← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الأسئلة

стр. 2557

شاب يستقيم تارة ويعوج تارة السؤال إنني أعاني من نزاعات نفسية بين الخير والشر، فأجد نفسي ملتزماً من الملتزمين، وبين الفينة والأخرى أرجع إلى بعض المعاصي والمنكرات كالأغاني والأفلام وترك الصلوات، فضيلة الشيخ! أرجو منك أن تدلني على الخير والفضيلة وفقكم الله وسدد خطاكم؟ الجواب هذا يسميه الإخوان سير الثعالب، سير الثعالب: هو أن تكون تارة في اليمين وبعد فجأة نجدك في أقصى اليسار، وعلى أية حال نسأل الله أن يجعل سيرك سير الجياد الأصيلة، وإذا أردت أن تصدق نفسك، فاعلم أنك يوم أن تجد نفسك واحداً من المقصرين أو المنحرفين ما ذاك إلا لوجودك بينهم، إذ لا يعقل أن تجد نفسك منحرفاً بين إخوانك الطيبين، وحينما يفرط الإنسان في قول الله جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] حينما تنصرف عن هؤلاء وتعدو عيناك عنهم إلى غيرهم، وتطيع من أغفل الله قلبه وأخلد إلى الأرض، حينئذٍ ستكون من حزبه ولا حول ولا قوة إلا بالله! والنفس البشرية -يا إخوان- سريعة التأثر وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا من كثير التقلب لما رأت أختها بالأمس قد خربت صار الخراب لها أعدى من الجرب الإنسان يعدَى بمن حوله، فإذا كان الذين يخالطهم في مدارسه في وظيفته في مجالسه في لقاءاته في سهراته من المنحرفين، فإنهم يزينون له الباطل درجة درجة، والله جل وعلا قد نهانا عن خطوات الشيطان، فيه إشارة إلى أن الإنسان لا يضل فجأة، حينما تسأل الآن الذين هم وراء القضبان في سجون المخدرات، أو أصحاب الجرائم ومحترفي الجرائم والعصابات، هل أولئك انحرفوا فجأة لأول وهلة؟ لا. إنما هي جلسات ولقاءات وخلوات، تعاون فيما بينهم على منكر، درجة درجة حتى بلغوا ذروة سنام المعصية ولا حول ولا قوة إلا بالله! لذا فإني أنصحك وأشدد عليك في النصيحة أن إذا وجدت نفسك فارغاً ووجدت من قلبك ضعفاً وميلاً إلى المعصية فابحث عن مكان يجتمع فيه الأخيار؛ درس محاضرة كلمة ندوة حلقة قرآن مكتبة خيرية اذهب إلى التسجيلات الإسلامية واشترِ شريطاً اذهب إلى المكتبة وتصفح الكتب الموجودة اذهب إلى أي مكان تجد فيه أخياراً وأبراراً، والصادق -يا إخواني- الذي يريد مجاهدة نفسه سيجد في مركز الدعوة وخاصة بالذات في مدينة الرياض سيجد في مركز الدعوة والإفتاء في الرياض جداول لا تكاد أنت تغطي ولا نصفها، هناك دروس الفجر طول الأسبوع دروس بعد العصر طول الأسبوع دروس بعد المغرب دروس بعد العشاء محاضرات ندوات مشاركات. يا أخي! مراكز الجاليات بحاجة إلى من يشارك في الدعوة إلى الله، دعوة الكفار إلى الإسلام هذه التي ظهرت بنتائج إيجابية ووصلت إلى أرقام طيبة جداً جداً، القائمون على هذه المراكز يصيحون ويضجون يريدون من يتعاون معهم، هيئة الإغاثة الإسلامية تريد من يتعاون معها، رابطة العالم الإسلامي تريد من يتعاون معها، السجون بحاجة إلى من يتعاون معها، الأعمال الخيرية كثيرة، أشغل نفسك بالطاعة تنشغل بذلك عن المعصية إن كنت صادقاً: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨] وكما تفضل الشيخ؛ لو أن الواحد منا يعزم على أن يتبع القول العمل، لوجد نفسه في ثلة مباركة من الأخيار أينما حل.

стр. 2558

واجبنا نحو إخواننا في البلاد المجروحة السؤال قضية المسلمين في خارج هذه الدولة، في دول العالم الخارجي من انتهاك الحرمات ومن سفك الدماء كقضية كشمير وغيرها، نرجو من الشيخ توضيح مسألة كيف نحمل هذه الأمة، وكيف نتحرك من أجل هذا الإسلام؟ الجواب الذي يحمل هم شيء يتتبع أخباره بادئ ذي بدء، فمن يحمل هم المسلمين في أفغانستان يتتبع أخبارهم، ومن يحمل هم المسلمين في كشمير، في سيريلانكا، في كمبوديا، في منغوليا، في أي مكان، لابد أن يتتبع أخبارهم. الأمر الثاني: ماذا بعد السماع؟ تحويل هذا السماع والعاطفة المتفاعلة مع هذه الأخبار إلى برنامج عمل، في كشمير يقتلون، بحاجة إلى سلاح، من الذي يشتري لهم السلاح؟ بحاجة إلى طعام، من الذين يؤمن لهم الطعام؟ بحاجة إلى غذاء، من الذين يؤمن الغذاء؟ أيتامهم بحاجة إلى كفالة، من الذي يؤمن لهم كفالة؟ بعض طلابهم بحاجة إلى تعليم، من الذي يتكفل بهؤلاء؟ من الذي يتكفل بإرسال عشرة أو عشرين طالباً من طلاب الجامعات من كشمير إلى مواصلة الطب هنا أو في أي دولة من الدول التي يواصلون فيه دراسات الطب ويصبحون أطباء؟ خدمة الإسلام لا تنحصر في مجال واحد يا إخوان، خدمة الإسلام حتى وإن تعذر عليك أن تخدم المسلمين هنا، لو تعذرت فمن شأنك أن تجمع المال وتأخذ المسلم من كمبوديا وترسله إلى الجامعة الإسلامية في باكستان أو جامعة أخرى وترسله إلى هناك، قد يقول قائل: العدد في الجامعة الإسلامية هنا مكتفٍ، والجامعات امتلأت، ما هناك إمكانية، هل نقف؟ إخواننا بحاجة إلى تعليمهم الفقه، بحاجة إلى تدريسهم القضاء، بحاجة إلى أن يتخرج من أبنائهم أطباء ومهندسون وكيميائيون وفيزيائيون، كيف تستطيع أن تعلم هؤلاء؟ اجمع المال، خذ لهذا الطالب منحة فأنت تخرجه من دولة إلى دولة على حسابك وأنت هنا، هل يشترط في التجارة أن تأخذ البضاعة من اليابان وتأتي بها إلى هنا؟ هناك من أكبر التجار من لا تعرف بضاعته هذه البلاد، يشتري البضاعة من اليابان ويبيعها في قطر، يشتري البضاعة من كمبوديا ويبيعها في تركيا، يشتري البضاعة من اليونان ويبيعها في إيطاليا، فينبغي أن نكون على مستوى تفكير ووعي، وما مع الحب إن أخلصت من سأم، إذا وجد الاهتمام سنجد السبل إلى العمل. ومثلٌ أضربه ورددته كثيراً: يا إخوان! لو أن واحداً منا يريد الزواج من فتاة ذكر من محاسنها وصفاتها ما تشرئب إليه الأعناق وما تتمناه القلوب، ما الذي يحصل؟ ستجد أن الواحد أولاً يعرف موقع بيتها تماماً، وربما عرف أمتار البيت، ورقم صك حجة الاستحكام الذي خرج فيه ذلك البيت، ثانياً: ستجد أنه يحاول أن يتعرف على أبيها وأصدقاء أبيها، يتعرف على أمها وصديقات أمها، على أخواتها ومدرسات أخواتها ومدرساتها، ستجد أن الرجل يبني أخطبوطاً من العلاقات حتى يصل إلى هذه الفتاة ويخطبها ويحقق النية بالزواج منها. فمن أحب الدعوة إلى الله وأحب خدمة الإسلام ولو بأقل من حبه لهذا المستوى سيعرف كيف يعمل.

стр. 2559

هل أكون من الذين يظلهم الله السؤال أنا شاب تبتُ إلى الله بعد مدة طويلة وبعد عكوف عظيم على كثير من المنكرات، فضيلة الشيخ! هل أكون من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؟ الجواب يا أخي الكريم! نسأل الله لنا ولك ذلك، التوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، أما قضية أننا نحدثك هل أنت في ظل عرش الله أم لست في ظل العرش، من الذي يعلم ذلك؟ يقول العلماء: ولا نشهد لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له الله ورسوله بالجنة، ولكن نرجو للمحسن الثواب ونخاف على المسيء العقاب، حتى أحب أحبابنا وأقرب من نعرفه بالدعوة والصلاح والاستقامة لا يجوز أن نقول هذا من أهل الجنة، نقول: نسأل الله أن يكون من أهل الجنة، وحتى أفجر الناس لا نقول هذا في النار، بعض الناس إذا رأى مجرماً، قال: أما أنت ففي الدور الرابع من قعر جهنم، وهل علمت أنه من أهل النار؟! هل علمت أنه من أسفل سافلين؟! اتق الله! قد يتوب قبل موته، قد يعمل أعمالاً يسبقك أنت يا من تكلمت فيه، ومن الذي يتألى على الله تقول: إن الله لا يغفر لهذا؟ لا يجوز هذا الكلام، إنما نقول: نسأل الله لك ولأنفسنا وإخواننا أجمعين أن نكون في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله. ونقول يا أخي: إذا كان العرش عظيماً فما بالك بظله، أيضاً ظل عرش الله عظيم، وظل كل شيء بحسبه، فإذا كنا لا نكيف هذا العرش وعقولنا أصغر من أن تحيط بالعرش وصفاً وعلماً، فكذلك ظل العرش الكلام فيه كالكلام في العرش أصلاً. نرجو الله أن يتغمدنا وإياك برحمته. . نستغل مثل هذه اللقاءات، ولا نريد أن نسميها استغلالاً بل هي في الحقيقة اغتناماً، ولا نريد أن نكلف النفوس أكثر مما تطيق، فهناك مشاريع خيرية، ومن إخوانكم في الله من الشباب الطيبين المحتاجين للمساعدة، ولا أكتمكم أن عدداً منهم شكا إليَّ حاجته ومسكنته وفقره، وقد زكاه فضيلة الشيخ/ سعيد بن مسفر حفظه الله، ووعدت فضيلة الشيخ/ سعيد بن مسفر بن مفرح الداعية الإسلامي المعروف، قلت له: في أقرب محاضرة سوف أحدث الإخوة بجمع بعض التبرعات لمساعدة عدد من هؤلاء الشباب في أمر زواجهم وقضاء شيء من ديونهم. أرجو من الإخوة أن يتبرعوا ولو بالقليل، نحن لا نريد من مائة شخص أن يدفع على الخمسين ريال، لكن نريد من كل شخص أن يدفع خمسة ريالات إذا تيسر ذلك أو من أغلب الأشخاص، فإن القليل من الكثير يكون كثيراً بإذن الله، كما أرجو أن يقف على الأبواب التي حولكم وبجواركم من الأخوة من يجمع هذا المال ويسلمه للإمام جزاه الله خيراً، ونحن بدورنا نعطيه الشيخ تعاوناً على هذا وجزاكم الله خيراً. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 2560

نعمة الأمن إن الأمن نعمة جليلة من نعم الله، لا يعرف قدرها إلا من فقدها وحرم العيش تحت ظلها، لا من سخرها لغير مرضاة الله وطاعته. أيها الأحبة: هانحن اليوم نسمع باجتياح الكويت من قبل البعثيين وما حل بهم؛ فما هو واجبنا تجاه ذلك؟ وما هي العبر من ذلك؟ هذا ما ستعرفونه في هذه المادة.

стр. 2561

الظلم وأنواعه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فإنها سبب الطمأنينة والأمن والرزق والرخاء والنِعم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] والظلم في هذه الآية هو الشرك، ويتناول كل ما سواه من أنواع الظلم بالتبع، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: الظلم على أنواع ثلاثة: فأولها ظلمٌ لا يقبل من العبد معه عدلاً ولا صرفاً، ولا قليلاً ولا كثيراً، ذلك المعني في قول الله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] فإن من جاء بهذا الظلم الكبير -وهو الشرك- فلا حظ له في الأمن ولا الهداية ولا القبول ولا الفوز والنجاة. والنوع الثاني من أنواع الظلم: وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً بعدوان بعضهم على حقوق بعض، ودماء وأعراض بعض، وأموال بعضهم البعض، فهذا الظلم معفو عنه برد الحقوق إلى أصحابها والتوبة إلى الله جل وعلا. والنوع الثالث من الظلم الذي تتناوله الآية: ألا وهو ظلم العبد نفسه بالمعاصي والسيئات، والفواحش والخطيئات؛ فهذا الذنب إن كان من الكبائر فلا مغفرة لصحابه إلا بالتوبة الصادقة النصوح، وإن كان من الصغائر على غير إصرار من فاعله فذلك مكفرٌ بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] وقول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] والشاهد كما يقول شيخ الإسلام سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: إن من أتى بنوعٍ من الظلم فقد نقص حظه من الأمن، ومن أتى بالظلم كله فقد فَقَدَ الأمن كله، ومن أقل أو أكثر في الظلم كثر أو قل نصيبه في الأمن بقدر ما فعل.

