Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
لا يكلف الله نفساً إلا وسعها
السؤال
فضيلة الشيخ! لي ابن في هذا المعهد له أكثر من ثلاث سنوات في مرحلة التهيئة لم ينجح، وكلما ناقشت معه المدرسين قالوا: قصور من البيت وليس من المعهد، هل يلحقني من الإثم مع الجهد الذي بذلته مع أنني لست متخصص في ذلك؟
الجواب
لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ما دام المدرسون بذلوا جهدهم وأنت تبذل جهدك، الباقي على الله ، ولله حكمة.
الله عليم حكيم يا أحباب، هذه المسائل ليست بالأماني ولا بالأهواء ولا بالترجي، لا شك أن كل واحد يتمنى أن ولده أجمل وأذكى وأحسن وأقوى الأولاد، لكنه ابتلاء وامتحان ولله في ذلك حِكَم، فالإنسان يرضى بما قدر الله، لا شك أن الإنسان لا يتمنى البلاء، لكن إذا ابتلي بشيء من ذلك، فليصبر وليحتسب، وليتقرب إلى الله بصبره على هذه البلوى.
جاء في الحديث (وهل تنصرون وترحمون وترزقون إلا بضعفائكم) بعض البيوت كان فيها من المتخلفين من لما كان موجوداً بينهم كانت الأرزاق تتدفق عليهم، والخيرات والأنس والشيء الكثير من الرضا، مع وجود هذا المتخلف عندهم، ولما كتب الله لهذا المتخلف أن يموت وفارقهم زال عنهم كثير مما كانوا يأنسونه ويطمئنون به، فلا تعلم أنت ما هي القضية، ولا يقول أحد: والله لا يرزقنا الله إلا بمتخلف، لا.
لكن لله حكم وأسرار، وهنا يظهر سر الإيمان: وهو الرضا بقضاء الله وقدره، والتسليم بما لا نعلمه مما يختص الله بعمله، وهو الحكمة في الخلق والتدبير ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
стр. 2662
الحث على الاهتمام بالمعاق من حيث النظافة
السؤال
فضيلة الشيخ: نحن معلمي المعهد نعاني من ضعف اهتمام أولياء الأمور بأبنائهم من حيث النظافة سواء في الملبس أو في الجسم، فهل لك أن تسدي لأولياء الأمور نصيحة حول ذلك؟
الجواب
هذه مسئولية تقع بالدرجة الأولى على أولياء الأمور في العناية بهؤلاء الصغار، وبهذا النوع من الطلاب، فعلى الأب والأم والأولياء في المنازل أن يهتموا بذلك، ولا يكون الغرب أكثر اهتماماً بالكلاب منا بأولادنا، إنك لتعجب يوم أن تدخل المحلات التجارية فتجد أجنحة خاصة فيها ملابس للكلاب، رقاب للكلاب، وطوق عنق للكلاب، وسلاسل مخصصة للكلاب، وحبل تمرين للكلب، وأشياء مثل البيجر اللاسلكي تجعل الكلب إذا أبعد بعيداً يعطى إشارة ويرجع، أصناف ومنتجات متخصصة لهؤلاء، فضلاً عن أدوات تنظيف الكلاب، ووجبات معينة للكلاب، وأشياء كثيرة.
إذا كان هؤلاء يهتمون بالبهائم، والله قد أكرم هذا الخلق ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] ونفخ فيه من روحه، فينبغي أن نهتم به ونعتني به وألا نتهاون، وإذا شئت أن يهتم المدرسون بولدك، فعليك أن تعتني بنظافته، تخيل أن المدرس أمامه طالبان، هذا الأول قد اعتني به في رائحة جسمه، وفي تعطيره وتطيبه وملبسه ونظافته، والآخر لا تسل عن رائحته، رائحة ليست زكية، ولا تسل عن وسخ ثيابه، ولا تسل عن قروح بدنه، تأكد أن المدرس يقبل على هذا الطالب النظيف، وعلى هذا الطالب المعطر أكثر من هذا الطالب الآخر.
وإن كان المدرس عليه تقوى الله ، ولا يكون ظلم أهل هذا المعوق سبباً في أن يظلمه هو الآخر في عدم العناية به، لكن -أيضاً- ينبغي أن يعلم الآباء أن عنايتهم بأبنائهم سبب يعين المدرسين على مزيد من العناية والاهتمام وهذا لا يخفى.
стр. 2663
شارب الخمر لا تقبل صلاته أربعين يوماً
السؤال
هل صحيح أن شارب الخمر لا تقبل صلاته أربعين يوماً؟
الجواب
ورد في ذلك الحديث من العقوبة، لكن هل يعني ذلك أنه لا يصلي أو يسقط عنه فرض الصلاة؟ لا.
هو يعاقب بعدم القبول مع وجوب العمل، كالذي يصلي في بيته آثم بترك الجماعة مع وجوب الصلاة عليه.
стр. 2664
الفرق الضالة في صفات الله
السؤال
ما هي الفرق الضالة في صفات الله، وما هي الفرق الضالة في بعض صفات الله؟
الجواب
الذين ضلوا في باب الصفات فرق كثيرة، والضلال في جانب التوحيد ضلالٌ ندر من ضل فيه وهو الضلال في باب الربوبية، لا يعرف من ضل إلا من باب الجحود والعناد والمكابرة، كفرعون والدهرية الذين قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤].
والذين ضلوا في باب الألوهية طوائف كثيرة عاندت، وكفار قريش وأهل الجاهلية والذين يرون أن صرف العبادة لله وحده يسحب منهم كل ما يتمولون به بدعوى السيادة وخدمة سدانة الأضرحة وغير ذلك، ولذلك نازعوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥].
وهناك طوائف وهما قسمان: قسم لا يخرج عن الملة، لكنه ضل في هذا ضلالاً بعيداً، وقسم يخرج عن الملة، فالطوائف في هذا كثيرة، وأخبثهم وأشدهم الجهمية، الذين قالوا: بنفي الصفات، والمعطلة بتعطيل الصفات، والذي أنصح به من يعتني بهذه المسائل، أولاً: أن يعتني بمنهج أهل السنة، حتى يعرف الحق، ثم بعد ذلك لا يضره ما هو اسم هذه الفرقة الضالة، المهم أن يعرف أن كل من خالف الحق فهو على الباطل أياً كان اسمه، مسمى جديد أو قديم.
ومن الخطأ أن الإنسان الذي يهتم بدراسة الصفات أن يشغل وقته بدراسة الفرق الضالة في الصفات -مثلاً- وهو لا يعرف الحق من منهج أهل السنة والجماعة في باب الصفات، وخلاصته كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية، ولخصه الشيخ ابن عثيمين حفظه الله بقوله: إثبات ما أثبته الله لنفسه، وإثبات ما أثبته النبي ﷺ لربه، والثاني: نفي ما نفى الله عن نفسه، ونفي ما نفاه الرسول ﷺ عن ربه، والثالث: ما لم يرد فيه نفي ولا إثبات، وهذا هو الذي كثر فيه الكلام والقيل والقال، فـ أهل السنة يتوقفون في لفظه ويفصلون في معناه، فإن كان المعنى يتضمن كمالاً يليق بالله يثبتونه، وإن كان المعنى يتضمن نقصاً ينزه الله عنه ينفونه.
وأوصي لمن أراد أن يقرأ قراءة سريعة ويحصن نفسه ويستفيد، هناك رسالة جميلة للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين بعنوان: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، رسالة جميلة وجليلة ونافعة القدر وقيمة وصغيرة -أيضاً- من اعتنى بها أدرك الطريقة السليمة في باب الصفات، فإذا عرفت الحق عرفت أن ما سواه الباطل، وهذه خذها قاعدة في كل أمور حياتك، الآن المصباح الكهربائي الذي في السقف، لو قلت للطلاب: إن وضع المصباح تحت الكراسي خطأ، صحيح أنه خطأ، وكذلك وضعها على الطاولة، وفي المطبخ، وفي الزبالة، ووضعها على السبورة خطأ، كما تتصورون من حالات وصور الخطأ التي يمكن أن نعرضها في موضع هذا المصباح، لا نهاية من الأشكال والمواضع الخاطئة.
لكن حينما أبدأ وأقول: إن الموضع الصحيح لهذا المصباح وهذه النجفة بين قطبي الإضاءة، فيعرف من الوهلة الأولى أن هذا هو المكان الصواب، وأن ما سواه هو الخطأ، وبهذا تستريح من كثير من الصور، حتى لو لم تبين له أن هذا خطأ أو أن هذا باطل، يكفي أنه عرف الحق، ويعرف أن ما سواه الباطل.
وهناك الأشاعرة وهم فريقان: فريق يؤول كل الصفات، وفريق يؤول في سبع صفات فقط، والكلام يطول وليس هذا مقام تفصيل.
стр. 2665
حكم استخدام آلات موسيقية للبكم في بداية تعليمهم
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أنا معلم في مجال الإعاقة السمعية، وأقوم أحياناً بتعليم أطفال صغار تتراوح أعمارهم ما بين خمس إلى ست سنوات، عند بداية التحاقهم في معهد الأمل صرفت لهم سماعات، كانوا يرتدوها لأول مرة، فسببت لهم نوعاً من الانزعاج، لأنهم سمعوا الأصوات لأول مرة فكسرت عليهم الصمت الذي كانوا يعيشون به، وخوفاً من ألا يتقبلوا هذه السماعات أحضرت لهم آلة تصدر أصواتاً متدرجة أشبه بالبيانو، وهي تعتمد على النقر بالعصا، فتصدر أصواتاً موسيقية يسمعها الطفل الأصم، فيتعرف أن هناك أصواتاً مختلفة ومتدرجة من حيث الشدة والحدة، ويقوم الأطفال بالتقسيم واللعب على هذه الآلة، مما يجعلهم يتعرفون على الصوت وطبقاته بشكل أوضح، ثم أوقف هذه الطريقة حيثما يتعود الأطفال على لبس السماعة، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
الجواب
إذا كان هذا الطفل سوف يستجيب لأصوات ومقامات البيانو هذا الذي تذكر، فاستجابته لأصوات بني آدم وهو أحوج ما يكون إلى تلقيها واستماعها والتعامل معها لا شك أن هذا أولى، ولا أظن أن هناك مصلحة أو فائدة إلا إذا كانت الحالة تقتضي، أي هو لا يمكن ولا يستفيد طبياً وعلمياً من هذه السماعات، وإنما يحتاج إلى أجهزة لها رنين مغناطيسي أو شيء معين، فتستخدم شيئاً بديلاً عن هذه المادة، حتى لا ينشأ على هذا العزف، وعلى هذا الأسلوب، وهناك الكثير من الأصوات البديلة.
الآن جهاز الجوال فيه سبعة وثلاثين نغمة، فيها نغمات موسيقية ونغمات جرسية عادية ليست بموسيقى، فلماذا تختار هذا الجانب وتدع هذا الجانب؟ والمؤدى واحد والوسيلة مختلفة، مادام عندك خيارات في الوسائل اختر ما هو أجدى وأبعد عن الشبهة.
стр. 2666
حكم مس المصحف وقراءته بغير وضوء
السؤال
هل يجوز مس المصحف باليد بدون وضوء؟
الجواب
هذه مسألة خلافية والأحوط ألا يمس القرآن إلا متطهر طاهر، لحديث عمرو بن حزم فيما كتب إليهم النبي ﷺ : (وألا يمس المصحف إلا طاهر) اختلف في ذلك هل المقصود طاهر من الشرك، أم طاهر بمعنى رفع الحدث وتحقيق الوضوء، والأحوط هو ألا يمس القرآن إلا طاهر، ولا يثرب ولا يشدد في ذلك، أما القراءة فالذي أحدث حدثاً أصغر فله أن يقرأ، وأما المحدث حدثاً أكبر أو الجنابة، فلا يجوز أن يقرأ من القرآن شيئاً حتى ولا آية ولا نصف آية، إلا ما كان ضمن كلامه، كقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون وهو لا يقصد الآية، أو بسم الله الرحمن الرحيم وهو لا يقصد الآية، أو حسبنا الله ونعم الوكيل وهو لا يقصد الآية.
أي: ما تلفظ به من جنس لفظ القرآن على غير قصد التلاوة فذلك جائز، أما أن يعمد ويقصد إلى التلاوة وهو جنب فلا، أما الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن، ويجوز لها أن تجعل المصحف في ملحفة أو أن تلبس قفازاً أو شيئاً يحول بينها وبينه وأن تمسه فلا حرج في ذلك.
وقال العلماء: الفرق بين الحائض والجنب: أن الجنب يملك رفع حدثه ويملك إيقاعه -أي: الرجل يختار أن يكون جنباً، ويملك أن يرفع الجنابة بالغسل- لكن المرأة لا تملك إيقاع الحيض ولا تملك رفعه، ومن ثم جاز للمرأة أن تقرأ وإن كانت في حيض حتى لا تنسى القرآن وتهجره، ولأن حدثها ليس بيدها، بخلاف الجنب فإنه يستطيع أن يوقع الحدث ويستطيع أن يرفعه.
стр. 2667
وكل شيء عنده بمقدار
لو كانت الشعارات تَرد بلداً مغتصباً لكان العرب هم أول من يسترد فلسطين، مع أن الواقع يقول: إن ما يرفعونه من شعارات باسم الإسلام إنما يحمل في طياته أشرس العداوة على الإسلام وأهله، فهذه عبر من الأحداث، وتسلية للمؤمنين من المصائب والأكدار.
