← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

واجبنا لدفع غفلتنا عباد الله: إن واجبنا ألا نعيش عيش البهائم! فإن أردنا أن نأكل طعاماًَ لذيذاً نظيفاً تذكرنا أقواماً يأكلون طعاماً كَدِراًَ! وإن لبسنا ثياباً جميلة جديدة تذكرنا أقواماً وفئات يلبسون ثياباً خَلِقَةً ممزقة! وإن ركبنا مراكب فارهة، وسكنا مساكن عالية؛ فإن الكثير يركبون الدواب، ويمشون حفاة عراة، ولا يجدون إلى راحة العيش سبيلاً! وإن أردنا أن نبيت آمنين مطمئنين تذكرنا أناساً يبيتون تحت قذائف الطائرات، ومدافع الدبابات، وأصوات المتفجرات، لا يهدأ لهم بال، ولا يلذ لهم نوم، ولا يقر لهم قرار! فنحن مسئولون عن إخواننا في كل مكان، مسئولون عن ذلك كله؛ لأنهم إخواننا في الإسلام؛ ولأننا وإياهم كما شبَّهنا المصطفى ﷺ : (كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضاً. وشَبَكَ بين أصابعه). فأين التشبُّك والتلاحم والترابط حتى في أدنى اليسير، وأقل القليل لبذل المعونة وتذكر حالهم، والدعاء لهم. نسأل الله جلَّ وعَلا أن يرفع المحنة عنهم، وأن يهلك عدونا وعدوهم. اللهم ثبتهم، اللهم انصرهم على عدوهم، اللهم سدِّد رصاصهم في نحور أعدائهم، بقدرتك يا جبار السماوات والأرض! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، وتوبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً ويرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم.

стр. 2627

واقع الجهاد على أرض الأفغان الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن أقدامكم وجسومكم على وهج النار لا تقوى. اعلموا -يرحمكم الله- أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

стр. 2628

المجاهدون يلقون الشدائد عباد الله: إن أردنا أن نخصص واقعة معينة من أشد ما يواجه المسلمين في هذه الأيام، ومنذ أعوام مضت، وجدنا فئة مجاهدة صابرة، قد ابتليت في عقر دارها بعدو ملحد لدود، يملك أقوى الطائرات والمدافع والدبابات، ويناصف القوى العالمية ممالكها وقواها في كل سباق التسلح، وما تطور من أجهزة الحروب. وجدنا إخواناً لنا في أفغانستان يقاتلون الروس، وهم الذين يُعتبرون من أمهر الجيوش في حروب الشتاء في هذه الأيام. تتكاثف الوطأة على إخواننا المجاهدين، والروس يخرجون من القلاع المحصنة، ويعدون العدة لضرب المسلمين في هذا البرد القارس، وفي الزمهرير الشديد، يعدون العدة لضربهم على رءوس الجبال، وقمم الثلوج، يعدون العدة لضربهم، وهم لا يملكون عتاداً ولا سلاحاً، إلا ما تيسر من قديم السلاح والعتاد، وما غنموه من نحور أعدائهم. عباد الله: إن إخوانكم المجاهدين في أفغانستان لفي واقعة من أهم الوقائع التي لا ينبغي لمسلم أن يغفل عنها، ولا ينبغي لمسلم أن ينساها، وينبغي له أن يتذكر كل نعمة في صباحه أو مسائه، في ذهابه أو إيابه، أن يقارنهم بها، وأن يشعر عِظَم حاجتهم إلى ما هو فيه من النعمة، فإن لم يكن ذلك فلا أقل من بذل المعونة، ومد يد النصرة، واستنفار النفس قليلها وكثيرها لمد العون، ولمساعدتهم هناك. إنهم يعيشون حرباً شديدة شعواء. وإن كنا نسمع عن الأخبار الرياضية في مختلف ألوان البلاد، ونسمع عن مسابقات الجمال، ونسمع عن كل المهاترات والسخافات؛ إلا أننا لا نسمع إلا القليل القليل عن أخبار إخواننا المجاهدين، والكثير منا في غفلة عن حالهم، وإلا فمن أراد أن يتتبع حالهم، وأكثر السؤال عنهم، فسيجد الإجابة المحزنة، والإجابة المريرة التي تجعل القلوب تنجرح دماً لما هم فيه من البلاء.

стр. 2629

جرائم الروس وثبات الأفغان إن الروس أعداء الله ورسوله يوم أن دخلوا قرية غزنة، وقد فعل المجاهدون فيهم فعلة عظيمة، دخلوا تلك القرية وأخذوا الشيوخ العجائز الكبار، وجرَّدوهم من ثيابهم، وصعدوا بهم في الطائرات، ورموهم على قمم الجبال، وعلى الأرض من بعد سحيق. انظروا ماذا يفعل أعداء الله وأعداء رسوله بإخوانكم! إنهم إذا دمَّر المجاهدون لهم سرباً من الدبابات، أو شيئاً من الغنيمة غنموه منهم، دخلوا على أقرب قرية للأبرياء العزل، فجردوا الفتيات، واغتصبوهن في أعراضهن، ثم بقروا بطون الحوامل منهن، ثم صعدوا بمن شاءوا في الطائرات، وألقوهم من شواهق الجبال، ثم التفتوا إلى المواشي والزروع، فأحرقوها دماراً وهلاكاً عليهم وعلى المجاهدين. فحسبنا الله ونعم الوكيل! إن المجاهدين إذا فعلوا بهم فعلة ناجحة قوية دخلوا إلى إحدى القرى وأخذوا يذبحون الناس فيها ذبح الشياه، يُجْرُون السكاكين على رقابهم، والصغار والنساء والكبار لا يملكون إلا أن يرفسوا بأرجلهم كما ترفس البهيمة التي ذاقت ألم الذبح من مُرِّ السكين. فأي واقع لإخوانكم المسلمين أنتم غافلون عنه؟! نسأل الله جلَّ وعَلا أن يكشف ما بهم، نسأل الله أن يهلك عدوهم. ومع ذلك فكما أسلفتُ لكم قدَّموا مليوناً من الشهداء وثلاثمائة ألف شهيد، كلهم لقوا ربهم. نسأل الله أن يجعلهم من الشهداء، وأن يجعل عملهم خالصاً لوجهه، وأن يكونوا سبباً لنصرة إخوانهم مِن بعدِهم. مع ذلك كله وما قدَّموه فإخوانكم يزدادون صلابة، وإذا اشتد البرد اشتدت نفوسهم للجهاد، وإذا حمي الوطيس حَمَت قلوبهم على الزناد، واشتدوا في حرب أعداء الله ورسوله. يحدثني أحد الذين جاهدوا هناك، يقول: والله إنهم ليفرحون بالشهادة. يقول: كنتُ في مدفعية مع اثنين من المجاهدين، وواحدٌ منهم اسمه: نَوَّاب، وكان يطلق قذائف متتالية، أطلق قذيفة أولى وثانية وثالثة، فلم نلبث إلا أن جاءته قذيفة على قلبه، فانطوى على نفسه، من مُرِّ الحادثة وحرها على بدنه، وأخذ يتلوى من شدة الألم؛ ولكنه يقول: والله لا يئن، ويرى ذلك ضَعفاً واستكانة، فلم يقل إلا سبحان الله، الحمد لله، أخذ يرددها حتى فاضت روحه إلى باريها، هذا نموذج من نماذج الثابتين المصرِّين على الجهاد. نسأل الله جلَّ وعَلا أن يثبتهم، وأن يحتسب لهم ما قدَّموه في الآخرة. عباد الله: إن أعداء الله الروس الشيوعيين يخططون لحرب طويلة المدى، فلا تنقطعوا عن معونة إخوانكم، إنهم يأخذون الصغار والأطفال الذين لم يميزوا ولم يلتفتوا، فيذهبون بهم هناك، ويدربونهم في معسكرات الجيوش؛ لكي يعودوا حرباً على أمهاتهم وآبائهم وإخوانهم هناك، كل ذلك تخطيطاً لحرب طويلة المدى. نسأل الله جلَّ وعَلا أن يشفي مرضى المجاهدين، وألا يعذبنا ويعذبهم بسبب ذنوبنا. ونسأل الله جلَّ وعَلا أن يرفع المحنة عنهم.

стр. 2630

ما يعانيه الجهاد على أرض الأفغان أيها الأحبة: إن هناك مصائب عدة يواجهونها بسبب قلة ذات اليد؛ أكلهم قليل، يأكلون اليابس من الخبز، والملابس قليلة خاصة في هذا الشتاء. بعد هذا المطر الذي أصابكم البارحة توافد الناس إلى الأسواق وجمعوا ما جمعوا من الملابس الصوفية، في داخل أبدانهم وخارجها، وأخذوا يلبسون ويُعِدُّون ويستدفئون! فمن بالدفء لإخوانكم؟! من الذي يقدم لهم ما يستدفئون به؟! ومن يقدم لهم ما يأكلونه ويشربونه؟! ومن يقدم لهم ما يطلقونه رصاصاً في نحور أعدائهم؟! إنهم يواجهون وعورة الطرق، ينقلون العتاد على البهائم، على البغال والحمير، يقول أحدهم: والله لقد رأيتُ بعيراً سقط بحمله الذي عليه؛ لأن الطرق والمسالك الجبلية وعرة ضيقة جداً، فإن أقسى حالات الحرب وأمرها ظروفاً يعيشها إخوانكم المجاهدون، يسيرون على الأقدام أياماً طويلة، ومع ذلك يتقبلون كل ذلك بصدور رحبة. واعلموا أن أعداء الله ورسوله من الشيوعيين والصليبيين وغيرهم يريدون أن يقضوا على هذه الثلة المجاهدة، ولذلك فإن بعضهم وإن كانوا يتسمون بجمعيات الصليب الأحمر، أو لإنقاذ الغرقى والهدمى وغيرهم، ومن أصيب من المجاهدين، يحاولون أن يفتحوا مستشفيات هناك، فإذا جاء من علموا من حاله ومكانه بين المجاهدين، وفيه جُرح في يده قطعوا يده كلها، أو جُرح في رجله بتروا ساقه كلها، يريدون أن يعيقوا مسيرة الجهاد. وما وقفوا عند هذا الحد، بل إن الروس أعداء الله والعملاء الخونة والمنافقين الذين يوالونهم قد أرسلوا من أرسلوا ليدخلوا في صفوف المجاهدين، وليشوهوا صورة المجاهدين، وليبينوا للناس أنهم لا يجاهدون لله، وهذا كذب وافتراء وزور وبهتان، ومن تحمل ذلك أو قاله فإنه لا يبالي بملايين الشهداء. أخذوا يدسُّون العملاء؛ ليعرفوا من هم القادة بين المجاهدين، وليدبروا لاغتيالهم في صفوف الجهاد؛ نظراً لقلة ما في أيدي المجاهدين، واستغلالاً لضعف إيمان أولئك. إن حاجة إخوانكم منذ زمن طويل وهي مريرة في جهادهم هذا، وفي دخول موسم الشتاء يزداد الألم مرارة، ويزداد الأمر حسرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 2631

الأيام دواليك يا عباد الله! تنبهوا أن الأيام دواليك، فإن لم تفزعوا لنصرتهم ونجدتهم فإن الإنسان مهدد بانقلاب الدائرة عليه، إن لم يشكر نعمة ربه، وإن لم يقم بواجب إخوانه، وإن لم يقم بالواجب الذي فرضه الله عليه تجاه إخوانه من المسلمين، وتذكروا قصيدة أبي البقاء الرندي يوم أن سقطت الأندلس، ودخلها النصارى، وقَتَلوا مَن قَتَلوا فيها، وشَرَّدوا مَن شَرَّدوا فيها، التاريخ يعيد نفسه، ونجد هذه الحادثة تقع على إخواننا المجاهدين في أفغانستان، ويقول فيها: يا غافلاً واسمعوا -معاشر الغافلين- الذين لم يلتفتوا: يا غافلاً وله في الدهر موعظةٌ إن كنت في سِنَة فالدهر يقظانُ فجائعُ الدهر أنواعٌ منوعةٌ وللزمان مسراتٌ وأحزانُ يا ماشياً مرحاً يُلهيه موطنهُ أَبَعْدَ حمص تغرُّ المرءََ أوطانُ؟! ونحن نقول: أبعد ما فُعل بالمجاهدين! أبعد هذا تغرُّ المرءَ أوطانُ؟! تلك المصيبة أنست ما تقدَّمها وما لها مع طول الدهر نسيانُ! كم يستغيث بنا المستضعفون وهم قتلى وأسرى فما يهتز إنسانُ؟! ماذا التقاطع في الإسلام بينكمُ وأنتمُ يا عباد الله إخوانُ ألا نفوسٌ أبِيَّات لها هِمَمٌ؟! أما على الخير أنصارٌ وأعوانُ؟! يا مَن لِذِلَّة قومٍ بعد عِزِّهمُ أحالَ حالَهمُ جورٌ وطغيانُ بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم واليوم هم في بلاد الكفر عُبدانُ لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ فهل في القلوب إسلامٌ وإيمانُ؟! هل في القلوب نجدة لإخوانكم يا معاشر المسلمين؟! هل في القلوب نخوة لإخوانكم؟! هل في القلوب ذرة رحمة لهم؟! يوم أن وقع الزلزال في مكسيكو، وحلَّ البركان في كولومبيا، ثارت الصحافة بأعلى أصواتها، وتحرك الضمير الإنساني لنجدتهم؛ فأين ضميرنا لإخواننا المسلمين؟! هو والله واجب علينا، وفريضة علينا، وحق في مال كل مسلم منا، ولو عرفنا حق المجاهدين، وأدركنا مكان وجوب البذل لهم لأدركنا أن من الواجب على كل مسلم أن يعرف ويقدر قيمة هذا الجهاد، أن يخصص من دخله وماله جزءاً شهرياً لهم، ولو أقل القليل وأدنى اليسير. فإن القليل مع القليل كثيرُ هذا واجب لهم علينا، ولا مِنَّة لنا في ذلك ولا فضل، فالله الذي ابتلاهم بهذا، وابتلانا بالنعمة، والله الذي أعطانا، والله الذي أمرنا، فلا قليل ولا كثير منا، بل كل ذلك من فضل الله وحده سبحانه جلَّ وعَلا. فخافوا الله في أنفسكم وفي إخوانكم معاشر المؤمنين، وابذلوا لهم المعونة، وإن مما يسركم أن يكون معكم اليوم وفي هذه الساعة من مندوبي المجاهدين من سيجمعون تبرعاتكم، وما تجود به أنفسكم لإخوانكم، واجعلوا ذلك دائماً (فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) ولا تستكثروا على الله شيئاً تبذلونه لهم، ولا تستكثروا صدقة صغيرة أو كبيرة، ولا تحتقروا قليلاً أو يسيراً، فإن ذلك محسوب لكم ومُحتسَب في موازين أعمالكم ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء:٨٨]. وفي الحديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) فهل تتقون النار ببذل الصدقة والمعونة لهم؟! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم احم حوزة الدين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في أفغانستان، اللهم مكن لهم من نحور أعدائهم، اللهم عليك بالظالمين والمنافقين والمجرمين والخونة يا قوي يا متين! وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2632

وجوب الوحدة ونبذ الفرقة بين المسلمين لقد جرب أعداء الإسلام وسائل شتى في حرب الإسلام وأهله، بل إنهم جربوا الأسلحة الفتاكة من أجل إبادة المسلمين، ولم ينجحوا في شيء من ذلك؛ لأن الله وعد نبيه أن لا يسلط على أمته عدواً من غيرهم، يستحل بيضتهم، وإنما استطاع الكفار أن يخرقوا صفوف المسلمين بسبب تسلط المسلمين بعضهم على بعض، وشدة اختلافهم فيما بينهم.

