Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
واقدساه !
أنزل الله علينا خير كتبه، وأرسل إلينا خير رسله، وشرع لنا خير شرعه؛ من أجل أن نتحاكم إليه ونحكّمه في كل نواحي الحياة، لا أن نأخذ بعضه ونترك بعضاً.
إن المسلمين لما أخذوا شيئاً من الدين وتركوا باقيه عاقبهم بما يعيشونه اليوم من ذل ومهانة؛ بل إنهم لما رفعوا الشعارات الكفرية ما أفلحوا ولن يفلحوا، ولن تحرر أراضي المسلمين إلا بالجهاد تحت شعار التوحيد لا غير.
стр. 2592
صور من صور البأس والتسلط
الحمد لله، الحمد لله على عفوه مع قدرته، الحمد لله على ستره وهو لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، الحمد لله على حلمه وهو ممتن على عباده بسائر النعم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت يا ربنا من شيء بعد، اللهم لك الحمد حتى ترضى، اللهم لك الحمد في كل حال، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فلو اتقينا الله جل وعلا لجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، ولكن يا عباد الله لو صدقت القلوب مع ربها لجاء وعد ربها لها صدقاً وحقاً، ولا ينال النصر من عند الله إلا بنصر دين الله.
أيها الأحبة في الله: يقول لله جل وعلا: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ [الإسراء:٤ - ٧].
معاشر المؤمنين: في هذه الأيام تظهر صورٌ من صور البأس والتسلط الذي هو دليل من دلالات قرب الملحمة الحاسمة والموقعة الفاصلة بين الإيمان والكفر، بين الإسلام والجاهلية، بين الشعارات الزائفة والشعارات القرآنية، بين أصوات النفاق والعمالة والخيانة والتدجيل، وأصوات الحق والكرامة والشهادة والبسالة، منذ أيام قليلة ارتكب اليهود مجزرة دامية في اثنين وعشرين من أبناء فلسطين، في مسرى رسول الله ﷺ ، في أول قبلة للمسلمين، وذلك يوم أن جاء عدد من اليهود وحاخاماتهم وشياطينهم تساندهم فرق الأمن ورجال الجيش، لوضع حجر الأساس للهيكل المزعوم.
عباد الله: يوم أن بدأ المسلمون في فلسطين يصدون هذا العدوان، فُتحت ألسنة اللهب ونيران الرشاشات على صدور الأبرياء العزل، الذين جاءوا يقفون خضوعاً واحتراماً بين يدي الله في الصلاة، وركوعاً وتعظيماً لله، وسجوداً وانكساراً بين يدي الله، فُتحت ألسنة اللهب ونيران الرشاشات على صدور تلك الفئة المؤمنة فأردتهم قتلى، فهنيئاً لهم بمقعد صدق عند مليك مقتدر، نسأل الله أن يجعلهم من الشهداء، ونسأل الله أن يرفع منازلهم إلى درجات الأنبياء، ونسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بهم في أعلى عليين.
معاشر المؤمنين: ليست المجزرة غريبة، وليست المذبحة عجيبة، فإنا أمةٌ لم تعرف من اليهود إلا حقدها ورميها البهتان والإفك على الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] أمةٌ يقتلون النبيين بغير الحق، قتلهم الله شر قتله، أمةٌ قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] أمةٌ قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم تعب فاستراح في اليوم السابع، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨].
أمةٌ ارتكبت هذه المنكرات والطوام العظيمة، ليس عجيباً بعد أن اعتدت على جناب رب العالمين بالقول والبهتان، والله أجلّ، والله أعظم، والله أكبر من أين ينالوا شيئاً في عباده إلا بتقديره، وفي قدر الله للعباد تمام العدل والحكمة والرحمة، أمةٌ كان لها دور في مؤامرات الحقد في الخلافة الراشدة والدولة الأموية والعباسية وممالك الأندلس والخلافة الإسلامية إلى زمننا هذا، أمة لازالت مخططاتها تسري بسفك دماء المسلمين على الترب الطاهرة، في تل الزعتر وفي دير ياسين وفي برج البراجنة وفي صبرا وشاتيلا، دماءٌ من قديم الزمان إلى يومنا هذا، دماءٌ للمسلمين تنزف، أنهارٌ من الدماء تجري، ولازالت أمة الإسلام في غفلة، ولو قتل كلب من كلابهم، أو خنزير من خنازيرهم، لقامت وسائل الإعلام العالمية والصحف والمجلات والمؤتمرات والجلسات الطارئة في هيئة الأمم وفي مجلس الأمن وفي محكمة العدل، وليس ثمة عدل، قامت تلك المؤتمرات لمناقشة هذه الأمور.
قتل شعبٍ كامل مسألة فيها نظر
وقتل كلبٍ واحد جريمةٌ لا تغتفر
هذا هو المقياس الذي يتعامل به اللوبي الصهيوني، أو الضغط الصهيوني على مختلف الحكومات الغربية التي تحمي وتساند وتحفظ دور اليهود في هذه المنطقة.
стр. 2593
كيف يعيش أهل الإسلام الأحداث
معاشر المؤمنين: وا حرَّ قلباه! وا إسلاماه! وا قدساه! من أمة تنتهك، ومن أبكار يغتصبن، ومن أعراض تنتهك، ومن شباب يؤسرون، ومن أمة غافلة.
مالي وللنجم يرعاني وأرعاه أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه
لي فيك يا ليل آهاتٍ أرددها أواه لو أجدت المحزون أواه
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ تجده كالطير مقصوصاً جناحاه
كم صرفتنا يدٌ كنا نصرفها وبات يحكمنا شعبٌ حكمناه
في هذه الأيام يا عباد الله! ومآسي المسلمين تتجدد وتتقلب، ومصيبة جديدة تُنسي التي قبلها، وطامةٌ داهية تشغل عن التي سلفت، فيا أمة الإسلام! أي غفلة نحن فيها؟! والله لقد توقعت أن تضج المساجد بالقنوت والتكبير والاستغفار والصدقة، وبذل أسباب النصرة، لكي يُرفع البلاء عن المسلمين، ولكن ما ثَم شيء تغير، محلات الفيديو لا زالت تبيع، ولا زال بيعها رائجاً كما كان، وأشرطة الغناء لا زالت تباع، وسوقها نافقة كما كان، والتبرج والسفور في كثير من بلدان المسلمين لا يزال كما كان، والبعد عن الله والاستنكار والتجهم على كل من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر.
فيا أمة الإسلام! أتريدون أن يغير الله أحوالكم وأنتم لم تغيروا شيئا؟! ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
стр. 2594
عزتنا بديننا
معاشر المؤمنين: يوم أن اغتصبت امرأة من المسلمين صاحت وامعتصماه! ثم لبى صيحتها بجيشٍ عرمرم، وخميسٍ يضرب الأرض ضرباً، حتى فتحت تلك الأرض وطرد النصارى، وقام علم الإسلام في تلك البلاد، والآن:
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
ألإسرائيل تبقى دولةٌ في حمى الأرض وظل الحرم
لا يلام الذئب في عدوانه إن يكُ الراعي عدو الغنم
إذا كان الراعي هو عدو الماشية فلا يلام الذئب في عدوانه عليها، والله ما تسلط اليهود وهم الذين قال الله في ضعفهم وفي جبنهم: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] أمةٌ ذليلة: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٢].
والله لولا خيانات القيادات العربية المحيطة بتلك البلاد، ما كان لأولئك دورٌ ولا مكانة ولا منزلة ولا دولة، ولكن إذا كانت العراق تحمي هذه الدولة، وإذا كان الأردن يحمي هذه الدولة، وإذا كانت الأنظمة الكافرة تحمي هذه الدولة، ولم يبق في المنطقة إلا دولة واحدة، نسأل الله أن يجمع شملها وأن يثبت خطاها وأن يسدد رأيها، وأن يلم شتاتها وشتات شعبها وقادتها على كلمة الحق بإذنه ومنه وكرمه، كيف تريدون أن يسل ذلك الخنجر من صدر المسلمين الذي طعن فيه؟
стр. 2595
شعارات رنانة
يا عباد الله! لقد سمعنا قبل الاجتياح العراقي للكويت، أن العراق تلعن أمريكا صباح مساء، وتلعن الإمبريالية والرأسمالية، وتلعن البيت الأبيض، ويلعنون ويسبون ويشتمون، وظن الغوغاء والسذج والبسطاء، وروج البعثيون والحداثيون والعلمانيون، وكل من لا يرفع بهذا الدين رأساً، نوهوا ورددوا ورفعوا هذه القيادة الغاشمة، ومجدوها عبر الصحف والمجلات، حتى قالت كاتبة عاهرة: (أتمنى أن أحلم بـ صدام في المنام ولو لحظة من اللحظات) والآخرون في صحفهم وفي مجلاتهم صفحتين تجدها لقادتهم ولشئون بلادهم، وباقي الصحف كلها تمجيد في بطل الفاو وصدام القادسية، ماذا ننتظر وقد صنعنا بأيدينا صنماً من الشمع، انكشفت حقيقته عن حرارة الفتنة؟ يا عباد الله: أين تلك الصيحات التي تنادي بالعداوة لـ أمريكا والبيت الأبيض؟ أين تلك الصيحات التي هددت إسرائيل بالكيماوي وصواريخ الاسكود المزودة بالرءوس النووية؟ أين المزدوج؟ أين القنابل؟ أين تلك الشعارات وذلك التهديد والدعاء بالويل والثبور، وتريثاً لانتظار المرحلة الحاسمة بين العراق وإسرائيل؟ وبينما الأمة الغافلة الجاهلة الغبية في انتظار لموقعة بين إسرائيل والعراق، إذا هي بمفاجئة باقتحام واجتياح لأرض مسلمة في الكويت.
هكذا يلعب الإعلام ويطبل على الشعوب، هكذا يسخر الإعلام بعقول البشر، هكذا يسخر الإعلام العالمي بالغوغاء والشعوب، يقوم حاكم ثم يلعن الذي قبله، ويقول: لقد ظلمكم وفعل بكم، لقد أذاقكم الجوع، وألبسكم العري، وذوقكم المرض، وأما حكومته المزعومة فيعد بأن تفعل وستفعل، ستوجد فرصاً للعمل، وسوف تعدل ميزان المدفوعات، ولسوف تفعل وتفعل، وإذا جنَّ المساء وجدت الحاكم الجديد ينادم الحاكم القديم في قصر من القصور يعاقرون الخمرة.
والله يا عباد الله! هذا ما يفعل في الدول العربية، كلما دخلت أمة لعنت أختها، ولكن الفرق بينهم أنهم يتلاعنون في النهار، ويتنادمون سوياً ويشربون ويطربون في الليل جميعاً، أهذه حكومات يرجى منها أن ترد للإسلام دولة؟ أهذه حكومات يرجى منها أن تطرد اليهود عن أرض فلسطين؟
يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس
جاءت إليك ظلامةٌ تشكو من البيت المقدس
كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس
هذه رسالة من الأقصى أرسلت إلى صلاح الدين الكردي وليس العربي، أو من طنطن من البعثيين والقوميين العرب بهذه الشعارات فما زادوا الأمة إلا خبالاً، وما زادوا الأمة إلا ضعفاً وتشتيتاً.
معاشر المؤمنين: ومع هذا لا تزال آمالنا، ولا تزال آمال المسلمين تتعلق بقادة المسلمين في هذه المملكة، البلاد الوحيدة التي لازالت تحكم الإسلام على ما فينا، والكمال لله، لازالت الآمال تتعلق بهذه الأمة وبقادتها وعلمائها، عسى الله أن يبعث في هذه الأمة أمراً رشيداً يتحرر به الأقصى، وتنقلب به الموازين بمنه وكرمه إنه هو أرحم الراحمين.