стр. 2668
العز في كنف العزيز
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو على كل شيء قدير، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، وسع علمه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، واحدٌ في ربوبيته فالأمر والخلق له وحده، والتصرف في هذا الكون بيده، ولو أجمعت قوى الأرض وكان بعضهم لبعض ظهيراً على أن يقدموا شيئاً أخره الله، أو أن يؤخروا شيئاً قدمه الله، أو أن يعطوا بشراً منعه الله، أو أن يمنعوا بشراً أعطاه الله، لما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وربنا واحد في ألوهيته، فكل أنواع العبادة له وحده، وواحد في أسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
معاشر المؤمنين: اسمعوا قول ربكم جل وعلا وهو يقول في محكم كتابه: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] ويقول جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] ويقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ [فاطر:١٠] قال ابن كثير: من أراد العزة فليلزم طاعة الله.
أيها الأحبة في الله: عزة كل مسلم في هذا الزمان بيقينه أن الحوادث بالمقادير، وأنه لا قليل ولا كثير إلا بأمرٍ وقدرٍ من الله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] وكل قدرٍ أياً كان فإنه لا يخلو من ثلاثة أمور كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: والمقادير دائرة على حكمة الله، وعلى تمام عدله، وعلى تمام رحمته.
стр. 2669
رب مصيبة كفرت خطيئة
عباد الله! اشكروا الله تعالى في كل حال، وهو سبحانه الذي يحمد في السراء والضراء، والله إن من تأمل المقادير علم أنها دائرةٌ على تمام العدل والحكمة والرحمة، إننا نجزع يوم أن يموت قريبٌ لنا في حادث أو نحوه، ولقد نسينا أو جهلنا أن لله حكمة في موت قريبنا هذا، إن الله قد حدد ساعة موته، وله ساعة أجل لا يتقدمها ولا يتأخرها، وعلم الله أن على هذا المسلم ذنوباً تحتاج إلى مزيد ابتلاء لتكفر قاطبة، فكتب الله أن يكون موته بدلاً من أن يكون على فراشه ليكون في هذا الحادث.
فتعظم مصيبته، ويكون عظم المصيبة عظيماً في محو الذنوب والسيئات، فتمحى ذنوبه كلها، ويقدم على ربه طاهراً مطهراً، ولو لم يصب، ولو لم يمت بهذا الحادث لمات في تلك اللحظة على فراشه لم يتقدمها ولم يتأخرها.
فمن هنا نعلم أن القدر وإن كان على النفوس مراً، إلا أن فيه تمام الرحمة، وفي نفس الوقت قد يكون هذا القدر تأديباً لآخرين من الذين عصوا، أو الذين تجاهلوا أمر الله جل وعلا، فاجتمعت رحمة الله في هذا المتوفى، واجتمع عدله، واجتمعت حكمته في أبسط الأمثلة والمقادير، فما بالكم بأعظم الأمور خطراً، إنها لا تخلو من حكم عظيمة، ومن رحمة عظيمة، ومن عدل تام، وهو لا يخلق شيئاً عبثاً، ولا يترك شيئاً سدى، فسبحانه في كل فعله وتدبيره! معاشر المؤمنين: إن ما حل بنا لهو قدر من أقدار الله، لن يخلو من هذه الثلاثة كلها، لن يخلو من رحمة الله، ولن يخلو من حكمة الله، ولن يخلو من عدل الله، واعلموا أن هذا القدر، وأن هذا المصاب الجلل، وإن كان على النفوس مراً لكنه والله يا عباد لله طريق تمكين لأمتنا، وطريق عودة لعزتنا، وطريق رفعة لسؤددنا، ومن سنن الله ألا يتمكن أحد إلا بالبلاء:
من لم يقد فيطير في خيشومه رهج الخميس فلن يقود خميسا
إن الأمم لا تعلو إلا بعد أن تمر بأصعب التجارب، وما يدريكم أن الله جل وعلا اختار لأمتنا هذا القدر بما فيه من العدل والحكمة والرحمة، لكي تنبعث من هذه الأمة قيادة الدنيا وتوجيه الكون أجمع، وليس ذلك على الله بعزيز، ولا تستبعدوا شيئاً مادام المسلم متمسكاً بسنن الله جل وعلا وأمره ونهيه، إذا علمنا أن البلاء طريق التمكين، حينئذٍ لا يزيدنا البلاء في ديننا إلا صلابة، ولا تزيدنا الفتنة إلا ثباتاً، ولا يزيدنا ما يريد بنا الأعداء إلا تجمع شملٍ ووحدة صف، نسأل الله جل وعلا أن يجعل عواقب هذه الأمور لنا ولأمتنا خيراً في الدنيا والآخرة.
стр. 2670
لا يمكَّن العبد حتى يبتلى
معاشر المؤمنين: إن نبيكم لم يمكن إلا بعد أن وضع سلا الجزور على ظهره، وإن نبيكم ﷺ وهو خير من ركب المطية، لم يمكن إلا بعد أن جعل الشوك في طريقه، إن نبيكم لم يمكن إلا بعد أن طرد وأخرج من مكة، وإن نبيكم لم يمكن إلا بعدما ذهب إلى الطائف إلى بني عبد ياليل بن كلال، فصفوا له الصبيان سماطين كما يقول ابن كثير في السيرة: جعلوا الصبيان له صفين، وأخذوا يرمونه بالحجارة ويدمون عقبه، وماذا بعد ذلك؟ عاد ﷺ حتى آواه السير إلى قرن الثعالب وهو يدعو ربه (اللهم أنت ربي ورب المستضعفين، إلى من تكلني؟ إلى عدوٍ يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي) فلنقل هذا الدعاء جميعاً، ولنعلم أن هذا البلاء هو طريقة عودةٍ إلى بلادنا بعزةٍ وتحكيم شريعةٍ ونصرة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهذا هو مقتضى النصيحة يا عباد الله.
إن كنا أخرجنا من الكويت فقد أخرج ﷺ من مكة، وقال ﷺ لما خرج مهاجراً والتفت إليها: (اللهم إنك أحب البقاع إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت) فلكم في رسول الله عبرة، ولن نكون أفضل حظاً وأحسن حالاً من المصطفى ﷺ الذي أخرج من مكة، لكن الله جل وعلا جعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية.
فآواه الله وأيده ونصره بطائفة من المؤمنين في المدينة، فقامت دولته في المدينة، التي يسميها السياسيون في هذا الزمان حكومات المنفى، إنها حكومة الحق والعدل والصدق والتمكين، فعاد إلى مكة فاتحاً، وقد ناله ما ناله قبل أن يفتح مكة.
جاء ﷺ معتمراً، فردته قريش وحبسته دون البيت، وسلت السيف مانعة له وصحبه أن يدخلوا مكة فجاءوا إلى صلح الحديبية، فلما وقف النبي مع سهيل بن عمرو مفاوض أهل مكة وكان خطيباً فصيحاً، وكان ذلقاً ملسوناً، فقال ﷺ : (اكتب يا علي بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، لا نعرف إلا رحمن اليمامة، فقال ﷺ : (اكتب بسمك اللهم، ثم قال: هذا كتاب من محمد رسول الله) فقال سهيل: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، قال: (إذاً أكتب من محمد بن عبد الله).
اسمعوا وتأملوا ما حل لنبيكم، فلكم فيه أعظم الأثر والعبر، فكتب من محمد بن عبد الله هذا كتاب إلى قريش أن من خرج من مكة إلى المدينة فإن محمداً يرده، ومن خرج من المدينة إلى مكة فإن محمداً لا يسترده، فغضب عمر بن الخطاب وسل سيفه، وقال: (يا رسول الله! ألسنا بالمؤمنين؟ قال: بلى، قال: أليسوا بالكافرين؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ أفلا تدعني أخلع ثنية هذا الكافر الذي يفاوض، فقال ﷺ : يا عمر! لعل الله أن يريك من هذا يوماً يعز الله به الإسلام والمسلمين).
وكان أبو بكر يقبض ويمسك بتلابيب عمر، ويقول: أليس هذا رسول الله؟ الزم غرزه، فإن الله لن يضيعه.
وكانت عاقبة حميدة لما وقعت هذه الاتفاقية وعاد المؤمنون وحلوا ولم يعتمروا، عادوا إلى بلدهم، فخرج أبو بصير ﵁ هارباً إلى المدينة، فلحقت به قريش وجاءوا إلى النبي ﷺ ، قالوا: يا محمد! العهد والميثاق بيننا وبينك، رد إلينا من خرج من صبياننا إليك، فجاء النبي والتفت إليه، وقال: (يا أبا بصير! عد مع القوم فإنا أعطيناهم العهد والميثاق، فقال أبو بصير: يا نبي الله أتدعهم يفتنوني في ديني؟ فقال ﷺ : إن الله جاعل لك مخرجاً).
فعلم ذلك الصحابي بهذه الكلمة التي مُلئت فرجاً وسعة أن الله لن يضيعه، فخرج مع المشركين، وبينما هم في الطريق إذا قال أحدهم وقد سل سيفه يتأمله، قال: والله ليشرب هذا السيف من رقاب محمد وصحبه، فقال أبو بصير: إن سيفك هذا جيد، فأرني إياه، فصدَّق ذلك وأعطاه السيف، فالتفت به أبو بصير فضرب به عنق الأول وهرب الثاني، وجعل الله لـ أبي بصير مخرجاً.
ثم لزم الساحل، ووقف في طريق عير قريش، فما مرت قافلة إلا ونال منها حظاً وخيراً وفيراً، حتى أرسلت قريش مندوباً ومبعوثاً يقول: يا محمد! علك أن تلغي العهد والميثاق بيننا وبينك.
الله أكبر يا عباد الله! يقول الله جل وعلا: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورُ﴾ [التوبة:٤٨] إن كل تقليب وتدويل وعبث ولف وغيره بقضايا المسلمين سواءً في أفغانستان أو في الكويت أو في فلسطين، يقول الله جل وعلا: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ﴾ [التوبة:٤٨] لك أنت، إذاً فتقليب الأمور عائدٌ لنا معاشر المؤمنين: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورُ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤٨] وإنا لنرجو الله أن يجعل ظهور الحق قريباً.
стр. 2671
قد تصاب ولكن لا تفقد العزة
عباد الله! أسوق هذه المسألة لأقول: إن المسلم إن أُخرج من بيته، وإن طرد من داره، وإن استبيح ماله، وإن حصل له ما حصل، فإنه لا يزال عزيزاً، العزة لا تفارقنا أينما كنا، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، إن الذي يقول: إن من أُخرج من بيته فقد العزة، فهو يقول عن نبيه: إن نبيه فقد العزة، وهذا لم يقل به أحد، إن نبينا يوم أن كان في مكة ويوم أن طرد منها وذهب إلى المدينة، ويوم أن أقصي وأدميت عقبه طرداً بالحجارة من الطائف كان عزيزاً.
نعم، قد يفقد النصير يوماً، قد يفقد المأوى يوماً، وقد يفقد الطعام والشراب واللباس يوماً، لكنه ﷺ ما فقد عزته، وأقول لنفسي ولكم معاشر الأحبة: إن أزمة المسلمين في هذا الزمان ليست أزمة السكن أو المطعم والمشرب والملبس، إنما هي أزمة عزة.
الأزمة التي فقدت: العزة، العزة التي ذهبت أدراج الرياح، بغزوٍ وتغريبٍ وحملةٍ صليبية عبر مختلف الوسائل التي سلطها الأعداء على أبناء المسلمين، قد يفقد المسلم بيتاً، وقد يفقد داراً وأهلاً ووطناً، لكن لا يفقد عزةً لا حياة له بدونها، فإن خرجنا من الكويت، فإنا نقول:
خرجنا إلى المجد شم الأنوف كما تخرج الأسد من غابها
نمر على شفرات السيوف ونأتي المنية من بابها
ونعلم أن القضا واقعٌ وأن المنايا بأسبابها
ستعلم أمتنا أننا ركبنا الخطوب حناناً بها
فإن نلق حتفاً فيا حبذا المنايا تجيء لخطابها
والله خرجنا أعزاء، وسنعود إليها قريباً أعزاء، بمن الله وفضله وكرمه، فليكن خروجنا إعادة للبناء، وتمحيصاً للصفوف، وترتيباً للجهود، ووحدة لكل ما نبذله لصالح الإسلام والمسلمين، ولأمتنا أعزها الله وأعاد شملها وجمعها.
стр. 2672
ما عز من عوى ولكن من خاض الوغى
معاشر المؤمنين: ليست العزة بالصياح والعويل، والشعارات الإعلامية الجوفاء الرنانة، إنما العزة بعقيدة صادقة، إنما العزة بيقين وثقة بوعد الله ونصره وتمكينه، إننا فقدنا فلسطين من سنوات طويلة، وطالما سمعت أذني شعارات وأناشيد وطنية فوق التل وتحت التل، وعن يمين وشمال، سنفعل وسنفعل، وكل هذه الشعارات ما ردت لنا فلسطين، بل وما ردت من فلسطين شبراً واحداً.
لو كانت الشعارات ترد بلداً لكان العرب هم أول من يستردوا حقوقهم؛ لأنهم كما يقول القائل:
إذا خسرنا الحرب لا غرابه
لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابه
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابه
معاشر المؤمنين: هذا المقال يصدق على الأمة في حرب (٦٧م) ونكبات الأمة التي أودعت الهزيمة والضعف والاستسلام، كنا من قبل نطالب بـ فلسطين كلها، ثم أصبحنا نطالب بقرار هيئة الأمم [٢٤٢] والعودة إلى حدود عام كذا، ثم بعد ذلك أصبحنا نساوم ونهادن ونبيع ونشتري، وحتى الآن لم نجد شبراً فلسطينياً عليه سيادة لأمة مسلمة فلسطينية.
