← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

ما يفعله من رأى ما يكرهه والرؤيا ثلاثة أنواع: رؤياً صالحة هي بشرى من الله، ورؤيا تحذير من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء به نفسه؛ فإن رأى المسلم ما يكره فليقم وليصل ولا يحدث بها الناس، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم الحلم الذي يكره فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله منه فلن يضره). وصح عنه ﷺ -أيضاً-: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله وليتحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره). فمن جملة هذه الأحاديث نعلم معاشر الأحبة أن الرؤيا من الأمور الممكن تحققها ووقوعها خلافاً لمن نفى ذلك وجحده، ومن جملة تلك الأحاديث ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم جداً، وهو أن بعض الناس يتشاءم من بعض الرؤى التي يراها، وقد تضطرب لها حاله وتشغله في مأكله ومشربه ومجلسه، وهذا من الخطأ البين؛ لأن النبي ﷺ قد أرشدنا وبين لنا: إن كانت الرؤيا مما يكره العبد فليستعذ بالله، وليتفل عن يساره، وليقم فليصل فإنها لا تضره، وذلك يدفع شرها عنه بإذن لله وقدره، ومن اعتقد أن الرؤيا تضر بحالها أو تنفع بحالها ممن رآه فيها فقد أشرك مع الله عياذاً بالله من الشرك، إذا أن الذي يقدر القضاء على العباد هو الله، ولا يرفعه عنهم إلا هو سبحانه. عن أبي سلمة ﵁ قال: كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت النبي ﷺ يقول -وذكر الحديث الذي سقناه آنفاً- (إذا رأى أحدكم ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، وليتفل ثلاثاً عن يساره، ولا يحدث بها فإنها لا تضره). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٤ - ٥]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم، التواب الرحيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه غفور رحيم.

стр. 2697

الرؤيا الصادقة وسببها الحمد لله منشئ السحاب، وهازم الأحزاب، ومنزل الكتاب، وخالق خلقه من تراب، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأثني عليه الخير كله، هو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام وقد ضل عنه الكثير، ومنَّ علينا بالتوحيد وقد غفل عنه الكثير، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل ما سألناه أعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله اتقوا لله تعالى حق التقوى، تمسكوا بدين الإسلام في الدقيق والجليل، واعلموا نعمة الله عليكم بهذا الدين الذي به اطمأنت نفوسكم، وأمنتم في أوطانكم، وتدفقت الخيرات إلى بلادكم، وانظروا إلى ما حولكم من الجنوب والشرق والشمال والغرب، يتطاحنون ويتقاتلون بما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير، جنبوا شرع ربنا واتخذوا قوانين الكفرة والملاحدة؛ فكان أن سلط الله عليهم عدواً من أنفسهم ومن بينهم، يتقاتلون ويتذابحون ويدمرون كل شيء بنوه بأيديهم، فتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ شذ في النار. معاشر المؤمنين إن من الرؤيا ما يقع أولاً على ظاهره، ومنها ما يحتاج إلى تأويل، فما يحتاج إلى التأويل منها فينبغي أن يعرض على رجل صالح ماهر بتعبير الرؤيا، مفرق بين الأضغاث وغيرها، ويفرق بين طبقات الناس إذ أن فيهم من لا تصح له رؤيا، ومنهم من تصح له وتقع بإذن الله، يقول أحد علماء السلف: الرؤيا اكتشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب، فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الصالح الصادق، ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه، ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغاث أحلام؛ ومن أجل ذلك استحب ألا ينام المسلم إلا متوضئاً طاهراً. وقال بعض أهل التعبير: لكل أمم أصول لا تتغير، وأقيسة مطردة لا تضطرب إلا تعبير الرؤيا، فإنها تختلف باختلاف أحوال الناس وهيئاتهم وصناعاتهم ومراتبهم ومقاصدهم ومللهم ونحلهم وعاداتهم، فينبغي للمعبر أن يكون فطناً ذكياً ذا فراسة واطلاع. ومما ينبغي أن يعلمه كل مسلم أنه يحرم الكذب في قص الرؤيا، فقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ : (من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل) وفي حديث آخر (إن أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم تريا) فينبغي لمن رأى رؤيا صالحة ألا يحدث بها إلا عند شفيق ناصح يحسن تعبير الرؤيا وتأويلها، فإن رأى الذي ذكرت له الرؤيا خيراً فليقل: خيراً رأيت، ثم يعبرها. وإن علم من الرؤيا مصيبة أو بلاءً فليقل: خيراً إن شاء الله وليصمت، فإن وجد خيراً ذكره وإن وجد خلاف ذلك قال: خيراً إن شاء الله، وجاء عن السلف الصالح -أيضاً- جملة من ذلك. ومن رأى النبي ﷺ في منامه على صفته ﷺ المعروفة فقد رآه حقاً وصدقاً؛ لأن الشيطان لا يتمثل به ﷺ كما صح ذلك عنه في الحديث (من رآني في المنام فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي). ومن الناس من يفزع في منامه لرؤىً يراها، وسبب ذلك قلة ذكر الله وشدة الغفلة في اليقظة، والخوف من الخلق، وما أشد وقوع الكثير منا في هذا، فالكثير في غفلة عن ذكر الله حال دخولهم بيوتهم، وحال خروجهم من دورهم، وحال ركوبهم دوابهم، وحال دخولهم أعمالهم، إن من القليل النادر أن تسمع صوتاً يرتفع بذكر الله جل وعلا، ومن رفع صوته يذكر غيره التفتت إليه أعين الناس، لا ينكرونه، حاشا لله أن ينكر ذكر الله! وإنما قد استغربوا من قلة الذاكرين في هذا الزمان. فاعلموا -يا عباد الله- أن شدة الغفلة والخوف من الخلائق والبعد عن ذكر الله مما يسبب أموراً مزعجة في المنام، نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بذكره وطاعته، فينبغي لمن يفزع في منامه أن يحرص على قراءة ورده قبل نومه خاصة فاتحة الكتاب وآية الكرسي والمعوذات، وآخر سورة الحشر، وكذلك الأدعية التي جاءت عن النبي ﷺ فيما يستحب للمسلم أن يقوله عند نومه وبعد استيقاظه، ومن شكا الأرق بعد ذلك -والأرق هو عدم النوم في الليل- فليقل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، ولم يبق إلا وجهك يا حي يا قيوم، اللهم اهد ليلي وأنم عيني، وليتبع ذلك بقراءة الآيات والأحاديث الواردة، وليتأكد أنه لن يقارب تمام هذه الأذكار إلا وقد غشي النوم أجفانه. عباد الله الرؤى الصادقة كثيرة جداً، فرؤى الأنبياء حق ووحي لا شك فيها، وجاء عن السلف رؤىً وقعت وتحققت، وغيرهم كثير، ولو ذهبنا نستعرض جزءاً من ذلك لطال بنا الوقت. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠] أسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بالتوبة النصوح، وأن يوفقنا لذكره جل وعلا.

стр. 2698

أمور تجعل الرؤيا فاسدة أيها الأحباب إن كثيراً من الشباب الذين شغلوا أنفسهم عن ذكر الله، وتشاغلوا بالمعاصي والملاهي يترددون على العيادات النفسية ومستشفيات الأعصاب وغيرها؛ يشكون قلقاً وجزعاً وضيقاً ونكداً في نفوسهم، وتقلباً في منامهم، وما علموا أن ذلك هو بما اجترحوه في النهار، يلقون بعضاً منه في الليل، ولو عادوا إلى ربهم وآبوا لوجدوا من ذلك خيراً كثيراً. يحدثني رجل أعرفه، وكان ممن يداوي بالقرآن المرضى الذين يأتونه، قال: جاءني شاب متناثر شعر رأسه، قد شحب وجهه، وقد تغير شكله، وقد رأيت فيه هيئة تفزع من رآه، ثم إن أباه قد أتاني -أيضاً- وقال: إنه يشكو في الليل أموراً كثيرة، وفي النهار يقترف أشياء عديدة، قال: فإنه لما أتاني قلت: ما الذي تشكوه؟ فذكر لي من قلقه وفزعه وغير ذلك في منامه، ونكد وقلق نفسه في النهار، عيشةً يتمنى أن يموت ولا يحيا فيها. يقول: فقلت له: يا بني هل تصلي؟ فقال: لا. فقال: عجباً من حالك! كيف تريد أن تطمئن بالنهار وأن تسكن بالليل وأنت لا تصلي؟! أما تعلم أن تارك الصلاة كافر، وما ينفع إن رقيت عليك وقد تكون -ولا حول ولا قوة إلا بالله- على كفر بتركك للصلاة؟ قال: فما تأمرني أن أفعل؟ قال: آمرك أن تستحم من جديد وأن تغتسل وأن تصلي ثم عد إلي من الغد. قال: ففعل ذلك وعاد إلي وقد هدأ، فقرأت على صدره آيات من الفاتحة وآية الكرسي ومما يسر الله من كتابه الكريم، قال: فتردد علي أيام بذلك حتى نفعه الله جل وعلا بها، واطمأن وعاد وهو الآن من الذين يؤذنون للصلاة في أحد المساجد الكبيرة في الرياض، نسأل الله أن يمن علينا وعليه وأن يثبت الجميع على طاعته. إذاً فاعلموا -يا عباد الله- أن كل دقيق وصغير يوحش النفوس ويفزع القلوب إنما هو بما كسبت الأيدي واجترحت الجوارح، نسأل الله أن يسخرنا لطاعته، وأن يمن علينا بهدايته. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أعنا في ديننا. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمام المسلمين لما تحبه وترضاه، ووفق اللهم ولي عهده يا أرحم الرحمين! اللهم لا تفرح على أئمتنا عدواً ولا تشمت بهم حاسداً، وقرب منهم بطانة صالحة، ومن علمت فيه شراً لهم فأبعده عنهم. اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا قلقاً إلا سكنت روعه وهديت قلبه برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2699

الربا [١] ما حرم الله شيئاً إلا لمصلحة عباده، وإن الناظر في حال متعاملي الربا من الدائن والمدين ليدرك ما يلحقهم من المحق والخسار، والبوار والدمار. فالربا لا يقتصر فقط على من تعامل به؛ بل يتعدى خطره إلى كل المجتمع ليهلكه ويبيد اقتصاده وأمواله، ولن يجعل الله الحل أبداً فيما حرم على عباده.

стр. 2700

خطر الربا على المرابي في الآخرة إن الحمد الله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، لم يعلم طريق خيرٍ إلا دلنا عليه، وما علم من سبيل شرٍ إلا وحذرنا منه، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله بإتيان ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، واتقوا الله جل وعلا في كل وقتٍ وفي كل لحظة، وفي كل فعلٍ وقولٍ وعمل، فإن الله جل وعلا ما خلقكم إلا تعبدوه، وما خلق الخلائق أجمعين ليستعز بهم من ذلة، أو ليستكثر بهم من قلة، فهو الغني الحميد سبحانه لا إله إلا هو وهو على شيءٍ قدير. معاشر الأحباب: يقول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. معاشر الأحباب: إن المتأمل لكتاب الله جل وعلا ليجد أن الله عَظَّمَ جانب الربا في شأن من يتعامل به، وخطورة مآله وحاله، فإنه خطرٌ عظيم، وشرٌ جسيم في الدنيا والبرزخ والآخرة، ولذلك فقد جاء في آخر سورة البقرة فصلاً مطولاً في شأن الربا، والله جل وعلا يوم أن قال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: يوم القيامة، أكلة الربا لا يقومون إلا كما يقوم المصروع الذي يتخبطه الجن والشياطين، وذلك بما أثقل نفسه به من المال الحرام، فإنه عند ذلك لا يستطيع النهوض إلى الحشر إلا بمدافعة نارٍ تلحقه، وكما جاء في الأثر: (يوم أن ينفخ في الصور ويحشر العباد وينفرون، فإن أكلة الربا كلما قاموا سقطوا على وجوههم، وصرعوا على جنوبهم) فشأن الربا عظيمٌ وخطره جسيمٌ جداً يا عباد الله! ولعل من عظيم قول الله جل وعلا فيه، ومن عظيم التهديد والوعيد في شأنه أن الله سبحانه لم يجعل له عقوبةً حسيةً معينة، أي: كالحدود والقصاص والرجم وغيرها، وإنما توعد آكله بحربٍ منه، وتوعد متعامله بحربٍ من رسوله، وما شأن مسلمٍ يحاربه الله ورسوله فهل تبقى له قائمة؟! وهل يكون له في الخير نصيب بعد أن حاربه الله ورسوله؟! في الحديث: (إذا بعث الله الناس يوم القيامة خرجوا مسرعين إلا أهل الربا، كلما قاموا سقطوا على وجوههم وجنوبهم) وذلك يا معاشر المتقين! بما أثقلوا بطونهم به من المال الحرام، ولقد جاء في حديث المعراج: (أنه ﷺ لما عُرج به رأى رجالاً بطونهم بين أيديهم كالبيوت فيها حيات وعقارب ترى من ظاهر بطونهم، فقال ﷺ : من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هم أكلة الربا). معاشر المؤمنين: لا شك أن الربا سحرٌ يغري المتعامل به، ويغري صاحب المال أن يقع فيه؛ وذلك لأنه في هذا الزمان تيسرت سبل التعامل به، وتيسر أسباب الربح فيه، إذ أن الكثيرين يرون أن من مصالحهم أن يودعوا أموالهم أو ما يسمونه أرصدتهم في بنكٍ من البنوك التي تدفع فائدة سنوية عليها، فيجد أن ماله يتضاعف، ويجد أن ماله يتكاثر، وهو قابع قاعدٌ في بيته، لا شك أن هذا سحرٌ يغري كثيراً من ضعفاء الإيمان واليقين من الذين لا يرعون أمر الله ونهيه، يغريهم بأن يتعاملوا بأموالهم على هذا الشأن. ولا شك يا عباد الله! أن أسلوب التعامل بالمال على هذا النحو يوقع المجتمعات في كارثة اقتصادية، إذ أن شأن هذا النوع من التعامل يجعل الأغنياء يتضاعفون غنىً، ويجعل الفقراء يزدادون فقراً إلى فقرهم، ومسكنةً إلى ضعفهم، وحاجةً إلى متربتهم، وبعد ذلك تنشأ الطبقية، وتنشأ الثورات والقلاقل في المجتمع؛ لأن المجتمع حين ذاك ينقسم إلى قسمين أساسين: طبقة أصحاب الأموال وهم الأغنياء، وطبقة الفقراء وهم الكادحون، وكلكم يعرف أن الثورة البلشفية والثورة الفرنسية نشأت وكان من أهم أسبابها آنذاك يوم أن انقسم المجتمع إلى هذه الطبقات الكادحة وتلك الطبقات الغنية. إذاً: فأمر الربا خطيرٌ جداً في شأن المجتمعات، نسأل الله جل وعلا أن يقينا مصارع أهل الربا وأن يبعدنا عنه، وأن يقينا من التعامل به، إنه على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير.