стр. 2633

الأمر بالوحدة وترك الفرقة الحمد لله الواحد بلا شريك، والقوي بلا نصير، والعزيز بلا ظهير، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا هو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم البعث والنشور. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين! كلنا يعلم أن أعظم سرٍ في رفعة أمة الإسلام وسيادتها وعزتها هو أمر الوحدانية؛ وحدانيتها في عبودية ربها، وتوحدها في اقتدائها بنبيها، وتوحدها في الاتجاه إلى قبلة واحدة، واتحادها مع بعضها البعض على قلبٍ واحد، ولمبدأ واحد، وعلى همةٍ واحدة، وهذا التوحيد والاجتماع لا شك أنه جانبٌ من جوانب القوة، بل أعظم جانب من جوانب العزة والرفعة والكرامة. أيها الأحبة في الله: من تأمل هذه المسألة أدرك سر الآيات والأحاديث الكثيرة في كتاب الله وسنة نبيه التي تدعو إلى الاعتصام، والتي تدعو إلى التعاون، وإلى إسقاط الخلافات والاجتماع على قلبٍ واحد، يقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣] ويقول الله جلَّ وعلا: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦].

стр. 2634

سبب تداعي الكفار على المسلمين أيها الإخوة المؤمنون! لستم بحاجة إلى مزيد من الآيات والأدلة في أن الله أمر المؤمنين بالوحدة ونهاهم عن الفرقة، ولكن لكي نعلم -أيها الأحباب- أن ما أصاب أمة الإسلام في هذا الزمان من هوانٍ على الكفار، ومن ذلة في أعين أعدائهم، ومن تسلط الجبابرة الكفرة على رقاب كثيرٍ من الطوائف منهم، إنما ذلك بسبب تفرق المسلمين، إنما ذلك بسبب عدم اجتماعهم على قلبٍ واحد، نسأل الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين أجمعين. أيها الأحبة! إن أعداء الأمة يوم أن أدركوا هذا السر العجيب في رفعة الأمة وسيادتها، وهو الوحدة والتعاون والاتحاد، بدءوا يسلطون معاول هدمهم على هذا الركن المتين من أسباب القوة، فمنذ عصر الخلافة الإسلامية والنصارى وأذنابهم وأعوانهم إلى زمننا هذا يسلطون جهودهم لتفريق المسلمين وتأليب بعضهم على بعض، وإثارة الأحقاد والضغائن في نفوس بعضهم على بعض لكي لا تجتمع لهم كلمة، ولكي لا يلتئم لهم صف، ولكي لا ينضموا تحت رايةٍ واحدة، لقد كان لأعداء الإسلام أعظم دورٍ في سقوط كثيرٍ من دويلات الإسلام بسبب تسلطهم على هدم هذا الجانب، وإذا شئتم أقرب الأمثلة، فانظروا تسلطهم في دويلات الأندلس؛ حيث سلطوا بعض المسلمين على بعض، فلما تفرق المسلمون وأصبحوا ملوكاً للطوائف، وصدق فيهم قول القائل: ألقاب مملكةٍ في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد لما تقسمت بلاد الأندلس في ذلك الزمان وأصبح كلٌ يرفع لواءه بنفسه، بل وصل الأمر ببعضهم أن استعان بالنصارى لكي يكونوا عوناً له في قمع أحد إخوانه المسلمين في دولة من دويلات الطوائف، فلما فرق أعداء الإسلام المسلمين بهذه الطريقة، وهي إثارة الأحقاد والبغضاء وإثارة النزاعات العصبية والقبلية، أصبحوا لقمةً صغيرةً هانئةً صائغةً أمام أعدائهم، فأكلوهم دويلةً دويلةً حتى سقطت غرناطة آخر قلعة من قلاع الإسلام كان يملكها بنو الأحمر، وخرج أميرها وهو يقول: وداعاً يا غرناطة وداعاً لا لقاء بعده، ولأنه عرف وأدرك أن أعداءه قد نجحوا في إثارة الفتنة بين إخوانه المسلمين، ثم أكلوهم لقمةً لقمةً. ولما تسلط الاستعمار العالمي بجميع اتجاهاته على دول المسلمين، أذاقوا المسلمين ألوان القتل والتشريد وساموهم الهوان وسرقوا مقدراتهم وثرواتهم، ولم يتركوهم هكذا بعد أن بذل المسلمون في تلك الدول أعجب الألوان في دروب الدفاع والقتال لكي يتحرروا من أعداء المسلمين، ولكي يتحرروا من الاستعمار، لم يخرجوا ويتركوا الحرية لهم في بلادهم بل تركوا مشاكل حدودية تجعل المسلمين يتقاتل بعضهم على بعضٍ من أجلها، فجعلوا المسلمين يقتل بعضهم بعضاً، ويحارب بعضهم بعضاً من أجل كيلو متراتٍ معدودة على حدود كل دولة واحدة من أجل أن تستمر البغضاء العداوة، وأن يستمر النزاع والقتال، فتارةً أولئك يتقدمون شبراً، وأولئك يتقدمون متراً، وهكذا دواليك حتى لا تجتمع قلوبهم في يومٍ من الأيام، وإن الواقع يشهد شهادةً صريحةً بذلك. معاشر المؤمنين: لم يكتف أعداء الإسلام بهذا الأمر، بل زادوا على ذلك أن سلطوا على المسلمين من أبنائهم أو من غير أبنائهم من يتبنى أفكاراً دخيلة، ومبادئ غربية على أمة الإسلام لكي يتسلطوا بها، ولكي تكون سبباً في نقض ما بقي من وحدة الأمة الصغيرة من بين تلك الأمم المتفككة فيما بينها، فأثاروا النزاعات القبلية، والعصبيات العرقية لكي لا تجتمع أمة واحدة على قلبٍ واحد، وأنتم بهذا تعلمون يا عباد الله! أن أمةً واحدة يجمعها إقليم واحد، وتنتسب إلى بلادٍ واحدة، أو دولةٍ واحدة تقوم فيها العصبيات العرقية والنزاعات القبلية لا شك أنها لا تجتمع على قلبٍ واحد، ولو أرادت أن تجتمع فعليها أن تعود إلى حسابٍ مدين لا بد أن تصفيه في أمورٍ كثيرة، أولها: هذه النزاعات وهذه العصبيات. معاشر المؤمنين! إنه لا عز ولا سلطان لأمة الإسلام ولا منعة ولا كرامة للمسلمين إلا أن يتحدوا فيما بينهم، ويعملوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ [آل عمران:١٠٣] لقد كانت أمة العرب طوائف متناحرة، وقبائل متقاتلة، دامت بينهم حروبٌ عظيمة: كداحس والغبراء، وحرب البسوس، أربعين سنة دامت وهم يقتل بعضهم بعضاً، ولم تنته هذه الحرب إلا يوم أن بعث الله النور المبين محمداً ﷺ سيد الأنبياء والمرسلين، فجمع قلوبهم، وأزال الضغائن والإحن فيما بينهم، فلا سلطان للمسلمين ولا وحدة لهم إلا أن يوحدوا صفوفهم ويلموا شتاتهم، وأن يجمعوا كلمتهم، وأن يحددوا رايتهم التي من أجلها يعملون وفي سبيلها يستشهدون، لابد لأمة الإسلام من هذا، وبدون ذلك لن تقوم للإسلام قائمة، نسأل الله جل وعلا أن يديم ما بقي من وحدة المسلمين في هذه البلاد خاصة، وفي سائر بلاد المسلمين عامة. معاشر المؤمنين! روى الإمام مسلم بسنده عن سعد بن أبي وقاصٍ ﵁ قال: قال ﷺ : (سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألت ربي ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها). وروى مسلم عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنةٍ بعامة وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنةٍ عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، أو قال: من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً). إذاً -أيها الإخوة- نعلم أن أي هدمٍ أو شرخٍ في وحدة أمة الإسلام إنما هو بسبب داخلي فيها وليس لأمر خارجي عنها، لأن الله قد أعطى الأمة ألا يهلكها بسنةٍ بعامة وألا يسلط عليها عدوا ًمن سوى أنفسها حتى لو اجتمع عليها من بين أقطارها أو من في شمالها إلى جنوبها، ومن في غربها إلى شرقها مهما تآلبوا وتسلطوا على أمة الإسلام، لن يستطيعوا أن ينالوا من هذه الأمة شيئاً، لن يستطيعوا أن يدركوا من هذه الأمة منالاً ماداموا مجتمعين، أما إذا تسلط بعضهم على بعضٍ من داخلهم، وإذا ثارت العصبيات فيما بينهم وهم في أرضٍ واحدة، وتحت لواء واحد، فإن هذا نذيرٌ ومهدد بقرب تسلط عدوٍ من الأعداء عليهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2635

الخيانة وأثرها على الإسلام الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين! إن أعداء الإسلام في القديم والحديث جربوا ألوان الفتك والاعتداء على المسلمين، لكنهم علموا أن أفشل الأساليب وأقلها نجاحاً هو العدوان العسكري على أمةٍ الإسلام، إذ أن المسلم بطبيعته يوم أن يفاجأ بعدوانٍ ويقابل بقوة ينعكس رد الفعل بالنسبة له وليس انطلاقه انعكاساً لردود فعلٍ، بل هو عقيدةٌ تصقل بهذه المفاجأة، فينطلق من طوره الذي هو فيه أياً كان ذلك الطور؛ طور غفلةٍ أو لهوٍ أو غير ذلك، فتنتبه نفسه لهذا العدو المحيط به، فينطلق شجاعاً باسلاً لكي يرد العدوان عن أرضه وعن بلاده وعن عقيدته وعن المسلمين أجمعين، فمادام الأعداء جربوا هذا الأسلوب وأدركوا فشله طوال حروبٍ صليبيةٍ بلغت ثمان حملات، وطوال سنين طويلة جربوا فيها ألوان الأسلحة الفتاكة وغيرها، ظهر مفكرٌ مجرمٌ من مفكري البريطان وقال: إن المسلمين لا يجدي فيهم هذا الأسلوب إنما ينفع فيهم أسلوب بطيءٌ لكنه مؤكد، أتدرون ما هو؟ إنه أسلوب الغزو الفكري، قتل الغيرة، وإماتة الشيم، وتكسير الحياء، واهتمام كل فردٍ بنفسه، واعتناء كل إنسان بمادته الشخصية بعيداًً عن ملاحظة أمور المسلمين عامة. إنه أسلوب بطيء، لكنه فعال، ولما اجتمع القس صموئيل زويمر في القاهرة (سنة:١٩٣٧م) بمجموعة من الرهبان والنصارى وأخذوا يستعرضون جهودهم في تنصير المسلمين كلٌ يعرض جهوده، ثم يقول: لكن مجموعةً منهم عادوا إلى إسلامهم بعد أن تنصروا، وطائفة تقول: إنهم لم يثبتوا على النصرانية مدةً يسيرة، فقال ذلك المجرم: معاشر القسس والرهبان لم تعرفوا حقيقة التنصير أو التبشير، إن حقيقة الأمر أن نخرج المسلمين من دينهم، وليسوا بعد ذلك بأهل أن ينالوا شرف الدخول في النصرانية. هذا أمر واحد، الأمر الثاني: إنه لا يقطع الشجرة إلا غصنٌ منها، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: لا تنفروا جهودكم مبعثرةً هكذا، لكن انتقوا عيناتٍ وأفراداً تلتمسون فيهم النمو والذكاء والحركة والنشاط فنصروهم وغيروا عقائدهم، ثم بعد ذلك دعوهم يعيثون في أرضهم فساداً وهم يكفونكم مؤونة التنصير في بلادهم. هذا مثلٌ نضربه لكي نبين مصداق حديث النبي ﷺ أن الله جل وعلا تكفل لأمته ألا يهلكهم بسنةٍ عامة وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، من خارج أرضهم وبلادهم، وسأله ألا يجعل بأسهم بينهم شديداً فقال: (يا محمد! إني إذا قضيت فضاءً فإنه لا يرد) عند ذلك نعلم أنه إذا قام واحدٌ من صفوف الأمة يتكلم بلسانها، ويلبس ثوبها وهو من بني جلدتها، وقد تبنى فكراً غربياً أو مبدأً شرقياً، أو فتنةً هدامة، فإن أثره يكون أبلغ في إفساد صفوف الأمة، وفي تفريق وحدتها، وفي كسر شتاتها المجتمع. أيها الإخوة: من هذا المبدأ غزيت أمة الإسلام، يوم أن ظهر أفرادٌ أو فئامٌ يتكلمون بألسنتنا، ويلبسون مثلما نلبس، جلودهم جلود الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، وبين تارةٍ وتارة تخرج فكرةٌ دخيلة، أو مبدأٌ غريبٌ على صفوف المسلمين وبمثل أولئك يدخل الفساد ويدخل الضلال في أمة المسلمين، وصدق ذلك المجرم المبشر: إنه لا يكسر الشجرة إلا غصنٌ من أغصانها. فالله الله يا عباد الله: اعلموا أن أمم الكفر والضلالة لو اجتمعت على أمتكم فلن تستطيع أن تهلكهم، إن أمة الكفر والضلالة لو أرادوا بكم ما أرادوا لن يستطيعوا أن ينالوا منكم شيئاً، إلا إذا نال بعضنا من بعض، إلا إذا خان بعضنا الأمانة، إلا إذا فرطنا فيما أمر الله به، إلا إذا تسلط بعضنا على بعض، إلا إذا توجه النقد والتجريح البذيء من بعضنا إلى بعض، وتركنا الأعداء يأكلون لحومنا ويفتكون بإخواننا، ويتسلطون على مقدساتنا، ويتقدمون مستوطنين في أراضينا، عند ذلك معاشر المسلمين لا تسألوا عن هلكة الأمة، فكأنما هي عقدٌ قد انقطع نظامه فتتابعت حباته. معاشر المؤمنين! لولا الخيانة في صف من الصفوف ما دخل الأعداء إلى ذلك الصف، لولا التهاون في ثغرةٍ من الثغور ما تسلط الأعداء على ذلك المجال. إن سبيل الوحدة والقوة هو أن نجمع القلوب أولاً ما دام إلهنا واحد، وكتابنا واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة، ونصلي كل صلاةٍ خلف إمام واحد، علمنا الإسلام أن نجتمع، علمنا الإسلام الوحدة، فلا بد أن نتحد في جميع أمورنا، نصوم شهراً واحداً، ونقف بعرفة في يومٍ واحد، وفي الحج نلبس زياً واحداً.