لماذا؟ لأننا أردنا العزة بالشعارات، فأبى الله أن تكون إلا بما سنَّ في كتابه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ [فاطر:١٠] العزة في طاعة الله، والعز في تحكيم شريعة الله، العزة أن يقتل القاتل ضربةً مريحةً بالسيف، العزة أن تقطع يد السارق، العزة أن يجلد شارب الخمر، العزة أن يجلد الزاني البكر، العزة أن يرجم الزاني المحصن، العزة أن نجد الإسلام مهيمناً في جميع مجالات حياتنا، وإياكم الخداع مع أنفسكم، إن أغبى القوم من يخادع نفسه وهو يرى الحق في طريق ويحاول أن يلتمس نصراً أو فرجاً من طريق آخر.
مادام الأمر كذلك، وأن العزة ليست بالصيحات ولا بالشعارات، فقد نرى عزيزاً صامتا لا ينطق بكلمة واحدة، ولكن قلبه يتكلم:
قل لمن عاب صمته خلق الحزم أبكما
وأخو الحزم لم تزل يده تسبق الفما
لا تلوموه قد رأى منهج الحق أظلما
وبلاداً أحبها ركنها قد تهدما
وخصوماً ببغيهم ضجت الأرض والسما
فإذا وجدت العزة، وجد الاستعلاء على ركام الدنيا وطواغيت الأرض.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب وتوبوا إليه فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
стр. 2673
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، التقوى: أن تراقبوا الله في السر والعلانية، وأن تجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة: كأني بكل مسلم يهتف ويقول: أين هذه العزة التي تتحدث عنها؟ أين هذه العزة التي جاوزت عنان السحب؟ أين هذه العزة التي بلغت علياء السماء؟ نقول: إن العزة في كتاب الله، إن العزة في دين الله، إن العزة في العودة إلى الله، وإن أبسط مثال جزئي على أمر العزة، حينما تكون عزيزاً في نفسك وعلى نفسك، يوم أن تتزين لك معصية من المعاصي، إن كنت ذليلاً قادتك كلمة خفض صوتها، وقادك منظر مبهرج مزيف، وقادتك شهوة بطن وفرج.
وإن كنت عزيزاً في نفسك، فإنك تعلو وتستعلي على نفسك، وعلى شهوة وفتنة ومعصية تزينت وتزخرفت أمامك، فإن من ملك العزة في نفسه، حري أن يكون مالكاً لها على أي مستوى كان، ومن فقد العزة في نفسه فلن يستطيع أن يمنح أمته عزة، إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه، وإنك لا تجني من الشوك العنب.
إن المعاصي أعظم ذل يلبسه الإنسان نفسه، إن الإصرار على المعصية أعظم ذل يلبسه الإنسان نفسه، فإذا لبس الإنسان ثوب الذلة، فكيف يريد أن يعطي أمته عزة.
يقول أبو عبد الله الحسن البصري: [إنهم وإن هملجت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين، إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه] إن العزة قد تكون في مسلم ثوبه خلق، قد تكون في مسلم لا يملك من متاع الدنيا إلا قليلاً، ولكن:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
فأول مصدر من مصادر العزة: العقيدة الحقة، ويظهر صدق الاعتقاد بهذه العقيدة حينما تعرض على محك الفتن وحرارة الابتلاء، يوم أن هدد شيخ الإسلام ابن تيمية، وأرادوا منه أن يقول ما يريد القوم، قال: ماذا تفعلون بي؟ ظهرت العزة بصدق العقيدة عند حرارة الابتلاء، قال: ماذا تفعلون بي؟ أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة للعبادة، عند ذلك يحير الطواغيت في أعزاء المسلمين، لا يعرفون ماذا يفعلون بهم، يوم أن يروا مسلماً عزيزاً في نفسه، وإن وضع السيف على رقبته، أو سلط الرصاص على صدره، أو جعل اللغم في طريقه، أو وجهت الدبابة إلى وطنه، يوم أن يكون مالكاً للعزة فإنه لا يتردد ولا يتأخر أبداً.
стр. 2674
عزة نبينا ﷺ
ومثال ذلك ما سنه نبي العزة ﷺ ، عزيزٌ ذلك النبي بعزة ربه وعزة منهجه وشريعته، جاءت قريش، قالوا: يا أبا طالب! إن ابنك هذا قد سب آلهتنا وسفه أحلامنا وأغرى بنا سفهاءنا، فإن كان يريد مالاً أعطيناه، وإن كان يريد ملكاً سودناه، وإن كان يريد جاهاً ملكناه، وإن كان الذي به رئي من الجن بذلنا له أسباب الطب في العرب، وإن كان يريد جمالاً زوجناه، وإلا فإنا فاعلون به ما نفعل.
فلما ذهبوا وجاء النبي ﷺ إلى عمه، قال عمه: يا ابن أخي إني قائل فاسمع، إن قومك جاءوا يشكون إلي حالهم بما أغريت بهم سفهاءهم، وجرأت عليهم صبيانهم، وسببت وشتمت آلهتهم، وإنهم يعرضون عليك أمراً؛ إن كنت تريد مالاً أو جمالاً أو ملكاً أو جاهاً، فماذا فعل نبي العزة الذي امتحنت عزته بالتغريب والتهريب؟ استعبر ﷺ وانحدرت من عينه قطرات كاللؤلؤ على خد شريف، وقال: (يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، والله ما أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو تندق هذه السالفة) فلما رأى عمه هذه العزة فيه بكى واستعبر، وقال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
هذا النبي المؤمن علم كافراً عزة، إننا يا عباد الله بحاجة إلى العزة، إننا نريد أن نشم روائح العزة، إننا نريد من كل مسلم وإن كان غريباً عن الوطن وبعيداً عن الدار ونائياً عن الأهل، نريده أن يشعر أنه لم يفقد شيئاً واحداً ألا وهي العزة يا عباد الله.
стр. 2675
عزة علماء الأمة
أتعرفون سيد قطب ﵀؟ في سنة من السنين امتحن علماء المسلمين محنة عظيمة، وقضي على هذا العالم بالإعدام شنقاً أمام الجماهير، وجاءت برقيات الالتماس لكي تخفف عنه هذا الحكم، ولكن الطاغية في ذاك الزمان لم يرض أن يخفف شيئاً من هذا، فجاءوا إلى سيد قطب ﵀، وقالوا له: إن تكتب اعتذراً لهم فإنهم يخففون عنك أو يعفون عنك.
فقال لهم -وكان نحيلاً قد هده السجن والتعذيب-: إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في كل يوم خمس مرات يرفض أن يكتب حرفاً واحداً يقر به حكم طاغية.
الله أكبر يا عباد الله! مكبلٌ بالحديد، نحيل الجسم من التعذيب، قد أضناه التعذيب وتفننوا فيه، ومع ذلك يجدون عزةً نافست قمم الجبال ارتفاعاً.
فيا معاشر المسلمين! إننا بحاجة إلى العزة في نفوسنا حتى نستعلي على الشهوات والمعاصي والذنوب التي يصر كثير من المسلمين عليها، وما علموا أن المعصية هي التي تورث الذلة، يقول ابن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
стр. 2676
أعظم أبواب العزة الجهاد
اعلموا أن الجهاد في سبيل الله من أعظم أبواب العزة، وحسبكم أنه ذروة سنام الأمر في دين الإسلام، يقول ﷺ : (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا).
ويقول ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة) اشتغلتم بالبيع والشراء وتركتم الجهاد، يقوله النبي لأمته من ذلك الزمان إلى يومنا هذا: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) فإذا كانت الذلة بترك الجهاد فلا عزة إلا به، لا عزة إلا بقول الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] لا عزة إلا بقول الله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤].
فيا معاشر المؤمنين: إن كل أمة من الأمم ليست محرمةً على الذلة إن هي تركت العقيدة والجهاد، أليس أبو عبد الله الصغير آخر ملك من ملوك غرناطة، وصله النصارى حتى بلغوا داره وأخرجوه، وأخذ يبكي على غرناطة، وهو يُخرج منها ويتلفت إليه مودعاً ويقول: وداعاً يا غرناطة! وداعاً لا لقاء بعده، ثم أخذ يبكي، فقالت له أمه:
ابك مثل النساء ملكاً عظيماً لم تحافظ عليه مثل الرجال
وقد كنا في ما مضى بعد أن اشتدت سيوف المسلمين في أجنادين واليرموك وفتوحات الشام، خرج هرقل فاراً بنفسه وهو يبكي، يودع سوريا ويقول: وداعاً يا سوريا! وداعاً لا لقاء بعده.
يوم أن تمسك المسلمون بدينهم، ووثقوا بعقيدتهم، ورفعوا الجهاد في سبيل الله، جعلوا الأعداء يودعون الممالك، ويوم أن تركنا ديننا، تسلط علينا الأعداء، ولكن عوداً حميداً، سنعود بإذن الله جل وعلا، ونسأله أن يمكن المسلمين من رقاب أعدائهم، وأن يشفي صدورهم منهم.
معاشر الأحبة: وواقع العزة يظهر في هذا الزمان، جاء مبعوث من أحد الدول العظمى يفاوض قائد المجاهدين عبد رب الرسول سياف، وأبى ذلك القائد أن يقابله؛ لأنه يعرف أنهم إنما جاءوا ليلعبوا بقضيته، بعد أن سفك دم مليون أفغاني، فلا تحفروا شبراً من أرض الجهاد إلا وفيه شلوٌ ممزع أو أنملة أو يد أو قدم أو ساق، ولا تجد وردة أو شجرة إلا وخالط ماءها دم ساعد في إنبات هذه الشجرة.
جاء ذلك المبعوث قال له: يا سياف! أنت رجل دموي، أنت رجل سفاح، أنت تريد استمرار الحرب، لماذا لا ترضى بالحكومة الائتلافية؟ لماذا لا ترضى بالقاعدة العريضة؟ فلما ختم كلامه التفت إليه ذلك القائد، قال له: هل قتلت أمك في أفغانستان؟ قال: لا، قال: هل قتل أبوك في أفغانستان؟ قال: لا، قال: هل انتهك عرض بنتك في أفغانستان؟ قال: لا، قال: هل يتموا أطفالك في أفغانستان؟ قال: لا، وكان هذا اللقاء يحضره ضياء الحق ﵀ وحميد قلف.
قال: مادام الأمر كذلك، كيف تدعوني أن أرضى بهذه الحكومة المختلفة المؤتلفة، ذات القاعدة العريضة التي تسميها بعد أن مضى من أبنائنا مليون ونصف المليون من الشهداء، وثمانمائة ألف يتيم، وسبعمائة ألف معوق؟ قم عني، ووقف على قديمه ورفع يده يريد أن يصفعه، قال: قم عني، والله لأضربنك ولأصفعنك صفعة حتى يتحدث التاريخ أن مسلماً أفغانياً صفع كافراً، وقام ليضربه فأمسك بيده ضياء الحق وحميد قلف.
وقابلته وسألته، قلت: هل كنت عازماً على ضربه؟ قال: والله لقد عزمت أن أمده على الأرض، وأن أطأ برجلي على صدره، كيف يتجرأ بعد مليون ونصف المليون من الشهداء ومن اليتامى ومن الثكالى والمعوقين أن أبيع قضية الأمة؟ إن نجوت معه فكيف أنجو من دماء ومن حجة هؤلاء بين يدي الله جل وعلا؟ وعادوا إليه مرة أخرى يقدمون مساعدة من القمح، فقال: جزيتم على ما فعلتم مساعدة إنسانية نقبلها، فقال ذلك المندوب: لا، نحن نوزعها في مخيمات اللاجئين والمهاجرين، قال: إن الأفغان لا يرضون أن يقدم أحد لهم شيئاً، قدم ما عندك ونحن نتصرف فيما بيننا، قال: لا بد أن نشرف على توزيع هذا، قال: يا مسكين! إن كنت تظن أنك الزعيم فلان، وتظن أنني علان فذاك أمر آخر، لكن إن لم تقبل هذا، فاخرج أنت وقمحك الآن، وقال له: إننا قد نصبر عن الطعام والشراب، لكننا لا نصبر عن العزة يوماً واحداً.
فيا معاشر المؤمنين: لن يأتي أتوبيس اسمه أتوبيس الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو منظمة العدل، ويقول: هيا إلى بلادنا نعود إليها فاتحين من جديد! لا، نحن لا نسفه أحلام الجهود الدولية، ولن نجيرها أونجعلها هدراً وعبثاً، نقول: نسأل الله أن يبارك في هذه الجهود، ولكن اعلموا أن الجهود الدولية لا تمنعنا من طرح حلنا، إن الجهود الدولية لا تمنع الشباب المسلم أن يطرح الحل الذي به تعود الكويت، ألا وهو الجهاد في سبيل الله.
стр. 2677
أهمية وجود القادة في عزة الأمة
معاشر المؤمنين: إن من واجب الشباب أن يبحثوا عن قادة الإسلام ودعاة الإسلام، فيلتفوا حولهم ويوحدوا الصفوف، وأن ينطلقوا للجهاد في سبيل الله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:١٤].
معاشر المؤمنين: لا أقول ليحملن كل واحد رشاشاً ويذهب به منفرداً، فهذا خلاف ما أمر الله، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ [النساء:٧١] وثبات: جمع ثبة وهي الفئات الصغيرة المنظمة، فينبغي ألا يتصرف أحدٌ تصرفاً فردياً، ولكن أين القادة؟ أين قادة العمل الإسلامي في الكويت؟ وأين دعاة الإسلام في الكويت؟ وأين رجال الكويت؟ لقد قابلت منذ ثلاثة أسابيع قلب الدين حكمتيار في مكة المكرمة وقت مجيئه للمؤتمر العالمي الإسلامي، وقلت له: يا قلب الدين! ما ترى ما حل بنا وبإخواننا في الكويت؟ قال: أرسلهم إلي، والله بهذه العبارة، قال: اجعلهم يأتون إلي، وأنا أخبرهم كيف فجرنا الجهاد بمسدس وببنادق صيد وحجارة.