معاشر المؤمنين: لقد انشغل العالم الإسلامي انشغالاً عظيماً بأحداث الخليج في وقت اجتاحت فيه تلك الطغمة البعثية الكافرة الحاقدة، في وقت شغلت بذلك الاجتياح أمة الإسلام، والناس لم يصدقوا أو يكذبوا أن ما حصل كذباً أو صدقاً، ولكن الآن نقول: أين المهيب الركن؟ أين الأماجد البعثيين؟ أين الشرفاء البعثيين الذين هددوا إسرائيل سنين طويلة؟ أين المهيب الركن الذي يريد أن يضرب أمريكا والبيت الأبيض، ويريد إن يضرب إسرائيل؟ هل يثأر لمسلمة تغتصب؟ هل يثأر لمجزرة تنتهك في بيت المقدس وفي مسرى رسول الله ﷺ ؟ ولكن يا عباد الله! إنه مخطط ومؤامرة لتصفية القضية في هذه الظروف، والله لو تأملتم تاريخ إسرائيل وما يدور في أرض المسلمين، إسرائيل كطغمة أو كنظام في الهواء لا وجود له في عقيدتنا، لأن الذي هو زائل لا محالة لا وجود له ولا بقاء، لو تأملنا ما يدور، لوجدنا أن كل ضربة سواءً في الخليج أو أفغانستان أو في أي مكان، يقابلها عمل بصمت وتوطين سريع، وتهجير لليهود من أنحاء العالم في المستوطنات الفلسطينية التي شغل المسلمون عنها وعن متابعتها.
وفي هذا الزمان أصبح الحديث عن فلسطين أمراً مملاً عند كثير من المسلمين، لأنهم منذ ستين سنة وهم يسمعون أن فلسطين ستحرر بالمنظمات والشعارات والقيادات.
فوق التل وتحت التل
وعن يمينه وعن شماله
قادمٌ بدبابة قادمٌ بطائرة وما رأينا ذبابة
ما رأينا شيئاً أبداً، أين الصيحات والشعارات؟ وأين أموال المنظمة التي بلغت المليارات؟ أين أموالها لكي تساند الجهاد في فلسطين؟ لكي تدعم قوة حماس؟ أين تلك الأموال التي ضاعت في تجارات الله أعلم بها؟ ومن هو الذي يثري على حسابها؟ ولكن يا عباد الله إنه النفاق، إنه سكوت الأمة على ما يدور بها، وعلى ما يدبر لها، إنه الوهن وحب الدنيا وكراهية الموت، نسأل الله أن يرفع البلاء عن المسلمين، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر بمنه وقوته وقدرته أعداء الدين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم، والتائب من الذنب كما لا ذنب له.
стр. 2596
تضليل الإعلام وسخريته بالعقول
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة: إن أزمة المسلمين في هذا الزمن هي أزمة القيادة التي ترفع لواء الجهاد لتحرير بيت المقدس من اليهود والصهاينة، إن الأمة التي قال الله في شأنها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ في سَبِيلِ الله﴾ [البقرة:٢٤٦] لقد طلبوا ملكاً وقائداً وقيادة قبل أن يطلبوا جنوداً وسلاحاً، وما ذاك إلا لأن الأزمة هي أزمة القيادة، إن الشعوب التي ترونها فيها خير كثير، ولو تركت الشعوب تتفاعل مع قضاياها لاستطاعت إلى حد كبير أن تحل الكثير منها، ولكن القيادات العميلة والقيادات الخائنة هي التي تستعدي الشعوب بعضها على بعض.
وكلمة حق أقولها: ما إن تسمع إذاعة من الإذاعات إلا وتجد فيها إيغاراً لشعب على شعب، إلا ما سمعناه هنا من تصريحات طيبة، ألا وهي: إن هذه البلاد خيرها للجميع سابق، وسيبقى خيرها بإذن الله لكل وافد وقادم ولكل ضيف بها إذا كان ملتزماً بآداب هذه البلاد، وأحكامها الشرعية، ونظمها العقلية، وجميع أنظمتها الرزينة الحصينة.
فيا عباد الله: إن أجهزة الإعلام لازالت هي التي تسير الشعوب، والله لقد عبث الإعلام البعثي بكثير من عقليات المسلمين، إلى حد أن بعضهم تصوروا أن الأمريكان يطوفون بالكعبة، وتصور بعضهم أن الأمريكان يسعون بين الصفا والمروة، وأولئك بينهم وبين الأراضي المقدسة مسافات بعيدة لمصالح عديدة، ومع ذلك فقد صور الإعلام أن الكعبة لا يطوف حولها إلا الأمريكان، وأن المسعى لا يسعى فيه إلا الأمريكان، وأن الحرم النبوي وقبر رسول الله ﷺ محاط بالأمريكان، فضجت هذه الشعوب الغافلة البسيطة الغوغاء، وصدقت دعوى الجهاد من الذين لم تجف أيديهم من دماء المسلمين الأكراد في حلبجة، لم تجف أيديهم من دماء المسلمين الصالحين في العراق.
أيصبح فرعون واعظاً؟ أيصدق للماكرين نصح ووعظ؟ ولكن كما تكون تلك الشعوب يولى عليها، (كما تكونوا يولى عليكم) لما رضيت بالذل -ولا أقول كلها بل بعضها- لما رضيت بالذل والهوان، وسكتت عن كلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحكمت فيها الأنظمة الفرنسية، والقوانين الرومانية، والقوانين الوضعية، ونحيت الشريعة، ولم يسمع صوتٌ ينادي بتطبيق الشريعة فيها، تسلط الفجار عليها، تسلطوا تسلطاً عجيباً غريباً، فنسأل الله جل وعلا أن يوقظ هذه الشعوب من غفلتها.
стр. 2597
أمثلة لقادة المسلمين الأوائل
يا معاشر المؤمنين! أقول كما قلت: إن الأزمة هي أزمة القيادة، خذوا مثلاً من الأمثلة في وقت الحروب الصليبية.
стр. 2598
ألب أرسلان
كان واحدٌ من أمراء المسلمين وقائدٌ من قواد المسلمين يقال له: ألب أرسلان، كان معه خمسة عشر ألف جندي، هدده الروم والصليبيون بمائة ألف وحشدوها وتوجهوا له، ويقول ذلك الصليبي لـ ألب أرسلان: انتظر فإني آت ولن يقف القتال إلا في بيتك وفي عاصمتك.
فقام ألب أرسلان، وأعد جيشاً على رأسه الفقهاء والعلماء والصالحون، ثم لما كان يوم جمعة في رمضان، صلى الجمعة وسار إلى المعركة، فلما سار قليلاً خلع لباسه، ثم لبس كفناً أبيض، ونزل بالسيف يريد المعركة التحاماً، يريد معركة بالسلاح الأبيض، ثم قال: يا أيها الجند! -نادى في خمسة ألف جندي- ما هاهنا سلطان، ما هاهنا قائد، ما هاهنا أمير، فمن أراد أن ينصرف فلينصرف، فإني مجاهد من المجاهدين في سبيل الله، ثم دخل والتحم في الجيش، فما هي إلا ساعات حتى جيء بـ أرمانوس قائد الصليبيين والحملة الصليبية أسيراً بين يدي ألب أرسلان، فأكب يبكي ساجداً شكراً وحمداً وثناءً على الله.
стр. 2599
صلاح الدين
صلاح الدين الكردي لا العربي، لنعلم أن نصرة الإسلام ليست بالقبائل وليست بالأحزاب والأنساب، وإنما نصرة الإسلام لمن تمسك بهذا الدين وحكمه قلباً وقالباً.
صلاح الدين يقول أحد قضاته بهاء الدين: كان ﵀ خاشع القلب، غزير الدمع، كثير التعظيم لشعائر الله، يقول: رأيته ذات يوم ساجداً، ودموعه تتقاطر على شيبته وسجادته.
وإذا سمع بعدوٍ نزل بأرض المسلمين خرَّ ساجداً، وهو يقول: إلهي انقطعت أسباب المدد من الأرض، ولم يبق إلا سبب من عندك، بالإخبات إليك، والذل بين يديك، حتى تأتيه بشائر النصر وهو على رأس جيوش المسلمين.
أما قادة الأمة في (٤٨م) و (٦٧م): تجوع يا بحر، قالها طواغيت الأمة، يقولون: تجوع يا حوت، تجوع في البحر، فسنلقي إسرائيل فيك، وما أصاب إسرائيل شيئاً.
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع
إن الذي يقتل اليهود هو مسلمٌ مؤمنٌ صادقٌ مجاهد، وليست تلك القيادات الخائنة العميلة.
стр. 2600
شاب صدق الله فصدقه
معاشر المؤمنين: إن هذه الأمة تحتاج إلى عقيدة وقيادة تستنفر جميع المسلمين: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] نريد أمة مستنفرة، نريد أمة كتلك الأمة التي دعا قائد الجهاد دعوته في المسلمين، فلما جنَّ الليل إذ بامرأة تطرق الباب عليه، وتقول: افتح أيها القائد، وهو يقول: من في الباب؟ فتقول: افتح أيها القائد، فقدمت له شيئاً قد لف في قماش، فقالت: دعوت المسلمين وتلوت قول الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] وأنا امرأة كبيرة طاعنة، وليس عندي إلا شعري هذا حلقته وجدلته، وجعلت منه لجاماً لفرسك عسى أن أكون بذلك قد نصرت مع المسلمين بما بين يدي، فلما فتح هذا القماش وجد فيه ما ذكرت.
ولما كان في الجيش، إذ بشاب صغير من أبناء المسلمين، وإذ به يتقدم الصفوف ومعه قوس وسهام، وكان مسدد السهم والرمي، فكان يرمي فما رمى سهماً إلا نزل في قلب كافر من الكفار، فعجب الكفار من ذا الذي يصوبهم بالرمي والسهام؟! حتى اجتهدوا في تحديد مكانه، فصوبوا عليه، ثم أصابه سهمٌ في قلبه، فسقط، فقام ذلك القائد وأخذ الشاب، ثم دفنه، ثم عاد مرة أخرى يحمل على العدو، فلما كرَّ مرة أخرى إذ بالأرض قد لفظت هذا الصبي، وخرج ذلك الصبي على وجه الأرض، فعاد وقال: لعل شيئاً من السباع جره أو أخرجه، فعاد ودفنه مرة أخرى، ثم التحم مع العدو، فلما كرَّ مرة أخرى، إذ به يرى جثة الصبي فوق الأرض، ثم عاد ودفنه ثالثة، ثم كر، ولما عاد إذ بالصبي حوله عدد من السباع والطيور الجارحة، وكل سبع وطير في فمه قطعت من جسد ذلك الشاب، فكان أمره عجيباً وكان شأنه غريباً.
فلما انتهت المعركة وقد نصره الله، أخذ متاعه ومزادته، وسأل هذه لمن، ولبيت من؟ فعاد بها وإذا بهذه المزادة وهذا المتاع الذي للطفل أمه تلك المرأة التي قدمت ضفيرتها لجاماً لفرس القائد، فقال لها: أسألك بالله يا أمة الله ما الذي كان يصنع ولدك؟ فسألته هل دفنت ولدي؟ قال: دفنته، قالت: ثم ماذا؟ قال: ثم لفظته الأرض، قالت: ودفنته، قال: فدنته ثم لفظته الأرض، أسألك بالله أي أمر هذا؟ قالت: والله إنه استحلفنا ألا نخبر بشأنه إلا إن كتب الله له الشهادة، ثم جاءت بمسوح وصوف وأمور عجيبة وقدمتها بين يدي القائد، قالت: إن هذا الصبي كان إذا جن الليل جعل أغلالاً في رجليه، ولبس هذا الصوف وهذا المسوح وأخذ يتضرع ويبكي ويتهجد، وهو يقول: اللهم احشرني في حواصل الطير وأجواف السباع، قال: والله يا أمة الله ما جئت الكرة الثالثة إلا وفي منقار كل طير، وفي فم كل سبع قطعة من أشلاء ولدك، فقالت: الحمد لله الذي استجاب دعوته عله أن يكون شفيعاً لنا يوم القيامة.