стр. 2701

أثر الربا على أموال المرابي ثم لنتأمل الآية التي تليها في قول الله جل وعلا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة:٢٧٦] فأي شيءٍ بعد أن محق الله الربا؟ ولا يغرنكم رؤية أصحاب الربا في قصورٍ فارهة، أو مراكب وثيرة، أو في أماكنٍ عالية، فإن شأنهم إلى الذلة، وإن شأنهم إلى الصغار، وهي سنة الله لا تتبدل ولا تتحول، ولن تجد لسنة الله تبديلاً بقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٦]. فالربا يمحق الله أهله، ويمحق مشاريعهم، ويمحق استثماراتهم، ويمحق كل شيءٍ جعلوا الربا سبيلاً إلى النماء فيه، وإننا لنرى في هذه الأيام كثيراً من الذين غرتهم المادة، وأحبوا أن ينطلقوا بالمال يمنةً ويسرة، فاقترضوا من البنوك -باسم المشاريع- بالربا أموالاً آلت نهايتهم إلى الانكسار، فترى الواحد منهم يعيش أعظم الدَّين وأثقله على كاهله بسبب عمالةٍ لم يدفع رواتبها، وبضاعةٍ تأخر تسديد قيمتها، وبسبب أعمالٍ لم ينجزها، وما ذلك إلا لأنه بدأ من حرام، بدأ من سحت، بدأ من شيءٍ لعنه الله ولعنه رسوله، فكيف يرجى لرجلٍ يريد بنياناً شامخاً أن يعلو بنيانه وهو قد أسسه على شفا جرفٍ هار فانهار به إلى الدمار والهلاك؟! وإن لم يتب فسينهار به إلى نار جهنم عياذاً بالله من ذلك. كلكم ترون كثيراً من الذين وقعوا نتيجة هذه المصائب والانكسارات المالية، لو دققتم في شأنهم لوجدتم أن كثيراً منهم استدانوا بالفوائد والربا، واستدانوا بما يسمى بنسبة الفائدة، أو بما يسمونه بالتسهيلات، وما هي والله إلا عين الربا الذي لعنه الله ولعنه رسوله، ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه، عياذاً بالله من حالٍ ملعونةٍ كهذه. معاشر المؤمنين: إذاً فلنعلم أن خطورة الربا ليست على الأفراد وحدهم، وإنما هي على المجتمع، ومن ثم تنقلب هذه المشاكل بلاءً ودماراً على الأمة.

стр. 2702

فتح باب التوبة للمرابي ووعيده إن لم يتب ثم الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٧٨] نداءٌ ربانيٌ كريم لطيف بالعباد، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] فمن كان يدعي الإيمان وينتسب إلى الإسلام فلا حق له أن يقيم على الربا، ولا يجوز له أن يتعامل به، والله جل وعلا يناديهم أولاً بهذا الأسلوب اللطيف: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] في ذلك فتحٌ لباب التوبة، ونداءٌ إلى العودة والأوبة ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٧٩] وإن لم تنزجروا، وإن لم تتوبوا وتعودوا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]. وبعد هذا التهديد ما ظنكم بحرب الله على العباد الذين يتعاملون بالربا؟! أتظنونها حرباً كحرب البشر؟! إنها حربٌ على العبد في ليله ونهاره، إنها حربٌ على العباد في أمنهم وأوطانهم وأبدانهم وأموالهم وذرياتهم وكل شيءٍ يتعاملون به، ولا يغرنكم أن تروا مرابياً يتعامل بالربا وهو يعيش عيشة الأثرياء أو الأغنياء، فإن الله جل وعلا يمهله ثم إذا أخذه أخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، أخذه أخذةً تكون العبرة لغيره، نسأل الله أن يجعلنا من المعتبرين، وألا يجعلنا من الذين يعتبر بهم. ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩] عودةٌ إلى فتح باب التوبة، وهي مفتوحةٌ إلى يوم القيامة قبل أن تطلع الشمس من مغربها، مفتوحةٌ للعبد قبل أن يغرغر وقبل أن تصل روحه حلقومه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] ليس لكم إلا رءوس أموالكم، أما ما تنامى وتضاعف فما هو إلا زَبدٌ وجُفى فإنه ليس لكم، فإنه ليس من مكسبكم، فإنه ليس من مطعمكم. ثم الله جل وعلا بعد ذلك يقول خطاباً لطيفاً: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] فيه ربطٌ بهذه الآيات، وشأن الذين يتعاملون بالربا الذين إذا استدانوا أو أدانوا أحداً من الناس مبلغاً من المال فإذا حل الأجل قالوا له: إما أن توفي وإما أن نربي عليك المال، أي: تتضاعف الفائدة عليك، أي: يتضاعف الربا عليك، فالله جل وعلا نبه المؤمنين ألا يتعاملوا بالربا ابتداءً، وألا يتعاملوا به بعد حلول الأجل، إذ أن من الناس من يكون في بداية أمره سليم النية، يحب أن يوسع على غيره من إخوانه، فيقرضهم مبلغاً من المال، فإذا حل أجله وضاقت المماطلة به نتيجةً لقلة ذات يده، فإنه قد يعرض عليه هذا الأمر، فيقول: أؤجلك أو أنسئك إلى عامٍ قابل بشرط أن يتضاعف المال كذا وكذا، فهذا عين الربا الذي نهى الله جل وعلا عنه، وهو ملعون آكله وملعونٌ موكله وكاتبه وشاهديه. ثم بعد ذلك حرب رسول الله ﷺ بنص هذه الآية، هي أنه ﷺ جاء عنه: (أنه لعن آكل الربا) أتظنون أن النبي ﷺ يوم أن توجهت لعنته على أكلة الربا، أتظنونهم يسلمون في مآلهم وحالهم؟! لا والله إن لم يتداركهم رب العباد بتوبةٍ صادقةٍ نصوح، وإقلاعٍ عن هذا الأمر. معاشر المؤمنين: كلكم تعلمون أن خطر الربا عظيم، وأن شره جسيم، وأنه سحت: (وكل جسمٍ نبت من سحت فالنار أولى به) أعيذكم ونفسي بالله من الربا، نعوذ بالله من سخطه، ونعوذ بالله أن نأكل من الربا من قليله أو كثيره، وإن كنا في زمانٍ كما جاء في الحديث: (يأكل الناس الربا، ومن لم يأكله فإنه لن يسلم من غباره) نسأل الله أن يتجاوز عنا، وأن يتوب علينا، وأن يمن على الذين يتعاملون بالربا بالهداية، وأن يعودوا إلى رأس مالهم لا يظلمون الناس ولا يُظلمون. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2703

ضابط حاجة الربا وإنظار المعسر الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، الحمد لله له على إحسانه، والشكر له على تفضله وتوفيقه وامتنانه، الشكر لله على نعمةٍ في أبداننا، وأمنٍ في أوطاننا، وأرزاقٍ في أموالنا، له الحمد سبحانه لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واستمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وكل محدثةٌ بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار. معاشر الأحباب: الزموا جماعة المسلمين، ألا وإن من لزوم جماعة المسلمين أن نشهد وأن نحضر الصلوات معهم في المساجد جماعة. عباد الله: كلكم سمعتم هذه الآيات البينات التي لو لم يرد في شأن الربا إلا هي لكانت زاجراً، ولكانت شيئاً يكف فاعل الربا أن يتعامل أو يستمر فيه، ولكانت مانعاً لمن سولت له نفسه أو همت أن يقترض بالربا أن تكون زاجراً ومانعاً له من التعامل فيه. معاشر الأحباب: لا شك أن كثيراً من الناس يؤولون بعض أحوالهم، ويؤولون بعض ظروفهم، فيقولون: إن الحاجة أو أن الضرورات تبيح المحرمات، وعند ذلك يتوجهون إلى أي جهة تقرضهم بالربا، فهذا لا يجوز، وما نوع هذه الحاجة التي يدعونها؟ أهي حاجةٍ حقيقية؟ أتدرون ما هي الحاجة التي تبيح المحرمات؟ إنها مقدار حاجة يسيرة تدفع عطش الموت بشربةٍ ولو كانت من خمر، وتدفع شيئاً من الجوع الذي يؤدي إلى الهلاك بأكلةٍ ولو كانت بشيءٍ قليلٍ جداً من الميتة أو الحرام حتى تندفع الحاجة. أما الذين يريدون أن يستثمروا أو أن يتمولوا، وبعد ذلك يتوجهون إلى من يقرضهم بالربا، فإنهم ليسوا بحاجة، وإن ادعوا أن مشاريعهم ستسحب منهم، أو أنهم لا بد أن يكسبوا هذه الفرصة، فهذا تحايلٌ وهذا جهلٌ، والله جل وعلا عليمٌ بالسرائر والظواهر. فالله الله يا معاشر الأحباب! لا يجرنكم هذا الأمر إلى ذلك، وينبغي لمن كان له حقٌ على مدينٍ معسر وهو يعلم إعساره ألا يضطره إلى أن يقترض بالربا؛ لأن ذلك خطرٌ عليك، وقد يكون هو السبب في أنه اضطره إلى أن يقترض بالربا، ومن هنا جاءت الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] لأن كثيراً من الناس إذا حل له شيءٌ من حقه على معسرٍ من المعسرين لا يبالي بأي وادٍ هلك ما دام يمشي، ولا يقنعه أو يريح ضميره إلا أن يودعه داخل السجن، فما يفعل السجن به، هل السجن يعطيه مالاً؟ وهل السجن يصنع له نقداً؟ إن هذا لا يجديه في قليل أو كثير، وإن صاحب الحق إذا أوقف أو أودع غريمه في السجن لا يزداد إلا أن يتأخر ماله، ولو تركه حراً طليقاً يجمع المال من هنا وهنا، ويقسط ما استطاع عليه من المال، فإنه بذلك ينال ثواب أنه أنظره إلى الميسرة، ورحم عسره، ورحم فقره وحاجته، ويكون بذلك قد نال حقه على التراخي وعلى المهلة، ويكون من الذين ينالون الأجر والثواب؛ بأنه أنظره من حال العسرة التي هو فيها.

