2557
شاب يستقيم تارة ويعوج تارة
السؤال
إنني أعاني من نزاعات نفسية بين الخير والشر، فأجد نفسي ملتزماً من الملتزمين، وبين الفينة والأخرى أرجع إلى بعض المعاصي والمنكرات كالأغاني والأفلام وترك الصلوات، فضيلة الشيخ! أرجو منك أن تدلني على الخير والفضيلة وفقكم الله وسدد خطاكم؟
الجواب
هذا يسميه الإخوان سير الثعالب، سير الثعالب: هو أن تكون تارة في اليمين وبعد فجأة نجدك في أقصى اليسار، وعلى أية حال نسأل الله أن يجعل سيرك سير الجياد الأصيلة، وإذا أردت أن تصدق نفسك، فاعلم أنك يوم أن تجد نفسك واحداً من المقصرين أو المنحرفين ما ذاك إلا لوجودك بينهم، إذ لا يعقل أن تجد نفسك منحرفاً بين إخوانك الطيبين، وحينما يفرط الإنسان في قول الله جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] حينما تنصرف عن هؤلاء وتعدو عيناك عنهم إلى غيرهم، وتطيع من أغفل الله قلبه وأخلد إلى الأرض، حينئذٍ ستكون من حزبه ولا حول ولا قوة إلا بالله! والنفس البشرية -يا إخوان- سريعة التأثر
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا من كثير التقلب
لما رأت أختها بالأمس قد خربت صار الخراب لها أعدى من الجرب
الإنسان يعدَى بمن حوله، فإذا كان الذين يخالطهم في مدارسه في وظيفته في مجالسه في لقاءاته في سهراته من المنحرفين، فإنهم يزينون له الباطل درجة درجة، والله جل وعلا قد نهانا عن خطوات الشيطان، فيه إشارة إلى أن الإنسان لا يضل فجأة، حينما تسأل الآن الذين هم وراء القضبان في سجون المخدرات، أو أصحاب الجرائم ومحترفي الجرائم والعصابات، هل أولئك انحرفوا فجأة لأول وهلة؟ لا.
إنما هي جلسات ولقاءات وخلوات، تعاون فيما بينهم على منكر، درجة درجة حتى بلغوا ذروة سنام المعصية ولا حول ولا قوة إلا بالله! لذا فإني أنصحك وأشدد عليك في النصيحة أن إذا وجدت نفسك فارغاً ووجدت من قلبك ضعفاً وميلاً إلى المعصية فابحث عن مكان يجتمع فيه الأخيار؛ درس محاضرة كلمة ندوة حلقة قرآن مكتبة خيرية اذهب إلى التسجيلات الإسلامية واشترِ شريطاً اذهب إلى المكتبة وتصفح الكتب الموجودة اذهب إلى أي مكان تجد فيه أخياراً وأبراراً، والصادق -يا إخواني- الذي يريد مجاهدة نفسه سيجد في مركز الدعوة وخاصة بالذات في مدينة الرياض سيجد في مركز الدعوة والإفتاء في الرياض جداول لا تكاد أنت تغطي ولا نصفها، هناك دروس الفجر طول الأسبوع دروس بعد العصر طول الأسبوع دروس بعد المغرب دروس بعد العشاء محاضرات ندوات مشاركات.
يا أخي! مراكز الجاليات بحاجة إلى من يشارك في الدعوة إلى الله، دعوة الكفار إلى الإسلام هذه التي ظهرت بنتائج إيجابية ووصلت إلى أرقام طيبة جداً جداً، القائمون على هذه المراكز يصيحون ويضجون يريدون من يتعاون معهم، هيئة الإغاثة الإسلامية تريد من يتعاون معها، رابطة العالم الإسلامي تريد من يتعاون معها، السجون بحاجة إلى من يتعاون معها، الأعمال الخيرية كثيرة، أشغل نفسك بالطاعة تنشغل بذلك عن المعصية إن كنت صادقاً: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨] وكما تفضل الشيخ؛ لو أن الواحد منا يعزم على أن يتبع القول العمل، لوجد نفسه في ثلة مباركة من الأخيار أينما حل.