стр. 2562

نعمة الأمن وفضلها أسوق هذا -أيها الأحبة- مقدمةً لأقول: إن الأمن نعمة من نعم الله جل وعلا، وكثيرٌ من النعم لا يعرفها أصحابها إلا عند فقدها، فالصحة نعمةٌ لا يعرف تمام فضلها إلا المرضى، والماء نعمةٌ لا يعرف تمام فضلها إلا العطشى، والطعام نعمة لا يعرف حقيقة فضلها إلا الجياع، والكسوة نعمة لا يعرف حقيقة فضلها إلا من كان عريانا، فكل نعمة تعرف بفقدها وبضدها، نعوذ بالله من ضد النعم، ونعوذ بالله من سائر النقم. معاشر المؤمنين: إننا في نعمة من أعظم النعم التي تفقدها كثير من الأمم ويغبن فيها كثير من الناس، ويسخرونها لغير مرضاة الله وطاعته. إن من نال أمناً وطمأنينة فحري به أن يسخر هذه النعمة في الدعوة إلى الله وعبادة الله على بصيرة، وشكر نعم الله جل وعلا، لا أن يكون الأمن سبباً للهو والطرب، والعبث والرقص كما هو شأن كثير من العباد والعياذ بالله. عباد الله: اعلموا أن البشرية وإن جمعوا أموالاً طائلة، وإن نكحوا عدداً من الزوجات، وإن تقلبوا في مختلف مظاهر المدنية، ما قيمة هذا كله بدون أمن؟! ما قيمة المال إذا كنت خائفاً لا تستطيع أن تجاوز بيتك لتشتري به قليلاً أو كثيراً؟! وما قيمة الحدائق ما دمت خائفاً لا تستطيع أن تنعم بظلالها الوارفة، ما قيمة الطرق وأنت خائفٌ لا تستطيع أن تسير أو تتجول فيها؟! ما قيمة الأسواق وأنت خائفٌ لا تستطيع أن تقضي حوائجك منها؟! ما قيمة كل ما تراه من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وشمالك وأنت مضطرب خائفٌ فزعٌ لا تستطيع أن تنال من هذا شيئاً؟! إذاً: أليست نعمة الأمن مقدمة على نعمة الأموال، وعلى نعمة الثراء، وعلى نعمة المدنية والحضارة، وعلى كل مظاهر النعم التي يتنافس الناس فيها ويحسد أو يغبط بعضهم بعضاً عليها؟ عباد الله: أقول هذا والقلب كله أسى، والكبد مكلوم، والفؤاد مفطورٌ لما حل بإخواننا المسلمين في الكويت من اجتياح بعثي كافر غاشم، على أرض إخواننا المسلمين. أيها الأحبة: نقول هذا لأننا نعلم أن في البلاد رجالاً ودعاةً وصالحين، وعباد وأتقياء ومؤمنين، نعلم أن كل أولئك يعيشون على هذه الأرض، وأن هذا الأمر الذي حل بهم علم الله أنه أصابنا ما أصابهم وجعلنا نتأسى ونهتم ونغتم لما أصابهم، وهذا واجب كل مسلم، لا أن يقف موقف الشامت أو المتفرح أو الناقد. فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا إذا ما الدهر جر على أناس حوادثه أناخ بآخرينا إلى الذين يشمتون بمصائب إخوانهم نقول لهم: الأيام دول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] فقد يقع بهم كحال مَن شمتوا فيهم، وإن الأيام متقلبة، ولكن المتفرج على كربة أخيه يدفع الغرامة ضعفين، فلا أقل من أن نرفع أكف الضراعة إلى الله جل وعلا أن يرفع عنهم الوباء، وأن يدفع عنهم البلاء، وأن يبعد أولئك الفجرة البعثيين عن أرضهم، ونسأل الله جل وعلا أن يحفظ أعراضهم، نسأل الله أن يحفظ أعراض بناتهم وزوجاتهم ونسائهم، نسأل الله أن يحفظ ذرياتهم، نسأل الله أن يحفظ دماءهم، نسأل الله أن يَمنُّ عليهم بالهداية، وأن يتفضل عليهم بأمن وعفو وعافية وفضلٍ ورعبٍ في قلوب أعدائهم يدفع البلاء عنهم. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2563

المسلمون هم هدف الحروب الأوروبية الصليبية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: هل سمعتم أن دولة أوروبية اجتاحت دولة أوروبية مثلها، هل سمعتم أن ولاية أمريكية اجتاحت ولاية أمريكية مثلها، هل سمعتم أن أرضاً كافرةً اجتاحت أرضاً كافرة مثلها، حتى ما نراه ونسمعه ونقرأه ونشاهده عبر مختلف الوسائل من أن بلاداً غربية غزت بلاداً غربية أخرى فاعلموا أن حقيقة المغزو فيها هم المسلمون. إن ما سمعناه ورأينا شيئاً من مشاهده وتابعناه في مصائب ليبيريا من الحكومة القائمة والحكومة المتدخلة التي سطت على أراضيها، واستمرار المذابح على أرض تلك البلاد تشير الإحصائيات أن نسبة الضحايا من المسلمين نالت المرتبة الأولى، حكومة نصرانية تهاجمها جماعة نصرانية والذبح في المسلمين، إنها تمثيلية، إنه مخطط غاشم نحن عنه غافلون.

стр. 2564

الأمن نعمة يقذفها الله في القلوب نتيجة العبادة معاشر المؤمنين: اعلموا أن الأمن ليس بكثرة الجنود، ولا بكثرة الأجهزة، واعلموا أن الأمن ليس بتعدد أنواع وسائل النقل أو الأخبار أو الرصد أو غير ذلك، ولكن الأمن في القلوب، الأمن نعمة يقذفها الله جل وعلا في قلوب العباد، وهذه النعمة نتيجة العبودية لله، والقيام بشرعة والدينونة بدينه وتحكيم أوامره، وتطبيق نهجه، واتباع سنة نبيه ﷺ . أيها الأحبة: أليست أمريكا أكثر الدول جيوشاً؟ أليست أكثرها أجهزة للأمن، وأدقها أجهزة لمكافحة الجريمة ومتابعة الجريمة والإنذار المبكر للجريمة؟ مع ذلك في كل دقيقة حادثة اغتصاب، وفي كل ساعة حادثة قتل، وفي كل نصف ساعة حادثة سرقة، وفي كل لحظة من لحظات الزمن يسجل التاريخ جريمةً من الجرائم، مع أنها من أرقى الدول إن لم تكن أرقى دولة في أسباب الأمن ومكافحة الجريمة! إذاً: نعلم من هذا أن الأمن ليس بكثرة الجنود ولا الرجال ولا الأجهزة، وإنما الأمن نتيجة عبادة الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ لم يظلموا أنفسهم بشركٍ، أو بظلم بعضهم بعضا، أو بظلم أنفسهم بالذنوب والمعاصي والسيئات: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] وعرف الأمن هنا بـ (أل) التي استغرقت جميع الأمن، الأمن النفسي والعسكري والإغاثي والاجتماعي والاقتصادي، وجميع ما يصدق عليه مسمى الأمن، فإن من عبد ربه من دون وقوع في الظلم فإن له الأمن.

стр. 2565

الواجب على الأمة تجاه ما حل بالكويت عباد الله: ما أنتم فاعلون بعد هذا؟ إن كثيراً منا لما سمعوا وتابعوا الأخبار في لندن ورويتر ووكالات الأخبار ما زادوا على ذلك شيئاً، والله -يا عباد الله- إن كنا نعرف حقيقة نذر الله للعباد، وإن كنا نتعامل مع سنن الله في الكون، فإن من واجبنا بعد أن سمعنا هذا الاجتياح الغاشم لإخواننا المسلمين أن ننظف البيوت من المعاصي، نطهر البيوت من السيئات، ونتوب إلى الله من الفواحش والخطيئات، وما دفع البلاء إلا بتوبةٍ صادقة، وما نزلت عقوبة إلا بذنب وما رفعت إلا بتوبة من ذلك. فيا معاشر المؤمنين: أين التضرع إلى الله، والله إني كنت أقول في نفسي: لتضجن المساجد بالقنوت في صلاة الفجر لتدعوا للمسلمين في الكويت أن يرفع الله عنهم هذا البلاء وهذا العدوان الغاشم، ولكن يا للأسف! لعل الكثير منا لم يدع لهم في ركوعه أو سجوده، لماذا يا عباد الله؟! أهكذا بلغت بنا الأنانية أن نتفرج على الأحداث؟ كم بيننا وبين هذه النار المحرقة؟ كم بيننا وبين هذا العدوان الغاشم؟ إنه عدوان حل بجيراننا ومع ذلك فهل ما نراه يغير في سلوكنا؟ هل يغير في واقعنا؟ هل يجعلنا أشد عودة إلى الله؟ هل يجعلنا أكثر رغبةً فيما عند الله؟ هل يجعلنا أشد تمسكاً بدين الله جل وعلا؟ إن من أعظم المصائب أن الإنسان يبتلى وينذر بالعقوبة أو بما شابهها ثم بعد ذلك هو لا يدري. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

стр. 2566

التقوى هي النسب بين الخالق والمخلوق يا معاشر المؤمنين: اعلموا أننا ولله الحمد والمنة على ما فينا من التقصير والنقص -لأن من بلغ به المدح إلى الإطراء حري أن يحثا في وجهه التراب- فإننا لا نزال بخيرٍ ونعمةٍ في تطبيق حدود الله وتحكيم كتابه، ومع هذا فإننا والله بأمس الحاجة على أن نتتبع كلام الله حرفاً حرفاً وآيةً آية لنطبقه في واقعنا، ونعمل به في مجتمعاتنا، فإن ذلك أول سببٍ يحفظنا الله جل وعلا به، ولن نكون أفضل عند الله من الكويتيين أو من أي دولةٍ من الدول؛ لأننا من أهل نجد أو من أنحاء الجزيرة، فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بالتقوى فمن كان أتقاهم لله كان أقربهم منه. إن بلالاً العبد الحبشي الأسود الذي أكرمه الله بالصحبة لفي أعظم منزل من منازل الملوك والرؤساء وأشراف القبائل، لماذا؟ لأننا نعلم أن هذا الدين كلٌ مكانه فيه بحسب قربه من الله، فإذا كنا نعلم أن الأمن من الله فلا بد أن نتقرب إلى الله بطاعة الله ومرضاته، والبعد عما يسخطه واجتناب ما نهى الله جل وعلا عنه. فيا معاشر المؤمنين: الخوف الخوف! من العقوبة، والبدار البدار! إلى التوبة، استعدوا وأنيبوا وأسلموا وأخبتوا إلى ربكم، واعملوا أن الأمور وإن كانت تحزُّ في النفس إلا أنه ولله الحمد والمنة -حتى الآن- لم يحصل لأحد إخواننا في الكويت ما ينقل أن بيته اغتصب، أو أن داره دوهمت، أو دخل عليه في عقر داره، لكن هل ننتظر حتى يدخل الفجرة في بيوتهم؟ نعوذ بالله من أن يكون ذلك مما ننتظره أو مما نعده طمأنينة كافية، بل لن نطمئن حتى يخرج إلى أولئك الفجرة من آخر شبر من أراضيهم ويرتدوا على أدبارهم منكسرين. اللهم لا تجعل ذنوبنا سبباً لما حصل لإخواننا يا رب العالمين! يا أرحم الراحمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر.

стр. 2567

هل من عودة قبل الموت ؟ تكلم الشيخ في بداية هذه المادة عن حقيقة الموت ثم أتبعها بقصص واقعية تبيّن حسن الخاتمة وسوءها، ثم ختمها بالتحذير من المعاصي التي تؤدي إلى سوء الخاتمة.

стр. 2568

حقيقة الموت الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين! معاشر الأحبة: هناك مدخل رئيسي، وهناك حقيقة لابد من طرحها، وقضية لابد من مواجهتها، قضية لابد أن نواجهها نحن، لابد أن يواجهها كل واحد في هذا المسجد، ولابد أن يواجهها كل مسلم وكافر، كل بعيد وقريب، كل ذليل وحقير، كل عزيز وأمير، كل صعلوك ووزير، إنها حقيقة الموت. هي نهاية المطاف، هي خاتمة الدنيا، كل البشرية تشهد وتعلم وتنطق أن نهايتها هي الموت، وأن منتهى الطريق بالنسبة لها هو الانقطاع عن هذه الدنيا، انقطاع النفس، وانقطاع الروح، وانقطاع الجوارح، فالعين لا تبصر، واليد لا تتحرك، والأذن لا تسمع، والنَّفَسُ لا يجري، والدماء لا تتحرك، والشرايين لا تنبض. إنها النهاية الأخيرة التي يواجهها ويقف أمامها كل صغير وكبير، كل بعيد وقريب. وكثيراً ما سمعنا بشباب كانوا في غفلة وبعد، كانوا في قسوة وجفاء وغلظة، كانوا في قطيعة وعقوق، بعضهم يشهد ويقر على نفسه، يقول: ما ركعتها في المسجد مع الجماعة، وبعضهم يقول: ما جانبت كأس الخمر مرة. وبعضهم يقول: ما سافرت إلا واقعت الفاحشة. فإذا به في يوم من الأيام تجده باكياً خاشعاً، ساجداً راكعاً، سبحان مقلب القلوب والأبصار! من الذي غير هذا؟ من الذي بدل أحواله؟ إنه الله جل وعلا، ولكن كيف السبب؟ ما هو السبيل؟ وأي طريقة وصلت إلى قلبه؟ قدر الله على الكثيرين منهم أن يقفوا مشهداً ماثلاً حقيقياً لا محيص ولا مناص عنه، قدر الله للكثير منهم أن يقفوا أمام حقيقة الموت وهم بأم أعينهم وأمهات أبصارهم يشهدون صديقاً أو حبيباً أو قريباً، ولا ينفع طبيبهم، ولا يجدي نحيبهم.