стр. 2704

بيع العينة وصور تخرج منه معاشر المؤمنين: كثيرٌ من الناس حينما تحل عليه الحاجة، أو يتوجه عليه حلول الدَّين فإنه يتوجه إلى مكانٍ يتورقون الناس فيه، ومسألة التورق تعرفونها جيداً، يسميها بعض العامة بالوعدة، أو يسمونها بالدِّينة، وهي مسألة التورق في حقيقتها، ولها صور وأشكال شتى، فينبغي لمن أراد أن يتعامل بهذا النوع منها أن ينتبه لكي لا يقع في الحرام بحيلةٍ من محللٍ دخل طرفاً في هذه العملية، أو بحيلةٍ من صاحب المحل الذي باعه بضاعةً معينة، ثم اشتراها منه في نفس الوقت في نفس الساعة ودفع له قيمةً أقل منها، ألا وإن ذلك هو ربا العينة الذي نهى عنه ﷺ بقوله: (إذا تبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر؛ سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) فينبغي لمن توجه للتعامل بهذا الأمر -لحاجةٍ ماسةٍ به- أن يتعامل به في حدودٍ مشروعة. ولعل أنقى الصور وأوضحها: أن تشتري بضاعةً إلى أجل، ثم بعد ذلك تحوزها إلى رحلك، ثم تبيعها إلى من شئت من الناس، بسعرها أو بأقل منه أو أكثر، بشرط أن لا يكون هناك حيلة من صاحب المال أن يرسل أحداً يشتريها بقيمةٍ أقل منها، أو أن يكون هناك اتفاقٌ مسبق أن تشترى منك هذه البضاعة بدخول طرفٍ ثالث في هذه العملية. ولعلَّ من صورها التي يجوز للناس أن يتعاملوا بها: إذا كان الإنسان محتاجاً إلى سيارةٍ معينة، أو محتاجاً إلى مالٍ معين أن يتوجه إلى أحدٍ من الناس، فيقول له: إني بحاجةٍ إلى سيارة، أو بحاجةٍ إلى سلعة، أو بحاجةٍ إلى كذا، فتوجه معي إلى مكانها فاشترها بسعرها، فإذا اشتراها وحازها وامتلكها وكتبت باسمه قال: أنا أشتريها منك بعد ذلك مؤجلةً ولو ازداد شيئاً من المال مقابل نسبة الأجل، فلا حرج في ذلك إن شاء الله. أما ما يتعامل به كثيرٌ من الناس، ويتحايلون على الله، والله جل وعلا هو الذي يعلم السرائر والظواهر، فكيف يسلمون من هذا الشر، نسأل الله جل وعلا أن لا يحوجنا إلى ذلك، اللهم لا تحوجنا إلى تورقٍ، أو إلى دينٍ، أو إلى رباً. ولا حاجة لمسلمٍ في الربا؛ لأنه يعلم أن ما عند الله أحب إليه من ذلك، وأن قَدَرَ الله مهما عظم أرحم به من أن يقع في الربا، وأن فرج الله مهما تأخر فإنه أقرب إليه من أن يتعامل بالحرام. نسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع إلى ما يحبه ويرضاه. سمعنا في هذه الخطبة قول الله جل وعلا في آيات الربا، من آخر سورة البقرة، ولقد جاءت آيةٌ في سورة آل عمران تنهى المؤمنين أن يتعاملوا بالربا، وهو الربا المضاعف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] وتوعد من فعل هذا بالعذاب الشديد، نسأل الله جل وعلا أن ينجينا من الربا، وألا يجعل له سبيلاً إلينا في مآكلنا ومشاربنا ومعاملاتنا. عباد الله: من يتقي الله يجعل له مخرجاً، ما ضاقت على العبد ضائقة فلن يجد فرجها إلا فيما أحل الله له، وإن كثيراً من الناس قد يتعامل بطريقةٍ نزيهة حتى يأتيه من يهون عليه أو يسهل له أمر الربا فيقترض بالفائدة، وبعد ذلك يعود هذا المال القليل نسبةً إلى البوار والهلاك والخسارة في ماله الكثير كله، وبعد ذلك يتوجه الدَّبور عليه في كل أمرٍ من أموره، ولا غرابة فإن الحرام ممحقٌ للبركة، نسأل الله جل وعلا أن ينجينا من الربا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين. اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشبابنا ونسائنا ضلالاً وتبرجاً وسفوراً؛ اللهم فاجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أذهب سمعه وبصره وعقله، واجعله عبرةً للمعتبرين وعظةً للمتعظين بقدرتك يا جبار السماوات والأرض. اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم بطانةً صالحة، اللهم ارزقهم بطانةً صالحة، اللهم جنبهم بطانة السوء، اللهم ما علمت في أحدٍ خيراً لهم فقربه منهم، وما علمت في بشرٍ شراً لهم فأبعده عنهم، اللهم انصرهم ولا تنصر عليهم، اللهم ارفعهم ولا ترفع عليهم، اللهم سخِّر لهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك، وقربهم إلى من تحبهم وترضى عنهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً قضيته، ولا مريضاً إلا شفتيه، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا مديناً إلا قضيت دينه، ولا معسراً إلا حللت عسره، يا فرج المكروبين، يا نصير المستضعفين، يا إله الأولين والآخرين، فإن أمرك سبحانك يا حي يا قيوم بين الكاف والنون، وتقلب العسر إلى يسر، وتقلب الضيق إلى فرج، وتقلب الكرب إلى سرورٍ وراحة بقدرتك يا جبار السماوات والأرض. اللهم لا تدم على مسلمٍ ضائقة، اللهم لا تدم على مسلمٍ كربة، اللهم من كان مكروباً في دَين نسألك اللهم يا حي يا قيوم، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا من كان مكروباً في دَين أن تفرج كربته، وأن تفك عسره، وأن ترزقه من واسع فضلك، وأن تغنينا وتغنيه بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، وأغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر نبينا محمدٍ، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه واشكروه على نعمه واشكروه على ما تفضل به عليكم يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2705

الربا [٢] إن المسلم العاقل عندما يسمع عظم الإثم الواقع على من يقع في الربا ليحجم ويقلع ويتوب إلى ربه ؛ لأن الضرر لاحق به في دنياه وآخرته، ومن لم يقلع عنه فإنه محارب لله ورسوله، ومن ذا يحارب ربه ونبيه ويفلح؟! ومن علم أن الله حرم الربا فلا يغره ما يتحدث به رجال -وإن تصدروا للإفتاء- من القول بجوازه؛ فإنه محاسب على فعله.

стр. 2706

عظم الإثم الواقع على المرابي الحمد لله الواحد بلا شريك، والقوي بلا نصير، والعزيز بلا ظهير، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا للإسلام، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل ما سألناه أعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من اتبع سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم ولمن كان قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. معاشر المؤمنين: مر الحديث بنا في الجمعة الماضية عن الربا، وأن خطره عظيم، وأن شره جسيم، وسمعنا ما ذكره الله جل وعلا في كتابه الكريم من الآيات الواردة في شأن الربا وفي شأن الذين يأكلونه لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم الذين تتخبطهم الشياطين صرعى من الجنون، وأنهم ممحوقو البركة فيما يأكلون ويشترون ويفعلون بهذا المال الذي هو من الربا، وأنهم مؤذنون بحربٍ من الله ورسوله إن لم يقلعوا عنه. ولقد جاء في السنة النبوية شيءٌ كثيرٌ وكثيرٌ جداً في شأن هذا الربا، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات -أي: المهلكات- قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) أرأيتم كيف عَدَّ رسول الله ﷺ أكل الربا وجعل صاحبه مع أهل الموبقات المهلكات. وروى النسائي ﵀ أن النبي ﷺ قال: (رأيت الليلة رجلين آتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهرٍ من دم فيه رجلٌ قائم، وعلى شط النهر رجلٌ بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر يسبح فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجرٍ في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت ما هذا الذي رأيت في النهر؟ قالا: آكل الربا). وروى مسلم وغيره أن النبي ﷺ (لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) ألا وإن في هذا الحديث لنذيرٌ لمن يتعامل بالربا؛ من قريبٍ أو بعيد، سواء كان مودعاً أو مقترضاً، أو آكلاً أو مستثمراً أو موكلاً أو كاتباً أو شاهداً. وروى الحاكم وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، أنه ﷺ قال: (الربا ثلاثٍ وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه)، وروى ابن أبي الدنيا والبغوي وغيرهما موقوفاً قال: (الربا اثنان وسبعون حُوباً، أصغرها كمن أتى أمه في الإسلام، ودرهمٌ من الربا أشد من بضعٍ وثلاثين زنية، قال: ويأذن الله للبر والفاجر بالقيام يوم القيامة إلا آكل الربا فإنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس). وروى الإمام أحمد والطبراني أن النبي ﷺ قال: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية)، وروى الطبراني في الصغير والأوسط: (من أعان ظالماً بباطلٍ ليدحض به حقاً، فقد برأ من ذمة الله وذمة رسوله، ومن أكل درهماً من ربا فهو مثل ثلاثٍ وثلاثين زنية، ومن نبت لحمه من سحت فالنار أولى به). معاشر المؤمنين: الأحاديث في هذا الباب كثيرةٌ وكثيرةٌ جداً، وحسبكم بهذه المعصية الموبقة شراً وبلاءً أن اليسير منها أعظم عند الله من زِنا الرجل في الإسلام بأمه، والله إنه لأمرٌ عظيم، ولشرٌ عظيم، ولبلاءٌ عظيم.

стр. 2707

خاتمة أصحاب الكبائر إن المتأمل لأحوال أكلة الربا، والمتعاطين المتعاملين به، يراهم قلقين مستوحشين، ولو خالطوا الناس بأبدانهم، والكثير منهم تنقلب عليهم أموالهم حسرةً وندامة إذ يعيش بعضهم ثرياً غنياً، لكنه مسلوب الصحة والعافية، أو مسلوب الراحة والاطمئنان، أو بعض الحواس، يرى أمواله من حوله، لا تسعفه ولا تسقيه أو تغنيه من ظمأٍ أو جوع، وهذا أشد العذاب على النفس، وأعظمه وقعاً عليها، ولقد ذكر الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ويسمى هذا الكتاب بـ الداء والدواء، ذكر في شأن مغبة الكبائر وعقوباتها على العبد في الدنيا، والبرزخ والآخرة ما معناه: إن من العصاة من يختم له بسوء الخاتمة بسبب معصيته التي مات مصراً عليها ولم يتب منها، وذكر منهم وأكثر فيهم أكلة الربا بأنهم في الغالب لا يسلمون من سوء المصير، وخطر الخاتمة، وذكر قصة أحدهم لما حضرته الوفاة فجعل مَنْ حوله يلقنونه الشهادة، يقولون: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فجعل يقول: ده ياز ده، هذه كلمةٌ فارسية ومعناها: العشرة بخمسة عشر، حتى مات وهو يقول: ده ياز ده ولم يتلفظ بالشهادتين أو ينطق بهما. معاشر المؤمنين: اعلموا أنه ليس من شرط سوء الخاتمة لآكل الربا أو المصر على المعاصي أن يموت عاجزاً عن نطق الشهادتين، فأحوال سوء الخاتمة كثيرة جداً، منها: أن يموت بالفجأة، أو بسكتةٍ قلبية، أو بحادثٍ رهيبٍ مدمر؛ كاصطدام أو حريق أو غرق، أو أن يموت سكيراً مخموراً، أو تقبض روحه وهو في أحضان باغية، أو أن يقبض وينتقل إلى الآخرة وهو على معصية، أو بأي سبيلٍ من السبل التي لا يستطيع معها أن يستدرك أو يتوب من معصيته وكبيرته التي وقع فيها إلا حين أن تبلغ الروح الحلقوم، ويجئ الموت على البدن: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩] ماذا يقول؟ فيقول هو وكل مجرمٍ مصرٍ على الذنوب حينئذٍ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] ويا هول ذلك البرزخ، وما أطوله على الكفار والعصاة والمجرمين المُصرين.

стр. 2708

ما يوقعه الربا بالمجتمعات من فساد معاشر المسلمين: إن انتشار الربا في المجتمعات وشيوع تعاطيه بين الناس لنذير شرٍ بعذابٍ يحل بمن هم كذلك، كما أفادت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأولها ما سمعتموه وتعلمونه قول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٧٩] أي: إن لم تقلعوا عن الربا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] ومن ذا يكون حرباً لله ورسوله، وسِلماً للشيطان وأعوانه وأذنابه، ثم يطمع أن يعيش آمناً مطمئناً سليماً منعَّماً، هذا محال، وإن تُصور لبعض الناس في ظواهر أمورهم فإنما هو استدراج وإمهالٌ لا إهمال فيه، وماذا بعد الفشل والخسار والبوار من مصيبةٍ على أناس يتعاملون بالربا، بعد أن محق الله بركة أموالهم وأرزاقهم، وكل شيءٍ جعلوا الربا سبيلاً للوصول إليه، أو إلى النماء فيه. من الأحاديث التي جاءت في عظم شأن الربا وخطورته على الأمم والمجتمعات: أن النبي ﷺ قال فيما يرويه الإمام أحمد: (ما من قومٍ يظهر فيهم الربا إلا أُخذوا بالسَّنة، وما من قومٍ يظهر فيهم الرشا -أي الرشاوى- إلا أُخذوا بالرعب والقحط). وروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده ليبيتن أناسٌ من أمتي على أشرٍ وبطرٍ ولهوٍ ولعبٍ فيصبحوا قردةً وخنازير؛ باستحلالهم المحارم، واتخاذهم القينات -أي: المغنيات- وشربهم الخمور، وأكلهم الربا، ولبسهم الحرير). وروى الإمام أحمد والبيهقي واللفظ له: (يبيت قومٌ من هذه الأمة على طُعمٍ وشربٍ ولهوٍ ولعب فيصبحون قد مسخوا قردةً، وليصيبنهم خسفٌ وقذف حتى يصبح الناس فيقولون: خُسف الليلة ببيت آل فلان، وخسف الليلة بدار فلان، ولترسلن عليهم حجارةٌ من السماء كما أرسلت على قوم لوط، على قبائل منها وعلى دور؛ بشربهم الخمر، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الربا، وقطعهم الرحم، ولخصلةٍ نسيها الراوي). معاشر المؤمنين: هل بعد هذا يبقى في قلب مسلمٍ إصرارٌ على التعامل بالربا؟ هل بعد هذه المصائب والبلاء وبعد هذه المخاطر يتعامل مسلمٌ بالربا أو يبقى مصراً فيه؟! وينبغي لمن وقع في ذلك أن يقلع عنه، ومن كان مديناً لأحدٍ بدينٍ من الربا ألا يرد الفائدة عليه، ألا وإنه ليس لهم إلا رءوس أموالهم لا يظلمون ولا يُظلمون، لا يظلمون ولا يُظلمون، لا يظلمون ولا يُظلمون، شرع الله وهو أحكم الحاكمين، وهو أعدل وأقسط القاسطين، سبحانه جل وعلا، ألا وإن لكل مسلمٍ يريد أن يتوب أن يقلع عن الربا وأن يرد عليه رأس ماله، ألاَّ وإنه إن راد الفائدة لمخطئ ولمجرمٌ ولمذنب، وعليه أن لا يرد شيئاً من هذا. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2709