стр. 2558
واجبنا نحو إخواننا في البلاد المجروحة
السؤال
قضية المسلمين في خارج هذه الدولة، في دول العالم الخارجي من انتهاك الحرمات ومن سفك الدماء كقضية كشمير وغيرها، نرجو من الشيخ توضيح مسألة كيف نحمل هذه الأمة، وكيف نتحرك من أجل هذا الإسلام؟
الجواب
الذي يحمل هم شيء يتتبع أخباره بادئ ذي بدء، فمن يحمل هم المسلمين في أفغانستان يتتبع أخبارهم، ومن يحمل هم المسلمين في كشمير، في سيريلانكا، في كمبوديا، في منغوليا، في أي مكان، لابد أن يتتبع أخبارهم.
الأمر الثاني: ماذا بعد السماع؟ تحويل هذا السماع والعاطفة المتفاعلة مع هذه الأخبار إلى برنامج عمل، في كشمير يقتلون، بحاجة إلى سلاح، من الذي يشتري لهم السلاح؟ بحاجة إلى طعام، من الذين يؤمن لهم الطعام؟ بحاجة إلى غذاء، من الذين يؤمن الغذاء؟ أيتامهم بحاجة إلى كفالة، من الذي يؤمن لهم كفالة؟ بعض طلابهم بحاجة إلى تعليم، من الذي يتكفل بهؤلاء؟ من الذي يتكفل بإرسال عشرة أو عشرين طالباً من طلاب الجامعات من كشمير إلى مواصلة الطب هنا أو في أي دولة من الدول التي يواصلون فيه دراسات الطب ويصبحون أطباء؟ خدمة الإسلام لا تنحصر في مجال واحد يا إخوان، خدمة الإسلام حتى وإن تعذر عليك أن تخدم المسلمين هنا، لو تعذرت فمن شأنك أن تجمع المال وتأخذ المسلم من كمبوديا وترسله إلى الجامعة الإسلامية في باكستان أو جامعة أخرى وترسله إلى هناك، قد يقول قائل: العدد في الجامعة الإسلامية هنا مكتفٍ، والجامعات امتلأت، ما هناك إمكانية، هل نقف؟ إخواننا بحاجة إلى تعليمهم الفقه، بحاجة إلى تدريسهم القضاء، بحاجة إلى أن يتخرج من أبنائهم أطباء ومهندسون وكيميائيون وفيزيائيون، كيف تستطيع أن تعلم هؤلاء؟ اجمع المال، خذ لهذا الطالب منحة فأنت تخرجه من دولة إلى دولة على حسابك وأنت هنا، هل يشترط في التجارة أن تأخذ البضاعة من اليابان وتأتي بها إلى هنا؟ هناك من أكبر التجار من لا تعرف بضاعته هذه البلاد، يشتري البضاعة من اليابان ويبيعها في قطر، يشتري البضاعة من كمبوديا ويبيعها في تركيا، يشتري البضاعة من اليونان ويبيعها في إيطاليا، فينبغي أن نكون على مستوى تفكير ووعي، وما مع الحب إن أخلصت من سأم، إذا وجد الاهتمام سنجد السبل إلى العمل.
ومثلٌ أضربه ورددته كثيراً: يا إخوان! لو أن واحداً منا يريد الزواج من فتاة ذكر من محاسنها وصفاتها ما تشرئب إليه الأعناق وما تتمناه القلوب، ما الذي يحصل؟ ستجد أن الواحد أولاً يعرف موقع بيتها تماماً، وربما عرف أمتار البيت، ورقم صك حجة الاستحكام الذي خرج فيه ذلك البيت، ثانياً: ستجد أنه يحاول أن يتعرف على أبيها وأصدقاء أبيها، يتعرف على أمها وصديقات أمها، على أخواتها ومدرسات أخواتها ومدرساتها، ستجد أن الرجل يبني أخطبوطاً من العلاقات حتى يصل إلى هذه الفتاة ويخطبها ويحقق النية بالزواج منها.