فيا معاشر المؤمنين: عليكم أن تربوا النفوس تربية طيبة، وإن تأخر فتح باب الجهاد ساعة أو شهراً أو زمناً قليلاً، لكن هذا لا يعفي ولا يغني من الإعداد للجهاد: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦] إن كنا صادقين للجهاد، فلنعد للجهاد عدة بفقه الجهاد في الكتاب والسنة وسير المجاهدين، وما أعد الله للشهداء، وأنتم يا شباب الكويت! يا دعاة الكويت! إن دوركم لا زال مستمراً في صفوف شبابكم، وحفظ أوقاتهم، وجعلهم يتمسكون بكتاب الله وسنة نبيه، وعلى المرأة المسلمة الكويتية، وعلى الداعية المسلمة دور عظيم في نشر الخير والفضيلة والأدب والحشمة والحياء، ولها دور عظيم في إعداد أبنائها، وتربية شبابها؛ لعلها يوماً ما أن تقدم شهيداً من الشهداء يكون شافعاً لها عند الله يوم القيامة.
فيا معاشر المؤمنين: إن الكويت لا يحررها الفن والطرب، والله لقد أدمى قلبي مقالاً صحفياً في إحدى الجرائد، إن الفنانين يصرون على تحرير الكويت بحناجرهم الذهبية من استوديوهات القاهرة، متى أصبح الفتح على أنغام الموسيقى؟ متى أصبح النصر على أنغام الموسيقى؟ والله ليس هذا بفتح ولا نصر، ولكن:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
شباب الكويت: العودة العودة إلى الله، وتربية النفوس على الجهاد، والدعوة إلى الله في صفوف الشباب.
فإن الشباب والفراغ والجده مفسدةٌ للمرء أي مفسده
إن تركنا أنفسنا لا تتركوا إخوانكم، لا تدعوهم.
لا تتركوهم للضياع فريسةً ترك الشباب أساس كل الداء
إخوانكم لا شيء أغلى منهم لا شيء يعدلهم من الأشياء
لا تتركوهم للضياع فريسةً ترك الشباب أساس كل الداء
هي مهمة كل داعية ومسلم ومسلمة، وكل غيور، وكل من في هذه البلاد لذلك الوطن الذي استظللتم بسمائه، وافترشتم أرضه، ونعمتم بخيراته، له حق عليكم أن تجتهدوا في الجهاد والدعوة لكي يعود بإذن الله عوداً منيعاً عزيزاً.
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، واسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؛ أن يردنا إلى الكويت رداً قريباً، نسألك اللهم أن ترد الكويت وأفغانستان، وفلسطين وجميع أرض المسلمين أجمعين.
اللهم إنا نتوجه إليك وأنت في عليائك أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن تدمر أعداء الدين، وأن تهلك الفجرة والمفسدين، اللهم من أراد شباب المسلمين بسوء، وأراد بنسائهم تبرجاً وسفوراً، وأراد بهن اختلاطاً، وأراد بعلماء المسلمين مكيدة، وبولاة أمورنا فتنة، اللهم أشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، واجعل سلاحه في صدره، وشتت جمعه، وفرق شمله، وأرنا فيه عجائب قدرتك يا رب العالمين.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك عليه، اللهم أحيينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم نسألك الشهادة في سبيلك، اللهم نسألك الرضا، اللهم اقبضنا وأنت راضٍ عنا، اللهم توفنا راكعين ساجدين، اللهم لا تقبضنا على المعاصي والفتن وحزايا أو مفتونين، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم لا تدع لغائبٍ حبيباً إلا رددته له، اللهم لا تدع لنا كسيراً إلا جبرته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا مريضاً إلا شفيته وعافيته بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2678
وماذا بعد التوبة ؟
أيها الأحبة: قفوا وتأملوا حال القلوب المريضة التي تعودت اللهو واللعب وهي تسير في هذه الحياة، تسير إلى حتفها والموت ينتظرها، فماذا أعدت للقاء ربها؟ وبمَ استعدت للسؤال في قبرها ويوم حسابها؟ فهل من توبة إلى الله؟! وهل من إنابة صادقة ومجاهدة حقة للنفس في سبيل الله؛ لتنعم في دار النعيم.
стр. 2679
أعدوا للموت
الحمد لله، الحمد لله الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ، الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله حمداً ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، الحمد لله على حلمه بعد علمه، الحمد لله على كل حال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو على كل شيء قدير، خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل فضلٍ سألناه أعطانا، الحمد لله الذي لا تحصى نعمه، الحمد لله الذي لا تعد مننه، الحمد لله حمد الذاكرين الشاكرين، الفضل لله على ما نحن فيه، الثناء لوجه الله، والفضل لله، وأشهد أن محمداً رسول الله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، لم يعلم سبيل خير إلا دلنا عليه، ولم يعلم سبيل شر إلا حذرنا منه، كان بأمته شفيقاً رحيماً، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: أعدوا للموت واتقوا الله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين: معاشر الموحدين! ما أقسى هذه القلوب التي نحملها في صدورنا! ما أجمد هذه العيون التي هي في رءوسنا! ما أبعد هذه القلوب حال الغفلة عن ذكر ربها وخالقها! عباد الله: قفوا وتأملوا حال هذه النفوس، حال هذه القلوب المريضة التي تعودت اللهو والعبث، والغفلة، وطيب المأكل والمشرب؛ حتى قست وبعدت عن طاعة الله، وبعدت عن ذكر المصير، والاستعداد للقاء الله.
أيها المسلمون: ما منا إلا وغافل، ما فينا إلا وسادر، ما من بيننا إلا وأشغلته شهواته عن الاستعداد للقاء ربه، متى نستيقظ؟ متى نستعد؟ متى نقف للمحاسبة؟ يوم أن نرى ميتاً أمام أعيننا، يوم أن نرى حادثاً يتمزق فيه بدنٌ أمام بصائرنا وأبصارنا، يوم أن نصاب بفقد حبيب، ثم نبكي عليه سويعات حتى نواريه في التراب ثم ننساه، يوم أن يبتلى أحدنا ببلية في ماله أو دنياه يقف لحظة ليتأمل، ثم يعود في لحظات إلى غفلته.
أيها الأحبة: إن في النفوس قنديلاً يضيء، لكن ضوءه ضعيف جداً بما يزاحمه من حجب المعاصي، بما يستر نوره من ألوان الشهوات، ويوم أن نقف وقفة نتأمل فيها مصيبة، أو نتذكر فيها معاداً يبقى أحدنا متردداً بين التوبة والغفلة، يشاور نفسه هل يتوب أم لا يتوب، هل يستقيم أم لا يستقيم، هل يقلع أم لا يقلع، هل يخبت ويخضع أم لا يخضع.
هل تحتاج التوبة إلى مشورة؟ هل تحتاج الأوبة إلى تردد وأخذ رأي؟: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] لا مناص من الاستجابة، ولا محيد عن القبول والانقياد: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ألستم بالمؤمنين؟ ألستم تدعون الإيمان؟ ألسنا ندعي الإيمان، الخطاب لكم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤].
عباد الله: من لم يستجب لله فعلى خطرٍ أن يحال بينه وبين قلبه ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٤].
стр. 2680
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
معاشر المؤمنين: ما منا إلا ويتمنى الاستقامة، وما فينا إلا ويود التوبة، ولكن قفوا هنا قليلاً، إن كثيراً من الناس من الرجال والنساء والشباب والفتيات، والذكور والإناث، والكبار والصغار يظنون أن الهداية والاستقامة والالتزام والتوبة تكون في لحظة على حين غرة، يصبح عاصياً فيمسي تائباً، أو يمسي عاصياً فيصبح تائباً، يظن بعضهم أن هناك لحظة ينقلب فيها الواحد من الضلالة إلى الهدى، ومن الظلام إلى النور، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن القطيعة إلى الصلة، ومن العقوق إلى البر، يظن البعض أن التوبة بزرار أو جهاز تنقلب حال الشخص حين الضغط عليه، لا والله -يا عباد الله- من كان ينتظر هذا الأمر لكي يتوب فما أبعد توبته! لكن التوبة -يا عباد الله- تكون بالمجاهدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] الهداية ثمرة للمجاهدة، والمجاهدة مطلبٌ للصالحين؛ كي يثبتوا على صلاحهم، والمقصرين حتى يلتفتوا إلى تقصيرهم ويقلعوا عنه ويعودوا إلى الله، وللفاسقين حتى يجاهدوا نفوسهم، فيقلعون عن هذا الفسق، وعن هذا الإصرار.
لا بد من المجاهدة حتى تحصل التوبة، حتى تحصل الاستقامة، أتظنون لذة العبادة وحلاوة الطاعة وفخر الاستقامة يكون من دون مجاهدة؟ لا وايم والله، لا بد له من مجاهدة حقيقة، لا بد له من ندم على ما مضى، واستعداد لما بقي، لا بد له من قول الله جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] لا بد للتوبة من هذا، نريد أن نتوب من الغناء واللهو من دون أدنى مجاهدة لكف الآذان عن اللهو، لا.
لا بد من مجاهدة، وإذا ابتلي العبد ففي حال الابتلاء يعرض عليه أمران: الأول: أمر محبوبٌ إلى شهوات نفسه، مبغوضٌ مكروهٌ إلى الله ورسوله.
والثاني: مرضيٌ لله ولرسوله صعبٌ يحتاج إلى مجاهدة النفس عليه.
فيقف العبد بين هذين الحالين يدير المذياع، فيسمع غناء، يدير المسجل فيسمع الغناء ثم يبدأ صراع النفس هل يغلق هذا الباطل وينصرف إلى المعروف؟ هل ينصرف عن هذا اللهو ويعود إلى الذكر؟ يبقى لحظات من الصراع يجاهد نفسه، فمن كان صادق التوبة فإن قوة القلب وصدق المجاهدة يضغطان على الجارحة فتتحرك اليد لإقفال المذياع، أو اللهو، أو الباطل، أو المنكر، ثم تنصرف الجارحة إلى ما يرضي الله جل وعلا، فيسمع كلام الله، ويسمع ذكر الله، ويحقق صفة الإيمان في نفسه؛ ليخبت بذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢].
التوبة تحتاج إلى مجاهدة، تسمع منبه سيارة جليس من جلساء السوء وصديق من أصدقاء المعصية، تسمع صوت منبهه وأنت في بيتك وفي قلبك بداية من بدايات التوبة، في قلبك بداية من بدايات الندم، هل أخرج معه أم أنصرف عنه؟ هل أستجيب له أم أستجيب لله؟ هل أعصي الله أم أجلس في طاعة الله؟ هنا تبرز المجاهدة، جاهد نفسك على أن تنصرف عنه إلى ما يرضي ربك، وإذا بلغت مرحلةً أقوى من ذلك أن تفتح الباب وتقول له: إلى متى الغفلة؟ سمعت صوت منبهك إلى أين نذهب: إلى شلة ندير الورق إلى آخر الليل؟ هل تشهد الأنامل بالتسبيح؟ هل يشهد الورق بالسجود؟ هل تشهد الأرض بالذكر؟ هل تشهد السماء بالانحناء والركوع، أم تشهد بالغفلة، والسباب الشتيمة، والقطيعة والبغضاء، واللعنة والعداوة؟ إذا لم يتحقق ذلك، فإنك مهزومٌ في هذه الجولة، إما أن تكسب الجولة وإما أن تخرج مهزوماً، ويعلن الشيطان انتصاراً عليك، وتصفق الشياطين ضاحكةً غارقة في الضحك والسخرية منك يا بن آدم؛ لأن الله كرمك وما رضيت كرامة الله؛ لأن الله دعاك وانصرفت عن دعوة الله، وقال الشيطان: دعوته فاستجاب لي، فأحس الشيطان بنشوة وزهو النصر على هذا العبد الذي جاهد نفسه وخسر الجولة؛ لأن التوبة لم تكن صادقة، قال الشيطان لهذا المسكين: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢] ما كبلت يدك بالحديد فأخرجتك إلى جلساء السوء، ما جعلت القيد في عنقك وفي يدك وفي رجلك فجعلتك تسافر إلى الخارج، ما سحبتك بتلابيب جيبك حتى تقعد في اللهو والمعصية، إذاً ماذا فعلت أيها الشيطان بهذا الإنسان: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] يقول الشيطان: ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] إنما دعوتكم، زينت لكم، أحكمت الصورة في خيالكم، فكانت الاستجابة منكم.
стр. 2681
ماذا بعد المعصية
ماذا بعد المعصية؟ ألذةٌ دائمةٌ؟ لا والله.
بل ألم المعصية يخالط القلب، ويشغل البال، ويقلق الضمير - كما قال الحسن البصري ﵀: [إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه].