حرم الله الربا ولا عبرة بالمتجرئين على الله الحمد لله منشئ السحاب، وهازم الأحزاب، ومنزل الكتاب، وخالق الخلق من تراب، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، بيده مقادير كل شيء، وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. معاشر المؤمنين: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وأن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار. معاشر المسلمين: ينبغي أن نعلم حق العلم، وأن نتيقن حق اليقين أن الربا محرمٌ بجميع صوره وأشكاله، سواء ربا العينة، أو ربا النسيئة، أو أي رباً دخلت فيه حيلة محللة، ينبغي أن نعلم أن الربا محرمٌ بجميع أشكاله وصوره. ولا عبرة بأناس وإن وضعوا العمائم على رءوسهم أو تصدروا مجالس الإفتاء في بلادٍ غير هذه البلاد، إن قالوا: إن ربا الاستثمار جائز، أو إن القروض بالفوائد على المشاريع الإنتاجية أو الاستثمارية أنه جائز، فإن الله جل وعلا حرم الربا بجميع أشكاله، وبجميع صوره، فقال جل من قائلٍ عليماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٨] اتركوا ما بقي الربا في أيديكم، ولو كان هناك إمكان تهاونٍ أو تساهلٍ في شأنٍ من شئون الربا لترك ما بقي في أيديهم، ولاستأنفوا كل حالٍ جديدٍ بدون تعاملٍ بالربا، ولكن الله جل وعلا تعظيماً لخطر شأن الربا وبلائه على الأنفس والمجتمعات، قال وهو أحكم القائلين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٨] فهل بعد هذا يجرؤ قائلٌ، أو يفتي مفتٍ أن الربا في القروض الإنتاجية جائز؟! أو أن يقول قائلٌ: إن الحرام هو ما زاد عن الثلث، وأن الفوائد إذا نقصت عن الثلث فهي حلال؟! هذا اجتراءٌ على الله جل وعلا، واستدراكٌ على شرعه، وإن علموا بحرمة ذلك وأيقنوه، وأفتوا بخلافه، فإنهم على خطرٍ عظيمٍ بالشرك بالله، والمروق من الدين عياذاً بالله من ذلك. ألا وإن الربا خطرٌ عظيم عليكم معاشر الأفراد، وعلى المجتمعات والدول، ونذيرٌ بالحروب والهلاك، والجوع والقحط والدمار، نسأل الله جل وعلا أن يقينا شر الربا، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه. اللهم لا تجعل لهذا الحرام سبيلاً في أموالنا. معاشر المؤمنين: كيف يجترئ مسلمٌ أو يطمئن باله أو يهدأ ضميره وهو يأكل من الحرام أو ينفق من الحرام، وينبت جسمه من حرام، ويعطي زوجته وأولاده أو يتصدق من حرام: (وكل جسمٍ نبت من حرام فالنار أولى به). إنها لأعجوبة، وإنها لمصيبة، وإنه لأمرٌ غريبٌ أن يصر البعض أو يبقون على الربا، أو يقولون: نحن في ضرورة، أو نحن في حاجة، وإن لم نستدن أو إن لم نستثمر لوقعنا في ضررٍ أو في هلاك، وكما قلنا: إن الضرر هو ما تندفع به الحاجة عن الموت، أن الضرر الذي يعتبر أو يتساهل فيه شرعاً، وتنطبق فيه القاعدة الشرعية: (الضرورات تبيح المحرمات) إنما بقدر ما يدفع الهلاك عن النفس، فهل بقي أحدٌ على وشك الموت فلم يجد لقمةً إلا بالحرام أن يأكلها، عند ذلك لو أكل في مخمصةٍ من ميتةٍ أو غيرها فلا إثم عليه، أو شرب شربة خمر ليدفع الغصة دفعاً للموت فلا إثم عليه، أما أن يدعي بالضرورة لكي يستثمر أو ليحرك مصنعاً أو مشروعاً فهذا بلاءٌ وهذه مصيبةً وليست ضرورة. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم من دعا إلى الربا وإلى الفتن وإلى الزلازل والمحن، اللهم فاجعل كيده في نحره، اللهم فاجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أدر عليه دائرة السوء. اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، وبعلمائنا مكيدة، وبشبابنا ضلالاً، وبنسائنا تبرجاً وسفوراً، اللهم فاذهب سمعه وبصره وعقله، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، وأسوأ من ذلك يا جبار السماوات والأرض، فإنهم لا يعجزونك. اللهم اختم بالسعادة آجالنا، اللهم اختم بشهادة أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، ولا تجعل إلى النيران منقلبنا، ولا فيها مثوانا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم خير أئمةٍ لخير رعية، اللهم قرب منهم من علمت فيه صلاحاً لهم، وأبعد عنهم من علمت فيه شراً لهم، اللهم اجمع شملهم ووحد كلمتهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم، وارفعهم ولا ترفع عليهم، اللهم سخِّر لهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك يا جبار السماوات والأرض يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لنا ولجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم لا تدع لمسلمٍ في هذا المكان وغيره ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته. اللهم يا فرج المكروبين! يا قاضي الدين عن المدينين! يا نصير المستضعفين! يا إله الأولين والآخرين! نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، وباسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تقضي الدَّين عن المدينين، وألا تحوجهم إلى الربا بحالٍ من الأحوال يا أرحم الراحمين، ولا حاجة لمسلمٍ إلى الربا. اللهم لا تدع لنا هماً إلا فرجته، اللهم اجعل لنا من كل ذنبٍ مغفرة، ومن كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافيةً، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمةً برحمتك يا أرحم الراحمين. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صلِّ وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، نبينا محمدٍ وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 2710

الشباب بين الشهوة والشبهة الشباب هم عماد الأمم؛ فبهم تحيا، وعليهم تقوم، ولما علم أعداء الله ذلك سلطوا على شباب الأمة الإسلامية ألواناً من الفساد في الفكر والعقيدة والشريعة، أو فساد الأخلاق عن طريق المجون واللهو العابث. ولا خلاص من هذا إلا بالعود عوداً حميداً إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فهما قارب النجاة لكل غريق، والطريق الموصل إلى كل مرغوب ومحبوب في الآخرة.

стр. 2711

مقدمة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأسأل الله بمنه وكرمه وجوده وفضله وأسمائه وصفاته، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب: أن يجمعنا بكم في الجنة كما اجتمعنا في هذا المكان، وأسأله بمنه وكرمه وجوده وأسمائه وصفاته، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب: أن يجمعنا بكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وأسأله بمنه وكرمه وفضله وجوده وأسمائه وصفاته، واسمه الأعظم الذي سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب: أن يبسط لنا ولكم في صلاح أعمالنا وإخلاص أفعالنا لوجهه، وصلاح ذرياتنا وسعة أرزاقنا، وعافية أبداننا إنه سميع مجيب. أيها الأحبة! لو لم يكن في هذه المحاضرات سوى أن نعيش ساعة ونجدد العهد واللقاء ونؤكد الميثاق والولاء لله ورسوله وكتابه لكفى، ولو لم يكن في هذه المحاضرات إلا أن نجتمع على غير أهداف، إلا أن نجتمع على غير مطامع أو مصالح لكفى، ولم يكن في هذه المحاضرات إلا أن يتعلم بعضنا من بعض لكفى، ولو لم يكن أولاً وقبل كل شيء في هذه اللقاءات إلا أن تتنزل علينا السكينة، وتحفنا الملائكة، وتغشانا الرحمة، ويذكرنا الله فيمن عنده لكان ذلك كافياً، فما بالكم إذا اجتمعت هذه المنافع والمصالح في مثل هذه اللقاءات المباركة، وكيف لا يكون فيها من البركات والخيرات والذين يجتمعون في بيوت الله يذكرون الله يذكرهم الله في ملئه الأعلى، يقول الله في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبد بي، وأنا معه ما تحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه). أيها الأحبة في الله! هل تجدون كرامة أعظم وأجل وأرفع وأكرم من أنكم الآن يا معاشر الحاضرين تذكرون في ملأ الله الأعلى، أليست هذه كرامة؟! أليست هذه منقبة؟! أليست هذه منزلة؟! بلى والله. فيا حسرة الغافلين عن هذه البركات! ويا هنيئاً للمقتنصين لهذه الفرص المباركات! أيها الأحبة في الله! في مستهل هذا اللقاء أشكر الله على ما مَنَّ به، ثم أشكر إدارة الإرشاد والتوجيه في الحرس الوطني على ما أكرموني به من شرف اللقاء والحديث إليكم والجلوس بين يديكم (فمن دل على هدى فله أجره وأجور من عمل به) كما أخص بالشكر في هذا المكان فضيلة الشيخ: محمد بن سالم الدوسري الذي كان له عناية ومتابعة طيبة في إكرامنا بهذا اللقاء المبارك.

стр. 2712

رسالة إلى كل غافل أيها الأحبة في الله! حديثنا اليوم يتعلق بالشباب، وكلكم يعيش فترة الشباب أو ودعها أو يقبل عليها، فهي مرحلة لا بد أن يمر بها كل واحد منا، وفي ثنايا هذا الكلام رسالة إلى كل شاب يعيش سن المراهقة وآلامها أو يوشك أن يودعها، ورسالة إلى كل شاب صالح يسعى لإعفاف نفسه، ويدرك خطورة الشهوات والشبهات على نفسه ودينه وأمته، رسالة إلى كل شاب أطلق العنان لشهوته والزمام لنزوته ويبحث عن المخرج، ورسالة إلى كل شاب غافل لم يستفق بعد، وإلى كل مرب وأب وأم، وإلى كل من يعنيه واقع شباب الأمة، وإلى كل من يدرك أهمية العناية بالشباب، هذه كلمات وأشجان ووقفات أنثرها بين يديكم وأشنف بها أسماعكم.

стр. 2713

معاول تهدم في كيان الشباب إن الغالب فيمن ترون أن الواحد منهم ذاك الرجل الذي عايش مرحلة الشباب والقوة والعنفوان والحركة والعمل، والغالب فيمن ترون هو ذاك الرجل الذي مَرَّ بالمراهقة وأدرك ما يعانيه الشباب من صراع الشهوة والشبهة، وقَلَّ أن تجد شاباً إلا وقد اعترك غمار الشهوة وركب عُبابها، فمن شَطَّ في تلك المرحلة فاسأل عنه دور الأحداث والملاحظة، واسأل عنه سجلات جنح الأحداث، واسأل المعلمين والمعلمات، ومراكز الشرط، وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ تجد خبراء بما يعانيه شبابنا ذكوراً وإناثاً من سعار الشهوة المتلاطم، وموج الفتن المتعالي، ورياح الشبه والمزالق الفكرية العاصفة، سيما ونحن في زمن اشتدت كربته، وعظمت فتنته، وأصبح دعاة الباطل والشهوة والشبه يجلبون بخيلهم ورجلهم على شبابنا وفتياتنا مستخدمين كل وسيلة في سبيل إيقاع الشباب وإضلاله. من هنا كان لا بد أن نتحدث عن هذا الصدع، وعن معاول الهدم التي تهدد كيان الشباب، فلا بد من تشخيص الداء وبيان الدواء، ومعرفة العلة، وإن سقوط الشباب وانحرافهم لا يمكن أن يقع هكذا فجأة أو بين عشية وضحاها، كلا. بل هناك أسباب ومقدمات وإرهاصات وأدواء خفية، ومكر بالليل والنهار، ومكر كبار، ومكر تكاد أن تزول منه الجبال؛ من أجل تدمير وتخريب وإفساد الشباب، حتى لا تمتلئ بهم المساجد، حتى لا تضج أصواتهم بالتكبير، حتى يشتغلوا بالفن واللهو والطرب، حتى يهتموا بكل ساقط من القول ورديء من الكلام، حتى لا يكون همهم إلا راقصة ماجنة أو ممثلة خليعة أو قصة درامية، أو سم ما شئت من السهام التي وجهت إلى قلوب شبابنا، فأصبح بعضنا يعزي بعضاً في مصاب جلل وخطب فادح حينما نرى غاية اهتمام الشباب هو فتاة يعاكسها، أو حبيبة يواصلها، أو أغنية يرددها، أو صورة يعلقها أو أو إلى غير ذلك، وقُل ما شئت.

стр. 2714

انحسار الهمم عند الشباب إن من أعظم الفجائع على الأمة: أن ترى الشباب انحسرت لديهم الهمم بعد أن كان شباب السلف الصالح أمانيهم عظيمة، أحدهم يقول له النبي ﷺ : (يا ربيعة -صحابي صغير- سلني حاجتك -اطلب ماذا تريد؟ - يقول: وتعطيني يا رسول الله؟ فيقول ﷺ : وأعطيك يا ربيعة -سلني- فقال ربيعة: إني أريد أن أكون لك رفيقاً في الجنة). كانت تلك هي الأماني، كانت الجنة ومجاورة النبي في الجنة، والجلوس في مجلس صدق عند مليك مقتدر، ولقاء الصحابة في الجنة، كانت تلك أعظم الأمنيات، وكانت أرقى الغايات، والآن سل شباب الإسلام عن أمانيهم: أحدهم يتمنى أن تكون الراقصة الفلانية حبيبة أو حضينة أو عشيقة أو زوجة له، والآخر يتمنى أن يصور ولو للقطة أو لحظة مع ذاك الماجن أو ذلك اللاهي، والآخر يتمنى أن يعيش ساعات أو أياماً في مكان العهر والفساد والفجور. ما الذي غير الأحوال؟ ما الذي قلب الأماني؟ ما الذي فعل بالشباب هكذا؟ هل باتوا أبراراً فأصبحوا فجاراً؟ هل أصبحوا صالحين فأمسوا فاسقين؟ هل كانوا مهتدين وفجأة انقلبوا ضالين؟! لا وألف لا. إنه كيد ومكر كبار وعمل دءوب، وتلك مشكلة عباد الله الصالحين؛ أن أعمالهم آنية، وردود أفعالهم مخفية، وتصرفاتهم غير مدروسة بخطط مستقبلية من أجل إصلاح واقعهم ومجتمعاتهم ودعوتهم، أما أهل الشر والباطل فيخططون مخططات بعيدة المدى، ربما لعشرين أو ثلاثين أو خمسين سنة قادمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم إنا نشكو إليك جلد الفاسق وضعف الثقة! أيها الأحبة! إن أمراض الشباب إن تركت دون علاج وقضاء مبرم كان الهلاك كما قال القائل: وللمنية أسباب من السقم وإن لم تبين توضح هذه الأمراض وهذه الأخطار والسهام التي تخترق الشباب وتختلف عليهم ذات اليمين وذات الشمال أوشكوا أن يقعوا فيها جاهلين بأنها أمراض معدية وسموم خبيثة مؤذية. أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا قضيتان خطيرتان: الشهوة والشبهة هي أس القضايا في شأن الشباب، وهي الداء العضال الفتاك الذي أخذ يسري في شباب الأمة الإسلامية على فترة من الجهل والمغريات، وفترة بدأت فيها غربة الدين تستحكم، والشباب يتأرجح بين الأمرين، وكثير من الصالحين في حيرة وغفلة، وبعضهم انقاد به الأمر إلى التجافي والعزلة، فالشباب إن سلموا من شبهة غامضة لم يسلموا من شهوة جامحة، وبعضهم إن سلم من الفتن الفكرية فلن يسلم من الإغراءات الجنسية العصرية.