стр. 2569

قصص متفرقة في حسن وسوء الخاتمة حدثني أحدهم قال: كنت مسافراً في دراسة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكان شأني شأن كثير من الشباب الذين يقضون الليل في الملهى، والمساء في المرقص، والعبث الذي تعنيه كلمة العبث بأبعادها ومعانيها، وذات يوم وكنا آيبين من ملهانا وعبثنا، تقدم بعضنا إلى السكن، أما واحد منا فلقد استبطأناه، ثم قلنا: لعله يأتي بعد سويعة، أو بعد ساعة، أو بعد هنيهة، ثم لم نزل ننتظر لكنه ما أتى، فنزلنا نبحث يميناً وشمالاً، وخاتمة المطاف قلنا: لابد أن يكون في موقف السيارات (الكراج) تحت البناء، فدخلنا ذلك البناء، دخلنا موقف السيارة فوجدنا السيارة لا زال محركها يدور، وصاحبنا قد انخنعت رقبته على إطار السيارة وهو في مكانه، والموسيقى الهادئة لا زالت منذ آخر الليل حتى اللحظة التي فتحنا فيها باب السيارة وهي تدندن وتطنطن، فصحنا نادينا، تكلمنا: يا أخانا، يا صاحبنا فإذا به قد انقطع عن الدنيا منذ اللحظة التي وقفت سيارته في ذلك الكراج. هذه نهاية أشعلت في قلوب الكثير من أولئك الشباب يقظة وغيرة، وعودة وإنابة، وتوبة وخضوعاً إلى الله، فعادوا إلى الله تائبين، ما شربوا بعدها، ولا فعلوا بعدها، بل أنابوا واستكانوا وعادوا لربهم، أسأل الله أن يثبتنا وإياهم، وأسأل الله أن يعامل صاحبهم بعفوه، وأن يتجاوز عنا وعنه. هذه واحدة والأخرى ليس لها إلا أيام قليلة سمعتها من أحد إخواني في الله، يقول: كنت كغيري من سائر الشباب، وفي ليلة من الليالي التي كنت أسهر فيها مع أحبابي وأصدقائي، ومن بينهم واحد من الأحبة هو أعز حبيب إلي، وأعز صديق إلى قلبي، وأقرب قريب إلى فؤادي، بينما أنا وإياه إذا به فجأة يصرخ: فلان! أدركني. ما الذي بك؟! إني أحس بشيء في قلبي. قال: فدنوت منه، فإذا هو يتلبط ويتقلب، ويقول: أسرع لي بطبيب!! فناديت واتصلت بمن يحضر لنا طبيباً، وكانت الفترة لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة أو عشرين دقيقة ونحن ننتظر وصول الطبيب، وفي تلك الدقائق وكان يقول: إني أحس بالفراق، إنها النهاية، إنها الخاتمة، سأفارق الدنيا، سأترك طفلي، سأترك زوجتي، سأفارقكم، ستضعونني في كذا، ستتركونني وحدي. وأخذ يمر عليه سجل ذكرياته، وأخذت تتقلب أمامه صحائف أفعاله، قال: وأنا أنظر إليه وكلي وحشة ودهشة، وكلي عجب وغرابة، وأنا أنتفض وهو يحاسب نفسه ويعاتب روحه، وأنا والله أصبره وأنا أشد ألماً منه، وأشد استعراضاً لما يكون في حياتي منه، فأخذت أتقلب في ذلك الموقف وما هي إلا ست عشرة دقيقة تزيد أو تنقص قليلاً حتى فاضت روحه، وذهبنا وأحبابنا وأقاربنا وأصحابنا نضع قريبنا وصديقنا وأعز أحبابنا وأجل أقاربنا نضعه في مثواه الأخير، ونواري عليه التراب، أحب الأحباب هو الذي يتقن من اللحد ألا يتسرب منه ذرة هواء أو إشعاع نور، ثم ما برحنا أن نهيل عليه التراب، ثم ودعناه في مثواه الأخير، وانصرفنا. شاب من مدة ليست بالقريبة حدثني عن أحد الشباب بما تسمى بـ بانكوك، قال: لقد كان في ضلالة وبلاء، وقد كان في أمر لا يفيق من جرائه من المخدرات أو الشراب، وما صاحب ذلك من مصاحبة البغايا والفاجرات، وفي لحظة من سكره وشوق إلى عهره تأخرت صديقته، تأخرت حبيبته عليه، وقد كاد يجن من تأخرها، فما هي إلا لحظات حتى أقبلت عليه، فلما رآها خر ساجداً لها تعظيماً، خر ساجداً لها! وما الذي تنتظرونه؟ هي السجدة الأخيرة، هي النهاية، والله ما قام من سجدته، بل أقاموه في تابوته وأرسلوه بطائرته، ودفنوه مع سائر الموتى. أيها الأحبة: إن هذا الموت هو أخطر وأعظم وأكبر حقيقة يواجهها الشقي والسعيد، الغني والفقير، العزيز والذليل، الرفيع والحقير، ومن أجل هذا كان ﷺ يقول: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) (ألا وإني كنت نهايتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة). أيها الأحبة: أسوق هذه الأحداث متفرقة مختلفة وكلها تختلف من حيث الخاتمة والنهاية، لكنها في مؤدى واحد وهو الخاتمة، أي خاتمة نواجهها؟ أي نهاية نفضي إليها؟ وأي عمر يمتد بنا؟ وأي شباب نتقلب فيه حتى ننتقل منه إلى الشيخوخة ثم نتوب بعد ذلك هل ضمنا هذه الحياة؟ وهل ضمنا هذه الأعمار؟ بادروا بالتوبة، بادروا بالإنابة قبل أن يخطفكم الموت، ويخطفكم الأمل، وتمضي الملائكة بوديعة الله من أرضه إلى السماء، فتكون في أعلى عليين أو في أسفل سافلين. إن حسن الخاتمة وسوء الخاتمة لأمر خطير وعجيب وجليل جداً، جاء صحابي إلى النبي ﷺ والنبي يجهز جيشاً من الجيوش لمعركة حاسمة مع الكفار، فجاء إلى الرسول ﷺ وهو يومئذ كافر، فقال: (يا محمد! أرأيت إن اتبعتك، فما الذي لي وما الذي علي؟ قال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وأني رسول الله كان لك ما للمسلمين عامة، وعليك ما عليهم عامة، فإن غنموا غنمت معهم، فقال: ما على هذا أتبعك. فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ثم قال له النبي ﷺ : إن غنموا فأنت معهم في الغنيمة، وإن مت فلك الجنة من الله جل وعلا، فقال ذلك الصحابي: والله ما على هذا اتبعتك -أي: ما اتبعتك لأجل الغنيمة- وإنما اتبعتك على أن أغزو معك فأرمى بسهم من هاهنا، وأشار إلى نحره ويخرج السهم من هاهنا وأشار إلى قفاه) ثم دخل المعركة وقاتل وأبلى بلاء حسناً، فجيء به إلى رسول الله ﷺ قد رمي بسهم دخل في نحره وخرج من قفاه، فقال ﷺ : (صدق الله فصدقه، بخ بخ! عمل قليلاً ونال كثيراً) دخل الجنة وما سجد لله سجدة. انظروا الخاتمة، انظروا النهاية، انظروا الخاتمة وتأملوها واعتبروا بها، أسأل الله أن يحسن لي ولكم الخاتمة، وأن يجعلنا وإياكم من السعداء، وأن يتوفانا على التوحيد شهداء. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2570

التحذير من سوء الخاتمة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. جاء عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات: برزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذارع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) حديث صحيح. أيها الأحبة في الله: هذا الحديث عمدة في حسن الخاتمة وسوءها، نسأل الله جل وعلا أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، نسأل الله جل وعلا الثبات على نعمة الدين، فإن رسول الله ﷺ وهو أفضل الأنبياء وسيد المرسلين، أول من ينشق عنه القبر، وأول من تفتح له أبواب الجنة، وأول من ينال أعلى منازلها، وهو صاحب المقام المحمود، وهو صاحب الوسيلة والشفاعة العظمى، الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يطيل قيامه وصيامه، وكان يطيل سجوده وتهجده، ويقول: (يا مقلب القلوب! يا مقلب القلوب! يا مقلب القلوب!). فيا عباد الله: اسألوا الله جل وعلا بهذا الدعاء، اسألوا الله الذي بيده النواصي، اسألوا الله الذي بيده القلوب وهي بين إصبعين من أصابع الرحمن التي تليق بجليل وجهه وعظيم سلطانه، اسألوا الله أن يثبت قلوبنا وقلوبكم على الإيمان، وأن يعصمنا من الزيغ والضلالة، ومن الغواية بعد الهداية، ومن الفساد بعد الصلاح. وأنتم يا شباب المسلمين! إن الكثير من شبابنا يسوفون التوبة ويؤجلون الإنابة، وينشغلون بالعبث ويلهون في الباطل ظناً منهم بأن الحياة أمامهم، وهم في ريعان الشباب، وفي ربيع العمر، وفي زهرة الدنيا يظنون أن الاستقامة تعقيد، وأن الطاعة وسوسة، وأن الإخبات لله تضييق وتشديد لا والله يا عباد الله! إننا نفوت على أنفسنا حظاً عظيماً من السعادة بقدر ما نفوته من الأعمال الصالحة، واعلموا أن الموت ساعة لا تتقدم ولا تتأخر، فمن الذي يضمن خروجه من المسجد؟ ومن ذا الذي يضمن يقظته من فراشه؟ ومن ذا الذي يضمن عودته إلى بيته؟ ومن ذا الذي يضمن وصوله إلى عمله؟ إذا كان هذا شأننا فيا عجباً لقسوة قلوب لا تدري متى تخطف، وهي مع ذلك عابثة لاهية: تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر وكم من عروس زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري فيا عباد الله: استعدوا للقاء الله، وبادروا بالتوبة، والخضوع والإنابة، إنما هذه الدنيا متاع قليل: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥] والله إن هذه الدنيا بما فيها من ملذات وشهوات، ومراكب وقصور، ودور وضيعات، وزوجات وجنات، وأموال وذريات لا تعدل غمسة في نار جهنم، وإن الشقاء في هذه الدنيا بما فيه من الفقر والمرض، والسقم والذلة، وضيق الحال لا يساوي غمسة في نعيم الجنة، يوم القيامة يؤتى بألذ أهل الدنيا حالاً وأيسرهم عيشاً ثم يغمس غمسة وهي أقل جزء من أجزاء اللحظة يغمس غمسة في النار فيقال: يا بن آدم! هل رأيت نعيماً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب! ما مر بي نعيم قط. ينسى نعيم الدنيا كله في غمسة صغيرة دقيقة في النار. ويؤتى بأشد أهل الدنيا بؤساً وفقراً ومرضاً فيغمس غمسة واحدة في الجنة فيقال: يا بن آدم! هل مر بك بؤس قط، هل مر بك شقاء قط؟ فيقول: يا رب! ما مر بي شقاء، وما مر بي بؤس. فلنعد لذلك اليوم وهو يوم لابد أن نَرِدَهُ على صراط أدق من الشعرة وأحد من السيف، الناس يمضون عليه على قدر أعمالهم، وكلاليب جهنم عن يمين ويسار، فمن المؤمنين الذين يسعون ونورهم بين أيديهم مد أبصارهم يمرونه كالبرق الخاطف، ومن المؤمنين من يمرونه كأجاود الخيل، ومنهم من يمره كأسرع الناس عدواً، ومنهم من يحبو على الصراط حبواً، ومنهم من يمضي عليه فتدركه كلاليب جهنم، أدركته أعماله السيئة وتفريطه في حقه، وتضييعه وتقصيره في جنب الله وطاعته. فلنعد لذلك اليوم، ولنعد لدار سوف نسكنها، سوف نبقى فيها، والله ما نفع أهل الأموال أموالهم: أين الملوك؟ أين الأمراء؟ أين الوزراء؟ أين الرؤساء؟ أين الخلفاء؟ أين الذين ملكوا؟ أين الذين نالوا؟ أين الذين جمعوا؟ أين الأغنياء؟ أين الأثرياء؟ أين الكبراء؟ لقد ودعوهم وودعناهم في حفرة لا فراش فيها ولا خادم، ولا مائدة فيها ولا باب إليها، لا نور يضيئها ولا هواء يهويها، لا شيء فيها إلا خرقة بيضاء يحسدك الدود عليها فينتزعها من جسمك، ولا يتركها لك، كتب الله أن تعود إلى هذه الدنيا في نهاية المطاف وفي خاتمة الأمر كما نزلت عليها، حتى كفنك ينازعك الدود فيه فيقرضه منك خيطاً خيطاً، شعرةً شعرةً، وينتزعه من جسدك، فإن منَّ الله عليك وكنت من الصالحين عوضك الله بهذا الكفن أبواباً إلى الجنان، ونعيماً مقيماً في دار الخلود، فتفتح لك أبواب الجنة ويضاء لك القبر، وتؤنس بعملك الصالح، وتبقى زاهياً متغنياً، تقول: رب! أقم الساعة، رب! أقم الساعة. وإن كنت من أهل الشقاء، من أهل الضياع الذين ضاعت أموالهم في الربا، وتركوا المساجد، وغفلوا عن الجماعات، وضيعوا حقوق الله، وانتهكوا محارمه، في كل سفر وفي كل ذهاب وإياب، لا يراعون حرمات الله، يواقعون الفواحش لا يبالون، فإنك لا تجني من الشوك العنب، وكل سيلقى عمله أمامه. يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل انظروا واجمعوا في صناديقكم، لو زار كل واحد منا قبره في الأسبوع مرة، في نصف الشهر مرة، في الشهر مرة وأنت تنظر: هذا صندوقي، هذا فراشي، هذه داري، سأسكنها وحدي، هل وضعت فيها عملاً صالحاً، أم أودعتها خيبة وضياعاً، وحرماناً وحسرة؟؟ أسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، اللهم أبقنا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً الله فجازه بالحسنات إحساناً.

стр. 2571

هل من وقفة للمحاسبة ؟ تأملوا طلوع الشمس من مشرقها مضيئة ثم غروبها واصفرارها، ثم هجوم الظلام ورحيل الضياء، ثم بزوغ فجر جديد يسير بنا نحو الغايات والآجال، بل تأملوا بزوغ تلك الأهلة صغيرة نحيلة، ثم نموها نحو الكمال والجمال، وما بعد ذاك إلا المحاق والزوال، وكذلك أنتم يا عباد الله! تكونون نطفاً في الأرحام ثم علقاً ومضغاً، وتولدون دقاقاً ضعافاً، ثم تكونون شباباً، ثم تبلغون أشدكم ثم تكونون شيوخاً، فمنكم من يرد إلى أرذل العمر ومنكم من تخطفه الآجال، فيا من علمتم أن هذا حالكم ومصيركم! ماذا أعددتم للقاء ربكم؟!

стр. 2572

أثر مسير الأعوام في الأعمار الحمد لله الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، أحمده سبحانه وأُثني عليه الخير كله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه ومن تمسك بسنته وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله: اتقوا الله حق التقوى. معاشر المؤمنين: بعد يومين أو ثلاثة تطوون صحائف عام كامل مضى وانقضى، وتبدءون عاماً جديداً، ولعلكم تعجبون وتقولون: سرعان ما انقضى ذلك العام، ومرت كالبرق فيه تلك الليالي والأيام. لا شك -يا عباد الله- أنها مطاياكم تَحث بكم السير إلى نهايتكم، فالليل يسير بكم مرحلة، والنهار يُقدمكم أخرى، وكل يوم تمرون به يباعدكم عن الدنيا ويقربكم إلى الآخرة، أليست -عباد الله- حكمة بالغة وآية واضحة، ودليل فناء وانقضاء؟ معاشر المؤمنين: لا شك أن سرعان مضي الأيام، غالباً يمر على أهل السعادة والصحة والعافية، وإن تباطؤ وثقل تلك الأيام يمر على أهل العلل والمصائب، وإلا فإن الليل والنهار بين السعادة والشقاء، كله أربع وعشرون ساعة، منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى يومنا هذا، لكنه النعيم والوصال، أو البلاء والمصيبة، تجعل بعض الأيام سريعة المضي والانقضاء، وتجعل غيرها بطيئة المضي والانقضاء، وكما يقول القائل: مرت سنين بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيام ثم انثنت أيام هجر بعدها فكأنها من طولها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام معاشر المؤمنين: تأملوا طلوع الشمس من مشرقها مشرقة مضيئة، ثم زوالها ثم غروبها مصفرة ضعيفة، ثم هجوم الظلام ورحيل الضياء، ثم بزوغ فجر جديد يطوي بالعباد يوماً بليلة، وستحث بهم الخطى نحو الغايات والآجال. تأملوا بزوغ الأهلة صغيرة نحيلة، ثم تنمو نحو الكمال وبدور الجمال، وماذا بعدها إلا المحاق والزوال، وأنتم يا بني آدم في الأرحام نطفاً، وتخلقون علقاً ومضغاً، وتولدون رقاقاً ضعافا، ثم تكونون شباباً، ثم تبلغون أشدكم ثم تكونون شيوخا، فمنكم من يرد إلى أرذل العمر، ومنكم من تخطفه الآجال قبل ذلك. عباد الله: كل شيء في هذا الوجود دليل على الفناء والزوال، وشاهد على بقاء رب العزة والجلال: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤]. تأملوا عامكم الذي ودعتم، وتأملوا عامكم الذي ودعكم كم ولد فيه من مولود، وكما مات فيه من حي، وكم عز فيه من ذليل، وكم ذل فيه من عزيز، وكم اغتنى فيه من فقير، وكم افتقر فيه من غني، وكم حصل فيه من اجتماع بعد افتراق، وافتراق بعد اجتماع، كم صح فيه من سقيم، كم اعتل فيه من صحيح، كم وكم وكم. تقلبٌ وتغيرٌ وتبدلٌ يطوى في الليالي والأيام، وترحل به الشهور والأعوام، فسبحان المتفرد بالبقاء والدوام.