بهذا أيها المسلمون! تنتصر الأمة، لا تنتصر الأمة بالأغاني أو بالمهرجانات أو بالفن أو بالطرب، أو بالتمثيل أو بالمسارح، أو بتلك الأمور التي خدرت المسلمين تخديراً طويلاً، وأولئك يلعنون ويسبون ويشتمون اليهود، وهم أذناب وعملاء لليهود.
إن الأمة في هذا الزمان تريد نفيراً عاماً كلٌ بما يستطيع، بنفسه وبماله، أليست امرأة قدمت ضفيرتها؟ ونحن ماذا قدمنا لـ فلسطين، وأفغانستان، والأكراد في حلبجة؟ ماذا قدمنا لشعوب العالم الإسلامي؟ كثيرٌ وكثيرٌ من المسلمين هم كل واحد منهم أن يملأ بطنه وأن يقر عينه وأن ينام هادئاً، وأن يصبح عادياً لم يغير شيئاً ولم يقدم غيره.
стр. 2601
النفير النفير
إن أمة الإسلام المستنفرة تحتاج شباباً لا يملئون مدرجات الكرة في المباريات، إن أمة الإسلامية المستنفرة لا تريد تجارة بالأفلام والملاهي، إن أمة الإسلام المستنفرة لا تريد اختلاطاً في دواوينها وتعليمها، إن أمة الإسلام المستنفرة تعني شباباً ولاؤهم لله، ونصرتهم لله، وقلوبهم لوجه الله، وعلى كتاب الله وسنة رسول الله، لا تريد شباباً تعلموا فنون الهوى، وألون المعاكسة، وأصناف المغازلة من التمثيليات والمسلسلات، إن أمة الإسلام تريد شباباً لم تحطمه الليالي، ولم يسلم إلى الخصم العرين، أما أولئك الذي يلعنون اليهود وهم يخدمونهم، أولئك الذين يسبون اليهود وهم يدعمونهم، أولئك الذين يلعنون اليهود وهم يغازلونهم غزلاً بعيداً، أولئك يصدق فيهم قول القائل:
وجوهكم أقنعةٌ بالغة المرونه
إذا لقيتهم يبتسمون
طلاؤها حصافةٌ وقعرها رعونه
صفق إبليس لها مندهشاً وباعكم فنونه
هذا الكلام لتلك القيادات البعثية والعلمانية التي فعلت بالمسلمين هذه الأفاعيل، وفعلت بشعوبهم هذه المآسي، وسلمت فلسطين لليهود.
صفق إبليس لها مندهشاً وباعكم فنونه
وقال: إني راحلٌ ما عاد لي دور هنا
دوري أنا أنتم ستلعبونه
ودارت الأدوار فوق أوجهٍ قاسيةٍ تعدلها من تحتكم ليونه
فكلما نام العدو بينكم رحتم تقرعونه
لكنكم تجرون ألف قرعة لمن ينام دونه
وغاية الخشونه
أن تندبوا: قم يا صلاح الدين
حتى اشتكى مرقده من حوله العفونه
كم مرة في العام توقظونه
كم مرة على جدار الجبن تجلدونه
فيطلب الأحياء من أمواتهم معونه
دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه
لأنه لو قام حقاً بينكم فسوف تقتلونه
لو قام صلاح الدين لقتلته تلك القيادات العميلة الخائنة.
فيا معاشر المؤمنين: لا ينبغي أن نقف هكذا مكتوفي الأيدي.
وقد يقول بعضكم: وما شأننا نحن معاشر المصلين بالسياسة؟ أقول: إن السياسة كما يقول الشيخ/ عبد الرحمن الدوسري ﵀، وهو عالم ما عرف قدره إلا يوم أن وُرِيَّ في التراب، كان يقول: لا إله إلا الله من لامها إلى هائها سياسة، ألا له الخلق والأمر، إن الذي نصلي له هو الذي أمرنا أن نحكم بكتابه وأن نتحاكم إلى شرعه، وأن نجري في جميع مجالات أمرنا على شرعه الذي رضيه وحفظه لنا.
فيا معاشر المؤمنين! ما هو دوركم؟ إن كل واحدٍ منا وكل مسلمٍ يسمع هذا الكلام، هذا الزمان أو بعد زمان نموت فيه يحمل كفلاً ووزراً من أوزار الأمة، يوم يعلم دوره ويعرف استهداف أمته، ولا يقدم صغيراً ولا كبيراً، طلقة في سبيل الله، تجهيز غازٍ في سبيل الله، دعوة إلى الله، كفالة يتيم، رعاية المؤمنين، البذل لهم، الجهاد بالأنفس معهم، هذا دورنا فهل نقوم به، نسأل الله جل وعلا ألا نكون من الذين خذلوا دينه وجنده وأولياءه.
فيا معاشر المؤمنين: أعدوا عدتكم، وإن الجبناء لا تطول أعمارهم، وإن الشجعان تدوم بهم الأيام بقدر الله ومنه.
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا تقطر الدما
ترددت أستبقى الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
تعاملوا مع الله، لا تخشوا أحداً غيره، اعرفوا عظمة الله، فكل عظمة دونه هينة، اعرفوا قدر الله، فكل قدر دونه ذليل، اعرفوا عظمة ربكم وقوة ربكم، وجبروت ربكم، والله لا يضركم كيد الأعداء شيئاً.
اللهم أعز الإسلام المسلمين، والله إننا نستحي أن نرفع أيدينا إلى الله وبيوتنا مليئة بالملاهي، والله إننا نستحي أن نرفع أيدينا إلى الله بأن ينصر الإسلام والمسلمين ونحن أول من يخالف الإسلام، والله إننا نستحي أن نرفع أيدينا إلى الله لكي يحفظنا ويرحمنا ونحن لا نعرف الصلاة في المساجد إلا قليلاً، والله إننا نستحي أن نرفع أكفنا إلى الله وأسواقنا مليئة بالمنكرات، وشوارعنا مليئة بالتبرج والسفور، وانقلابٌ في الموازين، حتى يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخلاً في شئون الآخرين، وتصبح المعصية ضرباً ولوناً من ألوان الحرية في هذا الزمان، لكن الله ذو رحمة واسعة، قال جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].
فلن تضيق عنا معاشر المذنبين والعصاة، والله لو أن العقوبات تنزل بمن فعلها جميعاً ما بقي لنا في هذه الأرض عين تطرف، ولكن نسأل الله أن يعاملنا بعفوه، نسأل الله أن يعاملنا بعفوه سبحانه، وبرحمته التي سبقت غضبه، وبرحمته التي وسعت كل شيء.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم إن كنت تعلم في حياتنا للإسلام خيراً فأحينا، اللهم إن كنت تعلم أن في بقائنا على الأرض خيراً فأبقنا، اللهم إن كان في موتنا خيراً للإسلام فاقبضنا، اللهم إن كان في موتنا خيراً للإسلام فتوفنا، اللهم لا تجعلنا شؤماً على الإسلام والمسلمين، اللهم لا تجعلنا مصيبة على الإسلام والمسلمين، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا.
اللهم اجمع شملنا بولاة أمورنا، اللهم قرب لهم بطانة خيرة صالحة، وجنبهم بطانة السوء يا رب العالمين، اللهم لا تفرح علينا ولا عليهم عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، ربنا إنك قلت وقولك الحق: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] اللهم لا تجعل لكافرٍ علينا سبيلاً، اللهم لا تجعل لفاجرٍ علينا سبيلاً، اللهم لا تجعل لمجرمٍ علينا سبيلاً.
اللهم توفنا وأنت راض عنا، اللهم نسألك الشهادة في سبيلك، اللهم أرق دماءنا كرامة لدينك، اللهم اسفك دماءنا كرامة لشرعك، اللهم توفنا وأنت راض عنا، اللهم اقبضنا وأنت راض عنا، اللهم لا تقبضنا على خزي ولا عار ولا معصية يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين، اللهم لا تفتنا في ديننا، وإن فتنتنا فثبتنا، ربنا لا تفتنا ولا تفتن بنا ولا تجعلنا فتنة للقوم الكافرين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم لا تدع لنا ذبناً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته.
معاشر المؤمنين: إن الجهاد في أفغانستان قد تعطلت كثير من أموره بسبب الأحداث في الخليج، وذلك لأن الكويت كانت رئة يتنفس منها جانب كبير من جوانب أعمال الإغاثة في الجهاد، فلما تعطلت بقي دوركم أنتم، وإني سائلكم بوجه الله الذي لا يسأل بوجهه إلا الجنة، وإني سائلكم بالله فمن سألكم بالله فأجيبوه، أن تجمعوا ما تستطيعوا بذله في الجمعة القادمة، فإني سأجمع لإخوانكم تبرعات أسأل الله أن يجعلها دفعاً لنا عن البلاء، اللهم ادفع بها البلاء عنا، واجعلها رحمة منك لنا، اللهم نسألك أن تتقبلها في خالص أعمالنا.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2602
واقع الدعوة في المجتمع الغربي
إن الناظر في حال الغرب وتمردهم عن أوامر الله ليدب اليأس إلى قلبه أن ينزل الإسلام في ساحة هؤلاء، لكن لو نظرنا إلى المراكز الإسلامية لعجبنا من قوة هذا الدين في انتشاره بين أبناء المجتمع الغربي، ومع ما فيه من إيجابيات إلا أن هناك ملاحظات ينتبه لها، لذلك لابد من دعوة المسلمين إلى الاهتمام بأمر المراكز الإسلامية في المجتمعات الغربية وما تحتاج إليه من مشايخ وطلاب علم، وتبصير في بعض القضايا الشائكة، والاهتمام بأمر المساجد والمراكز وغير ذلك.
стр. 2603
مقدمات ومسلمات لابد منها في الدعوة
الحمد لله الذي أعز المسلمين بالإسلام، ومهما أرادوا العزة بغيره أذلهم الله، الحمد لله الذي أعز عباده المؤمنين ونصر جنده المجاهدين، وخذل الشرك والمشركين، الحمد لله وحده؛ نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، الحمد لله منشئ السحاب، منزل الكتاب، هازم الأحزاب، لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه مآب، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو أهل الحمد وله الحمد كله، وإليه الحمد كله، جل ثناؤه، وعز سلطانه، سبحانه وتعالى عما يشركون.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، كان بأمته براً رءوفاً رحيماً، لم يعلم طريق خير إلا دل الأمة عليه، ولم يعلم سبيل شر إلا حذر الأمة منه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
معاشر المؤمنين! اتقوا الله تعالى حق التقوى فهي وصية الله لكم وللأولين والآخرين، وهي سفينة النجاة، وهي باب السعادة بين يدي رب العالمين: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المسلمين! كان الحديث في الجمعة الماضية عن نظرة المسلم إلى الكافرين النظرة الشرعية التي ينبغي أن ينظر بها المسلم إلى الكفار، فهي نظرة لا تصل إلى شيء من الإعجاب بحالهم أو مجتمعهم أو طباعهم أو أخلاقهم، بل البراءة والبغضاء والكراهية لمنكرهم وبهتانهم وإفكهم وكفرهم وباطلهم، وهي مع ذلك نظرة منصفة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
وهي نظرة منصفة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥].
وكذلك -أيها الأحبة- هي نصيحة لكل من أشرب قلبه حب الغرب فأعجب بهم، وأصبح هجيراه وديدنه الحديث عنهم، وتعلق بأفعالهم وطباعهم وسلوكهم، أولئك قوم صدق فيهم قول ربنا : ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٩] ثم جرى الحديث أو جرى الوعد أن يكون الحديث هذه الجمعة عن واقع الدعوة إلى الله في بلاد الغرب أو في البلاد الأمريكية، أو في البلاد الكافرة.