стр. 2715

إعصار من الشبهات يعصف بالشباب الشباب اليوم بين طامتين وداهيتن: بين رياح عاصفة من الشبه الفكرية، وأمواج من الشهوات المتلاطمة.

стр. 2716

كيف اخترقت الشبهات صفوف المسلمين الحق أن أهل الإسلام -ومنهم الشباب على وجه الخصوص- لم يؤتوا ولم تتسور جدرانهم ولم تخترق بيوتهم إلا من طريق استطاع أعداء الله إحسان استعمالها، وهي: ما يورده الأعداء من التشكيك، ومحاولة هز ثقة الشباب بدينه ومعتقده، ومحاولة فتنته عن دينه عقدياً وفكرياً. وهذه القضية يجيئون عليها بوسائلهم المتعددة، ويسوقونها فتن تلو الفتن وشبهات تلو الشبهات، ويؤمها أذناب الغرب وأذيال الاستعمار من أهل العلمنة والحداثة والتفرنج الذين هم للفساد دعاة. ولعل هذه الحرب؛ حرب الشبهات الحرب الجهرية تتمحور في الآتي: لاحظوا وتأملوا الكلام الكثير حول الدعوة إلى زمالة الأديان، وتقارب الأديان، وتحاور الأديان، إن النبي ﷺ لما رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ صفحة من التوراة تغير وجهه وقال: (يا بن الخطاب أومتهوكون فيها وأنا بين أظهركم، والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني). وإن الله قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فالذين يكتبون عبر بعض الصحف، أو يتكلمون عبر بعض القنوات، أو يطنطنون في بعض الإذاعات بالمقولة التي أول من أثارها وشب أوارها وأشعل فتيلها طائفة من المستشرقين، وتبعهم بعض الأذناب حول قضية تزامل وتقارب وتجمع الأديان، تلك مصيبة من أعظم المصائب. كان الناس فيما مضى إذا رأوا كافراً استحضروا قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] فيرون نجاسة متحركة، لئن كانت النجاسة يؤنف منها وهي رابضة قابعة منزوية فإن قلوب المسلمين فيما مضى كانت مليئة بالولاء للمؤمنين مليئة بالبراء من الكافرين، فإذا رأوا كافراً رأوه عذرة ونجاسة متحركة إلا من ندر فيمن لم يؤذ مسلماً ولم يخطط لتدميره وإيذائه، فذاك إن عاملوه عومل بنية دعوته، ونية إصلاحه، ونية تأليف قلبه، لا بنية حبه أو الثقة بما عنده. أما الآن وفي ظل هذه الدعوة التي كما قال الأول: "اكذب الكذبة ثم رددها مائة مرة يصدقها الناس ويرددونها آلاف المرات" في ظل هذه الدعوة الخطرة أصبح كثير من الشباب يسأل ويحاور ويناقش أليس اليهود إخواننا؟ أليس النصارى إخواننا؟ ألسنا جميعاً أهل كتاب؟ لماذا هذه العداوة؟ لماذا هذه الفرقة؟ لماذا هذا الانفصام؟ لماذا لا نعيش في ظل السماء وفوق سطح الأرض على حب ووئام؟ وهكذا يقول من يقول: لم لا يحتضن الهلال الصليب؟ لما لا تمتد الأيادي بالمصافحة؟ لم ولم ولم؟؟!! والله لو قيلت الكلمات البراقة والجمل القشيبة ليل نهار فإننا متمثلون قول الله : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥]، ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة:٢١٧]، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾ [النساء:٨٩]. مهما قلنا عن تقارب وتزامن وتحاور الأديان فإن مسألة الولاء يجب أن تبقى يقظة حية في النفوس، لأننا إذا أضعفنا المناعة تجاه الكفار، ويقابل ذلك الهوة التي تزداد توسعاً في شأن الولاء مع المؤمنين والمسلمين؛ أصبحنا بذلك لا يهمنا كثيراً ما يحل بالمسلمين، ولا يؤذينا ما يفعله الكافرون، وذلك عين التبلد، ومنتهى الجمود، وغاية ما يتمناه الأعداء. إن أعداء الإسلام لا يمنعونكم من أن تدفنوا قتلاكم، وتداووا جرحاكم، وتسقوا الظمأى والعطشى، وتطعموا الجياع، وتكسوا العراة، لا بأس أن يكون دوركم يمتد إلى هذه الدرجة، أما أن يكون دوركم ابتدائياً إيجابيا فاعلاً لا رد فاعل؛ فإن ذلك أمر يأباه أعداء الإسلام، فماذا نقول إذاً في شأن أمة الإسلام وفي شأن المسلمين إذا كان مبدأ الولاء أخذ يضعف في ظل الدعوة إلى الزمالة والتقارب وغير ذلك؟! إن هذه القنوات الفضائية التي تُصدِّر كثيراً من هذه الأفكار الخطرة والتي يجهل كثير من الناس خطرها على نفسه وعلى أهل بيته لتصب سماً زعافاً من هذا القبيل فمن الذي يَحذر؟ ومن الذي ينتبه؟ ومن الذي يدرك أن وراء الأكمة ما رواءها؟ البعض يعجبه حوار ورأي ورأي آخر واتجاه معاكس، ولا يعلم أن وراء القضية مخابرات يهودية، ولا يعلم أن وراء القضية من يسعى لصياغة العقل العربي والفكر المسلم حتى يعيش في ظل هذه الحوارات وفي ظل هذه الخيارات لا أن يستقل بنظر مستقل؛ ليس بالضرورة أن يوافق هذا أو يوافق هذا. إننا نخشى أن نفقد الاستقلال بالرأي، وأن نتحول إلى حرية في ظل خيار محدود، فليست حرية مطلقة بل هي حرية في ظل خيار بين أمرين، أما أن تختار ثالثاً فذلك هو الذي لا يريده لك مقدم هذه القضية، أو الذي يحيلها أو يدير حوارها.

стр. 2717

ترديد الآراء المذهبية الشاذة أيها الأحبة! ومن المخاطر التي سلطت على الشباب في باب الشبهات: ترديد الآراء المذهبية الشاذة والمرجوحة في بعض القضايا الخطرة. بعض المسائل تطرح في حوار، ثم بعد ذلك يأتي شيخ اجتهد فأخطأ، أو رجل قصد له أن يجيء ليعلن قولاً مرجوحاً شاذاً من أجل أن يضلل الأمة، وليقول للناس هذا ليس بصواب، وهذا ليس بحق، وهذا لا ينبغي. وعلى سبيل المثال: حينما يطرح على مجتمعنا هذا قضية كقضية الحجاب من خلال هذه القنوات الفضائية، ونحن نعرف أن السمت الغالب الظاهر في نساء بلادنا هذه هو تغطية الوجه، ثم يأتي من يطنطن على هذه القضية: لم لا تلبس المرأة حجاباً يكتفي بتغطية الرأس ويبرز الوجه ويكشفه، لم لا نعطي المرأة حقها أن تتنفس الهواء الطلق، لما لا نعطي المرأة حظها في أن ترى الحياة كما هي، غير ملزمين لها أن تلبس نظارة سوداء، لم ولم؟؟ إلى غير ذلك. ما هي النتيجة؟ إن أخطاراً فادحة تنذر بشؤم مقبل إذا ألقت المرأة حجابها، حتى وإن تكلم من تكلم وقال ذلك رأي فيه خلاف أو مسألة فيها نظر، نحن لسنا بصدد الراجح والمرجوح، ولكن مادمنا الآن نعيش طمأنينة وراحة وستراً وانسجاماً في ظروف حياتنا في ظل هذا الحق، فلم نعيد طرح المسألة بأسلوب الغرض منه هو هدم الإسلام والتشكيك في تعاليمه. حينما تطرح مثل هذه القضايا ويقال: أميطي الحجاب، ألقي الحجاب، اتركي الحجاب، دعي الحجاب، النتيجة لن تقف عند ذلك، والمراد لا يقف عند ذلك، وإنما أن تزول تلك الحواجز التي أوجدها الإيمان متمثلاً في الحياء والخشية والمراقبة، وتعظيم حرمات الله ؛ فإذا زال الحجاب اضطربت هذه النفوس، وضعفت هذه الحواجز، وكثر التماس، وحينئذٍ لا تسل عن ضلال الأمة وهلاك المجتمع.

стр. 2718

شبهه تدار حول وضع المرأة الاجتماعي إن من أعجب العجائب وأغرب الغرائب أن تجد أناساً يجدون أنفسهم في منتهى السعادة والطمأنينة والعز والتمكين والرفاهية، ثم يأتي من يتسلط عليهم فيقول: لا. لا. أنتم قد حرمتم النصف الآخر في المجتمع حريته في أن يتنفس الهواء الطلق، أنتم منعتموه في أن يرى الحياة كما هي، أنتم أجبرتموه أن يلبس نظارة سوداء. وكل هذه العبارات التي يراد منها إسقاطاً نفسياً على المرأة لتقول: أنا مظلومة، أنا معقدة، أنا محبوسة، أنا مهلكة، أنا معذبة، أنا تعيسة، لم تمشي هذه المشية وأنا لا بد أن أمشي في العباءة؟ لما تخرج هذه في هذا الوقت وأنا لا بد أن أتقيد بوقت في الدخول والخروج؟ لما تصافح هذه وتكلم وتحدث وتناقش وتحاور من شاءت وأنا لا أحدث إلا ذوي محارمي ولا أتكلم إلا في ظل علاقات محدودة، وإن تكلمت مع غيرهم لا يسمح لي حتى بالضحك أو القهقهة أو اللين أو الخضوع في القول؟ حينئذٍ يتحول ما نرجوه من صحة المريض إلى جرم نرتكبه، ويتحول ما نخشاه على المريض من سقم إلى أمنية ينبغي أن نشجع المريض عليها، هل رأيتم أحداً يقول: لماذا أعيش في هذه الصحة والعافية وأين الطريق إلى المرض والسقم والبلاء والهدم؟! ذلك ضرب من الجنون. وقس هذه القضية على هذا المثال لتعلم أن الذين يطنطنون حول قضايا المرأة يريدون بها في ظل طرح الشبهات أن تكسر جدار الحياء، وأن تلقي جلباب العفاف، وأن تتحول فيما بعد إلى سلعة رخيصة يصل إليها من أرادها. إن من الصعب اليوم على كثير من الناس أن يحدث امرأة مباشرة إلا بحجة وبرهان، كأن يكون قريباً أو محرماً أو لسبب شرعي، لكن إذا حرصنا على إزالة مثل هذه الأمور فحينئذٍ يمكن الحديث مع المرأة لأي سبب ولأتفه سبب وبدون سبب، وتلكم يا عباد الله من أعظم الأمور خطراً وضرراً. ونحن بحمد الله في هذه البلاد وما نراه من حرص وعناية من عامة المسلمين فيها وولاة الأمر فيها على ألا يضطرب الأمر، فإننا ينبغي أن نعقد الأكف والخناصر على أن نتواصى على التأكيد على هذه المسألة، أن نكرس الاهتمام والرعاية والعناية لجانب الحجاب حتى لا يلقى الحجاب تحت الأقدام بحجة أنه مسألة تاريخية، وقضية في عصر حجري مضى وانقضى، وقد آن للفتاة أن تخرج بدون ذلك.

стр. 2719

طرح المسلَّمات للنقاش والحوار من صور ومحاور تضليل الشباب عبر الشبهات: طرح قضايا العقيدة والمسلمات للحوار والقبول والأخذ والرد. وتلكم من أعجب العجائب، حينما يأتي أحد ويقول: تعال يا فلان ما اسمك؟ فتقول: اسمي فلان بن فلان بن فلان، أنت على يقين على أنك ولد فلان بن فلان وجدك فلان وأبوك فلان؟ نعم، يقول: نريد أن نضع هذه القضية للبحث، هل فلان ولد شرعي أو ابن زنا؟ هل أبوه لقيط أم دعي أم نسيب؟ هل أمه زانية أم فاجرة أم طاهرة؟ هل يقبل أحد أن يوقف بين الملأ ويقال: تعال يا فلان نسألك عن اسمك وأصلك ونسبك؟ هل أنت ابن زناً أو ابن شرعي؟ الجواب لا. أما مسائل العقيدة ومسائل الدين حتى ولو جاءت من الله وعن رسول الله ﷺ فلا بد أن تطرح للحوار، ما رأيك فيما قاله الله؟ ما رأيك فيما قاله رسول الله؟ هل يجوز لأحد أن يقول رأياً بعد قول الله؟! أو أن يطرح رأياً بعد حديث رسول الله ﷺ ؟! ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].