стр. 2573

من أقوال السلف في مضي الأعمار قيل لنوح ﵊، وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً: يا أطول الأنبياء عمرا! كيف رأيت هذه الدنيا؟ فقال: رأيتها كداخل من باب وخارج من آخر. وخطب رسول الله ﷺ الناس، فقال: (أيها الناس! إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم، ومن الحياة قبل الموت). وخطب أبو بكر ﵁، فقال: [إنكم تغدون وتروحون إلى أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا]. وقال عمر بن الخطاب في خطبته: [أيها الناس! حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]]. عباد الله: فلنحاسب أنفسنا في عامنا المنصرم، ولنجرؤ في السؤال، ولنصدق ب الجواب كيف قضينا ساعاته؟ وفيما أمضينا أوقاته؟ نسأل أنفسنا اليوم وسنسأل عن هذا غداً.

стр. 2574

المحاسبة بين يدي الله عن الأوقات والأعمار روي عنه ﷺ أنه قال: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله ديناراً ديناراً درهماً درهماً، من أين اكتسبه وفيما أنفقه) أو كما قال ﷺ . فيا ليت شعري من أعد منا لهذا السؤال جواباً؟ الناس أمام هذا الأمر مذاهبهم شتى، أجوبتهم متباينة، منهم من أفنى عمره في الدنيار والدرهم الزائل والحطام الفاني، أبلى شبابه في مضاعفة ما جمع بأي سبيل وعبر أي وسيلة، قد أفنى عمره في الغفلة والكسل، واللهو والعبث، قد غره التسويف مع طول الأمل، أما العلم فلم يبال بالعمل بما علمه، أو تعلم ما جهله، بل إن منهم من جعل ذلك وراءه ظهرياً، أما المال فإن الكثيرين لم يألوا جهداً في اكتسابه من أي طريق حل أو حرم، ما دامت البضاعة تزجي لهم ربحاً، وتسح المال عليهم سحاً، فتركوا فرائض ربهم، ونسوا أمر آخرتهم، ولم يزل ذلك دأبهم حتى خرجوا من الدنيا مذمومين مدحورين مفلسين من الحسنات والأعمال الصالحات، فاجتمعت عليهم سكرات الموت، وحسرات الفوت، وهول المطلع، فيندم الواحد منهم على تفريطه، يوم لا ينفعه الندم، وبعد أن زلت به إلى الموت القدم: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٤ - ٢٦] ومنهم من ربح عمره وتزود فيه لآخرته، أفنى عمره في طاعة ربه، والتزم بشرائع دينه، وأبلى شبابه في مجاهدة نفسه من دونه، فعلم وعمل وصبر وصابر، واكتسب المال من حله وأنفقه في محله، فهنيئاً له النجاح والفوز والفلاح، يقال له عند ختامه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. أسأل الله أن نكون وإياكم أجمعين من أولئك، ومن كان حاله كذلك فليسأل الله الثبات وليلزم، ومن كان غير ذلك فليبادر إلى التوبة ما استطاع. وما المرء إلا راكب ظهر عمره على سفر يفنيه باليوم والشهر يبيت ويضحي كل يوم وليلة بعيداً عن الدنيا بعيداً عن القبر تأملوا فناء الأعوام، وتجدد الأيام، تأملوا ذلك يا عباد الله، وليكن لكم فيه عبرة. أشاب الصغير وأفنى الكبير مر الغداة وكر العشي إذا ليلة أهرمت أختها أتى بعد ذلك يوم فتي بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2575

الحث على التوبة والتشمير في العمل الصالح الحمد لله منزل الكتاب، وهازم الأحزاب، وخالق الخلق من تراب، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه مآب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: مضى من أعمارنا عام سبقته أعوام، ذلك العام لا تعود منه دقيقة واحدة مهما اجتمعت على ذلك من قوات الإنس والجن والبشرية، لا تستطيع أن ترد دقيقة واحدة منه، ولو أوتيت كل وسيلة من ذلك. معاشر المؤمنين: اعتبروا في هذا الفوات الذي لا استدراك له إلا بالتوبة والإنابة، ومضاعفة العمل والجد والتشمير في طاعة الله. جاء في الأثر: [في كل صباح ينادي مناد: يا بن آدم! أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود أبداً] ويقول ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك).

стр. 2576

الموت هو بداية الحياة فما أعددنا اعلموا يا عباد الله: أن الموت ليس هو النهاية، بل إن الموت هو بداية الحياة الطويلة، هو بداية الحياة البرزخية، هو بداية الحياة التي يقال فيها للناس بعد ذلك: يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت، إذاً: فاستعدوا لما بعد الموت، استعدوا في هذه الأيام ما دمتم في فراغ ولله الحمد والمنة، لم يكونوا منشغلين بفقر أو بمرض أو بسقم أو ببلاء أو بمصيبة، استغلوا شبابكم قبل هرمكم، وجاهدوا أنفسكم قبل أن تغلبكم، وتداركوا أوقاتكم قبل أن تخطفكم الآجال، قبل ألا تنالوا ما تسوفونه وتتمنونه. أسأل الله جل وعلا أن يمن علي وعليكم بالاستدراك قبل الفوات، والاستعداد قبل الممات: مضى أمسك الماضي شهيداً معدلا وأصبحت في يوم عليك شهيد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثن بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوماً إلى غد لعل غداً يأتي وأنت فقيد فيومك إن أعتبته عاد نفعه عليك وماضي الأمس ليس يعود فتداركوا يا عباد الله! تداركوا الأمور قبل الفوات، واستعدوا قبل الممات، إنها والله يا عباد الله لحظات ثم لا يدري الإنسان ولا يستطيع الإنسان الاستدراك، إن الموت يأتي بغتة، إن الأجل يخطف العبد خطفة. يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل اجتهدوا في ملء هذا الصندوق بالأعمال الصالحة، اجتهدوا أن تجدوا أنيساً لكم من أعمالكم يؤانسكم في وحشتكم، ويحادثكم في غربتكم، ويقربكم إلى مغفرة ربكم برحمة خالقكم، اجتهدوا -يا عباد الله- وإنا والله لفي غفلة، وإنا والله لفي شغل عن أمر الآخرة، وإن الكثير من المسلمين لفي إدبار عن دين الله جل وعلا ولا عذر لهم ولا حجة، وقد آتاهم الله جل وعلا من عافية الأبدان، وكثرة الأموال، والبركة في الأرزاق ما لم يؤت أحداً من العالمين، ما جوابهم أمام الله، الكثير منهم يسمع نداء الله، يسمع دعاة الفلاح يؤذنون في كل صباح: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، فلا يهب الكثير منهم، بل يأنسون ويرغبون ويتثاقلون في فرشهم، قد بال الشيطان على نواصي الكثير منهم. ألا وإن ذلك خطر عظيم، وبلاء على الأمة جسيم. عباد الله: إن ما نراه ونشاهده في صلاة الفجر خاصة، وهو أن كثيراً من المسلمين لا يشهدون هذه الفريضة مع جماعة المسلمين إنها لمصيبة عظيمة، إنها لبلية كبيرة، ولا تدرون يا عباد الله أن الله جل وعلا قد يحدث عليكم من البلاء والفتن والمصائب بسبب ذنب واحد من الذنوب، فكيف إذا جمعنا على أنفسنا ذنوباً عدة، أليس الكثير منا يتخلف عن الصلاة في جماعة؟ أليس البعض والعياذ بالله لا يعرف الصلاة إلا يوم الجمعة؟ أليس بعض المسلمين يسمع آيات الله تتلى في تحريم أكل المال بالباطل، وأن الله جل وعلا قد آذن آكل المال بالباطل بحرب منه ومن رسوله ومع ذلك يسمونها بغير اسمها، ويأكلون الحرام جهاراً نهارا؟ أفلا يخشون الله؟ أفلا يخافون ربهم الذي خلقهم؟ إن كثيراً من المسلمين قد سخروا نعماً وهبها الله لهم في عصيان الله، ومعاندته ومخالفة أمره، فيا سبحان الحليم العظيم الذي يؤتي العباد آذاناً فيسمعون بها ما يغضبه، ويخلق للعباد أبصاراً فيرون بها ما حرم عليهم، ويؤتيهم من الأيدي والأرجل ما يملكون به بطشاً فيسعون به إلى عصيان الله، سبحان الحليم العظيم، ما أحلم الله على خلقه. ولكن اعلموا يا عباد الله أن الله ليملي للظالم ولا يهمله، فإذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر. نسأل الله جل وعلا أن يتلطف بنا، وأن يمن علينا بالتوبة والاستدراك إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد الإسلام بسوء، وأراد ولاة أمره بفتنة، وأراد علماءه بمكيدة، وأراد شبابه بضلال، وأراد نساءه بتبرج واختلاط وسفور، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم عليك بالشعوبيين الفرس، اللهم عليك بهم فإنهم لا يصدقون كتابك، ولا يصدقون بنبوة نبيك، ويسبون صحابة نبيك. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أهلكهم جميعا، اللهم أحصهم عددا، وأهلكم بدداً ولا تبق منهم أحداً، اللهم لا ترفع سوط عذابك عنهم، اللهم أهلك زروعهم وضروعهم، اللهم انتقم للمسلمين منهم، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف. ربنا إن عبادك يحجون يلبون لك، وإن غيرهم من الشعوبيين يلبون للزعماء والرؤساء، اللهم اجعل تلبيتهم حسرة عليهم، واصبب سوط عذابك عليهم بقدرتك وجبروتك يا رب السماوات والأرض فإنك عزيز وقوي قادر، وأمرك بين الكاف والنون، وإذا أردت شيئاً فإنما تقول له كن فيكون، لا إله إلا أنت ربنا عليك توكلنا ولا حول ولا قوة لنا إلا بك. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى قواتنا، ولا إلى جندنا، ولا إلى عتادنا، وكلنا إلى وجهك الكريم، وبارك لنا فيما عندنا من الرجال والسلاح والقادة والعتاد. اللهم وفقنا لطاعتك، واعصمنا مما يسخطك، اللهم إنا نسألك أن تحيينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم إنا نسألك توبة قبل الموت، وراحة بعد الموت، ونعيماً وجنةً بعد الموت، اللهم اجعلنا من عبادك المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. اللهم آتنا صحفنا باليمين، واجعلنا على حوض نبينا واردين. اللهم اجعلنا على الصراط من العابرين، اللهم أدخلنا الجنة بسلام أول الداخلين، اللهم بيض وجوهنا يوم تسود وجوه الكفرة والمنافقين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا فرجته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لوالدينا واجزهم عنا خير الجزاء، اللهم اغفر لهم ولجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله وحده لا شريك له يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2577

هل نحن غثاء ؟ أضاع المسلمون مجداً بناه الأجداد، وزادوا عليه بإضاعة أنفسهم، والأمر كما قال عمر: (لقد أعزنا الله بالإسلام؛ فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله)، وعليه فمهما تعلقنا بالمبادئ الأرضية فنحن في سفل لا علو. فيجب أن نعود إلى الله؛ لكي يرحمنا ويرفع ما بنا من ذل وغثائية؛ فنعيد مجد ديننا وكتابنا وسنة نبينا ﷺ .

стр. 2578

المسلمون لما أصابهم الوهن إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلي آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله تعالى في أنفسكم، اتقوا الله تعالى فيما ولاكم الله، اتقوا الله تعالى في إخوانكم المسلمين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين! يقول النبي ﷺ في خطابٍ جمع فيه أصحابه: (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها؟ قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا. أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، يصيبكم الوهن وينزع الله المهابة من صدور أعدائكم، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت). تعالوا بنا يا عباد الله! لننظر هذا الحديث عن الصادق المصدوق ﷺ ، هل تداعت الأكلة على المسلمين؟ هل تداعى الأعداء والشياطين والكفار والمجرمون على المسلمين في هذا الزمان كما تداعى الأكلة إلى قصعتها؟ نعم يا عباد الله! لقد اعتدوا وقتلوا وشردوا ونهبوا وسلبوا، لقد صدق ﷺ . ثم تعالوا نسأل سؤالاً آخر: هل نحن قلةٌ في هذا الزمان؟ هل المسلمون قليلٌ في هذا الزمان؟ لا والله، إننا اليوم كثير جداً، إن أعظم تعدادٍ لنسبٍ منتمية إلى دينٍ من الأديان لهو تعداد المسلمين؛ بلغ تعدادهم ألف مليون مسلم (مليار مسلم) وما زال قدسٌ من مقدسات المسلمين يئن تحت وطأت اليهود منذ ثمانين أو سبعين عاماً، وما زالت قطاعٌ ودولٌ وأراضٍ من بلدان المسلمين ترزح تحت نير الاستعمار وسلطة الكفر والطغيان. نحن الآن كثيرٌ جداً، هل من قلةٍ نحن يا رسول الله؟ قال: (لا. أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء) فهل نحن غثاءٌ في هذا الزمان؟ نعم والله يا عباد الله! إن طوائف عديدة من أبناء المسلمين ورجالهم غثاءٌ كغثاء السيل لا ينفعون ولا يضرون، لا يقدمون ولا يدفعون لا يعرفون لأنفسهم مصلحةً أو يتخذون تجاه دينهم وعقيدتهم موقفاً، نعم والله إنهم غثاء، ألف مليون مسلم وهم أشد الناس تسلطاً على رقابهم، وهم أشد الناس استضعافاً لأنفسهم بما تركوا من كتاب الله وسنة نبيه: (ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ينزع الله مهابتكم من صدور أعدائكم). هل بعد نزع هذه المهابة نزعٌ يا عباد الله؟ نعم، إن عادت النفوس إلى دينها، انظروا حال المسلمين اليوم يتجرأ الأعداء على النساء والأبرياء والأطفال والصغار، والشيوخ والعجائز! أين شبابنا؟! أين رجالنا؟! أين أمتنا؟! إنهم غثاءٌ كغثاء السيل، قد نُزعت المهابة، يقول النبي ﷺ : (نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي). أين هذه الأمة التي نُصرت بالرعب مسيرة شهر؟ إنا لا نراها الآن، إن بين كثيرٍ من أمم المسلمين وبين أعدائهم ليس مسيرة شهر بل كيلوا مترات معدودة، لكن أين الخوف من المسلمين وأين الرهبة من المسلمين؟ لقد ضاعت في جوانح الشهوات، لقد ضاعت في ألوان المغريات، لقد ضاعت في جنبات الملهيات، إذن فليس المسلم الذي يهابه العدو هو المسلم الموجود الآن إلا ما ندر من أبناء المسلمين. نعم هو باقٍ على دينه نحكم له بحكم الإسلام، ويُعطى حقوق المسلمين، وتُأخذ منه واجبات المسلمين، لكن أهو الذي يُهاب؟ أهو المسلم الذي ينصر بالرعب مسيرة شهر؟ أهو المسلم الحري بخرق العادات وسنن الكون؟ لا نظنه ذلك المسلم الذي بلغ تعداده في هذا الزمان مليار مسلم إلا ما ندر وقلّ حتى لا نكون مبالغين أو مجاوزين. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت). نعم يا عباد الله! لقد تعلقنا بالدنيا تعلقاً شديداً؛ لقد تعلقنا بهذا الحطام الفاني تعلقاً شديداً إلى حدٍ أن ألفنا الترف والراحة والدعة والخمول، إلى حدٍ جعلتنا لا نفكر في شأن مسلمٍ يئن ويصيح ويستغيث ويستنجد ويستفزع، لقد بلغ بنا حد الترف وبلغ بنا حد الدعة وبلغ بنا حد الخمول إلى درجة عجيبةٍ جداً. إننا لنعجب يوم أن نسمع أخباراً عن الجهاد في فلسطين، عن شبابٍ يدفنون أحياء، عن نساء يغتصبن، عن حوامل يجهض حملهن من بطونهن، عن شبابٍ تكسر أيديهم وأرجلهم حتى لا يرفعون سلاحاً، عن أمةٍ شردت في أفغانستان، عن مليوني رأس تطايرت على أرض الجهاد، عن خمسة ملايين مهاجر، عن خمسمائة ألف يدٍ ورجلٍ وشلوٍ مزع وقطع والمسلمون سكارى في خمر شهوتهم، والمسلمون في غفلةٍ عظيمة. يا زمان استفق! ويا ضمير انتبه! ويا مسلم استيقظ! أين أنت؟ وأين انتسابك لدينك؟ أين نخوتك؟ أين نجدتك؟ أين بذلك؟ أين معونتك؟ أين شهامتك؟ أين كرم الآباء؟ أين نخوة الأجداد؟ الله المستعان على زمانٍ مضى لأمة المسلمين كان لنا فيه عزة، صاحت امرأة قد اعتدي عليها؛ فسُير لها جيشٌ آخره في أرض الخلافة وأوله في عمورية، صاحت امرأة وقالت: وامعتصماه فبلغ الخليفة هذا النبأ فسير لها جيشاً أوله في عمورية وآخره في أرض الخلافة، والآن يا عباد الله! هل سمعتم صيحة نادت وامعتصماه؟ نعم والله سمعناها ولكن! رب وامعتصماه انطلقت ملئ أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم ألإسرائيل تبقى دولةٌ في حمى البيت وظل الحرم