стр. 2636

الإسلام دين الوحدة إن الإسلام دين الوحدة فلا بد أن نتحد في أفعالنا وأقوالنا، لا بد أن نتحد في توجهاتنا، وعند ذلك لن يصل الأعداء إلى شبرٍ من أراضينا، ولن يدخلوا ثغرةً من مجالات حياة أمتنا ما يبلغ الأعداء من جاهلٍ ما يبلغ الجاهل من نفسه إن الإنسان إذا فرط في حق نفسه، دخل عليه التفريط من خارج أمره، أما إذا كان معتنياً بأموره من جميع جوانبها، فوالله ثم والله، ثم والله لن يتسلط عليه أحدٌ إلا بأمر قد كان في نفسه، فاجمعوا قلوبكم -أيها الإخوة- وابذلوا المحبة لسائر إخوانكم، وأزيلوا الضغائن والإحن من قلوبكم، وبروا بآبائكم وأمهاتكم وصلوا أرحامكم، وأظهروا مشاعر الوحدة في مجتمعكم، عند ذلك والله لن يفكر العدو في أن ينال من أدنى مقدرةٍ من مقدرات أمتكم شيئاً، لكن الأعداء إذا وجدوا أمةً متقاتلة، وفئات متناحرة، وقلوباً متباغضة، واتجاهاتٍ متباينة، عند ذلك يرون أن أمةً كهذه هي ألذ لقمة تتجرعها في حلقها وألذ غنيمة تستولي عليها بغفلة أصحابها. أسأل الله جل وعلا أن يجمع قلوبنا، وأن يوحد صفوفنا، وألا يجعل من بيننا خائناً يخون أمتنا، اللهم اجمع شمل المسلمين، وارحم اللهم المستضعفين، وانصر اللهم جميع المجاهدين في سبيلك، اللهم ثبت أقدامهم، وسدد رصاصهم، ووحد كلمتهم، واجمع شملهم على كتابك وسنة نبيك يا رب العالمين! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم قرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم لا تسلط علينا ولا عليهم عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، وسخر اللهم لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين! اللهم احفظ هذه البلاد خاصة، واحفظ سائر بلاد المسلمين عامة، اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضا ًإلا شفيته، ولا حيرن ألا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا غائباً إلا رددته برحمتك ومنك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى واسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، نسألك اللهم أن تحيينا على الإسلام سعداء، اللهم توفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا اللهم في زمرة الأنبياء، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم اجعل خير أيامنا يوم نلقاك، واجعل خير أعمالنا خواتمها، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، وجنبنا أسباب سخطك وغضبك يا رب العالمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2637

وفاة الرسول ﷺ أيها الأحباب: إن الموت حق على كل حيٍ كبيراً كان أو صغيراً، ملكاً كان أو وزيراً، فكل من عاش لابد أن يموت، حتى الأنبياء وهم صفوة الله من خلقه، فهذا نبينا محمد ﷺ يخيره ربه بين زهرة الحياة الدنيا وما عند ربه؛ فاختار لقاء ربه، وفي هذه المادة تعيشون مع حادثة وفاة الرسول ﷺ ، وبعض وصاياه عند موته، وأخذ الدروس والعظات من هذه الحادثة المؤلمة على الأمة بأسرها.

стр. 2638

الموت حقيقة لا مفر منها إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله تعالى فهي وصية الله لكم ولمن كان قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. معاشر المؤمنين: روى الشيخان في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: (إن عبداً خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عند ربه، فبكى أبو بكر ﵁ وقال: يا رسول الله! فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا! وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا). أتعلمون -يا عباد الله- من عبد الله المخير بين ما عند ربه وبين زهرة الدنيا؟ إنه نبينا محمد ﷺ ، قد اختار لقاء ربه وجواره. عباد الله: الموت حق على كل حي أياً كان كبيراً أو صغيراً، ملكاً أو وزيراً، فكل من عاش لابد أن يموت، سواء قرب الأجل أم بعد: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] حتى الأنبياء والرسل وهم صفوة الله من خلقه، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤ - ٣٥]. وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]. عباد الله: إن مفارقة الأجساد للأرواح لا تقع إلا بعد ألمٍ عظيم، وعناءٍ جسيم تذوقه الروح والجسد جميعاً، فإن الروح قد تعلقت بهذا الجسد وألفته، واشتدت ألفتها له وامتزاجها به ودخولها فيه، حتى صار الروح والجسد شيئاً واحداً، فلا يتفارقان إلا بجهدٍ شديد، وألمٍ عظيم، ولن يذوق ابن آدم في حياته ألماً مثله.

стр. 2639

الحث على الإكثار من ذكر هاذم اللذات قال الربيع بن خثيم: أكثروا من ذكر هذا الموت، فإنكم لم تذوقوا قبله مثله. ثم إن الروح المفارقة للجسد لا تدري أين المستقر والمستودع، لا تدري أين القرار والبقاء، هل هو في الجنة أم في النار، فإن كان العبد عاصياً مصراً على المعصية إلى أن أدركه الموت، فإنه قد يغلب على ظنه أن روحه تصير إلى النار، فتتضاعف بذلك حسرته وألمه، ولا ينفعه عند ذلك ندمه، وربما كشف له مع ذلك عن مقعده من النار، فيراه حين سكراته أو يُبشَّر به، فيجتمع له مع كرب الموت وألمه العظيم معرفته بسوء مصيره، عياذاً بالله من تلك الحال وسوء المآل. عباد الله: من تذكر تلك الأحوال والمقامات التي يمر بها العبد إبان خروج روحه؛ أدرك الحكمة من وصية النبي ﷺ لأصحابه بقوله: (أكثروا من ذكر هادم اللذات الموت). وحسبكم من ذكر الموت -يا عباد الله- أن نستعد له قبل نزوله، وأن نقصِّر الآمال، وأن نرضى بالقليل من الرزق، وأن نُقبل على الآخرة، وتهون علينا مصائب الدنيا، فكل مصيبة دون الموت تهون، وإذا عظمت مصيبتنا في وفاة حبيب لنا أو قريب فلنذكر قول النبي ﷺ : (من عظمت عليه مصيبته، فليذكر مصيبة المسلمين فيَّ). نعم يا عباد الله: من اشتدت وعظمت وكبرت مصيبته على نفسه، فليذكر أعظم مصيبة فُجعت بها أمة الإسلام، بموت نبيها ﷺ . كلنا في غفلة والموت يغدو ويروح سيصير المرء يوماً جسداً ما فيه روح بين عيني كل حي علم الموت يلوح نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح لتموتن ولو عمِّرت ما عمر نوح لما أنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣] علم ﷺ باقتراب أجله. قالت عائشة ﵂: (كان ﷺ يكثر أن يقول قبل موته: سبحان الله وبحمده، أستغفره وأتوب إليه). قالت أم سلمة ﵂: (كان في آخر عمره ﷺ لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: سبحان الله وبحمده، فذكرت ذلك له فقال: إني أمرت بذلك وتلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]). وما زال النبي ﷺ بعد ذلك يعرض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنه لما خطب الناس في حجة الوداع قال لهم: (خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) وطفق يودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع. ولما رجع من حجته إلى المدينة جمع الناس في طريق بين مكة والمدينة، فخطبهم وقال: (أيها الناس: إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، ثم حض على التمسك بكتاب الله وأوصى بأهل بيته خيراً).

стр. 2640

مرض موته ﷺ ولما بدأ به ﷺ مرض الموت خرج إلى أصحابه في المسجد وهو معصوب الرأس، فقام على المنبر وقال: (إن عبداً عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة) ثم هبط عن المنبر فما رؤي على المنبر بعد ذلك. وفي المسند عن أبي مويهبة (أن النبي ﷺ خرج ليلة إلى البقيع فاستغفر لأهل البقيع وقال: ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضاً، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى، ثم قال: يا أبا مويهبة! إني قد أعطيت خزائن الدنيا والخلد ثم الجنة، فخيِّرت بين ذلك وبين لقاء ربي فاخترت لقاء ربي والجنة) ثم انصرف وابتدأه وجعه الذي قبض فيه، وكان أول ما ابتدأ به ﷺ من مرضه وجع الرأس. وكان صداع الرأس والشقيقة يعتريه كثيراً في حياته، ويتألم منه أياماً، ففي المسند عن عائشة ﵂ قالت: (دخل عليَّ رسول الله ﷺ في المرض الذي بُدئ فيه، فقالت عائشة: وارأساه، فقال ﷺ : وددت أن ذلك كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك، فهيأتك ودفنتك، قالت عائشة: كأني بك في ذلك اليوم عروساً ببعض نسائك، أي بعد موتي) فاعجبوا لغيرة النساء، رضي الله عن أم المؤمنين عائشة. فقال ﷺ : (بل أنا وارأساه، ادعوا لي أباك وأخاك، حتى أكتب لـ أبي بكر كتاباً). ولم يزل ذلك الصداع وتلك الحمى يشتدان برسول الله ﷺ حتى استأذن أزواجه ليبقى في بيت عائشة فأذنّ له، وجيء به محمولاً إلى بيتها، ثم إن الحمى اشتدت به ﷺ في مرضه، فكان يجلس في مخضب ويصب عليه الماء من سبع قرب لم تحل أوكيتهن، يتبرد بذلك من شدة الحمى، وكان عليه قطيفة، فكانت حرارة الحمى تصيب من وضع يده على النبي ﷺ من فوقها، فقيل له في ذلك، فقال: (إنَّا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر، وقال: إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم). ومن شدة وجعه كان يغمى عليه في مرضه ثم يفيق، وحصل له ذلك غير مرة، فأغمي عليه مرة وظنوا أن وجعه ذات الجنب، فلما أفاق أنكر ذلك وقال: (إن الله لم يكن ليسلطها علي -يعني: ذات الجنب- ولكنه من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر) أي: من سم الشاة التي أهدتها اليهودية له فأكل منها يومئذ، فكان ذلك يثور عليه أحياناً، فقال في مرض موته: (ما زالت أكلة خيبر تعاودني؛ فهذا أوان انقطاع أبهري). وكان ابن مسعود وغيره يقولون: [إنه ﷺ مات شهيداً من السم] وقالت عائشة ﵁: [ما رأيت أحداً كان أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ ]. وكان عنده في موته سبعة دنانير، فكان يأمرهم بالصدقة بها، ثم يغمى عليه، فيشتغلون بوجعه، فدعا بها فوضعها في كفه وقال: (ما ظن محمد بربه لو لقي الله وعنده هذه) ثم تصدق بها، فلما اشتد وجعه ليلة الإثنين، أرسلت عائشة بالمصباح إلى امرأة من النساء، فقالت قطِّري لنا في مصباحنا من عكة السمن، فإن رسول الله ﷺ أمسى في جديد الموت. وكان عند عائشة إزار غليظ مما يصنع في اليمن وكساء، فكانت تقسم بالله أنه ﷺ قبض فيهما. فلما احتضر ﷺ اشتد به الأمر فقالت عائشة: (ما أغبط أحداً يهون عليه الموت بعد الذي رأيت من شدته على رسول الله ﷺ ، وكان عنده قدح من ماء يدخل يده ﷺ في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، يقول: اللهم أعني على سكرات الموت، قالت: وجعل يقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات). ولما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه الكرب، قالت فاطمة ﵂: (واكرب أبتاه، فقال لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم). قالت عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: (إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير، فلما نزل به الموت ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق، فأشخص بصره إلى سقف البيت وقال: اللهم الرفيق الأعلى، قالت: فعلمت أنه لا يختارنا). وروي أنه لما بقي من أجل رسول الله ﷺ ثلاثاً نزل عليه جبريل ﵇ قال: (يا أحمد! إن الله قد أرسلني إليك إكراماً وتفضيلاً خاصة لك، يسألك عما هو أعلم به منك، يقول لك: كيف تجدك، فقال: أجدني يا جبريل مغموماً، وأجدني يا جبريل مكروباً، ثم أتاه في الثاني والثالث فقال له مثل ذلك، ثم استأذن فيه ملك الموت، فقال جبريل: يا أحمد! هذا ملك الموت يستأذن عليك ولم يستأذن على آدمي كان قبلك ولا بعدك، قال: ائذن له: فدخل ملك الموت فوقف بين يديه، فقال: يا رسول الله! أرسلني الله إليك وأمرني أن أطيعك، إن أمرتني أن أقبض روحك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها، قال: وتفعل يا ملك الموت، قال: بذلك أمرت أن أطيعك، فقال جبريل: يا أحمد إن الله قد اشتاق إليك، فقال ﷺ : فامض يا ملك الموت لما أمرت به، فقال جبريل ﵇: عليك السلام يا رسول الله! هذا آخر موطئٍ من الأرض، إنما كنت يا محمد حاجتي من الدنيا). وفي ذلك اليوم الذي قبض فيه ﷺ وقبل موته كشف الستر عن أصحابه وهم يصلون صلاة الصبح خلف أبي بكر، فكاد المسلمون أن يفتتنوا من فرحتهم برؤية نبيهم ﷺ حين نظروا إلى وجهه وظنوا أنه يخرج للصلاة، فأشار إليهم أن مكانكم وأرخى الستر، وتوفي ﷺ في ذلك اليوم، وظن المسلمون أنه ﷺ قد برئ من مرضه، لما أصبح يوم الإثنين مفيقاً. ولما علم المسلمون بوفاته ﷺ منهم من اندهش ومنهم من خولط، ومنهم من أقعد ولم يستطع نهوضاً، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية، وبلغ الخبر أبا بكر فأقبل مسرعاً حتى دخل بيت عائشة، والنبي ﷺ مسجَّى، فكشف الثوب عن وجهه، وأكب عليه وقبَّل جبهته مراراً وهو يبكي ويقول: [وانبياه واخليلاه واصفياه، إنا لله وإنا إليه راجعون]. ثم قام ودخل المسجد وعمر يكلم الناس وهم مجتمعون، فتكلم أبو بكر وتشهَّد وحمد الله، فأقبل الناس على أبي بكر وتركوا عمر، فقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2641