فيا عباد الله: المجاهدة سبيل إلى الهداية، وليست التوبة سلعة تباع في المتاجر فنشتريها، أو قميصاً نلبسه، أو دابة نركبها، التوبة والهداية ثمرة للمجاهدة، جاهد نفسك بالبديل، إذا جاهدك الشيطان على سماع اللهو والغناء، فجاهد نفسك على سماع كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وسماع المحاضرات والخطب والفتاوى وحلق الذكر، تأمل كلاماً سماعه يرفعك عند الله درجات وينجيك من الدركات، وابتعد عن كلام يجعلك مع الضالين الظالمين، حتى إن بعض الناس قد بلغت به الغفلة واستحكمت فيه الشهوة وبلغ به العناد إلى درجة أنه أصبح يحب أهل المعصية وأهل اللهو وأهل الغناء، أكثر من محبته لله ولرسوله، ولأهل الله وأهل رسوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة:١٦٥] العاقبة في الآخرة: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٦] أصحاب الشلات ومجالس الغفلات واللهو والباطل يتبرءون من الذين قادوهم إلى ذلك: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧] لو أن لنا رجعة، لو أن لنا عودة إلى الدنيا: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
اسألوا أنفسكم -يا عباد الله- كم مجلساً من مجالس اللهو حضرناه؟ وكم مجلساً من مجالس الغفلة أقمناه؟ وكم مجلساً من مجالس الباطل غشيناه؟ وكم لحظة عن الذكر غفلنا فيها؟ ما أكثرها! سنراها يوم القيامة، سنراها في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، سنراها في مقام توضع فيه الموازين بالقسط، فلا تظلم نفسٌ شيئاً، يقول الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء:٤٧] يا رب هل من غفلة تنسى؟ هل من غمزة تنسى؟ هل من معاكسة تنسى؟ هل من أغنية تنسى؟ هل من صورة امرأة تنسى؟ ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [الأنبياء:٤٧] حتى الهباءة، حتى الخردلة التي ترونها تدخل مع النافذة في شعاع الشمس أو الذرة: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤].
стр. 2682
هيا إلى المقبرة
أيها الأحبة في الله: هيا إلى المقبرة بقلوبكم وعقولكم وتكلموا:
سألت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر
يا أيها الملوك الذين دفنوا في هذه المقبرة: هل تستطيعون القيام من لحودكم الآن؟ يا أيها الأثرياء الذين في ظلمات اللحود إن لم يجعلها الله روضة من رياض الجنة! هل تنتقلون يمنةً ويسرة؟ يا أيها الوزراء! يا أيها العظماء! يا أيها الفقراء! يا أيها الصعاليك! هل يستطيع أحدٌ أن يقوم أو يتكلم؟ لو تكلموا فقلنا لهم: ماذا تتمنون؟ لقالوا: نتمنى أن نرد إلى الدنيا، فنقول: لا إله إلا الله، يتمنون كلمة واحدة، يتمنون حسنة واحدة، وأنتم الحسنات أمامكم، أمامكم الجنة قد فتحت أبوابها، فأعرض الكثير عنها.
يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ فلقد عرضت بأيسر الأثمانِ
(من خاف أدلج) من خاف العاقبة وسوء الخاتمة، من خاف القبر واللحد، والمحشر والمنشر وهول المطلع: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة، ألا وإن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ فلقد عرضت بأيسر الأثمانِ
يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنت غاليةٌ على الكسلانِ
стр. 2683
الجنة صعبة المنال
عباد الله: الجنة صعبة المنال على الكسالى الذين تعودوا صلاة الفجر قبل الذهاب إلى العمل بربع ساعة، الجنة صعبة المنال على الذين لا يشهدون الجماعة، الجنة صعبة المنال على الذين أكلوا الحلال والحرام، الجنة صعبة المنال على من تاجر باللهو وأشرطته، والفيديو المهدم وأفلامه، والغناء ومعازفه، الجنة صعبة المنال على الذين لا يعرفون إلا دول الخارج، وبعضهم ما حج حتى الآن، وما اعتمر حتى الآن، الجنة صعبة المنال على الذين لا يذكرون الله.
يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنت غاليةٌ على الكسلانِ
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنانِ
يا سلعة الرحمن كيف تصبر الخطاب عنك وهم ذوو إيمانِ
أتؤمنون بالموت؟ أتؤمنون بالقبر؟ أتؤمنون باللحد؟ أتؤمنون بمسائلة منكر ونكير؟ أتؤمنون بوقوف الخلائق عند الله يوم القيامة؟ أتؤمنون بالصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف، وعلى جنباته كلاليب جهنم؟ أتؤمنون بأن العباد يمرون عليه كالبرق الخاطف، أو كأجاويد الخيل، أو كمشي الرجال، أو كمن يحبو حبواً؟ أتؤمنون أن من الناس من تدركه كلاليب جهنم فتخطفه إلى النار، فتهوي به إلى مكان سحيق؟ نعم.
نؤمن بهذا كله.
أين الاستعداد له يا عباد الله؟ بكاء ساعة، بكاء لحظة، تأثر لحظات، ثم نعود بعد ذلك لندير المذياع على اللهو، لنفتح الشاشة على صور النساء، لنخرج ذاهبين آيبين لا نفكر هل إلى معصية الله، أم إلى طاعة الله، فهل من عودة يا عباد الله؟ هل من توبة يا عباد الله؟ استعدوا لهذا المطاف، واستعدوا لهذه الخاتمة، فما أسرع ما نقدم على هذه الآخرة! قيل إن نوحاً ﵇ سئل: يا أطول الأنبياء عمراً-ألف سنة- كيف رأيت هذه الدنيا؟ قال: رأيتها كداخل من باب وخارج من باب آخر.
تأملوا -يا عباد الله- كم مضى من أعماركم ثلاثون سنة! خمسون سنة! عشرون سنة! كيف مرت تلك السنين؟ كيف مرت تلك الأزمان؟ كأنها برق قاصف ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥].
المرء يفرح بالحياة وطول عيش قد يضره
إن منا -يا عباد الله- من الموت خيرٌ له، لأن مزيد الحياة له مزيد في سيئاته ومعاصيه.
المرء يرغب بالحياة وطول عيش قد يضره
تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره
وتسوؤه الأيام حتى ما يرى شيئاً يسره
كم شامتٍ بي إذ هلكت وقائلٍ لله دره
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، وأسأله ألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك، فاستغفروا ربكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2684
الاستعداد للقاء الله
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، وراقبوا أنفسكم وحاسبوا، وأحدثوا لكل زلةٍ استغفاراً، ولكل ذنبٍ توبة، وأكثروا من الحسنات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار- عياذاً بالله من ذلك-.
أيها الأحبة في الله: أيها المؤمنون بوعد الله ووعيده! أيها المسلمون! تذكروا يوماً تلقون فيه ربكم، فتكشف فيه الصحائف والسجلات، ويدني الله عبداً من عباده، ثم يسدل عليه ستره، ويسأل الرب عبده -والله جل وعلا أعلم بما فعل العبد- ليسائله الحساب: عبدي أتذكر ذنب كذا وكذا؟ فإننا -والله- مسئولون عن كل أعمالنا صغيرها وكبيرها.
стр. 2685
المبادرة إلى التوبة وعاقبة التسويف
عباد الله: توبوا إلى الله توبةً قبل أن يدرككم الموت، توبوا إلى الله توبةً قبل أن تحل مصيبةٌ تحول بين الإنسان وبين التوبة.
أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرةٌ فلا يدوم على الإحسانِ إمكانُ
إن من الناس من سوف التوبة وأجلها حتى نقل إلى سرير وقد بلي ببلاءٍ عظيمٍ لا يستطيع معه أن يركع أو يسجد، إن من الناس من سوف التوبة حتى نقل في تابوت من بلاد الخارج إلى بلاده، إن من الناس من سوف التوبة حتى أدركه الموت، وعجز أن ينطق بالشهادة، إن من الناس من بلغ الثلاثين والأربعين والخمسين وما تاب إلى الله حتى الآن، فمتى يا عباد الله؟ خطب الحسن البصري الناس، فقال: [يا معشر الشباب! ماذا قدمتم وماذا أخرتم؟ ويا معشر الشيوخ! إلى متى الغفلة قد أعذر الله إلى امرئ بلغه الستين من عمره؟ والموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً].
هو الموتُ ما منه ملاذٌ ومهربُ متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ
نؤملُ آمالاً ونرجو نتاجها لعل الردى مما نرجيه أقربُ
ونبني القصور المشمخرات في السما وفي علمنا أنا نموت وتخربُ
لدور الموت وابنو للخرابِ
فيا عباد الله: استعدوا للقاء الله، واعملوا صالحاً ينفعكم، اعملوا صالحاً قبل أن تحل عليكم ساعة لا ينفع فيها الندم، ولا ت حين مندم.
اللهم تب علينا، اللهم خذ بقلوبنا إلى طاعتك، اللهم أعنا على جهاد أنفسنا لتتجنب جلساء السوء، اللهم أعنا على جهاد أنفسنا لنلحق بركب الأخيار الأبرار، اللهم أعنا على جهاد أنفسنا لنقلع عن اللهو والعزف والغناء، اللهم أعنا على جهاد أنفسنا لنستلذ بكلام الله وذكره، وكلام رسوله ﷺ ، اللهم أعنا على جهاد أنفسنا لنكون لك مخبتين طائعين مختارين في ظواهر أنفسنا، وفي بواطنها، اللهم حل بيننا وبين معصيتك، اللهم اعصمنا عما يسخطك، وجنبنا ما يغضبك، ووفقنا إلى ما يرضيك، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً، فجازه اللهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً.
عباد الله: التوبة لا تأتي فجأة، التوبة ليست قميصاً يلبس، جاهدوا أنفسكم على التوبة.
أسأل الله أن نوفق لتوبة صادقة نصوح تجب ما قبلها من الذنوب والسيئات والمعاصي والمنكرات.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل الشرك والمشركين، واحفظ إمام المسلمين، وأصلح بطانته، واجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين! اللهم خذ بقلوبهم إلى ما يرضيك، اللهم لا تكلهم إلى من حولهم، اللهم كلهم إلى توفيقك وعونك ومنك وكرمك يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، وفي فلسطين، وفي أرتيريا، وأثيوبيا، والفلبين، وفي جميع أراضي المسلمين أجمعين.
اللهم اهد شباب المسلمين، وأصلح نساءهم، واهد فتياتهم، وجنبهن المعاكسات، وجنبهن التبرج والسفور، وأبعد عنهن الاختلاط في الوظائف والتعليم، بمنك وكرمك يا رب العالمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وصلى الله على محمد.
стр. 2686
وهل نجازي إلا الكفور
لقد خلق الله الإنسان، وجعل فيه من دقيق صنعه ومن جميل خلقه ما يحير أولي الألباب وصفاً، ويعجز عنه أولو العقول إدراكاً، ولقد جعل الله في الإنسان نعماً عظيمة وأسراراً جليلة، ولكنَّ كثيراً من الناس في هذا الزمان كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، لا يعرفون الحكمة الجليلة التي لأجلها خلقوا.
стр. 2687
كفران النعم
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكوراً، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه وحده لا شريك له على نعمه التي لا تحصى وعلى آلائه التي لا تنسى، أحمده سبحانه حمداً ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، فهو سبحانه أهل الثناء والمجد، وأصلي وأسلم على نبيه محمد وصفيه من خلقه الداعي بدعوته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم العرض الأكبر على الله، يوم تنظر كل نفس ما قدمت، يوم تتغابن النفوس فيما أسلفت.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى فهي سبيل النجاة في هذه الدنيا، وهي سبيل الأمن في دار البرزخ، وهي سبيل الفوز والفلاح في الآخرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين: خلق الله هذه الخليقة بصغير ما فيها وجليل ما عليها لحكمة بالغة وهو العليم الحكيم، تعالى الله أن يخلق عبثاً، وخلق هذا الإنسان وأودع فيه من دقيق صنعه ومن جميل خلقه ما عجزت عنه أولو الألباب وصفاً، وعجزت عنه أولو العقول إدراكاً، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤].
عباد الله: أودع الله في هذا الإنسان نعماً عظيمة وأسراراً جليلة، في سمعه وفي بصره، وفي عقله، وفي فرجه وأجهزته وحواسه، ولكن كثيراً من الناس في هذا الزمان كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، لا يعرفون حكماً جليلة لأجلها خلقوا، وتطاول بعضهم وانساق وراءه من تطاول ورددوا بمسمع من الملأ:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أو أبيت
كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري؟
ولماذا لست أدري
لست أدري
كلمات ملؤها الإلحاد والاعتراض والجهالة: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٧ - ٧٩].
عباد الله! هذا الإنسان وهذا المخلوق إذا لم يرع نعمة ربه عليه، ويدرك سر وجوده، ويعرف الحكمة من دبيبه على الأرض فإنه ينقلب مصيبة ودماراً، وهلاكاً وفتكاً في نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته.
عباد الله! هذه النفس الإنسانية عجيبة كل العجب، هذه النفس الإنسانية هي مدار كثير من الخلق والأسرار والإبداع والتكوين: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت:٥٣] في الأفلاك، وفي النجوم، وفي المجرات، وفي السموات، وفي هذه البحار السماوية المتلاطمة بالنجوم المسخرة: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣] في هذه النفس الإنسانية؛ لأن فيها من الآيات والإبداع والعبر ما جهله كثير من الناس، واستخدموه لغير ما أوجده الله وخلقه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
أيها الأحبة في الله: في هذا العالم المتلاطم من بحار حكمة الله في خلق هذا الإنسان نقف وقفة متأملة في نعمة الصحة ونعمة العافية، يقول ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك) وشاهدنا: (اغتنم صحتك قبل سقمك).
أيها الأحبة في الله: هذه العيون التي تبصرون بها، وهذه الآذان التي تسمعون بها، وهذه الأيدي التي تبطشون بها، وهذه الأقدام التي تمشون بها، كم لله فيها من عرق ساكن لو تحرك ما تلذذتم بعيش، وكم لله فيها من عرق متحرك لو سكن ما وجدتم لذة طعام ولا شراب ولا منام ولا نكاح.
أيها الأحبة في الله: نعم الإله على العباد كثيرة، نصبح في نعمة ونمسي في مثلها، نصبح في شبع ونمسي في ري، نصبح نرفل في ثياب ونمسي في غيرها، نتقلب في ألوان من الحلل والنعم والمراكب والمساكن والمفارش وقد نسينا نعمة الله علينا فيها، وقل من عباد الله من يصبح ذاكراً لله أو يمسي شاكراً لله، أو يؤدي حق الله فيما أنعم عليه من هذه النعم وهذه الآلاء، يركبون حديداً سخر لهم يتعطف بهم يميناً ويساراً، حيثما شاءوا ولأي جهة أرادوا، وإذا ركبوا لا يقولون: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون.