стр. 2579

أين نحن من ما ضٍ سلف ؟ وأين نحن من واقعٍ نعيشه؟! وأين نحن من غفلة وقعنا فيها؟! واستحكمت شهواتها وملذاتها في قلوبنا نحن يا معاشر المسلمين؟ أين عزة الإسلام؟ أين عزة المسلمين في قلوبنا نحن يا معاشر المسلمين؟ أين لواء الإسلام خفاقاً على أرض المعمورة، تمر سحابة فيرفع هارون الرشيد رأسه يخاطب سحابةً تمر يقول لها: [أمطري حيث شئت فيسأتيني خراجك] سيأتي خراج هذه السحابة، سيأتي ما نتج من مطرها إلى أرض الخلافة. يا معاشر المسلمين: كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا كنا نرى الأصنام من ذهبٍ فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها ولصاغ منها الحلي والدينارا أين هذه العزة التي مشت جبالاً فوق الجبال، وبحاراً فوق البحار، وشُهباً في أعالي السماء، ونجوماً في أعالي الكون؟ أين هذه العزة يا عباد الله؟ إن هذا سؤالٌ يُوجه لكل مسلم: هل نعتز بأحكام ديننا؟ هل نعتز بشريعتنا؟ هل نعتز بأمتنا؟ إن مسلماً لا يعتز بدينه يُطرق حياءً وليس والله حياء، بل هو خنوعٌ وخضوع، إن مسلماً يُطرق خنوعاً وخضوعاً لا يُغير منكراً يراه، كيف نلتمس العزة من هذا المسلم؟! إن مسلماً قد استعبد الشيطان قلبه، إن مسلماً استحكمت الشهوة في بدنه، إن مسلماً سلب المال لبه، كيف نرجو من مسلمٍ كهذا عزة؟ أين المسلم الذي لا يهاب الموت؟ أين المسلم الذي يقول: ترددت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياةً مثل أن أتقدما أين المسلم الذي يقول: فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ كطعم الموت في أمرٍ عظيم أين المسلم الذي يقول: إذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العجز أن تموت جبانا ذاك مسلمٌ قل وندر في هذا الزمان، ذاك مسلم لا تكاد تجد في الألف إلا واحداً منه. عباد الله! يقول النبي ﷺ : (لن يُغلب اثنا عشر ألف من قلة) أعجزت أمة الإسلام أن تنجب اثني عشر ألف مسلمٍ في هذا الزمان، مصيبةٌ من أعظم المصائب، ولا عجب في ذلك يا عباد الله: إن الهوان والذلة والصغار على من ترك الجهاد، على من ترك النخوة، على من ترك النجدة، وسيأتي يومٌ يؤكل فيه كما أُكل إخوانه. يقول قائد اتحاد المجاهدين: عبد رب الرسول سياف: إننا لنلوم آباءنا وأجدادنا لأنهم سكتوا ولم ينجدوا المسلمين في بخارى وترمذ وسمرقند فأكلتهم الشيوعية، ثم تقدمت الشيوعية نحونا وقديماً قيل: (أُكلت يوم أكل الثور الأبيض) والله من رأى جاره يُؤكل ويقتل فليكونن القتل قريباً إليه. لما رأت أختها بالأمس قد خربت صار الخراب لها أعدى من الجرب عباد الله! لا تعجبوا من ذلة المسلمين، لا تعجبوا من هوانهم على الناس، لا تعجبوا من قلة حيلتهم، لا تعجبوا من ضعفهم، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2580

نحن قوم أعزنا الله بالإسلام الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله! أيكفي أن نطلق خطباً حماسيةً نستلهب فيها المشاعر والعواطف، أيكفي أن نسب العدو صباح مساء، أيكفي أن نلعن الظالمين والغاشمين؟ ليس هذا والله بسلاح، وليس هذا والله بعمل، وليس هذا والله بتدبير، إنما التدبير يا عباد الله! أن نجتهد في العودة إلى ديننا، أن نجتهد في العودة إلى كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ أفراداً وأسراً ومجتمعات وحكوماتٍ ودولاً. إنه لا سبيل للعزة إلا بهذا الأمر، إنه لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أمر أولها، يقول عمر بن الخطاب ﵁: [نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام؛ ومهما أردنا العزة بغيره أذلنا الله]. فيا عباد الله! تمسكوا بالنور المبين وسنة سيد المرسلين، فهما والله مصدر العزة، حاربوا المنكرات ولا تجعلوا لها مكاناً ظاهراً في مجتمعكم، تتبعوا الفساد والمفسدين، وليكن كل مسلمٍ حارساً أميناً، وجندياً على ثغرٍ من ثغور الأمة حتى لا يتسلل الفساد أياً كان، إدارياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو غير ذلك؛ حتى لا يتسلل الفساد إلى جماعة المسلمين، حتى لا يجد الانحراف مكاناً وموقعاً في صف المسلمين. أيها الأحبة في الله! ما الذي جعل شباب الأمة في غفلةٍ عما يُراد بهم، ما الذي جعل رجالات الأمة في منأى عما يحاك ضدهم؟ إنه اللهو والترف، إنه الضياع! يا شباب المسلمين! كم رأيتم فلماً من الأفلام؟ كم شاهدتم من المسلسلات؟ هل رأيتم ذات يومٍ فلماً واحداً عن الجهاد في أفغانستان؟ هل رأيتم يوماً فلماً واحداً اسمه الشهادة؟ هل رأيتم يوماً فلماً اسمه حصار قلعة؟ هل رأيتم يوماً واحداً صفحةٍ من صفحات التاريخ المعاصرة التي سجلها الشهداء في أرض الجهاد؟! يا شباب الإسلام! ما الذي عزلكم عن واقع أمتكم، ما الذي جعل كثيراً من شبابنا حينما يخرج من عمله أو من جامعته أو من كليته يتجه إلى حيث قدم اشتراكاً في محلٍ من محلات الفيديو آخر فيلم ساهر، آخر رقصةٍ ماجنة، آخر مسلسلة خليعة، آخر فلم رعبٍ، آخر مسلسلٍ بوليسي، وما رأى والله ذات يومٍ فيلماً واحداً عن الجهاد في أفغانستان، ما رأى يوماً واحداً فيلماً عن الانتفاضة في فلسطين.

стр. 2581

كره الأعداء لنا ولديننا كيف يفعل بالأبرياء؟! وكيف يقتل العزل؟! وكيف تهان الكرامة؟! وكيف تجهض الحوامل؟! انظروا ما دمتم رأيتم، انظروا هذه الأفلام، اقلبوا الموجة ولو مرةً واحدة؛ لتدركوا إلى أي مدى إخوانكم يذبحون ذبح الشياه، وينهكون نهك النعاج، أين غيرة شباب المسلمين؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. اقرءوا عن إخوانكم، تتبعوا أحوالهم، إن الناس قد أشغلهم أمر الدينار لما أوشكت الحرب العراقية الإيرانية أن تقف، إن الناس أشغلهم أمر الليرة هل ترتفع أم لا؟ وما أشغلهم يومٌ من الأيام مذبحةٌ من مذابح المسلمين في أي قطرٍ من أقطار المسلمين. فيا عباد الله! اسمعوا إلى نفثات جريحٍ قالها وهو يتشحط في دماء إخوانه: أحل الكفر بالإسلام ضيماً يطول عليه للدين النحيب فحقٌ ضائعٌ وحمىً مباحٌ وسيفٌ قاطعٌ ودمٌ صبيب فكم من مسلمٍ أمسى سليباً ومسلمةٌ لها حرمٌ سليب وكم من مسجدٍ جعلوه ديراً على محرابه نصب الصليب دم الخنزير فيه لهم خلوقٌ وتحريق المصاحف فيه طيب أمورٌ لو تأملهن طفلٌ لطفل في عوارضه المشيب أما لله والإسلام حقٌ يدافع عنه شبانٌ وشيب فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكم أجيبوا ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة:٣٨] ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:٣٨] فمنكم من ينفق، ومنكم يا عباد الله من يتردد، منكم من يحاسب الريال محاسبةً شديدة، منكم من يحدث المبلغ حديثاً ذا شجون، هل يخرجه أم لا؟ فيا عباد الله: أصون نفسي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض بالمال فينبغي أن نصون الأعراض، وأن نرفع الجهاد، وأن نقدم آيات الولاء صادقةً لله ولكتابه وللمجاهدين ولأئمة المسلمين بكل ما أوتينا، بأنفسنا، بأموالنا، بأقلامنا، بصحفنا، بوسائلنا وبكل أمرٍ استطعنا أن نحمله. يا عباد الله! انتبهوا لما يحاك ويدبر ضد إخوانكم المسلمين، إن الحرب تمشي خطوةً خطوة، تأملوا الحرب التي حلت بإخواننا المسلمين، أياً كان نوعها، عسكريةً وفكرية، والله إن الذي جعلهم يتسلطون على هذه البقعة بعينها ليس هو كره هذه الدولة وحب لبقية الدول من أبناء المسلمين؟ لا وألف لا، لكنهم يريدون المسلمين لقمةً لقمةً، يريدونهم خطوةً خطوةً. إن من تتبع مناهج الفساد ومظاهره التي تحل بمجتمعات المسلمين، والتفت إلى الوراء قليلاً لينظر كيف حل الفساد بدولٍ إسلامية، انقلبت علمانية أو شيوعية أو اشتراكية، ليرى المخطط يمضي درجةً درجةً، ويمشي خطوةً خطوةً، وما أشبه الليلة بالبارحة. فيا عباد الله! أفيقوا واستفيقوا، وانتبهوا لما يراد بكم، عودوا إلى الله عوداً حميداً، عودوا إلى الإسلام عوداً جديداً، انبذوا المنكرات، حاربوا المنكر وأهله، ارفعوا بالإسلام رأياً، لا تتركوا المساجد واعمروها بطاعة الله، أزيلوا الضغائن والشحناء بين النفوس، كونوا عباد الله إخواناً واثبتوا صفاً واحداً، والله لا سبيل للأمة إلا بالجماعة، وإن الفرقة لهي شرٌ مستطيرٌ على الأمة، فاتحدوا واستعينوا ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. اللهم أغز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم إنهم يريدون بهذه الجزيرة شراً، اللهم إنهم يريدون بالحرمين سوءاً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف. اللهم من أراد بنا سوءاً، وبولاة أمرنا فتنة، وبعلمائنا مكيدة، وبشبابنا ضلالة، وبنسائنا تبرجاً وسفوراً؛ اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم شتت له ما تجمع، اللهم فرق له ما تجمع، اللهم عليك بأعداء دينك، اللهم عليك باليهود والشيوعيين والجعفرية والإثني عشرية، اللهم مزقهم واجعلهم بدداً، اللهم لا تبق منهم أحداً، اللهم اهلك زروعهم وضروعهم، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم أصلح مضغة قلبه، اللهم أصلح بطانته، اللهم قرب له من علمت فيه خيراً له وللأمة، وأبعد عنه من عملت فيه شراً له وللأمة، اللهم سخر لنا وله ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، اللهم لا تشمت بنا حاسداً ولا تفرح علينا عدواً. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً إلا نصرته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته. اللهم ادفع عنا البلاء والزنا والزلازل والمحن؛ ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا أرحم الراحمين. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. شباب الإسلام أعود إلى كلمة نسيتها: إن الدعاة منكم، إن الذين أدركوا درجة الوعي ودرجة الفهم وبلغوا مرتبة الدعوة، وبلغوا مرحلة الاستقامة والالتزام، فعليهم واجبٌ أضعاف أضعاف ما على غيرهم من الواجبات: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] إنهم لا يستوون في الدرجات، فكذلك لا يستوون في الواجبات، إن من علم تحمل مسئولية، فيا شباب الإسلام! احفظوا مجتمعكم بالدعوة إلى الله عبر وسائلها المختلفة. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2582

هم الآخرة [١] الآخرة هي نهاية الدنيا، فمن كانت الآخرة همه فإن الله يجمع له شمله، ويجعل غناه بين عينيه، ومن كانت الدنيا همه فرّق الله عليه شمله، وجعل الفقر بين عينيه، فصاحب هم الآخرة تراه حزيناً دائب العمل للآخرة، سريع التأثر إذا ما رأى جنازة وفي هذه المادة ما يحدوك إلى أن تجعل الآخرة نصب عينيك.