الاستعداد للموت وسكراته الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وفارق الدنيا وقد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار. عباد الله: سمعتم عن وفاة نبيكم ﷺ ، وما تغشاه من الكرب والآلام، وهو أفضل من وطئت قدمه على الأرض قاطبة، ومع ذلك كان يلاقي ويعاني من سكرات الموت، ويضع يده في كوب فيه ماء بارد، ويمسح على وجهه ويقول: (اللهم أعني على سكرات الموت). فهل بعد ذلك يرجو أحد تخفيفاً فيها إلا من تداركه الله برحمته؟ وهل بعد ذلك يظن أحداً أنه سيكون أهون ألماً في وفاته من وفاة أفضل الأنبياء وسيد المرسلين وأفضل الخلق أجمعين، محمد ﷺ ؟ لا يكون ذلك أبداً إلا لمن زاده الله كرامة، ولا كرامة لأحد فوق ما أكرم به ﷺ . معاشر المؤمنين: استعدوا لما أنتم قادمون إليه، فإن الموت لا يعرف كبيراً ولا صغيراً، إن بعض الناس حين يسمعون الموعظة أو شيئاً عن الموت فإنهم يتوجهون بذلك إلى كبار السن، يظنون بذلك أن الحديث موجه لمن ابيضت لحاهم من الشيب، واشتعلت رءوسهم شيباً، وما علموا: إن الموت لنا بالمرصد إن لم يفاجئ اليوم فاجأ في غد كم من رجل دفن أولاده جميعاً وكان أطولهم عمراً، وكما تقول العرب: وكم من ناقة شربت في جلد حوارها، فكم من رجل قد عاش دهراً وولد له بنين وحفدة ودفنهم جميعاً، وعاش بعدهم ثم توفي بعدهم. عباد الله: إن الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، إن الموت لا يعرف عزيزاً أو حقيراً، إنما هي آجال يقسمها الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. معاشر الشباب: أعدوا للموت عدته. يا أبناء الأربعين: كهولاً. ماذا قدمتم وقد انتصفتم في الأعمار أو جاوزتم الثلثان؟ يا أهل الخمسين: زروع قد دنا حصادها. يا أهل الستين: أعمار أمة محمد بين الستين والسبعين، هلموا إلى الحساب. يا أهل السبعين وما بعدها: ماذا قدمتم وماذا أخرتم، تفكروا وانظروا فيما أنتم قادمون عليه، وانظروا فيما ستقبلون عليه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وما بعد الموت من دار إلا الجنة أو النار، فأعدوا لهذا المصير عدته، واستعدوا له أعظم الاستعداد، فإن البشر لا شك منتهون، وإن البشر لا شك يفنون والباقي هو الله وحده لا شريك له. فاستعدوا لذلك -يا عباد الله- ولا تضيعوا أوقاتكم بالغفلة واللهو، ولا تضيعوا ساعات ليلكم ونهاركم بالغفلة عن مصيركم، وتذكروا واجعلوا الموت أمام أعينكم. إن الموت قاطع اللذات، وإن الموت ليشخص للإنسان في أعظم لذة، فيكدرها عليه، وشأن الله في هذا عظيم، لكي لا يأنس الإنسان بهذه اللذة وليعلم أنها منقطعة، وإن تلذذ بها سويعات أو أيام معدودة، فإنه يشخص الموت بين عينيه، فيذكر أن الموت لا شك مختطفه، وبعد ذلك يعلم أن اللذة والنعيم في الخلود والنعيم المقيم، فيشتاق إلى نعيم لا ينقطع، يشتاق إلى خلود لا موت فيه، يشتاق إلى صحة لا مرض فيها، يشتاق إلى شباب لا هرم بعده، يشتاق إلى عزة لا ذلة بعدها، يشتاق إلى قوة لا ضعف بعدها، يشتاق إلى كل ذلك ويعلم إنما هو في الدار الآخرة، وليس في الدنيا، لأنها دار كدر ودار نكد. طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار فإذا علم الإنسان ذلك اشتاق واستعد للآخرة، لكي ينال من نعيمها المقيم، ويفوز برضوان ربه في جنات النعيم. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، والشيوعيين والنصيريين، والفسقة والمجرمين برحمتك يا أرحم الراحمين! وبقدرتك يا جبار السماوات والأرض. اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم قرِّب له من علمت فيه خيراً له، أبعد عنه من علمت فيه شراً له في دينه ودنياه وآخرته، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملهم، اللهم وحد كلمتهم، ولا تفرح الأعداء عليهم، ولا تشمت الحساد بهم، وارفعهم وانصرهم بكتابك وسنة نبيك. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع موتى المسلمين، الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك. اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد. اللهم هون علينا سكرات الموت، اللهم هون علينا سكرات الموت، اللهم اجعل خير أيامنا يوم لقائك، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، برحمتك يا أرحم الراحمين!

стр. 2642

وفوق كل ذي علمٍ عليم ظن موسى ﵇ أنه أعلم من في الأرض؛ فأعلمه الله بخطئه، مبيناً له أن الخضر أعلم منه، ولكن الخضر أخبر موسى أن كلاً منهما أعلم من الآخر في جانب من الجوانب، تواضعاً منه، وليناً مع تلميذه. مرافقة موسى للخضر هي الموضوع الأساس لهذه الخطبة، وهي تشمل استغراب موسى من تلك التصرفات، وتبيين الخضر لما لم يفهم منها. وفي ثناياها طائفة من الفوائد في التعلم والتعليم، وإصلاح الأبناء، وخطورة الكفر وغير ذلك.

стр. 2643

فوائد من قصة الخضر وموسى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن المثيل وعن الند وعن النظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأصلي وأسلم على نبيه وصفيه من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين! قد أنزل الله تعالى في كتابه الذي ضمن حفظه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أنزل فيه آياتٍ بينات، وجملة من القصص التي فيها العبر والعظات، ليتدبر المؤمنون ما أودع الله جل وعلا من الأحكام والآيات والزواجر والأوامر والنواهي في هذا الكتاب العظيم، وإن من ذلك ما ذكره الله جل وعلا في أواخر سورة الكهف مما جرى من شأن موسى ﵇ مع الخضر. والأصل في ذلك أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قام خطيباً في بني إسرائيل فتكلم وأجاد، وكأنما أعجب بشيء من كلامه فقام فتىً من بني إسرائيل وقال: يا نبي الله! هل على وجه الأرض أحدٌ أعلم منك؟ فقال: لا. فأوحى الله جل وعلا إليه: إن عبدنا الخضر هو أعلم منك، وعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، فعزم موسى على بذل الهمة في طلب العلم، وسأل ربه الطريق لكي يصل إلى الخضر، ولكي يتعلم منه علماً، فجعل الله جل وعلا لموسى آية وعلامة، أن يحمل حوتاً في مِكْتل ثم يمضي، فإذا فقد الحوت فثم الخضر -أي: يكون هناك- وكلكم تعرفون القصة. وبيت القصيد وشاهد الكلام منها: أن موسى لما قابل الخضر قال له: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦] فقال الخضر: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ [الكهف:٦٧ - ٦٨].

стр. 2644

أدب طالب العلم مع العالم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري بسنده عن أبيّ بن كعب (أن الخضر قال: يا موسى! أنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه أنا) وفي هذا فوائد: الأولى: أن موسى لما قابل الخضر وقف موقف المتأدب، وموقف السائل الذي يلتمس النفع والعلم، بقوله: هل اتبعك؟ ولم يقل: أريد اتباعك أو لا بد من اتباعي إياك لكي أتعلم؛ فإنما عرض الأمر عليه بصيغة العرض لا بصيغة الأمر. وفي هذا فائدة عظيمة لكل طلبة العلم حينما يبذلون سؤالاً أو يوجهون اقتراحاً، أو يديرون كلاماً، فعليهم أن يتأدبوا مع مشايخهم، وأن يسلكوا عبارة مناسبة وأسلوباً لطيفاً؛ لأن الإنسان يخاطب من هو أعلم منه، وله في نبي الله موسى ﵇ أسوة وقدوة، وهو نبيٌ قد آتاه الله الوحي والمعجزة، ومع ذلك يقول لمن هو أعلم منه ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦]. فأين كثيرٌ من طلبة العلم عن أدب سؤال العلماء؟ وأين الذين حينما يسمعون عالماً من العلماء يتكلم جابهوه وصدوا كلامه وعارضوه بقولهم: ولكن فلاناً يقول غير كلامك، ولكن فلاناً يخالفك، ولكن فلاناً يقول مالا تقول؟! بدون أدنى عبارة يكون فيها تلطف! أو يكون فيها أدب الكلام مع العلماء! فما بالكم أيضاً مع من لا يحترمون مجالس العلم، فيجلس أي جلسة لا تليق بمجلسه الذي هو فيه، كأن يمد رجله أمام شيخه، وقد جاء في حديث جبريل المشهور الذي رواه أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن جلوسٌ عند النبي ﷺ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام) ففي هذا الحديث فيه أن جبريل ﵇ جاء يسأل نبينا محمداً ﷺ بيان وفيه هيئة طالب العلم وصفة جلسته أمام مشايخه وعلمائه، فالتفتوا لذلك وتنبهوا إليه يا عباد الله.

стр. 2645

أدب العالم مع طلابه وعامة الناس ومن ذلك أيضاً: (أن الخضر قال لموسى: أنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه أنا) فيه تواضع العالم، وفيه خفض الجناح ولين الجانب من العالم، واحترام ما عند الآخرين، حتى ولو كانوا من عامة الناس، فضلاً عمن تعلموا وقرءوا ودرسوا؛ لأن الإنسان مهما بلغ من العلم لا بد أن يكون قد جهل أشياءً عظيمة لقول الله جل وعلا: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] وقديماً قال الشاعر: فقل لمن يدعي في العلم معرفة علمت شيئاً وغابت عنك أشياءُ فلا تردن كلاماً جاءك به ولو أحد عامة الناس ظناً منك أن مثل هذا لا يفقه في العلم ولا نصيب له في المعرفة، وما يدريك أن ضالة من حِكَمِ العلم فاتتك سنيناً طويلة لا تجدها إلا عند رجلٍ ممن تراهم من عامة الناس، فألله ألله في لطف الكلام ولين الجانب وخفض الجناح، فإن الاستعلاء والكبر والشموخ والتصعر مما يصد الإنسان ويحرمه كثيراً من ضروب العلم، قال ابن الوردي: لا تحقر العلم يأتيك الجهول به فالنحل وهو ذبابٌ طائر العسل فليس عجيباً أن تجد حكمة أو ضالة من أبواب العلم فاتتك تجدها عند هذا الرجل العامي أو هذا الرجل الكبير.

стр. 2646

مرافقة موسى للخضر ثم بعد ذلك: لما عاهد موسى الخضر على أن لا يسأله عن شيءٍ حينما يتبعه ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ [الكهف:٧١] لم يطق موسى ولم يصبر ونسي أنه عاهد الخضر على الصبر وعدم السؤال، فقال: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف:٧١] قال النبي ﷺ : (كانت الأولى من موسى نسياناً) أي: أنه نسي ما عاهد عليه الخضر ألا يسأله عن شيءٍ حتى يحدث له منه ذكراً فقال له الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٢] قال موسى: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف:٧٣ - ٧٤] ولم يطق موسى أيضاً، فقال: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ [الكهف:٧٤] فأجاب الخضر للمرة الثانية بعبارة أغلظ من الأولى حيث قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٥] ولم يقل في الأولى: (ألم أقل لك) بل قال فيها: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٢] وأما الثانية فقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٥]. ثم بعد ذلك مضيا: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ وكانوا لئاماً ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ فدخلا القرية: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ قال موسى: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف:٧٧] لو شئت لأخذت شرطاً ونولاً وأجرة على إصلاحك هذا الجدار، الحاصل أن الخضر قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٨] لا أستمر معك في هذه الصحبة، وسأنبئك بما لم تستطع عليه صبراً.