يصعد عشرة أدوار أو عشرين دوراً من البنايات الشاهقة، فإذا ركب مصعداً يستحيي أو يتجاهل أن يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، من الذي يشكر؟ من الذي يذكر؟ أتذكر الملوك، أيذكر الأثرياء، أيذكر العظماء؟ لا والله، لا يذكرون قبل الله ولا يذكرون إلا بفضل الله عليهم وعلينا، ونحن جميعاً عباد لله جل وعلا، اذكروا الله في كل ذهاب وإياب، في كل مجيء ونزول وارتحال، اذكروا نعمة الله عليكم يا عباد الله.
أيها الأحبة: وفي هذا الجو المتزاحم من هذه النعم والأمن والطمأنينة ينسى كثير من الناس نعمة ربه، فيدخل بيته على أنغام العزف والطرب والموسيقى والغناء، ويخرج منه على صور النساء المتبرجات في الشاشات والأفلام، ويركب سيارته على دنين وطنين المعازف والآلات الموسيقية، وينزل منها لا يذكر حمداً لله على سلامته ووصوله، إلى أي حد بلغت قسوة هذه القلوب؟!
стр. 2688
عِظم نعم الله
الله أكبر يا عباد الله! لو سمعتم كلام أحد البشر وهو يتملق وينافق ويداهن أمام ثري من الأثرياء، أو أمام غني من الأغنياء لقليل من المال، لحفنة من التراب يعطي هذا الثناء وهذه المداهنة وهذه المجاملة، وينسى نعم الله عليه، التي لا تحصى بآلاف الملايين من الدولارات والريالات وغيرها.
أيها الأحبة في الله: من منكم يبيع بصره بمائة مليون، من منكم يبيع سمعه بمائة مليون، من منكم يبيع فرجه بمائة مليون، من منكم يبيع يديه بمائة مليون، من منكم يبيع قدميه بمائة مليون؟ لا والله لا يرضى أحدكم أن يبيع جارحة أو حاسة من حواسه بهذه الملايين، إذاً فأنتم تملكون مئات الملايين وعشرات الملايين وآلافها، ولكن الكثير لا يشكرون الله ولا يذكرون الله إلا قليلاً، وبعضهم عن ذكر ربهم غافلون.
أيها الأحبة: انظروا إلى معهد الأمل للصم والبكم، انظروا كيف يعانون مراحل التعليم، كيف يواجهون ويشقون طريقة الحياة عبر كثير من الوسائل المساعدة والأجهزة التي تساعدهم قليلاً إلى إدراك لغة التخاطب، وإيصال المعلومة المرادة منهم إلى غيرهم.
عباد الله! أتظنون نعمة السمع سهلة، أتظنون نعمة البصر والبصيرة سهلة، لا والله -يا عباد الله- إنها نعمة جليلة ولكن كثيراً من الناس عنها غافلون: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك:٢٣ - ٢٤] وماذا بعد هذا؟ يتحدون ويقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الملك:٢٥ - ٢٦] ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤] وخلق الإنسان جهولاً، هذا الإنسان الضعيف، هذا الإنسان الذي يخلقه الله من العدم ويربيه وينميه وينشز فيه العظام واللحم والعصب والعروق والدماء في بدنه، فإذا استقام سوياً على قدميه وقف خصيماً مبيناً.
وقف العاص بن وائل، وفي رواية أنه أمية بن خلف وفي يده عظم قد أرم وأخذ يفت هذا العظم ويقول: يزعم محمد أن الله يعيدنا خلقاً آخر، فقال النبي ﷺ : (نعم يخلقك الله ثم يحشرك إلى جهنم) ونزل قول الله: ((أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ)) من دفقة منوية، من نطفة قذرة يستحي ولا يطيق أن ينظر إليها في يده ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] خصيم: يخاصم ويجادل، مبين: ببيان وفصاحة وبلاغة، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] من الذي يحييها؟ من الذي ينشزها ويعيدها؟ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] أنشأها الله من عدم ثم يعجز عن ردها بعد وجودها؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
أيها الأحبة في الله: تفكروا في نعم الله عليكم، تفكروا في آلاء الله في أنفسكم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨] كثير من الناس إذا مرت بجواره سيارة فارهة يقول: لعن الله الفقر، لعن الله القهر، لعن الله الضعف، ويردد عبارات تافهة حقيرة؛ لأنه رأى سيارة مرت أمامه وهي جميلة منمقة ملمعة، ورأى النعم كل النعم في قطع من الحديد والمطاط مجتمعة، ونسي آلاف النعم في بدنه وفي سمعه وفي بصره، مساكين أولئك الذين يرون نعم الله في الحديد والمطاط وينسون نعم الله في أنفسهم وأبدانهم، إن كثيراً من الأثرياء على أتم الاستعداد أن يبذلوا ثلاثة أرباع ملكهم في سبيل إذا جلسوا على مائدة أن يأكلوا ما شاءوا، وإذا أووا إلى فرشهم فعلوا ما يفعل غيرهم، وإذا أرادوا عافية أو ذهاباً أو إياباً وجدوا ذلك في مقدورهم وميسورهم، ومع ذلك رغم أموالهم وثرواتهم قد عجزوا عن كثير من هذا، مسكين ابن آدم مسكين هذا الإنسان.
جاء أحد الوعاظ إلى هارون الرشيد فقال هارون: عظني، قال: يا أمير المؤمنين! لو كنت في فلاة قفر -مفازة من الصحراء- ليس فيها ماء، ثم لم تجد شربة ماء، وأوشكت على الهلاك من العطش ثم بذلت لك شربة ماء بنصف ملكك -بالملك الذي لا تغيب عنه الشمس، بالملك الذي تخاطب فيه السحابة: أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك- يا أمير المؤمنين! لو بذلت لك شربة من ماء أتبذل فيها نصف ملكك؟ قال: نعم والله أبذله ولا أتردد، قال: فاشرب هنيئاً مريئاً، ثم قال: يا أمير المؤمنين! فإذا استقرت هذه الشربة في جوفك ثم احتبست -أصابك الحصر لم تستطع أن تجد مسلكاً لهذه الشربة، عجزت عن البول بالعبارة الصريحة- هل تبذل نصف ملكك في سبيل إخراج هذه الشربة؟ قال: نعم.
أبذل نصف ملكي في سبيل أن أجد لهذه الشربة مسلكاً ومخرجاً، فقال: يا أمير المؤمنين! تباً لملك لا يساوي شربة ماء.
بذلت نصفه في شربة ماء، ثم بذلت النصف الآخر في إخراجها، وتأملوا في أنفسكم -يا عباد الله- انظروا أي طعام تشتهونه، انظروا أي شراب تشربونه، في أي بلاد زرع وفي أي بلاد بذر؟ بذر وزرع في بلاد بعيدة، وانتظر عليه أهله شهوراً طويلة ثم جنوه بأيديهم ثم أرسلوه إلى بلادكم، نعم تترا ونحن عنها غافلون، ثم جئنا إلى السوق وجيوبنا متخمة بالمال فاشترينا ما اشترينا مما اشتهينا، ثم جئنا بهذا النبات أو الشراب إلى البيت فأوقدنا النار ووضعنا القدور وطهينا الطعام والشراب، ثم لم نجد لذته إلا على طرف اللسان، ولما جاوز الحلق تساوى لذيذ الطعام مع رديئه، فترة اللذة لحظة بقاء اللقمة على طرف اللسان، فإذا نفذت إلى الجوف بعد ذلك لا تعرف ماذا أكلت، ولو رد لك ما في جوفك لتقززت منه ولتقيأت منه ولكرهته ومججته، أليس ذلك حقاً يا عباد الله؟! بلى والله يا عباد الله! ثم بعد ذلك إذا استقرت اللقيمات والشراب الذي زرع في بلاد كثيرة بعيدة وجني وصدر ووصل واشتريناه وطهيناه وطبخناه ومر على أطراف ألسنتنا لحظة واحدة ماذا بعد ذلك؟ بقي حبيس في الجوف، وتضايقنا وتمرغنا ووجدنا آلاماً عظيمة حتى نخرج هذا الطعام الذي مر بتلك المسافة الطويلة، من الزراعة والجني والتصدير والطبخ والطهي، حتى يسهل الله له مخرجاً، الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! لماذا يا عباد الله؟! لكي تعلموا أن لذة الدنيا لحظة، وأن لذة الدنيا دقيقة، ولذة على طرف اللسان، ثم تمضي وتبقى حبيسة الجوف ألماً حتى تخرج، ولكي نشتاق إلى لذات لا تتنغص، ولكي نشتاق إلى نعيم لا يتكدر.
ما أضيق العيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم
والله لو بقينا في هذه الدنيا على أطيب عافية وصحة ما ساغ لنا القرار ونحن نعلم أننا سننقل من الدور إلى القبور، ومن الفرش إلى اللحود، ومن السعة إلى الضيق، ومن النور إلى الظلام، أيهنأ إنسان هذا شأن حياته؟! أيها الأحبة في الله: لو أتينا برجل من هذا الباب ودعوناه في هذه الساحة وأنتم وأنا نعلم أننا سنقتله بعد ربع ساعة، وهو لا يعلم المسكين، ثم قلنا: تفضل هذا الطعام وكل هذا الشراب، فأخذ يأكل ويتلذذ وينكس رأسه ويقلب طرفه في هذا النعيم الذي بين يديه، ألسنا وإياكم نضحك؛ لأنه سوف يأكل هذه اللقم والنعم ثم سوف يفارق الدنيا بعدها، نعم نضحك على عقله ونقول: هذا المسكين لا يدري ماذا ينتظره، فلنضحك على أنفسنا لأننا نتناول قليلاً من الطعام والشراب والآخرة تنتظرنا، وظلمة اللحود في انتظارنا، إلا من نور الله عليه قبره بالتوبة الصادقة والعمل الصالح، فما أجهل العقول والقلوب في هذا الزمان، أعدوا لدار ننتقل إليها.
يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2689
التقوى
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، أتدرون ما التقوى؟ اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، أتدرون ما التقوى؟ أن تعبدوا الله على نور من الله، ترجون ثواب الله، وأن تنزجروا عن معصية الله خوفاً من الله، تخشون عقاب الله، أتدرون ما التقوى؟ الاستعداد للرحيل، والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل، أتدرون ما التقوى؟ شمروا إذا كنتم على طريق ذي شوك فانظروا كيف تجافون الأقدام عن الأشواك، وتتبعون بها سبيلاً سهلة ليس فيها شوك، فكذلك التقوى أن تقودوا نفوسكم وتمسكوا بزمامها وخطامها إلى مرضاة الله، وتسيروا بها مجاهدين هذه النفوس، حتى تودعوا هذه الدنيا؛ دنيا قصيرة ضعيفة:
طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
كيف تريدون الراحة في الدنيا والله يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]؟ والله إن أكبر كبير وأصغر صغير ليكابد أمر الدنيا، يظن الفقراء أن الأثرياء في راحة وهم والله في ألوان من الكبد، والفقراء يقاسون ألواناً من الكبد، وكل قد ابتلي إما بفقر وإما بغنى، ولكن السعيد من اتقى:
ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخر وعند الله للأتقى مزيد
стр. 2690
زيارة إلى مستشفى النقاهة
عباد الله: أنتقل بكم من هذا المكان لزيارة في الله لإخوان مرضى في مستشفى النقاهة الذي كان يسمى مستشفى العزل، مستشفى الحميات بطريق الخرج، لكي تعرفوا -أيها الإخوة- نعم الله عليكم في عقولكم وأسماعكم وأبصاركم وأبدانكم.
أيها الأحبة: تدخلون مدخلاً فتجدون أمواتاً لكنهم يتكلمون، وبعضهم أموات لا يتكلمون لكن أبصارهم لا زالت تطرف يرون ما يقف على رءوسهم، ولا يستطيع أن يتكلم أو يسمع، فإذا وقفت أمامه ورفعت يديك مشيراً له أنك تدعو الله له بالعافية لم يجد وسيلة للتخاطب معك إلا أن يطلق الدموع غزيرة مدرارة على وجنتيه، يراك واقفاً وهو لا يستطيع الوقوف، يراك تتكلم وهو لا يستطيع الكلام، يراك تسمع وهو لا يستطيع ذلك.
أيها الأحبة في الله: يا من يشكون قسوة القلوب! يا من قست قلوبهم بألوان النعم ومختلف الطعام والشراب! زوروا إخواناً لكم في مستشفى النقاهة وانظروا أحوالهم، طائفة منهم قد أصيبوا بارتجاج في المخ مع خلل في النخاع الشوكي، ونتيجة هذه الإصابة فقدان كثير من الحواس مع شلل نصفي أو ثلاثي أو رباعي، ألوان مختلفة، تزور غرفة فترى فيها مريضاً لا يسمع ولا يبصر اللهم إلا هواءً ونفس يخرج ويدخل، وينتظر ساعته ولله في ذلك حكمة، لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج من الدنيا وما عليه خطيئة، وإن البلاء في الدنيا لأهون من العذاب في البرزخ والآخرة، ولله في ذلك حكمة.
فتزور غرفة أخرى فتجد رجلاً سوياً جميلاً نظراً لكنه لا يتكلم، فقط يسمع ولا يتحرك من سريره، لا يستطيع أن يتكلم، وإذا سبقت له القراءة فكتبت السؤال على ورقة وعرضته أمامه، أشار إليك أن له على هذا السرير، أربع سنوات على ظهره، ويعاني آلاماً عظيمة.