стр. 2720

شبهة عمل المرأة من محاور الضلال والشبهات التي تطرح من أجل إفساد الشباب والشابات: قضية عمل المرأة ومسألة مشاركتها الرجل في ميدان العمل. لماذا نحصر العمل للمرأة في إطار زوايا محدودة جداً ولا يمكن أن نوسع مجالات العمل؟ نحن عندنا قواعد وضوابط شرعية، وإن الله الذي خلق المرأة هو أدرى بما ينفعها ويضرها، ولذا جعل في كتابه وسنة نبيه الضوابط التي تكفل تحقيق الاستفادة من جهدها مع الحفاظ لها وعليها. لسنا نخاف على المرأة فحسب، بل نخاف من بعض النساء، ونخاف على بعض النساء. فمسألة عمل المرأة إذا كانت المرأة محتاجة لهذا العمل أو احتاج إليها المجتمع، وأمكن أداء ذلك في وضع لا يخدش حياءها، ولا يعرضها للفتنة، ولا يعرض الرجال إلى الفتنة بها، ولا يضيع مسئولياتها وواجباتها التي هي أهم من كل شيء بعد طاعة الله ، فحينئذٍ لا يقول أحد بمنعها، أما أن ننادي بأن نجعل المرأة مع الغادين والرائحين، وفي وجه الزائرين والمودعين، وأمام الذاهبين والآيبين، فذلك أمر نعلم من خلاله أنه شر يراد بالمرأة. إذا بني ضرجوني بالدم من يلقى آساد الرجال يكلم شنشنة نعرفها من أخزم الذي يقرأ خطط العلمانية في إضلال الشعوب وحرب المجتمعات الحرب المخملية الباردة، وليست حرب كروز ولا حرب الصواريخ ولا الطائرات، بل حرب الوتر والطبلة والحفلة والرقصة والكأس والفجور والعهر والفساد، حينما تجدون مثل ذلك يتوسع فيه أبناء أمة غافلين عما شرع الله وما أمر الله منساقين وراء الشهوات؛ فاعلموا أنهم يعيشون مرحلة من الحرب ذات المحور القائم على الشبهات ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 2721

الحرية الشخصية وآثارها السلبية بين المسلمين أيها الأحبة! من المحاور التي تقوم عليها حرب الشبهات على الشباب والشابات: قضية: الحرية الشخصية. هل تعلمون أن منظمات حقوق الإنسان تناقش بلادنا هذه وتقول: إن من حق الإنسان أن يغير دينه، ولا يحق لكم أن تدخلوا في هذه القضية فهي مسألة حرية شخصية لا يجوز لأحد مهما بلغت سلطته أن يتدخل فيها. وتقف هذه البلاد وقفة محمودة مشكورة من خلال حوارات جادة انتهت إلى الرفض التام المطلق لمثل هذا الطرح، ولكن لا يقف أمر وضع مسألة الحريات عند حد، فإذا كانوا يبحثون مسألة تغيير الدين وأنها قضية حرية شخصية بحتة والنبي ﷺ يقول: (من بدل دينه فاقتلوه) ليقام عليه حد الردة وهم يقولون: لا، ما الذي ينبني على ذلك؟ أن ما دونه من الأحكام قابل أن يكون حرية شخصية، تشرب خمر أو لا تشرب فهي قضية شخصية بحتة ليس لأحد أن يتدخل فيها، تزني أو لا تزني فهذه مسألة حرية شخصية ليس لأحد أن يتدخل فيها، ترابي أو لا ترابي مسألة حرية شخصية أيضاً، تسافر أو لا تسافر فهذه مسألة حرية شخصية. إنا لله وإنا إليه راجعون، نحن لله عبيد يتصرف فينا، نحن مُلكه ونحن عبيده، وليس للعبيد أن يتصرفوا حتى في أنفسهم إلا وُفق ما يراه مالكهم، ونحن ملك الله وعبيد الله، والله الذي خلقنا، والذي خلقنا شرع لنا ما يسعدنا فأمرنا به وحرم علينا ما يضرنا فنهانا عنه، ثم يأتي من يقول: لا. نحن لسنا لله ولسنا إليه راجعون، وليس له فينا أمر ولا نهي، قضيتنا مسألة حرية شخصية ليفعل كل بنفسه ما يشاء، تتحجبين أو لا تتحجبين قضية شخصية، تعاكسين أو لا تعاكسين قضية شخصية، تتبرجين أو لا تتبرجين قضية حرية شخصية، بل وعلى العكس من ذلك نجد حتى الذين في بلاد الغرب قالوا بأن هذه المسائل مسائل شخصية. نعم. هي مسألة حرية شخصية في التبرج والزنا والخنا والدعارة والعهر والفساد لكن في الحياء والعفاف فليس بحرية شخصية؛ لأن فرنسا والتي انطلقت منها الحملات الصليبية، التي رفعت لواء حرية الإنسان تبيح العُري لمن أراد أن يسير عارياً، وفي أوروبا قانون يبيح للنساء في الصيف إن أرادت إحداهن أن تمشي سافرة الثديين فلا حرج عليها، وما بقي في محل النزاع والحسم لدى أبناء القردة والخنازير إلا قضية: هل يسمح لأحد أن يسير في الشارع مبدياً عورته المغلظة أو لا؟ أما ما فوق فمسألة قد حسمت بأنها حرية شخصية. وإن أمة الإسلام لعلى خطر، وتجد هناك من يكتوي بنار مثل هذا الطرح، فتيات مغربيات لبسن الحجاب في بعض المدارس -والقصة مشهورة- فقامت قائمة فرنسا، وأصدر مسئول كبير من هناك قراراً وأمراً بفصلهن من المدارس. أين الحرية؟ حرية التبرج ممكنة وحرية العفاف محرمة، حرية السفور جائزة وحرية الحياء ممنوعة، إذا أخذنا نستلم هذه الحرب دون أن ننبه ونتناصح ونذكر، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١]، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠] ونطرح هذه القضايا ونحذر مجتمعنا وإلا فيوشك أن يقع بعض المسلمين وإن كان في قناعات داخلية أو ممارسات علنية يبدونها علانية حينما يودع أحدهم حدود بلاده. أيها الأحبة! قضية الحرية الشخصية لا يريد أحدهم فيها على نفسه سلطاناً من دين أو عرف أو عادة أو تقليد، تطرح كل هذه الشبهات في حين فترة من أهل العلم، وفي حين إعراض كثير من الشباب عن العلم الشرعي، وهجر للكتاب والسنة، كل ذلك يغلف بأغلفة زاهية براقة ناهيك عن قضايا السياحة والرياضة والفن التي استطاعوا من خلالها التقرب بل الوصول إلى الشباب المسلم من خلال هذه القنوات التي أشعلت في الناس سعير الاهتمام بهذه المسائل.

стр. 2722

حرب تطحن برحاها المسلمين (مونديال) القرن المنصرم انظروا كيف نقلته كل وكالات التلفزة الفضائية إلا من رحم الله وقليل ما هم، والقنوات الفضائية تتابعه خطوة خطوة، لحظة لحظة، وجموع المهجرين والمشردين والمجروحين النازفة دماؤهم من كوسوفا لقطات تلو لقطات في بعض الأحيان والمناسبات، (مونديال) القرن لا بد أن يغطى، جنازة ديانا لا بد أن تغطى بالتفاصيل، أما حقيقة ما يفعل الصرب بالمسلمين فإنما تستطيع نقله أو ما تنقله بعض القنوات هو مرحلة ما بعد الاغتصاب وما بعد سحب الهوية ومصادرة الأموال والوثائق، وهي أن تصور لنا طوابير من المهاجرين والمشردين والعجائز والشيوخ والأطفال وأصبح حال المسلمين كما قال القائل: ضج الأنين من الأنين وطغت تباريح السنين وازور وجه الحق يخجل من نواح المسلمين الحقيقة الصريحة تزوار من هول ما يقع بالمسلمين اليوم. والأم تعصر ثديها ألماً على هذا الجنين والزوجة ترقرق دمعها دمع الحزين والشيخ مل الانتظار على طوابير الطحين جاء المنصر والمبشر لا يمل ولا يلين ويباع أبناء العقيدة في المزاد بكل حين من يأخذ هؤلاء الأطفال إلى كندا؟ أرسل سبعون طفلاً وسجلتها المفوضية العليا للاجئين، وكأنها بشارة ونعمة وكرامة أن يطرد من داره بعد أن غصبت أخته وقتلت أمه وقتل أبوه وفعل ما فعل بهم ودمرت داره، ومر بالمسغبة واللأواء والشدة والنصب، كأنها كرامة أن رحل خمسين أو سبعين طفلاً إلى كندا، من يأخذ هؤلاء؟ إلى جوتن بيرج أو السويد؟ من يأخذ هؤلاء إلى لندن؟ وهكذا يباع أبناء الإسلام وأبناء العقيدة في المزاد بكل حين. ونظل نلهو لا نبالي أن نكون الغافلين والكافر المشئوم يسعى أن يفوق المشتري لأن المقصود تهجير المسلمين وتشتيتهم. نحن على قناعة أن الحرب الدائرة بين كافر وكافر، ونحن يسرنا ما نراه من إيلام وإيذاء وفتك كافر بكافر، ولكنهما يتفقان على تهجير المسلم وضياعه وتشريده، هذه قضية لا يختلف فيها اثنان عاقلان، لقد شرد المسلمون من فلسطين وهم في التيه من (١٩٤٨) إلى الآن، أكثر من سبعين سنة، ولو شئت أن تقلب حجراً في أي نحو من أنحاء الأرض لوجدت هناك فلسطينياً مشرداً، ليست القضية أن نُؤَمنّ له أكلاً وسكناً وشرباً، القضية أن يعود ليعبد الله بحق وصدق على أرض الله ، وذلكم الذي لا يريده أعداء الإسلام. ويباع أبناء العقيدة في المزاد بكل حين ونظل نلهو لا نبالي أن نكون الغافلين أموالهم يا أمتي سلبت بلا حق مبين ودماؤهم يا إخوتي سفكت على حقد دفين وتودع الأم الجنين إلى بلاد الكافرين وتُكفكف العبرات حّرّا بين جمع الحاضرين سأراك أو قد لا تراني بعد موتي والأنين فإذا رجعت إلى بلادك بعد كرات السنين فاسأل تجد قبراً ستعلم أنه قبر حزين والموعد الجنات ميعاد العبيد الصابرين هذه المأساة مرت بالمسلمين في أفغانستان، والصومال، وطاجكستان، وكشمير، والبوسنة، والشيشان، وتمر بالمسلمين الآن في كوسوفا، ويقول الدكتور مانع الجهني في برنامج (دين ودنيا) في حلقته الأخيرة يقول: والدور القادم على السنجق. الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي عضو مجلس الشورى لما سأله أحد السائلين: أين أنتم لم تخبرونا عن وضع المسلمين ولم ولم ولم، فرد عليه قائلاً: لقد قلنا مراراً أن مصيبة المسلمين والكارثة سوف تحل بالمسلمين في كوسوفا يا عباد الله! أغيثوهم سلحوهم أعطوهم التفتوا إليهم، فَقَلَّ أن ترى سامعاً ومجيباً، إلى أن جاءت الكارثة ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣]. لما رأينا الموت حالاً بهم، هل عرفنا أن عند المسلمين مشكلة في كوسوفا، يقول الدكتور مانع: والدور القادم على السنجق، لماذا؟ الجواب أقوله: إن الكفر لا يرضى بإقامة دولة مسلمة على أرض أوروبية أبداً، ممكن أن يشرد المسلمون ويبنى لهم مسجد في أي مكان، يفتح لهم أنشطة معينة، لكن كتلة مجتمعة يوشك أن تبث فيها روح العقيدة والدعوة والإيمان لتتحول إلى مجموعة مسلمة تختط نظاماً، إذا كان الغرب يؤمن بقضية الأغلبية فحينئذٍ الخطر أن تكون هناك أغلبية مسلمة تطالب وتشرع دستوراً معيناً في ظل ما تعتقده من كتاب الله وسنة نبيه، ثم يفرض كيف؟! هذا جنون! هذا في أوروبا يحكم دين وكتاب وسنة؟! ما يمكن هذا. أيها الأحبة! وكل هذه الحروب؛ حروب الشبهات تغلف بأغلفة زاهية براقة من أجل الوصول إلى الشباب، وصدق الله العظيم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩].

стр. 2723

حرب الشهوات واجتياحها لصفوف الشباب الأمر الثاني من الحرب المسعورة التي يجلد الشباب جلداً بسياطها، هي حرب الشهوات والفتن والمغريات. وتلك نقطة الضعف، ومحور الخور الذي يتساقط الشباب أمامه، ولئن كان كثير من الشباب ربما يسلموا من فتن الشبهات فغالبية وجل وعظمى الشباب لا يسلمون من الشهوات، ذاك أن الشاب مظنة الشهوة، وموئل العنفوان والنشاط والتحرك الغريزي؛ وإن لم يحاط الشاب بسياج الدين وصمام التقوى -ذكراً كان أو أنثى- كانت الفادحة أكبر؛ لأن الشهوة قنبلة لا بد أن تنفجر، والإسلام لا يدعها تنفجر مدمرة نفسها ومن حولها، بل أوجد لها مصرفاً عن طريق الزواج الحلال، واللقاء المشروع مع المرأة، فإن لم يكن هناك هذا الزواج، فإن الإسلام كفل لها ألا تنفجر عن طريق سد ذرائع الفحشاء وتحريم النظر ومنع الاختلاط، كل ذلك حفاظاً على هذه الطاقة المتأججة والقوة الجامحة. ومشاكل الشباب لا تعدوا كونها نتيجة حتمية الظهور لهذه الشهوة العارمة في قلب الشباب وجسده، فأنت ترى بسبب الشهوة إهداراً للوقت، وتفاقماً للمشكلات بسبب الشهوة عن طريق الحب والغرام, وعشق الصور والهيام، وفي هذا إهدار لمشاعر الشباب وأحاسيسه، وأنت ترى الشاب والفتاة يستفرغ الواحد منهم وقته وسائر يومه جرياً ولهثاً وراء المرأة والفاحشة، وأنت ترى استفراغ فكره وهمه في التفكير للوصول للمرأة أو الحرام، وهو لا يزال في شقاء ومشقة وألم، والشيطان يسول له حياة الحب واللقاءات.