أيها الأحبة في الله! إن من المقدمات والمسلمات أن كل داع أو حريص أن يعمل أو ينشأ أو يؤسس عملاً دعوياً لابد أن يدرس البلاد وأهلها وطبعها وواقعها ومجتمعها، ثم بعد تحديده ماذا سيعمل يفكر كيف يعمل، إذ لا ينبغي لمسلم أن يبدأ بالعمل قبل الفكرة، لا ينبغي لأحد أن يشرع في عمل قبل أن يتفكر في غاية عمله، وباعث عمله، وطريقة عمله، وكيفية تقويم عمله هذا، إذ أن من صفات من لا يحمدون أعمالهم أن الفعل يسبق التفكير، والصواب أن الفكر والتدبر يسبق العمل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦] فلابد من التفكر، ولا بد من التدبر، ولابد بعد التفكر من الشروع بعد اختيار الوسيلة.
والأمر الآخر أن العمل مهما كانت مقاصده وغايته لابد أن تكون وسيلته شرعية، فإن الغاية لا تبرر الوسيلة كما هو الحال عند أرباب المكر والخديعة ممن يسمون أنفسهم بالسياسيين.
стр. 2604
ترويج الخمر وتأثيرها على المجتمع الغربي
أيها الأحبة في الله! هذا المجتمع الذي نتحدث عن الدعوة إلى الله جل وعلا فيه؛ مجتمع يعج بالخمر صباح مساء، فشربهم للخمور أكثر من شربهم للمياه، بل وإن الذين يتعاطونها ويشربونها هم من الصغار والشباب والذكور والإناث، وحسبكم أنها كما قال نبينا ﷺ أم الخبائث، أورثتهم تلك الخمرة حالات الاغتصاب، وحوادث السيارات، والسطو، والاغتيال، والعدوان والجريمة، ويداهم أوكت، وأفواههم نفخت، إذ أنك لا ترى شاشة تلفزيونية أو صحيفة أو مجلة إلا وهي تدعو وتبرز دعاية براقة مشوقة لذوي القلوب السقيمة تدعو إلى تعاطي الخمر، فهم يدعون إليها ويروجونها عبر كل وسيلة إعلامية، ثم بعد ذلك يقبل الصغار والكبار عليها، ثم بعد ذلك يبذلون أسباباً لمكافحة النتائج المختلفة من الجرائم وغيرها على إثر تعاطي الناس لتلك الخمرة.
فهناك واحد من كل ثلاثة سائقين يتسببون في مقتل أشخاص آخرين بسبب تعدي السرعة القانونية، ونصف المتهمين في القضايا الأخلاقية هم من المتعاطين المسرفين للخمور.
стр. 2605
موت الغيرة والإصابة بمرض الإيدز
ثم قادهم ذلك إلى موت الغيرة وكيف توجد غيرة عند كافر؟! لقد سجلت نسبة الارتفاع بمرض الإيدز هناك نسباً جاوزت المئات، ويتضاعف العدد في كل سنة أضعاف أضعاف ما سبق، وأكثر -بل ٩٠%- من الذين أصيبوا بهذا كان بسبب ما أدت إليه الخمر والمسكرات، حيث أن ٩٠% من مرضى الإيدز كانوا أصيبوا بالإسراف في ذلك والممارسات الجنسية غير المشروعة، وحينما نقول الإسراف فإننا لا نقول: إن التقليل من الخمر لا يسبب، فهي حرام قليلها وكثيرها صغيرها وكبيرها.
والآن أصبح ما يقارب عشرة ملايين نسمة يصابون بفيروس الإيدز وسيصلون إلى أعدادٍ مضاعفة.
وبعد ذلك فإن هذا قادهم إلى الانطلاق والجري الهائج وراء الشهوة الشاذة المسعورة وغيرها، فـ (٧٠%) من النساء اللائي يعملن مع الرجال يتعرضن للابتزاز من قبل رؤسائهن بل واعتدي على الكثير منهن على إثر الاغتصاب الجنسي ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 2606
ارتفاع درجات الاغتصاب
أما الاغتصاب بالتفاصيل فإن المسجد يجل وينزه عن ذكره، ولكن نشير إلى أرقام هي إشارات واللبيب بالإشارة يفهم اغتصب أمريكي ٢٣ فتاة خلال ٣ أشهر، والكثير منهم لا يحتاج إلى الاغتصاب لأن كل زاوية وطريق ومقهى وحانة واستراحة ما هي إلا مواعيد لضرب الصداقات وإيقاع الخيانات الزوجية، وفي أمريكا ارتفعت جرائم الاغتصاب بنسبة ١٢٤% والأعداد والنسب لا تزال في ازدياد وارتفاع.
بعد ذلك يوم أن انتشر الاغتصاب والإباحة الجنسية في بلادهم ابتلي أو حصل لكثير من النساء الحمل -الحبل الغير شرعي- فأقدموا على الإجهاض والتخلص من الأجنة: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير:٨] يحمل من الزنا نسبة تزيد عن ٢٠% من كل ١٠٠ امرأة، وحالات كثيرة من الإجهاض أكثر من هذا، مع أنهم تقدموا تقدماً باهراً في اختراع واكتشاف وسائل منع الحمل حتى لا يقعوا في نتائج الزنا والمعاشرات الجنسية.
أيها الأحبة! صدق ربنا حيث يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] بل إن كثيراً ممن يسمون أو يدعون برجال الدين والكنيسة عندهم ٨٠% منهم يمارسون الفاحشة والعياذ بالله سواء مع الراهبات أو مع الأحداث وغيرهم.
فإلى الذين يعجبون بالغرب، وإلى المخدوعين ببلاد الغرب ليقرءوا أرقاماً مختصرةً موجزةً عن الخطف والسرقة والعدوان، والاعتداء والبغاء والشذوذ والدعارة، والانتحار وما أدراك ما الانتحار، بل لقد وجد في بعض الجمعيات التي تساعد المنتحرين أو الراغبين في الانتحار أن يصلوا إلى النهاية في أسرع مدة زمنية مرغوبة مقصودة.
نعم لا غرابة أن ينتحروا فليس بين أعينهم نار يخافون منها أو جنة يرغبونها، أو رب يرجون رضوانه جل وعلا؛ حينئذ يكونون كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.
إنك يوم أن تريد أن تدعو إلى الله جل وعلا أو تؤسس عملاً إسلامياً في بلاد كهذه، الإباحة ميسرة، والخمور والمخدرات منتشرة، والجريمة مسيطرة فإنك تحار حيرة بالغة عظيمة.
стр. 2607
قوة انتشار الدين في المجتمعات الأمريكية
أيها الأحبة! على الرغم مما سمعتموه من الأرقام فإن بلاد الغرب وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية بها عدد كبير جداً من المساجد والمراكز الإسلامية، وهذا والله مؤشر على القوة الذاتية الفاعلة البالغة في هذا الدين، فإن انتشار الإسلام لا نعزوه بالدرجة الأولى إلى جهود المسلمين، بل نعزوه إلى القوة العظيمة التي بلغ بها الدين أنحاء الشرق وأنحاء الغرب على الرغم من فقر المسلمين، وقلة ذات أيديهم، وقلة حيلة أبنائه، وحسبك أن تعلم أن أكثر من (٨٠ أو ٧٠ %) من المسلمين هناك قد هاجروا فراراً بأنفسهم أو بحثاً عن لقمة عيش وغير ذلك.
стр. 2608
جهود المسلمين المهاجرين في نشر الإسلام
أيها الأحبة! وحينما نتكلم عن الإسلام هناك فإنك تتكلم عن جهود المهاجرين من المسلمين إلى تلك البلاد، وإن تسمية الأمر هجرة فيه نظر، فلنقل: عن جهود الذين سافروا إلى تلك البلاد، فمنهم من يأثم بسفره، ومنهم من يغنم ويؤجر بسفره، والبواعث تحدد، والمقاصد تحكم على هذا.
إن كثيراً من المسلمين تركوا بلادهم دولاً وبلداناً عربية؛ خاصة أيام الستينات التي شهدت عسفاً واستبداداً وطغياناً وظلماً وجبروتاً، في تلك الفترة وما بعدها هاجر كثير من المسلمين، منهم من بحث عن لقمة العيش، ومنهم من بحث عن الأمن والطمأنينة، ولا أمن ولا طمأنينة في تلك البلاد أيها الأحبة، وتبع هذا الانتقال أو هذا السفر أن هاجرت عقول إسلامية جبارة عظيمة عجيبة بلغت من الذكاء والعبقرية شأواً بعيداً، بلغت من الذكاء والعبقرية منزلة رفيعة، فأكبر ناطحة للسحاب في شيكاغو قد خططها أو كان المهندس لها مهندساً مسلماً، كذلك أطباء الجراحة وكثير من أطباء الفلك، وكثير من المخترعين والمكتشفين هم مسلمون يعودون إلى آباء مسلمين وأمهات مسلمات، بل وهم مسلمون إلا أن بعضهم قد نسي علاقته بالإسلام البتة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالعمل الإسلامي في بلاد الغرب تارة تراه عبارة عن نشاط مجموعة من جالية مهاجرة، وفي الغالب أن ترى الجالية تتركز في منطقة معينة، ففي كل بلد أو في كل ولاية ومدينة تجد أن مسلمين من بلد عربية أو إسلامية معينة يجتمعون هناك، فينشئون مسجداً ومركزاً إسلامياً يجمعون نفقاته من فتات موائدهم ومن باقي أجورهم على قلة ذات أيديهم، فإذا أسسوا هذا المسجد أو المركز كان مكاناً لتجمعهم، وأغلب هؤلاء يكون أثرهم أو يكون هدفهم المحافظة على كيانهم وخصائصهم واجتماعاتهم حتى لا يذوبوا في المجتمع وهيهات
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
стр. 2609
خطر العيش في بلاد الغرب
إن الذي يعيش في بلاد الغرب لعلى خطر عظيم، بل محقق مؤكد ما لم يتداركه الله بأن يشتغل بالطاعة حتى لا يشغل بالمعصية، وأن يشتغل بالدعوة حتى لا يدعى هو، وأن يعتني بأولاده حتى لا يذوبوا في المجتمع الكافر، إن كثيراً من المسلمين ذابوا في المجتمع الغربي كما يذوب الملح في الماء، وإليكم بعض هذه الأدلة والشواهد: في مدينة من المدن قابلت مسلماً لا يعرف أبناؤه شيئاً عن الله جل وعلا، ولا عن نبيه ﷺ ، ولا عن الإسلام وأحكامه! وآخر أولاده لا يقرءون الفاتحة، وآخر أبناؤه لا ينطقون بحرف عربي فضلاً عن كلمة عربية؛ والسبب أن الفكرة كانت في البداية مجرد انتقال إلى بلاد الغرب، ولم يأخذوا لها حسابها وحسبانها.
وحينئذ أتذكر وتتذكرون قول النبي ﷺ : (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين) قد يقول قائل خاصة في وقت يكون شغوفاً ولوعاً محباً أن ينتقل إلى تلك البلاد: إن هذا من الرجعية والتشدد والتخلف.
لكن من عاش ونظر وفكر وقدر، وقلب الرأي والبصر، وسأل الغادين والرائحين والمقيمين، بل والمتجنسين بالجنسيات الأمريكية هناك أدرك حقيقة هذا، فهذه مسلمة تستنجد بالمسلمين يوم أن دخل ولدها بصديقته الباغية الداعرة في بيتها، ويحميها القانون والبوليس وتحميها الشرطة من أن تمنع ولدها عن الدخول بزانيته! وآخر له بنت مسلمة تصادق فتىً كافراً ويحميها القانون من غيرة أبيها، ويحميها القانون من أن يمنعها والدها وأهلها من أن يعترض لماذا؟ لأن من شرط الحصول على الجنسية أن يؤدي المتجنس القسم للخضوع والالتزام والتقيد والانضباط بكل ما يمليه النظام والقانون، ولا يخرج ذلك المتجنس عنه أبداً.