ثم انتقلت إلى غرفة أخرى لتجد أناساً لا يجدون مسلكاً للطعام إلا مع أنوفهم؛ لأن اللسان -أيضاً- قد أصيب بالشلل، والفم أيضاً قد أصيب بالشلل، فلا يستطيع أن يحرك اللقم حتى تمر على المريء ثم إلى الجوف.
ثم تنتقل إلى مكان آخر، فتجد مجموعة قد فتح له في أسفل رقبته فتحة قد تكون مساعدة للتنفس في بعض الحالات.
أيها الأحبة في الله: وماذا بعد ذلك؟! نعم لقد بذل لهم بفضل الله والشكر لله، ثم لهذه الحكومة الطيبة في مداراتها لأولئك، لقد بذل لهم لون من الرعاية منقطع النظير، ولكن ماذا يجدي حتى ولو عاشوا فوق السرير وعلى الحرير، ماذا يجدي ذلك؟ يريدون العافية ولو كانوا يشتغلون ليل نهار، يريدون العافية ولا يخرجون من المساجد، يريدون العافية ولو أمضوا دهرهم صائمين، يريدون العافية ولو بقوا طوال الليالي قائمين، العافية العافية التي أنتم تتقلبون فيها ولكنكم في غفلة من نعم الله عليكم، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً﴾ [المعارج:١٩ - ٢٠] لو يصاب أحد منا بشوكة أو بأثر أو بوعكة أو بأزمة لوجدته هلوعاً جزعاً خائفاً متضرعاً ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج:٢١] فإذا عاد إلى العافية أصبح يستكثر على الله ما يعمله، ويستكثر على الله ما يبذله، ويستكثر على الله ما ينفقه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والمصيبة التي بعد ذلك -يا عباد الله- عملية إخراج الطعام من أجوافهم لا تتم كما تتم لأي أحد منكم، بل بعضهم تستمر هذه العملية وكأنها حالة ولادة خمس ساعات وأربع ساعات بمجموع من الأوعية والمحاليل، وألوان من الأدوية تعالج في مؤخرته حتى يسهل الله له فرجاً -يا عباد الله- والله إنها لمعاناة عظيمة، أحدهم يقول: يمر علي في الأسبوع يوم واحد هو اليوم الذي يستطيع أن يخرج فيه، طيلة ستة أيام يظل يعاني آلاماً ويقاسي مصائب في جوفه؛ لأن قضية الإخراج بالنسبة له عملية صعبة جداً، فيحدد له يوم واحد في الأسبوع، ثم يقول لنا: تصور ماذا تعاني زوجتك عند الولادة، والله إنا لنعاني أشد من ذلك في سبيل إخراج ما في بطوننا.
أيها الأحبة في الله! أليست نعم الله عليكم عظيمة
لم تشتكي وتقول إنك معدم والأرض ملكك والسما والأنجم
أليست نعم الله عليكم عظيمة؟! والله نعمة الإسلام أول النعم، ونعمة العافية في كل ذلك عامة شاملة من أكبر النعم أيضاً، فالحمد لله على هذه النعم.
إخواني في الله: إخوانكم في مستشفى النقاهة الذين يعانون ألواناً؛ إما من الصمم، أو من الغيبوبة، أو من الشلل الرباعي والثلاثي، لهم أسر يحتاجون المساعدة ويحتاجون الرعاية، ولما اجتمع بعض الشباب الصالحون فتبرعوا لبعضهم بألوان من العربات المتقدمة التي تسهل عليهم نوع الحركة، وبعضهم لما استطاع الكلام قيل له: نعطيك عربة؟ قال: لا.
أريد البقاء على السرير وأرسلوا قيمة العربة إلى أولادي وأطفالي، إن ورائي ذرية لا أعرف من ينفق عليهم أو يصرف عليهم.
أيضاً أيها الإخوة: لهم من الأسر من يحتاجون النفقة، وكبار السن الذين هم في مثل هذه الحالة لا يعرفون أحداً يزورهم، قد مل أبناؤهم وإخوانهم وذويهم من زيارتهم، يقول مشرف المستشفى: بعضهم نمكث مدة لا نرى أحداً يسأل عنه أو يطمئن عن حاله، لا حول ولا قوة إلا بالله! عباد الله: احمدوا نعمة الله عليكم، أنتم في حرية والسجناء في ضيق، أنتم في عافية والمرضى في بلاء، أنتم في نعم وذوو الصمم والبكم في مصيبة لا يعلمها إلا الله، فاحمدوا الله على هذه النعم، احفظوا أسماعكم قبل أن تصم، ولا تجعلوها وسيلة للهو والعزف والطرب وسماع ذلك كله، اسمعوا بها ذكر الله وكلام الله وحديث رسول الله، احفظوا ألسنتكم واجعلوها ذاكرة لله، احفظوا أبصاركم ولا تجعلوها لأفلام الفيديو والمسلسلات التي فيها من الصور ما لا يرضي الله جل وعلا، احمدوا نعم الله عليكم وبادروا أنفسكم بالأعمال، هل تنتظرون إلا غنىً مطغياً، أو فقراً مدقعاً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر؟ اللهم عافنا في أبداننا، اللهم عافنا في أسماعنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، وأعنا بها على طاعتك واصرفنا بها عن معصيتك، واجعلها عوناً على الطاعة، وبلاغاً إلى حين.
اللهم توفنا على الإسلام شهداء، اللهم توفنا على الإسلام سعداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء.
стр. 2691
الرؤى والأحلام
تحدث الشيخ عن الرؤى والأحلام من جهة تعلقها بالشرع، وكيف أنها بشرى للمؤمن ونذارة للعاصي، وعن سبب حدوث الرؤيا، مع ذكره العلاج لمن رأى ما يكره، وأن الإنسان لابد أن يحسن الاختيار لمن يفسر له ما رآه.
стр. 2692
الرؤى والأحلام في ميزان الشرع
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشبيه وعن المثيل وعن النظير ليس كمثله شيء وهو السميع العليم، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم، وقد وعدكم بالثواب إن أتيتم بها على نحو ما أراده الله سبحانه وشرع، وقد أمركم بها في مواضع عدة من كتابه حيث قال جلَّ من قائل عليماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
عباد الله إن من عجيب خلق الله وصنعه ما يراه النائم في عالم المنام من الرؤى والأحلام، وذلك مما يقف المؤمن أمامه مندهشاً مما يرى في نومه ويتحقق في يقظته بتأويل دقيق وبفراسة أو علم عميق، وكذلك ما يراه حقيقة بعد نومه من دون تأويل أو تفسير لظهور ووضوح رؤياه وعدم حاجتها إلى التأويل، وإن ذلك كله لما يقوي إيمان المؤمن بالوحي الإلهي والإلهام الرباني من الله جل وعلا لأنبيائه ورسله وأوليائه.
стр. 2693
اهتمام النبي ﷺ بالرؤى
والرؤيا -يا عباد الله- من الأمور التي كان يهتم بها النبي ﷺ ويسأل أصحابه بين حين وآخر بقوله: من رأى منكم رؤيا؟ ومن له أدنى اطلاع على تعبير الرؤى والمنامات مما ذكره النبي ﷺ لأصحابه فإنه يعرف مدى أهمية الرؤى.
والذي يهم المسلم بالدرجة الأولى في هذا الأمر أن يعلم أن الرؤى حق لا شك فيه، وأنها قد تكون دليلاً على حدوث أمور مستقبلية، خاصة إذا رآها من هو معروف بالاستقامة والصلاح، وعبرها من اشتهر وعرف بالعلم والفراسة، ومن تيقن هذا أدرك كذب وافتراء بعض الذين يدعون أو يسمون النفسانيين في تكذيبهم للرؤيا وعدم المبالاة بها على أي وجه ومن أي صفة وأي إنسان وقعت وكانت.
أيها الأحبة في الله الرؤيا الصالحة لا تخلو من بشارة أو نذارة في أمر دين أو أمر دنيا، وقد تكون مبشرة تحث من رآها على لزوم سبيل الاستقامة والثبات على الحق والدعوة إليه، أو تهديه إلى ما فيه خير له في آجله وعاجله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤] قال أبو الدرداء: سألت النبي ﷺ عن هذه الآية، فقال: (ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) وقد تكون الرؤيا نذيراً لمن رآها عن الغفلة عن ربه، والتفريط في جنبه، ومن ثم تحمله وتجره إلى التوبة النصوح، وتبعثه على العمل الصالح، وتحذره مما فيه الشر والخسارة في أمر دينه ودنياه.
وحقيقة الرؤيا تكمن فيما يخلقه الله في قلب النائم، فيرى أموراً كما لو كان يراها وهو في حال يقظته، فسبحان الذي يفعل ما يشاء بأفئدة عباده وعقولهم في حال نومهم ويقظتهم!
стр. 2694
الفرق بين الرؤيا والحلم
روى البخاري ومسلم رحمهما الله أن النبي ﷺ قال: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان) وفي هذا دليل على ما ذكر، وهو أن الرؤيا من الله كلها خير، فقد تكون بشيراً بخير فيفرح المؤمن به، أو نذيراً عن شر فيتقيه ويبتعد عنه، وأما قوله ﷺ : (الحلم من الشيطان) فليس معنى ذلك أن الشيطان يفعل شيئاً، ولكن معناه: أن خلق الرؤيا في قلب الإنسان في تلك الحال قد يكون بحضور شيطان وسروره بها فيما إذا كانت دليلاً على بلاء يحل بمسلم أو شرٍ يقع به.
فالرؤى الصالحة الصادقة هي من الله، وكثيراً ما وقعت لنبينا محمد ﷺ وصحبه من بعده ومن تبعهم من الصالحين إلى يومنا هذا، والغالب منها يقع على وفق ما جاء في المنام، وحسبكم -يا عباد الله- من الرؤيا الصالحة فضلاً وشرفاً أنها من أول ما بُدئ به النبي ﷺ من الوحي، فكان لا يرى شيئاً إلا جاء كفلق الصبح، وإنها لمن المبشرات بالخير أو من النذر عن الشر، وقد صرح النبي ﷺ بقوله: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات قيل: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة) وصح عنه ﷺ قوله: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) ولا يمنع من كون الرؤيا الصالحة جزءاً من النبوة أن يراها الكافر أو الفاسق إذ أنهما تصدق رؤاهم في بعض الأوقات، ولكنها لا تعتبر وحياً ولا تعد من النبوة في ذلك، إذ ليس كل من صدق في حديث بغيب يكون خبره عن ذلك من النبوة.
стр. 2695
رؤيا الأنبياء وما في حكمها
واعلموا -يا عباد الله- أن الرؤى لا تكون وحياً يعمل به إلا إذا رآها نبي، ودليل ذلك أن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رأى في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل، نفذ الرؤيا وطبقها وعمل بها، ولم يقل: أضغاث أحلام، يرى أنه يذبح فلذة كبده وولده بالشفرة والسكين كما تذبح البهيمة ومع ذلك لم يقل: هذه أضغاث أحلام؟ لأنها رؤيا نبي ورؤى الأنبياء حق، وقد وفّى بها وأراد ذبح ولده فلذة كبده ولكن الله افتداه بكبش سمين.
وتكون الرؤيا وحياً إذا رئُيت على عهد نبي وأقرها وأمر بالعمل بها، ومثال هذا: أن النبي ﷺ اهتم للصلاة، وكيف يجمع الناس لها، فقيل له: خذ راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها أعلم بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك وقال: (هو من أمر اليهود.
فذكر له الناقوس فقال ﷺ : هو من أمر النصارى) فانصرف عبد الله بن زيد ﵁ وهو مهتم لهمَّ رسول الله ﷺ فأُري الأذان في منامه، قال: طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة.
قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى.
فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر وسرد عليه الأذان إلى آخره إلى أن علمه الأذان، ثم استأخر عنه غير بعيد، ثم قال لـ عبد الله بن زيد: تعود إذا قمت إلى الصلاة تقول: الله أكبر الله أكبر، وعلمه الإقامة، فلما أصبح جاء عبد الله بن زيد وقص رؤياه على النبي ﷺ ، فقال نبينا ﷺ : (إنها لرؤيا حق إن شاء الله) وفي رواية قال: (قد سبقك بها الوحي، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك).
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا اقترب الزمان -أي: قرب قيام الساعة- لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً) ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
стр. 2696
ما يفعله من رأى ما يكرهه
والرؤيا ثلاثة أنواع: رؤياً صالحة هي بشرى من الله، ورؤيا تحذير من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء به نفسه؛ فإن رأى المسلم ما يكره فليقم وليصل ولا يحدث بها الناس، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم الحلم الذي يكره فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله منه فلن يضره).
وصح عنه ﷺ -أيضاً-: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله وليتحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره).
فمن جملة هذه الأحاديث نعلم معاشر الأحبة أن الرؤيا من الأمور الممكن تحققها ووقوعها خلافاً لمن نفى ذلك وجحده، ومن جملة تلك الأحاديث ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم جداً، وهو أن بعض الناس يتشاءم من بعض الرؤى التي يراها، وقد تضطرب لها حاله وتشغله في مأكله ومشربه ومجلسه، وهذا من الخطأ البين؛ لأن النبي ﷺ قد أرشدنا وبين لنا: إن كانت الرؤيا مما يكره العبد فليستعذ بالله، وليتفل عن يساره، وليقم فليصل فإنها لا تضره، وذلك يدفع شرها عنه بإذن لله وقدره، ومن اعتقد أن الرؤيا تضر بحالها أو تنفع بحالها ممن رآه فيها فقد أشرك مع الله عياذاً بالله من الشرك، إذا أن الذي يقدر القضاء على العباد هو الله، ولا يرفعه عنهم إلا هو سبحانه.