стр. 2583

شرح حديث من كانت الآخرة همه الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واسمعوا قول ربكم في محكم كتابه حيث يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠] واسمعوا قول ربكم في محكم كتابه حيث يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] واسمعوا قول ربكم حيث يقول: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠٠ - ٢٠٢]. معاشر المؤمنين: إن الله جل وعلا خلق هذه الدنيا وأودع فيها من الكنوز والخيرات والثمرات، وحبب إلينا أصنافاً وأنواعاً من نعيمها وطيباتها وملذاتها، فلا يظنن ظان أن الله أباح الطيبات وندب إلى السعي في الدنيا وحبب الناس إلى شيء من لذاتها، ثم بعد ذلك يحرمها عليهم ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] أوليس جل وعلا هو الذي قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥] أوليس ربنا هو الذي قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] ثم بين ربنا أن في الآخرة ما هو خير من الدنيا: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧] ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى:٤]. بين ربنا بعد ذكر هذه المحببات المزينات إلى النفوس أن هناك ما هو خير منها: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٥] ذلك الخير لمن؟ للذين اتقوا. معاشر المؤمنين: إن المعاتبة والمحاسبة والملامة والمناقشة هذا اليوم ليست مع أقوام أخذوا من الدنيا نصيبهم وبذلوا هذا النصيب فيما يعين ويحقق الغاية التي من أجلها خلقوا، ألا وهي عبادة الله، وإنما الحساب والعتاب مع أحباب لنا، مع إخوان لنا أشغلتهم دنياهم واستعبدتهم، فخدموها بدلاً من أن تخدمهم، وتبعوها بدلاً من أن تتبعهم، وجعلوها غاية بدلاً من أن يجعلوها وسيلة. معاشر المؤمنين: اسمعوا هذا الحديث من كلام من أوتي جوامع الكلم ﷺ ، أخرج هذا الحديث ابن ماجة بسند صحيح قال ﷺ : (من كانت الآخرة همه جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له) هذا حديث عجيب! وهو من جوامع الكلم، ووالله إني لأعرف أناساً كانوا متذبذبين حيرى مترددين في قلق عظيم يريدون أن يشتغلوا بالدنيا، ويريدون أن يعملوا للآخرة ويقولون: لو أشغلنا حظنا من جهدنا وفكرنا للآخرة لفات حظنا ونصيبنا من الدنيا، والناس ذئاب يتقاتلون على الدنيا فلن يبقى لنا منها شيء. يقول قائلهم: ما زال ذاك الهم يقلقني وفي المنام يؤرقني؛ حتى قرأت هذا الحديث فكان كالماء العذب الزلال على قلب الظامئ الصديان، كان هذا الحديث شفاء من سقم تلك الوسوسة، ودواءً من علة ذلك الشك، ولا عجب أن يصيب المؤمن شيء من ذلك، إذ أن الشيطان لا يدع أحداً إلا وسوس له: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:٥] والله جل وعلا بين أن هذا الشيطان يعدنا الفقر ويأمرنا بالفحشاء ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨]. تعالوا معاشر الشباب! تعالوا معاشر الشيوخ! تعالوا معاشر المسلمين! لنقرأ ولنتدبر هذا الحديث (من كانت الآخرة همه) من هو الذي يهتم للآخرة وبالآخرة وما صفاته؟ أخي الحبيب: إن كانت الآخرة همك فإنك لن يمر بك يوم إلا تذكرت فيه مصيرك ومعادك، إن كانت الآخرة همك فإنك لن ترى شيئاً من الدنيا إلا ربطته لا محالة بالآخرة، إن صعدت جسراً في الطريق تذكرت جسر جهنم، وإن لبست ثوباً تذكرت لباس أهل النار ولباس أهل الجنة، وإن شربت شراباً تذكرت شراب أهل النار وأهل الجنة، وإن أكلت طعاماً تذكرت طعام أهل النار وأهل الجنة، وإن اجتمعت بك حال أو تشتت بك أمر ستتذكر بهذا أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة. أما الذي ليست الآخرة همه، ولم تشغل باله، وليس لها نصيب من فكره، فسيان إن علا أو هبط، وسيان إن لبس أو نزع، وسيان إن حل وارتحل، وسيان إن جاع أو عطش، وسيان إن نام أو استيقظ، أما من كانت الآخرة همه فإنك تراه يتذكر الآخرة في كل حال وهو يتقلب فيها من الدنيا. أخي الحبيب: إن كانت الآخرة همك لا شك أنك لن تتحدث بحديث إلا وللآخرة فيه نصيب، فإن كان الكلام في دنيا فإن لآخرتك من دنياك نصيباً، وإن كان الكلام في أمر فإن للآخرة في بدايته أو في وسطه أو ختامه ذكراً، وبالجملة فمن كانت الآخرة همه تجده يرضى لأجل الآخرة، ويحزن لأجل الآخرة، ويغضب لأجل الآخرة، ويفرح لأجل الآخرة، ويسعى لأجل الآخرة، فمن كان كذلك فقد أوتي نعيماً وفضلاً عظيماً، ومن كانت الآخرة همه فبشارته ليست مني ولا من عالم على وجه الدنيا، بل من سيد الأنبياء الذي لا ينطق عن الهوى وحديثه وحي يوحى، من كانت الآخرة همه فإن محمداً ﷺ يبشره ويقول له: أبشر أولاً باجتماع شملك. إن من كانت الآخرة همه يعطى نعمة اجتماع الشمل، فيعطى سكينة وطمأنينة، واجتماع فكر، واجتماع أهل وأحباب وشمل وإخوان، ويجنب الشقاق والقطيعة، وتجتمع دنياه عليه ويكتب له القبول في الأرض، فلا يراه أحد إلا أحبه، وبالجملة يجتمع له وحوله في طاعة الله كلما أراد، ومن كانت الآخرة همه جمع الله له شمله وآتاه الله غنى في قلبه.

стр. 2584

حقيقة الغنى إن الغنى ليس بأصفار على يمين الأرقام في الأرصدة الجامدة أو المتحركة في البنوك، وإن الغنى ليس في الضِيَاع والعقارات المتناثرة يمنة ويسرة، وإن الغنى ليس في المراكب، وكم من رجل أصفاره لا تعد على يمين أرقام حساباته، وكم من رجل لا يحصي صكوكه ووثائق أملاكه، وكم من رجل أوتي من الضِيَاع والضيعات والأموال كثيراً ومع ذلك تجد الريال يؤرقه، والقليل يؤذيه، والدينار يشغله ويحرمه لذة النوم، بل وربما ألوان الطعام لا يتلذذ بها. أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقال ويقول آخر: أحب ليالي الهجر لا فرحاً بها عسى الله يأتي بعدها بوصال وأكره أيام الوصال لأنني أرى كل وصل معقب بزوال تجد ذلك الذي تزاحمت الأرقام في أرصدته لا يهنأ؛ لأنه ربما تذكر ذكرى الحسرة لا ذكرى العبرة، تذكر أنه سيفارق هذا؛ ولأجل ذلك تجد بعضهم بقدر لهثه وسعيه ودأبه وكده في جمع الدنيا على اختلاف أصنافها ومجالاتها لا يتلذذ بها، فكلما تجدد له نوع كسب من الدنيا تجددت له علة جديدة، إما في همه أو في بدنه، أو فيمن حوله. لذا فإن من كانت الآخرة همه آتاه الله اجتماع الشمل ثم أورثه وأنعم عليه بغنى القلب؛ ولأجل ذلك قال ﷺ : (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس) رواه مسلم. فتجد هذا الذي جعل الآخرة همه قانعاً راضياً سعيداً باشاً ضحوكاً، طيب القلب لين الجانب، خافض الجناح حسن المعاملة، في كل أمر تراه راضياً مرضياً، غير لحوح في بذل الأسباب للحصول على الدنيا، يعمل بقول نبيه: (اتقوا الله وأجملوا في الطلب) يعني: بذلاً معقولاً مناسباً في الحصول على الدنيا، لا أن يجعل الدنيا همه فتشغله، يبيت عليها، ويرى في المنام أحلاماً حولها، يستيقظ مفكراً فيها، ويمشي خطوات في تحصيلها، ويحزن ساعات على فواتها، ولا يجتمع بأهل لأجلها، ولا يصل رحماً لأجل صلته بها، ولا يبر الوالدين لأجل اشتغاله بها. هكذا -أيها الأحبة- من كان غناه في عرضه فلن يجد لذة الغنى الحقيقية، إن لذة الغنى هي في القلب، ولأجل ذلك تجد الكريم غنياً في قلبه: تعود بسط الكف حتى لو أنه ثناها لقبض لم تجبه أنامله فلو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله تجد العبد الغني في قلبه لا يتردد ببذل دنياه، إن أدبرت لا يحزن، وإن أقبلت لا يفرح ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣] يجد أن من صميم زهده في الدنيا أن ما أقبل منها فلأجل الله، وما أدبر منها فبقدر الله، وأسأل الله لي ولكم أن يجعل ما أقبل علينا من الدنيا في طاعته، وأن يجعل ما أدبر عنا من الدنيا حراماً يصرف عنا بمنه وكرمه.

стр. 2585

من كانت الآخرة همه أتته الدنيا وهي راغمة أيها الأحبة في الله: من كانت الآخرة همه جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا راغمة، هذه الدنيا شأنها عجيب، إن لحقتها فرت عنك، وإن أعرضت عنها لحقتك، وهذا والله مجرب، واسأل كثيراً من الصالحين أو ممن عملوا في الدين والدنيا، يقولون: إن اشتغلنا بدنيانا أدبرت عنا ولحقناها فأشغلتنا، وتبعناها فضيعت أوقاتنا، فإذا أعرضنا عنها لأمر الآخرة إذ بألوانها وعروضها تحوم حولنا وتتزخرف لنا تتراقص طرباً بين نواظرنا علنا أن نعود إليها من جديد، فالعاقل يقبل إلى الآخرة وستأتيه الدنيا راغمة. إن الدنيا من الله والآخرة إلى الله، ومن طلب الآخرة فإن الله يبعث له الدنيا ويرسلها، ومن اشتغل بدنياه التي قسمت وفُرِغ من شأنها، وطوي الكتاب في صحائفها، وجف القلم بالزائد والناقص منها، من طلب الدنيا في أمر قد قسم وانتهى فذلك مشغول بما فرغ منه، ومن طلب الآخرة فيما له حظ في كل زيادة يحققه فيها جعل الله الدنيا تابعة لاحقة. أذكر شخصاً من علماء المسلمين الذين أفضوا إلى ربهم ولا بأس أن أذكره فقد أفضى إلى ربه ، ذلكم هو الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد الذي كان رئيساً للتمييز وقبله للإفتاء ومن العلماء الأجلاء المعروفين، وله من الكتب والمصنفات شيء كثير، وقد أدركته في آخر حياته، يقول: كنت في بداية عمري فقيراً لا أجد إلا قيمة الحبر والقمطر، لا أجد إلا قيمة القلم واللوح وشيء من البلغة في طلب العلم، قال: وفي يقيني أن الله جل وعلا سيفتح علي من الدنيا ما يزيد عن حاجتي وحاجة أهلي، ثم يحدثني ويقول: وأنا الآن أجد حولي من الدنيا شيئاً كثيراً أضعاف أضعاف ما كان يخطر ببالي، قال: كنت مشغولاً بطلب العلم وكنت مشغولاً مع الإخوان في بيت الإخوان في مدينة الرياض بطلب العلم والتدريس والمناقشة، كنت آنذاك فقيراً، أو قليل ذات اليد، وفي يقيني أن الدنيا ستأتي، قال: فما هي إلا سنوات حتى أتت الدنيا من كل جانب، أسأل الله أن يجمعنا به في الجنة، وأن يتغمد روحه وأن يسكنه الجنان بمنه وكرمه.