لذا فإن كثيراً من المسلمين على الرغم من أن الجنسيات قد قدمت لهم وأغروا بها إغراءً إلا أنهم رفضوا ذلك، وقالوا: نصبر على البلاء والابتلاء؛ حتى يفرج الله أوضاع بلداننا، فنعود إليها قائدين فاتحين منتصرين.
стр. 2610
ملاحظات على العمل الإسلامي في أمريكا
стр. 2611
قلة المراكز والأنشطة
أيها الأحبة جزء من العمل الإسلامي أو الدعوة إلى الله تنحصر في نشاط الجاليات، وجزء آخر إنما هو نتيجة لجهود الهيئات والمؤسسات الإسلامية التي فتحت مكاتبها وأرسلت دعاتها، واجتهد مندوبوها في نشر الإسلام مع طباعة الكتب وتوزيع المنشورات والأشرطة وغير ذلك للتعريف بالإسلام، ولكن لا تزال النتائج قليلة، ولست بهذا متشائماً، بل وصف الواقع كما هو أمر مطلوب، ويوم أن نقول: قليلة إن هذا لا يعفينا من البذل في بناء كثير من المراكز والمساجد، وإن هذا لا يجعلنا نجد لأنفسنا مسوغاً أن ننتقدهم في بلاد آمنة مطمئنة، ونحن نتفرج على حاجاتهم وكرباتهم، وليس هذا بمسوغ أن نهزأ أو نسخر أو نقلل من الجهود، ولكن نقول: إن الحاجة ماسة إلى النظر في مناهج العمل.
стр. 2612
ندرة المنهج الشرعي الصحيح
أيها الأحبة في الله! إننا يوم أن نقول: هي نتيجة قليلة بأن العمل الإسلامي في بلاد الغرب خاصة إذا لم يجد منهجاً دقيقاً منضبطاً إنما هو كخط في البحر، إذاً فالحاجة ماسة جداً إلى أن ننظر إلى المناهج من جديد، إلى أن ننظر إلى المناهج التي يعمل بها في بلاد الغرب، وأقول هذا؛ لأن مما آلمني وجرح فؤادي أن عدداً من المراكز الإسلامية -مع شكرنا وتقديرنا ولا يسعنا في هذا المقام إلا ندعو للقائمين عليها بالسداد والتوفيق- إلا أن كثيراً من المراكز الإسلامية ليست على منهج شرعي صحيح، وإن قلت كثيراً لا أخشى أن أكون بالغت فقل: بعض أو النصف؛ لأن الحاجة ماسة إلى طلبة علم وعلماء وليس ثمة علماء في تلك البلاد، وهذا يحمل الدعاة ويحمل العلماء ويحمل المهتمين بالإسلام، ويحملنا هنا حكومة ووزارة وشعباً، وعلماء وأفراداً مسئولية عظيمة ما دمنا قبلة الإسلام للمسلمين، وما دمنا نحمل الصدارة للمسلمين في العالم.
стр. 2613
الانشغال بالقضايا السياسية وترك الأهم في الدعوة
أيها الأحبة في الله! إن من الغرائب والعجائب في بعض المراكز الإسلامية أن تجد شغلها الشاغل متابعة القضايا السياسية أولاً بأول، ويلج ويفد إلى المسجد أناس لا يحسنون الوضوء، وأناس لا يعرفون الصلاة، وأناس لا يحسنون الفاتحة، وأناس لا يعرفون قراءة القرآن، المهم أن يعرف الموقف من قضية سياسية قديمة أو حديثة قريبة أو بعيدة، وذات يوم وكنت أخطب الجمعة في مركز من المراكز في أورلاندو بعد نهايتها قام رجل يعلق -جزاه الله خيراً وأصلح شأني وشأنه- إذ به يريد أن ينقض الخطبة من أولها ليلفت المسلمين إلى قضية سياسية معاصرة وغير ذلك، حيث قال: ليس المهم أن نتحدث عن هذا فالناس يعرفون هذا، وما هو الذي ليس بمهم في نظره؟ الكلام عن العقيدة، والكلام عن متابعة النبي ﷺ ، ومسئولية المسلمين في المحافظة على أنفسهم وأبنائهم، ومسئولياتهم في الدعوة إلى الله لتوطين الإسلام في المجتمع الذين يعيشون فيه هذا ليس بمهم! أما المهم فهو تكفير الحكومات والحكام، وتكفير النظم والأنظمة، والكلام بكل شاردة وواردة غير منضبطة بضابط شرعي، ثم قلنا: وماذا بعد هذا؟ وفي تلك اللحظة إذ بنا نفاجأ بشاب مغربي من الله عليه بالتوبة والهداية من قبل مجيئنا جاء يريد أن يتعلم الصلاة، فإذا به لا يسمع إلا عراكاً وخصومة وجدالاً بين قضيتين، إن هذه الظاهرة وإن كانت بدأت تقل إلا أنها من مساوئ أو من سيئات وسلبيات بعض المراكز هناك.
المهم أن تعلم ما هي المواقف الساخنة الحديدية من غزة أريحا، أو كامب ديفيد، أو أي قضية سياسية، ونحن نقول ونردد هنا وهناك: ليست مهمة المسلمين أن يمدحوا الظلمة أو يعتذروا عن المخطئين والطواغيت، ولكن ليست -أيضاً- مهمتهم أن يصرفوا عقول وجهد وتفكير أبناء المسلمين -خاصة في تلك البلاد- إلى الانشغال بأخطاء هذه النظم والأنظمة، حاجة الناس أن يعبدوا الله وحده لا شريك له على بصيرة، حاجتهم أن يعرفوا كيف يطبقوا العبادة على متابعة شرعية دقيقة للنبي ﷺ ، ويوم القيامة لن يضيرهم أنهم ما عرفوا عدداً من أخطاء كثير من الأنظمة، وليس بسبب أن يعذبوا لأنهم جهلوا أحوال كثير من النظم والحكام والحكومات، ولكن من قصر في واجب أوجبه الله عليه من عبادة وفريضة، أو وقع في أمر نهى الله عنه من منكر ومعصية أو فاحشة، فإن ذلك يكون سبباً في عقوبته وعذابه.
هذه من القضايا التي أوصي نفسي وأوصي كثيراً ممن يذهبون إلى بلاد الغرب أن يعتنوا بها، أن يهتموا بأن يسرعوا وأن يشتغلوا مع الناس في تعبيدهم لله، مهمة الأنبياء: ما بعث موسى ليشتم فرعون وقارون وغير ذلك، وما بعث محمد ﷺ ليشتم أبا لهب وأبا جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط، لكن هذه قضايا ظهرت في الطريق أثناء تبليغ الدعوة، فكان للأنبياء مع الطغاة مواقف وهذا هو الواجب، ولا يسوغ هذا لأحد أن يعتذر عن ظالم أو طاغوت: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ [النساء:١٠٩] لكن باختصار وتأكيد ومزيد منه: إن قضيتنا أن نعبد الناس لله هنا وهناك وفي الشرق والغرب، قضيتنا هي قضية الأنبياء: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ومعنى يعبدون: أي يوحدون، تعميق التوحيد في نفوس المسلمين أمر عظيم، إذ أن مما يؤلمك أيضاً أن ترى قول الله قد تحقق في بعضهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] يقعون في الشرك أو في ذرائعه من حيث لا يشعرون.
ويا أيها الأحباب! إن واحداً من عوام هذا المجتمع الموحد ليفوق كثيراً من المسلمين في بلاد مختلفة، ولست بهذا أسفه أو أجهل أبناء المسلمين فهناك من هو خير منا، وفيهم من هو أقرب وأتقى وأعلم، وكل بحسب درجاته وعلمه وتقواه ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ولكن أن نعرف ما هي مهماتنا، مهماتنا التي لأجلها نزلت الكتب وشرعت الشرائع، وخلقت الخليقة، ووجدت الجنة والنار، ويقف الناس فيها للخصومة؛ إنما هي قضية التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له.
أيها الأحبة! هذا ما أحببت أن أقوله حتى تعلموا ما هو واقع الإسلام في بلاد الغرب؛ وحتى لا نحكم بالجفاء والتشاؤم الشديد على جهود إخواننا فلهم جهود جزاهم الله خيراً، ولو قال قائل:
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
لقلنا: صدقت وكنت من الصادقين، ولكن إن وجود العمل والجهود والأنشطة لا يعني أن نتباعد وأن نقول لك: مسلم أن الإيجابيات كذا وأن السلبيات والأخطاء كذا، من واجبنا أن نعمق مزيداً من الصواب والإيجابيات، وأن نكافح بالعمل والعلم والدعوة وحسن البلاغ، والجدال بالتي هي أحسن تلك السلبيات.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2614
لابد من صرف الجهود في دعوة السود في أمريكا
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة! إن قضية من القضايا المهمة والخطيرة في تلك البلاد، ومن الأمور التي ينبغي أن تصرف كثير من جهود الدعاة والغيورين إليها؛ ألا وهي قضية السود في أمريكا هذه طائفة أغلب المسلمين منها، وطائفة قريبة للإسلام، ويسمون أنفسهم بالمسلمين الأفارقة في عودة وبحث جاد عن الجذور، ما الذي جاء بأولئك إلى أمريكا، وقد ألف كتاب اسمه الجذور وكان قد لقي رواجاً عظيماً بينهم، يخبر المسلمين السود هناك بأنهم جاءت بهم السفن والأساطيل والبواخر الغربية إلى بلاد الغرب، وهناك عملوا سخرة وأذلاء واستعبدوا لبناء كثير وإنجاز كثير من خط البنية أو أسس التنمية هناك.
ثم بعد ذلك لا يجدون لأنفسهم مكاناً، بل ويجدون عنصرية واحتقاراً وازدراءً، حتى إن بعض المطاعم مثلاً يكتب عليها "ممنوع دخول الزنوج والكلاب" وبعضهم ربما سمحوا للكلاب ولم يسمحوا لهؤلاء بذلك، فهم يكرهون البيض، الكثير منهم يكرهون البيض.
الأمر الآخر: أنهم يجدون من البيض احتقاراً.
الأمر الثالث: أنهم يريدون أن يلتفوا على كيان واحد واجتماع واحد، كانت هذه القضية قد أشغلت فكر رجل اسمه أليجا محمد، وأصل اسمه: علي جاه محمد، هذا الرجل يقال إنه اعتنق الإسلام، ولكنه خبط وضل ضلالاً بعيداً حتى ادعى النبوة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم بعد ذلك ظهر من أتباعه رجل اسمه مالكم إكس هذا الرجل حج وزار المملكة منذ سنين، ثم بعد ذلك ظهر له أن قيادة السود تحت ذلك الرجل المسمى أليجا محمد أنها في ضلال وخبال، ونسبت أمور كثيرة ليست من الإسلام إليه، فالذي حصل منه أن انشق عنه وخرج عن خطه وتحسن شيئاً كثيراً.
ثم بعد ذلك استطاع بمنّ من الله وفضل ولدٌ لهذا الرجل الذي اسمه أليجا محمد واسمه وارث الدين محمد هو الذي قاد الحملة ضد أبيه، ومن نعم الله أن من قاد الحملة ضد ذلك الرجل هو ولده إذ لو قادها رجل آخر مثلاً من البيض أو من طائفة أخرى لقالوا: مكيدة أو مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين، فلما بين ذلك الابن ضلال أبيه وفساد منهج أبيه ترك الكثير من السود تلك الضلالات وعادوا إلى إسلام صحيح، هذا الرجل يتبعه قرابة المليون ونصف المليون ممن يهتمون بالإسلام على منهج صحيح، ولكن لقلة الدعاة وقلة العلم وقلة الإمكانيات تجد عندهم أخطاء كثيرة.