стр. 2647

تأويل الخضر لخرق السفينة ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٩] وفي قراءة لأحد الصحابة في مصحف أحدهم: ((وكان أمامهم ملكٌ ظالمٌ يأخذ كل سفينة صالحة غصباً)). فكان فعل الخضر: أن خرق السفينة لما اقتلع لوحاً من ألواحها بالقدوم، وإن كان ظاهر الأمر مصيبة إلا أن باطنه فيه مصلحة لأولئك الغلمان، قيل: كان عددهم عشرة، خمسٌ منهم زمنى -أي: مرضى- لا يستطيعون العمل، والخمسة الآخرون هم القادرون على العمل، فكان فعل الخضر ﵇ من خرق السفينة لم يكن ذلك لإغراق أهلها، وإنما كان ذلك لصرف الملك، ألا يأخذ سفينتهم؛ لأن السفينة لو وصلت إلى شاطئ الأمان ووجدها ذلك الملك صالحة لصادرها ولأخذها ولاستولى عليها بالكلية، فكان قدر الله جل وعلا على يد الخضر أن خرق هذه السفينة حتى إذا وصلت إلى مكانها يراها أعوان الملك وجلاوزته فاسدة قد خرقت فيدعونها ولا يأخذونها، وتكون من حظ أولئك الغلمان. إذاً: فظاهر المصيبة -يا عباد الله- قد يكون مراً، قد يكون صعباً، قد يكون عجيباً، لكنه في حقيقته عين الرحمة والعطف، والرأفة، والحكمة والعلم، والله عليمٌ حكيم.

стр. 2648

تأويل الخضر لقتل الغلام كذلك: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف:٨٠] كان الغلام الذي قتله الخضر غلاماً فتياً، وكان كافراً، وكان أبواه مؤمنين فعلم الخضر بعلم الله الذي علمه الله إياه، ووحي الله الذي أوحاه إليه أن يقتل هذا الغلام؛ لأن قتل الغلام أهون من الكفر، والفتنة -أي: الكفر- أشد من القتل: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١] ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:٢١٧] فكان من عين حكمة الله جل وعلا أن قتل الغلام، وهو قتل نفسٍ وإزهاق روحٍ فيه مصلحة عظيمة، أن يدفع الكفر عن الوالدين، عن الأم والأب، ظاهر الأمر مصيبة، ظاهر الأمر داهية، ظاهر الأمر مدلهمة، لكنه في حقيقته عين رحمة الله، وعين لطف الله بهذين الوالدين. إذاً يا عباد الله! لا نعجب من ظواهر الأمور وما فيها من القضاء والقدر؛ فإن الله جل وعلا يجري على عباده ألواناً من القضاء والقدر وفي ذلك مصالح عدة وفوائد جمة يجهلها كثيرٌ من الناس فيسخطون على قضاء الله وقدره، ويتضجرون من تدبير الله، ويدعون بالويل والهلاك والثبور، وقد جهلوا أن الله الذي قدر لهم هذا هو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، ففي تقدير الله لهم كل رحمةٍ وفضلٍ ولطفٍ. وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سبباً ما بعده سبب إن الأمر الذي تكرهه أشد الكراهة قد يكون هو أقرب السبل إلى ما تحبه غاية المحبة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩].

стр. 2649

الصبر عند الصدمة الأولى إذاً يا عبد الله! إذا نزلت بك المصيبة من أمر الله، والمصائب سنة في العباد: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥] لا بد أن تقابل قدر الله بالصبر على البلاء والرضا بالقضاء، فإن ذلك أعظم للأجر، وإلا فإن ما قدر الله واقعٌ لا محالة، فمن رضي فله الرضا والأجر والمثوبة، ومن سخط فعليه السخط. ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم أرأيتم الذين يصيحون ويولولون، ويبكون ويتسخطون، ويتذمرون ويتشكون عند أدنى مصيبة من المصائب، ولتكن موت قريب أو حبيب أو أم أو أب، لو قلنا لأحدهم: هذا أبوك أو أمك خذها وضعها عندك، والله ما يطيق البقاء معه ولا معها يوماً واحداً، فالحمد لله الذي شرع الدفن سنة لبني آدم. (مر النبي ﷺ بامرأة تبكي على قبرٍ وقال: يا هذه! اتقي الله واصبري! قالت: إليك عني! وما شأنك وشأني!! فلما ولى النبي ﷺ ، قيل لها: هذا رسول الله أما تعرفينه؟ فقامت تلحقه حتى أتت إلى بيته -ولم تجد عنده بوابين- قالت: يا رسول الله! الآن أصبر، فقال ﷺ : إنما الصبر عند الصدمة الأولى). فيا عباد الله! عودٌ إلى موضوع القصة وهو: أن ظاهر الأمر في القضاء وإن كان مراً؛ إلا أن الله جل وعلا يقدر فيه أعظم المنة وأكرم المنحة، وأجل العطية، وأفضل الهبة، في أمرٍ ترى ظاهره أمراً تكرهه وحقيقته أمرٌ من الأمور التي تحبها، قد يموت قريبٌ لك بحادثٍ في السيارة، فتقول سبحان الله! كيف مات هذه الميتة؟ لا شك أن أجله هو في تلك اللحظة، سواء كان في الطائرة، أو في السيارة، أو على فراشه، لكن الله قدر المصيبة أن تكون في حادثٍ من الحوادث وما يدريك لعله أوشك أن يفضي إلى ربه وقد بقيت في ذمته سيئاتٌ ما تاب منها، فشدد الله عليه البلاء والعقوبة في آخر لحظة من لحظات عمره حتى تكون ممحصة ومزيلة لك الذنوب، فيقدم على ربه طاهراً مطهراً، ونحن في ظاهر الأمر نبكي أو نجزع وهو في حقيقة الأمر عين الرحمة، وعين الرضا، وعين اللطف بهذا العبد الذي توفاه الله جل وعلا.

стр. 2650

تأويل الخضر لإقامة الجدار هذه من أجل الأحكام والدروس والعبر التي وردت في قصة موسى مع الخضر ﵇ ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٨٢]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2651

كيفية الحفاظ على الأبناء والذرية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة والوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة! وما كان من شأن الخضر ﵇ مع موسى لما أقام الجدار الذي وجده مائلاً، قيل أنه أعاد بناءه، وقيل أنه أماله بيده، فاستقام الجدار صلباً، في هذا فائدة عظيمة في قوله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢] فصلاح الآباء يحفظ الأبناء ويحفظ الذرية ويحفظ مستقبلهم، إن التأمينات ليست هي التي تحفظ أولادك من بعدك، إلم يحفظهم الله فقد ضاعوا، ومن ضيعه الله فلا حافظ له، ومن يحفظه الله فلا مضيع له، وكان أبوهما صالحاً، فصلاح الآباء يبلغ الأبناء قيل ولو إلى السابع من الذرية. جاء في بعض الآثار عن الله جل وعلا: (أنا الله إذا رضيت باركت، وإذا باركت بلغت بركتي السابع من الولد) ولما حضر عمر بن عبد العزيز الوفاة، قيل: لو تركت لأولادك شيئاً يا أمير المؤمنين! يا خليفة المسلمين! يا من بيدك الكنوز! قال: والله لا أترك لهم شيئاً إن كانوا صالحين فلن يضيعهم الله، وإن كانوا غير ذلك فلا أدع لهم مالاً يتقوون به على معصية الله، قال الراوي: فوالله لقد رأيت كل واحدٍ من أبناء عمر بن عبد العزيز قد حمل على مائة بعير في سبيل الله بأحلاسها وأقتابها. التقوى هي التي تحفظ الأبناء من بعدنا، مراقبة الله جل وعلا، الخوف من الله هو أعظم تأمينٍ على الحياة، وأعظم تأمينٍ على الذرية، وأعظم تأمينٍ على الأموال، وأعظم تأمينٍ على الزوجات والأولاد والبنات، ولذلك لما ذكر الله في أول سورة النساء شأن اليتامى والتحذير من أكل أموالهم، والزواج من اليتامى، ومعاملتهم بالمعروف، وعدم تسليم الأموال إليهم حتى يبتلوا في تصرفاتهم ومعاملاتهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٩] أتخشون أن تتركوا أطفالاً زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجرُ؟ أتخشون أن تتركوا ذرية ضعافاً؟ أتخافون على الأطفال؟ أتخافون على الأولاد والبنات؟ نعم. والله كلنا نخاف على أولادنا من بعدنا. كيف نؤمن مستقبلهم؟ نتقي الله جل وعلا فيحفظهم الله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٩] ما الحل؟ ما الشأن؟ ما الجواب. ؟ ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩]. فتقوى الله هي خير ما يحفظ الضعاف، وخير ما يحفظ الأيتام، وخير ما يحفظ الصغار من بعدنا. وجاء في تفسير الآية ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢] قيل: كان أباً سابعاً لهما، ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] قال العلماء: فيه دلالة على أن الخضر نبيٌ أو رسول لأنه قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] فدل ذلك على أنه وحيٌ وعلمٌ من وحي الله وعلم الله ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٨٢]. اللهم إنا نسألك الفقه في كتابك، والعلم بسنة نبيك، ونسألك اللهم علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، ودعاءً مرفوعاً، اللهم ارفعنا وانفعنا بالقرآن العظيم، اللهم انفعنا وارفعنا بكتابك الكريم. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمدٍ من بينهم سالمين. اللهم اهدِ إمام المسلمين، وأصلح بطانته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على كتابك وسنة نبيك يا رب العالمين! اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلاً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا غائباً إلا رددته. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية، ومن كان منهم ميتاً اللهم فجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفرانا، واجمعنا اللهم بهم في دار كرامتك يا رب العالمين! اللهم استعملنا في طاعتك، اللهم استعملنا في مرضاتك، اللهم حِلْ بيننا وبين أسباب سخطك وموجبات عقوبتك وغضبك يا أرحم الرحمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ربنا إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً طبقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم أغثنا غيثاً تنبت لنا به الزرع، وتدر لنا به الضرع، اللهم إن عظمت ذنوبنا فإن فضلك أعظم، وإن كثرت معاصينا فإن رحمتك أكثر وأكبر، الله اسقنا ولا تجعلنا من القانطين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2652

وقفات تربوية يقول ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فمن تولى أمراً من أمور المسلمين فهو راع ومسئول عن رعيته يوم القيامة، حتى لو كان مدرساً فهو مسئول عن طلابه في فصله وعن ريادته لهم، وكلما كانت الرعية في حال من الضعف كانت المسئولية أعظم، وقد تكلم الشيخ عن ذلك بأمور تفيد المربي في تربيته.

стр. 2653

ستر الله على عبده الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها الأحبة الفضلاء، والإخوة النبلاء! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كل يوم لا نعصي الله فيه فهو يوم عيد، وكل يوم نتشرف بلقاء أحبة كرام بررة أمثالكم فهو يوم عيد، إني لشاكر لأخوي ما ذكراه في مقدمتيهما المباركة، مع أنني لا أستحق ما ذكره الأول جزاه الله كل خير مما أحسن به الظن، وأسأل الله أن يستجيب ما دعا به أيضاً. ومن جمّله الله في الدنيا فإنما جمّله الله بالستر، وكما يقول ابن الجوزي ﵀ في صيد الخاطر: يا أيها المسكين! إذا رأيت إعجاب الناس بك فاعلم أنما أعجبهم ستر الله عليك؛ لأن العبد إذا كشف الله للخلق كل مساوئه -حتى ولو سيئاته في تعامله مع أولاده وأهله- ربما نفر الخلق منه، ولكن الله ستير يحب الستر، ويستر على عباده ما يكون منهم، من هفوات أو غلطات أو رعونة أو غضب أو غير ذلك، فلا يرى الناس منا ظاهراً إلا أحسن ما زيننا الله به وهو الستر. وما يكون بيننا في خاصة أحوالنا وبيوتنا وأولادنا -كل لا يخلو من عيب أو نقص، والكمال لله فذاك جميل لولا بخل فيه، وذاك طيب لولا غضب فيه، وذاك صالح لولا هفوة منه، وذاك وذاك إلى غيرك ذلك. ومن ثم أحبتي في الله! من سمع ثناء على أحد، فليعلم أن هذا الذي أثُني عليه إنما استحق الثناء بسبب صفة من صفات الله، وهي صفة ستر الله على عباده، إن الله ستير يحب الستر، ولذلك ندب المصطفى ﷺ إلى من ستره الله أن يمسك ستر الله عليه، وألا يهتك أستار الله عنه، فقال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون قيل: ومن المجاهر يا رسول الله؟ قال: من يمسي يعصي الله، فيصبح يهتك ستر الله عليه، يقول: فعلت البارحة كذا وكذا). ومن دلائل هذه الصفة، أن الله ستير يحب الستر: أن الأشعة المقطعية والتحاليل المجهرية والمخبرية لا تستطيع أن تكشف الشخص هل هو بخيل، أم كاذب، أم صادق، أم مخلص، أم منافق، أم جاد، أم هازل، أم غير ذلك؟ أنت تستطيع أن تجد هذا الشخص، وتأخذ عينات من دمه، وعينات من عظمه ولحمه، وتجعل جسمه بالكامل تحت ما يسمى بالكات اسكان -الأشعة المقطعية- ومع ذلك لا تستطيع أن تحكم بعد هذه التحاليل أن تقول: أظهرت التحاليل أن فلاناً بخيل، أو أن فلاناً كريم، أو أن فلاناً سريع الغضب، أو لين العريكة، أو جميل التواضع، أو حسن الخلق، أو نبيل المعاملة، هذا شيء تعلمونه تماماً. فأسأل الله أن يتم علينا وعليكم ستره، وأسأل الله أن يثبتنا وإياكم على طاعته، وأن يصلح أحوالنا جميعاً، وما أحوجنا إلى سؤال الله الثبات، فإن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء. وما سمي الإنسان إلا لنسيه وما القلب إلا لأنه يتقلب أحبتنا في الله: بعد شكري لإدارة هذا المعهد، ولإخوتي الأساتذة الفضلاء، وأولياء الأمور، وأخص صديقي وحبيبي في الله الأستاذ/ سعود بن ناصر السياري صديق الصبا على ما أكرمني به من هذه الدعوة شاكراً ومقدراً حسن ظن الجميع بي.