стр. 2586

من كانت الدنيا همه شتت الله شمله أيها الأحبة: إقبال الدنيا ومجيئها لمن اهتم بالآخرة أمر غريب عجيب! قال ابن الجوزي: الدنيا ظل، إن أعرضت عن ظلك لحقك، وإن طلبته تقاصر دونك. وأما من كانت الدنيا همه -كما في تتمة الحديث- (ومن كانت الدنيا همه فإن الله جل وعلا يشتت عليه ضيعته ولا يأتيه من الدنيا إلا ما قسم له) أي: من كانت الدنيا تفكيره، لأجلها يقدم خطوة، ولأجلها يتقهقر أخرى، من كانت الدنيا سبباً في قربه وبعده، وابتسامته ونطقه وصمته وكلامه، ورضاه وسخطه وحزنه ومعاتبته، فليعلم أنه يعاقب عقوبة عاجلة: أولها: تشتت الشمل، فكل ما حوله متشتت حتى ولو رآهم رأي العين بين يديه، انظر لمن حوى الدنيا بأجمعها، واسأله عن حال قربه بأهله وزوجاته وأبنائه وأولاده، تجد أولاده يتمنون الدقيقة من وقته ليقابلوه، موظفوه يقابلونه أضعاف أضعاف ما يقابله أبناؤه، وخدمه يقابلونه أضعاف أضعاف ما تقابله زوجته، والسبب في ذلك أن الدنيا باتت له هماً ومطلباً، ومغنماً، ولأجل ذلك تشتت شمله حتى وإن كان الأمر بين يديه، وزد على ذلك أن الفقر يلازمه، ولا يعني ذلك أن له صك إعسار ثبت فيه عسره أمام غرمائه، لا وألف لا، بل أرصدته تملأ البنوك، ولكن الفقر بين عينيه، لو طرق الباب سائل يريد لقمة لأعطي اليوم وحرم الغد، ولو طلب أحد جهازاً من اللهو أو شيئاً من المنكر لبذل الكثير في سبيله، تجده مغداقاً منفاقاً بذولاً في الحرام والشبهات والمكروهات، شحيحاً بخيلاً في الطيبات والصدقات، وذاك من أصناف الذين اشتغلوا بالدنيا، فشتت الله شمله وأصبح الفقر لا يفارق عينه حينما يدعى إلى خير، وإذا دعي إلى شر أو حرام بذل الأموال ولم ينس أنه يحاسب، وقد نسي أنه يحاسب على ما بذل. نعم. الشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء، وهذا والله أمر غريب وعجيب، سمعنا ورأينا وعرفنا أصنافاً من الأثرياء إذا سئل أحدهم كفالة داعية من الدعاة، أو تجهيز غاز من الغزاة، أو كفالة يتيم من الأيتام، أو بناء مسجد من المساجد، أو دار من دور الحضانة والتعليم لأبناء المسلمين؛ أخذ يتعلل بحاجة المال وصرفه وتدويره وتشغيله في صنوف شتى، وأما إذا دعي إلى سفر في جولة لأقطار الدنيا وما فيها من مشاهد محرمة وصور مظلمة، وأحوال لا ترضي الله هان عليه الدرهم والدينار. فذاك رجل الفقر بين عينيه حينما يدعى إلى الخير والمعروف، ويغيب الفقر عن عينيه حينما يدعى إلى الحرام ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤]. أيها الأحبة في الله: اسألوا ذلك الذي اهتم بدنياه وخدمها وأتقن حساباتها ولا ينتهي عام إلا والميزانية لمؤسسته وشركته تقدم بين يديه بالهللات والأرقام، ووراء المحاسب مراجع، ووراء المراجع محاسب قانوني، ووراء القانوني مدقق لتقدم نهاية العام كشوف في غاية الدقة والعناية، هل اهتم بأعماله بنصف هذا القدر أو بثلث هذا القدر، أو بربع هذا القدر؟ لا والله، وذلك من الحرمان. واسأل ذلك الثري الذي أشغلته دنياه عن آخرته: كم لك من دنياك؟ هل تلبس كل ثيابك التي في خزينة ملابسك؟ ليس لك إلا ما يغطي ظهرك، وليس لك من مخازن الأطعمة إلا لقيمات تشبع بطنك، وليس لك من أنهار المياه وبحارها إلا جرعة تملأ جوفك، وليس لك من ملاذ النساء إلا فراشاً في دقائق معدودة بلذة فانية يعقبها التعب وانكسار القوة، الذين جمعوا الأموال هل تلذذوا بلذات مئات الرجال في آن واحد، وهل أكلوا مقدار ما يأكله مئات الرجال في آن واحد، أو شربوا ولبسوا بقدر ما يشربه ويلبسه مئات الرجال في آن واحد، لا وألف لا. ملك كسرى عنه تغني كسرة وعن البحر اجتزاء بالوشل القليل ربما أغنى وكفى عن الكثير، وصدق ﷺ : (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) الثري الذي دنياه لدينه وآخرته وإخوانه والمسلمين؛ قاصداً بذلك مرضاة رب العالمين، فنعم المال له! اللهم فزد له وبارك له. أما الثري الذي أشغلته دنياه عن آخرته، وإن الأثرياء لهم إيمان بالغيب عجيب في شأن الأرصدة، يوقع الثري صفقة بخمسمائة مليون أو بمليار أو بمائة مليون، ويقبل أرقاماً وأصفاراً على ورق، لكنه ما رأى المليار وما رأى الملايين مجتمعة، رأى أرقاماً ووقع على وثيقة فآمن تمام الإيمان أنه يملك المليار، ولو قيل له: تصدق بحائطك، تصدق ببستانك، تصدق بشيء من ثروتك، واعلم أن لك في الجنة أضعافها لتردد يمنة ويسرة، وفكر وقدر، ثم هلك كيف قدر، يؤمنون بالغيب في أرقام حول أرصدة من الدنيا، وأما الإيمان بالغيب فيما أعد الله من نعيم الآخرة فإن الكثير منهم في ضعف وتردد وشك وريب، أين هو من ذلك الصحابي الذي تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، يوم أن دعا النبي ﷺ إلى الصدقة فقال ﷺ : (لك بها سبعون ناقة مخطومة في الجنة) فأخذ يهلل ويكبر، كأنه يرى نوقه في الجنة، كأنه يسوق أذواده في الجنة، كأنه يحتلب ويدور حول نوقه في الجنة، إيمان بغيب. وهذا صهيب الرومي لما لحقت به قريش، قالوا: جئت صعلوكاً فقيراً فآويناك وأغنيناك، أو بعد ما قويت واغتنيت تهاجر بمالك؟ والله لا ندعك، فقال: [وإن تركت لكم المال؟ قالوا: نخلي عنك، فوصف مكان ماله لهم وفر مهاجراً إلى الله] وما يغني قليل وحفنة ومتاع من الدنيا أمام الهجرة إلى الله ورسوله، إن الهجرة إلى الله ورسوله لهي أضعاف أضعاف لا يمكن أن تقاس، وكما قال ﷺ -كما ذكره الإمام مسلم في كتاب وصف الجنة-: (مثل هذه الدنيا في الآخرة كمثل ما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) إن الدنيا قطرة من الماء علقت بسبابتك وأما الآخرة فهي البحار في الدنيا مجتمعة، فمن ذا يبيع بحراً بقطرة، ومن ذا يبيع محيطاً برشفة، ومن ذا يبيع أنهاراً عذبة زلالاً بقربة، إن ذلك هو الخسران المبين. أيها الأحبة: إن من كانت الدنيا همه فإن الدنيا تدبر عنه ولو جمع الله حوله أرقاماً وضِيَاعاً ومراكب وقصوراً؛ لكنه لا يتلذذ بها، حدثني شاب كان سابقاً يعمل مديراً للإدارة الإقليمية في بنك من البنوك الربوية، وجاء رجل من كبار السن من أهل الودائع الربوية، قال: فجاء الرجل متعكزاً على عصاه وواحدة من ودائعه بالدولار -ستون مليون دولار- قال: فجاء ونفسه مضطرب قد علت أنفاسه وخارت قواه، فقال: يا ولدي كم بلغت الفوائد على الوديعة؟ قال فقلت له: يا والد! يا شيخ! ألك حاجة في السؤال عن فوائد الوديعة وأنت ترى ما أنت فيه من ضعف الصحة وإدبار العافية، وانقطاع النفس والحرمان من كثير من اللذة؟ قال فانقلب إلي قائلاً: وهل عينوك في المكتب واعظاً أو مديراً؟ قال فما لبثت أن سمعت عنه أن انقطع للعلاج في المستشفى على سرير قد لزمه شهرين كاملين قال: فجاء بعد خروجه من المستشفى وقد وضع له جهاز ينظم ضربات قلبه -ما عاد قلبه يسعف نفسه وحاله- ثم جاء مرة أخرى على عكازه وقال: كم بلغت الوديعة؟! أليس ذلك من تشتت الشمل، أليس ذلك من الفقر، أليس ذلك من المحق؟ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٦] يمحق الله الربا والمرابي في صحته وفي بدنه وفي عافيته وفي أهله، أولاده حوله لا يتمتعون بالجلوس معه، والدنيا بمتاعها ولذاتها حوله، أما الحلو منها فسكره يمنعه من تناوله، وأما المالح فضغطه يمنعه، وأما الدسم والدهن فضيق شرايينه يمنعه، إن ذلك لمن صور تشتت الشمل، لا يعني تشتت الشمل حالة واحدة فقط، بل ربما رأيت في ظاهر الأمر أن الدنيا اجتمعت لمن اهتم بها وخدمها، ولكنها في الحقيقة بين عينيه ولا يمس منها شيئاً بين يديه، ولا يدخل جوفه منها شيئاً، الدنيا حوله ولا يستمتع بقليل منها. ومن تأمل -أيها الأحبة- حال أولئك وجد أنهم كالذي يجلس على شاطئ بحر مالح فكلما ازداد شرباً من البحر الذي لا ينفد ازداد عطشاً فعاد مرة أخرى شارباً، تخيل رجلاً قد بلغ به العطش مبلغاً، وقد نصب خيمته بجوار البحر كلما شرب ليروي ظمأه إذا به يزداد عطشاً، والبحر لن ينتهي بشرب ذلك العطشان، والشرب من الماء المالح لن يروي ظمأ ذلك الصديان. أيها الأحبة: من تأمل حال الفريقين -من كانت الدنيا همه ومن كانت الآخرة همه- وجد أن الفرق بينهما عجيب، وعجب في هذه الدنيا! كلما سعيت في طلبها كلما أدبرت عنك وهربت. أيها الأحبة: قال عثمان بن عفان ﵁: [هم الدنيا ظلمة في القلب، وهم الآخرة نور في القلب] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني بما فيه من الآيات والذكر والحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2587

صفات أصحاب هم الآخرة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله: إن المتأمل لأحوال الخلق يراهم إما من أصحاب هم الآخرة أو من أصحاب هم الدنيا، أو من أصحاب هم الدنيا والآخرة، فهم المخلطون وما أكثرهم في هذا الزمان! نسأل الله أن يعفو عنا وعنهم أجمعين. يقول يحيى بن معاذ الناس ثلاثة: رجل شغله معاده عن معاشه فهو من الفائزين، ورجل شغله معاشه عن معاده فهو من الهالكين، ورجل مشتغل بالمعاش والمعاد فهو من المخاطرين. أيها الأحبة: لئن سمعنا صفات أهل الآخرة الذين أهمتهم الآخرة، ولئن سمعنا عما أعد الله لهم فلنسأل عن صفاتهم، إن أصحاب هم الآخرة أقوام علموا أن الدنيا وسيلة وجسراً للآخرة، فتصرفوا بالدنيا ولم يجعلوها تتصرف بهم، وشتان بين من جعل الدنيا غاية وبين من جعلها وسيلة، إن من الجنون أن ترى رجلاً قد ركب جسراً ينقل أو يفضي أو يوصل من بلد إلى بلد فلما بلغ منتصف الجسر أناخ رواحله وضرب خيامه ونزل بأهله وقال: ها هنا النهاية، أتظنون أن هذا من العاقلين ولو غره ما على الجسر من المناظر والمطاعم والمآكل والمشارب، أما العاقل فلن يغتر بما يرى على قارعة الطريق؛ لأنه يعلم أن الغاية بعد لم يصل إليها. إن الذين يجعلون الآخرة همهم لهم صفات عجيبة:

стр. 2588

الحزن لأجل الآخرة فأولها: الحزن لأجل الآخرة، فترى الشخص منهم يحزن إن أذنب ذنباً، المؤمن يرى ذنبه كجبل يوشك أن يقع على رأسه، وأما المنافق وأصحاب هم الدنيا فإن الشخص منهم يرى الذنب كذبابة وقعت على أنفه فقال بها هكذا، وأشار بيده حول أنفه فطارت، تجد الواحد منهم لا يفرق بين أن يدخل مسجداً أو يخرج إلى ملهاة، إذا وجدت قلبك يستوي عند الدخول في مكان طاعة أو في مكان معصية، وخروج من مكان طاعة وخروج من مكان معصية، فاعلم أن هذا قلب من قلوب الهالكين، ما لم يتداركه الله بتوبة ورحمة. من صفات أصحاب هم الآخرة الحزن: فيحزن إن فاتته صلاة الفجر، ويجد أثر ذلك في صبيحته وضحاه وسحابة يومه، ويحرص على أن يعوض ما فاته من الفجر في بكور ومبادرة إلى الصلوات الأخرى، بل ربما دخل المسجد قبل الأذان ليعوض ما فات في صلاة الفجر، تجده حزيناً قلقاً، تجده كئيباً، لماذا؟ لأن صلاة الفجر فاتته، أو تجده حزيناً لأنه قارف ذنباً من الذنوب، حتى يأتي بحسنة تمحوه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]. قال مالك بن دينار: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن خرب، وتعلمون أن البيوت التي لا تسكن سرعان ما تأوي إليها الهوام والخشاش، وسرعان ما تخرب بل ربما تعودها الناس مكاناً لقضاء الحاجة ورمي المخلفات، والقلب إذا لم يساكنه حزن على فوات طاعة، وحزن على اقتراف معصية، وحزن على فوات أمر من أمور الخير، فإن ذلك القلب يكون خرباً بقدر ما فاته من الحزن، وبقدر حزنك وهمك للآخرة يتحقق فيك بإذن الله صفة الاهتمام بالآخرة. تأمل -يا أخي- إذا كانت نفسك لا تحاسبك ولا تلومك ولا تعاتبك في فعل معصية أو زلة أو هفوة، فعالج قلبك وانظر أنك إذا أصابتك علة في رجل أو يد أو حاسة أو جارحة بادرت إلى المستشفى بالكشف والتحليل والإشاعة والتشخيص، ولكن القلب إذا مرض لا تعالجه، أفلا يهمك قلبك كما يهمك بدنك؟! قال ربنا : ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:١ - ٢] قال الحسن البصري: [هي والله نفس المؤمن] لا ترى المؤمن إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي، ما قصدت بطعامي وشرابي؟ أما الفاجر فلا يحاسب نفسه أبداً. نعم. إن القلوب إذا ران عليها الذنوب أصبحت لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً. من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام

стр. 2589

العمل الدائب للآخرة أيها الأحبة: ومن صفات أهل الآخرة أن ترى عملهم للآخرة دائباً ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ [الأنعام:١٦٢] البداية ﴿وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام:١٦٢] النهاية ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]. ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] هكذا تكون صفات أهل هم الآخرة، العمل الدائب الذي لا ينقطع، وليس للاستقامة والعبادة والعلم والدعوة والتعليم تاريخ صلاحية، أن يقول شاب أو رجل التزم عشر سنوات، أو أطلب العلم عشر سنوات، أو علم عشر سنوات، فينتهي الأمر، بل مع المحبرة إلى المقبرة ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. ومع هذا العمل الدائب وجلٌ وقلقٌ وخوفٌ رجاءَ أن يُقبَل العمل، وخشية أن يرد العمل لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] وجاء في تفسير النبي ﷺ لـ عائشة حول هذه الآية: (أولئك الذين يصومون ويتصدقون ويقومون الليل وقلوبهم وجلة يخافون ألا يقبل منهم). أيها الأحبة: إن الحزن الذي هو من علامات وصفات أهل هم الآخرة، ليس الحزن الذي يقبع بهم في السراديب أو ينزوي بهم في الأقبية أو يعزلهم عن الناس، بل هو الحزن على فوات الخير الذي ينقلب تشميراً وجداً في طلب الخير والسعي إليه والدعوة والعبادة، وحينئذ يكون الحزن للآخرة سعادة تنعكس على العبد بإذن الله.