وإني أنصح من يهتم بالإسلام في الغرب أن يركز على السود تركيزاً عظيماً فإني أرى أنه سيكون لهم شأن بعد عشرين إلى ثلاثين سنة قادمة، سيكون لهم شأن في نشر الإسلام والدعوة إلى الإسلام هناك؛ لأجل ذلك من واجبنا أن نهتم بهم، لهم في الولايات المتحدة ما يقارب ثلاثمائة مسجد في أنحاء مختلفة بين صغير وكبير، ويلقون دعماً من المسلمين خاصة من هذه البلاد جزى الله من أعان على دعمهم ومن بذل في دعمهم خير الجزاء، ولكن لا يزال الدعم أقل بكثير من احتياجاتهم وكفاياتهم، وإننا يوم أن نقول علينا أن نهتم بالسود لا يعني ذلك أن نناصب البيض العداوة أو لا نلتفت إليهم ففي كثير من المراكز عدد من البيض بل ومنهم علماء، وأعرف عدداً منهم أحدهم كان زميلاً لنا في الجامعة اشتغل بالترجمة وتأليف الكتب عن الإسلام نفع الله به الإسلام والمسلمين، ولكن أولئك السود لهم أهمية بالغة وإقبال سريع، وحماس شديد، واستجابة عجيبة، وطواعية أعجب، حينما تؤثر عليهم وتمسكهم بالمنهج الصحيح من الإسلام فإنك ستجني ثمرة ذلك في توطيد الإسلام.
إن المهاجرين يوم أن يبنوا مركزاً -جزاهم الله خير الجزاء وأثابهم ونفع بهم وسددهم وحفظهم وذرياتهم- سيهاجرون يوماً، ولكن أبناء المجتمع الأمريكي الذين هم الأمريكان أصلاً، الذين يحميهم النظام والقانون في بعض القضايا ربما ضغطوا بقوة جنسياتهم ومواطنتهم على القانون فأجبروا هذه البلاد على المشاركة في تحمل شيء من نفقة المسجد أو تحمل شيء من نفقة المعلم، ومن استطاع أن يفقه قانونهم استطاع أن يصل إلى أحكام قانونية عليهم تجعلهم يخدمون الإسلام شيئاً ما.
стр. 2615
كيفية دعم الإسلام في أمريكا
стр. 2616
زيارة المراكز الإسلامية وتفقد شئونها في الدروس والحلقات
أيها الأحبة في الله! خلاصة هذا الكلام: لن تكون هذه الخطبة من أجل التعريف بالإسلام في أمريكا، ولكنك لن تستجيب لتوجيه أو إشارات أو إرشادات في دعم الإسلام إلا بعد أن تتصور واقع تلك البلاد، فكيف ندعم الإسلام هناك؟ الحاجة ماسة إلى زيارات دورية متتابعة لعدد من الدعاة والعلماء، وحينما تكون الزيارة لابد أن يوطن الداعية والعالم نفسه أن يسمع هجوماً، وأن يستمع اتهامات، وأن يسمع عبارات مؤلمة جارحة، في مركز من المراكز قال لي رجل: أنت وأمريكا وإسرائيل سواء، أنتم وأمريكا وإسرائيل سواء.
فكيف تجيب على مثل هذا؟ تجيب عليه بأن تدنيه وتمسح على صدره، وتبتسم بين عينيه، وتناقشه فقرة فقرة ونقطة نقطة حتى تزول الشبهة التي علقت به، إننا ما ذهبنا ملاكمين ولا مصارعين حتى نتهجم عليهم أو نقذفهم بالشتائم والسباب، وإنما الواجب أن تتحمل منهم الخطأ، وأن تترفق بهم، وأن تجادلهم بالتي هي أحسن، ولو اقتضى الأمر أن تصمت في حال لتجيبهم مرة أو تطرح القضية في حال أخرى لكان هذا أمراً حسناً، فحينما يذهب الداعية أو العالم أو طالب علم إلى هناك من واجبه أن يشتغل في الدعوة والتعليم، وأركز على التعليم بإقامة دروس وحلقات، إن محاضرة تلقيها وتمضي أو خطبة تخطبها وتمضي لا بأس بنفعها، ولكن ثبت أن الذي نفع بإذن الله تلك الحلقات والدورات التي أقامتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إذ غيرت كثيراً من أفكار بعض المنتسبين إلى تلك المراكز، وأصبح هم كثير منهم العودة إلى المنهج الصحيح بدلاً من الاشتغال بأشكال أو أمور لم تنفع الإسلام كثيراً وإن نفعت شيئاً قليلاً.
стр. 2617
ربطهم بالفتيا من العلماء المعتبرين
الأمر الآخر أيها الأحبة! بعد حاجتهم إلى الدروس والحلقات التعليمية حاجتهم إلى الفتيا، وليس الإنسان قادراً أن يفتيهم في كل مسألة حلت في بلادهم (وأجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) لذا كان من ألزم اللوازم أن من ذهب إلى هناك أن يجعل بينه وبين المراكز التي زارها خطاً مباشراً للاتصال المستمر، إذا أشكل عليهم شيء يعدهم بأن يعرضه على العلماء هنا والذين نحسبهم ولا نزكي على الله أحداً من أتقى علماء المسلمين على ظهر الأرض، لماذا نقول: لابد أن نربطهم بالفتيا هنا؟ لأن الفتوى جاهزة في المجتمع الأمريكي، الفتوى التي تعدت حتى المرونة إلى تقطع أجزاء الأحكام.
الأمر الآخر: الفتوى جاهزة في بلدان كثيرة مختلفة، حتى أباحت لبعض النساء أن تجمع بين صلاة الظهر والعصر عند الشاطئ لأن في أداء كل صلاة في وقتها مشقة، والمشقة تجلب التيسير فلا بأس للفتاة المسلمة حينما تسبح على الشاطئ أن تصلي الظهر والعصر جمعاً، ستعجب من ألوان الفتاوى وأشكالها؛ إذاً فمن ذهب إلى هناك فليربطهم بمن يعرف من العلماء الثقات، من العلماء الصالحين الذين يوثق بعلمهم سواءً في مصر أو في سوريا أو في لبنان أو في أي منطقة أو في المملكة خاصة بالدرجة الأولى، المهم نحن لا نتعصب لجنسية العالم بل نتعصب لعلمه وتقواه، فإذا وجد العالم الذي يتقي الله فاحرص أن يكون بينك وبين أولئك سبباً تربطهم به حتى يفتيهم في حاجاتهم وأسئلتهم، ونوازل تحل في أرضهم تحتاج من الفتوى بالدقيقة بل بالساعة وفي كل يوم.
وإنني أقترح أن يوجد لوزارة الشئون الإسلامية خط مجاني مباشر لكل مركز من المراكز الإسلامية، أن المركز من هناك يتصل ونحن الذين ندفع فاتورة الاتصال من أجل الإجابة على أسئلتهم وفتواهم من قبل علمائنا الأجلاء نفع الله بهم وجزاهم خير الجزاء.
стр. 2618
العناية بالمساجد والمراكز
الأمر الآخر -أيها الأحبة- العناية بالمساجد والمراكز، فحينما تسمع كلمة المسجد والمركز إنها في الغالب لا تعني أكثر من مساحة لا تتجاوز الخمسة أمتار في سبعة أمتار، ويسمى هذا بالمسجد، يجتمعون فيه يومي السبت والأحد، يدرسون أبناءهم جزاهم الله خير الجزاء اللغة العربية وشيئاً من أحكام الإسلام، ويضيق ويعج المسجد بهم حينما تكون خطبة الجمعة أو محاضرة أو ضيف زائر يقابلونه أو يسألونه ويستفيدون منه.
إذاً فالحاجة إلى مساعدتهم من أجل توسيع المساجد والعناية بها، وأهم من بناء المساجد والمراكز: القيادات.
قبل أن تبني مسجداً أو تتبنى مشروعاً في بناء مسجد أو الالتفاف إلى مسجد مهمل اسأل من الذي سيتولى المسجد، ربما بنيت مسجداً فتولاه فاجر يسب الصحابة، ربما بنيت مسجداً فتولاه قادياني مخرف، ربما بنيت مسجداً فتولاه صوفي مخلط، إذاً الحاجة قبل بناء المسجد أو المركز ماسة إلى أن تعرف من الذي سيقوم عليه، ومن الذي سيعتني به، وهناك طريقة جيدة: هي أن تربط المساجد التي تبنى من أموالنا أو بجهودنا أو بتبرعات المسلمين أمثالكم أن نربطها هنا، إما بالشئون الإسلامية بعد الإفتاء، أو أن نربطها بجمعية تسجل رسمياً في القانون أو في الحكومة الأمريكية لهذه الجمعية نظام يخضعها لمجلس الأمناء، هذا المجلس له الحق أن يختار الإمامة ويعزلهم، ويختار المؤذن ويعزله، وله أن يحدد المنهج والطريقة، ويأذن بالمحاضرة أو لا يأذن بها.
إنك تعجب في أن مركزاً من المراكز جاء فاجر يسب الصحابة يخطب في الجمعة، كيف حصل هذا؟! لما فقد ذلك المركز -وهذه نادرة وأندر من نادرة- مجلساً يعتني عناية دقيقة بالمنهج الصحيح سمح لمثل هذا أن يعتلي المنبر، إذاً فالحاجة ماسة ملحة إلى البحث عن الأئمة والقيادات، وإني أعتبر أن التحدي القائم والمواجهة الخطرة في هذه المرحلة خاصة في الدعوة هناك هي: البحث عن القدرات التي تتولى الإمامة والخطابة والتعليم والإفتاء والتدريس في تلك البلاد، وأين من كان يقول يوماً ما: إننا اكتفينا كفاية زادت عن الحد من خريجي المعاهد العلمية والكليات الشرعية وغيرها؟ إن من يسافر إلى بلاد الغرب يجد أننا بحاجة ماسة إلى أضعاف أضعاف الأعداد الموجودة من حملة الشهادات الشرعية والمعاهد العلمية؛ لأن العالم يحتاجنا، العالم يناديكم يا معاشر المسلمين، إن طالباً لا يملك إلا الكفاءة المتوسطة من المعاهد العلمية يصلح ويكون إماماً وخطيباً ومعلماً لكثير من الأحكام، لا تتصور حجم الجهل بالإسلام وأحكام الإسلام هناك، لذا إذا وجد من أبناء المسلمين خاصة ممن طلبوا العلم الشرعي في حلق الذكر عند ركب العلماء واستفادوا فإنهم يؤهلون بإذن الله إلى هناك، والمترجمون بفضل الله على قدرة وإمكانية أن ينقلوا المعلومة بكل سلامة ودقة.
стр. 2619
الحرص على توطين الإسلام في أهل البلد
الأمر الآخر: إن أولئك يحرصون على توطين الإسلام، بمعنى أن من تولى مركزاً أن يعتني بخمس أسر أمريكية ذات جنسية أمريكية مقيمة أصلاً في البلد فيعتني بها، يدعوها إلى الإسلام، يتكفل بحاجاتها حتى يمسكها بالدين، ثم بعد ذلك لا تسأل عن جهود هؤلاء في نشر الإسلام، يقومون به بإذن الله ، أما أن يكون العمل مجرد جماهيري وخطب وندوات ومحاضرات دون اهتمام موثوقٍ بهم من الأئمة والقيادات في توطين الإسلام وترسيخه بكل منطقة، فإنك تكون كمن يخط في بحر أو يزرع أو يبذر كثيراً من البذور على مسافة طويلة يموت قبل أن يجمع منها رغيف خبز يأكله ليدفع به خطر الجوع.
هذا فيما يتعلق بالمساجد: الحاجة ماسة إلى الأئمة والقيادات، ولا نشترط أن يكون الأئمة سعوديين، من عرفناه بسلامة المنهج وصحة المعتقد فما الذي يمنع أن نتعاقد معه ونرسله إلى هناك ليتولى هذا المركز ويكون عضواً معنا في رئاسة أو تكوين مجلس الأمناء الذي يدير ويوجه هذه المساجد؟ ثم إن الجمعية حينما تسجل بهذه الطريقة في تلك البلاد تكون معفية من الضرائب، وربما وجدت دعماً إلى حد ما، كما لقيت بعض الجمعيات دعماً لأجل نشاطها في السجون الأمريكية وتحذير الناس من المخدرات وغيرها.