стр. 2654

الإعاقة ليست مانعاً من الإنتاج والبذل والعطاء أقول أيها الأحبة: لا أظن أن عامّياً في مجال التعليم الخاص مثلي يمكن أن يضيف إلى معارف المختصين والمهتمين شيئاً جديداً، سوى إرشادات وتوجيهات لا تعدوا أن تكون مواعظ، وتأملات مكتوبة، لعلها أن تدفعنا جميعاً إلى مزيد البذل والعناية والرعاية والاهتمام. ونحن حينما ننطلق في كل أعمالنا إنما ننطلق من قول النبي ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فالحاكم راع ومسئول عن الرعية، ورب البيت راع ومسئول عن أولاده وزوجته وبناته، والمدرس راع ومسئول عن طلابه في فصله، وعن ريادته، والتعليم في شتى مجالاته، وعلى اختلاف مستوياته (الثانوي والجامعي وغيره) كل من تولى فيه مسئولية فهو فيها راع، ومسئول ومحاسب بين يدي الله . ولا تقف المسئولية فقط في هذه الصور التي ذكرنا، بل حتى ضابط المرور راع ومسئول عن هذا الطريق الذي وكل به، ورجل الأمن راع ومسئول عن ذلك، والشرطي والجندي والحارس، وكل من تولى أو أسند إليه أمر، سواءً بتكليف الشرع، أو بتكليف من له الولاية على الناس في الشرع، فإنه راع وهو مسئول أمام الله عن ذلك. والعناية بالذين يحتاجون إلى عناية خاصة وتعليم خاص، لا شك أنه نوع من المسئولية التي نسأل عنها، ونحاسب عليها، سيما من أسندت إليهم هذه الهمة، بحكم اختصاصهم وتعلمهم، وكلما كانت الرعية في حال من الضعف، كلما كانت المسئولية أعظم، ألا ترون أن الطفل السوي يحتاج إلى عناية ورعاية تفوق رعاية الكبير والعناية به، فإذا كان الطفل معوقاً فهذا لا يعفي من المسئولية بل يزيدنا تحملاً. وإن كان كثيراً من الناس اليوم يظن أن الإعاقة عذر في الإهمال، وعذر في ترك الرعاية، وهذا ليس بصحيح أبداً. نعم. إن نوع الإعاقة يتباين من شخص إلى آخر، ويترتب على هذا التباين أحكام عديدة ومختلفة، يتحكم فيها المستوى العقلي والإدراك الذي هو مناط التكليف في الشريعة، فمن إعاقته في بصره يختلف حاله وتعليمه عمن إعاقته في سمعه ونطقه ومن إعاقته في سمعه ونطقه، يختلف تعليمه وحاله عمن إعاقته في ضعف تلقيه، يختلف حاله عمن إعاقته في أطرافه وجوارحه. فكلها على الاصطلاح الحديث المعاصر تدخل في نوع الإعاقة، لكن تباين أنواع الإعاقة يملي أنواعاً جديدة مختلفة من العناية والاهتمام في الأساليب والوسائل وغير ذلك، فعلى سبيل المثال: المجنون الذي لا يعقل شيئاً غير مكلف في الشرع، حتى ولو كان أقوى من المصارعين بدناً، أو أسرع من العدائين ركضاً، أو أحد من زرقاء اليمامة بصراً. وما ذاك إلا لغياب العقل، فربما ترى مجنوناً طويلاً عريض القامة مفتول العضلات، قوي الهيئة، ومع ذلك لا يستطيع أن يدبر من حاله شيئاً يسيراً، وربما من نسميه معاقاً يفوقه درجات كثيرة جداً في حاله، وهذا يؤكد أن اختلاف نوع الإعاقة يملي من الأحكام الشرعية، والوسائل التعليمية ونوع المعاملة أشياء كثيرة تختلف باختلاف نوع الإعاقة. وفي المقابل قد ترى معوقاً في سمعه أو بصره أو طرفاً من أطرافه لكنه يقود أمة من الأمم، ويفزع جيوشاً، ويزعج دولة، على سبيل المثال في عصرنا الحاضر كلكم يسمع بالشيخ أحمد ياسين في فلسطين، مكث زمناً طويلاً في سجون إسرائيل، ودولة اليهود عجزت عن هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يرفع الطعام إلى فمه، ولا يستطيع أن يتحرك خطوة بقدمه، ولا يستطيع أن يقلب ورقة عن منضدة أمامه، هذا الرجل يصدق عليه أن إعاقته في الجوارح والأطراف إعاقة رباعية كاملة، إلا أنه يزعج دولة إسرائيل إزعاجاً لا حدود له. ولولا أنها تخشى من مشكلات تتفجر وتتفاقم ويصعب السيطرة عليها لم تتردد في قتله في السجن، لكنها آثرت أن تخرجه لما تردت حالته الصحية، آثروا أن يخرجوه لعله أن يموت خارج السجن، فكتب الله له العافية والشفاء، وجاء وأخذ جولة في كثير من الدول العربية ثم عاد، ولا يزال غصة وشجاً في حلق اليهود هناك. إذاً: ليست الإعاقة دالة على عدم الإنتاج، وليست الإعاقة دالة على عدم العطاء أو البذل أو القدرة على التغيير والتأثير، ليس هذا على إطلاقه أبداً، ولا نذهب بعيداً فقبل أحمد ياسين، سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز، هو فاقد للبصر ومع ذلك يقود أمة المبصرين، ويعد عالماً بل شيخ الإسلام في عصره، ولا يستطيع أحد أن ينسب عالماً إلى درجته في علمه وحلمه وكرمه وجاهه، وبذله نفسه وشفاعته، وقضاء حوائج المسلمين ليس فقط في هذه البلاد، بل في العالم أجمع، ولم يمنع سماحته ﵀ فقده البصر من أن يكون رجلاً عالمياً وشيخ الإسلام في حياته. إذاً: نحتاج إلى أن نغير النظرة والتصور عن المعوقين، تلك النظرة القاصرة عند كثير من الناس الذين يرون المعوق كتلة من اللحم والعظم البشري لا يمكن أن تستثمر، ولا يمكن أن يستفاد مما فيها من مواهب أو طاقات أو قدرات، بل إن كثيراً من النظريات المعاصرة في هذا المجال تقول: إن نوع الإعاقة قد يقود إلى الإبداع والاختراع، وذلك ربما يشعر الإنسان بأن لديه نقص في جانب، ومن ثم يغطي هذا النقص بقوة التحدي والعناد والإصرار والثبات والدأب والجلد لكي يبدع في جوانب شتى، وهذا أمر ملاحظ. وحسبنا أن نعلم أن الكثير من المبتكرين والمخترعين لم يكونوا ليبدعوا بكمال الأجسام وحمل الأثقال، وإنما أبدعوا بإعمال العقول، وإطالة التأمل وكثرة التفكير، وتلك عبادة يحث عليها الشرع ويثيب عليها، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. فأولوا الألباب الذين أثنى عليهم الله في كتابه لم يحدد وزن أجسامهم، ولا طول قاماتهم، ولا قدراتهم البدنية، وإنما أثنى عليهم بكثرة ذكر الله، وبكثرة تفكرهم في خلق الله . وينبغي أن نعلم أن الإنسان لا يوجد معدوماً، ولكنه يكتشف موجوداً، الغرب لم يوجدوا قانوناً اسمه السرعة مع الكتلة يؤدي إلى طيران الحجم المتسارع في كتلة معينة على وضع معين، لا. هذه قوانين الله سنّها، هذه سنن كونية في الكون، الله من سنته الجاذبية، ومن سنته أن هناك أشياء تطفوا على المياه، ومن سنته أن الهواء ينقل الصور والكلمات، من سنن الله في الكون أشياء كثيرة. فالغربي حينما يجلس في المختبر أو مكان التجارب التطبيقية، والمشاهدات والتحليل وغير ذلك، هو في الحقيقة لا يجلس ليبحث عن شيء معدوم ليوجده، وإنما هو يجرب تجارب عديدة حتى يكتشف شيئاً موجوداً، إذاً هو الذي سخر لكم ما في الأرض جميعاً، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] وكل ما ذلله الله وسخر الله تكتشفه العقول بالتفكير، ولم تكن يوماً طول القامات أو ضخامة الأجسام هي السبيل إلى معرفة دقائق الكون. بل أن الله دعانا لنتأمل، وجعل الإعجاز في هذا التحدي بالتأمل ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ﴾ [فصلت:٥٣] وحتى هذا المعوق الذي ربما يظن البعض أنه قد لا يجدي شيئاً، ولا ينتج شيئاً، ربما طول تفكره في إعاقته تكون سبباً لحل مشكلة الأجيال القادمة في مواجهة الإعاقة، فهذا المعوق ربما طول تفكيره في مشكلته هو السبب والمفتاح الذي يقدم للبشرية وللأجيال القادمة البشارة بانتهاء عصر هذا النوع من الإعاقة على يد واحد من المعوقين لما طالت معاناتهم. ومعلوم أن بعض الأطباء الذين اكتشفوا بعض العقارات والأدوية لمواجهة بعض الأمراض كانوا هم أنفسهم يعانون من نفس المرض، الأمر الذي قادهم إلى التفكير في علاجه طويلاً وكثيراً. إذاً أيها الأحبة! ينبغي أن ننظر إلى المعوق أنه يمكن أن يستثمر طاقاته العقلية استثماراً متناسباً ومتوائماً ومتوافقاً مع مراحل عمره الزمنية، وأننا نستطيع أن نوجد من هذا الكائن الذي أمامنا إنساناً يفيد نفسه ومجتمعه، والحذر من أن يرى منا المعوق، أو ذلك الذي يحتاج إلى نوع من أنواع التعليم الخاص، أن يرى منا الازدراء أو الهوان، أو أنه لا يبالى به، ولا ينتفع به، ولا يقدم شيئاً أبداً، لا. فكل واحد يجعل الله فيه خيراً، مادام عنده عقل يفكر به. دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر وتحسب أنك جسم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر أيها الأحبة! أذكر ذات مرة أنني دعيت إلى معهد الأمل للصم والبكم لإلقاء محاضرة، وكان عندهم كل يوم إثنين من أول الشهر محاضرة يستضيفون فيها بعض المشايخ، ولهم عالم عجيب وغريب وممتع وجميل لمن يختلط بهم، لأنه ليس هناك إزعاج، ولا تسمع ضجيجاً، لكنهم في الحقيقة في ضجيج من الإشارات والكلمات، حتى إن الأستاذ عبد الرحمن الفهيد -ذكره الله بخير- كان هو الذي يترجم الكلمات إلى إشارات، فأحياناً أريد أن أتأكد هل هؤلاء الذين لا ينطقون ولا يسمعون يفهمون الكلام الذي يترجم بالإشارة، فأعمد إلى سرد بعض القصص المضحكة أو الطرائف الفكاهية، حتى أنظر هل هم فعلاً يفهمون هذه الكلمات حينما تترجم بالإشارة، فأجد أنهم حينما تسرد عليهم قصة مضحكة أو طرفة فكاهية يتساقطون ضحكاً فهم فهموا هذه القصة التي ترجمت لهم بالإشارة فهماً دقيقاً. ومن الغرائب الجميلة -لا بأس أن نستمتع ببعض القصص معهم- أن أحدهم دعاني ذات مرة لحضور زواجه، فمع الاحتكاك أصبحنا نتعلم منهم بعض الإشارات وبعض الكلمات، فدعوت شخصاً كان حاضراً معنا في الزواج، فقلنا له: أنت متى تتزوج؟ وإشارة الزواج عندهم هي شبك الأصابع هكذا، هذه إشارة فصيحة، وإذا أراد أن يكلمك بالإشارة العامية يحرك لسانه ويفعل هكذا، أي: زغردة. فناديته وقلت له: متى زواجك؟ فضحكوا كلهم على هذه الإشارة، قالوا: لا. هذه معناها سحب سيارة، طيب كيف إشارة الزواج؟ إشارة الزواج هكذا، لاحظ دقة الإشارة، وهي تع