стр. 2724

أحوال من اجتاحتهم الشهوة تقول فتاة في رسالة كتبتها: أنقذوني وأسعفوني! كيف أتخلص من مشكلة المعاكسة أو ما تسميه بالحب الزائف؟ تقول: إنها تقضي أكثر من ثلاثة عشر ساعة في أوقات متفرقة على سماعة الهاتف. وآخر يقول: لا أستطيع أن أذاكر درساً أو أؤدي واجباً أو أقوم بعمل لأن غالب وقتي مع هذه السماعة، أعاكس هذه وأحدث هذه، وأواعد هذه، إلى غير ذلك. ويعدون أنفسهم بجنان وقصور من الحب في ظل الهيام والشهوة الجامحة، وصدق الشاعر: فما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكياً في كل وقت مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا حذر الفراق وهذا الذي أشغله الحب -فتى كان أو فتاة- يحمل قلباً لا بد أن يملأه، فإما أن يملأه بحب ومرضاة الله ورسوله، وإما بما يسخط الله ورسوله، وهو خيار الفرد وطريق واحد، فليختر الشاب والفتاة واحداً من الطريقين، وتالله لقد صدق ابن القيم ﵀ إذ قال: حب الكتاب وحب ألحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان إذا أردت محبة الله ولذة الإيمان فلن تحصل ذلك حتى تطهر قلبك من محبة ما يسخط الله من العشق الحرام والفكر والهم الحرام، إنك إن تعلقت بغير الله فلن تجد لذة الإيمان وحلاوة الطاعة. وإني أسائل كل شاب وكل فتاة: من أي الأصناف أنتم؟ هل امتلأت قلوبكم وقلوبنا بحب الله ورسوله، أم امتلأت بما يسخط الله ورسوله؟ نسأل الله أن نكون الأول ولا نكون الثاني. أيها الأحبة! يقول ﷺ : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) أتريدون الجنة؟ أتريدون داراً فيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) يقول ﷺ فيما رواه البخاري والترمذي: اضمنوا لي اثنين، ما بين الرجلين وما بين الفكين، اللسان والفرج (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة). فهل ضمنت لسانك عن اللهو والباطل والغيبة والنميمة والكذب والزور والحرام حتى تضمن لك الجنة؟ وهل حفظت فرجك من الزنا واللواط ومقدماته وما حوله حتى تضمن لك الجنة؟ لو جاءك مسئول كبير أو رتبة عسكرية عالية وعندك موضوع من المواضيع وقال لك اترك الموضوع إلي، دع القضية عندي أنا أضمن لك هذا الموضوع، ويأتيك أحد يريد أن يعطيك شيئاً من السعي، يقول: أنا سأدبر لك هذا، سوف أساعدك، سأفعل لك، تقول: يا حبيبي فلان بن فلان بمنزلته وجلالة قدره وعلو شأنه قد ضمن لي هذا الأمر فلا أحتاج إليك ولا إلى أشكالك، فهذا نبي الله ﷺ يضمن لك الجنة إذا أنت حفظت ما بين لحييك لسانك، وحفظت ما بين رجليك فرجك.

стр. 2725

خطر الانسياق وراء الشهوات وإن الانسياق وراء الشهوة أمر خطير جداً وعاقبته العذاب، فالذين يدعون مع الله إلهاً آخر، والذين يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، والذين يزنون يقول الله تعالى عنهم: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] ورجع إلى الله وأناب واسترجع وصدق في توبته، ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠]. سئل ﷺ : (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قيل: ثم أي يا رسول الله؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك). أيها الأحبة! إن الذين ينساقون وراء الشهوات والواحد منهم لا يفكر إلا متى تستوي نبتة شهوته حتى يخطف سعيرها ولا أقول ثمارها، غير سائل وآبه ومبال بما يكتنف ذلك من فضيحة وعار وخزي وسخط، وشهود الله له وملائكته الكرام الكاتبين، والأرض تحدث أخبارها، وظلم المعصية يعلوه، وكل شيء شر يقترفه، وتختلف عليه الأمور، وارجعوا إلى كتاب ابن القيم الداء والدواء، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ذكر أربعاً وسبعين علة وشؤماً وخطراً لمن أمعن وارتكب المعاصي غير نادم ولا تائب ولا مقلع عنها. أقول: إن الانسياق وراء الشهوات وعدم محاسبة النفس للحد والوقوف والرجوع والإنابة إلى الله والإقلاع عن ذلك لسبب الخزي والعار في الدنيا والآخرة، والعذاب المهين يوم القيامة، يقول ﷺ في حديث سمرة بن جندب: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا على مثل التنور فإذا به لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، فسأل عنهم فقيل: الزناة والزواني) رواه البخاري. إن الذين ينساقون وراء الشهوات يعاقبون بعقوبات عاجلة وآجلة، فلا تسأل عن الأمراض الجنسية بألوانها وأنواعها، وذاك مصداق حديث النبي ﷺ الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص يقول ﷺ : (يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) رواه ابن ماجة والحديث صحيح. أيها الأحبة! ومصداق قول النبي ﷺ ظاهر فيما نسمع به، عافنا الله وإياكم ويكفيكم من شر سماعه من أمراض جنسية اخترمت الأبدان في بلاد العهر والإباحية من الهربز والإيدز والسيلان والزهري والأمراض النتنة والنجسة، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 2726

ما تجلبة الشهوات للإنسان من عواقب إن الذين ينساقون وراء الشهوات ينسون أن الجزاء من جنس العمل، وأن الذي يطلق لنفسه العنان في الشهوات تضعف عنده الغيرة على المحارم والحرمات، فتراه ضعيف الغيرة الأمر الذي ربما جلب لنفسه شراً ينتهي به إلى أن يفعل في داره ما يفعل في دور الناس، أو ألا ينكر ما يفعله من حوله لينتهي بهم الأمر إلى الوقوع في ما وقع فيه مع محارم الناس، وصدق الشاعر إذ قال: عفوا تعف نساءكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمسلم إن الزنا دين فإن أقرضته كان القضا من أهل بيتك فاعلم من يزنِ يزنَ به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهم من قد زنى يوماً بألفي درهم في بيته يزنى بغير الدرهم والله إن شاباً جاء ذات يوم بعد صلاة الفجر وأمسك بي سائلاً يقول: إني في حيرة وشكوك لا أول لها ولا آخر، في شأن زوجتي وجدت غرائب في حقيبتها، ورأيت أموراً لا أقطع بها في الفاحشة ولكنها لا تبرئها من الاتهام، فقلت له: أسألك بالله! هل أنت عفيف عن محارم الناس؟ فأطرق برأسه وقال: لا. أيها الأحبة! إن مشكلة الشهوات تبدأ بإطلاق اللحظات والعاقل يحفظ نفسه. قال رجل لأحد أهل البادية: إذا وطيت الجني قل بسم الله قال: لا توطئ الجني ولا تسمي. يعني: بعض الناس يقول: أنا أتفرج أفلام ومسلسلات وو إلى غير ذلك، ولكن إذا انتهيت فعلت وفعلت وفعلت مما أحاول أن أحافظ به على نفسي، نقول: يا أخي الحبيب! ما كل مرة تسلم الجرة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٤ - ٢٥]. أيها الأحبة! كثير من الشباب قد انتصب كانتصاب الإمام في المحراب أمام الشاشة والتلفاز والقنوات الفضائية متابعاً للأفلام الساقطة، ولكل ما يؤجج الشهوة، مما تعرضه مجلات الخنا والفساد، وأشرطة التكسر والمجون، وكل ذلك يتعامل مع مشاعر ضعيفة، ومع نفس قد استوطنها الشيطان، وتربع الوسواس الخناس في قلب صاحبها، وحجب سمعه وبصره وقلبه ولبه وفكره عن أن يتدبر الحق، وأصبح في هذه الحال من الضلال والانسياق وراء الشهوة؛ بسبب عدم غض البصر وإطلاق اللحظ والنظر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]. كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر يضر خاطره ما سر ناظره لا مرحباً بسرور عاد بالضرر هل كل ما اطلعت عليه استطعت عليه بالحلال؟ كل ما نظرت إليه غالبه لا تستطيع عليه حلالاً ولا حراماً وإن قدرت عليه فبالحرام، أما من أراد الحلال فالطيبون للطيبات والطيبات للطيبين. وأنا الذي جلب المنية طرفه فأنا المحاسب والقتيل القاتل أنت تطعن ولكن في صدرك، وأنت ترمي السهم ولكن لفؤادك، وأنت تلوح بالبندقية ولكن في جوفك وبدنك. فيا مسكين لا تحطم نفسك بنفسك. وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر فيا شباب! الله الله في حفظ الأبصار، وإياكم والخلوات الطويلة والفراغ والوحدة.

стр. 2727

دور الفراغ في تأجيج سعير الشهوات إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة إن الفراغ من أهم البواعث على الفساد، حين يبقى الشاب والفتاة وحيدين خاليين يستسلم أحدهما أو كلامها للخواطر والأفكار، يسعى الشيطان لإمساك الزمام، يقودهم للتفكير حيث الخيالات التي لا تحدها جوازات ولا يفتش عليها جنود أو شرط، خيال محرم في الشهوة واللذة، ثم يبدأ الأمر فتنتقل الفكرة من الخيال إلى الخطرات، ومن الخطرات إلى الخطوات، ومن الخطوات إلى العزائم والأفعال. ولو لم يكن في ذلك إلا أن ينساق الفتى أو الفتاة وراء عادة بليدة رخيصة رقيعة تسبب بلادة الذهن، وفتور الهمة، وذهاب المروءة، وضياع الجرأة لكان ذلك كافياً، ثم قبل ذلك وبعده هي من التعدي وابتغاء وراء ما شرع الله . ويا أيها الفتى ويا أيتها الفتاة! الصديق الصديق، والجليس الجليس، والرفيق الرفيق، إن الأصدقاء يصلح بعضهم بعضاً، ويفسد بعضهم بعضاً، والنبي ﷺ يقول: (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) رواه الترمذي. كم من شاب كان من أهل الروضة؛ روضة المسجد والمحراب خلف الإمام لا تفوته الصلوات الخمس أصبح لا يرد المسجد إلا لماماً ونزراً يسيراً، لماذا؟ الصديق! كم من فتاة كانت لا تدع عند خروجها قفازها وحجابها وقبل ذلك وبعده حياءها، فأصبحت الآن تنافس وتباري وتتباهى بالتبرج والسفور، من الذي غيرها وأفسدها؟ صديقة عرضت لها الفجور والفساد في ثوب كلمات رقيقة، في ظل همسات خبيثة حتى أوقعتها في شهوة نتنة ضالة مضلة. وهؤلاء سيقول أحدهم أو سيقولون يوم القيامة: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩]. إن من يخالل أحداً يختار لنفسه أن يحشر معه يوم القيامة، أتحب أن تحشر مع الذين يقومون يوم القيامة كالذي يتخطبه الشيطان من المس فعليك بأهل الربا أحِبهم، من أحب قوماً فهو معهم، أتريد أن تحشر يوم القيامة مع الفجار والفساق خالطهم في الدنيا واجعلهم أحبابك وخاصة جلسائك، واجعلهم ممن تتمنى ألا يغيبوا عن لحظك ومجلسك فترة، ستحشر معهم، جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يحلق بهم، فقال ﷺ : المرء مع من أحب يوم القيامة). وجاء رجل يقول: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال ﷺ : ماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت كثير عمل، لكني أحب الله ورسوله، فقال ﷺ : أنت مع من أحببت يوم القيامة). فالشاب والفتاة إن شاءوا أن يحشروا مع الأبرار والأخيار والأطهار والصالحين والصالحات فعليهم أن يلزموهم وألا يبرحوا مجالسهم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. أيها الأحبة! لئن كان الإيمان غطاه شيء من الران وصدأة القلوب ببعض الذنوب، وأصبح القلب قاسياً بسبب ألوان المعاصي فإن الله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].

стр. 2728

دعوة للرجوع إلى الله التوبة التوبة، الرجوع الرجوع، الإنابة الإنابة، نحن الآن قادرون على الركوع والسجود ودخول المساجد وعمل والصالحات: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. الفرصة متاحة وممكنة وميسورة، بادر: أحسن إذا كان إمكان ومقدرة فلا يدوم على الإحسان إمكان أيها الأحبة! إنني أقولها نصيحة وإشفاقاً ومحبة لإخواني الشباب، وشفقة ورأفة بأخواتي المسلمات، ألا ننجر وراء الشهوات، وهب أنك تَعُبُّ من الشهوات عَبَّاً، ويصب لك من كأس الشهوة صباً، وتعاقر ما تشتهيه نفسك بالحرام ليلاً ونهاراً، أليست الشهوة منقضية؟ أليست اللذة فانية؟ بلى. ولكن الإثم باق. ألست إن جاهدت نفسك على طاعة الله ومرضاته أليس تعب الطاعة ينسى؟ بلى. والثواب باق. إن أهنأ عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حلْ اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقُلِ الفصل وجانب من هزلْ ودع الذكرى لأيام الصبا فلأيام الصبا نجم أفلْ إن أهنأ عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمراً جللْ شربنا لعبنا غلطنا غفلنا سهرنا سافرنا، انتهى. ألا نتوب، ألا نرجع، ألا يكفي ما مضى؟ خلي ادكار الأربع والمعهد المرتبع والضاعن المودع وعد عنه ودع واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا ولم تزل معكتفا على القبيح الشنع إلامَ تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضر المقتني ولست بالمرتدع أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وقت الشمط لثوبه فقد نعي ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] النذير الشيب، إذا علا لحيتك أو رأسك أو رأيت شعرات بيض قد بدأت تخالط سواد شعرك فاعلم أن النذير يندب ما بقي من زمنك، وينبئك بالرحيل، ويقول لك: استعد. الفرصة الممكنة أصبحت أقصر مما مضى، انتبه! التفت!