стр. 2620
استيفاد أبناء المسلمين الأمريكان إلى المراكز الإسلامية العربية
وهنا نقطة مهمة في خدمة الإسلام هناك: أن نستقدم من أبناء المسلمين الأمريكان أنفسهم ليدرسوا الشريعة والعلوم الإسلامية هنا، وإن الحاجة ماسة إلى بذل المنح بالآلاف قبل المئات، الحاجة ماسة أن يمنح أولئك منحاً دراسية حتى يدرسوا هنا، فإن لم يتيسر أن يمنحوا هذه المنح بالآلاف والمئات فلن نعجز أن نستقدم واحداً -مثلاً- إذا رأيت أمريكياً صالحاً فيه خير فما الذي يمنعك أن تستقدمه لعقد عمل؟! يقوم بعمل يسير لمدة ساعات محددة ولكن المهمة الرئيسة له أن يحضر دروس العلماء هنا، تقول له: أنا استقدمك وعلى كفالتي إذا لم يجد منحة، إذا لم يجد الأمريكي منحة ليتعلم الإسلام هنا لا نعرف كيف نستقدمه الطريقة سهلة: أن نتفق معه على عقد عمل أن يكون سكرتير أو ناسخ آلة أو وظيفة من الوظائف العادية، ولكن يعلم أيضاً أن من مهمات قدومه أن يدرس الإسلام ويحفظ القرآن ويتقن الشريعة، من خلال برنامج نقدمه نقول: هذا برنامجك وهذا عملك كعملك في وظيفتك أو في مهمتك، في الفجر درس، وفي الصبح عمل، وفي الظهر راحة، وفي العصر درس وفي المغرب درس، يستمر على هذا لمدة سنتين ترده إلى بلاده عالماً يقود جماهير كثيرة من الأمريكان والعرب والمسلمين وغيرهم.
إذاً أيها الأحبة! بوسعنا أن نشارك، ويا ليت المسلمين يجتهدون في هذه القضية، إذ بهذا نوشك أن تتكون بين أيدينا جامعة أهلية، نعم إن ظروف الجامعات ونظمها وما يتعلق بها قد يحكمها في عدد المقبولين والذين يمنحون المنح، لكن ما الذي يمنع أن يكون عدد كبير من أولئك حينما يقدمون يرتبون في برامج معينة علمية ودراسة على المشايخ وتعليم اللغة العربية حتى ولو بجهد شخصي؟! وهذه قضية -أيها الإخوة- نحن فرطنا بها كثيراً خذ على سبيل المثال ولو خرجنا على قضيتنا قليلاً: كم عدد العمال الذين ينظفون المساجد؟ بعدد المساجد الموجودة بـ المملكة يوجد عمال ينظفون المساجد، فلو أن كل جماعة مسجد اهتموا -وهذا ما قصرت فيه أنا أولاً قبل غيري، لا تظنوا أن عاملنا هنا قد حفظ القرآن والسنة- بعاملهم فعلموه اللغة العربية، وزعوا الأدوار بينهم: أنت تعطيه درساً في العربية، وهذا يعطيه درساً في القرآن، وهذا يعطيه درساً في أحكام الإسلام، بعد أن ينتهي عقده والذي يبلغ مدة سنتين يعود إلى الهند أو إلى بنجلادش أو إلى سيلان أو غيرها يعود إماماً وداعية وعالماً ينفع المسلمين هناك هذا لو كان الإسلام يهمنا كثيراً.
أيضاً مما يحتاجه المسلمون هناك أن يفرغ المؤهلون، فإني عجبت من زميل درس معي بالكلية لما وجدته يعمل في وظيفة برمجة الكمبيوتر وهو قادر على أن يتفرغ ويعطي للترجمة والدعوة أمراً كثيراً، فحينما يوجد من أبناء الأمريكان المسلمين سواءً حصلوا هذا بالدراسة هنا أو حصلوه بعلمهم هناك ما الذي يمنع أن يفرغوا إلى أعمال الدعوة وأعمال الترجمة ففي هذا خير عظيم؟
стр. 2621
نشر الكتب الكبيرة في التعريف عن الإسلام
حاجتهم أيضاً إلى الكتب التي تتحدث عن الإسلام، إن العجب أن تجد مجرد مطويات أو نشرات أو كتيبات تتحدث عن الإسلام، أما المطولات عن الإسلام، كتب كاملة عن الإسلام سواءً في تفسير القرآن العظيم كاملاً، أو في الفقه الشرعي كاملاً، أو في حاجات المسلمين المختلفة كاملة؛ فإن هذا يكون أندر من النادر، وفرحت ذات يوم لما وجدت كتاباً عن الإسلام من أول أحكام الشريعة إلى آخرها فلما قلبت النظر فيه إذ فيه من البدع وفيه من المصائب، وفيه من الأمور التي تفضي -ولا حول ولا قوة إلا بالله- إلى ما لا تحمد عاقبته.
كذلك حاجة الناس عامة هناك إلى أن تصحح معلوماتهم عن الإسلام، الأمريكان لا يعرفون الإسلام إلا أنه اختطاف وقتل وإرهاب وأمور عظيمة صورها الإعلام وصورها الظالمون، فحاجتنا ماسة لإيجاد محطات إسلامية متخصصة للبث عن الإسلام، وهذا ما استبشرت به يوم أن علمت أن واحداً من المسلمين أو من أبناء المسلمين جزاه الله خير الجزاء قد حرص على أن يؤسس عملاً كهذا، يوجد في بعض القنوات برامج في ساعات محددة بالإيجار للتعريف بالإسلام، ولكن حينما تكون محطة كاملة عن الإسلام باللغة التي يفهمها القوم فإن ذلك سيؤثر بإذن الله، وكما قال رسول الله ﷺ : (والله ليتمن الله هذا الأمر، وليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل) حتى لا يقول قائل: إن هذه من الأماني العذبة والأحلام الخيالية لا، بل نتكلم اليوم ونحن على ثقة أن رايات التوحيد سترفرف في كل بقعة من بقاع الأرض أياً كانت يهودية أو نصرانية أو شيوعية أو بوذية.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا وأمراءنا ودعاتنا، ووفقنا جميعاً إلى طاعتك، ربنا لا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر المجاهدين في كل مكان، وسدد رصاصهم واجمع شملهم ووحد صفهم، وانصرهم على أعدائهم، ربنا لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا صلاح إلا قضيتها، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذرية صالحة وهبته بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وأقم الصلاة.
стр. 2622
واقع المسلمين اليوم
قد يعيش المرء هانئ البال، مستريح النفس، متمتعاً بالنعم، وقد يعيش على العكس تماماً من ذلك، فيتكدر باله، وتتشتت أموره، وتغتم نفسه.
وما يعيشه المسلمون اليوم إنما هو جزء مما سبق، وخاصة ما يعانيه إخواننا في أراضي الجهاد، والواجب على كل من يؤمن بقوله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان) أن يبرهن على ذلك بأن يشد من أزر إخوانه هناك مادياً ومعنوياً، أو الدعاء فهو سهام لا تخطئ هدفها.
стр. 2623
غفلتنا أدت إلى مصائبنا المتلاحقة
الحمد لله مغيث المستغيثين، ونصير الضعفاء والمكروبين، وقاصم الطغاة والمتجبرين.
أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الواحد المتفرد بالكمال والجمال، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشبيه، وعن الند، وعن المثيل، وعن النظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلَّى الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من اقتفى أثرهم واتبع هداهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي سبب غيث القلوب، وهي سبب غيث البلاد والبهائم والعباد، وهي أمر الله جلَّ وعَلا للمؤمنين في مُحكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
أما بعد:
стр. 2624
غفلتنا عن الشرع والتفاتنا إلى النعم
فيا عباد الله: إن المتأمل لأحوال المسلمين في أصقاع المعمورة، والمتدبر لجوانب معايشهم وحياتهم، وتعليمهم واقتصادهم، وعلاقاتهم ومعاملاتهم لَيَجِد أن المسلمين مستضعفون في عامة البلاد إلا في هذه البلاد ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤].
ولكن ما السبب في ذلك يا عباد الله؟! المسلمون في غالب الأحوال مشردون، والمسلمون في غالب الأحيان يُقْتلون، وأطفالُهم ييتمون، ونساؤهم تُرَمَّل، فما السبب في ذلك يا عباد الله؟! أهو أمْرٌ جَنَوه على أنفسهم؟! ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]! أهو أمْرٌ بسبب تقصير المسلمين وتفريطهم في حق إخوانهم؟! أهو عدمُ التفاتٍ لقول النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
نعم هذا واقع يا عباد الله، نحن منشغلون غافلون عن هذا الحديث! أهو عدم التفات لقول النبي ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
وشبَّكَ النبي ﷺ بين أصابعه).
نعم، نحن في غفلة في شهواتنا! نحن في غفلة في ألوان ملذاتنا! نحن في غفلة وسكرة من هذه النعم التي بأيدينا! نحن في غفلة في ذلك كله عن هذا الحديث! نحن في غفلة عن الأثر الذي يُروى عن النبي ﷺ : (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أمسى وأصبح غافلاً عن شأن المسلمين فليس منهم).
نحن في غفلة عظيمة، وسكرة كبيرة عن ذلك كله! وما سبب هذه الغفلة؟! ألأَنَّا نستحق النعمة، وغيرنا يستحقون العذاب؟! ألأَنَّا نستحق العزة، وغيرنا يستحقون الذلة؟! لا وربي، لا والله، إنما ابتلى الله بعض العباد وما ابتلى غيرهم.
ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
نسأل الله ألا تكون استدراجاً لنا.
стр. 2625
جملة من مصائب المسلمين بسبب غفلتهم
يا معاشر المسلمين: إن واقع المسلمين في كثير من البلدان يشهد بذلك، ولو أردتُم أن نذكر قليلاً من الأمثلة لوجدنا القتل والتشريد، ورُخْص الدماء، وهُوْن الرقاب على الأنفس في مذابح المسلمين في الهند في آسام.
في مذبحة المسلمين في سوريا، وما نسيها مسلم ولن ننساها، ونقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، لا ينسى مسلم قتل ثلاثين ألف نفس في مذبحة واحدة.
ولا ينسى مسلم مذابح المسلمين في فلسطين؛ في دير ياسين، وفي صبرا وشاتيلا، وبرج البراجمة، وغيرها من المذابح التي استهدفت أرواح المسلمين، خاصة السُّنَّة منهم.
ما السبب في ذلك يا عباد الله؟! تأملوا وتدبروا، وإليكم مزيداً من حوادث المسلمين في ذلهم وضعفهم: في أفغانستان قُتل ما يربو على مليون وثلاثمائة ألف شهيد، يقول زعيم اتحاد المجاهدين/ سياف: لقد بنينا سداً منيعاً من جماجم الشهداء، نعم قدموا أرواحاً، وقدموا نفوساًَ، وشُرِّد أطفال، ورُمِّل نساء، وضُيِّعت منازل، وأحرقت الزروع، وما ذلك إلا كما يقول الله جلَّ وعَلا: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٨ - ٩].
وفي مقابل هذه الأوضاع الحزينة التي تجعل القلوب تبكي دماً نجد كثيراً من المسلمين في غفلة من هذا، يصبحون ويمسون، ويأكلون ويشربون وينكحون، كأنهم ما خلقوا إلا لهذا، وقد نسوا أمر الله جلَّ وعَلا لهم بعبادته، وقد نسوا أمر الله جلَّ وعَلا لهم في التفاتهم، وفي تحملهم المسئولية في شأن إخوانهم المسلمين في كل مكان.