стр. 2655

وقفة مع مدرس التربية الخاصة هذه وقفة مع مدرس التربية الخاصة أقول فيها: إذا علمت ذلك فتأمل وتأكد أنك كغيرك من المعلمين، لا شك أنك قدوة يتأثر بك من حولك، ويتلقى عنك، فاتق الله واجتهد أن تكون قدوة حسنة صالحة في كل أحوالك، وخاصة أمام طلابك ممن يحتاجون إلى تعليم خاص، أو هذا النوع من التعليم. لا تظن أن هذا الذي يحتاج إلى مهارات متقدمة في التعليم الخاص معناه أنه قاصر الإدراك، ومن ثم لا يتأثر بأستاذه وبمعلمه، إن البهائم تتأثر وهي البهائم بالاختلاط والمخالطة، فما بالك ببعض الطلاب الذين لديهم نوع قصور في بعض الجوانب، هل نظن أنهم لا يتأثرون؟ الجواب لا. الحقيقة أنهم يتأثرون، ومن هنا تتضاعف المسئولية، والأمانة الملقاة على عاتق مدرس ومعلم التربية الخاصة، ليتق الله في هؤلاء. ثم ليجعل معلم التربية الخاصة أمام عينه أنه معلم يحتسب الأجر في التعليم الذي لا يتقنه كثير من المعلمين. قد يكون الطالب السوي أمام معلم مهمل في المدارس الابتدائية العادية، لكن هذا الطالب قد يعوض إهمال معلمه بتعليم خصوصي أستاذ خصوصي، دروس خصوصية، أو تعليم في البيت، أو قدرات ذاتية، أو وسائل تلقين وتعليم أخرى، لكن الطالب الذي يحتاج إلى تعليم خاص إذا أهمل معلمه فلا يوجد في البيت متخصص في التعليم الخاص، ولا يوجد في كثير من الوسائل الإعلامية وغيرها ما يعين على تعليم هذا الذي يحتاج إلى هذا النوع. ولذا تكون المسئولية على معلم التعليم الخاص في الحقيقة أكثر، لكن معلم التربية الخاصة لا يعوض جهده شيء من تعليم أسرة أو قدرة ذاتية، فالطالب الذي يحتاج إلى التعليم الخاص إذا أهمله معلمه أو لم يلتفت له، فقل: ﵇. ومن فاته التعليم وقت شبابه فكبر عليه أربعاً لوفاته ومن لم يذق مر التعلم ساعة تجرع ذل الجهل طول حياته هنا مسألة مهمة، وهي دور الأسرة في الرعاية والمعاملة لهذا الذي يحتاج إلى هذا النوع الخاص من التعليم. فبعض الأسر ربما أشعروا ولدهم أنه فرد عادي كسائر أفراد الأسرة، ويعطونه ما يتحمل من المسئوليات، ويخاطبونه بما يفهم من أنواع الخطاب، ويكلفونه بما يطيق من أنواع التكاليف، ومن ثم يشعرونه أنه قريب إلى الأسوياء، إن لم يكن يرى نفسه سوياً كالآخرين، فلا يجد أي عقدة تواجهه في تعامله وسلوكه وتصرفاته. ولكن في الحقيقة بعض الأسر إما بسبب الإهمال والاحتقار، أو بسبب مزيد من الدلال والخوف، أشعروا ولدهم بواحد من هذين السببين، أو بهما مجتمعين أو متفرقين ربما أشعروه أنه مصيبة نزلت عليهم، وأنه بلوى لا يجدون لها خلاصاً إلا بنقله إلى المقبرة، وأنه حالة عجز لا تقاوم ولا يستفاد منها بأي حال من الأحوال. ومن هنا فإني أقول لأولياء الأمور: أنتم مسئولون في هذا الجانب، أشعروه بما يستطيعه ويطيقه من تكاليف، ويستوعبه من خطاب أنه سوي إن لم يكن قريباً من السوي، أما أن نعامل البقية معاملة السوي، وهذا الذي عنده نوع نقص معين قلنا عنه: مجنون، ناقص عقل، ودائماً هذه العبارات التي يسمعها منا هي في الحقيقة تجهض كل بدايات تتوجه في عقله نحو الانطلاق والانفتاح والاستيعاب والفهم. وأذكر ذات مرة أني رأيت فلماً مترجماً فيه امرأة تحكي قصة تعاملها مع ابنتها التي ليست فيها إعاقة واحدة بل عدة إعاقات، لكن هذه البنية لديها قدرات ممتازة، وتفهم الخطاب، وتستجيب، ولديها تفاعل، وعندها هوايات معينة. ففي هذا اللقاء تسأل المرأة قيل لها: كيف استطعتِ أن تبلغي بهذه البنت هذا المستوى الذي ربما بعض الأطفال الأسوياء لم يبلغوه حتى الآن؟ -مقارنة بالعمر الزمني والعقلي إذا ناسبت بينهما- فتقول: كرست لها أمرين: أعطيت لها من وقتي كل يوم جزءاً، وأعطيت جميع أهل البيت الأوامر الصارمة في احترامها والتعامل معها قدر الإمكان كأنها سوية، ومن ثم استطعنا أن نرتقي بقدراتها. يا إخوان! البهائم لها تصرف معين، لكنها إذا علّمت بطريقة معينة تعلمت، لا يمكن أن تجدوا -وأجلكم الله- حماراً أو بقرة أو ناقة أو جملاً يشتغل في السقي والحمل وغير ذلك من أول وهلة، هذا لا يقارن ولا ينسب إليه، ومع أنها بهائم وعجماوات تعلم وتعسف، ثم تتقن العمل تماماً، الآن هناك جهود ودراسات لمحاولة التخاطب والتعامل والاستفادة من الدلافين في البحار، ولعلها تكون وسيلة لتوجيه بعض السفن الكبيرة لتفادي الشعب المرجانية في بعض المواقع حتى لا تغرق ولا يحصل لها مشكلات كبيرة. انظروا إلى درجة عقول الغرب، وهؤلاء كما قال الله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] إذا كان هؤلاء يريدون أن يتعاملوا حتى مع البهائم ليستفيدوا من أكبر قدر ممكن من طاقاتها، يوجد -مثلاً- في بعض البلاد كلاب متخصصة لقيادة العميان، تجد شخصاً كفيفاً ومعه كلب يقوده، يقف عند الإشارة ويعرف الإشارة متى تكون خضراء ويقطع به الإشارة، ومتى تكون حمراء، لكنه لا يعرف إذا صارت صفراء أنه يستعجل ويقطع به، لا. الحاصل أنهم استغلوا حتى البهائم للاستفادة من أعلى قدر ممكن من استيعابها واستجابتها لتوظيف هذه القدرات في خدمة الإنسان، فنحن من باب أولى أن نستفيد من توجيه الإنسان وتنمية طاقاته لكي يفيد نفسه أولاً، ولعل أن يستفيد المجتمع منه ثانياً. ولأجل ذلك فإني أكرر النصيحة لشريحتين، شريحة المعلمين وشريحة أولياء الأمور أن يلتفتوا إلى هؤلاء الذين يتلقون هذا النوع من التعليم والرعاية، فلا يعاملونهم معاملة النقص والازدراء، وليتقوا الله في سلوكهم وتصرفاتهم أمامهم، ولا يجمل ولا ينبغي بأستاذ أن يدخن سيجارته أمام طلابه إذا كان مبتلاً بالتدخين، فإذا بليتم فاستتروا، وأسأل الله لنا وله الهداية. أشياء أخرى كثيرة كل ما تراه نقصاً أو عيباً فتجنبه حتى وإن كان هذا ممن تراه ناقصاً في الإدراك، أو تظن أنه لا يستوعب كثيراً، وأظن أن معلمي التعليم الخاص أدرى مني بدقائق هذه الأمور. يذكر أحد الكتاب يقول: أن ملكاً من الملوك كان له وزير، وهذا الوزير عنده فراسة عجيبة جداً، فأهدي لهذا الملك صقر -طير من الطيور الجارحة التي تصيد- فتقبل الملك هذه الهدية، وسأل الوزير قائلاً له: ما رأيك في هذا الصقر؟ قال: هذا الصقر جيد، حر، لكن هذا الصقر قد تربى مع الدجاج، فعجب الملك وصمت، وأدخل هذا الصقر مع الطيور التي عنده. وبعد أيام أهدي إلى الملك حصان، فدعا وزيره وقال: ما رأيك في هذا الحصان الذي أهدي إلينا؟ قال: هذا حصان جيد وممتاز ومن سلالة أصيلة، ولكنه تربى مع أبقار. استغرب الملك، الصقر مترب مع دجاج! والحصان تربى مع أبقار! من أين يأتي بهذا؟ هذا يوحى إليه؟ أم عنده خيال؟ فبعد زمن دعي الملك إلى وليمة، فجيء بالوزير، قال: ما رأيك في هذه الوليمة؟ قال: هذه خراف لذيذة ولا تزال صغيرة، لكنها ترضع من الخنازير، فجن جنون الملك، وأمسك به وبتلابيبه، وقال: تعال، إما أن تخبرني عن قصة هذا الصقر الذي تربى مع دجاج، وهذا الحصان الذي تربى مع بقر، وهذه الخراف التي رضعت من خنازير، أو أنك ساحرٌ أو تدعي النبوة. قال: لا. أما الصقر فرأيته منذ أهدي إليك، نظرت إليه في القفص، كل الصقور التي عندك على أوتار، أما هو على الأرض ينقر في الديدان وفي الأرض كما تفعل الدجاج، وهذا يدل على أنه منذ صغره تربى مع دجاج فأخذ طباعها، فانظر كيف تتأثر البهائم ببعضها، والطيور تتأثر ببعضها وتتحول، فلو أتيت بحيوان من فصيلة ما، وجعلته مع حيوانات من فصيلة أخرى، فإنه ينسى كامل صفاته وخصائصه، ويقلد خصائص وصفات وتصرفات الحيوانات التي هي من الفصيلة الأخرى. قال: حسناً، وقصة الحصان؟ قال: أما الحصان، فنحن نعرف أن الأحصنة تتنظف بأسنانها، أما هذا فيلحس بلسانه يميناً وشمالاً، وليست من عادة الأحصنة أنها تفعل هكذا بالجدران والأجسام وغير ذلك. قال: وأما الخراف؟ قال: أما الخراف فرأيت اللحم طبقة من شحم وطبقة من لحم، وطبقة من شحم وطبقة من لحم، وهذا لا يكون إلا في الخنازير، فأيقنت أنها قد رضعت منها، فاكتسبت صفاتها. الشاهد من القصة: إذا كانت البهائم تتأثر بعضها ببعض، فمن باب أولى ألا نظن أن من يحتاج إلى التعليم الخاص، مسكين أبله معتوه لا يفهم ولا يتأثر، لا. يتأثر في تصرفات وحركات دقيقة من أستاذه ومعلمه، ومن أسرته وبيته ووالديه، هم لا يظنون أنه يتأثر بهم، من هنا فلا بد أن نتفانى في رفع مستوى الأداء للنهوض بالعملية التربوية، بتكاتف جهودنا وتعاوننا، والاهتمام بوقت هؤلاء الذين جعلهم الله أمانة في أعناقنا، ولأن الوقت الذي نقضيه في هذا المعهد هو في الحقيقة ملك لهؤلاء، فلا يجوز أن نسلبهم من أوقاتهم شيئاً، وأن يتواصى بعضنا بعضاً، يتواصى المدرسون بعضهم مع بعض، ويتواصى الأولياء والمدرسون جميعاً على العناية بأولادهم. وأكرر ادفعوهم دائماً بالحب والاحترام والتشجيع، وإياكم والتحقير والاستهزاء ونظرة الازدراء، فإنها تقتل المواهب وتجهض الطاقات، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 2656

الأسئلة

стр. 2657

حكم قضاء الفائت من الصلاة السؤال لو أن شخصاً تاب ثم صلى مع كل صلاه صلاة إضافية فهل تسقط عنه صلاته التي تركها أيام لهوه؟ الجواب إن كان أيام سفهه أو عبثه ترك الصلاة جملة، أي: توقف عن الصلاة سراً وعلناً ظاهراً وباطناً، لا يصلي لا في البيت ولا في المسجد ولا مع الجماعة، ترك الصلاة زمناً فهذا في الحقيقة حكمه حكم الكافر، ويعتبر عودته إلى الصلاة كمن دخل في الإسلام من جديد، فلا يلزمه قضاء ما مضى، وإنما عليه التوبة والإكثار من الحسنات والنوافل التي تمحو السيئات، وأما إن كان يصلي فترة ويقطع فترة، فمثل هذا مثل من تهاون ولزمه أن يقضي ما فاته، فعليه أن يقدر، أي: لو قيل له: أنت كم تركت الصلاة؟ ثلاثة أشهر، يقول: لا. كم تقريباً شهر؟ يقول: والله شهر كنت أضيع بعض الصلوات، يوم أصلي ويوم أجمع ويوم لا أصلي، فنقول له: اجتهد في التقدير، وصل ما استطعت مما تذكره؛ لأن هذا يعتبر قضاء، والقضاء على خلاف بين أهل العلم، هل هو مضيق أو موسع، وبعضهم يذهب إلى أنه موسع، فنقول: صل ما استطعت قضاءً مع كل صلاة صلاتين، أو في أوقات نشاطك أو قدرتك، ومع توبة وإنابة واستغفار عما فعلت فيما مضى. أما من ترك الصلاة بالكلية، فنقول له: ما مضى كان في عهد كفر؛ لأن (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).

стр. 2658

حكم زواج المتخلف عقلياً السؤال ما رأي فضيلتكم في زواج المتخلف عقلياً، هل هناك شروط لهذا الزواج؟ الجواب إذا كان متخلف تماماً، وليس عنده أي وعي، وفي حكم المجنون، ففي الحقيقة من الأولى عدم تزويجه، أما إذا كان يعقل فترة ويغيب عقله فترات، فلا بأس أن يزوج هذا ويكون العقد في حال عقله وإدراكه، لأن العقد يحتاج إلى إيجاب وقبول، وإن كان نص أهل العلم على أن الصغير يزوج، ووليه يتولى العقد نيابة عنه، لكن نقول: لمثل هذا لعله أن يكون من نسله وذريته من يعتني به ويحافظ عليه، ويكون -أيضاً- في رجاء عقله ما يحمله المسئولية، أما من كان في منتهى وغاية التخلف العقلي فلا يغش به أحد، ولا يغر به أحد.

стр. 2659

ضوابط ضرب الطفل المعاق السؤال فضيلة الشيخ سلمه الله! هل يجوز ضرب الطفل المعاق إذا أخطأ؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب الضرب لا بأس به ولكن بضوابط، أن يكون غير مبرح، وألا يكون في الوجه، وألا يكون مضراً، وألا يكون عادة -أيضاً- وإلا فإن الله قد ذكره وذكره النبي ﷺ ، قال تعالى في شأن النساء: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] فدل على أن الضرب وسيلة تربوية، حتى للنساء اللائى تزوجن، ولكن ضرب غير مبرح، ضرب يدل على عدم الرضا بالفعل، أو على الغضب من التصرف، ولا يكون ضرباً من باب منازلات المصارعين على حلبات المصارعة. بعض الناس إذا أراد أن يضرب ولده -نسأل الله السلامة والعافية- كأنما هو جلاد في زنزانة يضرب مجرماً ليجبره على الاعتراف، وهذا لا يجوز أبداً، والنبي ﷺ قد مقت ذلك وأنكره، قال: (يعمد أحدكم إلى امرأته فيضربها ضرب البعير ولعله يراجعها آخر النهار) هذا لا يليق، كذلك النبي ﷺ قال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) فالمتخلف عقلياً إذا كان لا يعقل بالتوجيه فكيف يعقل بالضرب، لكن يجتهد الإنسان في العناية به مع الرحمة، و (الراحمون يرحمهم الرحمان). أنا أظن لو أن إنساناً رأى قطة كسيرة في الشارع، واستطاع أن يعالجها، ما تردد أن يأخذها ليعالجها، ولو رأى بهيمة قد أصيبت بكسر أو شيء من ذلك واستطاع أن يقدم شيئاً لفعل. فمن باب أولى هذا الطفل الذي يحتاج إلى نوع معين من التربية والمعاملة، والحذر الحذر من الضرب، ومثل هؤلاء لا يضربون ولا ينبغي ضربهم ولا يجوز، وإن كنت أذكر زرت دولة من الدول، وزرت المتخلفين والمعوقين عقلياً بدرجة معينة، فوجدت عجباً من أنواع المعاملة السيئة والأذية والضرب الذي لا يطيقه الأسوياء، فمثل هؤلاء إذا كانوا لا يعقلون فما الفائدة من الضرب؟ لا بد من أساليب معينة ترغبهم وترهبهم من غير ضرب موجع وشيء مضر.