فمن أحب الدعوة إلى الله وأحب خدمة الإسلام ولو بأقل من حبه لهذا المستوى سيعرف كيف يعمل.
стр. 2559
هل أكون من الذين يظلهم الله
السؤال
أنا شاب تبتُ إلى الله بعد مدة طويلة وبعد عكوف عظيم على كثير من المنكرات، فضيلة الشيخ! هل أكون من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؟
الجواب
يا أخي الكريم! نسأل الله لنا ولك ذلك، التوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، أما قضية أننا نحدثك هل أنت في ظل عرش الله أم لست في ظل العرش، من الذي يعلم ذلك؟ يقول العلماء: ولا نشهد لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له الله ورسوله بالجنة، ولكن نرجو للمحسن الثواب ونخاف على المسيء العقاب، حتى أحب أحبابنا وأقرب من نعرفه بالدعوة والصلاح والاستقامة لا يجوز أن نقول هذا من أهل الجنة، نقول: نسأل الله أن يكون من أهل الجنة، وحتى أفجر الناس لا نقول هذا في النار، بعض الناس إذا رأى مجرماً، قال: أما أنت ففي الدور الرابع من قعر جهنم، وهل علمت أنه من أهل النار؟! هل علمت أنه من أسفل سافلين؟! اتق الله! قد يتوب قبل موته، قد يعمل أعمالاً يسبقك أنت يا من تكلمت فيه، ومن الذي يتألى على الله تقول: إن الله لا يغفر لهذا؟ لا يجوز هذا الكلام، إنما نقول: نسأل الله لك ولأنفسنا وإخواننا أجمعين أن نكون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله.
ونقول يا أخي: إذا كان العرش عظيماً فما بالك بظله، أيضاً ظل عرش الله عظيم، وظل كل شيء بحسبه، فإذا كنا لا نكيف هذا العرش وعقولنا أصغر من أن تحيط بالعرش وصفاً وعلماً، فكذلك ظل العرش الكلام فيه كالكلام في العرش أصلاً.
نرجو الله أن يتغمدنا وإياك برحمته.
.
نستغل مثل هذه اللقاءات، ولا نريد أن نسميها استغلالاً بل هي في الحقيقة اغتناماً، ولا نريد أن نكلف النفوس أكثر مما تطيق، فهناك مشاريع خيرية، ومن إخوانكم في الله من الشباب الطيبين المحتاجين للمساعدة، ولا أكتمكم أن عدداً منهم شكا إليَّ حاجته ومسكنته وفقره، وقد زكاه فضيلة الشيخ/ سعيد بن مسفر حفظه الله، ووعدت فضيلة الشيخ/ سعيد بن مسفر بن مفرح الداعية الإسلامي المعروف، قلت له: في أقرب محاضرة سوف أحدث الإخوة بجمع بعض التبرعات لمساعدة عدد من هؤلاء الشباب في أمر زواجهم وقضاء شيء من ديونهم.
أرجو من الإخوة أن يتبرعوا ولو بالقليل، نحن لا نريد من مائة شخص أن يدفع على الخمسين ريال، لكن نريد من كل شخص أن يدفع خمسة ريالات إذا تيسر ذلك أو من أغلب الأشخاص، فإن القليل من الكثير يكون كثيراً بإذن الله، كما أرجو أن يقف على الأبواب التي حولكم وبجواركم من الأخوة من يجمع هذا المال ويسلمه للإمام جزاه الله خيراً، ونحن بدورنا نعطيه الشيخ تعاوناً على هذا وجزاكم الله خيراً.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 2560
نعمة الأمن
إن الأمن نعمة جليلة من نعم الله، لا يعرف قدرها إلا من فقدها وحرم العيش تحت ظلها، لا من سخرها لغير مرضاة الله وطاعته.
أيها الأحبة: هانحن اليوم نسمع باجتياح الكويت من قبل البعثيين وما حل بهم؛ فما هو واجبنا تجاه ذلك؟ وما هي العبر من ذلك؟ هذا ما ستعرفونه في هذه المادة.
следующие страницы →