فإذا أردت أن تقارن بين هذين الحالين: أقوام في جحيم، وأقوام في حروب، وأقوام في عذاب، وآخرون في غفلات، وشهوات، ولذات -نسأل الله جلَّ وعَلا أن يرد الجميع إليه رداً جميلاً- يصدق عليهم قول القائل:
قلب يئن ودمعة تترقرقُ ودمٌ ينِزُّ وأمة تتمزقُ
وطنٌ تجوسُ الطائراتُ سماءَه والخمر في ساحاته يتدفقُ
تنبهوا لذلك يا عباد الله، واعلموا أنكم لستم ذوو فضل ومزية على غيركم من المسلمين إلا بتقوى الله، وبطاعته، وبحسن التمسك بالعقيدة، وقد يكون ما لديكم من النعم استدراجاً.
نسأل الله ألا يعذبنا بذنوبنا.
стр. 2626
واجبنا لدفع غفلتنا
عباد الله: إن واجبنا ألا نعيش عيش البهائم! فإن أردنا أن نأكل طعاماًَ لذيذاً نظيفاً تذكرنا أقواماً يأكلون طعاماً كَدِراًَ! وإن لبسنا ثياباً جميلة جديدة تذكرنا أقواماً وفئات يلبسون ثياباً خَلِقَةً ممزقة! وإن ركبنا مراكب فارهة، وسكنا مساكن عالية؛ فإن الكثير يركبون الدواب، ويمشون حفاة عراة، ولا يجدون إلى راحة العيش سبيلاً! وإن أردنا أن نبيت آمنين مطمئنين تذكرنا أناساً يبيتون تحت قذائف الطائرات، ومدافع الدبابات، وأصوات المتفجرات، لا يهدأ لهم بال، ولا يلذ لهم نوم، ولا يقر لهم قرار! فنحن مسئولون عن إخواننا في كل مكان، مسئولون عن ذلك كله؛ لأنهم إخواننا في الإسلام؛ ولأننا وإياهم كما شبَّهنا المصطفى ﷺ : (كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضاً.
وشَبَكَ بين أصابعه).
فأين التشبُّك والتلاحم والترابط حتى في أدنى اليسير، وأقل القليل لبذل المعونة وتذكر حالهم، والدعاء لهم.
نسأل الله جلَّ وعَلا أن يرفع المحنة عنهم، وأن يهلك عدونا وعدوهم.
اللهم ثبتهم، اللهم انصرهم على عدوهم، اللهم سدِّد رصاصهم في نحور أعدائهم، بقدرتك يا جبار السماوات والأرض! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، وتوبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً ويرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم.
стр. 2627
واقع الجهاد على أرض الأفغان
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن أقدامكم وجسومكم على وهج النار لا تقوى.
اعلموا -يرحمكم الله- أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
стр. 2628
المجاهدون يلقون الشدائد
عباد الله: إن أردنا أن نخصص واقعة معينة من أشد ما يواجه المسلمين في هذه الأيام، ومنذ أعوام مضت، وجدنا فئة مجاهدة صابرة، قد ابتليت في عقر دارها بعدو ملحد لدود، يملك أقوى الطائرات والمدافع والدبابات، ويناصف القوى العالمية ممالكها وقواها في كل سباق التسلح، وما تطور من أجهزة الحروب.
وجدنا إخواناً لنا في أفغانستان يقاتلون الروس، وهم الذين يُعتبرون من أمهر الجيوش في حروب الشتاء في هذه الأيام.
تتكاثف الوطأة على إخواننا المجاهدين، والروس يخرجون من القلاع المحصنة، ويعدون العدة لضرب المسلمين في هذا البرد القارس، وفي الزمهرير الشديد، يعدون العدة لضربهم على رءوس الجبال، وقمم الثلوج، يعدون العدة لضربهم، وهم لا يملكون عتاداً ولا سلاحاً، إلا ما تيسر من قديم السلاح والعتاد، وما غنموه من نحور أعدائهم.
عباد الله: إن إخوانكم المجاهدين في أفغانستان لفي واقعة من أهم الوقائع التي لا ينبغي لمسلم أن يغفل عنها، ولا ينبغي لمسلم أن ينساها، وينبغي له أن يتذكر كل نعمة في صباحه أو مسائه، في ذهابه أو إيابه، أن يقارنهم بها، وأن يشعر عِظَم حاجتهم إلى ما هو فيه من النعمة، فإن لم يكن ذلك فلا أقل من بذل المعونة، ومد يد النصرة، واستنفار النفس قليلها وكثيرها لمد العون، ولمساعدتهم هناك.
إنهم يعيشون حرباً شديدة شعواء.
وإن كنا نسمع عن الأخبار الرياضية في مختلف ألوان البلاد، ونسمع عن مسابقات الجمال، ونسمع عن كل المهاترات والسخافات؛ إلا أننا لا نسمع إلا القليل القليل عن أخبار إخواننا المجاهدين، والكثير منا في غفلة عن حالهم، وإلا فمن أراد أن يتتبع حالهم، وأكثر السؤال عنهم، فسيجد الإجابة المحزنة، والإجابة المريرة التي تجعل القلوب تنجرح دماً لما هم فيه من البلاء.
стр. 2629
جرائم الروس وثبات الأفغان
إن الروس أعداء الله ورسوله يوم أن دخلوا قرية غزنة، وقد فعل المجاهدون فيهم فعلة عظيمة، دخلوا تلك القرية وأخذوا الشيوخ العجائز الكبار، وجرَّدوهم من ثيابهم، وصعدوا بهم في الطائرات، ورموهم على قمم الجبال، وعلى الأرض من بعد سحيق.
انظروا ماذا يفعل أعداء الله وأعداء رسوله بإخوانكم! إنهم إذا دمَّر المجاهدون لهم سرباً من الدبابات، أو شيئاً من الغنيمة غنموه منهم، دخلوا على أقرب قرية للأبرياء العزل، فجردوا الفتيات، واغتصبوهن في أعراضهن، ثم بقروا بطون الحوامل منهن، ثم صعدوا بمن شاءوا في الطائرات، وألقوهم من شواهق الجبال، ثم التفتوا إلى المواشي والزروع، فأحرقوها دماراً وهلاكاً عليهم وعلى المجاهدين.
فحسبنا الله ونعم الوكيل! إن المجاهدين إذا فعلوا بهم فعلة ناجحة قوية دخلوا إلى إحدى القرى وأخذوا يذبحون الناس فيها ذبح الشياه، يُجْرُون السكاكين على رقابهم، والصغار والنساء والكبار لا يملكون إلا أن يرفسوا بأرجلهم كما ترفس البهيمة التي ذاقت ألم الذبح من مُرِّ السكين.
فأي واقع لإخوانكم المسلمين أنتم غافلون عنه؟! نسأل الله جلَّ وعَلا أن يكشف ما بهم، نسأل الله أن يهلك عدوهم.
ومع ذلك فكما أسلفتُ لكم قدَّموا مليوناً من الشهداء وثلاثمائة ألف شهيد، كلهم لقوا ربهم.
نسأل الله أن يجعلهم من الشهداء، وأن يجعل عملهم خالصاً لوجهه، وأن يكونوا سبباً لنصرة إخوانهم مِن بعدِهم.
مع ذلك كله وما قدَّموه فإخوانكم يزدادون صلابة، وإذا اشتد البرد اشتدت نفوسهم للجهاد، وإذا حمي الوطيس حَمَت قلوبهم على الزناد، واشتدوا في حرب أعداء الله ورسوله.
يحدثني أحد الذين جاهدوا هناك، يقول: والله إنهم ليفرحون بالشهادة.
يقول: كنتُ في مدفعية مع اثنين من المجاهدين، وواحدٌ منهم اسمه: نَوَّاب، وكان يطلق قذائف متتالية، أطلق قذيفة أولى وثانية وثالثة، فلم نلبث إلا أن جاءته قذيفة على قلبه، فانطوى على نفسه، من مُرِّ الحادثة وحرها على بدنه، وأخذ يتلوى من شدة الألم؛ ولكنه يقول: والله لا يئن، ويرى ذلك ضَعفاً واستكانة، فلم يقل إلا سبحان الله، الحمد لله، أخذ يرددها حتى فاضت روحه إلى باريها، هذا نموذج من نماذج الثابتين المصرِّين على الجهاد.
نسأل الله جلَّ وعَلا أن يثبتهم، وأن يحتسب لهم ما قدَّموه في الآخرة.
عباد الله: إن أعداء الله الروس الشيوعيين يخططون لحرب طويلة المدى، فلا تنقطعوا عن معونة إخوانكم، إنهم يأخذون الصغار والأطفال الذين لم يميزوا ولم يلتفتوا، فيذهبون بهم هناك، ويدربونهم في معسكرات الجيوش؛ لكي يعودوا حرباً على أمهاتهم وآبائهم وإخوانهم هناك، كل ذلك تخطيطاً لحرب طويلة المدى.
نسأل الله جلَّ وعَلا أن يشفي مرضى المجاهدين، وألا يعذبنا ويعذبهم بسبب ذنوبنا.
ونسأل الله جلَّ وعَلا أن يرفع المحنة عنهم.
стр. 2630
ما يعانيه الجهاد على أرض الأفغان
أيها الأحبة: إن هناك مصائب عدة يواجهونها بسبب قلة ذات اليد؛ أكلهم قليل، يأكلون اليابس من الخبز، والملابس قليلة خاصة في هذا الشتاء.
بعد هذا المطر الذي أصابكم البارحة توافد الناس إلى الأسواق وجمعوا ما جمعوا من الملابس الصوفية، في داخل أبدانهم وخارجها، وأخذوا يلبسون ويُعِدُّون ويستدفئون! فمن بالدفء لإخوانكم؟! من الذي يقدم لهم ما يستدفئون به؟! ومن يقدم لهم ما يأكلونه ويشربونه؟! ومن يقدم لهم ما يطلقونه رصاصاً في نحور أعدائهم؟! إنهم يواجهون وعورة الطرق، ينقلون العتاد على البهائم، على البغال والحمير، يقول أحدهم: والله لقد رأيتُ بعيراً سقط بحمله الذي عليه؛ لأن الطرق والمسالك الجبلية وعرة ضيقة جداً، فإن أقسى حالات الحرب وأمرها ظروفاً يعيشها إخوانكم المجاهدون، يسيرون على الأقدام أياماً طويلة، ومع ذلك يتقبلون كل ذلك بصدور رحبة.
واعلموا أن أعداء الله ورسوله من الشيوعيين والصليبيين وغيرهم يريدون أن يقضوا على هذه الثلة المجاهدة، ولذلك فإن بعضهم وإن كانوا يتسمون بجمعيات الصليب الأحمر، أو لإنقاذ الغرقى والهدمى وغيرهم، ومن أصيب من المجاهدين، يحاولون أن يفتحوا مستشفيات هناك، فإذا جاء من علموا من حاله ومكانه بين المجاهدين، وفيه جُرح في يده قطعوا يده كلها، أو جُرح في رجله بتروا ساقه كلها، يريدون أن يعيقوا مسيرة الجهاد.
وما وقفوا عند هذا الحد، بل إن الروس أعداء الله والعملاء الخونة والمنافقين الذين يوالونهم قد أرسلوا من أرسلوا ليدخلوا في صفوف المجاهدين، وليشوهوا صورة المجاهدين، وليبينوا للناس أنهم لا يجاهدون لله، وهذا كذب وافتراء وزور وبهتان، ومن تحمل ذلك أو قاله فإنه لا يبالي بملايين الشهداء.
أخذوا يدسُّون العملاء؛ ليعرفوا من هم القادة بين المجاهدين، وليدبروا لاغتيالهم في صفوف الجهاد؛ نظراً لقلة ما في أيدي المجاهدين، واستغلالاً لضعف إيمان أولئك.
إن حاجة إخوانكم منذ زمن طويل وهي مريرة في جهادهم هذا، وفي دخول موسم الشتاء يزداد الألم مرارة، ويزداد الأمر حسرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
следующие страницы →