стр. 2590

التأثر عند رؤية الجنائز ومن علامات وصفات أهل هم الآخرة أنهم إذا رأوا جنازة أو شهدوها تأثروا بها. هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعلّ الردى مما نرجيه أقرب أيها الأحبة: إن من شهد جنازة فلم يتأثر، ووقف على شفير قبر فلم يتأثر، فليعلم أن قلبه ليس من قلوب هم الآخرة، فليعالج هذا القلب، وليعلم أنه مريض، بل إن المرض مستحكم فيه، إن الموت عبرة، وإن الموت آية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٤ - ٣٥] ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] إن الذي لا يعتبر بالموت ولا يتأثر به ليس من أصحاب هم الآخرة. قال إبراهيم النخعي ﵀: كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عرف فينا أياماً؛ لأنا قد عرفنا أنه نزل أمر صيره إلى الجنة أو إلى النار. فكونوا من أصحاب هم الآخرة يا عباد الله! أسأل الله جل وعلا أن يعز الإسلام والمسلمين، وأسأله سبحانه أن يدمر أعداء الدين، وأسأله سبحانه أن يجعلنا في الآخرة من الحريصين، ولأجلها من الساعين، وبها من المهتمين، وللحديث بقية لعله أن يكون في جمعة قادمة. نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، واسمك الأعظم ألا تدع لنا في هذا المقام ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا حاجة إلا قضيتها، ولا عيباً إلا سترته، ولا زللاً إلا غفرته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا مجاهداً إلا نصرته بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم إنا خلق من خلقك، وعبيد من عبيدك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، ولا تحرمنا بمعاصينا رحمتك، اللهم إن عظمت ذنوبنا فإن فضلك أعظم، وإن كثرت معاصينا فإن رحمتك أكبر وأكثر، يا حي يا قيوم! أعطنا ولا تحرمنا، واسقنا وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في طاجكستان، وفي البوسنة وفي كل مكان. إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2591

واقدساه ! أنزل الله علينا خير كتبه، وأرسل إلينا خير رسله، وشرع لنا خير شرعه؛ من أجل أن نتحاكم إليه ونحكّمه في كل نواحي الحياة، لا أن نأخذ بعضه ونترك بعضاً. إن المسلمين لما أخذوا شيئاً من الدين وتركوا باقيه عاقبهم بما يعيشونه اليوم من ذل ومهانة؛ بل إنهم لما رفعوا الشعارات الكفرية ما أفلحوا ولن يفلحوا، ولن تحرر أراضي المسلمين إلا بالجهاد تحت شعار التوحيد لا غير.

стр. 2592

صور من صور البأس والتسلط الحمد لله، الحمد لله على عفوه مع قدرته، الحمد لله على ستره وهو لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، الحمد لله على حلمه وهو ممتن على عباده بسائر النعم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت يا ربنا من شيء بعد، اللهم لك الحمد حتى ترضى، اللهم لك الحمد في كل حال، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فلو اتقينا الله جل وعلا لجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، ولكن يا عباد الله لو صدقت القلوب مع ربها لجاء وعد ربها لها صدقاً وحقاً، ولا ينال النصر من عند الله إلا بنصر دين الله. أيها الأحبة في الله: يقول لله جل وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ [الإسراء:٤ - ٧]. معاشر المؤمنين: في هذه الأيام تظهر صورٌ من صور البأس والتسلط الذي هو دليل من دلالات قرب الملحمة الحاسمة والموقعة الفاصلة بين الإيمان والكفر، بين الإسلام والجاهلية، بين الشعارات الزائفة والشعارات القرآنية، بين أصوات النفاق والعمالة والخيانة والتدجيل، وأصوات الحق والكرامة والشهادة والبسالة، منذ أيام قليلة ارتكب اليهود مجزرة دامية في اثنين وعشرين من أبناء فلسطين، في مسرى رسول الله ﷺ ، في أول قبلة للمسلمين، وذلك يوم أن جاء عدد من اليهود وحاخاماتهم وشياطينهم تساندهم فرق الأمن ورجال الجيش، لوضع حجر الأساس للهيكل المزعوم. عباد الله: يوم أن بدأ المسلمون في فلسطين يصدون هذا العدوان، فُتحت ألسنة اللهب ونيران الرشاشات على صدور الأبرياء العزل، الذين جاءوا يقفون خضوعاً واحتراماً بين يدي الله في الصلاة، وركوعاً وتعظيماً لله، وسجوداً وانكساراً بين يدي الله، فُتحت ألسنة اللهب ونيران الرشاشات على صدور تلك الفئة المؤمنة فأردتهم قتلى، فهنيئاً لهم بمقعد صدق عند مليك مقتدر، نسأل الله أن يجعلهم من الشهداء، ونسأل الله أن يرفع منازلهم إلى درجات الأنبياء، ونسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بهم في أعلى عليين. معاشر المؤمنين: ليست المجزرة غريبة، وليست المذبحة عجيبة، فإنا أمةٌ لم تعرف من اليهود إلا حقدها ورميها البهتان والإفك على الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] أمةٌ يقتلون النبيين بغير الحق، قتلهم الله شر قتله، أمةٌ قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] أمةٌ قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم تعب فاستراح في اليوم السابع، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]. أمةٌ ارتكبت هذه المنكرات والطوام العظيمة، ليس عجيباً بعد أن اعتدت على جناب رب العالمين بالقول والبهتان، والله أجلّ، والله أعظم، والله أكبر من أين ينالوا شيئاً في عباده إلا بتقديره، وفي قدر الله للعباد تمام العدل والحكمة والرحمة، أمةٌ كان لها دور في مؤامرات الحقد في الخلافة الراشدة والدولة الأموية والعباسية وممالك الأندلس والخلافة الإسلامية إلى زمننا هذا، أمة لازالت مخططاتها تسري بسفك دماء المسلمين على الترب الطاهرة، في تل الزعتر وفي دير ياسين وفي برج البراجنة وفي صبرا وشاتيلا، دماءٌ من قديم الزمان إلى يومنا هذا، دماءٌ للمسلمين تنزف، أنهارٌ من الدماء تجري، ولازالت أمة الإسلام في غفلة، ولو قتل كلب من كلابهم، أو خنزير من خنازيرهم، لقامت وسائل الإعلام العالمية والصحف والمجلات والمؤتمرات والجلسات الطارئة في هيئة الأمم وفي مجلس الأمن وفي محكمة العدل، وليس ثمة عدل، قامت تلك المؤتمرات لمناقشة هذه الأمور. قتل شعبٍ كامل مسألة فيها نظر وقتل كلبٍ واحد جريمةٌ لا تغتفر هذا هو المقياس الذي يتعامل به اللوبي الصهيوني، أو الضغط الصهيوني على مختلف الحكومات الغربية التي تحمي وتساند وتحفظ دور اليهود في هذه المنطقة.

стр. 2593

كيف يعيش أهل الإسلام الأحداث معاشر المؤمنين: وا حرَّ قلباه! وا إسلاماه! وا قدساه! من أمة تنتهك، ومن أبكار يغتصبن، ومن أعراض تنتهك، ومن شباب يؤسرون، ومن أمة غافلة. مالي وللنجم يرعاني وأرعاه أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه لي فيك يا ليل آهاتٍ أرددها أواه لو أجدت المحزون أواه أنى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ تجده كالطير مقصوصاً جناحاه كم صرفتنا يدٌ كنا نصرفها وبات يحكمنا شعبٌ حكمناه في هذه الأيام يا عباد الله! ومآسي المسلمين تتجدد وتتقلب، ومصيبة جديدة تُنسي التي قبلها، وطامةٌ داهية تشغل عن التي سلفت، فيا أمة الإسلام! أي غفلة نحن فيها؟! والله لقد توقعت أن تضج المساجد بالقنوت والتكبير والاستغفار والصدقة، وبذل أسباب النصرة، لكي يُرفع البلاء عن المسلمين، ولكن ما ثَم شيء تغير، محلات الفيديو لا زالت تبيع، ولا زال بيعها رائجاً كما كان، وأشرطة الغناء لا زالت تباع، وسوقها نافقة كما كان، والتبرج والسفور في كثير من بلدان المسلمين لا يزال كما كان، والبعد عن الله والاستنكار والتجهم على كل من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر. فيا أمة الإسلام! أتريدون أن يغير الله أحوالكم وأنتم لم تغيروا شيئا؟! ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].

стр. 2594

عزتنا بديننا معاشر المؤمنين: يوم أن اغتصبت امرأة من المسلمين صاحت وامعتصماه! ثم لبى صيحتها بجيشٍ عرمرم، وخميسٍ يضرب الأرض ضرباً، حتى فتحت تلك الأرض وطرد النصارى، وقام علم الإسلام في تلك البلاد، والآن: رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم ألإسرائيل تبقى دولةٌ في حمى الأرض وظل الحرم لا يلام الذئب في عدوانه إن يكُ الراعي عدو الغنم إذا كان الراعي هو عدو الماشية فلا يلام الذئب في عدوانه عليها، والله ما تسلط اليهود وهم الذين قال الله في ضعفهم وفي جبنهم: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] أمةٌ ذليلة: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٢]. والله لولا خيانات القيادات العربية المحيطة بتلك البلاد، ما كان لأولئك دورٌ ولا مكانة ولا منزلة ولا دولة، ولكن إذا كانت العراق تحمي هذه الدولة، وإذا كان الأردن يحمي هذه الدولة، وإذا كانت الأنظمة الكافرة تحمي هذه الدولة، ولم يبق في المنطقة إلا دولة واحدة، نسأل الله أن يجمع شملها وأن يثبت خطاها وأن يسدد رأيها، وأن يلم شتاتها وشتات شعبها وقادتها على كلمة الحق بإذنه ومنه وكرمه، كيف تريدون أن يسل ذلك الخنجر من صدر المسلمين الذي طعن فيه؟

стр. 2595

شعارات رنانة يا عباد الله! لقد سمعنا قبل الاجتياح العراقي للكويت، أن العراق تلعن أمريكا صباح مساء، وتلعن الإمبريالية والرأسمالية، وتلعن البيت الأبيض، ويلعنون ويسبون ويشتمون، وظن الغوغاء والسذج والبسطاء، وروج البعثيون والحداثيون والعلمانيون، وكل من لا يرفع بهذا الدين رأساً، نوهوا ورددوا ورفعوا هذه القيادة الغاشمة، ومجدوها عبر الصحف والمجلات، حتى قالت كاتبة عاهرة: (أتمنى أن أحلم بـ صدام في المنام ولو لحظة من اللحظات) والآخرون في صحفهم وفي مجلاتهم صفحتين تجدها لقادتهم ولشئون بلادهم، وباقي الصحف كلها تمجيد في بطل الفاو وصدام القادسية، ماذا ننتظر وقد صنعنا بأيدينا صنماً من الشمع، انكشفت حقيقته عن حرارة الفتنة؟ يا عباد الله: أين تلك الصيحات التي تنادي بالعداوة لـ أمريكا والبيت الأبيض؟ أين تلك الصيحات التي هددت إسرائيل بالكيماوي وصواريخ الاسكود المزودة بالرءوس النووية؟ أين المزدوج؟ أين القنابل؟ أين تلك الشعارات وذلك التهديد والدعاء بالويل والثبور، وتريثاً لانتظار المرحلة الحاسمة بين العراق وإسرائيل؟ وبينما الأمة الغافلة الجاهلة الغبية في انتظار لموقعة بين إسرائيل والعراق، إذا هي بمفاجئة باقتحام واجتياح لأرض مسلمة في الكويت. هكذا يلعب الإعلام ويطبل على الشعوب، هكذا يسخر الإعلام بعقول البشر، هكذا يسخر الإعلام العالمي بالغوغاء والشعوب، يقوم حاكم ثم يلعن الذي قبله، ويقول: لقد ظلمكم وفعل بكم، لقد أذاقكم الجوع، وألبسكم العري، وذوقكم المرض، وأما حكومته المزعومة فيعد بأن تفعل وستفعل، ستوجد فرصاً للعمل، وسوف تعدل ميزان المدفوعات، ولسوف تفعل وتفعل، وإذا جنَّ المساء وجدت الحاكم الجديد ينادم الحاكم القديم في قصر من القصور يعاقرون الخمرة. والله يا عباد الله! هذا ما يفعل في الدول العربية، كلما دخلت أمة لعنت أختها، ولكن الفرق بينهم أنهم يتلاعنون في النهار، ويتنادمون سوياً ويشربون ويطربون في الليل جميعاً، أهذه حكومات يرجى منها أن ترد للإسلام دولة؟ أهذه حكومات يرجى منها أن تطرد اليهود عن أرض فلسطين؟ يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس جاءت إليك ظلامةٌ تشكو من البيت المقدس كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس هذه رسالة من الأقصى أرسلت إلى صلاح الدين الكردي وليس العربي، أو من طنطن من البعثيين والقوميين العرب بهذه الشعارات فما زادوا الأمة إلا خبالاً، وما زادوا الأمة إلا ضعفاً وتشتيتاً. معاشر المؤمنين: ومع هذا لا تزال آمالنا، ولا تزال آمال المسلمين تتعلق بقادة المسلمين في هذه المملكة، البلاد الوحيدة التي لازالت تحكم الإسلام على ما فينا، والكمال لله، لازالت الآمال تتعلق بهذه الأمة وبقادتها وعلمائها، عسى الله أن يبعث في هذه الأمة أمراً رشيداً يتحرر به الأقصى، وتنقلب به الموازين بمنه وكرمه إنه هو أرحم الراحمين. معاشر المؤمنين: لقد انشغل العالم الإسلامي انشغالاً عظيماً بأحداث الخليج في وقت اجتاحت فيه تلك الطغمة البعثية الكافرة الحاقدة، في وقت شغلت بذلك الاجتياح أمة الإسلام، والناس لم يصدقوا أو يكذبوا أن ما حصل كذباً أو صدقاً، ولكن الآن نقول: أين المهيب الركن؟ أين الأماجد البعثيين؟ أين الشرفاء البعثيين الذين هددوا إسرائيل سنين طويلة؟ أين المهيب الركن الذي يريد أن يضرب أمريكا والبيت الأبيض، ويريد إن يضرب إسرائيل؟ هل يثأر لمسلمة تغتصب؟ هل يثأر لمجزرة تنتهك في بيت المقدس وفي مسرى رسول الله ﷺ ؟ ولكن يا عباد الله! إنه مخطط ومؤامرة لتصفية القضية في هذه الظروف، والله لو تأملتم تاريخ إسرائيل وما يدور في أرض المسلمين، إسرائيل كطغمة أو كنظام في الهواء لا وجود له في عقيدتنا، لأن الذي هو زائل لا محالة لا وجود له ولا بقاء، لو تأملنا ما يدور، لوجدنا أن كل ضربة سواءً في الخليج أو أفغانستان أو في أي مكان، يقابلها عمل بصمت وتوطين سريع، وتهجير لليهود من أنحاء العالم في المستوطنات الفلسطينية التي شغل المسلمون عنها وعن متابعتها. وفي هذا الزمان أصبح الحديث عن فلسطين أمراً مملاً عند كثير من المسلمين، لأنهم منذ ستين سنة وهم يسمعون أن فلسطين ستحرر بالمنظمات والشعارات والقيادات. فوق التل وتحت التل وعن يمينه وعن شماله قادمٌ بدبابة قادمٌ بطائرة وما رأينا ذبابة ما رأينا شيئاً أبداً، أين الصيحات والشعارات؟ وأين أموال المنظمة التي بلغت المليارات؟ أين أموالها لكي تساند الجهاد في فلسطين؟ لكي تدعم قوة حماس؟ أين تلك الأموال التي ضاعت في تجارات الله أعلم بها؟ ومن هو الذي يثري على حسابها؟ ولكن يا عباد الله إنه النفاق، إنه سكوت الأمة على ما يدور بها، وعلى ما يدبر لها، إنه الوهن وحب الدنيا وكراهية الموت، نسأل الله أن يرفع البلاء عن المسلمين، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر بمنه وقوته وقدرته أعداء الدين. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم، والتائب من الذنب كما لا ذنب له.
следующие страницы →