стр. 2729

راقب الله تنج من معاصيك ثم أخي الحبيب! راقب واعلم أن من أسماء الله : السميع، البصير، الحفيظ، الرقيب، الخبير، العليم، وكلها تدل على أن الله مطلع وشاهد، وأن الله لا تخفى عليه خافية، فاستحي، استحي، استحي من الله. وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى العصيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد:٨ - ١٠]. أيها الأحبة! لنعلم أننا ما عصينا الله إلا بنعمه علينا، المشلول لا يمكن أن يتسور الجدران، السارق يعصي الله بقدميه، المعوق لا يمكن أن يطعن أحداً ظلماً، لأن القاتل يستخدم نعمة اليد في طعنه وعدوانه وبغيه، والأصم الأبكم الذي لا يبصر لا يمكن أن يزور ويختلس أو يشهد زوراً؛ لأن الذي يشهد الزور ويزور ويختلس لا يمكن أن يعصي إلا بنعمة السمع والبصر واللسان، فلنشكر نعم الله ، ولنعلم أن هذه النعم تنفعنا وتحفظ لنا بإذن الله بقدر ما نسخرها في طاعة الله ، ويعفو ربنا عن كثير، ولنعلم أن جوارحنا هذه التي نلذذها ونمتعها بالمعاصي هي شاهدة علينا، ليست لنا بل شاهدة ضدنا، يقول ﷺ وقد ضحك، فسأل عن سبب ضحكه، فقال: (عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول: يا رب وعدتني ألا تظلمني فيقول الله تعالى: أوليس كفى بي شهيداً وبالملائكة الكرام الكاتبين شهوداً، قال: فيقول العبد: يا رب إني لا أقبل على نفسي شهيداً إلا من نفسي، فيختم الله على فيه -على فم العبد- وتتكلم أركانه بما كان يعمل؛ فينطق لسانه، وتتكلم يده وفرجه ورجله -كل هذه تتكلم- فيقول العبد: بعداً لكن وسحقاً عنكن كنت أناضل) رواه الإمام مسلم. أيها الأحبة! هذه الجوارح وهذه النعم التي في أبداننا حقيق بنا أن نجعلها في طاعة الله ومرضاته: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون َ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٠ - ٢٢]. أيها الأحبة! لا يستطيع أحد أن يفعل معصية مستخفياً خلالها عن جوارحه وعن نعم الله في بدنه.

стр. 2730

أحسن اختيار جليسك وخاتمة المطاف: الجليس الجليس، فإنه إما أن يقودك إلى خير وإما أن يغويك إلى شر، وعليك بالدعاء، تضرع إلى الله ، تضرع إلى الله ، وألح على الله كما ألح يوسف ﵇: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنََّ﴾ [يوسف:٣٣] فاستجاب الله دعوته فصرف عنه السوء، وصرف عنه كيدهن وفحشهن، وأظهر براءته على لسان الملأ ورءوس الأشهاد: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١]. أيها الأحبة! إن الفتى والفتاة إذا تسلطت عليه شهوة عارمة جامحة فاستعاذ بالله وتوضأ وصلى ركعتين وقال: يا رب يا رب إني ضعيف ما لم تحفظني، إني على خطر ما لم تحصني، يا رب اصرف عني هذا الشر، اصرف عني هذا البلاء، اصرف عني هذا الكيد، فإن الله يحفظه ويعينه على تجاوز هذه المصيبة العظيمة. أسأل الله بمنه وكرمه وأسمائه وصفاته، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب: أن يجعل للحاضرين والحاضرات من كل هماً فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية. اللهم يا حي يا قيوم! لا تدع لنا في هذا المقام ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذرية صالحة وهبته بمنك وكرمك يا رب العالمين. اللهم ابسط لنا في صلاح أعمالنا، وإخلاص أفعالنا وأقوالنا، وصلاح ذرياتنا، وسعة أرزاقنا، وعافية أبداننا، واختم لنا بخير خاتمة ترضيك عنا، اللهم حبب إلينا ما يرضيك، وبغض إلى نفوسنا واصرفنا عما يسخطك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصر إخواننا المسلمين في كوسوفا، اللهم انصر إخواننا المسلمين في كوسوفا، اللهم انصر إخواننا المسلمين في كوسوفا، اللهم عجل نصرهم، اللهم اهلك عدوهم، اللهم عليك بالصرب أجمعين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا على طاعتك، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم أصلح ولي أمرنا، اللهم أصلح ولي أمرنا، وولي عهده وأصلح بطانتهم، وأعنهم على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم من أراد بهم سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، ومن أراد بهم نصيحة وصلاحاً وإخلاصا ونفعاً لأمتهم ورعيتهم فقربه منهم وأعنه على الحق يا رب العالمين. اللهم صلِّ وسلم على محمد وآله وصحبه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2731

الأسئلة

стр. 2732

الفتور وأسبابه وعلاجه السؤال فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! أنا شاب هداني الله لطريق الالتزام منذ عشر سنوات، ولكن خلال هذه الأيام الأخيرة أحسست بالتقصير في مجال الطاعات مثل صيام التطوع، والسنن الرواتب، وصار الأمر إلى التقصير عن الصلوات المكتوبات. فما هي نصيحتكم حفظكم الله لي ولأمثالي وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أخي الحبيب! الفتور الذي تتكلم عنه يشكوا منه كثير من الصالحين. وما أظن ذلك إلا لأسباب أهمها: ضعف التواصل، واللقاء، لما كان الشباب حريصين على التواصل واللقاء والعمل الدعوي الذي يكفل لهم جواً إيمانياً وصلة مستمرة وتعاوناً على البر والتقوى كانت الهمم عالية والنفوس متألقة، فلما ضعف التواصل فيما بينهم، وكثرة القالة، وغلب بعض الشباب سوء الظن بإخوانه، وغاب الإعذار، ولم يعد أحد يلتمس لأخيه عذراً في أي كلمة سمعت عنه؛ أو قيلت عنه امتلأت القلوب بهذا المرض، فانعكس قسوة ظهرت آثارها على الجوارح بالطاعة والعبادة. والواجب على الشباب أن يصلحوا أحوالهم، إننا ندعو الطيبين والمتدينين وغيرهم أن يلتفتوا لأنفسهم، لأن أمراضاً أهمها مرض القالة والقيل والقال وسوء الظن وغيبة الأعراض وقطع اللحوم وفاكهة الذوات هي التي أحدثت هذه القسوة. ويا أخي الحبيب! اسأل نفسك ما الذي اقترفته؟ إما أنك تساهلت بإدمان أو بالتساهل في مجالسة عصاة يجتمعون على معصية الله واستمرأت هذا، أو أنك هجرت إخوانك الصالحين وقلة مجالستك لهم، تلك المجالس التي لو قيل لأحدهم بعدها أوتر بأحد عشرة ركعة لأوتر غير متردد، أما لو جلس في مجلس فسق ولهو ثم عاد إلى البيت يريد أن يوتر بركعة واحدة يعجز ويصارع نفسه ويغالبها، وذلك من عاجل دلائل بركات حلق الذكر ومجالس الخير، ومن دلائل عاجل شؤم مجالس اللهو والغفلة. وإني أقولها وأدعو الشباب أن يجمعوا إخوانهم الذين تشردوا ليس في الخارج لا، تشردوا عن دائرة المحبة والأخوة لسبب أو لرأي أو لموقف أو لحدث أو لقضية، حتى ولو كان هذا الشاب يوماً من الأيام قال قولة أنكرناها ولم نقبلها فإن من واجبنا أن نتلطف به، ألسنا لو جاء الآن بين أيدينا شاب وقلنا: هذا أخونا الآن خرج من سجن انفرادي، زنزانة المخدرات والترويج وتعاطي الهروين. أقول يا إخوان: الله الله عليه بالرفق واللين واللطف، لا بد أن نحتويه، لا بد أن نبين له المحبة والمودة، ولا بد أن نغض الطرف عن بعض الأمور، وأن نذكره بمناقبه ومحاسنه، وأن نذكره أن أمة الإسلام بحاجة إليه، وأن نخوفه بالله، ونذكره بقلبه الذي فيه لا إله إلا الله. أخونا المتدين الذي قضى زمناً في التدين والاستقامة ثم زل زلة، أو أخطأ خطأً، أو ارتكب أمراً، خلاص تغسل منه اليدين بالصابون وما عاد فيه أمل يرجع ولا يمكن، حتى إن بعض الشباب لأن فلاناً يرى ذلك الرأي لا يسلم عليه ولا يقابله ولا يستضيفه ولا يقبله ولا يطيقه أبداً، هذا ضيق عطن، وضيق أفق، وعدم فهم لما تحتاجه الدعوة من سعة العلاقة بالخلق أجمعين، وتوظيف طاقتهم لنشر دين رب العالمين.

стр. 2733

نصيحة لمتابعي برامج تشكك في مسلّمات الشرع السؤال أرجو توجيه نصيحة إلى بعض الشباب الذين يعيشون على متابعة البرامج الفضائية المتعلقة بالرأي والرأي الآخر وفي القضايا الشرعية المسلَّم بها للنقاش والحوار كتحريم شرب الخمر وجزاكم الله خيراً؟ الجواب الذي ينبغي للجميع أن يحفظ سمعه وبصره وعقله ولبه وفؤاده، وإن كان قد تابع أو يتابع شيئاً من ذلك لمصلحة ظاهرة راجحة، فعليه ألا يحضر مجلسه من يسمع الشبهة فتستقر في قلبه ولا يفهم الرد عليها، وربما يكون من مقاصد أصحاب البرامج هذه أن يتفننوا في عرض الشبهات وأن يتقصدوا العجز في إيراد الأجوبة، إما باختيار الطرف العاجز في المقابل، أو بعدم إتاحة الفرصة الكاملة له أن يجيب. وإني رأيت كثيرا ً من العقلاء وإن كان بعضهم من قبل كان يتحمس بقوة في قضايا الرأي والرأي الآخر والاتجاه المعاكس وإلى غير ذلك، أصبح الكثير منهم يقول: والله ما عدت أخالها أو أظنها إلا دسيسة يهودية. أساساً يا أخوة الـ (بي بي سي البريطانية) لمن؟ هي يهودية في الأصل، ثم كانت لها مشكلة معينة في بث عربي وفوراً احتووا الموقف وجاءوا بهذه الطريقة عبر قناة من القنوات. فلا تظن أخي الحبيب أن كل ما يطرح هو لصالحك، ولا تتحمس، قد تسمع حواراً فيه جزئية بسيطة تنتشي طرباً حينما تسمعها لكن لا يسرك أن تجد أحداً ينتصر لجارك وهو في المقابل يريد أن يهدم دارك، فالمسألة فيها كيد ومكر كبار، وهذا مخطط رهيب لاحتواء فكري وجعل الأمة في قوقعة فكرية في ظل خيارات وهمية، كلها خيارات لا تخرج عن الإطار المرسوم في ظل هذه الحوارات. فكثير من الشباب لا يستطيع أن يستقل برأيه يقول أحدهم: ماذا تشجع في حلبة المصارعة هذا أو هذا، ما بوسعك أن تقول، تقول: أسأل الله أن يهلكهم جميعاً، تستطيع أن تقول هذا الكلام، ليست ملزماً أن تقول: أسأل الله أن ينتصر هذا على هذا، فكذلك في بعض القضايا لست ملزماً أن تؤيد هذا أو تؤيد هذا، لكن هم يجعلونك في جو اختيار ورأي حر، ثم تظن أنك قد اخترت الرأي، وفي كلا الحالين أنت لم تخرج عنه. مثل الأب البخيل الذي يدخل عياله في محل كل شيء بخمسة ريال يقول: ماذا تريدون يا عيالي اختاروا، أساساً كل شيء بخمسة ريال أين الخيار؟

стр. 2734

حكم قراءة التوراة والإنجيل بهدف الاطلاع السؤال ما حكم قراءة كتب الإنجيل والتوراة بهدف الاطلاع؟ الجواب ينبغي ألا يطلع عليها إلا من تدعوه دراسته وتخصصه لذلك، أما من باب الاطلاع وغير ذلك فيكفيك حكماً على هذه الكتب ما جاء في كتاب الله، الوقت الذي تصرفه في قراءة الإنجيل أو صحف التوراة اصرفه لقراءة القرآن تزداد يقيناً وثقة واعتقاداً بالله وكتابه ورسله وأنبيائه.

стр. 2735

حكم الدخول على النساء الأجنبيات السؤال يتساهل كثير من الناس في الدخول على النساء الأجنبيات، مثل أن يدخل الرجل على زوجة أخيه، بل إنها تكشف وجهها عنده. فهل من نصيحة لهؤلاء؟ الجواب نصيحتنا أن يتجنبوا مخالفة أمر النبي ﷺ ، فقد قال ﷺ : (إياكم والدخول على النساء، قيل: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال الحمو الموت) هذا ليس اتهاماً للحمو، لكن لمظنة ما يتساهل به الناس في دعوى الثقة التي تعقب الخلوة، وطول السهاد، وقرب الوساد، وكثرة الإمساس وفقد الإحساس ثم وقوع المشكلة، فلا ينبغي أن يتساهل في ذلك. إن ديننا الذي علمنا حتى دخول الخلاء ودورة المياه أرشدنا إلى ضوابط في معاملات الناس فلا نظن أن الدين تركنا سدى ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤] إن نتمسك بهذا الدين فنحن على خير وهداية بإذن الله .
следующие страницы →