عن أبي سلمة ﵁ قال: كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت النبي ﷺ يقول -وذكر الحديث الذي سقناه آنفاً- (إذا رأى أحدكم ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، وليتفل ثلاثاً عن يساره، ولا يحدث بها فإنها لا تضره).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٤ - ٥].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم، التواب الرحيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه غفور رحيم.
стр. 2697
الرؤيا الصادقة وسببها
الحمد لله منشئ السحاب، وهازم الأحزاب، ومنزل الكتاب، وخالق خلقه من تراب، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأثني عليه الخير كله، هو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام وقد ضل عنه الكثير، ومنَّ علينا بالتوحيد وقد غفل عنه الكثير، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل ما سألناه أعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا لله تعالى حق التقوى، تمسكوا بدين الإسلام في الدقيق والجليل، واعلموا نعمة الله عليكم بهذا الدين الذي به اطمأنت نفوسكم، وأمنتم في أوطانكم، وتدفقت الخيرات إلى بلادكم، وانظروا إلى ما حولكم من الجنوب والشرق والشمال والغرب، يتطاحنون ويتقاتلون بما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير، جنبوا شرع ربنا واتخذوا قوانين الكفرة والملاحدة؛ فكان أن سلط الله عليهم عدواً من أنفسهم ومن بينهم، يتقاتلون ويتذابحون ويدمرون كل شيء بنوه بأيديهم، فتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ شذ في النار.
معاشر المؤمنين إن من الرؤيا ما يقع أولاً على ظاهره، ومنها ما يحتاج إلى تأويل، فما يحتاج إلى التأويل منها فينبغي أن يعرض على رجل صالح ماهر بتعبير الرؤيا، مفرق بين الأضغاث وغيرها، ويفرق بين طبقات الناس إذ أن فيهم من لا تصح له رؤيا، ومنهم من تصح له وتقع بإذن الله، يقول أحد علماء السلف: الرؤيا اكتشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب، فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الصالح الصادق، ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه، ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغاث أحلام؛ ومن أجل ذلك استحب ألا ينام المسلم إلا متوضئاً طاهراً.
وقال بعض أهل التعبير: لكل أمم أصول لا تتغير، وأقيسة مطردة لا تضطرب إلا تعبير الرؤيا، فإنها تختلف باختلاف أحوال الناس وهيئاتهم وصناعاتهم ومراتبهم ومقاصدهم ومللهم ونحلهم وعاداتهم، فينبغي للمعبر أن يكون فطناً ذكياً ذا فراسة واطلاع.
ومما ينبغي أن يعلمه كل مسلم أنه يحرم الكذب في قص الرؤيا، فقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ : (من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل) وفي حديث آخر (إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا) فينبغي لمن رأى رؤيا صالحة ألا يحدث بها إلا عند شفيق ناصح يحسن تعبير الرؤيا وتأويلها، فإن رأى الذي ذكرت له الرؤيا خيراً فليقل: خيراً رأيت، ثم يعبرها.
وإن علم من الرؤيا مصيبة أو بلاءً فليقل: خيراً إن شاء الله وليصمت، فإن وجد خيراً ذكره وإن وجد خلاف ذلك قال: خيراً إن شاء الله، وجاء عن السلف الصالح -أيضاً- جملة من ذلك.
ومن رأى النبي ﷺ في منامه على صفته ﷺ المعروفة فقد رآه حقاً وصدقاً؛ لأن الشيطان لا يتمثل به ﷺ كما صح ذلك عنه في الحديث (من رآني في المنام فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي).
ومن الناس من يفزع في منامه لرؤىً يراها، وسبب ذلك قلة ذكر الله وشدة الغفلة في اليقظة، والخوف من الخلق، وما أشد وقوع الكثير منا في هذا، فالكثير في غفلة عن ذكر الله حال دخولهم بيوتهم، وحال خروجهم من دورهم، وحال ركوبهم دوابهم، وحال دخولهم أعمالهم، إن من القليل النادر أن تسمع صوتاً يرتفع بذكر الله جل وعلا، ومن رفع صوته يذكر غيره التفتت إليه أعين الناس، لا ينكرونه، حاشا لله أن ينكر ذكر الله! وإنما قد استغربوا من قلة الذاكرين في هذا الزمان.
فاعلموا -يا عباد الله- أن شدة الغفلة والخوف من الخلائق والبعد عن ذكر الله مما يسبب أموراً مزعجة في المنام، نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بذكره وطاعته، فينبغي لمن يفزع في منامه أن يحرص على قراءة ورده قبل نومه خاصة فاتحة الكتاب وآية الكرسي والمعوذات، وآخر سورة الحشر، وكذلك الأدعية التي جاءت عن النبي ﷺ فيما يستحب للمسلم أن يقوله عند نومه وبعد استيقاظه، ومن شكا الأرق بعد ذلك -والأرق هو عدم النوم في الليل- فليقل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، ولم يبق إلا وجهك يا حي يا قيوم، اللهم اهد ليلي وأنم عيني، وليتبع ذلك بقراءة الآيات والأحاديث الواردة، وليتأكد أنه لن يقارب تمام هذه الأذكار إلا وقد غشي النوم أجفانه.
عباد الله الرؤى الصادقة كثيرة جداً، فرؤى الأنبياء حق ووحي لا شك فيها، وجاء عن السلف رؤىً وقعت وتحققت، وغيرهم كثير، ولو ذهبنا نستعرض جزءاً من ذلك لطال بنا الوقت.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠] أسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بالتوبة النصوح، وأن يوفقنا لذكره جل وعلا.
стр. 2698
أمور تجعل الرؤيا فاسدة
أيها الأحباب إن كثيراً من الشباب الذين شغلوا أنفسهم عن ذكر الله، وتشاغلوا بالمعاصي والملاهي يترددون على العيادات النفسية ومستشفيات الأعصاب وغيرها؛ يشكون قلقاً وجزعاً وضيقاً ونكداً في نفوسهم، وتقلباً في منامهم، وما علموا أن ذلك هو بما اجترحوه في النهار، يلقون بعضاً منه في الليل، ولو عادوا إلى ربهم وآبوا لوجدوا من ذلك خيراً كثيراً.
يحدثني رجل أعرفه، وكان ممن يداوي بالقرآن المرضى الذين يأتونه، قال: جاءني شاب متناثر شعر رأسه، قد شحب وجهه، وقد تغير شكله، وقد رأيت فيه هيئة تفزع من رآه، ثم إن أباه قد أتاني -أيضاً- وقال: إنه يشكو في الليل أموراً كثيرة، وفي النهار يقترف أشياء عديدة، قال: فإنه لما أتاني قلت: ما الذي تشكوه؟ فذكر لي من قلقه وفزعه وغير ذلك في منامه، ونكد وقلق نفسه في النهار، عيشةً يتمنى أن يموت ولا يحيا فيها.
يقول: فقلت له: يا بني هل تصلي؟ فقال: لا.
فقال: عجباً من حالك! كيف تريد أن تطمئن بالنهار وأن تسكن بالليل وأنت لا تصلي؟! أما تعلم أن تارك الصلاة كافر، وما ينفع إن رقيت عليك وقد تكون -ولا حول ولا قوة إلا بالله- على كفر بتركك للصلاة؟ قال: فما تأمرني أن أفعل؟ قال: آمرك أن تستحم من جديد وأن تغتسل وأن تصلي ثم عد إلي من الغد.
قال: ففعل ذلك وعاد إلي وقد هدأ، فقرأت على صدره آيات من الفاتحة وآية الكرسي ومما يسر الله من كتابه الكريم، قال: فتردد علي أيام بذلك حتى نفعه الله جل وعلا بها، واطمأن وعاد وهو الآن من الذين يؤذنون للصلاة في أحد المساجد الكبيرة في الرياض، نسأل الله أن يمن علينا وعليه وأن يثبت الجميع على طاعته.
إذاً فاعلموا -يا عباد الله- أن كل دقيق وصغير يوحش النفوس ويفزع القلوب إنما هو بما كسبت الأيدي واجترحت الجوارح، نسأل الله أن يسخرنا لطاعته، وأن يمن علينا بهدايته.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أعنا في ديننا.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمام المسلمين لما تحبه وترضاه، ووفق اللهم ولي عهده يا أرحم الرحمين! اللهم لا تفرح على أئمتنا عدواً ولا تشمت بهم حاسداً، وقرب منهم بطانة صالحة، ومن علمت فيه شراً لهم فأبعده عنهم.
اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا قلقاً إلا سكنت روعه وهديت قلبه برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2699
الربا [١]
ما حرم الله شيئاً إلا لمصلحة عباده، وإن الناظر في حال متعاملي الربا من الدائن والمدين ليدرك ما يلحقهم من المحق والخسار، والبوار والدمار.
فالربا لا يقتصر فقط على من تعامل به؛ بل يتعدى خطره إلى كل المجتمع ليهلكه ويبيد اقتصاده وأمواله، ولن يجعل الله الحل أبداً فيما حرم على عباده.
стр. 2700
خطر الربا على المرابي في الآخرة
إن الحمد الله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، لم يعلم طريق خيرٍ إلا دلنا عليه، وما علم من سبيل شرٍ إلا وحذرنا منه، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله بإتيان ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، واتقوا الله جل وعلا في كل وقتٍ وفي كل لحظة، وفي كل فعلٍ وقولٍ وعمل، فإن الله جل وعلا ما خلقكم إلا تعبدوه، وما خلق الخلائق أجمعين ليستعز بهم من ذلة، أو ليستكثر بهم من قلة، فهو الغني الحميد سبحانه لا إله إلا هو وهو على شيءٍ قدير.
معاشر الأحباب: يقول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
معاشر الأحباب: إن المتأمل لكتاب الله جل وعلا ليجد أن الله عَظَّمَ جانب الربا في شأن من يتعامل به، وخطورة مآله وحاله، فإنه خطرٌ عظيم، وشرٌ جسيم في الدنيا والبرزخ والآخرة، ولذلك فقد جاء في آخر سورة البقرة فصلاً مطولاً في شأن الربا، والله جل وعلا يوم أن قال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: يوم القيامة، أكلة الربا لا يقومون إلا كما يقوم المصروع الذي يتخبطه الجن والشياطين، وذلك بما أثقل نفسه به من المال الحرام، فإنه عند ذلك لا يستطيع النهوض إلى الحشر إلا بمدافعة نارٍ تلحقه، وكما جاء في الأثر: (يوم أن ينفخ في الصور ويحشر العباد وينفرون، فإن أكلة الربا كلما قاموا سقطوا على وجوههم، وصرعوا على جنوبهم) فشأن الربا عظيمٌ وخطره جسيمٌ جداً يا عباد الله! ولعل من عظيم قول الله جل وعلا فيه، ومن عظيم التهديد والوعيد في شأنه أن الله سبحانه لم يجعل له عقوبةً حسيةً معينة، أي: كالحدود والقصاص والرجم وغيرها، وإنما توعد آكله بحربٍ منه، وتوعد متعامله بحربٍ من رسوله، وما شأن مسلمٍ يحاربه الله ورسوله فهل تبقى له قائمة؟! وهل يكون له في الخير نصيب بعد أن حاربه الله ورسوله؟! في الحديث: (إذا بعث الله الناس يوم القيامة خرجوا مسرعين إلا أهل الربا، كلما قاموا سقطوا على وجوههم وجنوبهم) وذلك يا معاشر المتقين! بما أثقلوا بطونهم به من المال الحرام، ولقد جاء في حديث المعراج: (أنه ﷺ لما عُرج به رأى رجالاً بطونهم بين أيديهم كالبيوت فيها حيات وعقارب ترى من ظاهر بطونهم، فقال ﷺ : من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هم أكلة الربا).
معاشر المؤمنين: لا شك أن الربا سحرٌ يغري المتعامل به، ويغري صاحب المال أن يقع فيه؛ وذلك لأنه في هذا الزمان تيسرت سبل التعامل به، وتيسر أسباب الربح فيه، إذ أن الكثيرين يرون أن من مصالحهم أن يودعوا أموالهم أو ما يسمونه أرصدتهم في بنكٍ من البنوك التي تدفع فائدة سنوية عليها، فيجد أن ماله يتضاعف، ويجد أن ماله يتكاثر، وهو قابع قاعدٌ في بيته، لا شك أن هذا سحرٌ يغري كثيراً من ضعفاء الإيمان واليقين من الذين لا يرعون أمر الله ونهيه، يغريهم بأن يتعاملوا بأموالهم على هذا الشأن.
ولا شك يا عباد الله! أن أسلوب التعامل بالمال على هذا النحو يوقع المجتمعات في كارثة اقتصادية، إذ أن شأن هذا النوع من التعامل يجعل الأغنياء يتضاعفون غنىً، ويجعل الفقراء يزدادون فقراً إلى فقرهم، ومسكنةً إلى ضعفهم، وحاجةً إلى متربتهم، وبعد ذلك تنشأ الطبقية، وتنشأ الثورات والقلاقل في المجتمع؛ لأن المجتمع حين ذاك ينقسم إلى قسمين أساسين: طبقة أصحاب الأموال وهم الأغنياء، وطبقة الفقراء وهم الكادحون، وكلكم يعرف أن الثورة البلشفية والثورة الفرنسية نشأت وكان من أهم أسبابها آنذاك يوم أن انقسم المجتمع إلى هذه الطبقات الكادحة وتلك الطبقات الغنية.
إذاً: فأمر الربا خطيرٌ جداً في شأن المجتمعات، نسأل الله جل وعلا أن يقينا مصارع أهل الربا وأن يبعدنا عنه، وأن يقينا من التعامل به، إنه على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير.
следующие страницы →