стр. 2660

العقل مناط التكليف السؤال هنا سؤالان قد تكون إجابتهما واحدة: السؤال الأول: ابني لديه إعاقة فكرية متوسطة يطلب مني دائماً اصطحابه لصلاة الجماعة في المسجد، ويصحو عند صلاة الفجر، فهل الصلاة واجبة عليه؟ وهل لي ثواب على دوام اصطحابه للصلاة في الجماعة؟ السؤال الثاني: هل الشخص المتخلف عقلياً شخص محاسب عند الله، وهل المعلم محاسب في تقصيره وعدم جديته في تعليم هذه الفئة أمور الدين؟ الجواب الذي يعقل فإننا مأمورون أن نكلفه بأوامر الشرع بقدر ما يعقل، من صيام وصلاة وعبادة وكل ما يتعلق بها، ونتبسط معه تماماً، ولله الحمد والمنّة أن هذا الدين هو دين الفطرة، وأن معرفة أساسيات الدين يعرفها الصغير والكبير والعامي والمتعلم والعجوز الهرم والشاب الفتي والمرأة العجوز والفتاة الشابة، فبقدر ما يعقل يلزمنا أن نعلم وأن نأمر وننهى. أما المتخلف فإن الله لا يعذبه لقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يعقل، والنائم حتى يستيقظ، والصغير حتى يبلغ) فهذه مسألة مهمة جداً، الذي لا يعقل لا يكلفه الله ، مناط التكليف هو العقل، أما من يعقل فبقدر ما يعقل ينبغي أن نأمره ويتعود على ذلك، مثل الصلاة يمكن أن يتعود عليها ويمكن أن يألفها، وينبغي لك أن تصحبه معك إلى المسجد مادمت تأمن محافظته على طهارته، وتأمن تلويثه للمسجد، وتأمن عدوانه وأنه لا يعتدي على أحداً ولا يؤذي أحد، بل هو في حالة متوسطة كما ذكرت، فمثل هذا يجب عليك أن تصحبه معك إلى المسجد، ولك أجر في اصطحابه، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] ولك في هذا أجر بإذن الله.

стр. 2661

لا يكلف الله نفساً إلا وسعها السؤال فضيلة الشيخ! لي ابن في هذا المعهد له أكثر من ثلاث سنوات في مرحلة التهيئة لم ينجح، وكلما ناقشت معه المدرسين قالوا: قصور من البيت وليس من المعهد، هل يلحقني من الإثم مع الجهد الذي بذلته مع أنني لست متخصص في ذلك؟ الجواب لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ما دام المدرسون بذلوا جهدهم وأنت تبذل جهدك، الباقي على الله ، ولله حكمة. الله عليم حكيم يا أحباب، هذه المسائل ليست بالأماني ولا بالأهواء ولا بالترجي، لا شك أن كل واحد يتمنى أن ولده أجمل وأذكى وأحسن وأقوى الأولاد، لكنه ابتلاء وامتحان ولله في ذلك حِكَم، فالإنسان يرضى بما قدر الله، لا شك أن الإنسان لا يتمنى البلاء، لكن إذا ابتلي بشيء من ذلك، فليصبر وليحتسب، وليتقرب إلى الله بصبره على هذه البلوى. جاء في الحديث (وهل تنصرون وترحمون وترزقون إلا بضعفائكم) بعض البيوت كان فيها من المتخلفين من لما كان موجوداً بينهم كانت الأرزاق تتدفق عليهم، والخيرات والأنس والشيء الكثير من الرضا، مع وجود هذا المتخلف عندهم، ولما كتب الله لهذا المتخلف أن يموت وفارقهم زال عنهم كثير مما كانوا يأنسونه ويطمئنون به، فلا تعلم أنت ما هي القضية، ولا يقول أحد: والله لا يرزقنا الله إلا بمتخلف، لا. لكن لله حكم وأسرار، وهنا يظهر سر الإيمان: وهو الرضا بقضاء الله وقدره، والتسليم بما لا نعلمه مما يختص الله بعمله، وهو الحكمة في الخلق والتدبير ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].

стр. 2662

الحث على الاهتمام بالمعاق من حيث النظافة السؤال فضيلة الشيخ: نحن معلمي المعهد نعاني من ضعف اهتمام أولياء الأمور بأبنائهم من حيث النظافة سواء في الملبس أو في الجسم، فهل لك أن تسدي لأولياء الأمور نصيحة حول ذلك؟ الجواب هذه مسئولية تقع بالدرجة الأولى على أولياء الأمور في العناية بهؤلاء الصغار، وبهذا النوع من الطلاب، فعلى الأب والأم والأولياء في المنازل أن يهتموا بذلك، ولا يكون الغرب أكثر اهتماماً بالكلاب منا بأولادنا، إنك لتعجب يوم أن تدخل المحلات التجارية فتجد أجنحة خاصة فيها ملابس للكلاب، رقاب للكلاب، وطوق عنق للكلاب، وسلاسل مخصصة للكلاب، وحبل تمرين للكلب، وأشياء مثل البيجر اللاسلكي تجعل الكلب إذا أبعد بعيداً يعطى إشارة ويرجع، أصناف ومنتجات متخصصة لهؤلاء، فضلاً عن أدوات تنظيف الكلاب، ووجبات معينة للكلاب، وأشياء كثيرة. إذا كان هؤلاء يهتمون بالبهائم، والله قد أكرم هذا الخلق ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] ونفخ فيه من روحه، فينبغي أن نهتم به ونعتني به وألا نتهاون، وإذا شئت أن يهتم المدرسون بولدك، فعليك أن تعتني بنظافته، تخيل أن المدرس أمامه طالبان، هذا الأول قد اعتني به في رائحة جسمه، وفي تعطيره وتطيبه وملبسه ونظافته، والآخر لا تسل عن رائحته، رائحة ليست زكية، ولا تسل عن وسخ ثيابه، ولا تسل عن قروح بدنه، تأكد أن المدرس يقبل على هذا الطالب النظيف، وعلى هذا الطالب المعطر أكثر من هذا الطالب الآخر. وإن كان المدرس عليه تقوى الله ، ولا يكون ظلم أهل هذا المعوق سبباً في أن يظلمه هو الآخر في عدم العناية به، لكن -أيضاً- ينبغي أن يعلم الآباء أن عنايتهم بأبنائهم سبب يعين المدرسين على مزيد من العناية والاهتمام وهذا لا يخفى.

стр. 2663

شارب الخمر لا تقبل صلاته أربعين يوماً السؤال هل صحيح أن شارب الخمر لا تقبل صلاته أربعين يوماً؟ الجواب ورد في ذلك الحديث من العقوبة، لكن هل يعني ذلك أنه لا يصلي أو يسقط عنه فرض الصلاة؟ لا. هو يعاقب بعدم القبول مع وجوب العمل، كالذي يصلي في بيته آثم بترك الجماعة مع وجوب الصلاة عليه.

стр. 2664

الفرق الضالة في صفات الله السؤال ما هي الفرق الضالة في صفات الله، وما هي الفرق الضالة في بعض صفات الله؟ الجواب الذين ضلوا في باب الصفات فرق كثيرة، والضلال في جانب التوحيد ضلالٌ ندر من ضل فيه وهو الضلال في باب الربوبية، لا يعرف من ضل إلا من باب الجحود والعناد والمكابرة، كفرعون والدهرية الذين قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]. والذين ضلوا في باب الألوهية طوائف كثيرة عاندت، وكفار قريش وأهل الجاهلية والذين يرون أن صرف العبادة لله وحده يسحب منهم كل ما يتمولون به بدعوى السيادة وخدمة سدانة الأضرحة وغير ذلك، ولذلك نازعوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]. وهناك طوائف وهما قسمان: قسم لا يخرج عن الملة، لكنه ضل في هذا ضلالاً بعيداً، وقسم يخرج عن الملة، فالطوائف في هذا كثيرة، وأخبثهم وأشدهم الجهمية، الذين قالوا: بنفي الصفات، والمعطلة بتعطيل الصفات، والذي أنصح به من يعتني بهذه المسائل، أولاً: أن يعتني بمنهج أهل السنة، حتى يعرف الحق، ثم بعد ذلك لا يضره ما هو اسم هذه الفرقة الضالة، المهم أن يعرف أن كل من خالف الحق فهو على الباطل أياً كان اسمه، مسمى جديد أو قديم. ومن الخطأ أن الإنسان الذي يهتم بدراسة الصفات أن يشغل وقته بدراسة الفرق الضالة في الصفات -مثلاً- وهو لا يعرف الحق من منهج أهل السنة والجماعة في باب الصفات، وخلاصته كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية، ولخصه الشيخ ابن عثيمين حفظه الله بقوله: إثبات ما أثبته الله لنفسه، وإثبات ما أثبته النبي ﷺ لربه، والثاني: نفي ما نفى الله عن نفسه، ونفي ما نفاه الرسول ﷺ عن ربه، والثالث: ما لم يرد فيه نفي ولا إثبات، وهذا هو الذي كثر فيه الكلام والقيل والقال، فـ أهل السنة يتوقفون في لفظه ويفصلون في معناه، فإن كان المعنى يتضمن كمالاً يليق بالله يثبتونه، وإن كان المعنى يتضمن نقصاً ينزه الله عنه ينفونه. وأوصي لمن أراد أن يقرأ قراءة سريعة ويحصن نفسه ويستفيد، هناك رسالة جميلة للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين بعنوان: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، رسالة جميلة وجليلة ونافعة القدر وقيمة وصغيرة -أيضاً- من اعتنى بها أدرك الطريقة السليمة في باب الصفات، فإذا عرفت الحق عرفت أن ما سواه الباطل، وهذه خذها قاعدة في كل أمور حياتك، الآن المصباح الكهربائي الذي في السقف، لو قلت للطلاب: إن وضع المصباح تحت الكراسي خطأ، صحيح أنه خطأ، وكذلك وضعها على الطاولة، وفي المطبخ، وفي الزبالة، ووضعها على السبورة خطأ، كما تتصورون من حالات وصور الخطأ التي يمكن أن نعرضها في موضع هذا المصباح، لا نهاية من الأشكال والمواضع الخاطئة. لكن حينما أبدأ وأقول: إن الموضع الصحيح لهذا المصباح وهذه النجفة بين قطبي الإضاءة، فيعرف من الوهلة الأولى أن هذا هو المكان الصواب، وأن ما سواه هو الخطأ، وبهذا تستريح من كثير من الصور، حتى لو لم تبين له أن هذا خطأ أو أن هذا باطل، يكفي أنه عرف الحق، ويعرف أن ما سواه الباطل. وهناك الأشاعرة وهم فريقان: فريق يؤول كل الصفات، وفريق يؤول في سبع صفات فقط، والكلام يطول وليس هذا مقام تفصيل.

стр. 2665

حكم استخدام آلات موسيقية للبكم في بداية تعليمهم السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أنا معلم في مجال الإعاقة السمعية، وأقوم أحياناً بتعليم أطفال صغار تتراوح أعمارهم ما بين خمس إلى ست سنوات، عند بداية التحاقهم في معهد الأمل صرفت لهم سماعات، كانوا يرتدوها لأول مرة، فسببت لهم نوعاً من الانزعاج، لأنهم سمعوا الأصوات لأول مرة فكسرت عليهم الصمت الذي كانوا يعيشون به، وخوفاً من ألا يتقبلوا هذه السماعات أحضرت لهم آلة تصدر أصواتاً متدرجة أشبه بالبيانو، وهي تعتمد على النقر بالعصا، فتصدر أصواتاً موسيقية يسمعها الطفل الأصم، فيتعرف أن هناك أصواتاً مختلفة ومتدرجة من حيث الشدة والحدة، ويقوم الأطفال بالتقسيم واللعب على هذه الآلة، مما يجعلهم يتعرفون على الصوت وطبقاته بشكل أوضح، ثم أوقف هذه الطريقة حيثما يتعود الأطفال على لبس السماعة، فما الحكم الشرعي في ذلك؟ الجواب إذا كان هذا الطفل سوف يستجيب لأصوات ومقامات البيانو هذا الذي تذكر، فاستجابته لأصوات بني آدم وهو أحوج ما يكون إلى تلقيها واستماعها والتعامل معها لا شك أن هذا أولى، ولا أظن أن هناك مصلحة أو فائدة إلا إذا كانت الحالة تقتضي، أي هو لا يمكن ولا يستفيد طبياً وعلمياً من هذه السماعات، وإنما يحتاج إلى أجهزة لها رنين مغناطيسي أو شيء معين، فتستخدم شيئاً بديلاً عن هذه المادة، حتى لا ينشأ على هذا العزف، وعلى هذا الأسلوب، وهناك الكثير من الأصوات البديلة. الآن جهاز الجوال فيه سبعة وثلاثين نغمة، فيها نغمات موسيقية ونغمات جرسية عادية ليست بموسيقى، فلماذا تختار هذا الجانب وتدع هذا الجانب؟ والمؤدى واحد والوسيلة مختلفة، مادام عندك خيارات في الوسائل اختر ما هو أجدى وأبعد عن الشبهة.
следующие страницы →